مراجعة كتاب روح الديمقراطية، الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة

مصطفى أيت خرواش

عنوان الكتاب: روح الديمقراطية، الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة. المؤلف: لاري دايموند. المترجم: عبد النور الخراقي. سنة النشر:.2014 الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت. عدد الصفحات: 208 صفحات.

تقديم عام

يرتبط مفهوم الديمقراطية نظريًا وواقعيًا بقيمة الحرية. وهي الفكرة التي نجدها في أدبيات العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تدرس تطوّر الفكر الإنساني المعاصر، وفي تطبيقات السياسات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. ولا شكّ في أنّ الديمقراطية بما هي التدبير المعقلَن للاجتماع البشري، تروم تحقيق الحريات وضبط النوازع غير الطبيعية نحو العنف والإقصاء والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان. بالنظر إلى هذه الخلفية التأسيسية، فإنّ الديمقراطية تبدأ من الحرية وتنتهي إليها بطرقٍ شتى. أي إنّ الوعي بالحرية الذاتية أولً ثم استشعار ضرورة النضال من أجل تحقيقها ثانيًا، هما الدافعان اللذان يجعلان الديمقراطية مطلبًا إنسانيًا ملحًّا، يلجأ له الأفراد كما الجماعات من أجل ترشيد علاقاتهم فيما بينهم، ثم الحيلولة دون نشوء الاستبدادين السلطوي والديني اللذين يستعبدان حرية الأفراد والجماعات معًا. لقد نشأت الديمقراطية في أوروبا بوصفها نظامًا من القيم والأفكار المؤسساتية والسلوكيات الواقعية، عندما ثار الرهبان ضد عنف الكنيسة والاستعباد الديني وبداية تقبّل أفكار الإبداع والمبادرة الفردية والتجارة وتحقيق قيم جديدة كانت الكنيسة تعدّها من الموبقات. كما تحققت الديمقراطية عندما بدأت الثورات السياسية تجتاح أوروبا ضد الأنظمة السياسية المستبدة، واستطاعت أن تُقعِّد لأفكار الأنوار وبناء أنظمة سياسية مؤسساتية تحترم حريات الأفراد وتسعى لتحقيقها والدفاع عنها بنظم مؤسساتية قوية يستحيل معها عودة الاستبداد والاستعباد. إنّ التفكير في شروط قيام الديمقراطية ومتطلباتها المبدئية والظروف الملائمة لبروزها، جعل الكثير من دارسي النظرية السياسية يميل إلى القناعة التي تقول بأن الديمقراطية هي استثناء يقوم في مجتمعات استثنائية تتحقّق فيها مبادئ العيش المشترك والسلمي.

بالمحصلة، تميل المدرسة الواقعية الأميركية إلى هذا النزوع الذي ينفي أيّ إمكانية لقيام نظام الديمقراطية في مجتمعات معيّنة معروفة بالفقر والهشاشة الاجتماعية والاقتصاد الضعيف وبانتهاكات حقوق الإنسان وانتشار الاستبداد السياسي المنظّم. ولذلك عُدّت هذه المجتمعات بعيدة كلّ البعد عن طريق إحلال الديمقراطية التي تتطلب وعيًا اجتماعيًا بمطلب الحرية وتحقيق العدل وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات، ونظامًا من القوانين الحرة والشفافة. بل ذهب بعض المفكرين الغربيين إلى عدّ الديمقراطية فكرة ومولودًا أوروبيًا نشأ بفعل مساعدة عوامل ثقافية ودينية واجتماعية وسياسية عديدة كانت منتشرة في أوروبا الشمالية. وكان من بين هذه العوامل، وجود فكر ديني يساعد على انتشار أفكار ليبرالية، ثم تزامن ذلك مع وجود طبقة اجتماعية متعلمة وماهرة في التجارة والصناعة ساهمت في تحقيق الانتقال إلى نظام الديمقراطية المؤسساتية. في هذا المؤلف الذي بين أيدينا، يذهب المفكر الأميركي لاري دايموند1إلى دحض هذه القناعة، ويميل بالمقابل إلى عد الديمقراطية فكرة ونظامًا سلسًا ومرنًا، وهي ممكنة التحقيق في جميع المجتمعات بغضّ النظر عن الاختلافات الثقافية والعرقية والاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية. يُعدّ لاري دايموند واحدًا من صُناع الرأي الأميركيين. وهو سوسيولوجي سياسي أميركي ومفكر في الدراسات الديمقراطية. وهو أستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية في جامعة ستانفورد ومدير معهد البحث التابع للجامعة في الديمقراطية والتنمية وحكم القانون، وهو مؤسس المجلة المرموقة: مجلة الديمقراطية Democracy of Journal. كما يُعدّ مشرفًا وزائرًا في العديد من المراكز البحثية الأميركية المرموقة؛ كمركز رووزفيلث، ومركز هووفر، ومركز فريمان سبوكلي للدراسات الدولية. وهو مستشار في العديد من المنظمات الدولية؛ كالبنك الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية. عمل في العديد من البرامج الحكومية الدولية، كعمله مستشارًا في البعثة المشرفة على الحكومة الانتقالية في العراق. صدر له مجموعة من المؤلفات، من أهمّها: "الانتصار المفقود: الاحتلال الأميركي والجهود الفاشلة لإحلال الديمقراطية في العراق سنة 2005"، و"روح الديمقراطية، الكفاح من أجل مجتمعات حرة." وهو الكتاب الذي نقدّمه في هذه الورقة. أثنى باحثون مرموقون على كتاب لاري دايموند ثناءً واسعًا؛ أمثال: فرنسيس فوكوياما صاحب كتاب "أميركا في مفترق الطرق"، ثم بيتر

  1. مفكر سياسي وسوسيولوجي أميركي وأستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية في جامعة ستانفورد.

بينارت صاحب كتاب "أزمة الصهيونية." وصدرت الطبعة الأصلية من هذا الكتاب سنة 2008. وترجمها إلى العربية سنة 2014 المترجم عبد النور الخراقي الذي فاز من خلالها بجائزة الترجمة في مسابقة المغرب للكتاب لسنة 2015. يقع الكتاب في 208 صفحات من الحجم الكبير. وهو ينقسم إلى مقدمة للمترجم والكاتب، ثم ثلاثة أقسام رئيسة تتوزّع إلى فصول وأبواب ثانوية. يهدف الكتاب، كما يبين ذلك لاري دايموند، إلى الإجابة عن مجموعةٍ من الأسئلة، وهي: كيف تكون الديمقراطية جالبة التنمية المستدامة؟ هل بإمكان العالم برمّته أن يصير ديمقراطيًا بمعزل عن المعتقدات والقيم والأيديولوجيات المختلفة؟ هل بالإمكان فعلً بناء مجتمعات حرة وديمقراطية عبر العالم؟ وعن طريق الإجابة عن هذه الأسئلة، يسعى الكاتب إلى تحديد العوائق التاريخية والبنائية التي تقف أمام الديمقراطية عبر العالم والشروط الكفيلة ليس فقط لبلوغها بل لدعمها وتفعيلها أيضًا.

ما هي القيم الديمقراطية؟ ما هي الديمقراطية؟

يبدأ المؤلف بتعريف الديمقراطية. ويعتمد في ذلك على تصوّرين وهما كما ترجمهما المترجم: التصورات الرقيقة مفاهيميين؛، والتصورات السميكة. ويعتمد في التقسيم الأول (التصورات الرقيقة أو الدقيقة) على تعريف العالم الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر الذي يعدّها (أي الديمقراطية) نظامًا يسعى إلى بلوغ قرارات سياسية ينال من خلالها الأفراد سلطة اتخاد القرار عن طريق خوض صراع تنافسي من أجل الحصول على صوت الشعب (انتخابات حرة ونزيهة()ص 41.) أمّا ما عدّه التصورات السميكة (الرؤى العريضة)، فهو مجمل الخاصيات والقيم العامة المميّزة للديمقراطية والنظام الديمقراطي، وهي وجود قدر كبير من الحرية الفردية (الاعتقاد، والرأي، والنقاش، والتعبير)... وضمان حرية الأقليات الإثنية والدينية والعرقية، وحق الأفراد في التصويت والترشح والصدق والمنافسة في الانتخابات، وضمان مساواة الأفراد أمام القانون واستقلال القضاء، وتوافر العمل المؤسساتي الشفاف والحر، وتفعيل مبدأ التعددية، ووجود مجتمع مدني فاعل ومستقل، ثم ضرورة سيطرة مسؤولين مدنيين على الآلة العسكرية وأمن الدولة. وبالتفاعل مع هذا التصنيف، فإنّ الكاتب يرى أنّ توافر كامل هذه الشروط أو جزء منها يؤدي إلى إنتاج نوعين من الأنظمة، وهما: النظام الديمقراطي الليبرالي، ثم النظام الديمقراطي المزيّف pseudo-democracy أو النظام التسلطي الانتخابي.Electoral Authoriatrian Regimes إنّ مفهوم الديمقراطية بهذا التقسيم الذي ضبطه المؤلف يجعلنا نقف أمام جهاز قياس درجة الدمقرطة في أيّ نظام سياسي، بحسب توافر كامل الشروط الموضوعية والذاتية أو نقصانها. ولذلك يرى لاري دايموند أنّ تحقيق كلّ الشروط التي سردها في تعريفه هو الطريق الوحيد نحو قيام ما سمّ ه النظام الديمقراطي الليبرالي، في حين يرى في المقابل استلابها صوريًا سببًا في قيام الأنظمة الديمقراطية المزيَّفة وذات السلطة الانتخابية المزيفة. من جهة، يجعلنا هذا التقسيم نقيّد الديمقراطية في اتجاهين حادّين ومتضادّين تظهر الديمقراطية في واحد وتغيب في اَخر. وهو على كلّ حال صحيح بالنظر إلى أنّ قيام الديمقراطية وسقوطها يمرّان عبر توافر شبكة من الآليات المؤسساتية التي ذكر الكاتب بعضها، أو عدم توافرها. من جهة أخرى، لم يتعرض الكاتب للأنظمة الوسيطة والنامية والانتقالية، والتي تعمل بحسب إمكانياتها الذاتية والموضوعية على تحقيق نوع من الديمقراطية المحلية بالمعايير المتعارف عليها دوليًا، وبتداخل بين مقوماتها وطاقاتها المحدودة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو المؤسساتي. مناقشة التعاريف الممكنة لمفهوم الديمقراطية ولآليات اشتغالها، أدّت بالكاتب إلى دراسة أطروحة ارتباط الديمقراطية بالنموّ الاقتصادي. وهي الأطروحة التي شغلت بال المفكرين السياسيين والاقتصاديين معًا، والتي عرفت سجالات قوية لا تزال تتعرّض للنقد والنقد المضاد. فلقد عرفت بداية السبعينيات ظهور نظرية "التجديد" القائلة بارتباط كمّ النموّ الاقتصادي وظهور الديمقراطية، بتوافر مجموعة من الشروط القبلية التي سماها العالم السوسيولوجي الشهير سيمور مارتين ليبست Seymour Martin Lipset الضروريات الاجتماعية للديمقراطية. وهي التي لخّصها في مقولته الشهيرة: "كلمّا ازدادت الدولة ثراء، ازدادت فرص دعمها للديمقراطية." وهي الأطروحة نفسها التي أثبتها الاقتصادي أمارتيا سين Amartya Sen الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1998 بفضل توصّله جزئيًا إلى فكرة أنّ الدول الديمقراطية لا تعاني حالات المجاعة(ص. 50) ليست أطروحة ارتباط الديمقراطية بالنموّ الاقتصادي بالفكرة السهلة التي يجري الاستدلال بها عن طريق المنطق الموضوعي أو الإمبريقي

الصارم، بل هي تحتمل كثيرًا من الارتدادات والهزات التي تجعلها تتغير وتتلون بحسب توافر ما سمّ ه مارتن ليبست "الضروريات الاجتماعية"، أو عدم توافره. كما أنّ توافر نظام سياسي منتخب والذي يشتغل بالمؤسسات السياسية الشفافة والحرة، ونظام قانوني عادل، ومؤسسات اقتصادية حرة وتنافسية، فإنّه لا محالة ستحدث طفرة اقتصادية ونموّ اجتماعي؛ لأنّ الاقتصاد يتقيّد بالقوانين كما يمكن أن يتحرّر بها ويتطوّر. لكن من جهة أخرى، فإنّ توافر نظام سياسي شفاف ومنفتح لا يضمن وحده إمكانية حدوث الثورة الاقتصادية من دون وجود موارد طبيعية وإمكانيات صناعية وطرق تجارية مثلً، وهناك دول ديمقراطية سياسيًا ولكن فقيرة اقتصاديًا. وبالمقابل، فإنّ توافر إمكانيات طبيعية واقتصادية لدى دول معيّنة أسفر عن ثورة ودينامية اقتصاديتين، فهذا يعني أنّها دول ديمقراطية، بل قد تكون دولًاستبدادية بصورة متشددة. من هنا، وفي معرض حديثه عن أطروحة الديمقراطية والنموّ الاقتصادي، عرّج الكاتب على ما سمّ ه "لعنة النفط الاستثنائي("ص 122)؛ فلقد عدّد تقريبًا ثلاثًا وعشرين دولة نفطية تنعدم فيها الديمقراطية، فعندما يكون النفط هو المهيمن على صادرات بلد ما، فإنّ مبالغ ضخمة من العائدات تتدفق من الخارج نحو صناديق الدولة مباشرةً، وتصبح الدولة بذلك الفاعل الاقتصادي الأكثر قوة، وينقلب شعبها إلى زبائن، وليس مواطنين حقيقيين.

ويُرجع الكاتب أسباب عدم عمل معادلة التنمية الاقتصادية إلى غياب ما سمّ ه الحوكمة؛ فهو يعتمد على أطروحة الاقتصادي الأرجنتيني دانيال كوفمان Daniel Kaufman الذي ابتكر مقاييس لتقييم جودة الحوكمة، ومنها: التعبير والمحاسبة والاستقرار السياسي وفعالية الحكومة وجودة نظام الحكومة وحكم سيادة القانون ومراقبة الفساد. وكان علماء الاجتماع يُسمون هذا النوع من الاستغلال الفردي البشع لدخول الثروة النفطية وللمساعدات الخارجية للاغتناء الشخصي وللحفاظ على الأتباع والحكم الفردي، ب "الباتريموانيا الجديدة" Neopatrimonialism، مستفيدين من فكرة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Vieber التي مفادها أنّ في كلّ الأنظمة التقليدية الصغيرة، يحوِّل الحكم الفردي والعشوائي الناس العاديين إلى زبائن الحاكم، عوضًا عن مواطنين يتمتعون بحقوق. والهدف من هذه الباتريموانيا الجديدة من خلال التنمية الفاسدة، ليس إنتاج المنافع العامة، بل تعزيز الوجود السياسي الشمولي والفردي حيث يستفيد كل من تقرّب من السلطة الحاكمة (ص. 382)

العوامل الداخلية المحرِّكة للديمقراطية

قدّم لاري دايموند مجموعة من العوامل والآليات المحركة للديمقراطية، ومنها: الانقسامات الشمولية: يتعرض النظام الشمولي لانقسامات داخلية خصوصًا بين المتشددين والمعتدلين تُعرّضه للانهيار من دون مقدمات، وتمثّل الانقسامات بين القاعدة والقيادة عاملً مهمً أيضًا في الانتقال الديمقراطي، خصوصًا إذا فشل في تحقيق أهدافه التي وعدهم بها كما وقع في اليونان والأرجنتين والأورغواي والفيليبين وأوروبا الشرقية وبنين وزمبابوي وجورجيا وأوكرانيا... التنمية الشمولية: رأى أنّ النجاح الشمولي في تحقيق تنمية اقتصادية يؤدي إلى قيام الديمقراطية؛ فالنموّ السريع وفتْح الأسواق وانتعاش التجارة لها انعكاسات إيجابية على الدخل الفردي وشروط العيش وتحسين مستوى التعليم وتنامي طبقة متوسطة بورجوازية، وغيرها. تؤدي هذه الظروف مجتمعةً إلى تطور الحاجيات الفردية والجماعية، من حاجيات اقتصادية واجتماعية إلى سياسية (تجربة تايوان.) لكن فكرة اقتران الديمقراطية بالتنمية تحتمل العديد من النقائص، إذ إنّ العديد من التجارب الديمقراطية لم تحقّق التنمية الاقتصادية المنشودة. الحرة القيم: تغيّ التنمية الاقتصادية البنى الاجتماعية والاقتصادية والقيم والمواقف باتجاه الديمقراطية. ويرى ليبست أنّ "التنمية الاقتصادية بتحقيقها إنتاج دخل مرتفع، وأمن اقتصادي أكبر، وتعليم عالٍ واسع، فهي تحدد على نحوٍ واسع

شكل الصراع الطبقي من خلال السماح لمن هم في الطبقات الدنيا بتطوير مواقف على المدى البعيد ووجهات نظر سياسية أكثر تعقيدًا وتدرّجًا" (ص. 156) إنّ ارتباط التنمية بالتغير القيمي من خلال أعمال رونالد إنغلهارت صاحب مسح القيم العالمية World Values Survey الذي اعتمد على نظرية تراتبية حاجيات الإنسان لعالم النفس الاجتماعي إبراهام ماسلو Maslow Abraham. إذ تحظى الحاجيات الأساسية (أمن، وسلامة، وإعالة) بالاهتمام حتى يتمّ تحقيقها ثم ينتقلون إلى أعلى الترتيب (انتماء، وتقدير، وتعبير عن الذات.) يؤكد اينغلهارت أنّ الناس الذين وجدوا في فترات من الرخاء الاقتصادي والأمن يميلون إلى قيم ما بعد مادية.Postmaterialist قيام المجتمع المدني: يؤكد اينغلهارت وويلز من البنيويين الأميركيين أنّ جوهر الديمقراطية يُظهر قوة الشعب ولا يُظهر فقط الاختيار الدستوري للفئات المتنورة. وهنا يضرب في العمق نظرية "النخبوية المركزية" لفيليب شميتر التي تقول بأهمية القيادات الكاريزمية والوطنية في التحولات السياسية والثورات الديمقراطية (ص. 163)

العوامل الخارجية المحركة للديمقراطية

يعدّد الكاتب مجموعة من العوامل الموضوعية الأخرى التي تساعد على تحريك مطلب الديمقراطية خصوصًا في مراحل التحولات السياسية، ومن هذه العوامل: الانتشار وتأثيرات التظاهر: تساعد الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية والتظاهرات الحقوقية والأكاديمية على توسيع دائرة انتشار الفكرة الديمقراطية وتضييق الخناق على معارضي الديمقراطية. وساعدت طرق عمل المنظمات العابرة للحدود وتطوّر وسائل التكنولوجيا التواصلية الحديثة على تدفّق أفكار التحول الديمقراطي في بلدان متفرقة ومختلفة وبين بلدان تجمعها الفوارق الثقافية والسياسية (مثال دول الربيع الديمقراطي.) السلمي الضغط: عن طريق الديبلوماسية والمساعدات المشروطة أو العقوبات الاقتصادية، وغالبًا ما تتداخل هذه الأشكال جزئيًا أو كليًا. وتتأثّر بقوة تلك الدول التي تمتلك روابط تاريخية تقليدية (الاستثمار، والتجارة، والدين)..، أو روابط أمنية (معاهدات، وضمانات)، أو روابط اجتماعية (الهجرة، والسياحة، والتعليم.).. ويمكن أن تضغط الدول الديمقراطية عن طريق استمالة النخب السياسية داخل النظام وتكوينها نحو التغيير الديمقراطي. محدودية العقوبات وشروط المساعدة: خصوصًا لدى الأنظمة الشمولية التي لا ترتبط بروابط قوية (كوبا، وكوريا الشمالية، وبورما، وزيمبابوي.).. وتفشل هذه العقوبات أيضًا عندما تعزل الأنظمة وتقلّص العقوبات الترابطات التي تولّد النفوذ. لكنّها تنجح مع الأنظمة التي ترتبط بروابط قوية مع الأنظمة الديمقراطية الضاغطة. الديمقراطية مساعدة: المساعدة على تقوية المؤسسات الديمقراطية، وإصلاح الحوكمة، وتمكين المجتمع المدني، وبناء الثقافة الديمقراطية، ومراقبة الانتخابات الديمقراطية، وفي السياقات الشمولية مساعدة المعارضين والمنظمات المدنية على التغيير الديمقراطي. وتطورت العديد من المؤسسات الداعمة للديمقراطية عالميًا، كالمؤسسة الدولية من أجل الديمقراطية والمساعدة الانتخابية IDEA، وشبكات الديمقراطية (الحركة العالمية من أجل الديمقراطية)، وغيرها من المؤسسات المدنية الضاغطة والفاعلة. فرض الديمقراطية بالقوة: وهي الأسطورة التي دعمها وانتقدها في الوقت نفسه لاري دايموند، عندما عدّ فشل جميع المحاولات السلمية لإحلال الديمقراطية، فسيتمّ اللجوء إلى فرض الديمقراطية بالقوة. وهي التجربة التي انتقدها في كلٍ من أفغانستان والعراق.

خطر الدول المفترسة

تحدّث الكاتب كثيرًا عمّ سمّ ه الدول المفترسة. وهي الدول التي تغتال المؤسسات السياسية والاقتصادية وتجعلها أشكالً صورية فقط تشرعن بها وجودها السياسي الغاشم وحيث لا يوجد قانون صارم وشفاف يمنع استغلال الذمم والفساد والمحاباة، وحيث تتغول الدولة بوصفها جهازًا كبيرًا ينفرد بحقوق أكثر من حقوق الأفراد والجماعات. ما ينجم عنه وجود مجتمع مفترس وهو نقيض المجتمع الديمقراطي. في المجتمع المدني تنتشر الثقة بين الناس، ويتحدون في أشكال كثيرة

من الجمعيات، ويتعاونون من أجل تحقيق غايات مشتركة كثيرة. أمّا في المجتمع المفترس، فلا يوجد مجتمع بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا أيّ التزام مشترك بنظرة مشتركة لأجل الصالح العام. ويستخدم الفاعلون السياسيون أيّ وسيلة ويخرقون القوانين بحثًا عن الثروة والسلطة. والنتيجة هي مزيد من التعقيد لمهامّ قيام ديمقراطية حقيقية، والتي تتطلب نظامًا دستوريًا وتسوية واحترامًا للقانون ووجودًا لمجتمع مدني فاعل وفعّال.

هل يمكن دمقرطة الشرق الأوسط؟

يدافع الكاتب عن أطروحة بداية تحوّل ال قرر الأوسط نحو الديمقراطية منذ بداية اجتياح الولايات المتحدة الأميركية العراق وبداية تشكّل شرقٍ أوسط جديد. وقد وثّق لذلك بخطاب تاريخي لجورج بوش الابن الذي يقول فيه: "ستون عاما والدول الغربية تتسامح مع غياب الحرية في الشرق الأوسط دون أن يقود ذلك إلى ضمان أمننا، لأنّ الاستقرار لا يمكن شراؤه على المدى الطويل على حساب الحرية. وطالما أنّ الشرق الأوسط لم يبرح مكانه، حيث غياب ازدهار الحرية، فسيبقى مكانًا للركود، والضغينة وتصدير العنف" (ص. 405) وعرفت العديد من الدول العربية تحولات سياسية فرضها الواقع الجيوسياسي الجديد الذي جعل الأنظمة العربية ترضخ لمخطط ما سمّي الشرق الأوسط الجديد. ونتيجة لهذه التحولات، سجّل مقياس "بيت الحرية" House Freedomمع نهاية 2006 تحسنًا ملموسًا في الحقوق السياسية والحريات المدنية، على مدى الثلاث سنوات ما بعد الاجتياح الأميركي للعراق. لكن حدثت تطورات عكسية فيما بعد أدّت إلى تراجع مشروع دمقرطة الشرق الأوسط الذي نادت به أميركا. إذ مثّل صعود القوى الإسلامية في جلّ البلدان العربية وانتعاش الإرهاب والعنف وتحالف أميركا مع الديكتاتوريات العربية، متنفّسًا أمام الأتوقراطيات العربية من أجل تعزيز أنظمتها بدلً من تغييرها. وعليه، فقدت الأنظمة الغربية (أميركا) نزاهتها لدى شعوب المنطقة وجرى التشكيك في مشروعها الديمقراطي.

خاتمة

إنّ هذا المؤلف المهم، ليس دراسة نظرية في كيفية تطور السلطة السياسية أو في كيفية عمل الآليات المحرّكة لقيام الأنظمة الديمقراطية في مجتمعات مختلفة، بل هو أيضًا عمل ميداني لواحد من خبراء العمل الميداني السياسي العالمي؛ فلقد تناول بالدرس والتحليل الدقيق مجموعة من التجارب الديمقراطية الميدانية في العديد من البلدان النامية والسائرة في طريق النمو، كتجربة نيجيريا والهند وباكستان ولبنان والعراق والأردن والمغرب وغيرها من البلدان. وأولى بلدان الشرق الأوسط اهتمامًا واضحًا، على أساس مشاركته في مشروع دمقرطة الشرق الأوسط الحكومي ولأنّه يؤمن بأنّ دمقرطة الشرق الأوسط ممكنة، بغضّ النظر عن الظروف السياسية والاجتماعية والدينية التي تعيق البناء الديمقراطي في المنطقة. ويؤمن لاري دايموند أنّ العائق أمام تحقيق الديمقراطية في الشرق الأوسط ليس الثقافة أو الدين أو الإسلام أو المجتمع، وإنّ ا الأنظمة نفسها وجيوسياسية المنطقة المتميزة. ويعدّ حماية الحكامة والتدبير الجيّد للسياسة قبل حماية الاقتصاد، هما السبيل نحو ديمقراطيات فعّالة، فلا اقتصاد قويّ ومستدام من دون حكامة تدبيرية جيدة. ففي بحثه "انتكاسة الديمقراطية: عودة ظهور الدولة المفترسة"، تعود انتكاسة الديمقراطية إلى اعتماد مجموعة من الديمقراطيات الفتيّة على التزوير الانتخابي وتقييد الأحزاب المضادة والاستعمال المفرط للقوة التنفيذية. وعلى عكس العديد من العلماء السياسيين الآخرين، لا يؤمن لاري دايموند بأنّ التنمية الاقتصادية، أو الافتقار إليها هما العاملان رقم واحد في تراجع الديمقراطية. بل يعتقد أنّ كفاءة الحكومة هي المشكلة الأولى. إذا كانت الحكومة عاجزة عن توفير الملعب الاقتصادي والسياسي الآمن وعلى قدم المساواة، فإنّ أيّ عمل في تعزيز التنمية الاقتصادية سيكون غير مجدٍ. ويستشهد بالرئيس الكيني كيباكي مثالً على ذلك. فلقد ساعد كيباكي كينيا في الوصول إلى بعض أعلى المستويات من النموّ الاقتصادي، لكنّها فشلت في التصدي للفساد الواسع، ما أدّى إلى مطالبات بسبب التزوير في الانتخابات

الرئاسية عام 2007، والتي انفجرت بدورها إلى العنف. ويعتقد أنّه إذا لم يجْر تحسين الحوكمة في الدول الديمقراطية، فإنّ الناس سوف يتحوّلون إلى بدائل شمولية. وهذا سوف يؤدي بعد ذلك إلى إنشاء الدول المفترسة. والدول المفترسة تُنتج المجتمعات المفترسة حيث الأفراد والجماعات لا يبحثون عن كسب الثروة وتحسين نوعية الحياة من خلال طرق مفيدة للبلد بأكمله، بل من خلال الاستفادة من السلطة والامتياز، عن طريق السرقة من الدولة، والاستفادة من عدم تطبيق القانون، وهنا تغيب ظروف إحلال الديمقراطية التي تتطلب وجود مجتمع مدني مسؤول وفعّال ومبادر. لقد جاء هذا المؤلف ليجيب إذن عن سؤال طرق إحلال الديمقراطية في مجتمعات مختلفة عن طريق جودة الحوكمة السياسية والاقتصادية، أي إنّ البناء الديمقراطي يكون هنا أفقيًا. لكن تبقى هذه الأطروحة مفتوحة للنقاش، وهي ترتهن لطبيعة التجارب السياسية وللظروف الثقافية والدينية لكلّ بلد على حدة. على أن بعض التجارب الليبرالية التي اعتمدت على الانفتاح الاقتصادي مدخلً للانفتاح السياسي والقيمي، استطاعت أن تحلّ الديمقراطية لكن في مجتمعات تعرف تحوّلً قيميًا، وفي دول انفتحت فيها السلطة الحاكمة على مبادئ الديمقراطية كاملة. إنّ تجارب دول الربيع العربي المختلفة مع قضايا الإصلاح والتنمية أبانت عن حجم الخطر الذي يمكن أن يحصل عندما ترتكز القوة الاقتصادية والمالية لبلد ما في أيدي السلطة الحاكمة التي تظهر بمظهر المنفتحة اقتصاديًا، لكن هي في العمق تكدّس ثروتها في اتّجاه منع أيّ تحوّل سياسي سيفضي إلى نظام مؤسساتي تعددي وديمقراطي. لقد رأينا كيف منعت السلطة الحاكمة في أكثر من بلد عربي، أو ساهمت بمساعدة قوى خارجية في عرقلة الانتقال الديمقراطي نحو بناء دول عربية حديثة، بل قامت بفبركة حروب أهلية متعمّدة استعمل فيها السلاح والقتل لإرباك التحوّل الديمقراطي العربي المنشود، ومنعه.