التوافق والتباين في مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن 1979(-)2013

رويد أبو عمشة

الملخّص

يتعل ق موضوع هذه الدراسة بمواقف الدول الخمس الدائمة العضوية من القضية الفلسطينية في مجلس الأمن في الفترة 1979 - 2013، مع التركيز على موقف الولايات المتحدة الأميركية؛ بالنظر إلى أنها بمنزلة قائد النظام الدولي الحاليّ، وذلك من خلال عرض مفهوم السلوك التصويتي للدولة في المنظمات الدولية، وإرصادٍ وتحليلٍ للسلوك ا التصويتي بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا/ الاتحاد السوفياتي سابق، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، بصفتها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. تأتي أهمية الدراسة من جهة أن ها تضيف مساهمة نظرية في مجال الكتابات الدبلوماسية التي تحدثت عن مواقف الدول الكبرى في المنظمات الدولية، وهي ت عَ د نقطة تداخل بين السياسة الخارجية والقانون الدولي. فمن خلال مراجعة أولية للدراسات التي تناولت مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الملخص الفلسطينية بوجه عامّ، أو سياستها تجاه مسألة مهمة بعينها، أو فترة محددة بذاتها، درة الدراسات التي تناولت هذا الجانب على نحوٍ منفصل، على الرغم من أهميته لوحظت ن.

موضوع الدراسة

من المعلوم أنّ السلوك التصويتي لأيّ دولة في المنظمات الدولية - ومنها الأمم المتحدة على وجه الخصوص – يُعدُّ، بوجه عام،ّ مؤشرًا دالًّ على سياستها الخارجية وسلوكها في المستوى الدولي، وبما أنّ الأمم المتحدة تضمّ في عضويتها جلّ دول العالم، فقد جعل ذلك بعضهم ينظر إليها على أنها برلمان العالم. فمن الممكن أن تكون منبرًا مهمًّ لإرصاد السياسة الخارجية لأيّ دولة، وميدانًا صالحًا لدراسة سلوكيات السياسة الخارجية لأيّ دولة أيضًا تجاه قضية معينة، من خلال دراسة سلوكها التصويتي تجاه ما تصدره المنظمات من قرارات. فقد درَج دارسو السياسة الخارجية على إرصاد سلوك السياسة الخارجية للدولة من خلال ثلاثة مؤشرات هي: الأحداث الدولية في إطار ما عُرف باسم حركة تحليل الأحداث، والسلوك التصويتي، والسلوك الدبلوماسي1. وطبقًا للمادة السابعة من الميثاق، فإنّ مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة هما أهمّ أجهزة الأمم المتحدة، وهما اللذان يقومان على تحقيق مبادئها وأهدافها الواردة في الميثاق، وأهمها حفظ السّلم والأمن الدوليين. ويضم مجلس الأمن في عضويته خمس عشرة دولة،ً منها خمس دول دائمة وعشر دول تنتخبها الجمعية العامة بأغلبية الثلثين بصفة دورية مدةَ سنتين. ويؤدِّي هذا الأمر وظيفتين رئيستين، هما: التسوية السلمية للمنازعات (الفصل السادس)، وردع أعمال العدوان وإزالة أيّ تهديد للسلم والأمن الدوليين (الفصل السابع.) ويقوم نظام التصويت بحسب الميثاق على ضرورة حصول القرار على تسعة أصوات إيجابية من أصل خمسة عشر صوتًا، على ألَّ تجرى معارضته من أيّ دولة من الدول الدائمة العضوية من خلال استخدام حقّ الفيتو. بناءً على ذلك هل تكون بعض الدول أحيانًا مضطرة لصَوْغ مشاريعها بطريقة تُجنّبها استخدام الفيتو في حقها؟ ومن جهة أخرى هل تقوم الدول صاحبة حقّ الفيتو باستخدامه وفق مصالحها؟ أم هل تستخدمه استخدامًا منسجمً مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة وأهدافها نفسها؟ يُعَدُّ سلوك هذه الدول تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن خلال الفترة 1979 – 2013، بالغ الأهمية؛ وذلك لأنّها احتوت مراحل مفصليةً مرَّت بها القضية الفلسطينية، واتخذ مجلس الأمن حينئذ عدّة قرارات مهمة، كالقرارات المتعلّقة بحرب لبنان التي شنّتها إسرائيل ضدّ منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982، والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن المتعلقة بالانتفاضة الفلسطينية عام 1987 والقمع الإسرائيلي لها، إضافةً إلى أنّ تلك الفترة تلَت توقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية (كامب ديفيد)، وإلى أنّ الولايات المتحدة أصبحت بعد نهاية الحرب الباردة قائدةً للنظام الدولي، فضلا عن تأثير نهاية الحرب الباردة في السلوك التصويتي للولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، وتوجهها لإحياء منظمة الأمم المتحدة بإقحامها في معالجة كثير من الأزمات الدولية، وتأثير هذا التغير في إعادة تشكيل الكتل التصويتية في منظمة الأمم المتحدة، كما شهدت تلك الفترة انطلاق عملية التسوية بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي في مؤتمر مدريد عام 1991، وتوقيع اتفاق أوسلو بين الجانبين في العاصمة الأميركية واشنطن، في 13 أيلول/ سبتمبر 1993، وانفراد الولايات المتحدة بعد ذلك برعاية المفاوضات الثنائية المباشرة بين الجانبين، فهل يتوافق السلوك السياسي للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن مع موقعها راعيًا وحيدًا لعملية التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؟

الإشكالية البحثية وتساؤلات الدراسة

بعد مراجعة سجلات التصويت للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، اتّضح لنا وجود تباين جليّ بين هذه الدول من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، واتضح لنا كذلك استمرار تصويت الولايات المتحدة لمصلحة إسرائيل في مجلس الأمن، على حساب القضية الفلسطينية؛ وذلك باستخدام حقّ الفيتو. فقد قامت باستخدام حقّ الفيتو منذ إنشاء الأمم المتحدة 88 مرةً كان منها 44 مرةً لإجهاض قرارات تُدين إسرائيل. وعلى الرغم من نهاية الحرب الباردة، وانطلاق عملية التسوية، وتسليم الجانبين برعاية الولايات المتحدة لها، فإنّ الولايات المتحدة ظلّت، على نحوٍ مختلف عن بقيَّة الدول الأخرى، تصوّت في مجلس الأمن لمصلحة إسرائيل. بناء على ذلك، فإنّ الإشكالية البحثية لهذه الدراسة تتحدد في السؤال:

  1. محمد السيد سليم، "التحليل العلمي للسياسة الخارجية - إطار نظري"، الفكر الإستراتيجي العربي، العدد 40 1992()، ص .142

إلى أيّ مدى جاءت مواقف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية منسجمةً مع أهداف الأمم المتحدة نفسها ومبادئها ومع مكانتها في المستوى الدولي؟

نهدف من خلال هذه الدراسة إلى إرصاد وتحليلٍ لمواقف الدول الخمس الدائمة العضوية تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن، وذلك بالنظر في سلوكها التصويتي، في الفترة 1979 – 2013، وهو ما يمثّل جزءًا مهمًّ في ضرورة فهْم سياستها الخارجية تجاه القضية الفلسطينية. فهل أنّ موقف أيّ دولة تجاه القضايا المدرجة في المنظمات الإقليمية والدولية، وخصوصًا في مجلس الأمن، هو أحد المؤشرات الرئيسة التي تدلّ على سياسة الدولة في المستوى الخارجي، وعلى وجود أمرٍ ثابت في سياستها الخارجية تجاه القضية الفلسطينية؟ أم هل أنّ هذه السياسة كانت تتغير في كلّ مرحلة تبعًا لأوضاع معيّنة، أو تبعًا لتأثّرها بعلاقتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟

منهج الدراسة

بعد تحديد موضوع الدراسة والمشكلة البحثية والتساؤل الرئيس، نرى ضرورةً لاستخدام عدّة مناهج لاختبار فرضية هذه الدراسة، من بينها:

اقتراب السلوك التصويتي

ينبغي إيلاء اقتراب السلوك التصويتي أهميةً في هذه الدراسة. والسلوك التصويتي لأيّ دولة، وخصوصًا في مجلس الأمن، هو أحد المؤشرات الرئيسة التي تدلّ على سياسة الدولة في المستوى الخارجي، ويمكن كذلك انتهاج متابعةٍ وإرصادٍ لموقف دولة ما تجاه قضية معينة عبر فترة زمنية من خلال الوقوف على أنماط تصويتها تجاه تلك القضية وتعرّفها، وتعرّف مدى التجانس والتباعد بين مواقف تلك الدول من القضايا المطروحة في المنظمات الدولية؛ وذلك من خلال مقارنة أنماط تصويتها. فلقد قدّم علماء العلاقات الدولية مقياسًا لمعرفة نمط تصويت الدولة، وهو يقوم على أنّه من الممكن لدولتين أن تتخذا مواقف ثلاثة، هي: أن تصوّتا لدولتين في اتجاه واحد سواء كان ذلك بالتأييد، أو الرفض، أو الامتناع، وهذا هو الاتفاق الكامل. أن تصوّت إحداها بالتأييد أو المعارضة في حين تمتنع الأخرى عن التصويت. وفي هذه الحالة، نكون بصدد اتفاق جزئي. أن تصوت الدولتان في اتجاهين متعارضين تمامًا وهذا ما يسمى الاختلاف الكامل. ويجري حساب القيمة التصويتية على النحو بحسب المعادلة الآتية:

عدد مرات الإنفاق الكامل + 0,5(* مرات الإنفاق الجزئي) * ٠٠١

عدد مرات التصويت (ماعدا الغياب)

ويجري حساب الحالات الثلاث في تركيب المقياس على أساس درجة في الحالة الأولى، ونصف درجةً للحالة الثانية، وصفر في الحالة الثالثة، مع إغفال حالة غياب كلتا الدولتين أو إحداهما بسبب عدم إمكان حساب موقف الدولة في مثل هذه الحالة2. وحتى لا يبقى التحليل الكميّ جامدًا، لا بدّ من استخدام التحليل الكيفي وذلك لتفسير بعض دلالات السلوك الكمي؛ بالنظر إلى خصوصية الموضوع.

الاقتراب القانوني

يركّز هذا المنهج في قواعد التصويت في مجلس الأمن وإجراءاته، إل أنّ ما يؤخذ به أنه لا يساعد على إرصاد أنماط السلوك التصويتي للدول الأعضاء وتفسيره والتغيرات التي تؤثر فيه؛ وذلك لأنّ للسلوك التصويتي إطاره القانوني، غير أنّ القواعد والإجراءات القانونية

  1. أحمد محمد البتول، "الدبلوماسية اليمنية في الأمم المتحدة: دراسة حالة للسلوك التصويتي في الجمعية العامة 1990 - 2003، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة القاهرة - مصر،.2009

ليست هي التي تشكّله وتوجّهه، بل المصالح الوطنية للدول على نحوٍ أساسي3. ويستفاد من الاقتراب القانوني أيضًا، أننا ندرس مواقف الدول المستهدفة بالدراسة تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الذي يتحدد عمله بميثاق الأمم المتحدة وأحكامه وقواعد القانون الدولي المنبثقة منه، ومنها ما يتعلّق بحالة القضية الفلسطينية. أمّا المصادر التي ينبغي الرجوع إليها، فهي تتمثّل بسجلات الأمم المتحدة، ومحاضر الجلسات الموثقة والمودعة في مكتبة الأمم المتحدة، وفي موقعها الإلكتروني، فهي تَفي ببيانات تفصيليّة متعلّقة بنتائج التصويت في مجلس الأمن. لذا يمكننا أن نعتمد عليها مصدرًا للبيانات التي سنقوم من خلالها بتحليل مواقف الدول التي هي محلّ الدراسة.

مفهوم السلوك التصويتي في المنظمات الدولية

هو الوسيلة التي تعلن بها المنظمات عن إرادتها ورغبات الدول الأعضاء في الأمور المعروضة عليها، فكما أنّ الإدلاء بالأصوات في الانتخابات والمجالس النيابية هو وسيلة لتعرّف إرادة الشعب والتعبير عن إرادته، فإنّ التصويت في المنظمات الدولية هو الأسلوب الذي يجرى به تعرّف إرادتها، ويتحدّد ذلك بعد قيام الدول الأعضاء فيها بالإدلاء بأصواتها4. ويعرّف بعضهم السلوك التصويتي بأنه السلوك الذاتي للإدلاء بالرأي5.

مجلس الأمن وآلية عمله

تسند المسؤولية الرئيسة في حفظ السلم والأمن الدوليين إلى مجلس الأمن بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ويتكون المجلس من 15 عضوًا، لكلّ عضو صوت واحد. وبموجب الميثاق، على جميع الدول الأعضاء الامتثال لقرارات مجلس الأمن6، ويتعهد جميع الأعضاء في الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، وإذا كانت ‏أجهزة الأمم المتحدة الأخرى تقدّم التوصيات إلى الدول الأعضاء، فإنّ مجلس الأمن ينفرد بسُلطة اتخاذ ‏قرارات تُلزم الدول الأعضاء بتنفيذها بموجب الميثاق‏. وطبقًا للمادة السابعة من الميثاق، فإنّ مجلس الأمن أيضًا هو أحد الأجهزة الرئيسة الستة للأمم المتحدة. ويضمّ مجلس الأمن في عضويته خمسة عشر عضوًا فقط، منهم خمسة دائمون (الولايات المتحدة الأميركية، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والاتحاد السوفياتي/ روسيا حاليًّا) وعشرة أعضاء غير دائمين. وفي عام 1965 جرى تعديل ميثاق الأمم المتحدة بزيادة العدد من ستة أعضاء غير دائمين إلى عشرة أعضاء تنتخبهم الجمعية العامة بأغلبية الثلثين بصفة دورية مدّة سنتين لتمثيل المجموعات الجغرافية الخمس المعترف بها. ولا يجوز إعادة انتخاب العضو غير الدائم مباشرةً حتى لا يكون ذلك سبيلً تحظى من خلاله أيّ دولة بصفة دائمة أو شبه دائمة، ويراعى في اختيار هذه الدول أمران، هما: مدى مساهمة الدولة المعنية في حفظ السلم والأمن الدوليين ومقاصد المنظمة الأخرى، وتحقيق نوع من التوازن الجغرافي العادل7. ويقوم نظام التصويت في مجلس الأمن بحسب الميثاق على ضرورة حصول القرار على تسعة أصوات من أصل خمسة عشر صوتًا، على ألاّ تُعارضه أيّ دولة من الدول الدائمة العضوية من خلال حقّ الفيتو. وبناءً على ذلك، يكون نظام التصويت في مجلس الأمن طبقًا للمادة 27 من الميثاق، وفقًا لنوعين من المسائل: المسائل الإجرائية: تصدر القرارات في المسائل الإجرائية بأغلبية تسعة أصوات من خمسة عشر عضوًا، من دون تفرقة بين أصوات الأعضاء الدائمين والأعضاء غير الدائمين. المسائل الموضوعية: تصدر القرارات في المسائل الموضوعية بأغلبية تسعة أصوات إيجابية من دون أيّ اعتراض من الأعضاء

  1. هدى عبد العزيز صلاح، السلوك التصويتي للمجموعة العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص .38
  2. التنظيم الدولي المدخل لتنظيم الدول: دراسة التنظيمات الدولية بطرس غالي، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1959)، ص .52
  3. Allan Hovey, "Voting Procedures in the General Assembly," International Organization , Vol. 4, no. 3 (August 1950), p. 422.
  4. يأخذ المجلس زمام المبادرة في تحديد وجود تهديد للسلم أو عمل من أعمال العدوان، ويطلب إلى الدول الأطراف في النزاع تسويته بالطرق السلمية، وفي بعض الحالات يمكن لمجلس الأمن اللجوء إلى فرض جزاءات، وصولً إلى الإذن باستخدام القوة لحفظ السلم والأمن الدوليين وإعادتهما، ويقدّم توصيته إلى الجمعية العامة في ما يتعلق بانتخاب الأمين العامّ وقبول أعضاء جدد في الأمم المتحدة. كما أنه ينتخب القضاة في محكمة العدل الدولية مع الجمعية العامة.
  5. الوسيط في القانون الدولي أحمد أبو الوفا،، ط  3 (القاهرة: مكتبة النهضة العربية، 2001)، ص .464

الخمسة الدائمين، ويعني اعتراض أيّ منها على القرار سقوطه، وفي هذه الحالة تجدر الإشارة إلى أنّ الاعتراض ينبغي أن يكون بالوجه الصريح، لا بالامتناع، أو التغيب عن جلسة التصويت. وتشمل المسائل الموضوعية تدابير الحلول السلمية للمنازعات أو المواقف الدولية التي قد تؤدِّي إلى احتكاك دولي أو تثير نزاعًا، كما تشمل اتخاذ تدابير القمع في حالة وقوع أعمال تهدّد السلم والأمن الدوليين أو تخلُّ بهما، أو أيّ أعمال عدوانية أيًّا كانت. ومن المسائل الموضوعية أيضًا التوصية لدى الجمعية العامة بقبول عضو جديد في الأمم المتحدة، أو بوقف عضو عن مباشرة حقوق العضوية ومزاياها، أو بردّ تلك الحقوق والمزايا إليه أو فصل عضو من الهيئة8. سنتناول في هذه الدراسة عرضًا وتحليلً لمواقف الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن من مختلف جوانب القضية الفلسطينية (قضية اللاجئين، والقدس، والاستيطان، والحقّ في تقرير المصير، وحقوق الإنسان)، وقد جرى تداول هذه العناصر أمام مجلس الأمن خلال الفترة 1979 - 2013. وسنتناول كذلك مسألة مدى الانسجام أو التباين بين الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن. ينبغي أن نشير إلى أنّ مشاريع القرارات التي جرى تقديمها لمجلس الأمن وتداولها والتصويت بشأنها، ستجري دراستها وتحليلها، وإلى أنّنا لن نقصر هذا الأمر على القرارات الصادرة عن هذا المجلس. فميثاق الأمم المتحدة والنظام الداخلي الذي يعمل بموجبه المجلس، كما هو معلوم، لا يسمح بصدور أيّ قرار عن المجلس استخدمت بشأنه أيّ دولة من الدول الدائمة العضوية في المجلس صلاحياتها لنقضه. لذا، ففي الحالة التي ندرس من خلالها مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لن نتمكن من إرصادٍ وتحليلٍ دقيق لمواقفها في حال الاكتفاء بالنظر في القرارات الصادرة عن المجلس وحدها. فهذه القرارات صدرت بطبيعة الحال بعد عدم تسجيل أي اعتراض لدولة من الدول عليها. وهكذا، ينبغي أن نأخذ في الحسبان كلّ القرارات التي صدرت عن المجلس فعليًّا، ومشاريع القرارات المنقوضة من خلال استخدام أيّ دولة لحقها في الاعتراض على أيّ قرار أيضًا (حقّ استخدام الفيتو.) السلوك التصويتي للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية بالنظر إلى أنّ مجلس الأمن هو أحد أهمّ الأجهزة الرئيسة الستة للأمم المتحدة، وإلى المسؤوليات والصلاحيات المنوطة به من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين، وإلى أنّ النزاع العربي - الإسرائيلي، وفي جوهره القضية الفلسطينية، من أكثر القضايا التي جرى تداولها أمام مجلس الأمن لتعلّقها بالسلم والأمن الدوليين والاستقرار الإقليمي وتداعياتها في المستوى الدولي، وأنه صدر بشأنها عديد القرارات المهمة وجرى نقض عديد القرارات وإسقاطها بفعل الفيتو الذي استخدمته الولايات المتحدة لحماية إسرائيل، فإنّ هذا المجلس يُعَدُّ مجالً مهمًّ يمكن من خلاله تحليل مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية تجاه القضية الفلسطينية بمختلف جوانبها؛ إذ سنقوم بتتبع سلوك كلّ دولة من هذه الدول الخمس تجاه القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية من حيث التصويت بالتأييد، أو المعارضة، أو الامتناع. وفي محاولة لإرصاد التجانس والتباعد في مواقف هذه الدول، سنقوم باستخدام مؤش مقياس الاتفاق ليعطينا صورةً كمّيةً للتباين الموجود بينها. وحتى لا تبقى المعطيات الكمية صمّ ء، ينبغي أن نقدّم التحليل الكيفي لهذه المواقف وأن نتبيّ الأسباب الكامنة وراءها، سواء كانت مؤيّدةً، أو معارضةً، أو ممتنعة عن تأييد القرارات أو مشاريع القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية، مسلّطين الضوء، ولو في إيجاز، على خلفيات مواقف تلك الدول من القضية الفلسطينية داخل المجلس، وهي تعدُّ انعكاسًا - على نحوٍ أو آخر - لمواقفها خارج المجلس، وانسجامًا تامًّا مع سياستها الخارجية تجاه المنطقة برمّتها، وتجاه القضية الفلسطينية خصوصًا، والمحددات الداخلية والخارجية التي أنتجت هذه السياسة، ومدى انسجام هذه المواقف مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة وميثاقها نفسه. وعلى الرغم من أهمية تلك الدول بوصفها الدول العظمى عالميًّا، وأهمية المواقف الصادرة عنها داخل المجلس وخارجه أيضًا، فإنه من الأهمية أن نشير إلى أنّ طبيعة التنظيم الدولي (منظمة الأمم المتحدة) وآلية عمله بوجه عامّ، ومجلس الأمن على نحوٍ خاص وآلية اتخاذ القرار فيه، تعطي تلك الدول ميزةً على حساب سائر دول العالم كلّها. وسنرى أنه جرى استخدام هذه الميزة أكثر من مرة بطريقة تتعارض مع الأهداف والمبادئ التي أُسّست منظمة الأمم المتحدة من أجلها، وأنه جرى استخدامها ضدّ الشعوب المقهورة والمظلومة، فقد ضاعت مظالم كثيرة في أدراج هذا المجلس، وفي صدارتها حقّ تقرير المصير بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

  1. القانون الدولي المعاصر علي صادق أبو هيف، (الإسكندرية: دار المعارف، 1973)، ص .634 الجدول)1(النمط التصويتي للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية خلال الفترة 1979 – 2013 المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى الوثائق الرسمية لمجلس الأمن خلال الفترة 1988 – 2008، وإلى قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والنزاع العربي – الإسرائيلي، المجلدات 4 – 5 - 6 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1987 -)2003
روسياالصينبريطانيافرنساالولايات المتحدةعدد القرارات
ومشاريع القرارات
العام
2212021979
8877281980
1111111981
11119114111982
1111011983
0000001984
3322131985
2222021986
2222121987
5555151988
5555051989
3333231990
1111111991
2222221992
0000001993
1111111994
1111011995
1111011996
2212021997
0000001998
0000001999
2222022000
2201022001
6666462002
3313132003
3313032004
0000002005
2202022006
0000002007
1111112008
2222122009
0000002010
1111012011
0000002012
0000002013
روسياالصينبريطانيافرنساالولايات المتحدةعادد القرارات ومشاريع القراراتالعام
0000021979
0000181980
0000011981
00005111982
0000111983
0000001984
0000131985
0000121986
0000021987
0000251988
0000351989
0000131990
0000011991
0000021992
0000001993
0000011994
0000111995
0000011996
0000221997
0000001998
0000001999
0000022000
0000222001
0000162002
0000232003
0000232004
0000002005
0000222006
0000002007
0000012008
0000022009
0000002010
0000112011
0000002012
0000002013
روسياالصينبريطانيافرنساالولايات المتحدةعدد القرارات
ومشاريع القرارات
العام
0010221979
0011581980
0000061981
00102111982
0000011983
0000001984
0011131985
0010121986
0000121987
0000251988
0000251989
0000031990
0000011991
0000021992
0000001993
0000011994
0000011995
0000111996
0010021997
0000001998
0000001999
0000222000
0021022001
0000162002
0020032003
0020132004
0000002005
0020022006
0000002007
0000012008
0000122009
0000002010
0000012011
0000002012
0000002013
الولايات
المتحدة
الأميركية
القيمةالدولة
%49فرنسا
%61بريطانيا
%46روسيا
%46الصين
الغيابالامتناعالمعارضةالتأييدعدد مشاريع
القرارات
البيانالدولة
022282373الإجماليالولايات المتحدة
00.620.80.6552.1المتوسط
%0%30%38.5%31.5_النسبة مقارنةً بعدد القرارات
01405973الإجماليبريطانيا
00.401.682.1المتوسط
%0%20%0%80_النسبة مقارنةً بعدد القرارات
0307073الإجماليفرنسا
00.1022.1المتوسط
%0%4%0%96_النسبة مقارنةً بعدد القرارات
0007373الإجماليالصين
0002.12.1المتوسط
%0%0%0%100_النسبة مقارنةً بعدد القرارات
0007373الإجماليروسيا
0002.12.1المتوسط
%0%00%100_النسبة مقارنةً بعدد القرارات

التحليل الكيفي لنمط تصويت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية

بلغ عدد مشاريع القرارات التي جرى تداولها في مجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية بمختلف جوانبها طَوال فترة الدراسة 1979( – 2013)، ما مجموعه 73٪ ما بين مشروع قرار أو قرار رسمي؛ أي بمعدّل قرارين سنويًّا، وقد تناولت في مجملها حقّ تقرير المصير بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والقرارات التي تناولت قضية القدس والاستيطان في الأراضي الفلسطينية ومخالفتها للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وعديد القرارات التي جرى تداولها في مجلس الأمن؛ أي مختلف القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية. وإذا نظرنا في سجلات التصويت والجدول 1() والرسم البياني )1(، وجدنا أنّ الاتجاه المسيطر للولايات المتحدة الأميركية هو التصويت بالاعتراض؛ أي باستخدام حقّ الفيتو ضدّ القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية. فمن مجموع 73 قرارًا خاصًّا بالقضية الفلسطينية بمختلف جوانبها، نجد أنّ الولايات المتحدة صوتت بالمعارضة تجاه 28 قرارًا؛ أي ما نسبته %38.5، وصوتت بتأييد 23 قرارًا؛ أي ما نسبته %31.5، وصوتت بالامتناع تجاه 22 قرارًا؛ أي ما نسبته .%30

وإذا نظرنا في معدل التقارب التصويتي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى التي هي محلّ المقارنة (من خلال الجدول 4)، وجدنا أن نسبة التقارب التصويتي للولايات المتحدة مع فرنسا بلغ %49، و%61 مع بريطانيا، و%46 مع روسيا، و%46 مع جمهورية الصين. ومن خلال نظرة مقارنة بين السلوك التصويتي للولايات المتحدة الأميركية والسلوك التصويتي للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، نجد فرقًا واضحًا بين هذا السلوك وذاك، وهو أمرٌ يعود إلى نظرة كلّ دولة من هذه الدول إلى القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي من جهة، وعلاقتها بالولايات المتحدة من جهة أخرى. ومن خلال استعراض الملخص الإحصائي المتعلّق بالنمط التصويتي للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية في فترة الدراسة (وفقًا للجدول 5)، ونمط المعارضة الأميركي في مجلس الأمن (وفقًا للجدول 2)، نجد أنّ المعارضة الأميركية هي السمة الغالبة لموقف الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن. فقد صوتت بالمعارضة في أغلب الأحيان تجاه مجمل القضايا التي تتعلق بالقضية الفلسطينية؛ كالحق في تقرير المصير بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، وحقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم، وكذلك الشأن بالنسبة إلى قضايا حقوق الإنسان والانتهاكات الإسرائيلية في حقّ المواطنين الفلسطينيين، وقضية القدس والمحاولات الإسرائيلية لتغيير مركزها القانوني، وطابعها الديموغرافي، وقضية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام .1967 وإذا نظرنا في معدل التقارب التصويتي، لاحظنا أنّ للولايات المتحدة موقفًا مغايرًا من القضية الفلسطينية مقارنةً بالدول الأخرى؛ وذلك من خلال فارق نسبة التقارب التصويتي بينها وبين مختلف الدول التي هي محلّ المقارنة، ويعود ذلك إلى خصوصية نظرة الولايات المتحدة إلى القضية الفلسطينية من زاوية العلاقة الخاصة بإسرائيل من جهة، ومن زاوية العلاقات العربية الأميركية ونظرتها إلى النزاع العربي الإسرائيلي كلّه، إضافةً إلى عديد العوامل والمحددات الداخلية والخارجية (الفلسطينيون في المنظور الأميركي هم شعب عاش خارج التاريخ، وإن كان لديهم تاريخ، فهو مسجل على نحو سلبيّ، أو هم "الذين ليسوا يهودًا" في فلسطين، وهم غير قادرين على ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم وذلك بسبب ما يشاع من تخلّفهم وجهلهم وممارستهم للإرهاب)9. وتساهم في صنع السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية عدّة عوامل خارجية وداخلية، أهمها النظام السياسي الأميركي الذي تسمح

  1. Edward W. Said & Christopher Hitchens (eds.), Blaming The Victims: Spurious Scholarship and the Palestinian Question (London: Verso, 1988), pp. 15 - 25.

آلية عمله لمجموعات الضغط والمصالح بالقيام بدور فعَّال، خصوصًا في عملية الانتخاب التي يكون المرشحون فيها في حاجة إلى دعمها، سواء كان ذلك في انتخابات الكونغرس أو الانتخابات الرئاسية. وقد ظلّت القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة ضحيةً لهذه الصفقات10. بالنسبة إلى التصويت بتأييد القضية الفلسطينية، بحسب الجدول)1(، والرسم البياني 1()، نجد أنّ الولايات المتحدة قد صوتت بالتأييد لمصلحة القضية الفلسطينية تجاه 23 قرارًا جرى عرضها على مجلس الأمن من أصل 73 قرارًا؛ أي ما نسبته %31.5. وأنّ فرنسا صوتت لمصلحة القضية الفلسطينية بتأييدها 70 قرارًا؛ أي بنسبة %96، وأنّ بريطانيا صوتت بتأييد القضية الفلسطينية تجاه 59 قرارًا؛ أي بنسبة %80. أمّا الصين وروسيا، فقد صوّتتا بتأييد كلّ القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية التي جرى عرضها على مجلس الأمن؛ أي بنسبة.%100 يتضح ممّ سبق أنّ الولايات المتحدة سجّلت نسبة التأييد الأقل تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن، وأنّها كانت قد صوتت بهذه النسبة المنخفضة بتأييدها للقضية الفلسطينية في مجلس الأمن لإظهارها الدعم المطلق لإسرائيل في هذا المنبر الدولي المهمّ، وذلك على الرغم من عِلمها أنه في حال حدوث تصديقٍ لأيّ قرار مضاد لإسرائيل، أنّ إسرائيل نفسها لن تقوم بتنفيذه. يُضاف إلى ذلك أنّ الولايات المتحدة كانت تسعى دائمًا من خلال تهديدها باستخدام الفيتو إلى إدخال تعديلات على نص القرار لكي تفرغه من محتواه أو تخفف من لهجة الإدانة الشديدة لإسرائيل. فلم يقتصر الدعم الأميركي المقدَّم لإسرائيل على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي فحسب، بل تعدَّاه إلى الدعم الدبلوماسي في المنظمات الدولية. وفضلً عن ذلك، كانت الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها في مجلس الأمن تبذل كلّ ما في وسعها لئلّ يحدث نقاش لأيّ أمرٍ يتعلق بإسرائيل تحت بند الباب السابع، وهي بذلك تضمن حتى في حالة صدور قرار مضاد لإسرائيل أنّه سوف يحمل الدعوة إلى تسوية سلمية للمنازعات. وبالنسبة إلى فرنسا، فقد وقفت إلى جانب القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية من خلال تصويتها بالتأييد لمجمل هذه القضايا في أغلب الأحيان؛ إذ سعت إلى أن تكون لها استقلاليتها إزاء النزاع العربي – الإسرائيلي، على نحوٍ مختلف إلى حدّ ما عن الولايات المتحدة. وقد بلغت نسبة التأييد الفرنسي للقضية الفلسطينية في مجلس الأمن خلال فترة الدراسة %96، وجاء التصويت الفرنسي على هذا النسق في مجلس الأمن، مختلفًا عنه في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ إذ كان هذا التصويت في جانب القضية الفلسطينية أحيانًا، وفي الاتجاه المعاكس أحيانًا أخرى11. وصوتت بريطانيا، ولو على نحوٍ أقل بتأييد أغلبيّة القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية التي جرى تداولها في مجلس الأمن، وأخذت شكلً يختلف عن السلوك التصويتي للولايات المتحدة الأميركية، وهي بذلك لم تستخدم حقّ الفيتو. ويمكن تفسير ذلك برغبة بريطانيا في الحفاظ على علاقات ودّية مع العالم العربي، أو بسبب علمها أن الولايات المتحدة ستستخدم الفيتو إنْ تطلّب الأمر حماية إسرائيل من الإدانة. ويتضح من العرض السابق أنّ روسيا/ الاتحاد السوفياتي سابقًا، صوّتت بتأييد كلّ القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية التي جرى تداولها في مجلس الأمن. ويرجع ذلك إلى أنّ قرارات مجلس الأمن لا تحمل إدانةً شديدةً ولهجةً قاسيةً ضدّ إسرائيل كما هو الشأن في حالة الجمعية العامة؛ بسبب مقايضة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها تمرير القرار مقابل تخفيف اللهجة، وهو ما يدفع الحرج عن بعض الدول للتصويت لمصلحة القرار الذي يُجرى صوغه على نحوٍ يتوافق مع مضمون القانون الدولي وروحه (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حاولت روسيا جاهدةً أن يبقى لها دور في المحافل الدولية وبخاصة ما يتعلّق منها بالقضية الفلسطينية، لكنّها لا تستطيع أن تقف موقفًا صارمًا؛ فهي تحاول إرضاء حلفاء لها في الشرق الأوسط وكسبهم، حفاظًا على مصالحها، وفي الوقت نفسه تجتنب إدانة الموقف الإسرائيلي إدانةً سافرةً لئلّ تُثير غضب الرأسماليين اليهود

  1. العنصر الأهمّ في تتبع سياسات معينة متعلّقة بفلسطين أو أيّ منطقة أخرى من
  2. مناطق العالم هو رأي الزعماء الأميركيين بشأن طريقة ترويج المصالح الأميركية على أحسن وجه. فالعملية السياسية الأميركية تجعل عرض وضعٍ موضوعي أو مناصر للفلسطينيين قضية خلافيّةً. ومن ثمّة يكلّف هذا الوضع السياسي كثيرًا بالنسبة إلى مرشّح سياسي أو زعيم سياسي في حال اعتماده إيَّاه؛ لأنه يُفقده كثيرًا من الفرص في حياته السياسية، انظر: William B. Quandt, Decade of Decisions: American Policy Toward the Arab-Israeli Conflict, 1967 - 1976 (Berkeley: university of California press, 1977), p. 213. 11 من القرارات التي صوتت فرنسا لمصلحتها في الجمعية العامة: تأكيد حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال، الصادر بتاريخ /7٢١1987/، والقرار الذي أكّد عدم قانونية إدارة إسرائيل للقدس في/11٢١1987/، إضافةً إلى معارضتها بعض بنود القرارات التي تطالب بضرورة مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر السلام وأيّ مشروع حل سلمي للقضية الفلسطينية في 1987/12/11، واستمرت كذلك حتى عام 1991، انظر: مروان البرغوثي، العلاقات الفرنسية – الفلسطينية 1967 – 1997 (رام الله: أكاديمية المستقبل للتفكير الإبداعي، 1999)، ص .112

الذين لهم تأثير فعليّ في الاقتصاد الروسي. وهذا الموقف المتذبذب يأتي أيضًا في سياق عدم رغبة روسيا في فقدان الدعم الاقتصادي من الولايات المتحدة التي تحمي المواقف الإسرائيلية على الصعيد الدولي، وهو أمرٌ يعني أنّ روسيا تقف موقفًا متحفظًا يتمثّل بأنها مع قرارات الشرعية الدولية، وأنه ينبغي لكلا الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) على حدّ سواء التزام هذه الشرعية12. حاولت روسيا أن تضطلع بدور مناورٍ للولايات المتحدة الأميركية بين الحين والآخر في محاولة لمحاكاة نموذج الاتحاد السوفياتي بوصفه قوة منافسةً. وتعزّزت هذه الصورة في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ إذ عدّت القضية الفلسطينية والتسوية السياسية المتعلّقة بها أحد هذه الملفات المهمة، مع علم روسيا أنّ الولايات المتحدة هي الراعي الوحيد لهذه التسوية13.

أمّا الصين، فقد صوتت دائمًا لمصلحة القضية الفلسطينية في مجلس الأمن، وساندت كلّ القرارات التي جرى عرضها على المجلس طَوال فترة الدراسة، وذلك انسجامًا مع الموقف الثابت للصين من قضايا الاستعمار وانتمائها إلى دول العالم الثالث ودفاعها عن قضاياها، علمً أنّ جمهورية الصين قد استعادت مقعدها في مجلس الأمن بعد عام 1971، وكانت تايوان قد شغلته بدعم من الولايات المتحدة، بعد انتصار الثورة الشيوعية في الصين عام 1949. وعلى الرغم من مناصرة الصين لمختلف قضايا العالم الثالث، فإنها اتبعت سياسة الحياد قدر الإمكان داخل مجلس الأمن؛ إذ اختارت الغياب عن التصويت في بداية شغلها لمقعدها الدائم، في بعض القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية، وهي أقل دولة استخدمت الفيتو في تاريخ مجلس الأمن؛ ذلك أنّها لم تستخدمه سوى سبع مرات فقط، ثلاث منها من أجل سورية، انسجامًا مع الموقف الروسي. والمتابع للسياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط يعلم أنها محكومة بمحددات عديدة؛ أهمها حرص الصين على استمرار علاقاتها بأصدقائها في مختلف أنحاء العالم - ومنها العالم العربي - والرؤية الإستراتيجية التي تقوم على المصالح المشتركة مع بلدان العالم، علاوةً على أنّ الصين لا تسمح بأن تُ ارس عليها ضغوط سياسية أو غير سياسية من أيّ مصدر كان. وفي يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني في بيجين يوم 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، وهو يوم تحرص الصين على إقامته سنويًّا، أكّد ممّثل الصين في كلمته أنّ الصين تدعو دائمًا إلى الحل السياسي والدبلوماسي على أساس قرارات الأمم المتحدة المتعلّقة بهذا الشأن، ومبدأ الأرض مقابل السلام، ومبادرة السلام العربية، وخريطة السلام في الشرق الأوسط، وتحقيق التعايش السلمي بين دولتي فلسطين وإسرائيل. وقال إنّ الصين بما أنّها من الدول الأوائل التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين، فهي تدعم بثبات حقّ الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة الكاملة عاصمتها القدس الشرقية على أساس حدود 1967، كما قال إنّ الصين تؤيّد انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة بصفة مراقب غير عضو، وإلى المنظمات الدولية الأخرى14. أمّا بالنسبة إلى التصويت بالامتناع، فإذا نظرنا في الجدول 3() والرسم البياني 4() والملخص الإحصائي في الجدول 5()، وجدنا أنّ الولايات المتحدة قد امتنعت عن التصويت تجاه 22 قرارًا؛ أي بنسبة %30 من إجمالي القرارات، وقد كانت تصوّت بالامتناع وتسمح بصدور القرار بعد أن تكون قايضت بإفراغ نص القرار من مضمونه. وامتنعت فرنسا عن التصويت تجاه 3 قرارات؛ أي بنسبة %4. في حين امتنعت بريطانيا عن التصويت تجاه 14 قرارًا من مجمل القرارات الخاصة بالقضية

  1. انظر: "المواقف الدولية من القدس"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا، على الرابط: http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=3570
  2. عبّ عن ذلك فلاديمير بوتين في مؤتمر منعقد في موسكو في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2013 حين قال إنه يتمنى استئناف الاتصالات المباشرة بين إسرائيل وفلسطين ويريد أن تؤدِّي هذه الاتصالات إلى إيجاد حلّ طويل الأمد للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وقد رأى أنّ هذا الأمر ممكن لأنّ الفلسطينيين والإسرائيليين يتلهفون لإيجاد حلٍّ، وأبدى استعداد بلاده لضمان التوصّل إليه، وأشار إلى أنّ "الدور الذي تستطيع روسيا أن تقوم به هو دور الضامن، في حين
  3. أنّ الاتفاق على تسوية النزاع يجب أن يقترحه الطرفان المتنازعان وينفّذاه بأنفسهما"، انظر: خالد ممدوح العزي، "القضية الفلسطينية في الإستراتيجية السوفيا ­ روسية؟؟؟"، على الرابط: http://www.ahraraliraq.com/print.php?id=28453 " 14 الورقة الثالثة.. موجز عن تاريخ العلاقات الفلسطينية – الصينية"، القدس، /12 /12 2012، على الرابط: http://www.alquds.com/news/article/view/id/403726... 12/12/2012

الفلسطينية الصادرة عن مجلس الأمن؛ أي بنسبة %20. أمّا روسيا والصين، فلم تصوّتا بالامتناع تجاه أيّ قرار كان يصدر عن مجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية طَوال فترة الدراسة، وذلك انسجامًا مع موقفهما المعلن والثابت بوقوفهما إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقّه في تقرير مصيره ونيل جميع حقوقه المشروعة. وأمّا حالة الغياب عن التصويت، فتتضح من خلال النظر في الملخص الإحصائي المتعلّق بالنمط التصويتي للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية في الفترة 1979 - .2013 فوفقًا للجدول 5()، لم تتغيب الولايات المتحدة، وروسيا، والصين وفرنسا، وبريطانيا عن التصويت تجاه أيّ قرار صادر عن مجلس الأمن من القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية طَوال فترة الدراسة؛ وذلك بوصفها دولً فاعلةً في النظام الدولي، وهي نفسها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

موقف مجلس الأمن من القضايا المختلفة

إذا نظرنا في القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، ومشاريع القرارات المتعلّقة بالقضية الفلسطينية التي جرى تداولها داخله، وجدنا أنها تمحورت حول قضايا الاستيطان، والقدس، وحقوق الإنسان، واللاجئين الفلسطينيين، وحقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني؛ لذلك كان لا بد من تعرّف دور المجلس في كلّ قضية على حدة، وكذلك موقف كل دولة من الدول الخمس الدائمة العضوية تجاه هذه القضايا المهمة. وبما أنّ مجلس الأمن مسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، فإنه يُعدّ مسؤولً عن تمكين أيّ شعب من حقوقه غير القابلة للتصرف، وممارسة حقه في تقرير المصير. وفي حال وجود شعب لم يتمكّن من الحظوة بحقوقه، فإنّ على مجلس الأمن مساعدته على التمكّن منها؛ لأنّ ميثاق الأمم المتحدة، نصَّ على حقّ الشعوب في تقرير المصير، وهو حقّ تطور عبر الممارسة الطويلة للمجتمع الدولي حتى أصبح أحد أهمّ الحقوق التي قررتها مبادئ القانون الدولي؛ فهو، إذن، حق دولي وجماعي في آنٍ واحد.ٍ وبالنسبة إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين، فإنّ مجلس الأمن لم يكن هو المنبر الذي يجري فيه تداول هذه القضية على نحوٍ رئيس، بل إن الجمعية العامة استأثرت بالنصيب الأكبر من القرارات التي تناولت قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ لأنه جرى التعامل معها بوصفها قضية إنسانيةً من مسؤولية "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (أونروا)، ولم يَجْرِ التعامل معها بوصفها قضيةً سياسيةً تؤثّر في السلم والأمن الدوليين وعلى أساس أنّها من صلاحيات مجلس الأمن. ويُعدّ الموقف الأميركي من قضية اللاجئين الفلسطينيين في مجلس الأمن متطابقًا مع الموقف الأميركي خارجه؛ إذ يصل إلى حدّ اعتماد الموقف الإسرائيلي من خلال توطينهم خارج حدود فلسطين. فالولايات المتحدة نظرت إلى حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين على أنّه حقّ رمزيّ، وفي هذا السياق يقول دينس روس في قمة كامب ديفيد الثانية: "بالنسبة إلى الموقف الأميركي من اللاجئين، كان لدينا مبدأ لآلية دولية وصندوق يموّل إعادة تأهيل الفلسطينيين وإعادة توطينهم وعودتهم إلى فلسطين، أو إلى بلدان ثالثة، أو إلى إسرائيل في أوضاع محددة، لقد كنّا نسعى للتوفيق بين الحاجات الفلسطينية الرمزية والحاجات الإسرائيلية العملية. فإذا كان الفلسطينيون يحتاجون إلى حقّ العودة، فيجب أن يكون لإسرائيل حقّ السيادة في تحديد ما يمكن قبوله في إسرائيل"15. ولم تكن قضية القدس بمعزل عن بقيَّة قضايا النزاع التي جرى تداولها في مجلس الأمن في تلك الفترة؛ إذ أصدر المجلس عديد القرارات التي دان فيها الممارسات الإسرائيلية الهادفة لتغيير معالم المدينة، وفرض فيها سياسة الأمر الواقع؛ ذلك أنّه اتخذ قرارين متتاليين، 476 و 478 عام 1980، طالب فيهما إسرائيل بإلغاء القرار الذي اتخذته بشأن ضمّ مدينة القدس إليها وتصديق القانون الأساسي الخاص بذلك، ورأى مجلس الأمن أنّ هذه الإجراءات مخالفة

  1. Dennis Ross, The Missing Peace: The Inside Story of the Fight for Middle East Peace (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2004), p. 117.

للقانون الدولي، وطالب الدول التي نقلت سفاراتها إلى القدس بإعادة بعثاتها الدبلوماسية فورًا، علمً أنّ الولايات المتحدة كانت قد صوتت بالامتناع تجاه هذين القرارين. لكنْ إذا نظرنا في قرارات مجلس الأمن التي تناولت قضية القدس في فترة ما بعد الحرب الباردة، وجدنا أنّها أخذت تتضمن معاني ومفاهيم أقلّ من القرارات التي اعتمدها المجلس سابقًا بشأن قضية القدس على غرار القرار 252 عام 1969، والقرار 476 عام 1980، إضافةً إلى أنها تراجعت. فقد قلَّت من جهة العدد، وفقدت محتواها من جهة الموضوع، واكتفت بالأماني والآمال والأحلام، وبقيت من دون أيّ جزاء دوليّ صغر أو كبر، ومن دون أي برنامج زمني أو سقف زمني محدّد لتنفيذ ما ورد فيها16. أمّا قضية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فهي الأكثر تداولً لدى مجلس الأمن. وعلى الرغم من مخالفة الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية الصريحة للقانون الدولي، فإنّ الولايات المتحدة تصرفت على نحوٍ مغاير عن سائر الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن؛ ذلك أنها حالت دون استصدار عديد القرارات من خلال استخدامها لحقّ الفيتو، وامتنعت عن التصويت تجاه مثل هذه القرارات، على الرغم من أنها هي الراعية الوحيدة لعملية السلام بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي. ففي عام 1997، توجه الجانب الفلسطيني بالشكوى إلى مجلس الأمن ضدّ البناء في منطقة جبل أبو غنيم في القدس، وكانت الولايات المتحدة في آذار/ مارس 1997 قد عطّلت صدور القرار الذي ينص على ضرورة امتناع إسرائيل عن تطبيق قرارها المتمثّل بالشروع في أنشطة استيطانية جديدة، وفي الشهر نفسه أيضًا أحبطت صدور قرار آخر عن مجلس الأمن يطالب إسرائيل بالكفّ فورًا عن تشييد مستوطنة جبل أبو غنيم. أمّا ذريعة الولايات المتحدة في تبرير هذا الموقف، فهي أنّ تلك القرارات تؤثّر في تقدّم عملية السلام، وأنّ قضية المستوطنات أو القدس يجب أن يُنظر فيها من خلال المفاوضات الثنائية، لا من خلال المنظمات الدولية. وتجاه قضايا حقوق الإنسان، كان التباين في الموقف واضحًا بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى؛ فهي قد شكّلت الغطاء الدبلوماسي الدائم لإسرائيل في منظمة الأمم المتحدة، وخصوصًا في مجلس الأمن، لمساعدتها على الإفلات من العقوبة أو حتى الإدانة. وعلى سبيل المثال حين ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة بشعةً ضدّ المصليّن الفلسطينيين في تشرين الأول/ أكتوبر 1990 داخل المسجد الأقصى راح ضحيتها أكثر من 20 فلسطينيًّا، قرّر مجلس الأمن تشكيل لجنة تحقيق وفقًا للقرار 672 عام 1990، إلا أنّ إسرائيل لم تستجب ولم تستقبل اللجنة، وسمحت الولايات المتحدة بتمرير تلك القرارات بعد إفراغها من محتواها أو ربطها بإجراءات عقابية وفقًا للقانون الدولي في حال رفْض إسرائيل تنفيذها17.

خاتمة

من الممكن أن نسجّل بعض الملاحظات المهمة بناءً على العرض السابق بشأن مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية من القضية الفلسطينية في مجلس الأمن. فقد بلغ عدد القرارات ومشاريع القرارات التي قُدِّمت إلى مجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية في فترة الدراسة 73 قرارًا، وقد أيّدتها الدول الدائمة العضوية في المجلس في أغلب الأحيان ماعدا الولايات المتحدة. وإذا نظرنا في صيغة هذه القرارات في فترة ما بعد الحرب الباردة، وجدنا أنّها بدأت تحمل نوعًا من التوازن بين إسرائيل، والعرب أو الفلسطينيين، وأنّ صيغة إدانتها لإسرائيل تكون مخففةً، إضافةً إلى عدم ارتباط تلك القرارات بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أو بأيّ من فصل من فصول الميثاق، وتركها من دون مرجعية محدّدة، أو أيّ إجراءات وتدابير دولية صغرت أو كبرت، ومن دون أيّ برنامج زمني محدّد أو سقفٍ زمني محدّد أيضًا من شأنه أن يسمح بتنفيذ ما احتوته.

  1. من هذه القرارات ما كانت أرقامها: 1265 عام 1999، و 1296 عام 2000، و 1322 و 1325 عام 2000، و 1397 و 1402 و 1403 و 1435 عام 2002، و 1515 عام 2003، و 1544 عام 2004، و 1850 عام .2008
  2. كانت الولايات المتحدة قد صوتت بتأييد تلك القرارات؛ وذلك بعد إفراغها من محتواها وحصرها في دائرة الشجب والاستنكار والاستهجان فقط بسبب عدم امتثال إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة، من دون ذكر آلية واضحة للتنفيذ أو للعقوبات المترتبة على عدم الاستجابة، وتكرر الأمر نفسه في قرار مجلس الأمن رقم 904 عام 1994 الذي دان المجزرة التي قام بها مستوطن إسرائيلي داخل الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، والتي راح ضحيتها أكثر من 50 من المصلين الفلسطينيين في شهر رمضان، ولم يختلف الموقف الأميركي أثناء قيام القوات الإسرائيلية باجتياح المناطق الفلسطينية وحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات، وحصارها لكنيسة المهد، وقيامها بمحاصرة مخيّم جنين وهدم بيوته وممارسة القتل والتنكيل، فقد منعت الولايات المتحدة قرارًا من الصدور وامتنعت عن التصويت تجاه آخر، انظر: رويد أبو عمشة، "السلوك التصويتي للولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، 1988 - 2008، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة - مصر 2014، ص .230

وإذا نظرنا في دور المجلس في تلك الفترة وفشله في أخْذ دوره الحقيقي، وجدنا أنّه يلجأ في كثير من الأحيان إلى إصدار بيانات رئاسية بدلً من القرارات التي كان يصدرها، وذلك على الرغم من ضعفها وافتقارها إلى آليات التنفيذ أصلً؛ من أجل "إعفاء" إسرائيل من تطبيقها، حتى أنّ صيغة القرارات الصادرة عنه أخذت تكتفي بالأماني والآمال والأحلام، أو بإعلان القلق بشأن الوضع في المنطقة، من دون اشتمال على صيغ مجلس الأمن المعروفة؛ أي الصيغ التي تتصف بوضوحها وحزمها. علاوةً على ذلك، أخذت صيغة المساواة بين الطرفين تتضح في قرارات مجلس الأمن؛ كأن يُدعى الطرف الفلسطيني والطرف الإسرائيلي إلى الهدوء أو نبذ العنف، مع الأخذ في الحسبان بحاجات إسرائيل الأمنية دائمًا. من أجل ذلك، ينبغي ألاّ يرفع الفلسطينيون سقف التوقعات في ما يتعلق بمجلس الأمن طالما أنّ المجلس نفسه يسير وفقًا لآلية عملٍ يحكمها ميثاق الأمم المتحدة الذي حدّد العلاقة بين أجهزتها كلّها، ووزع الصلاحيات والاختصاصات بينها، واحتفظ هو نفسه بسلطات مطلقة في حفظ السلم والأمن الدوليين، واحتكار الدول الخمس الدائمة العضوية لحقّ الفيتو الذي أُسيء استخدامه؛ على غرار ما تفعل الولايات المتحدة حينما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية لحماية إسرائيل من العقوبات أو حتى من الإدانة اللفظية. يُضاف إلى ذلك أنّ الجمعية العامة، وهي بمنزلة برلمان العالم، لا يمكنها ممارسة الرقابة السياسية الفعّالة تجاه مجلس الأمن، وأن يكون لملاحظاتها لقراراته صفة الإلزام، وأنّ الاختصاص القضائي لمحكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي للأمم المتحدة، ليس إلزاميًا أيضًا. وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، يجب علينا العمل فلسطينيًّا وعربيًّا على حشد الدعم والتأييد للقضية الفلسطينية في أجهزة الأمم المتحدة المختلفة بخاصة في مجلس الأمن، وضرورة تحمّل الأمم المتحدة مسؤوليتها في حلّ القضية الفلسطينية، وذلك بمنزلة خطوة من خطوات تدويل النزاع للمساهمة في إيجاد حلّ عادل له وفق قرارات الأمم المتحدة. كما يجب علينا أن نتعاون مع المجموعة العربية وأن نبذل كلّ جهد ممكن مع المجموعات الصديقة في الأمم المتحدة، من أجل أن تكون القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تجاه القضية الفلسطينية مرتبطةً بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع ضرورة ربطها بإجراءات وتدابير دولية، وفرض عقوبات رادعة تجاه إسرائيل في حال عدم تنفيذها، والعمل على إكمال انضمام فلسطين إلى جميع الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة العمل الدولية، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبخاصة بعد حصول فلسطين على صفة "دولة مراقب" في الأمم المتحدة، علم أنه من الحكمة أحيانًا أن نتجنب التوجه إلى مجلس الأمن في حال علمنا المسبق بوجود الفيتو تجاه مشاريع القرارات التي نتقدم بها، والاستعاضة من ذلك بالتوجه إلى الجمعية العامة، والعمل على استصدار قرارات منها بموجب اختصاصها (الاتحاد من أجل السلم.)