الدبلوماسية الجماعية بين احترام سيادة الدول والتدخل لأغراض إنسانية

فاطمة غلمان

الملخّص

شهدت مجموعة من الدول العربية انتفاضات متنوّعة بحسب طبيعة البيئة الاجتماعيّة وًالأنظمة الحاكمة، وانطلاق ا من مجالها الإقليمي وموقعها الجيوسياسي. كما اختلفت أدوات إدارة هذه الحوادث والحلول المطروحة لإيقافها أو الحد من تصاعدها. لقد جاءت الانتفاضات العربية ضمن حقبة متميزة من تاريخ العلاقات الدولية بحكم تعرض النظام العالمي إلى تحولات عميقة من حيث الأطراف الفاعلة والمؤثرة، وكذلك من حيث طبيعة الأزمات التي اختلفت شكل ا ومضمون ا عن تلك التي تعرّض لها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا التحول طرأ أيض ا على مفهوم الأمن، إذ لم يعد يتحدد في الدفاع عن الوطن فقط، بل أصبح يستوجب أيض ا تسوية النزاعات الخارجية قبل أن تتحول إلى عوامل تزعزع الاستقرار الإقليمي. وقد صاحب هذه التحولات سعي القوى الكبرى إلى إشراك منظمة الأمم المتحدة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، من خلال توسيع اختصاصات مجلس الأمن عن طريق طرح بعض المفاهيم الجديدة التي تلائم طبيعة الصراعات والأطراف المتنازعة، والتي يمكن من خلالها التوفيق بين مبدأ عدم التدخل ومبدأ السيادة. فكيف تعاملت الدبلوماسية الجماعية مع انتفاضات ما سمّ ي "الربيع العربي"؟ انطلاق ا من هذه الإشكالية يحاول هذا البحث التطرق إلى تقنية إدارة الأزمات في حقل العلاقات الدولية بصفتها وسيلة ترتكز على مقومات قانونية / دبلوماسية بغرض احتواء أزمة معينة، ها أنجع الوسائل لاحتواء الأزمات التي قد تؤثر بشكل ما في توازن النظام الدولي بما أن. الملخص وتتطلب هذه العملية كثيرًا من الحكمة والحذر في التعامل مع نوع جديد من الحروب، خاصة أنّ الأمر يتعلق بأزمات داخلية يعود حلها بالدرجة الأولى إلى أجهزة الدولة المعنية.

مقدمة

لقد مثّل حل الأزمات المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين دائمًا قلقًا للسياساست الخارجية، وخاصة السياسات الخارجية للقوى الكبرى، إلّ أنّ الجديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة يكمن في البحث عن السيطرة على الصراعات بالعمل على منعها قبل حدوثها، أو للتصدي لها درءًا للتصعيد وتفاديًا لوقوع الأزمات، فيما سمّي الدبلوماسية الوقائية. فإذا كانت النزاعات التي شهدتها فترة الحرب الباردة بمنزلة أزمات دولية خطيرة كادت أن تفضي بالقوى العظمى آنذاك إلى مواجهات عسكرية مباشرة (أزمة الصواريخ الكوبية 1962)، فإنها تميزت إجمالً بسهولة الإدارة نظرًا إلى كون غالبيتها جاءت نتاجًا لصراع بين خصمين تقليديين (الشرق والغرب)، إذ كان الطرفان يتوافران على أدوات احتوائها في إطار سياسة الردع المتبادل والمفاوضات الثنائية، أمام ضعف الأمم المتحدة. أمّا اليوم، وفي عالم ما بعد الحرب الباردة، فإنّ الأمر أضحى في غاية الصعوبة، خصوصًا مع بروز صراعات ذات طبيعة مختلفة من حيث الأسباب والمجال، كتلك المرتبطة بصراعات داخلية إثنية أو قبلية، أو تلك الناتجة من مطالب سياسية وحقوقية.

لقد صاحب هذه التحولات رغبة القوى الكبرى في إشراك الأمم المتحدة لمواجهة هذا النوع الجديد من الحروب المهددة للسلم والأمن الدوليين، وطرح بعض المفاهيم الجديدة التي تتلاءم مع طبيعة الصراعات، وذلك في محاولة منها دعم العمل الدبلوماسي على حساب العمل العسكري. فقد مثّلت النزاعات الداخلية، كتلك التي شهدتها مجموعة من الدول العربية من ليبيا إلى سورية، نوعًا مختلفا من الحروب من حيث الطبيعة والمجال والأطراف، زد على ذلك تميزها من حيث النهج والأسباب، وهي بذلك تطرح تحديًا كبيرًا للقانون الدولي العام، وللقانون الدولي الإنساني، وبالخصوص للدبلوماسية الجماعية. لذلك مثّلت الانتفاضات العربية فضاءً خصبًا لتجريب آليات دبلوماسية دولية جديدة بقصد احتوائها عبر محاولة التوفيق بين مبدأ الحماية ومبدأ السيادة. انطلاقًا من هذه الإشكالية يحاول البحث التطرق إلى تقنية الدبلوماسية الجماعية بصفتها وسيلة تركّز على احتواء أزمة معينة وإلى الآليات الناجمة عنها والمعتمدة لتطويق نزاعات في حلّة جديدة.

تأك ل مبدأ السيادة المطلقة

ينصّ ميثاق الأمم المتحدة في فقرته ال 7 من المادة 2 على أنه "ليس في هذا الميثاق ما يسوّغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما... إلخ." فبموجب القانون الدولي يحدد السلطان الداخلي للدولة المجال الحصري الذي يقع خارج نطاق القواعد الدولية، والذي من خلاله تؤكد الدولة استقلالية سلوكها باسم السيادة المطلقة التي تمنع على أي دولة أجنبية التدخل في شؤونها الداخلية، ولذلك عندما تمارس الدولة العنف المشروع للحد من اضطرابات قد تهدد استقرارها الداخلي، فهي تستفيد من هذا المبدأ1. إلّ أنّ هذا الاختصاص الداخلي يمكن أن يتغير بالتدريج تبعًا لتطور قواعد القانون الدولي، فمثلً كلما تمّ صدور قاعدة قانونية جديدة تنظم سلوك الدولة، داخليًا أو خارجيًا، يعدّ ذلك قيدًا إضافيًا لحريتها، خصوصًا إذا ارتبطت حرية تصرف الدولة بالتزامها تطبيق قواعد دولية ناجمة عن اتفاقيات ومعاهدات دولية2. من المؤكد أنّ اختيار الدولة نظامًا سياسيًا واقتصاديًا معيّنًا يدخل في جوهر اختصاصها الداخلي، لكن هذا الأمر لم يعد واضحًا اليوم، خاصة عندما تفرض بعض القواعد الدولية، عرفية أكانت أم وضعية، شروطًا

  1. مبدأ عدم التدخل من مبادئ القانون العرفي، لكنه سيفقد أي معنى حقيقي كمبدأ قانوني، إذا كان من السهل تبرير التدخل استجابة لطلب مساعدة خارجية من المعارضين لنظام الدولة، ففي هذه الحالة يمكن لأي دولة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى بحجة مساعدة الحكومة، أو مساعدة المعارضين لها. هذه الحالة لا تتجاوب مع أحكام القانون الدولي، بحسب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، انظر: الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية)، الأسس الموضوعية، محكمة العدل الدولية، الحكم الصادر في 27 تموز/ يونيو 1986، ص 212، على الرابط: http://www.icj-cij.org/homepage/ar/files/sum_1948-1991.pdf فمبدأ عدم التدخل ناتج من معارك تاريخية خاضتها الدول الضعيفة منذ القرن التاسع عشر لمواجهة القوى الاستعمارية التي كانت تتدخل باسم قيم الحضارة الغربية، وبحجة العامل الإنساني لتتدخل عسكريًا ضد الإمبراطورية العثمانية، وفي القارة الأفريقية وأقصى الشرق، انظر: Olivier Corten, "Les ambiguïtés du droit d'ingérence humanitaire," Le Courrier de l'Unesco , Paris (July/August 1999).
  2. فكلما وقّعت الدولة أو صادقت على نظام قانوني ما، أو شاركت في عضوية اتفاقية ما، تقلص مجال سلطانها الداخلي.

معيّنة على الدولة لنهج مبادئ الديمقراطية أو احترام حقوق الإنسان، أو في حالة سعي الدولة نفسها إلى ملاءمة قواعدها الداخلية في هذا المجال مع قواعد القانون الدولي، ما يؤدي من ثمّ إلى تأكّل سيادتها المطلقة. فاليوم أصبحت الدول، خاصة العربية منها، وبسبب ما تشهده من انتفاضات داخلية، تواجه بعض التأويلات لما كان ينعت "بالمجال الداخلي الحصري"، من خلالها يتمّ تجاوز مبدأ السيادة الذي كان في مرحلة معيّنة عائقًا صلبًا أمام أي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية. إذ هناك بعض المبادئ، كمبدأ "حماية الأشخاص المدنيين" الناجم عن مبدأ "عالمية حقوق الإنسان" وما يحمله من أبعاد سياسية وثقافية الذي جعل التدخل أمرًا ممكنًا في إطار تطبيق مبدأ "حق التدخل الإنساني"، والذي تمّ تأويله بدوره ليصبح مبدأ "مسؤولية الحماية." الواقع أنّ النظام الدولي شهد تحولّات عميقة بعد نهاية مرحلة الحرب الباردة، فالحروب التي كانت تنشب بين دولتين أو أكثر خلال تلك الفترة غالبًا ما كان يتمّ احتواؤها من القوتين العظميين عن طريق ما يسمى الردع المتبادل، لتجنب أي تصعيد قد يهدد السلم العالمي. لكن مع نهاية هذه الحقبة أضحت الحروب مختلفة تمامًا عما كانت عليه من قبل، سواء من حيث المجال أو الأطراف أو الأسباب، فهي حروب داخلية أو ما يسمّى الحروب الجديدة، وهي أكثر عنفًا وتقع غالبًا داخل دول منهارة أو على وشك الانهيار. اليوم، ومنذ اندلاع الثورات العربية 2010( - 2011)، أصبح النظام الدولي يواجه من جديد صراعات / أزمات تختلف من حيث النهج، والطبيعة والأسباب. فهي صراعات داخلية لكن ذات طبيعة سلمية أو شبه سلمية، قد تتحول إلى مواجهات عسكرية، أمّا الأطراف فهي نظام الحكم والمؤسسات التي تمثّله من جهة، والشعب أو جزء منه من جهة أخرى. هذه الحروب والصراعات الجديدة واجهها مجلس الأمن، أو الدول الكبرى دائمة العضوية في المجلس، بأسلوبين، الأول يتعلق بتدخل دبلوماسي، والثاني متمثّل في تدخل عسكري.

إلغاء التدخل بواسطة "الدبلوماسية الوقائية"

لقد فرضت النزاعات المسلّحة الداخلية، خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة، زيادة الطلب على تدخل الأمم المتحدة. ولمواجهة هذه النزاعات طلب رئيس مجلس الأمن من الأمين العام بطرس غالي، في 31 كانون الثاني/ يناير 1992، تقديم اقتراحات حول "وسائل تعزيز قدرات المنظمة في مجال الدبلوماسية الوقائية، وحفظ السلم وتثبيته"3. أمّا الاقتراحات التي طرحها الأمين العام السابق فقد ركزت على تغيير نهج حفظ السلم عن طريق تعديل وسائل عمل مجلس الأمن، لضمان فعالية أدائه في مجال الأمن الدولي، وعلى كيفية التعامل مع هذه النزاعات؛ وبذلك انبثق ما سمّي الدبلوماسية الوقائية، الاقتراح البارز في "خطة للسلام" لبطرس غالي4. ويكمن هدف الدبلوماسية الوقائية في منع حدوث الصراعات، والعمل على ألّ تتحوّل إلى نزاع مسلّح مفتوح، وفي حالة حدوث النزاع يجب العمل على الحد من انتشاره5. أمّا مهمّة الدبلوماسية الوقائية، فتنحصر في تدارك النزاع بتدعيم السلم، وتجنّب حصول انتكاسة، وذلك عن طريق الانتشار الوقائي للقوات الأممية، وإنشاء مناطق مجرّدة من السلاح6. ولتحقيق مبدأ الوقاية هذا، اقترح الأمين العام إنشاء جهاز للإنذار المبكر، إضافة إلى تعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية. تعدّ مسؤولية الوقاية من حدوث الصراعات في حد ذاتها خطوة ضرورية للتقليل أو حتى لإلغاء الحاجة إلى التدخل، لكن لكي تكون الوقاية فعّالة يجب أن تجتمع ثلاثة شروط أساسية: "الإنذار المبكر" المتعلق بتحليل الوضع ومدى هشاشته، و"الأدوات الوقائية" المتعلقة بالسياسات القابلة لتغيير الوضع، ثم "الإرادة السياسية." كما يتحتم أن تتم الوقاية عبر مراحل زمنية متباينة، إمّا قبلية أو بعدية.

  1. Céline Hiscock- Lageot, "Boutros.B Ghali, Secrétaire Général de L'ONU. Grandeurs et Servitudes d'un mandat unique, " Revue générale de droit international public , 104 (1), 2000 - 2001, p. 110. لقد كانت الفترة الممتدة بين 1988 - 1989 و 1994 حاسمة في تطور دور الأمم المتحدة في مجال السلم والأمن الدوليين، بعد التحول الذي شهده العالم بسبب تخلي الاتحاد السوفياتي عن مواصلة الصراع مع الولايات المتحدة 1987( - 1991.) وقد تجلت ملامح التوجه الجديد لدور الأمم المتحدة في ارتفاع الطلب على تدخلها بما لم يسبق له نظير، وفي توسع عملياتها التقليدية. الأمم المتحدة واستمرار الحروب الإقليمية والمحلية انظر: عبد الوهاب معلمي، (غير منشور.)
  2. انظر ما جاء في: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس الأمن، تقرير الأمين العام، خطة للسلام: الدبلوماسية الوقائية وصنع السلم وحفظ السلم، /47/277A، 24111/S(نيويورك، 1992/1/31)، ص.11
  3. المرجع نفسه، ص.64 تعدّ مذكرة الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بطرس غالي، تجسيدًا للمنظور التفاؤلي الذي يرى الأمن على أنه إنساني عالمي، لا يتجزأ عموديًا (من الفرد إلى الدولة)، وأفقيًا (كل انهيار في مكان ما يؤثّر في نهاية الأمر، إذا لم يواجه، في كافة الأماكن الأخرى)، وينظر إلى السلم على أنه عدالة بمعانيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. انظر: معلمي.
  4. أو ما يسمّى بناء السلام بعد انتهاء الصراع، وذلك قصد توطيد السلام ومنع عودة المواجهة المسلحة، وينطوي بناء السلام على تعزيز المؤسسات الوطنية، ورصد الانتخابات، وتعزيز حقوق الإنسان، وتوفير برامج إعادة الإدماج، وإعداد الظروف المواتية لاستئناف تقرير الأمين العام عن أعمال المنظمة التنمية، انظر: الأمم المتحدة، الجمعية العامة،، الوثائق الرسمية، الملحق رقم 1/52/A (نيويورك، 1997/9/3)، ص.18

تتطلب الأولى عملًاستخباراتيًا وأدوات التحليل والوقاية، والثانية، تتضمن ردة فعل آنية أمام ظهور إشارات تحذير، أي منع وقوع الصراع والحيلولة دون تحوله إلى أزمة، أمّا الثالثة، فهي تتطلب انسجامًا بين الإرادة السياسية الوطنية والدولية. لكن على الرغم من النيات الحسنة التي جاءت بها "الدبلوماسية الوقائية"، فالأمر المهم ليس هو ظهور علامات إنذار مبكرة، إنّ ا التجاوب معها بأسرع وقت ممكن لكيلا يتمّ التصعيد، فتعامل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع حوادث يوغسلافيا السابقة، والولايات المتحدة وبعض الدول العربية مع العراق 1990()، وتعامل الأمم المتحدة، والولايات المتحدة وفرنسا مع رواندا (بداية 1994)، كلها أمثلة كشفت عن محدودية تطبيق مفهوم الوقاية7، إذ انتهى الأمر في كل هذه الحالات بتدخل عسكري جماعي تحت مظلة الأمم المتحدة، وبعناوين متنوعة، من حق التدخل الإنساني، وحماية الأقليات، إلى التصدي للمذابح الجماعية.

من "الدبلوماسية الوقائية" إلى "مسؤولية الحماية"

في شهر آذار / مارس 2000، تساءل الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي أنان، أمام الجمعية العامة قائلً: "إذا كان التدخل الإنساني يمثل حقًا انتهاكًا غير مقبول للسيادة الوطنية، فكيف ينبغي لنا الاستجابة لحالات مثل تلك التي شهدناها في رواندا وسريبرينيتشا Srebrenica، حيث وقعت انتهاكات جسيمة جماعية ومنظمة لحقوق الإنسان، وهي تتناقض مع المبادئ الإنسانية؟"8. فانطلاقًا من عام 2000 شهد الجدل الكبير حول كيفية تعامل المنظمة الدولية مع الأزمات الداخلية تطورات مهمة، ومن سماته الأساسية ظهور مفهوم جديد للحماية ناتج من مفهوم الأمن الإنساني، ومن خلاله يتمّ التوفيق بين مبدأ عدم التدخل ومبدأ الحماية9. وبذلك ورد مفهوم "مسؤولية الحماية" أول مرة في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي للأمم المتحدة عام 2005 10، بمناسبة الذكرى الستين لإنشائها، والذي شمل ليس فقط مسؤولية الرد حين وقوع كارثة إنسانية ولكن أيضًا منع وقوعها، إضافة إلى إعادة البناء بعد انتهاء العمليات. لقد جاء هذا المفهوم في إطار انقسام مواقف "المجتمع الدولي" بين الطرح القائل إنّه بمجرد فشل التدابير الوقائية وعندما يكون أمن المدنيين مهددًا، على المجتمع الدولي مسؤولية الرد عن طريق استعمال التدابير التي لا تدعو إلى التدخل، والموقف الداعي إلى التوفيق بين احترام السيادة الوطنية للدول والحاجة إلى التدخل لأغراض إنسانية. لكن في خضم هذا الجدال طرح سؤال جوهري يتعلق بحدود العنف الممارس أو بهامشه، وسوء المعاملة، وغيرها من الانتهاكات التي تلحق بالساكنة المدنية، وتتّخذ وازعًا لتدخل عسكري قسري داخل الإقليم الوطني للدولة. وردًا على هذا السؤال اقترحت "اللجنة الدولية للوقائية وسيادة الدول" ستة معايير: المعيار الأول يتعلق بالسلطة المختصة، يعني الجهاز الأكثر شرعية لتحمل مسؤولية هذا النوع من العمليات. وهنا تمّ اقتراح مجلس الأمن بصفته هيئة تمثيلية دولية مؤهلة للقيام بهذه المهمة11. المعيار الثاني يتعلق ب "عدالة القضية"، إذ هناك حالتان تبرران خرق مبدأ عدم التدخل؛ عندما يتعلق الأمر بمنع قتل المدنيين أو تجنبه بطريقة فعلية أو مرتقبة، مع وجود نية إبادة جماعية متعمدة لدى الدولة، أو ناتجة من إهمالها، أو أمام عدم قدرة الدولة على التصرف، أو في حالة وقوع تطهير عرقي على نطاق واسع، فعليًا أكان

  1. Du règlement à la prévention", La politique étrangère: Nouveaux regards , Frédéric Charillon (dir.) (Paris: Ed. Presse de la fondation nationale des Sciences Politiques, 2002), pp. 288 - 289.
  2. الأمم المتحدة، الجمعية العامة، تقرير الأمين العام، نحن الشعوب: دور الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين، الوثائق الرسمية، 2000/A/54 (نيويورك،.)2000/3/27
  3. مفهوم "مسؤولية الحماية" صاغته اللجنة الدولية للتدخل وسيادة الدول CIISE، التابعة لمركز البحث حول التنمية الدولية، أوتاوا، كندا،.2000
  4. نتائج مؤتمر القمة العالمي 2005، الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة الستون، الوثائق الرسمية، القرار رقم /160A/RES/، (نيويورك.)2005/9/16
  5. مسؤولية مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن مضمونة، لكن ليست حصرية أو فريدة، فهناك مسؤولية الجمعية العامة أيضًا. فالمادة 11 من ميثاق الأمم المتحدة تعترف بالمسؤولية الفرعية للجمعية العامة من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين، المرفقة بقرار "الاتحاد من أجل السلم" لعام 1950 في حالة شلل عمل مجلس الأمن.

أم محتملً، نفذ بواسطة القتل والطرد القسري، وأعمال الاغتصاب والإرهاب. المعيار الثالث يتعلق بمبدأ حسن النية، بحيث يجب أن يكون هدف التدخل العسكري فقط هو وقف المعاناة التي يتعرض لها المدنيون. ويتطلب المعيار الرابع أن يكون التدخل العسكري آخر خيار، أي عندما تفشل كل المحاولات لإيقاف العنف. أما المعيار الخامس، فيتعلق بتلاؤم وسائل التدخل، سواء من حيث الحجم، والمدة أو القوة، مع طبيعة الأزمة. يبقى المعيار السادس الذي يطرح مسألة الاحتمالات المعقولة للتدخل، أي أن يضمن التدخل العسكري فرصة نجاح العملية، لا أن يساهم في تعميق الصراع. في هذه الحالة الأخيرة توصي اللجنة بعدم التدخل، وفي حالة وقوعه يجب العمل على إعادة البناء وإعادة الأرض / الدولة إلى الشعب الذي تقع على عاتقه مسؤولية بناء المستقبل12.

ميدانيًا، تمّ اللجوء إلى مفهوم "مسؤولية الحماية" خلال شهر آذار / مارس 2011، حين قرر مجلس الأمن استخدام القوة في ليبيا ضد قوات العقيد القذافي لوضع حد "لقمع المتمردين الليبيين"13. هذا القرار دخل التاريخ الدبلوماسي العالمي بما أنّه أول قرار أممي يطبّق مفهوم "مسؤولية الحماية" الذي يشير إلى "حق حماية المدنيين من الإبادة، وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية14. فأول مرة في تاريخ عمل المنظمة يأذن مجلس الأمن باستخدام القوة لحماية مواطنين دولة ضد إرادة السلطة الحاكمة (ليبيا)؛ وبعد مرور أقل من شهر لجأ مجلس الأمن إلى تطبيق المفهوم نفسه في ساحل العاج15.

الاتجاهات المتناقضة حول تنفيذ "مسؤولية الحماية"

تعرّض تنفيذ الأمم المتحدة مفهوم "مسؤولية الحماية" لاتجاهين متناقضين: الاتجاه الأول، يتماشى مع النقلة النوعية التي أحدثها تبنّي مفهوم "مسؤولية الحماية"، إذ يرى أنه في الوقت الذي كان فيه الاختيار صعبًا بين احترام سيادة الدول أو التدخل لأغراض إنسانية، مع هذا المفهوم، أصبحت هناك إمكانية للتوفيق بينهما من خلال النظر إلى السيادة على أنّها أصبحت مسؤولية؛ بمعنى أنه لم يعد للحكام المستبدين إمكانية التملص من المسؤولية أمام المجتمع الدولي، "ما يمنح أملً كبيرًا للشعوب المقهورة"، بحسب رئيس الوزراء الفرنسي السابق، فرانسوا فيون16. انطلاقًا من هذا الطرح، يركّز هذا المفهوم الجديد على المنطق الإنساني، وعلى أهمية التوصل إلى توافق في الآراء والتعاون مع الآليات أو المنظمات الإقليمية من أجل التنفيذ، فالقرار الخاص بليبيا مثلً لم يكن ليتمّ طرحه على التصويت داخل مجلس الأمن من دون إشراك جامعة الدول العربية. ففي هذا الإطار شدد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي على أهمية الدعم الإقليمي قائل: إنّ "الدعم الإقليمي، على وجه الخصوص بالغ الأهمية، وهذا هو السبب الذي جعلني أواصل مشاوراتي مع المجتمع الدولي ومع شركائنا في المنطقة، ولا سيما الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول

  1. Rapport de la Commission internationale de l'intervention et de la souveraineté des États CIISE,   La responsabilité de protéger , Centre de recherche pour le développement international, (Ottawa, December 2001), p. 12.
  2. السلام والأمن في أفريقيا انظر:، الأمم المتحدة، مجلس الأمن، الوثائق الرسمية، S/ 1970/RES (نيويورك، 2011/2/26) وانظر أيضًا: الوضع في الجماهيرية الليبية، الأمم المتحدة، مجلس الأمن، الوثائق الرسمية، 1973/S/RES (نيويورك،.)2011/3/17
  3. Galia Glume, "Responsabilité de protéger," Centre d'études des crises et des conflits internationaux, Université de Louvain, Belgique (13/07/2006) & Réseau de recherches sur les opérations de paix, Université de Montréal, Canada (12/05/2011).
  4. الحالة في كوت ديفوار (ساحل العاج)، الأمم المتحدة، مجلس الأمن، الوثائق الرسمية، 1975/S/RES (نيويورك،.)2011/3/3
  5. خطاب رئيس الوزراء فرانسوا فيون أمام الجمعية الوطنية بمناسبة تطبيق مفهوم "مسؤولية الحماية" في ليبيا، باريس، 2011/7/12، على الرابط: http://www.assemblee-nationale.fr/13/cri/2010-2011-extra/20111012. asp#INTER_4

العربية، والاتحاد الأفريقي، وطلب المساعدة لتسوية الوضع ودعم موجة الديمقراطية التي تجتاح المنطقة"17. أما الاتجاه الثاني فهو يكرّس أكثر المنطق السياسي، إذ يرى أصحابه أنّ مفهوم "مسؤولية الحماية" هو مصطلح جديد يختفي وراءه منطق المنافسة نفسه، والربح السياسي دافعين لأي تدخل في السابق. والسؤال المطروح بالنسبة إلى هذا الاتجاه هو ما إذا كان مفهوم "مسؤولية الحماية" لا يمثّل في نهاية المطاف ذريعة جديدة لتدخلات القوى العظمى. إذ وبحسب "جان باتيست"، (أستاذ محاضر في قسم دراسات الحرب في المدرسة الملكية بلندن)، فإنّ أي تدخل عسكري لأسباب إنسانية، يكون دائمًا بدافع المصالح الوطنية البحت، وذلك لسبب بسيط هو أنّ الأساس المنطقي لوجود الأنظمة يتمثّل في الدفاع عن مصالح المواطنين18. انطلاقًا مما سبق، يتبيّ أنّ هناك مخاطر في تطبيق هذا المفهوم الجديد (مسؤولية الحماية)، فالتدخل في ليبيا وساحل العاج كشف عن تلك الحدود الشفافة بين حماية المدنيين والتدخل بغرض تغيير الأنظمة، فبحسب ما جاء في بعض الصحف الفرنسية، قامت فرنسا بإرسال أسلحة إلى المتمردين الليبيين في جنوب طرابلس للمساعدة على الاستيلاء على العاصمة19. وجاء أيضًا في اعتراف لوزير الخارجية الفرنسي بأنّ أهداف التدخل من اختيار حلف شمال الأطلسي، مما منحه إمكانية تفسير واسعة لنص القرار الصادر عن مجلس الأمن، باسم "مسؤولية الحماية"20. وهذا ما أشار إليه أحد الموظفين الأمميين قائلً إنّ الحرية التي منحتها عبارة "التدابير اللازمة"، الواردة في نص القرار 1973 للجهات المعنية بتنفيذ القرار حلف شمال الأطلسي، تثير التخوف من حدوث انزلاقات21، مضيفًا أنّ العمل العسكري لا يعبّ عن ثقافة المنظمة الأممية.فوفق بعض الدراسات المنتقدة لتطبيق مفهوم "مسؤولية الحماية"، مثّلت إزاحة العقيد القذافي هدفًا للتدخل الفرنسي، بحكم أنه كان يمثّل عائقًا أمام تعزيز نفوذها التقليدي في أفريقيا، إضافة إلى فتح المجال لعودة استثماراتها في ليبيا إلى جانب الولايات المتحدة، والصين، وتركيا22. من زاوية أخرى، رأى الرئيس السابق لجنوب أفريقيا ثابو مبيكي Mbeki" Thabo"، أن إعلان الأمم المتحدة عن فوز "الحسن واتارا" في الانتخابات الرئاسية في ساحل العاج يعدّ تجاوزا لمهامها، ويكشف عن موقفها المتحيز بصورة واضحة لمصلحة أحد الطرفين. إذًا، في كلتا الحالتين، أضاف متسائل، ألا يمكن أن نعدّ "الحماية الإنسانية" طريقًا نحو تغيير الأنظمة؟ في السياق نفسه يرى "باسكال بونيفاس" (الرئيس الفرنسي لمؤسسة العلاقات الدولية والجيوستراتيجية) أنّ مفهوم "مسؤولية الحماية" يكشف النقاب عن محدوديته أمام ما يقع في سورية من قمع مسلح خطير، وارتفاع متزايد لعدد الضحايا23.

عمومًا، فإنّ آلية التدخل العسكري الأجنبي في أراضي الدول الأخرى، بغضّ النظر عن دوافعه، وعن الجهة التي أذنت به، وعن المقاربات approaches() التي استعملت (دولية أكانت أم إقليمية) يظل عامل مهددًا لسيادة الدول واستقلاليتها. فمن الضروري أن يظل النظام العالمي قائمًا على احترام سيادة الدول وشرعية الأنظمة، ولا يوجد أي مبرر للخروج عن هذه القاعدة، خاصة إذا وقع التدخل باسم تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.

  1. OTAN, "L'OTAN est prête à appuyer les efforts internationaux concernant la Libye," 10/3/2011, in Julie  Lemaire, "La responsabilité de protéger: un nouveau concepte pour de vieilles pratiques," note dˊanalyse du GRIP, 31/1/2012, Bruxelles, p. 10.
  2. Lemaire.
  3. La France aurait livré des armes aux rebelles libyens", Le Monde ,
  4. Béligh Nabli, " Un regard juridique sur les mutations dans le monde
  5. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ هذا النوع من التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، قد جاء في إطار دعوة مجلس الأمن عام 1993 لتقاسم عبء حفظ السلم، إلّ أنّ هذه الدعوة
  6. arabe," M idées , 4/4/2011, at: http://bit.ly/1AFgfbo
  7. للتنسيق بين المنظمات الإقليمية والأمم المتحدة تبقى عامة وغير محددة. من جانب آخر، تتطلب فعالية المنظمات الإقليمية قدرًا من الحرية في التعامل مع الأزمات وبهامش من المرونة والابتكار، ما يؤدي من ثمّ إلى تأويلات موسعة للميثاق، قد يتسبب في إضعاف شرعية المنظمة. انظر: فاطمة غلمان، "دراسة تركيبية في إشكالية إصلاح الأمم المتحدة"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة، (غير منشورة) جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء - المغرب، 2005 - 2006، ص 133،.138 22 خليل عرنوس سليمان، "علاقة إدارة الأزمات الإستراتيجية الدولية بهيكل النظام الدولي"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، دراسات إستراتيجية، 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، على الرابط: http://bit.ly/1T8vUG2 23 بلغ عدد القتلى في سورية خلال شهر أيار/ مايو 2011 أكثر من 5000، وإلى حدود تموز / يوليو 2014 بلغ عدد القتلى 162000، انظر: " La guerre en Syrie: victimes et drame humanitaire", l'orient le jour , 3/6/2014, viewed 30/7/2014, at: http://bit.ly/1tKTfyf

خلاصة

الواقع، أنّ ما ينعت بالحروب الجديدة جعل المجتمع الدولي مقسّم بين احترام السيادة الوطنية للدول والحاجة إلى التدخل لأغراض إنسانية، والبحث عن كيفية التصرف أمام فظائع إنسانية جماعية. إلّ أنّ التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومهما كانت منطلقاته وأسبابه، يثير بعض المشاكل، خاصة إذا كان تدخلً عسكريًا، لأنه نادرًا ما ينظر إلى التدخل العسكري على أنّه عمل محايد، فضلً عن أن أساس العمليات العسكرية يكمن في محاربة عدو محدد. فالخطر الذي يطرحه دائمًا منطق الصراع يكمن في انزلاق المقترب السياسي في اتجاه المقترب العسكري. فعندما ترخّص الأمم المتحدة بالتدخل عسكريًا لمنظمة إقليمية وبقرار من مجلس الأمن، فهي تخاطر بصدقيتها وبأمن الدول واستقرارها، خاصة أنّ المنظمات الإقليمية غالبًا ما تقوم بعمليات معقدة وقسرية. كما أنّ الفصل الثامن من الميثاق لا يتضمّن ما يوحي بمنح مهمة التدخل الجماعي لمنظمة إقليمية، فالأمم المتحدة إذًا، تتعامل ب "منطق تجريبي" في إطار البحث عن وسائل ملائمة لأوضاع / أزمات جديدة. لكن تنفيذها يثير تساؤلات حول ما إذا كان مفهوم"مسؤولية الحماية" ناتجًا من توافق جديد أوسع داخل المجتمع الدولي، أم أنه يعكس في نهاية المطاف الاستمرار في المحافظة على مصالح القوى الكبرى القومية. وخلاصة القول، يكشف تنفيذ مفهوم "مسؤولية الحماية" النقاب عن خضوعه للمنطق السياسي أكثر من تجاوبه مع الدافع الإنساني، ولعل الواقع الأمني والإنساني في سورية اليوم يمثل خير جواب عن هذه التساؤلات.