عرض كتاب سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية

نيروز ساتيك

(إيران - العراق - سورية - لبنان أنموذجًا)

عنوان الكتاب: سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية (إيران – العراق – سورية – لبنان أنموذجًا.) المؤلف: عبادة محمد التامر. سنة النشر:.2015 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة / بيروت. عدد الصفحات: 288 صفحة.

يدرس هذا الكتاب المنطلقات والدوافع والسياسات التي ترسم الخطوط العريضة لسلوك الولايات المتحدة تجاه أزمات المنطقة في الشرق الأوسط؛ وذلك بتناول نماذجَ محددة لأزمات دولية تعاملت معها إدارتان أميركيتان، واحدة جمهورية (إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش) وأخرى ديمقراطية (الإدارة الحالية لباراك أوباما) من خلال مناقشة سياسة الولايات المتحدة تجاه أربع أزمات في الشرق الأوسط (العراق، وإيران، وسورية، ولبنان.) ينقسم هذا الكتاب إلى مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة. ينقسم الفصل الأول "الأزمات الدولية وإدارتها وفق الرؤية السياسية الأميركية" إلى مبحثين. يعتمد هذا الفصل على التحليل الوصفي للعوامل التي تدخل في تركيب السياسات الأميركية، إضافة إلى الاقتراب السلوكي. إذ ينحو هذا البحث إلى اعتماد السلوكية منهجًا مساعدًا في تفسير سلوك الإدارات الأميركية الجمهورية والديمقراطية في إدارة الأزمات. يحدّد المبحث الأول الإطار النظري لمفهوم الأزمة الدولية وتعريفاتها المتعددة، وصولً إلى تحديد ماهية الأزمة الدولية وفقًا للرؤية السياسية الأميركية. ويعرض النظرية الأميركية في إدارة الأزمات الدولية بشقّيها الكلّ والجزئي. أمّا المبحث الثاني، فيركّز على تطور الإستراتيجية الأميركية تجاه الأزمات الدولية، ومنهجها العام في إدارتها. يدرس الفصل الثاني الأزمات الدولية في منطقة الشرق الأوسط، وتأثير هذه الأزمات في الولايات المتحدة. وينقسم إلى مبحثين: يركّز المبحث الأول على العوامل التي تسبّب نشوء الأزمات في المنطقة، وتزيد من تعقيدها. ومن خلال هذا المبحث، يدرس الباحث أثر العوامل الديموغرافية والإثنية وسياسات التسلح. أمّا المبحث الثاني، فيتناول محددات الرؤية الأميركية لأزمات الشرق الأوسط والأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى التدخّل فيها. ويحدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وأهدافها الإستراتيجية المتمثلة بأمن إسرائيل، واستمرار إمدادات النفط وأمن الطاقة، وظاهرة الإرهاب ومحاربتها. اعتمد الباحث في الفصل الثالث منهجية التحليل المقارن، وأسلوب دراسة الحالة؛ إذ اعتمد على اختيار أربعة نماذج لأزمات في المنطقة (العراق، وإيران، وسورية، ولبنان)، لدراسة المواقف الأميركية منها. وقد اختار الباحث هذه الحالات لأنّها تحمل قدرًا عاليًا من التشابك والتداخل نتيجة البيئة الثقافية والسياسية القائمة في المنطقة. إضافة إلى أسباب منهجية تتعلق بالتقليل من عدم الدقة الاستقرائية، كي تعطي الكتاب قدرة أكبر على تعميم النتائج. وجد الباحث أنّ إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قد غلّبت منطق التعصب الأيديولوجي المستند إلى استخدام القوة في إدارة الأزمة العراقية، وتجاهل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. لكنّها ما لبثت أن أضفت في المراحل اللاحقة بعض البراغماتية على نهجها السياسي تجاه الأزمة، تجلّ في توقيع اتفاقية انسحاب القوات الأميركية من العراق. بينما حافظت إدارة أوباما على وجود عسكري محدود في العراق في العامين الأوّل نن لولايته، مارست في الوقت ذاته الابتعاد الجزئي عن التفاصيل الداخلية للأزمة في العراق، وأبقت على دعمها السياسي بعض التيارات العراقية، في محاولة لإيجاد صيغة سياسية مذهبية تكفل عدم الغلبة المطلقة لأحد الأطراف في العراق، ما سيؤدي إلى تغيّ في بعض المعادلات الإقليمية، خصوصًا بعد التأثير الإيراني في العراق، واحتفظت لنفسها بتأثير قويّ في بعض المكونات العراقية.

أمّا في الأزمة مع إيران، فقد غلّبت إدارة بوش لغة التهديد باستخدام القوة، وذلك لهدفين: أوّلهما محاولة الضغط على التوجهات الإيرانية الرامية إلى استكمال دورة الوقود النووي، وما يمثّله ذلك من إمكانية تطويرها لسلاح نووي. وثانيهما للضغط على الأطراف الدولية لاتخاذ موقف حازم من البرنامج النووي الإيراني. كما عملت على اتخاذ رزمة من الخيارات الدبلوماسية والسياسية والإستراتيجية للتأثير في تقدّم البرنامج النووي الإيراني من خلال استمرار العمل على عزل النظام الإيراني، وتطويقه داخليًا وخارجيًا. في حين اتّبعت إدارة أوباما سياسة الانخراط والضغط؛ أي سياسة العصا والجزرة لمحاولة وقف تداعيات تحوّل إيران إلى دولة تملك سلاحًا نوويًا، وما يحمله من آثار في المصالح الأميركية في المنطقة. واستخدمت الخيارات الاقتصادية والسياسية والاستخباراتية المتاحة لتحقيق نتائج أفضل في ظلّ عدم

القدرة على منع إيران من الاستمرار في تطوير برنامجها النووي، والتأثير تدريجيًا في الحالة الإيرانية من خلال دعم التيار الإصلاحي أو العمل على إيجاد حالات التوتر الإثنية والمذهبية في إيران نفسها، أو بين إيران وجيرانها، أو استثمارها.

وفي الحالة السورية، فقد دعمت إدارة بوش مناوئي سورية في لبنان، واستخدمت القرارات الدولية للضغط عليها إلى أقصى حدٍ ممكن مع التهديدات المبطنة والمعلنة باستخدام القوة على النموذج العراقي لإيجاد حالة جديدة في سورية. أمّا إدارة أوباما، فقاربت الأزمات في سورية على مرحلتين: الأولى، اتسمت بمحاولة التأسيس لنمط أكثر براغماتية في العلاقة بسورية، من خلال الزيارات التي قام بها عدد من المسؤولين الأميركيين والضغط لانتزاع مواقف محددة منها. والمرحلة الثانية، تمثّلت بالعمل على التأثير في النظام السوري من خلال دعم المظاهر الاحتجاجية، ودفع القوى الأوروبية والإقليمية لتبنّي مواقف مناهضة للقيادة السورية، ومن ثمّ العمل في مجلس الأمن لإصدار قرارات، يبنى عليها خيارات أخرى لتغيير النظام. عملت كلا الإدارتين الأميركيتين على استخدام الأزمة اللبنانية عامل ضغط على سورية وإيران. وفي سبيل ذلك، استخدمت إدارة بوش القرارات الدولية لاختبار سياسة القوة. وأبقت إدارة أوباما على هذا الخيار، لكنّها انخرطت بصورة أكبر في أطراف الرابع عشر من آذار. لكنّها وجدت أنّ أهدافها من الأزمة اللبنانية، لم تعد ذات أهمية بعد اندلاع الأحداث في سورية في عام.2011 يستخلص الكتاب أنّ إدارة أوباما لم تُحدث تبدلً جوهريًا في الخيارات الأميركية لمعالجة أزمات المنطقة، وإنّ ا أبقت على عناصر جمة من النمط الجمهوري في التعاطي مع الأزمات، بعد إضافة أدوات جديدة تمثّلت بمحاولة حشد المجتمع الدولي خلفها لتشكيل رأي عام عالمي يدعم القرارات الأميركية، وقلّلت نوعًا ما من لغة استخدام القوة العسكرية لإدارة هذه الأزمات. يستنتج الباحث أنّ كلا الإدارتين انتهجت بصورة عامة نظرية الواقعية السياسية في إدارة أزمات المنطقة، لكن إدارة أوباما أدخلت أساليب أكثر براغماتية على طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الأزمات في الشرق الأوسط، نتيجة تأثّرها بالمدرسة الليبرالية الجديدة.