السياسة الأميركية تجاه تنظيم "داعش"
الملخّص
تتبع هذه الورقة السياسة الأميركية تجاه داعش، محاولة تحليلها، مستعرضة الجدل الذي أحاط - ولا يزال يحيط بها -رة فيها. ففي أيلول / سبتمبر ٤ والعوامل والمحددات المؤث ١٠٢، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما "إستراتيجية شاملة" لإضعاف ما يُعرف ب"تنظيم الدولة مااية في العراق والشام الإس - داعش"، وتدميره. وقال أوباما: "لن أتردد في استخدام القوة تجاه داعش في سورية كما في العراق. هذا هو المبدأ الرئيس الذي تلتزمه إدارتي: أنّ من يهدد أميركا لن يجد ملاذ ا آمن ا." لكن، وعلى الرغم من هذا الإعلان، ظلت الأسئلة عن طبيعة السياسة الأميركية وأهدافها وأدواتها تجاه داعش تطرح باستمرار في سياق جدل بين مَن يعتقد أنّ الولايات المتحدة لا تفعل ما يكفي لمواجهة التنظيم، ومَن يرى أنّ من الأفضل لها أل ا توسّ ع انخراطها العسكري في هذا الصراع. وقد تأث ر هذا الجدل باستقطابات سياسية أميركية داخلية، تمث لت بالموقف الناقد الذي تبن اه أقطاب في الحزب الجمهوري، من قبيل السيناتور جون ماكين والسيناتور ليندزي غراهام، لما يعدّونه "سياسة ضعيفة من الرئيس أوباما"، وتنافسات إقليمية "شرق أوسطية" حول الموقف من داعش وطبيعة الخيارات السياسية التي يجب أن تؤطّ ر المواجهة مع التنظيم.
حارث حسن *
مبدأ أوباما والمحددات الداخلية
في ٥ شباط / فبراير ٥١٠٢، أصدرت الإدارة الأميركية ثاني تقرير يحدد إستراتيجية الأمن الوطني NSS منذ تولّ الرئيس أوباما منصب الرئيس، وتضمن التقرير تأكيد التزام الولايات المتحدة "قيادة تحالفات دولية لمواجهة التحديات الكبيرة الناشئة عن العدوان والإرهاب والأمراض." يشير التقرير في القسم الخاص بمواجهة "الإرهاب" إلى أنّ الولايات المتحدة "تخلّت عن النموذج القائم على الانغماس في الحروب البرية المكلفة والواسعة النطاق في العراق وأفغانستان، والتي تحمّلت فيها القوات الأميركية أعباء هائلة." بدلً من ذلك، يقول التقرير، إنّ الولايات المتحدة أخذت تتبع "نهجًا قابلً للاستمرار يعطي الأولوية لعمليات مكافحة الإرهاب ذات الأهداف المحددة، والجهد المشترك مع شركاء مسؤولين، والعمل بصورة متزايدة على منع نموّ التطرف العنيف وتصاعد النزعات الراديكالية التي تصنع تهديدات جديدة "1. في هذه الفقرة وفقرات أخرى من التقرير، يمكن تلمس عناصر مهمة مما يمكن تسميته ب "مبدأ أوباما" في السياسة الخارجية. وهو مبدأ يبُرز أوّلًاتجاهات التيار غير الانغماسي للمدرسة الواقعية، ويمثّل ثانيًا محصلة للتجربة المكلفة والصعبة للحرب في العراق. من المعروف أنّ هناك اتجاهين فكريَيّن متصارعين في ما يخص تحديد الدور الأميركي في الشؤون الدولية؛ الاتجاه التدخلي Interventionist والاتجاه الواقعي (الذي يميل البعض إلى تسميته بالاتجاه الانعزالي، إلّ أنّ هذه التسمية لم تعد تبُرز سوى موقف تيارات هامشية.) يدفع التدخليون باتّجاه دور أكبر في الشؤون الدولية وانخراط سياسي وعسكري أوسع، ويعتقدون أنّ مصلحة الولايات المتحدة و"مُثلها" تتطلب العمل لصوغ النظام العالمي وحمايته من الأخطار التي تهدده، والعمل بصورة منفردة كلمّا تطلّب الأمر ذلك. ويمكن تقسيم الاتجاه التدخلي إلى تيارين؛ تيار ينتمي إلى مدرسة القوة "التيار الهيمنوي" Hegemonist، ينادي بالتدخّل ضرورة لتأكيد الزعامة الأميركية للعالم، وتيار إنسانوي Humanistic يدعو إلى التدخّل من أجل منع أعمال التطهير العرقي والديني والإبادات الإنسانية. ويعتقد التيار أنّ الزعامة الأميركية تعكس مسؤولية أخلاقية من نوع ما بوصف الولايات المتحدة أمة استثنائية لا عوض عنها للعالم. وتلتقي هذه النزعة الرسالية Missionary بنزعة من الشك تجاه الآخرين ونوازعهم، خصوصًا أولئك الذين لا يقرّون بالزعامة الأميركية أو يسعون إلى تحدّيها. وبهذا المعنى، فإنّ الفرضية التي ينطلقون منها هي أنّ العالم في حاجة إلى الزعامة الأميركية لأنّه من دون هذه الزعامة سيكون عالمًا خطيرًا و"شريرًا"، كما أنّ الولايات المتحدة في حاجة إلى تأكيد زعامتها دائمًا لأنّها من دون ذلك ستسمح للقوى الخطيرة والشريرة بتحدّيها.
بينما لا يعتقد التدخليون الإنسانويون بضرورة أن يكون للتدخّل علاقة بالمصلحة الأميركية، بل أحيانًا هم يشيرون إلى أولوية المثل على المصالح وإلى ضرورة أن لا تؤدّي المصلحة الأميركية إلى التغاضي عن جرائم فظيعة ترتكب من أنظمة أو جماعات لا تلتزم القانون الدولي. يمكن عدّ سامنثا باور، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ممثّلة هذا التيار الذي يعتقد أنّ هناك مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق السياسة الأميركية تتمثّل بالتدخّل لمنع انتهاكات حقوق الإنسان الكبرى والإبادة، وكانت أحد الأصوات المؤيدة التدخّل العسكري في دارفور وليبيا2. انعكست هذه التصورات "التدخلية" المختلفة على موقف التدخليين تجاه سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية والسورية، وارتكابه مجازر وانتهاكات فظيعة ضد المدنيين وأتباع الديانات والمذاهب المغايرة؛ فتيار مدرسة القوة الذي يتركز بقدر أكبر في الحزب الجمهوري، وتحديدًا اليمين المحافظ، رأى أنّ ما حصل هو نتاج لسياسة أوباما المتحفظة ونزعته غير التدخلية، خصوصًا رفضه
التدخّل العسكري لحسم الصراع في سورية وإخفاقه في إبقاء قوات أميركية في العراق ومراقبة سلوك الحكومة العراقية. وأنّ ما حصل في هذين البلدين هو بالدرجة الأساس نتيجة للانكفاء الأميركي الذي سيخلق في النهاية عالمًا أكثر خطورةً يهدد الزعامة الأميركية. بينما يجادل التدخليون الإنسانويون بأنّ الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة في منع الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم داعش وحماية الأقليات المهدَّدة من هذا التنظيم. أمّا الاتجاه الواقعي، فيمكن أيضًا تقسيمه إلى تيارين: تيار رئيس يقوم على الواقعية البراغماتية، ويعتقد أنّ الإفراط في التدخل العسكري يضر بالمصالح الأميركية بسبب تكلفته العالية، وهو إلى حدٍ ما التيار الذي يمثّله الرئيس أوباما ومعظم قادة الحزب الديمقراطي. وهذا التيار يؤمن أيضًا بمحدودية القوة وبعدم قدرة الخيار العسكري على حلّ مشاكل معقّدة. أمّا التيار الثاني، فهو في العموم تيار هامشي في المؤسسة السياسية والفكرية الأميركية، ويتألف من المدرسة الليبرتارية Libertarian التي تشكّك في مبدأ القيادة الأميركية للعالم وتدعو إلى الانعزال وتنتقد الالتزامات الناتجة من "الحكومة الكبيرة" والبنى الأمنية والعسكرية الضخمة، ويمثّلها اليوم مرشح الرئاسة عن الحزب الجمهوري راند باول. وهناك تيار آخر على اليسار تمثّله الفئات المعارضة للهيمنة الأميركية والرأسمالية، والتي ترى أنّ المشكلة تكمن في تحوّل الولايات المتحدة إلى إمبراطورية خاضعة لسلطة الأقلية المستفيدة من التوترات والصراعات العالمية. وإذا ما تغاضينا عن التيارات الهامشية وتلك التي لا تقوم بدور بارز في صنع القرار الأميركي في السياسة الخارجية، يمكن القول إنّ الجدل الداخلي الرئيس في ما يخص السياسة المعتمدة - أو التي ينبغي اعتمادها - تجاه تنظيم داعش، يتركز على النقاط التالية: هل يمثّل داعش تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة؟ وهنا يعتقد البعض أنّ التنظيم لم يصل بعد إلى تهديد الولايات المتحدة مباشرة، ويتبنّى مفهومًا متحفظًا للتهديد يشير أساسًا إلى تهديد الأرض الأميركية والمواطنين الأميركيين، وعليه، يعتقد هؤلاء أنّ من الأفضل التركيز على احتواء التنظيم والإبقاء على التدخّل المحدود والمعتمد على التحالف مع قوى إقليمية من أجل منع تنامي تهديد التنظيم3. بينما يرى آخرون أنّ التنظيم يمثّل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة، لأنّه يزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط الحيوية، ومجمل الاستقرار العالمي، ويجاهر بعدائه للولايات المتحدة ورغبته في مهاجمتها إن سنحت الفرصة، ويهدد الزعامة الأميركية عالميًا فضلً عن تورّطه في انتهاكات لا يمكن التسامح معها. وبالنتيجة يدعو هؤلاء إلى مزيد من التدخّل العسكري لدحر التنظيم4. ماهي طبيعة التهديد وحدوده؟ وهنا يرى البعض أنّ هذا التهديد هو بالدرجة الأساسية عسكري ويتطلب التركيز على الجهد العسكري وتوسيع الانخراط الأميركي حتى لو استدعى ذلك إرسال قوات برية أميركية، على الأقلّ لإسناد القوات العراقية والكردية والمعارضة السوريّة المعتدلة، والسعي لتأطير هذا الجهد بعمل دبلوماسي وسياسي5. بينما يرى آخرون أنّ التهديد هو سياسي بالدرجة الأساس ويتعلق بفشل الدولة في العراق وسورية وتعمّق الانقسامات الطائفية التي سمحت للتنظيم باستثمارها. ويرى هؤلاء أن ليس هناك الكثير ممّ يمكن أن تفعله الولايات المتحدة تجاه صراعاتٍ وحروب أهلية من هذا النوع، وأنّ من الأفضل لها أن تركّز على احتواء تلك الصراعات. وهناك من يذهب إلى أنّ المواجهة يجب أن ترتكز على إستراتيجية شاملة عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية للتعامل مع العوامل والأسباب التي قادت لصعود هذا التنظيم ولنموّ الأفكار والتيارات الراديكالية في المنطقة6. ما هي السياسة التي يجب أن تحكم هذا التدخّل؟ وهنا يجري الجدل بين من يعتقد أنّ الولايات المتحدة يجب أن تحدّد إطارًا سياسيًا واضحًا لإنهاء الصراع من أجل أن تكون هزيمة داعش ممكنة، ومن يعتقد أنّ من الأفضل إعطاء الأولوية الآن
لهزيمة التنظيم وتأجيل الترتيبات السياسية، لأنّ الانغماس في هذه الترتيبات الآن قد يؤدي إلى انقسام الفاعلين الداخليين والإقليميين الذين يمكن أن يعملوا شركاء للولايات المتحدة في هذه المواجهة. ويشمل النقاش أيضًا طبيعة الترتيبات المحتملة، إذ يعتقد البعض أنّ الأولوية يجب أن تعطى لمواجهة التنظيم في العراق، وإصلاح النظام السياسي العراقي؛ بجعله أكثر مقبولية، وبإسناده على شراكة أوسع، وتوزيع للسلطة بين مختلف الفئات. بينما يرى آخرون ضرورة التركيز في الوقت نفسه على إيجاد حلٍ للأزمة السوريّة لأنّ محاربة التنظيم في جبهةٍ واحدة، غير مجدية. وهناك من يرى أنّ بقاء النظام السوري ورئيسه بشار الأسد سيعيق الوصول إلى أيّ حل وسيسمح باستمرار الظروف التي أدت إلى استقواء داعش والتنظيمات المرتبطة بالقاعدة، مما يتطلب إيجاد حلٍ يجبر الأسد على التنحّي، بينما يعتقد آخرون أنّ تقسيم سورية سيكون خيارًا أفضل7.
وإذا ما حاولنا تصنيف جميع هذه المواقف على شكل خيارات رئيسة مختلفة، يمكن القول إنّ هناك ثلاثة خيارات أساسية واجهتها الإدارة الأميركية عند تحديد سياستها تجاه تنظيم داعش: أولً: خيار التدخّل العسكري السريع والواسع المدعوم بهجوم دبلوماسي لوضع إطار سياسي ملزم لمرحلة ما بعد داعش. ثانيًا: خيار الاحتواء، والقاضي بالعمل على منع التنظيم من تحقيق مزيد من النجاحات العسكرية الكبرى، ومن ثم محاصرته والعمل على دحره تدريجيًا. ثالثًا: خيار عدم التدخل والاكتفاء بالتعامل مع نتائج الصراع (وهو خيار طرحه البعض على أساس أن ليس للولايات المتحدة مصلحة في انتصار أحد الأطراف المتصارعة:داعش، أو الميليشيات الشيعية في العراق، وداعش ونظام الأسد في سورية)8. ويمكن القول إنّ الإدارة الأميركية اعتمدت حتى الآن على سياسة تلتقي إلى حدٍّ كبير مع الخيار الثاني "الاحتواء"، لأنّه ينسجم مع "مبدأ أوباما" القائم على التدخّل المحدود؛ فهذا الخيار يعكس أولًالحاجة إلى مستوى من التدخّل الأميركي لمواجهة خطر قابل للتنامي يهدد الاستقرار، وقد يخلق أوضاعًا مستقبلية تفرض تدخّلً أوسع نطاقًا وأكثر كلفة، إن جرى التغاضي عنه في هذه المرحلة. لكن هذا الخيار ينسجم مع أولويات أوباما في السياسة الخارجية التي كان الانسحاب من العراق أهمّ عناصرها؛ فالرئيس أوباما وجد في حرب العراق التي صنّفها "حرب اختيار" لا "حرب ضرورة" نموذجًا لسياسةٍ خارجية غير واقعية ومضرة بالمصالح الأميركية على المدى البعيد بسبب تكلفتها العالية، وفرضها أولويات مصطنعة على الحكومة الأميركية. خطاباته الأولى في الموضوع، والتي سبقت فوزه بمنصب الرئيس للمرة الأولى، استندت على رفض فكرة انغماس الولايات المتحدة في مشاريع لبناء الدولة في الخارج أو التصوّر أنّ هناك حلً عسكريًا لكلّ مشكلة خارجية. وقد ساعد أوباما في اعتماد مبدئه رأيٌ عام أميركي فقد التعاطف مع تلك الحرب ومازال يتذكرها بوصفها تجربة فاشلة. كما يتميز خيار الاحتواء بأنّه الخيار الوسطي بين خيارين سيئين، ولا يوجد لهما دعم واسع النطاق؛ خيار التدخّل الواسع وخيار التجاهل. وبهذا المعنى، فإنّه الخيار الأسهل الذي يمكن أن يجنّب الإدارة الظهور بمظهر من يناقض المبادئ السابقة ويقود الولايات المتحدة إلى حرب خارجية مكلفة جديدة، أو بمظهر من يكتفي بالتفرّج بمواجهة تهديد خطير للاستقرار وجماعة دموية تستلذّ باستعراض العنف وانتهاك حقوق الإنسان والقانون الدولي. لكن السياسة الخارجية الأميركية تجاه الأزمات الدولية ليست دائمًا نتاج جدل فكري وفلسفي؛ فهي تتعلق أيضًا بأوضاع آنيّة، وتنافسات حزبية داخلية، فضلً عن التأثير الذي يمارسه الرأي العام ووسائل الإعلام وخزانات التفكير Tanks Think. فالرئيس أوباما مازال يعوّل على رأي عام غير ميّال للانخراط العسكري المكثّف في الشرق الأوسط، وهو عمومًا رأي عام لا يكترث كثيرًا بالقضايا الدولية ويفضّ ل التركيز على الشؤون الداخلية. مع ذلك، فإنّ الرئيس الأميركي مضطرّ أيضًا
للاستجابة لما يطرح في الإعلام وللنقاش الذي تشهده قنوات المؤسسات الإعلامية الضخمة، خصوصًا عندما يجري تغطية أحداث تجذب انتباه الرأي العام وتتحوّل إلى عامل ضغط آني من أجل اتخاذ قرارات سريعة. من بين تلك الأحداث، إعدام داعش الصحفي الأميركي جيمس فولي في آب / أغسطس ٤١٠٢، وهو ما نقل الجدل حول التنظيم من كونه مشكلة شرق أوسطية تمثّل تهديدًا "غير مباشر" للولايات المتحدة، إلى جدل حول تنظيم يتقصّد قتل الأميركيين ويتفاخر بذلك ويهدد بمهاجمة الولايات المتحدة. بالطبع إنّ طبيعة المواقف والسرديات التي تصاحب مثل هذه الظروف تخلق وضعًا ضاغطًا على الإدارة يدفعها للإعلان عن "ردة فعل"، إلّ أنّ البعد العاطفي الغالب عليها كثيرًا ما يجعل ردات الأفعال تلك محدودة ووقتية، ولا تتّسم برؤية إستراتيجية بعيدة المدى. المهم هنا ملاحظة أنّ السياسة الخارجية الأميركية لا تستند بالضرورة وبصورة حصرية إلى منطلقات عقلانية وبراغماتية، فالمؤثرات الأيديولوجية والعاطفية تقوم بدور في تشكيل بعض القرارات، وفي تكوين الظروف المحيطة باتّخاذها.
ومن العوامل المؤثّرة الأخرى يبرز التنافس الحزبي الداخلي؛ فبعض قادة الحزب الجمهوري، ومنهم مرشح الرئاسة جيب بوش، يحمّلون إدارة أوباما مسؤولية ما آلت إليه الأمور في العراق لأنّها لم تعمل على إبقاء قوات أميركية في هذا البلد، وبدلً من ذلك سحبت كامل قواتها. يردّ الديمقراطيون عادةً بالقول إنّ ما حصل كان نتيجة لخطأ إدارة بوش في اتّخاذ قرار الحرب في العراق؛ فقبل تلك الحرب لم تكن هناك تنظيمات جهادية وإرهابية في هذا البلد، والتدخّل الأميركي هو الذي استدرج تلك التنظيمات9. لكن بأيّ حال، فإنّ الخيارات الأميركية لا تُتّخذ بمعزل عن محددات المحيط الدولي والإقليمي ورؤية أميركا لدورها في العالم.
الصراع مع داعش في منظور إستراتيجي
دخلت أولوية "مواجهة الإرهاب" و"التطرف الإسلامي" إلى اللغة الأميركية المعنيّة بالأمن الوطني منذ التسعينيات، حينما كانت المؤسسات الأمنية والسياسية الحكومية وغير الحكومية تستشرف المخاطر التي ستواجهها الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة. وقامت أحداث ١١ أيلول / سبتمبر بدور كبير في نقل هذا الموضوع إلى مركز النقاش، وفي تطوير البنى السياسية والمؤسساتية والأمنيّة لتتكيّف مع التحدي الذي يمثّله "الإرهاب." لكن هذا الموضوع نادرًا ما تجاوز حيّز النقاش والفعل المعنيّ بالسياسات والإستراتيجيات الأمنية والمرتبط بالتعريف الضيّق للأمن بوصفه حماية مصالح الولايات المتحدة ومواطنيها في مواجهة أعمال عنف ترتكبها جماعات مسلحة أو دول "مارقة" تعادي الولايات المتحدة. لذلك، كان الفعل الأمني والعسكري هو حجر الزاوية في السياسة الأميركية لمكافحة الإرهاب، وعلى الرغم من أنّ الخطاب السياسي شهد في بعض الأحيان إقرارًا بأنّ للإرهاب أسبابًا سياسية واقتصادية واجتماعية، وأنّ مواجهته تتطلب إستراتيجية شاملة، فإنّه نادرًا ما جرى طرح تصوّرات واضحة حول طبيعة تلك الإستراتيجية الشاملة. ويمكن القول إنّ "الإرهاب" غيّ تموضعاته في التعاطي السياسي الأميركي بحسب طبيعة السردية المهيمنة في السياسة الخارجية؛ فحينما تبنّت إدارة بوش مبدأ هجوميًا يقوم على "الحرب الوقائية" ومواجهة الخطر في عقر داره، كان الإرهاب يمثّل القوى التي تقاوم محاولة الولايات المتحدة إقامة نظام عالمي جديد وفقًا لمبادئ "الدمقرطة" والعولمة واقتصاد السوق التي قُدّمت في تلك السردية بوصفها الغاية التي يسير العالم نحوها، وهي الغاية التي تجعل من الزعامة الأميركية ضرورة. ولكن حين بدأت سياسة الانسحاب من مناطق الصراع والتركيز على الداخل الأميركي وفقًا لسردية أوباما عن الحاجة إلى "بناء الأمة في الداخل" وعن مواجهة المخاطر الحقيقية لا المتخيَّلة، واستخدام التكنولوجيا الذكية لا القوات البرية في مواجهتها، أصبح الإرهاب
خطرًا ينبغي الاحتياط منه ومواجهته عن بعد10. كانت سردية بوش عن عالم تعيد الولايات المتحدة صوغه ليصبح آمنًا ومستقرًا ومنقادًا للقيادة والمُثل الأميركية، بينما صوّرت سردية أوباما العالم بوصفه مكانًا معقّدًا يحسن للولايات المتحدة أن تركّز على حماية نفسها من مخاطره، وأن لا تتصوّر أنّها تستطيع - أو أنّ من واجبها - إعادة صوغه. يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، مارك لينتش، "إنّ منتقدي الإستراتيجية الشرق أوسطية للرئيس باراك أوباما يشتكون غالبًا من أنّ أوباما يفتقر إلى رؤية إستراتيجية. هذا التصوّر خاطئ تمامًا. لقد جاء أوباما إلى منصبه محمّلً بقناعة مفادها أنّ تقليص الاستثمار العسكري والسياسي الأميركي في الشرق الأوسط، هو مصلحة حيوية قائمه بذاتها "11. ارتبط التغير في السردية المهيمنة بالتحوّل في الأوضاع الدولية والإقليمية، وبما راكمته التجربة من دروس؛ فإدارة بوش تبنّت في حرب العراق مبدأ الدمقرطة من الخارج، وراهنت على إمكانية بناء "نظام ديمقراطي" وفقًا للمفهوم النيوليبرالي للديمقراطية، وعبر استخدام القوة العسكرية، وكانت تأمل أن يتحول هذا النظام إلى حليف للولايات المتحدة ومصدر إلهام بالنسبة إلى بقية دول المنطقة. غير أنّ تعثّ هذا المشروع واقترانه بمواجهة عسكرية مكلفة مع القوى المتمردة والمقاومة، وبحرب أهلية داخلية، وبصعود تيارات سياسية غير صديقة للولايات المتحدة وتربطها علاقات تحالف مع دولة معادية مثل إيران، أفضيا إلى تراجع سردية الدمقرطة من الخارج، ومجمل مشروع "إعادة بناء الدولة" عبر التدخّل العسكري. وعلى الرغم من أنّ الربيع العربي أعاد إحياء الخطاب الداعم للدمقرطة، فإنّه كان في معظم الأحيان خطابًا متحفظًا ومقترنًا بسياسة تقوم على ردة الفعل ومحاولة استيعاب التغيير لا صناعته. غير أنّ تشعّبات الربيع العربي ودخوله في أنفاق الحرب الأهلية والانقسام الطائفي، وتعثّ مساراته، أكّد كلّ ذلك للمتشككين صعوبة المراهنة على تحوّلٍ سلس وغير مكلف، وأبرز في نظر البعض صحة "مبدأ أوباما." ويمكن القول إنّ "الدمقرطة" لم تعد سردية مهيمنة في تعاطي السياسة الخارجية الأميركية مع العالم والشرق الأوسط تحديدًا، وهو ما يتّضح على مستوى الخطاب السياسي وفي الاتجاهات التي تأخذها النفقات الخارجية أيضًا، ومستوى الدعم المالي لنشاطات دعم الديمقراطية والتنمية الدولية؛ ففي مقالة نشرتها واشنطن بوست في كانون الأول / ديسمبر ٤١٠٢، لاحظ ثوماس غاروثيرز، نائب رئيس الدراسات في وقف كارنيغي للسلام الدولي، أنّ الميزانية المخصصة لدعم الديمقراطية تراجعت بنسبة ٨٢% في ظل إدارة أوباما، وأنّ التخفيض كان حادًا في ميزانية وكالة التنمية الدولية المسؤولة عن تمويل نشاطات دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة؛ إذ خسرت ٨٣% من تمويلها منذ عام ٩٠٠٢. وبلغت حصة التخفيض في ميزانية دعم الديمقراطية المخصصة للشرق الأوسط ٢٧% من التخفيض الكلي بصورة تُظهر تراجعًا ذا دلالة عن نهج "دعم الديمقراطية" في المنطقة، خصوصًا وأنّ التراجع حصل في الفترة ذاتها التي شهدت "انتفاضات" الربيع العربي. وقد لاحظت الصحيفة أنّ مجموع ما خصّص لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة في الميزانية الأميركية لعام ٤١٠٢ لم يتجاوز ٠٦٨ مليون دولار، أي أقلّ من المبلغ الذي خصّصه الملياردير جورج سوروس لدعم هذه النشاطات12. في المقابل، تشير التقارير إلى أنّ التخصيصات المالية لمكافحة الإرهاب التي تمثّل جزءًا من تخصيصات المخابرات والأمن الوطني، بلغت ٥٢,٧١ بليون دولار في عام ٢١٠٢، و ٦,٦١ بليون دولار في عام ٣١٠٢ 13. وتوحي هذه الأرقام أنّ هناك غلبة للفهم الأمني على معالجة قضية الإرهاب، وهي غلبة مرتبطة بحقيقة أنّ الولايات المتحدة وبوصفها القوة العظمى الوحيدة تميل إلى التصرف كقوة محافظة هدفها منع الأخطار التي تواجه مصالحها والنظام العالمي للقوة، ودحرها. ولذلك هي تعطي الأولوية ل "أمن" النظام لا للعوامل التي قد تدفع إلى تغيير النظام ومعادلات توزيع القوة فيه. في مرحلة ما بعد 11 أيلول / سبتمبر، بنت الولايات المتحدة بنية استخبارية كلّفتها عدة ترليونات من الدولارات بحسب أودري
كرونيان، الأستاذة في جامعة جورج مايسون. جرى إنشاء أو إعادة هيكلة نحو 263 منظمة حكومية استجابةً لتلك الهجمات، وفي كلّ عام تنتج وكالات الاستخبارات الأميركية نحو خمسين ألف تقرير عن الإرهاب. لكن على الرغم من النجاح الذي تحقّق بفعل هذه التغييرات والتركيز الكبير للموارد على مكافحة الإرهاب، تجادل كرونيان، بأنّ الولايات المتحدة لم تكن مستعدة بما يكفي لنوع الخطر الذي يمثّله تنظيمٌ مثل داعش14. وتقول تمارا كوفمان ويتيز التي عملت مساعدة لنائب وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إنّ السياسة الأميركية تعترف في خطابها أنّ المتطرفين يستثمرون في ما ينتجه فشل الأنظمة من شكاوى وغياب للأمن، لكن ممارستنا السياسية تتجنّب معالجة الطريقة التي تحكم بها هذه البلدان خشية من الإضرار ب "مصالحنا الأمنية القصيرة المدى." وتشير ويتيز إلى أنّه منذ هجوم بنغازي الذي أودى بحياة السفير الأميركي في ليبيا عام 2012، زادت الحكومة الأميركية من احتياطيها الأمني لحماية دبلوماسييها؛ بحيث بات من الصعب على الدبلوماسيين التواصل مع المسؤولين المحليين والسياسيين والناشطين ومنظمات حقوق الإنسان في الشرق الأوسط15. ركّزت الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر على مواجهة تنظيم القاعدة وشبكاته، إلّ أنّ إستراتيجيتها المبكرة التي مثّلتها الحرب في أفغانستان، وإن نجحت نسبيًا في تضييق الجغرافيا الآمنة للتنظيم، لم تحقّق نجاحًا في مواجهة أيديولوجيته الجهادية العابرة للحدود. جرى التركيز على هزيمة التنظيم عسكريًا في غيابٍ لأيّ رؤية متكاملة حول هزيمته أيديولوجيًا ومنع امتداده إلى مناطق أخرى ومواجهة الظروف التي تمنحه جاذبية لعقيدته في أوساط فئة الشباب، بل إنّ إدارة بوش كانت تعمل على هزيمة القاعدة عسكريًا، في الوقت الذي تعتمد سياسات تمهّد الظروف لانتشار التنظيم إلى مناطق أخرى، كما هي الحال مع احتلالها العراق الذي صنع بيئة مواتية لظهور تنظيم التوحيد والجهاد بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، والذي تحوّل فيما بعد إلى تنظيم قاعدة الجهاد في وادي الرافدين وأعلن ارتباطه بتنظيم القاعدة الأم. لقد حصل هذا الانتقال بفعل ثلاثة عوامل لم تتحسّب لها السياسة الأميركية، بسبب رؤيتها الضيقة لطبيعة المواجهة مع التنظيمات الجهادية، وهي: العامل الأوّل، هو أنّ احتلالها بلدًا رئيسًا في العالمين العربي والإسلامي عمّق من المشاعر المعادية لها في أوساط العرب والمسلمين، وأنعش العقيدة الجهادية التي تمركز الصراع مع الغرب وتعدّ مواجهة الهيمنة الغربية جزءًا رئيسًا من مشروعها لإحياء الأمّة الإسلامية. العامل الثاني، أنّ احتلال العراق أحدث تغييرًا كبيرًا في الموازين الجيوسياسية في المنطقة، وأطلق حروب الوكالة بين القوى الإقليمية الرئيسة التي سعت لملء الفراغ أو لحماية نفسها من الآثار الناجمة عن هذا الاحتلال. العامل الثالث، أحد الآثار المهمة للاحتلال كان احتدام الصراع الطائفي، السنّي - الشيعي، في المنطقة، وهو صراع خلق بيئة مثالية للتيارات الأكثر تطرفًا في القاعدة لكي تصنع موطئ قدم وتكتسب شرعية جديدة. قوّت تلك الظروف جماعة الزرقاوي التي تبنّت موقفًا أكثر تشددًا في التكفير من جناح بن لادن - الظواهري، واستسهلت ممارسة العنف ضد المدنيين المسلمين بصورة اعترض عليها الظواهري في رسالته التي بعثها إلى الزرقاوي. لم تجد إدارة بوش في مواجهة هذا الوضع من سبيل سوى تغيير سردية الحرب من البحث عن أسلحة دمار شامل إلى مواجهة الإرهاب في "عقر داره." غير أنّ تلك المواجهة كانت معقّدة لأنّ الإرهاب اختلط بصراع طائفي، واتّخذ العنف شكل المواجهة بين ميليشيات سنية وشيعية، كما شكّل مقاومة الوجود العسكري الأميركي، وفي كثير من الأحيان بدا من الصعب التمييز بين الشكلين. تركَّز نفوذ جماعة الزرقاوي في المناطق العربية السنّية التي تنامى الشعور بين سكانها بالغربة تجاه النظام الجديد، وواجهت بعض فئاتها الكثير من التشكيك والإجراءات الانتقامية من النخبة السياسية الجديدة "المتعاونة مع المحتل." صنع ذلك بيئة مواتية للتمرّد استخدمتها جماعة الزرقاوي لجذب المتطوعين، وتوسيع نشاطاتها، وإقامة ملاذ آمن جديد للسلفية الجهادية، وشجّعتها تلك الظروف على التحرّك باستقلالية كبيرة عن توجيهات القاعدة الأمّ. في عام 2008 وبعد أن أعلن الرئيس بوش عن إرسال قوات إضافية إلى العراق وعن مراجعة الإستراتيجية الأميركية في مواجهة التمرد والإرهاب، لمع نجم الجنرال ديفيد بترايوس الذي أحدث
تغييرات مهمة في الإستراتيجية الميدانية لمكافحة التمرد Counter- Insurgency ومكافحة الإرهاب Anti-Terrorism. قرّر بترايوس أنّ الجهد العسكري يجب أن يُرفد بجهد لكسب السكان المحليين كي يحقق نصرًا حاسمً على الخصم، ولذلك بدأ سياسة لكسب العشائر المحلية في منطقة الأنبار التي مثّلت المعقل الرئيس لما كان يُعرف بتنظيم دولة العراق الإسلامية، فضلً عن مناطق محيط بغداد. بمعية بترايوس، كان معاون قائد القوات المتعددة الجنسيات في الأنبار، الجنرال جون الين (الذي سيعيّنه الرئيس أوباما فيما بعد مبعوثًا خاصّا لمتابعة تنسيق الحرب على داعش) قد نجح في بناء علاقات جيدة مع الزعماء المحليين في الأنبار، وأسهم في بناء ما سيعرف لاحقًا بقوات الصحوة التي تألّفت من مقاتلين محليين بعضهم كان جزءًا من الفصائل التي قاتلت الأميركيين. اعتمدت هذه السياسة على عنصرين؛ الأوّل هو عقد تحالفات مع شيوخ العشائر وتمويلهم لإنشاء قوات محلية تتولّ تأمين مناطقهم وملاحقة عناصر تنظيم القاعدة. والثاني هو محاولة استيعاب المجتمع المحلي في العملية السياسية، وبناء الثقة مع الحكومة العراقية بصورة تسمح بتطبيع الأوضاع في تلك المناطق16. حققت هذه السياسة نجاحات مهمة، وساعدها في ذلك تصاعد النقمة بين السكان المحليين من الإجراءات التعسفية التي اعتمدتها التنظيمات الإسلامية الجهادية في فرض الشريعة، وقتل المشكوك في ولائهم، والنفوذ الكبير الذي حقّقه المقاتلون الأجانب. أسهم ذلك في صناعة جوٍ ملائم لتخفيف الاحتقان الطائفي وتقوية مؤسسات الدولة ودمج السنّة العرب فيها. وتحوّلت تلك السياسة في نظر البعض إلى نموذج جديد لمكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار، غير أنّ نجاحها يظل مرهونًا بوجود إمكانيات مالية وعسكرية كبيرة كتلك التي توافرت لبترايوس من أجل نجاحها، وكذلك اعتماد إجراءات إضافية ومستدامة من أجل الاستثمار في النتائج التي تحققت، وهذا ما لم يحصل. يعتقد الكثيرون أنّ ظهور تنظيم داعش، بوصفه النسخة المستحدثة لجماعة الزرقاوي، يرتبط بغياب إستراتيجية مستدامة في الحفاظ على المكاسب التي تحققت بعد عام 2008. ويبدو هذا الجدل مهم في صناعة السردية الأميركية؛ بحيث يصر الجمهوريون على أنّ فشل الرئيس أوباما في إبقاء قوات أميركية في العراق خلق فراغًا استفاد منه التنظيم، كما أنّه رفع الضغط عن رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي شعر أنّه لم يعد ملزمًا باعتماد سياسة لبناء الثقة ودمج العرب السنة في النظام السياسي، بل إنّه اتّجه بعد الانسحاب الأميركي إلى اعتماد إجراءات تسلطية ومنفردة وملاحقة زعماء من العرب السنّة، كطارق الهاشمي ورافع العيساوي، ووطّد تحالفه مع إيران خصوصًا من خلال أخذه جانب السياسة الإيرانية في سورية، والتي ذهبت إلى دعم نظام بشار الأسد17. يجادل الديمقراطيون بأنّ المشكلة تكمن أساسًا في قرار الحرب في العراق وليس الانسحاب من هذا البلد؛ فتلك الحرب هي التي جلبت التنظيمات الجهادية إلى هناك.
أسهم هذا الجدل في تقييد قدرة الولايات المتحدة على صناعة استجابة واضحة للتحدي الذي يمثّله تنظيم داعش، خصوصًا أنّ صعود التنظيم ارتبط بصراع آخر لا يقلّ تعقيدًا في سورية اتخذ شكلً عنيفًا منذ أواخر عام 2012، وأخذ مظهره الطائفي في التعمق بعد أن التقى مع الصراع الجيوسياسي الإقليمي بين المحور الإيراني والمحور السعودي والمحور التركي. استثمر تنظيم دولة العراق الإسلامية في الفوضى السوريّة وفي الفرص التي يتيحها لينقل جزءًا من نشاطاته إلى هناك، بل ولينجح في السيطرة على مدينة حدودية مهمة هي الرقة، ويعلن عن تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام. وهنا يعتقد البعض أنّ عجز الرئيس أوباما عن اتخاذ مواقف حاسمة في الصراع السوري قام بدور في توسع التنظيم. لكن هذه الرؤية تتفرع
إلى عدة تصورات حينما يجري النقاش على ما كان يجب أن يفعله؛ فمدرسة القوة جادلت ضرورة أن تستخدم الولايات المتحدة القوة العسكرية للتأثير في مجريات الصراع، بما في ذلك العمل على إسقاط نظام بشار الأسد والانخراط أكثر في دعم القوى المعتدلة للمعارضة السوريّة. ولكن على الجانب الآخر، فإنّ هناك من يشكّك في إمكانية نجاح هذا السيناريو وبوجود قوة معتدلة جدّية على الأرض. وقد قامت الفوضى الليبية بدورٍ في تقوية حجج هذا التيار وتقديم المزيد من المبررات لضرورة عدم انخراط الولايات المتحدة بصورة واسعة في الصراع السوري.
الاستجابة الأميركية لصعود داعش
مثّل احتلال تنظيم داعش مدينة الموصل، ثاني كبرى المدن العراقية، في 9 حزيران / يونيو 2014 صدمة كبيرة، خصوصًا أنّه منح التنظيم نصرًا إعلاميًا وظّفه سريعًا لاحتلال مدن أخرى والتهديد بالوصول إلى بغداد والبدء في الزحف نحو أربيل. كانت تلك التطورات أكبر من أن يجري تجاهلها. ولذلك بدأت الإدارة الأميركية تنظر إلى داعش بوصفه تهديدًا جديًّا يتطلب استجابة خاصة. تطورت تلك الاستجابة في سياق "مبدأ أوباما"، ابتداءً مع إعلان الرئيس أوباما في 7 آب / أغسطس 2014 أنّه أمَر بتوجيه ضربات جوية "محدودة" لمقاتلي التنظيم وبإلقاء مساعدات على النازحين من المناطق التي هاجمها داعش، خصوصًا الأقليات الدينية كالأيزيديين الذين عدّهم التنظيم جماعة مشركة يحلّ له قتل أبنائها وسبي بناتها. أضاف أوباما في إعلانه: "إنّني كقائد عام للقوات المسلحة لن أسمح بجرّ الولايات المتحدة إلى حربٍ أخرى في العراق "18. ويبُرز هذا التصريح غلبة منطق ردّة الفعل على منطق المبادرة في تلك الاستجابة، ومحاولة أوباما تأكيد أنّ أيّ جهد عسكري يجب أن يحصل بما لا يتناقض مع الخطوط العامة لمبدئه. يحدّد مبدأ أوباما مستوى الاستجابة العسكرية وطبيعتها بحسب مستوى التهديد للمصالح الأميركية. وهناك جدل غير محسوم بخصوص إذا ما كان داعش يمثّل تهديدًا أمنيًا مباشرًا للولايات المتحدة. في شهادته أمام الكونغرس في تشرين الثاني / نوفمبر ٤١٠٢، قال مدير مركز مكافحة الإرهاب الوطني، نيكولاس راسموسين، إنّ "تهديد داعش خارج حدود الشرق الأوسط هو تهديد حقيقي، إلّ أنّه مازال محدودًا في تعقيده. ولكن إن تمّ ترك هذا التهديد في شكله الحالي، فإنّه سينضج مع الوقت وسيطوّر داعش إمكانياته لنقل التهديد إلى الأراضي الأميركية "19.
أمّا بخصوص مستوى التهديد، فقد جرت مقاربته من ثلاث نواح، وهي: الأولى: إنّ تنظيم داعش يهدد النظام الجيوسياسي في الشرق الأوسط عبر إقامته لكيان سياسي توسّعي على أراضي دولتين، واستقطابه لدعم تنظيمات جهادية مماثلة، وولائها، في مصر وليبيا ونيجيريا. الثانية: إنّ التنظيم تورّط في جرائم إبادة ضد أتباع الديانات والمذاهب الأخرى ويتبنّى علنًا عقيدةً تقوم على تبرير القتل بسبب هذه الانتماءات، ويتوعد بالحرب الدائمة. الثالثة: تتعلق هذه الناحية بطبيعة تكوين التنظيم ونوعية مقاتليه. وقد قدّر راسموسين عدد مقاتلي تنظيم داعش ب ٠٠٠٠٢، من ضمنهم ٠٠٤٣ مواطن غربي. ومع حقيقة أنّ تركيبة تنظيم داعش تتألف من مقاتلين من نحو ٠٩ بلدًا، فإنّ ارتباطات هؤلاء المقاتلين ببلدانهم وبخلايا محتملة في تلك البلدان، هو مصدر قلق إضافي20. وقد صرّح أحد المسؤولين الأميركيين في آب / أغسطس ٤١٠٢ بأنّ " داعش شيء جديد لم نره من قبل… لم نر أبدًا تنظيمً إرهابيًا ب ٠٠٠٢٢ مقاتل من عدد كبير من البلدان… إنّه يختلف عمّ رأيناه في أفغانستان
حين جاء الجهاديون من بلدان معدودة… وإذا ما أضفنا إلى ذلك نشاطات التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولته جذب مقاتلين ليقوموا بهجمات في بلدانهم… فإنّ ذلك أمر خطير، وتهديد كبير جدًا "21. استندت الاستجابة العسكرية الأميركية لصعود تهديد داعش إلى المحاور التالية: إقامة تحالف عسكري دولي وإقليمي لغرض مواجهة التنظيم. الاعتماد على التدخل العسكري المحدود الذي يقوم على الضربات الجوية والنشاط الاستخباري والعمليات الخاصة المحدودة، وتجنّب التدخل البري الواسع. تسليح القوات البرية الحليفة وتدريبها وإسنادها، مثل الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية والمعارضة "المعتدلة" السوريّة. وقد تبنّت الولايات المتحدة عددًا من قرارات مجلس الأمن الدولي، ومن ضمنها القرار ٠٧١٢ (في آب/أغسطس ٤١٠٢) والقرار ٨٧١٢ (في أيلول/سبتمبر ٤١٠٢) لجعل العقوبات الدولية أكثر رصانة وإيقاف تدفّق المقاتلين الأجانب والأموال لتنظيم داعش وجبهة النصرة التي تنشط في سورية بوصفها فرعًا من تنظيم القاعدة22. وعقدت الإدارة الأميركية في شباط / فبراير ٥١٠٢ قمة عالمية لمواجهة التطرف استهدفت جلب زعماء محليين ودوليين لمناقشة سبل مواجهة "الأيديولوجيات المتطرفة والقائمة على الكراهية التي تؤدي إلى نشر التطرّف وتعبئة المتطرفين وإلى الممارسات العنفية"23. وسعت الحكومة الأميركية إلى الدخول في ائتلاف دولي وإقليمي يعكس مفهوم أوباما عن أولوية العمل الجماعي وضرورة أن يتحمّل الشركاء مسؤولياتهم. لكن هذا الجهد أعاقته حقيقة عدم اتفاق دول المنطقة الرئيسة على خيار موحّد للخروج من الصراع في سورية والعراق، وهو الصراع الذي خلق الظروف لصعود تنظيم داعش. وعلى الرغم من أنّه لا توجد دولة في المنطقة تتبنّى دعم داعش بصورة صريحة، فإنّ هناك اختلافات بين تلك الدول في تقييمها للتهديد الذي يمثّله التنظيم وللأولويات الخاصة بالصراع.
دخلت دول عربية مثل السعودية والإمارات والأردن إلى التحالف العسكري الذي قام بضربات جوية ضد مواقع التنظيم، إلّ أنّ تلك المشاركة كانت محدودة، ولا تعكس اتفاقًا سياسيًا مع الولايات المتحدة بخصوص تسوية الصراع، خصوصًا وأنّ السعودية انشغلت لاحقًا بصراعها الآخر مع تنظيم الحوثيين في اليمن وتوقّفت عن إعطاء الصراع مع داعش، خارج الحدود السعودية، أولوية كبيرة. في المقابل، انخرطت إيران في دعم بعض الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي الذي تشكّل في العراق بعد فتوى المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، والتي دعا فيها المواطنين العراقيين إلى الانضمام إلى صفوف القوات المسلحة لقتال داعش. تعدّ إيران تنظيم داعش تهديدًا مباشرًا لها، وبصورة أكبر لنفوذها في العراق، وقد سعت إلى توظيف الصراع مع التنظيم لتأكيد هذا النفوذ عبر التسليح والتمويل وأحيانًا الانخراط المباشر في المعارك. ولم تجد الولايات المتحدة ضيرًا من المشاركة الإيرانية، بل إنّ قدرًا من التنسيق السياسي والعسكري بين الجانبين قد حصل أحيانًا، كما في حالة قبول إيران سحب دعمها التجديد لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي لولاية ثالثة. لكن اتفاق المصلحة هذا لم يمنع استمرار التنافس بين الجانبين؛ إذ ركّزت الولايات المتحدة على دعم القوات الرسمية العراقية، وأظهرت تحفّظًا على التعاون مع الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي، خصوصًا تلك التي ترتبط مباشرةً بإيران. وقد أبلغ السفير الأميركي في العراق، ستوارت جونز، عددًا من الزعماء السنّة أنّ الولايات المتحدة ستقوم بطلعات جوية لدعم القوات الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية،
وليس تلك التي يسيطر عليها مستشارون إيرانيون24. كما أنّ الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، جيف راثك، قال "إنّنا سندعم كلّ الجهود التي تقوم بها القوات العراقية الخاضعة لقيادة الحكومة العراقية وسيطرتها "25. وقد امتنعت الطائرات الأميركية عن دعم الهجوم الكبير الذي قامت به القوات العراقية بقيادة ميليشيا بدر وكتائب حزب الله المرتبطة بإيران، في تكريت، إلى أن اضطرت تلك الميليشيات إلى الإعلان عن أنّها لن تدخل المدينة، وحينها بدأت الطائرات الأميركية في تأمين الغطاء الجوي للقوات العراقية من أجل اقتحام تكريت. ولا يقترن هذا الخلاف الأميركي - الإيراني بتصورات متباينة حول كيفية مواجهة داعش، بل بصراعٍ على النفوذ وعلى شكل العراق المستقبلي؛ فبينما تدعم إيران تحويل قوات الحشد الشعبي إلى بنية عسكرية مستقلة عن الدولة على غرار حزب الله في لبنان، واستخدامها في بسط نفوذها، تريد الولايات المتحدة استخدام الصراع لإعادة هيكلة القوات المسلحة العراقية والحدّ من النفوذ الإيراني داخلها. ويجادل الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، مايكل نايتس، أنّ تهديد داعش قدّم فرصة كبيرة للولايات المتحدة للعودة إلى العراق وإقامة شراكة إستراتيجية مع الحكومة العراقية والقوات المسلحة العراقية التي قامت الولايات المتحدة بدور كبير في تشكيلها وهيكلتها وتدريبها وتسليحها بعد احتلال العراق26. وتمثّل تركيا القوة الإقليمية التي يعدّ موقفها حاسمً في توجيه الصراع ضد داعش. ويبدو أنّ تركيا لم تُظهر حماسًا كبيرًا في مواجهة التنظيم، بل إنّ هناك من يرى أنّها قامت بدور في صعوده وتناميه، لسببين رئيسين: الأوّل: أنّها رأت أنّ أيّ جهد عسكري لمواجهة داعش يجب أن يقترن بترتيبات سياسية تفضي إلى رحيل الرئيس السوري بشار الأسد. الثاني: إنّ مجريات ال اررع مع داعش، والوضع السوري بصورة عامة، سمحا بتنامي قوة التشكيلات الكردية المسلحة مثل وحدات حماية الشعب المرتبطة بدورها بحزب العمال الكردستاني الذي يخوض حربًا ضد الدولة التركية منذ عقود. وقد شعرت تركيا بعدم الارتياح لقيام الطائرات الأميركية بدعم القوات الكردية خلال معركة قوباني، وساعدتها أيضًا في السيطرة على منطقة تل عبيد الحدودية بصورة وحّدت للمرة الأولى المناطق المنفصلة في قوباني والحسكة مانحة الكرد السوريين كيانًا جغرافيًا موحّدًا27. وظلّت تركيا تطالب بإقامة منطقة عازلة على الحدود مع سورية، تديرها المعارضة السورية المعتدلة، لكن الولايات المتحدة ظلّت تتحفظ على هذا الخيار مشيرةً إلى أنّه سيعقّد الصراع، وقد ينتهي إلى إتاحة ملاذ لجماعات متطرفة أخرى يُعتقد أنّ لديها بعض العلاقات مع الأتراك، مثل جبهة النصرة. وفي تموز / يوليو ٥١٠٢ 28، جرى الإعلان عن اتفاق بين الجانبين وافقت تركيا بموجبه على السماح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة انجرليك التركية للقيام بهجمات ضد داعش، وعلى المشاركة في تلك الهجمات، في مقابل تأكيد الولايات المتحدة رفضها أيّ تهديد للسيادة التركية، وهو ما فسّته الحكومة التركية على أساس أنّه دعم وتفهّم لحربها ضد المقاتلين الكرد. وقد تبع ذلك قيام الطائرات التركية بهجمات على مواقع حزب العمال الكردستاني والإعلان عن أنّ تركيا ستقوم ببناء منطقة عازلة على الحدود مع سورية.
في المقابل، تدعم إيران المقاتلين الكرد في ما يبدو أنّه بعدٌ آخر لحرب الوكالة الجارية في سورية بينها وبين تركيا، وفي محاولةٍ لتخفيف الضغط عن نظام بشار الأسد الحليف لإيران. فإيران، كما يقول أندرو
تابلر، تقوم بأوسع تدخّل إقليمي، وهي تسعى لضمان ممرٍ آمن للأسلحة العابرة إلى حزب الله في لبنان، والحفاظ على وجودٍ لها في مرتفعات الجولان لمهاجمة إسرائيل، والتأكّد أن يتبقّى من نظام الأسد ما يكفي ليحافظ على قدرتها في المساومة29.
الجهد العسكري الأميركي في الصراع مع داعش: نهج "داعش أولا، العراق أولا"
قامت الاستجابة السياسية والعسكرية الأميركية على ما يسمّيه المسؤولون الأميركيون بسياسة "داعش أوّلً، العراق أوّلً "؛ فالحكومة الأميركية تعتقد أنّ مجابهة تنظيم داعش هي الأولوية الأساسية في هذه المرحلة التي يجب ألّ تعيقها محاولة توسيع رقعة الصراع ليشمل قضايا أخرى أكثر تعقيدًا مثل الحل السياسي في سورية. كما أنّها تولي العراق أولوية لأسباب من بينها وجود اتفاقية أمنية مشتركة بين البلدين ووجود علاقات رسمية مع الحكومة العراقية ومع حكومة إقليم كردستان. ربطت الإدارة الأميركية دعمها العراق بسلسلة من الإجراءات السياسية والعسكرية التي طلبت من الحكومة العراقية اعتمادها من أجل دمج المجتمع العربي السنّي والمقاتلين السنّة في هذه المواجهة والتخفيف من الاحتقان الطائفي الذي استثمره داعش. عسكريًا، طلبت الولايات المتحدة تشكيل قوة مسلحة سنّية أطلق عليها تسمية "الحرس الوطني" تتألف من مقاتلي القبائل والمقاتلين المحليين، وإعادة تشكيل القوات الرسمية العراقية وتأهيلها، بما فيها الفرقة السابعة من الجيش العراقي المنتشرة في الأنبار30. حمّلت الحكومة الأميركية، رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مسؤولية كبيرة في ما آلت إليه الأمور في العراق، وكان ذلك جزءًا من إستراتيجيتها الخطابية للرد على الاتهامات التي وُجّهت لأوباما بأنّه لم يفعل ما يكفي كي يبقي قوات في العراق. لذلك أصبح التخلص من المالكي أحد الشروط الأميركية لتسوية سياسية مستقبلية، مدعومة بما يسميه الأميركيون بحكومة أكثر تمثيلً لأطياف المجتمع العراقي. وقد تحدّث بريت مكغورك، نائب وزير الخارجية والدبلوماسي المعنيّ بالشأن العراقي مباشرةً، عن رؤية الولايات المتحدة لما أسماه بالفيدرالية النشطة Functioning Federalism إطارًا للحل السياسي والعسكري. وحدَّد في جلسة استماع أمام الكونغرس خمسة مبادئ أساسية تنظّمها31، وهي: يجب أن يتولى المواطنون المحليون القيادة في عملية تأمين مناطقهم. يجب أن يُعطى المواطنون المحليون والجماعات المحلية ما يكفيهم من موارد الدولة من الرواتب والخدمات والمنافع، عبر البنية المقترحة للحرس الوطني. لن يُسمح للجيش العراقي بدخول المدن إلّ في حالات نادرة جدًّا، بل سينصرف تركيزه على أداء مهمات فيدرالية كحماية الحدود. يجب أن يكون هناك تعاون وثيق بين سلطات الأمن المحلية والإقليمية والوطنية من أجل انتزاع المناطق التي يسيطر عليها داعش تدريجيًّا. يجب أن تعمل الحكومة الفيدرالية بحذر على تنفيذ مجموعة من الإصلاحات والاستجابة للشكاوى المشروعة من أجل نزع الذرائع التي يستغلها تنظيم داعش. وقد تبّنت الولايات المتحدة في الأشهر الأولى التي تلت سيطرة تنظيم داعش على الموصل ومدن أخرى، فكرة تشكيل قوات "الحرس الوطني"؛ ففي بيان صحفي أصدره الرئيس الأميركي في 10 أيلول / سبتمبر 2014، ذكر أنّ الولايات المتحدة وإلى جانب دعمها القوات العراقية والكردية "سوف تدعم أيضًا جهود العراق لبناء قوات للحرس الوطني من أجل مساعدة المجتمعات السُّنِّية على تأمين حريتها من سيطرة تنظيم داعش"32. وفي اليوم نفسه، صرَّح وزير الخارجية الأميركي خلال زيارته بغداد بأنّ الخطة التي يحتاج
إليها العراق لمواجهة داعش "تتضمّن إنشاء هياكل أمنية محليَّة مندمجة بشكل مباشر بالقوات الأمنية العراقية "33. كما صرّح رئيس أركان القوات الأميركية، الجنرال مارتين ديمبسي، بأنّ إنشاء وحدات الحرس الوطني هو واحد من ثلاثة عناصر رئيسة في الإستراتيجية الأميركية لمواجهة داعش، إضافةً إلى عنصرَي التعاون مع العشائر ومساعدة القوات الكردية34. وقد تبنّت وزارة الدفاع الأميركية برنامجًا بقيمة ٦.١ بلايين دولار لتدريب القوات العراقية الاتحادية والكردية وإعدادها. وأسفر البرنامج بحلول تموز / يوليو ٥١٠٢ عن تخريج 5 ألوية عراقية جديدة ووحدة قوات خاصة وكتيبة الاستطلاع الحادية عشرة، وأشرف مدربون من الولايات المتحدة وإسبانيا والبرتغال وأستراليا ونيوزيلندا وإيطاليا على تدريب هذه الوحدات وعلى تمارينها الميدانية35. لكن برنامج التدريب واجه مشاكل بسبب نقص عدد المقاتلين ومحدودية الالتزام الأميركي، فلم يتلقَ التدريب سوى ٩ آلاف من مجموع ٤٢ ألف جندي36. بعد تنحّي المالكي عن رئاسة الوزراء، وهو كان أحد الشروط الأميركية لدعم الجهد العسكري العراقي، تصاعد الدعم العسكري الأميركي لحكومة حيدر العبادي. أقامت الولايات المتحدة مركزين للعمليات المشتركة في بغداد وأربيل، وجرى نشر ثماني مروحيات أباشي أميركية في مطار بغداد الدولي لحماية المؤسسات الرئيسة هناك ودعم القوات العراقية القريبة. وخطّطت الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت لتخصيص ٣٢.١ بليون دولار لتدريب تسعة ألوية عراقية تتألف من ٠٠٠٥٤ جندي، وتجهيزها وبنائها، ويشمل ذلك تجهيزها ب ٦٩٤٣ مركبة تكتيكية. كما جرى تخصيص نحو ٤٥٣ مليون دولار لتجهيز ثلاثة ألوية كردية بالأسلحة نفسها والمعدات التي ستقدّم للجيش العراقي، ويشمل ذلك ٠٢٧ مركبة تكتيكية. وقد سعت الحكومة الأميركية إلى ضمان قدر من التنسيق القتالي بين حكومتَي بغداد وأربيل، وإلى التعامل مع مصادر قلق كلّ جانب، ومحاولة ضمان أن لا تؤدي عملية الإعداد والتجهيز للقوات العراقية الاتحادية والقوات الكردية إلى الإخلال بتوازن القوى بصورة تستفز أحد الطرفين. ولكن منذ تنامي نفوذ قوات الحشد الشعبي وفصائلها المدعومة إيرانيًا، وتأخّر الحكومة العراقية والبرلمان العراقي في إقرار قانون الحرس الوطني، ظهر اتّجاه داخل الولايات المتحدة يؤكّد ضرورة إعطاء معاملة أكثر تفضيلية للكرد وعدم انتظار بغداد كي تأخذ زمام المبادرة. وقد انعكس هذا التصوّر في مشروع قانون يتعلق بالتخصيصات العسكرية والأمنية ناقشته لجنة القوات المسلحة في الكونغرس في أيار / مايو 2015، ودعا الحكومة الأميركية إلى التعامل مع إقليم كردستان والمقاتلين السنّة بوصفهم ممثلين لبلدان مستقلة، ومنحهم حصصهم من التخصيصات من دون المرور عبر الحكومة العراقية. وقد أثار هذا المشروع ردات أفعال قوية من الجانب الحكومي العراقي وتحفظًا من الإدارة الأميركية بوصفه يعني اعترافًا بتقسيم العراق. واضطرت اللجنة إلى رفع هذه الفقرة من مشروع القانون لاحقًا37.
وقد خصصت الحكومة الأميركية في ميزانيتها الموجَهة لمحاربة داعش 13.5 مليون دولار لقوات العشائر في الأنبار التي جرى تشكيلها في إطار قوات الحشد الشعبي، كما جرى نشر فريق من 50 عضوًا متخصصين بتجريب القوات المسلحة لمساعدة مقاتلي العشائر السنّة. كما تعمل الحكومة الأميركية على إعادة تشكيل الفرقتين السابعة عشرة والثامنة عشرة من الجيش العراقي في كردستان، وتضمّ الفرقتان
جنودًا وشرطة من السنّة العرب الذين انسحبوا إلى كردستان، وتأمل الحكومة الأميركية استثمارهم نواةً لقوة هجومية لاستعادة الموصل. ولتعويض الخسائر المادية التي لحقت بالقوات العراقية، وافقت الحكومة الأميركية على التعجيل بإرسال أسلحة ذكية من منظومات القتل الدقيق المتقدمة APKWAS رر من وأك 5000 صاروخ هيلفاير. كما وافقت على طلب عراقي بتصدير 24 مروحية أباتشي من طراز 644E-AH بقيمة 4.8 بلايين دولار38. كما تسلَّم العراق في تموز / يوليو أوّل دفعة من طائرات ال F16 وتألّفت من أربع طائرات من مجموع 36 طائرة كان العراق قد تعاقد على شرائها في عام 2011 39. ودعمت الولايات المتحدة مسعى العبادي لإعادة هيكلة القوات المسلحة العراقية، وإجراء تغييرات في المناصب العليا، والتخلّص من عدد من الجنرالات غير الأكفاء الذين وضعهم المالكي في مناصبهم، ورأت في ذلك فرصة أخرى للحدّ من النفوذ الإيراني. ابتدأ العبادي هذه التغييرات بطرد كبار القادة العسكريين الذين فشلوا في الدفاع عن الموصل، كما جرى تعيين ضباط آخرين بعضهم عمل سابقًا مع الجيش الأميركي خلال وجوده في العراق مثل الفريق الركن خورشيد سليم حسن والفريق الركن عثمان الغانمي. وامتدت التغييرات التي أحدثها العبادي إلى مواقع قادة الفرق والألوية، وقام بتغيير جميع قادة العمليات في بغداد والبصرة وسامراء والأنبار40. ويعتقد الأميركيون أنّ نهجهم القائم على الإضعاف التدريجي للتنظيم يحقق نجاحًا، دون أن ينكروا أنّهم يتوقعون معركة طويلة تستغرق عدة سنوات؛ فالمسؤولون المدنيون والعسكريون الأميركيون ذكروا في تصريحات أو شهادات أمام الكونغرس أنّ تنظيم داعش انتقل إلى مرحلة الدفاع في العراق وسورية. ففي آذار / مارس ٥١٠٢، صرّح قائد القيادة الأميركية الوسطى، الجنرال ليود أوستن، بأنّ داعش "يخسر الحرب"، وأنّ الائتلاف المناوئ له قتل ٠٠٥٨ من أعضاء التنظيم ودمّر المئات من المركبات وأنظمة الأسلحة الثقيلة وأضعف قدرتها على القيادة والسيطرة. وفي نيسان / أبريل ٥١٠٢، صرّح الرئيس أوباما بأنّ "نحو ربع المناطق التي سقطت تحت سيطرة داعش قد تمّت استعادتها."41 ويقدّر البنتاغون عدد الأهداف التي جرى تدميرها بحلول 7 آب / أغسطس 2015 ب 10.648 42. لكن كثيرين لا يتفقون مع هذا التحليل ويعتقدون أنّ الولايات المتحدة لا تفعل ما فيه الكفاية لهزيمة التنظيم. فبعض أركان الحكومة العراقية يشتكي من تأخّر الدعم الأميركي ومحدوديته، وتأخّر تسليم الأسلحة التي يطلبها العراق، بالمقارنة مثلً مع الدعم الإيراني السريع الذي حصلت عليه الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي. واستفادت إيران من خبرتها في دعم الميليشيات في لبنان وسورية لتعزيز فاعلية الميليشيات القريبة منها، والتي أخذت موقعًا قياديًا في الحشد الشعبي بصورةٍ أبرزت الخصائص المؤيدة لإيران في تكوين تشكيلاته ولغتها، كما كان لظهور قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في مواقع العمليات القتالية واستخدام ذلك في الدعاية الموجَّهة للجمهور العراقي، دورٌ في تعزيز صورة إيران بوصفها داعمً للعراق ولأغلبيته الشيعية في الحرب مع داعش. وقد بدأ فيلق القدس في إقامة وحدات للتنسيق والسيطرة داخل الأراضي العراقية منذ حزيران / يونيو 2014، كما دعم وجود مستشاريه العسكريين ب 250 مستشارًا ومحلل معلومات من حزب الله اللبناني43. وزوّدت إيران قوات الحشد بأسلحة ثقيلة وأنظمة صواريخ كما أشارت بعض التقارير44. وفي مقابل تأخّر الولايات المتحدة في إرسال الطائرات التي طلب العراق شراءها، قامت إيران بتجهيز العراق بطائرات 25-SU الهجومية يقود بعضها طيارون إيرانيون، وطائرات تجسّس من نوع مهاجر 4- 45. كما دفع التأخّر والطابع الاشتراطي للدعم العسكري الأميركي إلى زيادة اعتماد الحكومة العراقية على الأسلحة الروسية، وهو ما خدم أيضًا الضغط الإيراني باتجاه جذب العراق أكثر نحو المحور الدولي
المناوئ للسياسة الأميركية؛ فقد حصل من الروس على خمس طائرات سوخوي 25s-Su وخمس عشرة مروحية من طراز 35-Mi M وستّ مروحيات هجومية من طراز 28NE-Mi وجميعها استخدمت في الميدان حالما وصلت إلى العراق، ومن المتوقع أن تحصل الحكومة العراقية على مزيد من المروحيات بموجب صفقة أبرمتها مع الجانب الروسي، وكلفتها بين 4.5 و 5 بلايين دولار46.
ويرى مايكل نايتس أنّ قواعد الاشتباك الصارمة التي وضعتها الولايات المتحدة والمتمركزة حول هدف الحفاظ على حياة الجنود الأميركيين، أعاقت قدرتها على اكتساب دور أكثر فاعلية في الصراع47. كما أشارت بعض التقارير إلى الصعوبة الكبيرة التي تواجه التنسيق العسكري بين القوات العراقية المنتشرة على الأرض والطيران الأميركي الذي يفترض أن يمنحها غطاء جويًا48.
البعد السوري
في وصفه السياسة الأميركية تجاه سورية، قال الرئيس أوباما في أيلول / سبتمبر ٤١٠٢ إنّ تركيز الولايات المتحدة في سورية سيكون أساسًا على مساعدة السوريين في مقاتلة داعش، لكنّها ستظل " تتطلع فرص لدعم حل سياسي للصراع السوري إلى توافر"49. ويبدو أنّ تعقيد الواقع السوري وعدم توافر إطار سياسي فعّال للخروج من الأزمة السوريّة، ظلّ يدفعان الولايات المتحدة إلى تجنّب التركيز على الوضع السوري. وانسجامًا مع العناصر الأساسية لمبدأ أوباما، فإنّ الإدارة الأميركية أحجمت عن الدخول مباشرة في الصراع السوري، وقاومت رغبات بعض حلفائها وبعض أعضاء الحزب الجمهوري من مدرسة القوة، في الانخراط عسكريًا في عملية إسقاط نظام الأسد، على الرغم من أنّها ظلّت تعلن باستمرار أنّ رحيل بشار الأسد يظلّ عنصرًا رئيسًا لأيّ تسوية. فمثلً، صرّح المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، دانيال روبينستون، أنّ " الأعمال البشعة التي اقترفها النظام السوري أسهمت في نموّ التطرف"، وأنّ دحر المتطرفين في سورية "سيتطلب خطوات عسكرية إلى جانب حلٍ سياسي شامل يتعاطى مع الشكاوى المشروعة للشعب السوري ". وأكّد روبينستون أنّ استمرار وجود الرئيس الأسد "في سدة السلطة في سورية يفاقم الطائفية والتطرف ليس في سورية وحدها، بل في عموم المنطقة"50. يرتبط هذا الموقف المتحفظ بالخشية من أنّ استدراج الولايات المتحدة إلى التدخّل العسكري الواسع والمباشر سيقود إلى نتائج ذات تكلفة أعلى من الأرباح المتوقَعة، خصوصًا مع عدم وجود قوة معارضة موحّدة وفعّالة وذات شرعية واسعة وتنسجم مع المصالح الأميركية يمكنها أن تملأ الفراغ المحتمل. وللأسباب نفسها، حاولت الإدارة الأميركية قدر الإمكان تجنّب مدّ صراعها مع داعش إلى الأراضي السورية، ليس فقط لغياب "شركاء رئيسين" يمكنهم ملْ ء الفراغ، بل لتضارب أجندات الأطراف الإقليمية أيضًا بشأن الأولويات وطبيعة الشركاء والتسوية السياسية للصراع السوري، بصورة تتجاوز حتى مستوى التقاطع الأميركي - الإيراني في العراق. فالدول الداعمة للمعارضة السورية، وبخاصة تركيا، ترفض سياسة "داعش أولً " التي تتبناها الإدارة الأميركية، كما أنّها إلى جانب السعودية وقطر تدعو إلى اعتمادٍ أكبر على المعارضة السوريّة في قتال داعش وملْ ء الفراغ. بينما تعتقد معظم قوى المعارضة السورية أن ليس من مصلحتها الاكتفاء بالحرب مع داعش من دون محاربة النظام، وأنّها تريد دعمً للقيام بالعمليَن معًا، وتجادل بأنّ وجود داعش هو من "عوارض" وجود نظام الأسد وليس المشكلة الأصلية. ولكن
الولايات المتحدة تختلف مع الدول الداعمة للمعارضة في تحديد طبيعة "المعارضة المعتدلة" وماهيتها، وتعتقد أنّ تخصيصاتها المالية والعسكرية للمعارضة السوريّة يجب أن توجَّه بطريقة مدروسة جدًا؛ بحيث لا تذهب إلى عناصر متطرفة وفصائل تصنّفها الإدارة الأميركية جماعات إرهابية مثل جبهة النصرة. وبينما استهدفت الطائرات الأميركية بعض مواقع هذه الجماعة، فإنّ هناك اعتقادًا سائدًا مفاده أنّ جبهة النصرة تحظى بشكل من أشكال الدعم من بعض الأطراف الإقليمية، وأنّ هناك من بين هذه الأطراف من يعتقد بإمكانية إعادة تأهيلها أو دمج بعض عناصرها في المعارضة السوريّة بوصفها قوة قتالية رئيسة ذات بعد سوري ولا تركّز نزعتها الجهادية على هدف التوسّع في دول أخرى كما هي حال داعش51. ومنذ أن أعلنت الولايات المتحدة عن مدّ نطاق ضرباتها الجوية ضد تنظيم داعش إلى الأراضي السوريّة في أيلول / سبتمبر 2014 52، صار لزامًا عليها التفكير في العمل مع شركاء محليين. ويمكن تقسيم هؤلاء الشركاء إلى نوعين؛ الأوّل هم المقاتلون الأكراد من أعضاء وحدات حماية الشعب الذين أدّى التعامل الأميركي معهم إلى استفزاز الجانب التركي، والنوع الثاني هم المقاتلون من المعارضة السوريّة، والذين تتأكد الولايات المتحدة أنّهم عناصر معتدلة. لكن أوّل عملية نفذتها على صعيد إعداد مجموعة من هؤلاء المقاتلين وإرسالهم إلى الأرض السوريّة لمقاتلة داعش، فشلت بعد أن قامت جبهة النصرة بخطف قائد وعدد من أعضاء المجموعة53.
اتجاهات السياسة الأميركية تجاه داعش وتقييمها
يقترح مايكل نايتس ثلاث مراحل محتملة للحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش. تستهدف المرحلة الأولى إضعاف التنظيم ليتحوّل إلى فصيل متمرد وليس مشروع دولة، وهو ما يتطلب استعادة السيطرة على الموصل وبقية المدن العراقية الرئيسة مثل الفلوجة والرمادي وتلعفر. ولكن في هذه المرحلة سيظل داعش يتصرف بوصفه جيشًا إرهابيًا متنمرًا في المدن العراقية المنهكة وغير الخاضعة لسيطرة حكومية. وفي المرحلة الثانية يجري إجبار داعش على إخلاء تلك المناطق وتشتيت أفراده وتقييد قدرته على التحرك جيئةً وذهابًا بين العراق وسورية. أمّا المرحلة الثالثة، فستكون جهدًا كبيرًا للقضاء على من يتبقى من مقاتليه في حملة تركّز على المعلومات الاستخباراتية ضد الخلايا النائمة للتنظيم، وسيكون متوقعًا من الحكومة العراقية أن تنفتح على المجتمعات العربية السنّية في العراق في حوار مصالحة يتزامن مع هذه المراحل54. يواجه هذا الطرح باحثون ومراقبون آخرون بالتشكيك، ويعتقدون أنّ القضاء على داعش نهائيًا بات أمرًا صعبًا؛ فأيمن التميمي الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، يقترح الاستعداد للتعايش مع فكرة بقاء داعش واستمرارها، والتركيز فقط على منعها من التوسع55. بينما يقترح كلينت ووتس، الباحث في معهد بحوث السياسة الخارجية FPRI اعتماد ما أسماه بمنهج "دعهم يفسدون"، داعيًا إلى محاكاة النهج الذي اتّبعته الحكومة الجزائرية التي انتقلت من المواجهة المسلَحة مع الجماعة الإسلامية إلى تطويقها ومحاصرتها والسماح لها بممارسة حكم الشريعة في المناطق التي تسيطر عليها حتى تنفد موادها وتبدأ اللجوء إلى سياسات وسلوكيات تؤلّب السكان المحليين ضدّها56. بالمثل، يرى مايكل ايتنسدات، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أنّه بينما يتمتع داعش بعدد من نقاط القوة في مجال القيادة العسكرية والتنظيم والمهارة التكتيكية، فإنّه يعاني أيضًا نقاط ضعف كبيرة من بينها الانتشار الواسع لقواته الذي قد يتحول إلى تشرذم، وطرق حكمه العنيفة التي قد تجعله يخسر بعض القطاعات الاجتماعية التي يحكمها، وانقساماته الداخلية، خصوصًا تلك التي
تحصل بين العراقيين والعرب وغير العرب، وعدم ديمومة تدفقاته المالية وعدم ثباتها، وكونه محصورًا بريًا وليس لديه ممر إلى البحر. ولذلك يرى ضرورة الاستثمار في نقاط الضعف تلك والعمل على إضعافها، بحيث لا يكون قادرًا على الاستمرار في ممارسة الحكم في ما يسيطر عليه من أراض57. وكذلك يجادل ج. م. بيرغير، الزميل في معهد بروكنغز، بأنّه إذا ما جرى إجبار داعش على استهلاك موارده أسرع من قدرته على تعويضها باحتلالات جديدة، فإنّه سيعاني تراجعات كبيرة58. وبينما تمثّل وجهة النظر التي طرحها نايتس رؤية تعتقد أنّ لدى الولايات المتحدة الكثير لتخسره إن استبقت على مستوى محدود من التحرك ضد داعش، فإنّ بعض الرؤى المقابلة يميل إلى التصوّر أنّ المشاكل التي بلغتها المنطقة وتعقيد صراعاتها وصل إلى الحد الذي صار معه التدخّل المكثف لحسم الصراع خيارًا غير واقعي. لكن الجدل لا يتوقف عند هذا الحد؛ فالبعض يرى أنّ السؤال ليس في إذا ما كان على الولايات المتحدة أن تتدخل لمواجهة داعش أم لا، بل حول فهمها لداعش وطريقة التعامل معه. في مقالة نشرتها مجلة Affairs Foreign جادلت أودري كرونين تحت العنوان المثير "داعش ليس منظمة إرهابية"، بأنّ الولايات المتحدة مازالت تواجه داعش بالمنظور نفسه الذي اعتمدته لمكافحة الإرهاب، أي بوصفه تشكيلً إرهابيًا، لكن داعش هو أكثر من ذلك، إنّه مشروع دولة وسلطة تمارس الحكم، ينتشر قادته ومقاتلوه في المراكز الحضرية وبين السكان المدنيين. وتدعو الكاتبة إلى أن تتبنّى الولايات المتحدة ما تسمّيه ب "الاحتواء الهجومي" الذي يجمع التكتيكات العسكرية المحدودة مع إستراتيجية دبلوماسية عريضة لإيقاف توسّع داعش وعزله، ومن ثمّ تقويض قدراته59. ويوجّه كريغ وايتسايد نقدًا قويًا للتردد الأميركي في حسم الصراع مع داعش بالقول إنّ لدى داعش إستراتيجية وتصميمً واضحين وتقييمً واقعيًا لتكاليف تحقيق الأهداف، ولا يمكن قول الشيء نفسه عن الجانب الآخر، ويقول: "يمكن أن نلحظ خوفنا وترددنا ووهننا في بياناتنا وتصريحاتنا، نحن خائفون من أنّ التخلّص من داعش سوف يُ كّن الأسد والميليشات الإيرانية." ويرى وايتسايد أنّ داعش يجب أن تدحر كي يصبح ممكنًا دحر الأسد، وأنّ هزيمة داعش وحدها هي التي يمكنها أن تُضعف النفوذ الإيراني في العراق، "إنّ انشغالنا بخطر الهجمات الإرهابية على أرضنا بوصفه المعيار الوحيد لاتخاذ فعلٍ يعمينا عن رؤية التهديد الذي يتجمع ببطء والذي سيجلب من دون شك وتدريجيًا الحرب إلينا، عندما يكون الزمن في مصلحة الطرف الآخر"60.
وعلى الأرجح، فإنّ النهج "الاحتوائي"، والذي يعتمد عملية "التقويض التدريجي" لتنظيم داعش، سيتواصل ما لم تحصل مفاجآت من قبيل نجاح غير متوقَع في احتلال منطقة إستراتيجية أو تهديد إحدى المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وينسجم هذا النهج أولً مع مبدأ أوباما في الإبقاء على أدنى مستوى ممكن من الانخراط من دون التغاضي عن الخطر الذي يشكّله هذا التنظيم، كما ينسجم ثانيًا مع طبيعة المعطيات الإقليمية التي لم تنضج بعد للوصول إلى تسوية كبرى، خصوصًا في ما يتعلق بالملفيَن السوري والعراقي. لقد كان صعود داعش نتيجة لتآكل الدولة وشرعيتها في المشرق العربي، وهي عملية قد تتواصل لبعض الوقت وقد تمتد إلى دول شرق أوسطية أخرى؛ فالفراغ الذي خلّفه هذا التآكل سمح لأكثر التنظيمات
المسلحة عنفًا والتصاقًا بعقيدة ذات طموحات جغرافية وتصورات رسالية، أن يملأ جزءًا من الفراغ. وإن كانت إزاحة داعش تعني ضمنيًا إعادة ملْ ء هذا الفراغ، فإنّ التردد الأميركي من التورّط العسكري الواسع النطاق يرتبط بعدم الرغبة في القيام بهذا الدور والشعور بأنّ القيام به تكلفته عالية. لذلك تميل السياسة الأميركية إلى ربط الصراع بمحاولة إعداد البديل، على أن يكون هذا البديل قوى "آمنة" لا تصطدم بالمصالح الأميركية، الأمر الذي يفسر ترددها في الاعتماد على ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، وخصوصًا فصائلها المدعومة من إيران، أو المعارضة السورية الإسلامية. لقد صعّدت الولايات المتحدة تدريجيًا عملياتها الاستخباراتية التي تستهدف قادة تنظيم داعش وبعض حركيّيه البارزين، كما نجحت على الأرجح في تطوير معلومات أوسع عن طبيعة التنظيم ونشاطاته وحركته، وإلى حد كبير أفقدته القدرة على المبادرة الإستراتيجية، وإن كان لا يزال يتمتع بالمبادرة التكتيكية كما حدث في احتلاله مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار في أيار / مايو 2015. لكن الوصول إلى إستراتيجية متكاملة لدحره ومن ثم بناء الاستقرار في مناطق الصراع التي امتد فيها مازال غير محتمل في ظل المعطيات الراهنة، وما لم تتبلور توافقات واضحة تشترك فيها دول الإقليم الرئيسة حول سبل ملْ ء الفراغ. ولا تكمن المشكلة في غياب تلك التوافقات فقط، بل في ضعف القدرة على تحويل عملية ملء الفراغ إلى حالة مستدامة وعدم السماح لداعش والتنظيمات الجهادية بالعودة إلى معركة استنزاف كما حصل في العراق، في انتظار أن تنضج المتغيرات للعودة إلى السيطرة على تلك المدن. وبينما يمثّل داعش القضية الرئيسة المطروحة في أجندة المواجهة مع التنظيمات الجهادية، فإنّ هناك من يعتقد بأنّ تنظيم القاعدة بفروعه المختلفة مازال قادرًا على استعادة زمام المبادرة، وأنّه قد تكيّف مع الصراعات الجارية بل واستفاد من "ضجيج" الصراع مع داعش الذي خلق عددًا كبيرًا من الأعداء بصورة ضيّقت فرص قدرته على البقاء. وربّ ا يخضع تنظيم القاعدة لمزيد من التحوّل التنظيمي والأيديولوجي في سعيه للتمايز عن داعش وفي محاولته استثمار فراغ القوة القائم أو المحتمل. وهنا مكمن رئيس في عقدة الصراع مع داعش، أي غياب ترتيبات مستدامة تبلور تصورًا مقبولً لمرحلة ما بعد داعش، خصوصًا أنّ مثل هذه الترتيبات يفترض حصول تسوية كبرى للتعامل مع البلدان المتآكلة في المنطقة، كالعراق وسورية. فهل تنبغي العودة مجددًا إلى تقوية نظام الدولة وعدم المساس بالحدود الجغرافية ودعم سلطات الحكومات المركزية - بغض النظر عن طبيعتها - كي تبسط سيطرتها وتحتكر "العنف الشرعي" في أراضيها؟ أم يجري تقاسم النفوذ ومواصلة تقطيع أوصال تلك الدول إرضاءً لطموحات القوى الإقليمية الأكبر؟ بتبنّيها المبكر فكرة "الحرس الوطني" بوصفه قوة محلية، ومفهوم الفيدرالية النشطة مخرجًا مؤسسيًا للأزمة العراقية، يبدو أنّ الولايات المتحدة تعتقد أنّ توزيع لا مركزة السلطة في هذا البلد يمثّل العلاج الملائم. لكن حتى الآن لم يجْر تمرير التسويات اللازمة لإعادة هيكلة السلطة في العراق. ولا يبدو أنّ ذلك يمكن أن يحدث من دون الدخول في مزيد من الصراعات. ومازال الرهان على "قوة سنّية بديلة" رهانًا نظريًا ليس بسبب سيطرة تنظيم داعش على معظم المناطق المعرّفة ب "السنية"، بل وأيضًا لأنّ هناك عوائقَ عديدة تَحول دون العودة إلى نهج بترايوس من دون تطويره جذريًا، فلا الولايات المتحدة بوارد تخصيص المستوى نفسه من الالتزام السياسي والمالي الذي كانت تخصّصه في زمن بترايوس، ولا المجتمع المحلي المنهك والذي تعرَض لأكبر عمليات التهجير في تاريخه يمتلك الإمكانية السابقة ذاتها لصناعة بديل متجانس ولا فصائل قد تتناحر في المستقبل. وإذا كان هذا الخيار يعتمد أيضًا على التزام الحكومة العراقية دعم القوة المسلحة السنّية، فإنّ هذا الالتزام سيكون دائمًا في موضع الشك في ضوء الصراع الشيعي - الشيعي الذي قد يضعف قدرة العبادي على تحقيق تسوية تاريخية تقوم على توزيع السلطة بالطريقة التي يطرحها الأميركيون. ويظل التحدي الأكبر هو الموازنة بين توزيع السلطة والحفاظ على هيكل الدولة، توازن بدا حتى الآن عصيًا على التحقيق خصوصًا في ظرف نموّ الأيديولوجيات العابرة للحدود وتدخّل القوى الإقليمية الكبرى وتراجع - وربما ندرة - الموارد. لهذا يبدو أنّ أيّ رؤية طموحة لبناء الاستقرار مقرونًا بأطر أكثر عدالة للحكم، تحتاج إلى تسوية إقليمية كبرى لم تجهز عناصرها بعد، ولا يبدو أنّ الولايات المتحدة تنظر إليها بوصفها خيارًا جديًا. لقد انتقلت السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة من محاولة "تشكيل المنطقة" بما يخدم منظومة مصالحها الجيوسياسية، إلى محاولة احتواء آثار التحوّل الجاري بسبب الديناميات الداخلية للمنطقة وصراعاتها وسقوط نماذج حكمها القديمة وإطلاق نزعات هوياتية بديلة لتحلّ محلّ الدولة الوطنية. وهذه عملية لم تحصل بمعزل عن الدور الذي قامت به السياسة الأميركية لعقود طويلة في المنطقة، لكنّها تجري بقدرٍ من الاستقلالية عن سيطرة تلك السياسة.