إلى أين تتجه تركيا: الترسيخ الديمقراطي أم الديكتاتوري؟

محمد محمود مهدي

الملخّص

تحاول هذه الدراسة، استنادا إلى مقاربة وصفية تحليلية لتفسير الوضع القائم، وتحديد الظروف والعلاقات الموجودة بين المتغيرات، أن تتناول مفهومي الترسيخ الديمقراطي والترسيخ الديكتاتوري، وبيان أيّهما الأقرب للتحقق في الدولة التركية، بعد تجربة امتدت لأكثر من ستين عامًا. فعلى الرغم من الإصلاحات التي أجراها حزب العدالة والتنمية، منذ يه مقاليد الحكومة في تول 2002، لمحاصرة الذرائع الدستورية والقانونية التي تمنح العسكريين حق التدخل في الحياة السياسية، ومساحات الحريات التي أوجدها الحزب تدريجيًا في عهده، فإنّ تغيراتٍ طرأت على المشهد التركي، بخاصة ما بين عامَي 42013 و 201. فقد تعالت أصوات تقول بأنّ تركيا، في سبيلها للترسيخ الديكتاتوري. وهذا ما جعل المرحلة الثالثة والأخيرة، من التحوّل الديمقراطي في تركيا، محل تقديرات شديدة التباين. بناءً على ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن تساؤل رئيس، وهو: إلى أين تت جه تركيا: إلى الترسيخ الديمقراطي أم إلى ترسيخ الديكتاتورية؟

تمهيد

أثار وصول رئيس الوزراء السابق رجب طيب أردوغان في آب / أغسطس 2014 إلى قصر الحكم "تشنقايا" في أنقرة، أوّل رئيس تركي منتخب عبر الاقتراع السري المباشر من الشعب، تخوفًا لدى البعض لا سيمّا من المهتمين بالتحولات الديمقراطية في البلدان، من انحرافات في الطريق الديمقراطي نحو مسارات ربما تُرسخ أكثر للديكتاتورية؛ لأنّه قد يسعى هو وحزبه الممسك "بتلابيب" الحكومة منذ 2002 إلى تركيز السلطات وحصرها في أيديهم، وذلك من خلال إجراء تعديلات دستورية، أو إقرار دستور جديد يبدو أنّهم لا يملكون القدرة على إقراره في الوقت الراهن. ويدعم هؤلاء تخوفاتهم بقولهم، إنّ الرجل تبنّى طوال فترة رئاسته حكومة العدالة والتنمية، نهج الرجل الواحد؛ فهو من يُهاجم معارضيه بقسوة، ويتخذ قرارات تسلطية (إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي وفتحها نموذجًا)، وهو من أرسل الشرطة في 28 أيار / مايو 2013 لمهاجمة المتظاهرين ضد سياساته في حديقة "غيزي بارك" في إسطنبول. وقد جاء تقرير صدر في أيلول / سبتمبر 2014 عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، يفيد بأنّ تركيا تشهد تراجعًا مقلقًا في مجال الحريات المدنية وحقوق الإنسان، متّهمً حكومة "العدالة والتنمية"، بأنّها عمدت إلى انتهاك القانون أثناء تعاملها مع المعارضة السياسية، وإخماد الأصوات المنتقدة، واستخدام العصا الغليظة تجاه معارضيها السياسيين، وكذلك تجاه الاحتجاجات في الشارع والانتقادات في الصحف1. فضلً عن قلق حكومات أوروبية من تزايد ملامح الاتجاه التدريجي نحو السلطوية؛ فعلى سبيل المثال، قالت أنجيلا ميركل في أيار / مايو 2014 "إنّ برلين تشعر بالقلق من بعض التطورات في تركيا، مثل الإجراءات ضد المتظاهرين، والهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأوضاع المسيحيين"2. في المقابل، يرى آخرون انتفاء الاتجاه إلى الديكتاتورية في تركيا؛ وذلك نظرًا لما مرّت به هذه الدولة عبر عقودٍ مضت من إصلاحات جوهرية عضدت بنيان عملية التحول إلى الديمقراطية إجرائيًا وقيميًا، علاوةً على أنّ التغيرات في توجهات القيادة المنتخبة أو ممارساتها لا يمكن أن تقود إلى القول إنّ بلدًا ما يتجه إلى الترسيخ للديكتاتورية، مادامت لا تمسّ جوهر الممارسة الديمقراطية ومعاييرها. بل إنّ الحالة التركية ربما تُ ثّل خصوصية من ناحية تجارب الدول في الديمقراطية؛ فطالما انقلبت فيها الإرادة العسكرية على الحكومات المنتخبة، وذلك بحجة حماية العلمانية الأتاتوركية، الأمر الذي يتطلب زعيمً وطنيًا قويًا يُجيد استخدام مخالب الديمقراطية للدفاع عنها، ويحظى في الوقت نفسه بشعبية حقيقية تعبّ عنها الصناديق الانتخابية، يستطيع بها مواجهة العسكريين وداعميهم، ومن ثمّة ترسيخ وتد الديمقراطية في الأراضي التركية.

وما بين هذه الرؤى المتناقضة، تحاول هذه الدراسة من خلال استنادها إلى مقاربة الوصف والتحليل، وذلك بتفسير الوضع القائم وتحديد الظروف والعلاقات الموجودة بين المتغيرات، تناول مفهومي الترسيخ الديمقراطي والترسيخ الديكتاتوري، وبيان أيّهما الأقرب تطبيقًا في الدولة التركية بما تمثّله من تجربة ممتدة لأكثر من ستين عامًا. وعلى الرغم من كمّ الإصلاحات التي أجراها حزب العدالة والتنمية منذ تولّيه مقاليد الحكومة في 2002 من تقليم للذرائع الدستورية والقانونية التي منحت العسكريين حقوقًا قانونية بالتدخل في الحياة السياسية، ومساحات الحريات التي أوجدها الحزب تدريجيًا في عهده، فإنّ تغيراتٍ طرأت على المشهد التركي بخاصة ما بين عامَي 2013 و 2014، تعالت على أثرها أصوات تقول بأنّ تركيا في سبيلها للترسيخ الديكتاتوري. ومن هنا أضحت المرحلة الثالثة والأخيرة من التحوّل الديمقراطي في تركيا محلّ تقديرات شديدة التباين. وبناءً على ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن تساؤل رئيس، وهو: إلى أين تتّجه تركيا: إلى الترسيخ الديمقراطي أم إلى ترسيخ الديكتاتورية؟

  1. زيارة إردوغان لألمانيا اليوم قد تنقل انقسامات تركيا إلى شوارع كولونيا"، 2 الشرق الأوسط، 23 أيار/مايو.2014

الكلمات المفتاحية: الترسيخ، الديمقراطية، الديكتاتورية، تركيا، انقلاب عسكري، حقوق إنسان، حريات مدنية، فصل بين السلطات، ثقافة مجتمعية، المرحلة الثالثة للديمقراطية.

الإطار النظري والمفاهيمي

معنى الترسيخ

جاء في المعجم الوسيط، أنّ الرسوخ هو ثبوت الشيء، أي تثبيت الأمر في موضعه والتمكّن فيه، والفعل منه رسَخَ يُرسَخ رُسوخًا فهو راسخ، والمفعول منه مَرْسوخ. ويقال مثلً: رسخ الجبل، إيمانُه راسِخ، له قدم راسِخة في العِلْم، وأيضًا تتضح في قوله تعالى "وَالرَّاسِخُونَ فِ العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه"ِ3. وقد تعددت المفردات المرادفة للترسيخ؛ فهناك من يقول بالنضوج، وآخرون يرون في التماسك التعبير الأدق لحالة الترسيخ، الذي يعني ترابط أجزاء الأشياء بعضها البعض، أي قويت واشتدّت ومسك بعضُ ها بعضًا، وأيضًا هناك من يقول بالاستقرار، أي الثبوت والسكون وديمومة الحال، ويقال أيضًا التعزيز، بمعنى الدعم والتكثيف. ومن بين هذه المعاني تبقى مفردة الترسيخ هي الأكثر شمولً والأدق تعبيرًا؛ وذلك لما فيها من تَ كّن وتحديد ووضوح للمعنى، فالنضوج والخبرة هما نتيجة حتمية للترسيخ، أمّا التماسك فهو وصف للحالة الحاصلة بأنّها مترابطة الأجزاء، في حين يوحي الاستقرار دومًا بالسكون، على الرغم من أنّ المفاهيم قيد الدراسة بطبيعتها متجددة، كما أنّ مصطلح التعزيز قد ينصرف إلى وصف العوامل المساندة والداعمة وليس إلى وصف مرحلي أو إجرائي للديمقراطية أو الديكتاتورية.

الترسيخ الديمقراطي

تأتي الديمقراطية في اللغة العربية مصدرًا صناعيًا، لأنّها كلمة يونانية الأصل مشتقة من الكلمتين demos بمعنى الشعب وcratia أي حكم. وبهذا فالديمقراطية Demoacratia تَعني حكم الشعب أو حكم الشعب لنفسه. وللديمقراطية معنيان؛ الأوّل ضيّق، بوصفها شكلً من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة. وتنقسم إلى ديمقراطية مباشرة وأخرى غير مباشرة أو نيابية، أي من خلال ممثّلين منتخبين. والثاني، هو الأوسع. ويُستخدم لوصف ثقافة المجتمع السائدة، والذي يعني أنّه كلمّا تشبّع المجتمع في مختلف مناحي الحياة بالديمقراطية، ترسّخت بدورها نظامًا للحكم يصعب تجاوزه. ويضع باحثو المجال الديمقراطي، مرحلة الترسيخ الديمقراطي Consolidation of Democracy، في المرتبة الثالثة من مراحل التحوّل نحو الديمقراطية؛ إذ أشار أستاذ العلوم السياسية صامويل هانتنغتون Huntington Samuel في كتابه The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century، إلى أنّ عملية تحوّل النظام تمرّ بثلاث مراحل؛ تُعرف الأولى بمرحلة اعتلال النظام، أي تفكّك النظام القديم وانحلاله. وأطلق على المرحلة الثانية، التحوّل الديمقراطي، ورأى أنّها تتضمن تغييرًا في البنى الأساسية والأساليب القديمة. أمّا المرحلة الثالثة والأخيرة، فأسماها بمرحلة الترسيخ أو الاستقرار الديمقراطي، وهي أن تصبح البنى التي تغيرت والأساليب التي تبدلت متُرسخة ومستقرة ومتماشية مع الوعي الجمعي العام للمجتمع4.

كما عرّف عالم الاجتماع السياسي خوان لينز، الترسيخ الديمقراطي، بأنّه حالة يسود فيها الاعتقاد من الفاعلين السياسيين الرئيسين أو الأحزاب وجماعات المصالح أو أيّ قوى أو منظمات المجتمع، بعدم وجود بديل عن العمليات الديمقراطية للوصول إلى السلطة، قائلً بوجوب النظر إلى الديمقراطية بوصفها اللعبة الوحيدة في المدينة5.

  1. قرآن كريم، سورة آل عمران، الآية.)7(
  2. Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman & London: University of Oklahoma press ,
  3. أميرة إبراهيم حسن، 5 التحول الديمقراطي في المغرب ودور المؤسسة الملكية -1992(1998)، (القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2002)، ص.30

بينما أعطى أندرياس تشدلير Andreas Schedler مفهومًا أكثر تفصيلً واتساعًا للترسيخ الديمقراطي؛ إذ ربط تحقيقه، بانتشار القيم الديمقراطية، والسيطرة المدنية على العسكريين، وتدشين الأحزاب السياسية، وانتشار جماعات المصالح، واستقرار النظم والقواعد الانتخابية، ودورية الانتخابات، ولا مركزية سلطة الدولة، والإصلاح القضائي، وتقليص معدلات الفقر، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي6. واستخدم غييرمو أودونيل O'Donnell Guillermo مفهوم الانتقال الثاني Transition Second للتعبير عن عملية ترسيخ الديمقراطية. وهو بحسب رأيه، يُشير إلى الانتقال من حكومة منتخبة ديمقراطيًا تنتهي عندها فترة الانتقال إلى نظام ديمقراطي مؤسسي راسخ7. ورأى أودونيل أيضًا أنّ مفهوم ترسيخ الديمقراطية يتطلب وجود حدٍ أدنى من الشروط الإجرائية للديمقراطية، وهي: "الاقتراع السري، وكفالة حق المواطنين في الانتخاب، وإجراء انتخابات حرة نزيهة ودورية، وحرية التجمع والتعبير، ومُساءلة السلطة التنفيذية"8. وفيما يبدو، أنّ هناك أمرين يمكن من خلالهما الوصول إلى الترسيخ الديمقراطي؛ الأوّل يتعلق بتحقيق سيادة الشعب، وذلك عن طريق انتخابات تجري على فترات محددة. في حين يتعلق الأمر الثاني بمنظومة القيم التي يشتمل عليها النظام الديمقراطي السائد، مثل حقوق الإنسان، ودولة القانون، واستقلال القضاء، وفصل السلطات،... إلخ. وهذه القيم هي جوهر العملية الديمقراطية10. ويشترط لترسيخ الديمقراطية تحقيق الأمرين سويةً؛ لأنّه مع حضور الأوّل وغياب الثاني تتولد الديمقراطية الشكلية التي تعجّ بالممارسات الديكتاتورية، ووجود الأمر الثاني (القيم) مع غياب الأوّل، ربما يقود إلى ما يُسمى الاستبداد. وعلى الرغم من غياب تعريفٍ جامع للترسيخ أو الرسوخ الديمقراطي، فإنّه يمكن القول وفقًا لمضامين أغلب التعريفات التي سبق ذكرها، إنّ الترسيخ الديمقراطي هو "مرحلة ختامية أو محطة أخيرة ونهائية من التحوّل الديمقراطي قد يطول أمر الوصول إليها، ولها قواعد إجرائية دالّة على ممارستها، ويُشترط لتحقيقها وترسيخها في البلدان، تعميقها مؤسساتيًا ونخبويًا وشعبيًا."

الترسيخ الديكتاتوري

الدكتاتورية، هي مصطلح يمكن أن يوصف به نظام الحكم الذي تتركز فيه السلطة بيد حاكم فرد، يتولى السلطة عن طريق الوراثة، أو بطريق القوة، أو يتولاها بطريق ديمقراطي يفضي فيما بعد إلى تركيز السلطة بيده، ومن ثمّ يمارسها بحسب مشيئته، ويهيمن بسطوته على السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويُ لي إرادته على القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وذلك من دون أن يكون هناك مراقبة حقيقية على أداء نظامه أو معارضة سياسية في المجتمع11. وللديكتاتورية العديد من المرادفات الدالة على ممارستها، مثل: الاستبداد، والشمولية، والسلطوية، والفاشية، والملكية في بعض صورها. وغالبًا ما تُستخدم هذه المترادفات عناصر لتحليل الديكتاتورية، وذلك على النحو التالي: الاستبداد: الاستئثار المطلق بالسلطة والتشبث العنيف بالحكم؛ أي سلب الحكم الصالح من أهله وأصحابه الحقيقيين، وهو يكون عادةً مترافقًا مع تجاوز شبه كلّ للقانون والنظام القائم المنظّم لعمل الدولة والمجتمع ككل12. الشمولية: تعني أن يحتكر النظام السلطة احتكارًا مطلقًا، ويمحو مؤسسات المجتمع المدني، ولا يترك لأيّ جماعة أو تنظيم مجالً لاتّخاذ أيّ مبادرة. وكان المجتمع السوفييتي في إمبراطورية الاتحاد السوفييتي السابق، هو النموذج الأبرز للنظام الشمولي. السلطوية: احتكار للنظام السياسي إلى حدٍ كبير، ولكنّه قد يترك مساحاتٍ محدودة في المجال العام لبعض المبادرات الخاصة13. الفاشية: حركة من حركات اليمين المتطرف والراديكالي؛ فهي مجموعة من الأيديولوجيات والممارسات التي تسعى لوضع الأمة المعرفة من النواحي البيولوجية أو الثقافية أو التاريخية الخالصة أو جميعها فوق جميع مصادر الولاء الأخرى؛ فهي شكل من السلطوية (حكم الفرد) التي تحارب الديمقراطية، وقد تمثّلت في تجارب لحركات سياسية قومية أو وطنية14.

  1. صدفة محمد محمود، "مفهوم التحول الديمقراطي والمفاهيم وثيقة الصلة به"، 6 أكاديميا،
  2. حسنين توفيق إبراهيم، "الانتقال الديمقراطي: إطار نظري"، مركز الجزيرة للدراسات،
  3. محمد محمود.
  4. أغسطس 2013، ص.12
  5. نبيل علي صالح، "الاستبداد: مقاربة في المعنى والمبنى"، 11 منبر الحرية،.2011/10/20
  6. السيد يسين، "نهاية السلطوية وبداية الديمقراطية الشعبية"!، 12 الأهرام اليومي،
  7. كيفن باسمور، الفاشية: مقدمة قصيرة جدًا، رحاب صلاح الدين(مترجم)، ضياء وراد(مراجع)، ط 1 (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص.37

الملكية: تعبّ عن نظامين؛ إمّا ملكية مطلقة، وإمّا دستورية. وتعد الأولى الأقرب إلى المفهوم الديكتاتوري. ويتبين من مجمل المترادفات السابقة مدى التشابه في المضمون؛ فجميعها تعبّ عن ممارسة ديكتاتورية من جانب النظام السياسي القائم. وقد تقود المترادفات السابقة أيضًا إلى إمكانية القول بأنّ الديكتاتورية مفهوم يتطور إجرائيًا مع تطور الزمن، وبذلك يمكن تقسيمها بحسب مراحل تطورها تقسيمً ينحدر من القديم إلى الحديث فالمعاصر؛ فالديكتاتورية القديمة مثلً، كان يغلب عليها النزعة الإلهية في الحكم أو ما يُعرف بنظرية الحق الإلهي في الحكم؛ إذ يرى الحاكم نفسه مبعوث العناية الإلهية في الأرض، ويعدّ جيمس الأول ملك إنجلترا وابنه تشارلز الأول أشهر من استمدوا شرعيتهم من خلال هذا المفهوم. في حين تجيء الديكتاتورية الحديثة لتعبّ عن أنظمة سياسية ظهرت في القرن العشرين؛ مثل دكتاتورية أدولف هتلر في ألمانيا 1889(- 1945)، ودكتاتورية بينيتو موسوليني في إيطاليا 1883(- 1945)، ودكتاتورية جوزيف ستالين 1879(- 1953) في الاتحاد السوفييتي. وأخ اًالديكتاتورية المعاصرة، والتي تقع ما بين الديمقراطية والديكتاتورية فلا يمكن تصنيفها على أنّها ديمقراطية، وكذلك لا يمكن القول بأنّها ديكتاتورية، وبذلك فهي حالة هجين؛ فمن حيث الشكل هي أقرب إلى الديمقراطية، ومن حيث المضمون هي أقرب إلى الديكتاتورية. وهذه المرحلة المعاصرة للديكتاتورية أظهرها مقياس بوليتي)Polity IV(415 الذي صنّف نظم الحكم التي تنتهجها الدول إلى تصنيفات متدرجة، بأنّها أشبه بالديمقراطية التسلطية التي تنتشر الآن في كثير من دول العالم وتُعرف ب  anocracy closed 16. والسؤال هنا، هل تترسخ الديكتاتورية في البلدان نظامًا للحكم، كما تترسخ الديمقراطية؟ حقيقة، ليس هناك ما يُفيد نظريًا بالترسيخ الديكتاتوري. ولكن واقعيًا، يتجلّ الترسيخ الديكتاتوري بأشكاله المتعددة في العديد من بلدان العالم (كوريا الشمالية نموذجًا)، مما يأخذنا إلى القول بأنّه كما تترسخ الديمقراطية في البلدان ممارسةً يرتضيها المجتمع بجميع مكوّناته، سواء بشقّيها المباشر أو غير المباشر، وذلك بشيوع احترام حقوق الإنسان، واستقلال القضاء، واحترام حرية التعبير، واحترام حرية الصحافة، واحترام حرية الاعتقاد، واحترام العملية الانتخابية والتعددية، واستقلالية مؤسسات الدولة، وثقافة مجتمعية بأنّ الديمقراطية هي الوسيلة المثلى لنظام الحكم القائم، يمكن أيضًا أن تترسخ الديكتاتورية في المجتمعات؛ وذلك بشيوع انتهاكات حقوق الإنسان، وانحيازية القضاء، وتكميم الأفواه، وشيوع صحافة الاتجاه الواحد، وتزييف إرادة الناخبين، والفساد المؤسسي، وثقافة مجتمعية بأنّ النظام الديكتاتوري القائم هو الوسيلة المثلى للحفاظ على كيان الدولة ومنحه القدرة على مجابهة الأعداء المتربصين بالوطن. خلاصة القول إنّ الترسيخ الديكتاتوري بوصفه مفهومًا ليس له تعريف محدد، ولكنّه في الغالب يعبّ عن حالة من الاستمرارية والاستقرار لنظام حكم ديكتاتوري، ويتولد عن هذه الاستمرارية خلق رضا شعبي جزئي وقبول نخبوي ومؤسسي بذلك النمط في الحكم. وعليه، فإنّ الديكتاتورية يمكن أن تتعمق في البلدان التي يعتقد مواطنوها بأنّها الوسيلة الأنسب لتسيير الحياة العامة والحفاظ على كيان الدولة.

معايير اتجاه البلدان نحو الديمقراطية

في العقدين الأخيرين من القرن العشرين والسنوات الأولى من الألفية الثالثة، تطورت مناهج ومقارباتٌ لقياس الديمقراطية وترسيخها في البلدان؛ وذلك عبر سلة من المؤشرات، يرجع فضل تأصيلها والمواظبة على إعمالها إلى مراكز بحثية وبيوت خبرة، ومنظمات غير حكومية مهتمة بقضية الديمقراطية والإشكاليات المرتبطة بها والمتفرعة منها17. ومن هذه المقاييس، على سبيل المثال تقرير "الحرية في العالم" لمؤسسة "فريدوم هاوس" House Freedom، وتقرير "المعهد الدولي للمساعدة في الديمقراطية والانتخابات" IDEA() في ستوكهولم، والذي يدعم الديمقراطية المستدامة في جميع أنحاء العالم، ومقياس "بوليتي "4 IV Polity الذي يبحث في خصائص مؤسسات الحكم، و"مؤشر

  1. مشروع بحثي تأسس في جامعة ميريلاند Gurr(Robert Ted)، وذلك لأجل تقديم معلومات كمية عن الخصائص المختلفة للنظم الديمقراطية والنظم التسلطية في دول العالم المختلفة.
  2. مصطلح سياسي يعني أنظمة الحكم "المهجنة" أو الأنوقراطية، والتي تقع في المنتصف بين الأوتقراطية والديمقراطية.
  3. إمحمد مالكي، "هل الديمقراطية قابلة للقياس؟"، العربية نت (نقلً عن "أوان"الكويتية)، انظر 2010/2/23:. http://www.alarabiya.net/views/2010/02/23/101182.html

الديمقراطية" Index Democracy التابع لوحدة استطلاعات مجلة الإيكونومست البريطانية. أضف إلى ذلك "مؤشر الديمقراطية التابع لوحدة الاستخبارات الاقتصادية" الذي أدرج تركيا عام 2011 في المركز الثامن والثمانين من بين 167 دولة، و"المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي" الذي صنّف تركيا عام 2011 في المركز المئة والإثنين والعشرين من بين 135 دولة، علاوةً على بعض اجتهادات القياس للعديد من المراكز البحثية حول العالم.

ومع تعدد المؤسسات المعنيّة بقياس الديمقراطية في البلدان شمال وجنوبًا، تعددت أيضًا المؤشرات الدالة على الممارسة الديمقراطية؛ فتقرير مؤشر الديمقراطية يصنّف البلدان على أساس سلّم رقمي واحد، مع الفصل بين البلدان الديمقراطية وغير الديمقراطية، ومقياس "بوليتي 4" الذي على الرغم من موضوعيته بين الأكاديميين، فإنّه قد لا يُحيط بأشكال القمع الأكثر تعقيدًا18، وعليه، فهو قد يراعي في قياسه إجراءات الديمقراطية أكثر من قيمها. وفيما يبدو أنّ لكلّ مقياس من هذه المقاييس، مؤشراته الدالة على تحقيق الديمقراطية واستقرارها وترسيخها في البلدان، وذلك دون تعارض المؤشرات مع بعضها البعض، ولكن قد يتفرد مؤشرٌ ما بجزئية من الديمقراطية دون الأخرى يجري على أساسها عملية القياس. بيد أنّه، من خلال مقاييس الديمقراطية السابقة الذكر، يمكن حصر حزمة من المبادئ أو المعايير العامة للديمقراطية التي في حال توافرها قد تستقيم الديمقراطية في البلاد وتترسخ إلى حدٍ كبير، ومع غيابها أو نقصانها أو إصابة أحد عناصرها الجزئية بخللٍ ما تنحرف عن مسارها، وتقترب من الديكتاتورية بأشكالها المتنوعة. وفي ما يلي مبادئ عامة لقياس الديمقراطية في البلدان: معيار الحقوق السياسية: الحقوق السياسية هي التي تثبت للفرد بوصفه مواطنًا في دولة معيّنة، وتخوّل له المساهمة في حكم الدولة، كحق الترشيح للمجالس المنتخبة، وحق التصويت في الانتخابات العامة19، وبذلك فهي التي يستطيع بواسطتها الأفراد مباشرة إدارة شؤون المجتمع أو المشاركة فيها، مثل: حق الانتخاب دون تزييف الإرادة، وحق الترشيح، وحق تولّ الوظائف العامة. معيار الحريات المدنية: تشمل حرية تكوين الجمعيات، وحرية التجمع، والمعتقد، والتعبير، إضافةً إلى الحق في محاكمة عادلة وفقًا للأصول القانونية، والحق في الخصوصية والتعويض، والاحتجاج السلمي. معيار الفصل الموضوعي بين السلطات: يعني توزيع وظائف الدولة على هيئات منفصلة تستقل كلٌ منها عن الأخرى في مباشرة وظيفتها، بحيث يتحقق داخل الدولة سلطة تشريعية تتمثل في وظيفة وضع القوانين، وسلطة تنفيذية تتمثل في مهمة تنفيذ القوانين، وسلطة قضائية تتمثل في مهمة الفصل في النزاعات والخصومات. معيار السيطرة المدنية على العسكريين: وذلك بأن تتحكم القيادة المدنية في البلاد في الجيش بوصفها صانع القرار الإستراتيجي في الدولة، لتصبح المؤسسة العسكرية شأنها كباقي مؤسسات الدولة، وتتلخص مهمتها في الحماية وليس الحكم أو الوصاية. معيار الثقافة الديمقراطية المجتمعية: تتولد كما يقول خوان لينز عندما تؤمن أغلبية كبيرة من المواطنين بأنّ الإجراءات والمؤسسات الديمقراطية هي الوسيلة المثلى، لتسيير الحياة العامة. وبناءً على ذلك، فإنّ الحكم على جدية التحول الديمقراطي وصولً إلى ترسيخ الديمقراطية من عدمه، يجيء عبر تحقيق المبادئ أو المعايير أعلاه، مصحوبة بتوافر العديد من الجزئيات والتفصيلات المرتبطة بها؛ فقد توجد هذه المعايير ورقيًا، ولكن في حقيقة الأمر قد تعبّ تفصيلاتها عن انحرافات في المسار؛ كأن يكون هناك انتخابات ولكنها مزيفة، أو يكون هناك فصل بين السلطات ولكنّه شكلي أكثر منه واقعي، أو يكون للعسكريين دور في الحياة السياسية من وراء ستار.

  1. Jon Custer, Measuring Democracy, CIPE Development blog ,22 August, 2012, at: http://www.cipe.org/blog/2012/08/22/measuring-democracy/#.
  2. Ve1HFU14Scw 18 محمود جمال الدين، دروس في مقدمة الدراسات القانونية (د.م: دار النهضة، 1905)، ص.265

الدولة التركية ومدى تطبيقها معايير الديمقراطية

بالنظر إلى تركيا - الدولة النموذج - يبدو أنّها خاضت تجربة التحوّل الديمقراطي منذ عشرات السنين، بدأت بممارستها التعددية السياسية التي استمرت على الرغم ممّ مرت به من عثرات في الطريق (أكثر من انقلاب عسكري)20، ومع بداية الألفية الجديدة، شهدت تطورًا ملحوظًا نحو باقي المعايير الديمقراطية. وبعيدًا عن كون القوة الدافعة لذلك التطور خارجية أكثر منها داخلية، فالثابت هو وقوع حزمة متنوعة من الإصلاحات الدستورية والسياسية والقانونية، منحت المسار الديمقراطي جرعات تنشيطية ربما تصل بتركيا إلى الترسيخ الديمقراطي. وفي ما يلي معايير الترسيخ الديمقراطي، ومدى تطبيق الجمهورية التركية لها.

معيار الحقوق السياسية

في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1982، أقرّت وثيقة الدستور التركي نصوصًا مبينة الحقوق السياسية للمواطنين الأتراك؛ فالمادة 67() التي عُدّلت في تشرين الأول / أكتوبر 2001، أعطت المواطن التركي طبقًا للشروط المحددة في القانون، الحق في التصويت والانتخاب، وكذلك الحق في المشاركة السياسية بصفته المستقلة أو في إطار حزب سياسي. وكذلك المادة 75() التي عُدّلت في 23 تموز / يوليو 1995، حددت عدد أعضاء الجمعية الوطنية الكبرى ب 550 نائبًا ينتخبون بواسطة الاقتراع العام السري المباشر من الشعب، كما منحت المادة 76() التي عُدّلت في تشرين الأول / أكتوبر 2006، أحقّية كلّ تركي تجاوز عمره 25 عامًا بأن يصبح نائبًا في الجمعية الوطنية (البرلمان.) ووفقًا للقانون رقم) الخاص بالانتخابات، والصادر 2839(في 1983/6/13، تجري الانتخابات النيابية التركية في شكل التصويت العام السري المباشر، وتكون طريقة الفرز مفتوحة؛ وذلك بنهج يتفق مع المبادئ الدستورية، كما أرجع القانون عملية اختيار النواب في المجلس بالانتخابات البرلمانية إلى الوراء 90 يومًا، بحيث يجيء اليوم الأول من فترة ال 90 يومًا، ليكون أوّل يوم للانتخابات البرلمانية، وبالنسبة إلى مدة الانتخابات فهي تنتهي حال إعلان المجلس الأعلى للانتخابات (المفوضية العليا للانتخابات)21نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية. وقد تتشابه الدول في إقرار حقوق المواطنين السياسية بوثائقها الدستورية، ولكنّها تختلف كثيرًا عند الممارسة الواقعية لهذه الحقوق؛ فهناك أنظمة دول تحترم اختيارات مواطنيها السياسية، وأخرى تحاول جاهدة أن تُزيف إرادة مواطنيها. وبالنظر إلى تركيا، فإنّ اللافت للنظر في منظومتها الدستورية والقانونية المتعلقة بالحقوق السياسية ليس الإقرار النصّ على وجودها، فأغلب دول العالم يُقرّ قوانين الحقوق السياسية، وإنّ ا اللافت حقًا، هو مجيئها عقب انقلاب عسكري، وعلى الرغم من ذلك، عدم عبث السلطة بالإجراءات الانتخابية أو التلاعب بمسارها أو إفرازات صناديقها. وقد يدعم تتبع الانتخابات النيابية في تركيا هذه الفرضية المتعلقة بعدم عبث السلطة بالإجراء الانتخابي؛ وذلك على النحو التالي: في انتخابات أيار / مايو 1950 حقّق الحزب الديمقراطي انتصارًا ساحقًا على حزب الشعب الجمهوري الذي انفرد بالسلطة لعقود، وذلك بحصوله على 416 مقعدًا من مجموع 487 مقعدًا في البرلمان، في حين حصل حزب الشعب الجمهوري على 69 مقعدًا، والمقعدان الآخران واحد لحزب الأمة والآخر مستقل22. وتصبّ هذه الانتخابات بنتائجها في حقيقة عدم العبث بالإرادة الانتخابية وإفرازات الصناديق أو حتى توجيه الصناديق بحسب رغبات السلطة الحاكمة. عقب الانقلاب على عدنان مندريس عام 1961، تمّ إجراء الانتخابات التشريعية، ولم تمنح فيها إرادة الناخبين حزب الشعب الجمهوري الأغلبية كما كان متوقعًا 173(مقعدًا)، بل أشركت معه حزب العدالة 158(مقعدًا) الذي يعدّ امتدادًا للحزب الديمقراطي، ووزّعت باقي المقاعد على حزبَ الأمة وتركيا الجديدة. خلال فترة السبعينيات وعلى الرغم من وقوع انقلاب المذكرة، استمرت الأداة الانتخابية في العمل وفي تنويع إفرازاتها، فقد شهد البرلمان التركي في انتخابات تشرين الأول / أكتوبر 1973 دخول ثمانية أحزاب؛ وذلك بعدد مقاعد متفاوت من حزب إلى آخر بخلاف المستقلين.

  1. في عام 1960 قاد رئيس الأركان جمال كورسل، أوّل انقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة آنذاك، ومن ثمّ توالت تدخلات العسكريين في السياسة فحصل انقلاب (المذكرة) عام 1971. وهو مذكرة قدّمها رئيس الأركان ممدوح تاجماك في ظل أوضاع داخلية مضطربة، إلى رئيس الوزراء، وتعدّ هذه الوثيقة بمنزلة إملاءات تصل إلى حدّ إنذارٍ أخير من القوات المسلحة، وفي عام 1980 وقع انقلاب عسكري بقيادة كنعان إيفرين الذي جاء بدستور مقَوّض للقيم الديمقراطية ومُرسِّخ الوجود العسكري في الحياة السياسية. وفي /28 شباط فبراير 1997، وقع ما سُمي بانقلاب (ما بعد الحداثة)، ضد حكومة نجم الدين أربكان، هو مهندس وسياسي تركي، تولّ رئاسة حزب الرفاه ذي التوجهات الإسلامية، كما تولى رئاسة وزراء تركيا في الفترة من 1996 إلى 1997، وذلك بإجباره هو وحكومته على الاستقالة، واللافت في انقلاب المذكرة، أنّه لم يكن انقلابًا عسكريًا خالصًا، وإنّ ا جاء بمبادرة من "التوسياد"، وهي المؤسسة الاقتصادية السياسية التي تتجمع فيها خيوط مراكز القوى التركية بما فيها العسكرية
  2. انظر موقع مجلس الأمة التركي الكبير على شبكة الإنترنت، على الرابط: http://global.tbmm.gov.tr/index.php/AR/yd/icerik/14 21 المرجع نفسه.
  3. والاقتصادية والإعلامية.

إنّ الحياة الحزبية لم تتعطل في البلاد سوى فترات قليلة أبرزها ما أعقب انقلاب 1980؛ إذ توقّف عمل الأحزاب إلى حين إقرار دستور 1982. وبعد إقراره، أجريت الانتخابات بمشاركة ثلاثة أحزاب فقط، فاز فيها حزب الوطن الأم بزعامة تورجت أوزال ب 211 مقعدًا نيابيًا. واللافت في هذه الانتخابات هو مخالفة الناخبين توصيات كنعان إيفرين قائد انقلاب 1980 واختار حزب الوطن الأم، مما يدل على أنّ اختيارات الناخبين لم يمسّها العسكريون أو تتأثّر بتوصياتهم. في 1989 انتخب البرلمان التركي تورجت أوزال رئيسًا للجمهورية التركية. ويعدّ أوزال أوّل مدني يتولى رئاسة الجمهورية؛ إذ كان الرؤساء السابقون ذوي جذور عسكرية. في كانون الأول / ديسمبر 1995، فاز حزب الرفاه الإسلامي بزعامة أربكان بحصوله على 158 مقعدًا، وحزب الطريق القويم على 135 مقعدًا، وحزب الوطن الأم على 132 مقعدًا، وحزب الشعب الجمهوري على 49 مقعدًا، وحزب اليسار الديمقراطي على 76 مقعدًا. أعقاب انقلاب 1997 على حكومة أربكان، لم تتوقف التعددية السياسية في البلاد وأجريت انتخابات 1999، والتي أفرزت تقدّم أحزاب اليسار الديمقراطي والحركة القومية وتراجعًا ملحوظًا لأحزاب الوطن الأم والطريق الصحيح. في انتخابات تشرين الثاني / نوفمبر 2002، صعد حزب العدالة والتنمية ب 363 مقعدًا في البرلمان، يليه حزب الشعب الجمهوري ب 178 مقعدًا، ومن ثم توالت الانتخابات واستمر حزب العدالة والتنمية متصدرًا الأغلبية في البرلمان إلى الانتخابات الأخيرة.2014

على الرغم من اتهامات التزوير التي شابت الانتخابات البلدية عام 2009 والانتخابات الأخيرة 2014، إذ اتهمت أحزاب المعارضة بخاصة (حزب الشعب الجمهوري) العدالة والتنمية الحاكم بتزوير الانتخابات، فإنّ اللجنة الانتخابية رفضت الطعون المقدَّمة في ذلك. من خلال ما سبق، يبدو أنّ التعددية السياسية عتيقة المنشأ والممارسة في الدولة التركية، وذلك دون المساس بمسارها لا سيمّا من حيث آليات تنفيذها، أو العبث بإفرازاتها، علاوةً على أنّ التتبّع ذاته يمكن أن يقودنا إلى تأكيد فرضية أنّ انقلابات العسكريين الأتراك لم تكن لأجل الحكم أو السلطة، وإنّ ا لأسبابٍ تتعلق في كثير منها بالمحافظة على العلمانية الأتاتوركية أو المحافظة على حقّهم في الوصاية على الدولة؛ إذ كان من الممكن بعد أيٍ من الانقلابات العسكرية التي حدثت أن يجري العبث بالمسار التعددي، وذلك إمّا بالإلغاء النهائي لقوالب التعددية أو إقرارها في إطار شكلي باتّباع إجراءات التدخّل بتزييف إرادة الناخبين والعبث بالصناديق لتصبّ في اتجاه السلطة القائمة، مثل غالبية النظم الشكلية في العالم الثالث، ولكن لم يتمّ أيٌ من هذه الفرضيات، ومن ثمّ فإنّ بقاء ممارسة الإجراء الديمقراطي عبر عشرات السنين دون المساس بإفرازاته، يعضد خيارات الترسيخ الديمقراطي في تركيا.

معيار الحريات المدنية

انعكست التقلبات السياسية الحادة التي عاشتها الدولة التركية منذ ستينيات القرن الماضي على قضايا الحريات المدنية، وذلك بدرجات متفاوتة ما بين الضيق والاتساع الحذر؛ فعقب كلّ انقلاب عسكري كانت الحريات المدنية تضيق كثيرًا، إلى أن تبدأ الحياة في سريانها بالتخفيف التدريجي من القيود المكبّلة للحريات مع تولّ حكومات ما بعد الانقلابات مهامها. فقد انحصرت الحريات المدنية بصورة ملحوظة مع وقوع انقلاب 1960، وذلك إلى أن أقرّ دستور 9 حزيران / يونيو عام 1961 بعض الحقوق المتعلقة بالحريات، وتقيدت الحريات كثيرًا بحدوث انقلاب أيلول / سبتمبر 1980؛ إذ جرى إعلان الأحكام العرفية، وتعليق العمل بالدستور. وما إن بدأ تفعيل دستور 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1982، وتول الحكومات مهامها، ظن الكثيرون أنّ تخفيفًا ربّ ا يطرأ على مجالات الحريات المدنية، وذلك وفقًا للعادة الموروثة في تركيا بعد كلّ انقلاب. إلا أنّ الدستور ذاته جاء مفخخًا بالعديد من المواد المقيدة للحريات، وعلى الرغم من التعديلات التي جرت عليه في أعوام 1987، و 1993، و 1995، فإنّها لم تُحقق المأمول في مجال الحريات؛ إذ بقيت القوانين كما هي، والأغرب أنّ هذه القوانين دعمتها بعض الأحزاب التي توالت على رئاسة الحكومة حينها، ربما لأنّها كانت بالنسبة إليها بمنزلة الأداة

التي ساعدتها في إضفاء الشرعية القانونية وتقديم التبريرات المتعلقة بالأمن ومكافحة الإرهاب23. وفي عام 2001، أجرت حكومة بولنت أجاويد24حزمة إصلاحات شملت ما يقارب ال 37() مادة، تضمنت العديد من المواد التي لها علاقة بتوسيع الحريات المدنية، وذلك بهدف حلحلة المسار الديمقراطي ليتماشى مع معايير "كوبنهاغن" الأوروبية. فكان تعديل المادة 13() التي وسّعت نطاق الحقوق والحريات، بحيث لم يعد من الممكن تقييد الحقوق والحريات إلا وفقًا للدواعي المذكورة في مواد الدستور ذات الصلة، والمادة 14() التي مهّدت بتعديلها الطريق نحو ضمان حماية أفضل للأفراد في مواجهة الدولة، والمادة 19() التي خفضت بتعديلها مدة الحبس الاحتياطي من 15 يومًا إلى أربعة أيام، وذلك في حالة الجرائم التي ترتكب جماعيًا، وكذلك المواد 20(، و 21، و 22) على التوالي، أعادت ترتيب الأسس المحددة لتقييد الحقوق، والمادة 26() المتعلقة بحرية الرأي والتعبير ونشر الأفكار، حُذف منها عبارة "لا تصدر مطبوعات بصيغة لغوية محظورة بموجب القانون"25. ومنذ 2002، تبنّت تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، سياسات يراها البعض ترويجية، هدفها الأساس هو الاتحاد الأوروبي، وليس إيمانًا منها بقيمة الحريات، وذلك على الرغم ممّ تضمنته هذه السياسات من تعديلات ظنّ الكثيرون استحالة تمريرها. فقد عمدت حكومة العدالة والتنمية إلى إلغاء حالة الطوارئ التي كانت مفروضة منذ عام 1987 في إحدى عشرة محافظة من المحافظات ذات الأغلبية الكردية جنوب شرق البلاد26، كما نجحت في رفع الحظر عن الحجاب في المؤسسات الحكومية باستثناء مؤسستَي القضاء والجيش، إذ لم يكن مسموحًا للنساء ارتداء الحجاب الإسلامي في الجامعات أو المؤسسات الحكومية. وجرى السماح للأقليات غير التركية لا سيمّا الكردية بتعلّم لغتها، وفتح قنوات تلفزيونية خاصة بها تبثّ محتواها باللغة الكردية، فضلً عن إصدار قوانين العفو عن الأكراد التائبين، وتشديد العقوبات على من قاموا بالتعذيب في السجون. ووسّعت الحكومة ذاتها حرية التجمعات؛ إذ أعطت تفسيرات أكثر اتساعًا للمادة 34() المتعلقة بالحق في حرية التجمّع السلمي، وذلك بنصّها على: "لكلّ شخص الحق في عقد اجتماعات سلمية غير مسلحة ومسيرات تظاهر دون إشعار مسبق"، علاوة على تعديل المادة 90(دخلت حيز التنفيذ في أيار / مايو عام) التي أ 2004، وذلك بإضافة فقرة أعلت من شأن الاتفاقيات الدولية لتجعلها فوق القوانين المحلية؛ ونصّت الفقرة على ما يلي: "في حال وجود تعارض بين الاتفاقيات الدولية في مجال الحقوق والحريات الأساسية التي تطبّق على النحو الواجب وبين القوانين المحلية نتيجة للاختلافات في الأحكام المتعلقة بالمسألة نفسها تسري أحكام الاتفاقات الدولية." كما أصدرت الحكومة عدة قوانين تصبّ في اتجاه توسيع الحريات؛ وذلك على النحو التالي: حق الفرد في الحصول على المعلومات. السماح بالتعبير السلمي عن الرأي بجميع أشكاله. عدم محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية إلا أثناء الحرب. تعزيز حقوق المرأة السياسية. لغيت في إلغاء عقوبة الإعدام ومحاكم أمن الدولة التي أ 7 أيار / ﻣﺎﻳﻮ.2004 ضمان حرية الصحافة، وتخفيف القيود على حق الإضراب27. هذا بخلاف العديد من التعديلات على قانون العقوبات التركي؛ منها على سبيل المثل، المادة 301() المتعلقة بإهانة الهوية التركية، والتي بسببها جرى الكثير من المحاكمات غير العادلة، وتعديل قانون مكافحة الإرهاب، وذلك لتقليص الحيّز الذي ينطبق عليه تعريف الدعاية الإرهابية بما يتفق مع مطالب الاتحاد الأوروبي الداعية إلى تعزيز حرية التعبير30. وفي أيلول / سبتمبر 2013 أطلقت الحكومة التركية حزمة من الإصلاحات تعزز الحريات المدنية وحقوق الإنسان في البلاد، وذلك بتشديد عقوبة جريمة التمييز والكراهية وعقوبة من يتدخلون في حياة الآخرين ومعتقداتهم من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات، والسماح للمدارس الخاصة بالتدريس بلهجات غير تركية.

  1. اردم توركوزو وحسنو أوندول، 22 دراسة إقليمية حول حرية التجمع في المنطقة الأوروبية المتوسطية (كوبنهاغن: الشبكة الأوروبية - المتوسطية لحقوق الإنسان، 2013)، ص.129
  2. توركوزو وأوندول، ص 8،.9
  3. الشرق الأوسط، العدد)8768(،.2002/11/30
  4. معمر خولي، "الإصلاح الداخلي في تركيا"، 26 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011، ص.26
  5. تركيا تقر تعديلا على قانون الارهاب"، 27 رويترز، 2013/4/12، على الرابط: http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE9B24BM20130412

إلى جانب أنّها أعطت مساحات واسعة من الحريات لم تتحقق منذ انقلاب 1980، يبدو من خلال التعديلات أعلاه، أنّها جاءت مشوبة أولً، بحذر التنفيذ، وذلك ربما لما واجهته الدولة التركية حتى عام 2008 من إرهاب في جنوب شرق البلاد، مما استدعى التحرّك بحذر في ملف الحريات المدنية، وذلك على الرغم من أنّ إطلاق الحريات أمر غير مرهون أو مشروط بمواجهة الدولة للإرهاب من عدمها. وثانيًا، أنّ ذلك الاتساع التدريجي في مجال الحريات على مدار أكثر من عشر سنوات، لم يكن منحة من الحاكم، وإنّ ا وفقًا لتعديلات دستورية وأخرى قانونية رسخت قاعدة وجودها في الفضاء السياسي التركي.

معيار الفصل بين السلطات

يعدّ مبدأ الفصل بين السلطات (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية) بمنزلة المدخل الحيوي لتحديد نوع النظام السياسي القائم، وينطلق ذلك المبدأ في الأساس من باب توزيع السلطات وعدم تركيزها في يد سلطة واحدة، بل توزيعها على عدة هيئات أو مؤسسات كلٌ وفقًا لاختصاصاته؛ فالتشريع تختص به السلطة التشريعية دون غيرها، بينما تختص السلطة التنفيذية بتنفيذ القانون، وتقوم السلطة القضائية بتطبيق ذلك القانون. هكذا يُشكّل مبدأ الفصل بين السلطات حجر الزاوية والأساس الذي تقوم عليه النظم الديمقراطية؛ إذ يؤدي حدوث أيّ خلل في واقعية تحقيق الفصل بين السلطات، بأن تفرض أو تُسيطر مثلً إحدى هذه السلطات على الأخرى، إلى انتقاص كبير في العملية الديمقراطية. وغالبًا ما تأتي الدساتير بمواد أو نصوص مكتوبة تُرسخ نصًا للفصل قر عام بين السلطات؛ فالدستور التركي الذي أ 1982 ثالث دستور منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923 31، اعتمد تركيا بمنزلة دولة ديمقراطية علمانية اجتماعية تخضع لحكم القانون الذي يعتمد مبدأ الفصل بين السلطات؛ إذ تناط السلطة التشريعية بالجمعية الوطنية التركية الكبرى نيابة عن الأمة التركية (المادة 7)، وتناط السلطة التنفيذية برئيس الجمهورية ومجلس الوزراء (المادة 8)، وتمارس السلطة القضائية عن طريق محاكم مستقلة نيابة عن الأمة التركية (المادة)932. بيد أنّ الانتقال من حيّز النصوص إلى التطبيق على أرض الواقع ظلّ محلّ شكوك في الماضي والحاضر وربما المستقبل؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر القانون المتعلق بالأحزاب السياسية الذي جاء عقب انقلاب 1980 صيغ بعبارات مبهمة؛ إذ مُنحت بمقتضاه السلطة القضائية سلطات تقديرية واسعة في تفسيرها33. وعلى أثر ذلك استُخدمت المحكمة الدستورية العليا حينها سيفًا مُسلطًا على رقاب الجميع سواء كانت أحزابًا سياسية بحلّها أو قيادات سياسية بعزلها. هذا بخلاف ما عُرف وقتها بنظام أخذ إذن مجلس الأمن القومي؛ بحيث يتوقف عمل الأحزاب ومشاركتها في العملية الانتخابية إلى حين سماح مجلس الأمن الذي أعطى الإذن بتأسيس الأحزاب. وأُالسياسية الجديدة، انطلاقًا من يوم 15 أيار / مايو عام 1983 غلق حزب تركيا الكبيرة الذي كان يدعمه سليمان دميريل وأنصاره، وذلك رسميًا طبقًا لقرار رقم 79. ولم يسمح المجلس أيضًا لحزب الرفاه الذي أنشئ عام 1983 امتدادًا لحزب السلامة، بخوض انتخابات تشرين الثاني / نوفمبر 1983؛ وذلك باعتراضه على سبعة وعشرين عضوًا من مؤسسي الحزب حتى لا يصل عدد المؤسسين إلى الحدّ الكافي، ومن هنا لا يمكنه خوض الانتخابات34. ومن خلال الوقائع السابقة الذكر، يتضح أنّ الفصل بين السلطات في تركيا إبان فترة انقلاب 1980، كان يشوبه خللٌ واضح في عملية التطبيق، وذلك على الرغم من الورود النصي في وثيقة الدستور، ومع أنّ حكومة بولنت أجاويد حاولت التخفيف نوعًا ما من وطأة الخلل في تطبيق الفصل بين السلطات، والحدّ من هيمنة السلطة التنفيذية المستترة أي سلطة العسكريين، والهيئة القضائية العليا أيضًا، فإنّ التعديلات جاءت محدودة ومتعلقة أكثر بالحريات والنظام السياسي كما أوضحنا سلفًا، وذلك دون الوصول إلى فصل موضوعي بين السلطات. ومع مجيء حكومة العدالة والتنمية، كان السعي واضحًا نحو الحد من نفوذ الهيئة القضائية بمحاكمها العليا التي تنصِّب نفسها وصيًا على القيم العلمانية بوصفها جوهر النظام السياسي. ولكن، اصطدمت مساعي الحكومة مع أحكام المحكمة الدستورية العليا، لا سيمّا بشأن حزمة الإصلاحات التي قام البرلمان بتمريرها عام 2010؛ إذ رفضت المحكمة اقتراحًا بتقليص صلاحيات الهيئات القضائية العليا، ولكنّها وافقت على بعض التعديلات، منها: ما ضمن الاستقلال

  1. 29 أماني فهمي وآخرون، "دستور تركيا"، في: دساتير العالم، ط 1 (القاهرة: المركز القومي
  2. بينار أيدنلي، "رئيس الوزراء التركي يحذر القضاء من مهاجمة الاصلاحات"، 30 رويترز، 23 آذار/مارس 2010، على الرابط: http://ara.reuters.com/article/newsOne 31 محمد نور الدين، تركيا في زمن المتحول (بيروت: دار رياض الريس، 1996)، ص.63
  3. 28 كانت الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا قد اعتمدت في 20 نيسان/أبريل 1924 دستور عام 1924 الذي حدد السيادة الوطنية وسيادة الدستور والعلمانية أساسًا للجمهورية.
  4. للترجمة، 2011)، ص.12

المادي للمجلس الأعلى للقضاء، وإنشاء لجان داخلية تمكّنه من العمل في مساحات أكثر اتساعًا. وعلى الرغم من المحاولات التي يسميها العدالة والتنمية إصلاحًا يُرسخ به مبدأ الفصل بين السلطات، وذلك بإصراره على اتخاذ خطوات تُقلص نفوذ المؤسسة القضائية، بعدما حقق نجاحًا نسبيًا في ما يتعلق بالحدّ من النفوذ العسكري، وهو ما سنتناوله لاحقًا، فإنّ خطواته جاءت مصحوبة بتجاوزات أحيانًا، بل وبخطوات إلى الوراء أحيانًا أخرى35؛ ففي شباط / فبراير 2014 مرر البرلمان التركي تعديلً على قانون مثير للجدل يعطي الحكومة مزيدًا من النفوذ على جهاز القضاء وتعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى؛ إذ تسعى الحكومة على ما يبدو من خلال هذه الإجراءات الجديدة إلى وضع المجلس الأعلى للقضاء وعناصر الادعاء العام تحت سيطرة وزارة العدل. وبناءً على هذه التعديلات، انهالت الاتهامات بأنّ حكومة العدالة والتنمية تُحدث إخلالً كبيرًا بمبدأ الفصل بين السلطات لمصلحتها، فقد اشتد الخلاف بين الاتحاد الأوروبي والحكومة التركية بخصوص قضية الفصل بين السلطات، وباتت الموضوع الأكثر إثارةً في تركيا، بخاصة وأنّها مررت عقب قضية الفساد الكبرى في كانون الأول / ديسمبر 2013؛ إذ طالب رئيس الاتحاد الأوروبي، هيرمانفانرومبوي الحكومة التركية، بالعمل على تمكين القضاء التركي من العمل "من دون تمييز ولا محاباة وبشكل شفاف ومن دون تحيز." كما أبدى رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويلبا روسو، قلقه إزاء تأثير الحكومة في القضاء التركي36.

يبدو واضحًا أنّ السلطة التنفيذية في تركيا، المتجسدة الآن في حكومة العدالة والتنمية، والرئيس أردوغان الذي يجلس في سدة الحكم بانتخابات شعبية، يريدان السيطرة على السلطة القضائية. وقد ازداد ذلك الوضوح أخيرًا عندما جرت التعديلات على هيكلة المجلس الأعلى للقضاء ومنح صلاحيات أوسع لوزير العدل. وعلى الرغم من ذلك، فإنّه يمكن رؤية ما جرى كما يراه العدالة والتنمية وكثير ممّن يحفّزون استخدام مخالب الديمقراطية للدفاع عنها، على أنّه المعركة الثانية التي يخوضها العدالة والتنمية لترسيخ الديمقراطية في البلاد، وذلك بعدما حالفه الحظ في معركته الأولى التي استمرت سنوات مع العسكريين. ولكن نظرًا لكون الخصم الحالي هو السلطة القضائية وهي بخلاف العسكريين من حيث أنّها سلطة أكثر شرعية، ممّ يُنبئ بمعركة ربما أكثر شراسة؛ إذ لن ينظر إليها على أنّها محاولات إصلاح بقدر ما هي محاولات لسيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.

معيار السيطرة المدنية على العسكريين

عاشت الجمهورية التركية على مدار عقود متتالية، جوًا مليئًا بالانقلابات والدسائس العسكرية في الفضاء السياسي، والتي بدورها أثّرت سلبيًا، بإطالة أمد عملية التحوّل الديمقراطي في البلاد؛ ففي عام 1960، قاد رئيس الأركان جمال كورسل أوّل انقلاب عسكري ضد الحكومة المنتخَبة آنذاك، والتي كان يقودها عدنان مندريس، وفي عام 1963 قام الكولونيل طلعت آيدمير بمحاولة انقلابية فاشلة، أدّت إلى إعدامه 1964 37. وفي عام 1971، حَصل انقلاب (المذكرة.) ووقع عام 1980 الانقلاب الدموي لكنعان إيفيرين الذي جاء بدستور مقَوِّض القيم الديمقراطية ومُرسِّخ الوجود العسكري في السياسة. وفي عام 1993، حدثت سلسلة وفيات أثارت حولها العديد من الشبهات؛ فقد اتُّهم فيها أفراد من الجيش؛ كوفاة الرئيس تورغوت أوزال وعدد من الشخصيات التي دعمت مساعيه للسلام مع حزب العمال الكردستاني. كما شهد عام 1997، وتحديدًا في 28 شباط / فبراير ما سُمي بانقلاب "ما بعد الحداثة"، ضد حكومة نجم الدين أربكان ذي التوجهات الإسلامية، وذلك بإجباره هو وحكومته على الاستقالة، علاوةً على أنّ هناك اتهامات بمحاولات انقلابية ضد حكومة العدالة والتنمية الحالية، عامَي 2007 و.2009 وقد صاحبت هذه الانقلابات، بخاصة الواقعة مع بدايات الستينيات والثمانينيات، وثائق دستورية وقانونية، أدّت إلى استفحال وجود

  1. محمد نور الدين، '"تقية' أردوغان والفصل بين السلطات"، 32 السفير،.2012/12/21
  2. إيما بونينو، "المفوضة الأوروبية ووزيرة خارجية إيطاليا سابقا: إنضمام تركيا للاتحاد وكالة إنتر بريس سيرفس، على الرابط الأوروبي.. طريق طويل ووعر"،: http://www.ipsinternational.org/arabic/print.asp?idnews=3192
  3. طارق محمد نور، "الانقلابات العسكرية..التجربة التركية"، شبكة ال 34 وررق، 2009/12/24، على الرابط: http://goo.gl/yizqth

العسكريين في الحياة السياسية التركية؛ ففي أعقاب انقلاب 1960 جاء قانون عمل الجيش بخاصة في مادته ال 35() منه ليضع إطارًا قانونيًا يزيد إحكام القبضة العسكرية على الحياة السياسية، وذلك بأن أعطى القانون القوات المسلحة الحق في التدخّل لاستلام السلطة في حال وجدت الجمهورية والديمقراطية معرضتيَن للخطر38. فيما يُعدّ انقلاب 1980 إلى جانب ما أهدره من دماء تركية قُدرت بالآلاف، وكذلك تعزيزه مكانة الجيش وتأثيره في الدستور، المؤسس لما يُعرف بالديمقراطية الموجّهة، بوصفها شكلً جديدًا من أشكال الديمقراطية يعمل فيها الجيش بوصفه حاكمً غير منتخب، وذلك بتحديده قواعد اللعبة السياسية من وراء ستار39. فكان تعديل المادة 118() من دستور 1961، بأن زاد عدد الأعضاء العسكريين في مجلس الأمن القومي (مجلس كان قد تشكّل في دستور 1961، ويتألف من عسكريين ومدنيين.) وجرى تغيير صفة قرارات المجلس من كونها توصيات يدفع بها إلى مجلس الوزراء إلى قرارات يُعلن بها مجلس الوزراء، وبذلك احتفظ لنفسه بسلطة الاعتراض دون إبداء الأسباب. وعلى الرغم من أنّ هذا المجلس هو من الناحية الرسمية هيئة استشارية، لم يحدث أن اتخذت الحكومة قرارًا يتناقض مع قراره40. فضلً عن مواد قانونية أخرى رسّخت الوجود العسكري في السياسة؛ فجاءت المادة 4() من قانون مجلس الأمن القومي، لتمنح المجلس وأمانته العامة مهام رقابية وتقييمية لكلّ كيانات القوى الوطنية. وأوجبت المادة 15() أن يكون الأمين العام للمجلس عسكريًا برتبة فريق، علاوةً على المواد 9(، و 14، و 19) التي منحت الأمانة العامة للمجلس الحق في الحصول على المعلومات والوثائق السرية بكلّ درجاتها، والمادة 30() من قانون الجهاز المحاسبي التي أعفت الكوادر العسكرية من الخضوع للرقابة المالية، وأخيرًا المادة 125() من الدستور التي أعطت المؤسسة العسكرية دون غيرها أحقية فصل كوادرها، وعدم جواز الطعن على قراراتها أمام القضاء المدني. وقد شهدت السنوات الأخيرة في تركيا جهودًا مهمة في ما يتعلق بإحكام سيطرة المدنيين على العسكريين؛ فالمادة 35() السابقة الذكر قد أعاد البرلمان صوغها في تموز / يوليو 2013 لتحدّ من مجال تدخّل القوات المسلحة في الحياة السياسية؛ إذ حددت دورها ب"الدفاع عن المواطنين الأتراك ضد التهديدات والمخاطر المقبلة من الخارج"، والردع الفاعل، والمشاركة في العمليات الخارجية التي يقرّها البرلمان، وذلك بدلً من "صيانة الجمهورية التركية وحمايتها"41.

حقيقة، فإنّ بدايات السيطرة المدنية على العسكريين ترجع إلى حكومة بولنت أجاويد، وحزمة الإصلاحات التي أقرتها، والتي كان على رأسها تعديل المادة 118()، لتحدّ من التكوين العسكري لمجلس الأمن القومي، وذلك بزيادة عدد أعضاء المجلس؛ بحيث جرى إدراج عضوية وزير العدل ونائبي رئيس الوزراء. وهي إضافة رجحت كفة المقاعد المدنية داخل المجلس من الناحية العددية. كما شملت التعديلات طبيعة قرارات مجلس الأمن الوطني؛ فجرى إلغاء نص "يراعي مجلس الوزراء قرارات المجلس بعين الاعتبار الأولى"، وتحوّل إلى "يقوم مجلس الوزراء بتقييم قرارات مجلس الأمن الوطني"42. وما إن حلّ عام 2002 بتولّ حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية سدة الحكم، توالت دفعات الإص حاا، فكانت دفعة إصلاحات حزيران / يونيو 2003 التي جاءت استكمالً لما بدأته حكومة أجاويد، بوضع حدٍ لتدخلات المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي؛ فجرى تعديل المادة 4() من قانون مجلس الأمن القومي، والتي كانت تُكلّف المجلس وأمانته العامة بمهام المتابعة والتقييم الدائم لعناصر القوى الوطنية، ومتابعة أوضاع الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتقنية انطلاقًا من أنّ المجلس هو الحامي للنظام الدستوري، والقائم على توجيه القيم الوطنية نحو المبادئ الأتاتوركية.

  1. محمد نور الدين، 35 تركيا الجمهورية الحائرة: مقاربات في الدين والسياسة والعاقات الخارجية (بيروت: مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق،.)1998
  2. لوريل إي ميلر وجيفري مارتيني، "ﺍﻟﺗﺣﻭﻝ ﺍﻟﺩﻳﻣﻘﺭﺍﻁﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺍﻟﻌﺭﺑﻲ.. ﺗﻭﻗﻌﺎﺕ
  3. معتز محمد سلامة، "الجيش والسياسة في تركيا"، مجلة السياسة الدولية، العدد 131، 1998، ص.124 " برلمان تركيا يحد من نفوذ الجيش"، 38 الجزيرة نت،.2013/7/18
  4. مؤسسة راند ﻭﺩﺭﻭﺱ ﻣﺳﺗﻔﺎﺩﺓ ﻣﻥ ﺣﻭﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ"،، 2013، ص.12
  5. طارق عبد الجليل، "الساسة والعسكر في تركيا: واقع العلاقة ومآلها"، 39 مركز دراسات الجزيرة،.2012/10/16

وقد اقتصرت مهامّ المجلس وفقًا للتعديلات الجديدة على رسم سياسة الأمن الوطني وتطبيقها وإخبار المجلس بآرائه، ثم ينتظر ما يسند إليه من مهام ليقوم بتنفيذها ومتابعتها. وبهذه الكيفية يكون مجلس الأمن القومي وأمانته العامة قد تحولّا إلى جهاز استشاري، وفقدا الكثير من وضعيتهما التنفيذية43. كما جرى تعديل المادة 125() من الدستور؛ فتضمنت التعديلات الجديدة إمكانية طعن العسكري المتظلم، من قرار مجلس الشورى العسكري، أمام القضاء المدني، وتعديل المادّة 15()، ليتاح محاكمة العسكريين على الرأي العامّ، بما يعني إمكانية محاكمة قادة انقلاب 12 أيلول / سبتمبر عام 1980 44. فضلً عن تعديل المادة) 30(من قانون الجهاز المحاسبي التي كانت تعفي الكوادر العسكرية من الخضوع للرقابة المالية لتصبح المؤسسة العسكرية وكوادرها خاضعين لإشراف الجهاز المركزي للمحاسبات45، كما جرى إجراء تعديل دستوري بتاريخ 7 أيار / مايو 2004 على المادة 131() الخاصة بالمجلس الأعلى للتعليم؛ إذ جرى إلغاء عضوية الجنرال العسكري داخل مجلس إدارة المجلس الأعلى للتعليم، وبتعديل دستوري آخر في آب / أغسطس 2004 جرى إلغاء الفقرة الخاصة بعضوية الجنرال العسكري داخل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وجرى إلغاء المواد 9()، و 14(19()، و)؛ وذلك بسحب حق الحصول على المعلومات والوثائق السرية بكلّ درجاتها، من الأمانة العامة إلى مجلس الأمن الوطني عند طلبها من الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات ورجال القانون. وشملت التعديلات الدستورية والقانونية أيضًا السماح برفع الدعاوى القضائية لاستجواب الجنرالات القدامى ومقاضاتهم بشأن قضايا الفساد، والسماح للعسكريين بالإدلاء بالتصريحات الإعلامية فقط في المجالات التي تتناول الشأن العسكري والأمني، وتحت إشراف السلطة المدنية، وجرى أيضًا إلغاء إمكانية محاكمة المدنيين داخل المحاكم العسكرية. وفي 27 نيسان / أبريل 2007، نجح حزب العدالة والتنمية في تحدّي الجيش؛ وذلك عندما أراد عرقلة وصول عبد الله غول إلى رئاسة الجمهورية، فكان الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة في شهر تموز / يوليو من العام نفسه، ما انتهى إلى ردة فعل شعبية شديدة ضد العسكريين؛ إذ ارتفعت نسبة التأييد الشعبي للحزب من %34 عام 2002 إلى قرابة ال%47 في الانتخابات النيابية، ومن ثمّ انتخاب غول لرئاسة الجمهورية. وبكلّ التعديلات والإجراءات أعلاه، يمكن القول إنّ الدولة التركية قد حققت قفزات مهمة إلى الأمام، إلى أن أصبحت العلاقات المدنية العسكرية تتقارب مع المعايير السائدة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي46. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن الجزم بأنّ التدخّل العسكري في الحياة المدنية قد ولّ، فإنّ خطر الانقلابات العسكرية يظل قائمًا إلى حين تحقيق أمرين: أوّلهما داخلي يتعلق بتحقيق عدة أمور على رأسها الدستور الجديد، يليه ترسيخ عقيدة حماية الحدود والدفاع عن الوطن بأدمغة العسكريين الجدد. وثانيهما، خارجي يتعلق باستمرار القبول الغربي ببقاء العدالة والتنمية على رأس السلطة.

معيار الثقافة الديمقراطية المجتمعية

لا شكّ في أنّ الحكم على بلادٍ ما بأنّها ديمقراطية أو في سبيلها للترسيخ الديمقراطي، ليس بالأمر اليسير، فإلى جانب ضرورة توافر المبادئ السابقة (الحقوق السياسية، والحريات المدنية، والفصل بين السلطات، والسيطرة المدنية على العسكريين)، يجيء مبدأ الثقافة المجتمعية بالديمقراطية، ليُكمل منظومة الحكم الصحيح على أنّ بلادًا ما في طريقها للديمقراطية من عدمها. وتعني الثقافة المجتمعية بالديمقراطية، أن يكون لدى الأفراد إيمانٌ حقيقي ﺑقيم الديمقراطية، وإدراكٌ لأهميتها دون غيرها في تسيير الحياة السياسية؛ وهو ما يؤكّده خوان لينز بقوله: "تتعمق الديمقراطية عندما تؤمن أغلبية كبيرة من المواطنين بأنّ إجراءات ومؤسسات الديمقراطية هي الوسيلة المُثلى لتسيير الحياة العامة." ومن منطلق أنّ الثقافة الديمقراطية تنمو لدى الأفراد تدريجيًا؛ وذلك عبر عوامل عدة على رأسها الاستمرارية في التطبيق المقترن باحترام نتائج إفرازاتها، فيمكن القول إنّ الأجيال الحالية من المجتمع التركي تربّت على ثقافة التعددية السياسية التي رُسخت منذ عام.1946 وما أفرزته هذه الثقافة من تعددية حزبية وإجراءات انتخابية نيابية وبلدية اعتاد المواطن التركي على ممارستها طوال عقود مضت، عمّقت إلى حدٍ كبير الوعي بالديمقراطية؛ فحتى الانقلابات العسكرية التي حدثت لم تكن لأجل الحكم وإنّ ا لأسبابٍ تتعلق في كثير منها بالمحافظة على العلمانية الأتاتوركية، مستندةً في ذلك إلى نصوص

  1. المرجع نفسه.
  2. محمد فتحي، "العسكر والسياسة في تركيا 2-2':' كيف نجح أردوغان في تقليم نفوذ ساسة بوست العسكر؟"،، 2014/5/29، على الرابط: http://www.sasapost.com/how-erdogan-ended-military-role-in-politics/
  3. خولي.
  4. بونينو.

دستورية هي التي أباحت للجيش التدخّل؛ في حال استشعر وجود مخاطر حقيقية على أسس الدولة العلمانية، سواء من قبيل إقحام الدين في الممارسة السياسية، أو مخاطر جادة تهدّد الأمن القومي للبلاد من قبيل التمرد الكردي47. علاوةً على ذلك، فإنّ الإجراء الانتخابي في تركيا تعمّق إلى مستويات أكثر اتساعًا بخلاف انتخابات البرلمان؛ ففي تركيا يجري انتخاب محافظي العواصم والمناطق، وأعضاء مجالسها المحلية في المدن، وانتخاب العُمَد ومجالس الشيوخ في المناطق الريفية وحتى في المحلات التي داخل المناطق الحضرية. انعكس ذلك الاتساع إيجابيًا على الثقافة المجتمعية بأهمية ممارسة الإجراء الانتخابي وثقافة الصندوق بوصفه أحد الأعمدة الرئيسة في البناء الديمقراطي. ومع تصاعد النموّ الاقتصادي التركي في العقد الأخير تقلّصت الفوارق الاقتصادية بين السكان؛ فتحوّلت البلاد، لأول مرة، إلى مجتمع تعدّ الطبقة الوسطى فيه هي الأغلبية؛ بما انعكس إيجابيًا على فرص التنمية السياسية، وتتوافق هذه التطورات مع "نظرية التحديث القائلة إنّ التنمية الاقتصادية تؤدي إلى مزيد من الديمقراطية"؛ إذ تميل البلدان التي تتوسع فيها الطبقة الوسطى إلى التنوع والتعددية والحكم الديمقراطي، بما في ذلك السياسة التوافقية واحترام حقوق الأفراد والأقليات"48. وإلى جانب الدور الذي قام به الصندوق الانتخابي في تعويد المواطن التركي على ممارسة الإجراءات الديمقراطية، وازدياد فرص التنمية السياسية نتيجةً لاتساع قاعدة الطبقة الوسطى، يحضر وبقوة دور المجتمع المدني في تعميق ثقافة الفرد التركي بأهمية الديمقراطية؛ فقد شرعت تركيا عام 2004 في إصدار عدد من التشريعات لمصلحة منظمات المجتمع المدني، من أجل زيادة فاعليته49؛ ومنها قانون المنظمات المدنية الذي أعطى للمجتمع المدني مساحاتٍ جيدة للعمل ضمن قوالب آليات صنع القرار، علاوةً على منحه حق المشاركة في اللجان البرلمانية والاعتراض على القوانين. إضافةً إلى ما سبق من دلائل على سمة وجود ثقافة مجتمعية بالديمقراطية لدى المواطن التركي، فإنّ المتابعة الدقيقة للتغيرات الكمية لمدى مشاركة المواطنين الأتراك في إجراءات الديمقراطية، ربّ ا تقود إلى قياس أكثر دلالة على أنّ المجتمع التركي يعي أهمية الديمقراطية وقدرتها على تسيير حياته العامة؛ فحجم الإقبال على الصناديق من شأنه أن يبين لنا مدى تمسّك الأفراد بالديمقراطية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية عام 2011 %87، وبلغت في الانتخابات المحلية الأخيرة %89، وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة بلغت نسبة المشاركة %73.850. وقد يكون تراجع الإقبال على الانتخابات الرئاسية نظرًا لأنّ اختيار المجتمع التركي رئيسه مباشرةً أمر جديد، لذا من المتوقع ارتفاع نسبة المشاركة مستقبلً. وعلى الرغم من ذلك، جلبت الديمقراطية استقطابًا ربما يحتاج إلى مواصلة ﺍﻟمساعي ﺍﻟﺭﺍﻣﻳﺔ إلى إﻳﺟﺎﺩ ﺳﺑﻝ لاستيعاب ﺍﻟﻣﺻﺎﻟﺢ ﺍﻟﻣﺗﺑﺎﻳﻧﺔ، فلا تزال ﺗﺭﻛﻳﺎ ﻣﻘسمة ﺑﻳﻥ ﻣﻭﺍﻁﻧﻲ ﺍﻟﺳﺎﺣﻝ ﺍﻟﻐﺭﺑﻲ ﻭﺍﻟﻁﺑﻘﺔ ﺍﻟﻭﺳﻁﻰ

ﺍﻟﺫﻳﻥ ﻳﺅﻳﺩﻭﻥ ﺍﻟﺳﻳﺎﺳﺎﺕ ﺍﻟﻣﺣﺎﻓﻅﺔ الاجتماعية ﺍﻟﺻﺎﻋﺩﺓ ﺍﻟﺗﻲ ﻳﻔﺿﻠﻬﺎ

ويبقى أنّ هناك نموًا ملحوظًا بشأن الثقافة الديمقراطية في المجتمع ال كيرر، مما ينعكس إيجابيًا على مدى تمسّك الأتراك بحقوقهم الديمقراطية، وصعوبة التخلي عن إجراءاتها وقيمها؛ فذلك التمسّك بإجراءات الديمقراطية ومؤسساتها، قد يكون عاملً دفاعيًا ضد تحديات استمرار عملية التحول الديمقراطي أو معوقاتها، أو أخذها في طريق بعيد عن محطة الترسيخ الديمقراطي.

رصد ملامح الديكتاتورية في تركيا وتقييمها

على الرغم من كمّ الإصلاحات السياسية التي حدثت في تركيا منذ الألفية الجديدة، والتي أشرنا إليها أعلاه، وذلك في ضوء تماشيها مع معايير الاتجاه إلى الترسيخ الديمقراطي، فإنّ وصول رئيس الوزراء السابق أردوغان في آب / أغسطس 2014 إلى قصر الحكم وبقاء حزبه (العدالة والتنمية) لأكثر من أحد عشر عامًا متصدرًا رئاسة الحكومة التركية، أثارا تخوّفًا وقلقًا مما ستسفر عنه نتائج المحطة

  1. فؤاد السعيد، "التحيزات الأيديولوجية في القراءة العربية للنموذج التركي"، مجلة 44 شرق نامه، العدد 7، (كانون الثاني/يناير.)2011
  2. عماد قدورة، "الديمقراطية المحافظة ومستقبل العلمانية التركية"، 45 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، (كانون الأول/ديسمبر 2014)، ص.5
  3. عبد المعطي زكي، "دور المجتمع المدني في تركيا بين عهدين.. رؤية تحليلية"، 46 موقع آسيا الوسطى، على الرابط:
  4. علي حسين باكير، "تركيا الجديدة: قراءة في نتائج الانتخابات الرئاسية وانعكاساتها مركز الجزيرة للدراسات المستقبلية"،، 14(آب/أغسطس.)2014 48 ميلر ومارتيني، ص.28
  5. http://www.asiaalwsta.com/NeighboringCountriesDetails.asp?NCID=12527

النهائية لعملية التحوّل الديمقراطي في تركيا؛ إذ تعالت الأصوات ضجيجًا بأنّ تركيا تعاني ردةً ديمقراطية، وأنّها في الاتجاه إلى الترسيخ للديكتاتورية. وقد دعم هؤلاء تخوفاتهم بحزمة من التغيرات التي طرأت على المشهد التركي في الآونة الأخيرة، بخاصة ما بين عامَي 2013 و 2014. وتتلخص أغلب هذه التغيرات في ما بين الحريات المدنية لا سيمّا حرية الصحافة والتعبير، وقضية الفصل بين السلطات. وفي ما يلي أبرز التغيرات التي أثارت قلقًا بخصوص مصير المحطة النهائية لعملية التحوّل الديمقراطي في تركيا.

تغيرات تتعلق بالحريات المدنية

كانت الحكومة التركية في 28 أيار / مايو 2013، قد أرسلت قوات الشرطة لمهاجمة المتظاهرين ضد سياساتها في "جيزي بارك" في إسطنبول، وأسفر الهجوم عن مقتل حوالى خمسة وإصابة الكثيرين، علاوةً على فصلها 981 صحفيًا من عملهم، وإرغامها 56 آخرين على تقديم استقالاتهم، ورفعها عددًا كبيرًا من الدعاوى القضائية ضد الصحفيين51. وفي آذار / مارس 2014، أصدرت المحكمة قرارًا بحجب موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" لانتهاكه الحرية الخاصة بناءً على شكوى من المواطنين، كما قررت محكمة الصلح والجزاء في أنقرة حجب موقع "يوتيوب." ولكنّها في نيسان / أبريل من العام نفسه رفعت قرار الحجب، واعترفت المحكمة بأنّ إغلاق "يوتيوب" هو خرق لحرية المواطنين. وفي كانون الأول / ديسمبر 2014، جرى اعتقال قرابة الثلاثين صحفيًا ممّن يعملون في صحيفة "زمان" المحسوبة على جماعة الخدمة التابعة إلى فتح الله غولن52. فضلً عن محاولات تمرير مشروع قانون كان قد وقّعه الرئيس السابق عبد الله غول، يمنح رئيس الوزراء والوزراء صلاحيات حجب المواقع الإلكترونية بحجة حماية الأمن القومي، وذلك دون إصدار أمر من المحكمة53. وقد عضدت مجموعة من التقارير الدولية، اتّجاه تركيا إلى الديكتاتورية، وذلك بما أظهرته من نتائج تشير إلى أنّ تركيا تشهد في الآونة الأخيرة حالةً من التراجع بشأن الحريات لا سيمّا حرية الصحافة، وذلك بسبب تدخلّاتٍ مباشرة من الحكومة في شؤون أعمالها وعامليها. ومن هذه التقارير الدولية ما يلي: تقرير "اللجنة الدولية لحماية الصحافيين لعام 2012" الذي أفاد بأنّ ستةً وسبعين صحفيًا خلف القضبان، وذلك حتى تاريخ 21 آب / أغسطس 2012، وأنّ معظمهم ينتمي إلى الأقلية الكردية55، علمً بأنّ الحكومة التركية ردّت بأنّ كلّ الصحفيين المذكورين اعتقلوا في ظروفٍ جنائية لا علاقة لها بالعمل الصحفي نهائيًا. تقرير مؤسسة "فريدوم هاوس" عن حرية الصحافة في 2013، والذي صدر في أيار / مايو عام 2014، خفض مرتبة تركيا من فئة البلدان "الحرة جزئيًا" إلى فئة البلدان "غير الحرة "56. تقرير صدر في أيلول / سبتمبر 2014 عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بأنّ تركيا تشهد تراجعًا مقلقًا في مجال الحريات المدنية وحقوق الإنسان، متّهمً حكومة العدالة والتنمية بأنّها عمدت إلى انتهاك القانون أثناء تعاملها مع المعارضة السياسية، وإخماد الأصوات المنتقدة، واستخدام العصا الغليظة57. استطلاع رأي لمؤسسة "جالوب" العالمية المتخصصة في قياس الرأي العام والحريات الصحفية، أشار إلى وجود ضغوطات تمارسها القنوات الحكومية على المؤسسات الصحفية التركية، وأنّ المستهدف الأوّل هو القطاع الخاص، وأنّ بعض الإعلاميين الأجانب العاملين في تركيا بدّل مكان عمله لهذه الأسباب58. "مراسلون بلا حدود" Reporters Without Borders تقرير لعام 2014، قال "إنّ في تركيا يقبع عشرات الفاعلين الإعلاميين في السجون تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، لا سيمّا عندما يتعلق الأمر بتغطية القضية الكردية59، وقد تراجعت تركيا من المركز 99 عام 2002 إلى المركز 154 خلال عام 2013 بالنسبة إلى

  1. فصل 981 صحفيا تركيا في 6 سكاي نيوز العربية أشهر"،، 2014/7/15، على الرابط: http://www. skynewsarabia.com/ web / article
  2. سمير صالحة، "جالوب تنتقد الحريات الصحفية في تركيا"، مكة 55 أون لاين،.2014/8/2
  3. الشرق الأوسط، العدد 13207،.2015/1/25
  4. أحمد فال الدين، "تركيا.. هل أصبحت الحرية ضحية النجاح الاقتصادي؟"، 52 مركز الدوحة لحرية الإعام، 2012/11/19، على الرابط: http://www.dc4mf.org/ar/content/2788
  5. ﭼﻨﮕﯿﺰﭼﺎﻧﺪار، "وزارة اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ اﻷﻣﯿﺮﻛﯿﺔ ﺗﺴﺘهجن رﻓﺾ داود أوﻏﻠﻮ اﻟﺘﻘﺮﯾﺮ ﻋﻦ ﺣﺮﯾﺔ المونيتور اﻟﺼﺤﺎﻓﺔ"،،.2014/5/7 54 تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش.
  6. احتجاز صحفية يثير الجدل بشأن الحريات في تركيا"، 50 الجزيرة نت، 2015/1/9، http://www.aljazeera.net/home/print-
  7. مراسلون بلا حدود، "التصنيف العالمي 2014"، على الرابط: https://rsf.org/index2014/ar-index2014.php

حرية التعبير عن الرأي60. ولكن في عام 2015 صنَّفت جمعية "مراسلون بلا حدود" بتقريرها الذي حمل عنوان "مؤشر حرية الصحافة في عام 2015"، الدولة التركية بحسب التطورات التي شهدها مجال الإعلام حتى شهر تشرين الأول / أكتوبر 2014 في المرتبة ال 149 بين 180 دولة، وذلك بزيادة 1.71 نقطة، بعد أن كانت في المرتبة ال 154 في تقرير العام الماضي61. وأوضح التقرير أنّ سبب وصول تركيا إلى هذه المرتبة هو إطلاق سراح 40 صحفيًا خلال عام.2014 تقرير "حرية الصحفيين الأوروبي السنوي" الذي صدر في حزيران / يونيو 2013، يقول إنّ تركيا تحوّلت إلى أكبر سجن للصحفيين؛ إذ تسجن حاليًا 69 صحفيًا62. يبدو ممّ سبق، أنّ ثمة إجماعًا بأنّ تركيا تشهد تضييقًا على حرية الصحافة والتعبير، وعلى الرغم ممّ يُساق من مبررات حكومية حول خصوصية الحالة التركية، بأنّها من أكثر الدول تعرّضًا لانقلابات عسكرية بمباركة من تكتلات اقتصادية نفعية، علاوةً على أنّها دولة ذات تركيبة مجتمعية معقدة بعض ال ءيي%20(أكراد)، وكانت عرضة لتحديات إرهابية لأعوام مضت، فإنّ الثابت هو حدوث تراجع لحريات الصحافة والتعبير في تركيا، ما يستوجب تدارك ذلك التراجع، علمً بأنّ تركيا حققت تقدمًا طفيفًا وفقًا لتقرير جمعية "مراسلون بلا حدود" لعام 2015، كما أوضحنا أعلاه. وعلى الرغم من ذلك، يبقى من الصعب أن يقود ذلك التضييق على الحريات الصحفية إلى القول باتّجاه تركيا إلى الديكتاتورية؛ وذلك لأنّ التضييق على الحريات بخاصة الصحفية منها أمر ذو تقديرات متباينة، ويختلف قياسه من دولة إلى أخرى، ومن تقرير إلى آخر، ويرتبط أكثر بالوضع السياسي الحاصل؛ كأن يُ نع النشر في قضية ما لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وذلك لفترة زمنية معيّنة. وعليه، فإنّ حجة ردة الديمقراطية في تركيا بناءً على ممارسات حكومية تتعلق بالتضييق على الصحافة، لا يمكن أن تكون مقياسًا منهجيًا أو منطقيًا يمكن الارتكاز عليه بأنّ تركيا في سبيلها للترسيخ الديكتاتوري، نظرًا لتأرجحها ضيقًا واتساعًا تبعًا للعوامل والمعطيات؛ فمثلً، شهدت تركيا في عام 2014 تراجعًا عن كثير من المواقف التي تتعلق بالتضييق على الحريات الصحفية كانت اتخذتها في عام 2013، كالتراجع في قانون الإنترنت، وحظر موقعَي "تويتر" و"اليوتيوب"، وقانون يزيد من صلاحيات "وكالة الاستخبارات الوطنية."

تغيرات تتعلق بالفصل بين السلطات

أجرت حكومة العدالة والتنمية في الفترات الأخيرة مجموعة من التعديلات التي تتعلق بالهيئة العليا للقضاء، يراها كثيرون محاولة من الحكومة للسيطرة على القضاء؛ إذ كان وزير العدل ونوّابه، ضمن سبعة أعضاء أصلاء، إضافةً إلى خمسة مؤقّتين، يشكّلون الهيئة العليا للقضاء. ولكن، بموجب التعديل الأخير الذي جاءت به حكومة العدالة والتنمية، وصل عدد أعضاء الهيئة إلى 32 عضوًا، 22 منهم أصلاء، و 10 نوّاب، يحقّ لرئيس الجمهورية تعيين أربعة منهم، وبذلك ستزداد صلاحيات وزير العدل في التأثير في دور الهيئة العليا للقضاء وفعاليتها، ما يعني زيادة تأثير الحكومة بوصفها السلطة التنفيذية والمتجسدة في وزير العدل على السلطة القضائية63. فضلً عن محاولات التسلل التي نجح فيها العدالة والتنمية، وذلك بفوز مرشّحيه أو بالأحرى مرشحين يؤيدهم، بغالبية مقاعد المجلس الأعلى للقضاء المسؤول عن عمليات التعيين والنقل والترقّي والفصل لكبار الشخصيات القضائية، "فقد أظﻬﺮت ﻧﺘﺎﺋﺞ اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت اﻟﻤجلس التي أجريت في 12 تشرين الأول / أكتوبر 2014، فوز مؤيدي الحزب ﺑﺜﻤﺎﻧﻴﺔ ﻣقاعد ﻣﻦ أﺻﻞ ﻋﺸرة"، وقد أﺛﺎرت هذه اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ الشكوك لدى الكثيرين، واﺗﻬﺎﻣﺎت ﻣﻦ اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ في البلاد، ﺑﺄنّ اﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ اﻟﺴﻠطات ﻓﻲ ترﻛﻴﺎ ﻣﻬدَّد أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أيّ وقت ﻣﻀﻰ64، وذلك على الرغم من أنّ اختيار هؤلاء جرى وفقًا لأسس الانتخاب الديمقراطي السليم من بين 14 ألف من رجال القضاء أدلوا بأصواتهم. ولكن ما أعقب ذلك الفوز من إجراءات بإسقاط الادعاء التركي قضية الفساد التي كانت ضد 53 شخصًا بينهم أبناء وزراء سابقين، ليضع بذلك نهاية لقضية لاحقت الدائرة المقرّبة للرئيس أردوغان65، وكذلك ما أوردته وكالة الأناضول للأنباء بأنّ أربعة مدّعين أتراك رفيعي المستوى حققوا في فضائح الفساد جرتْ إقالتهم من مناصبهم لأسباب تأديبية، أثار القلق بأنّ الحكومة أخذت في السيطرة على السلطة القضائية.

  1. خورشيد دلي، "تصدع بنيان حكم أردوغان"، الوحدة الإسامية، العدد 145، (كانون الثاني/يناير 2014)، على الرابط: http://www.wahdaislamyia.org/issues/145/kdali.htm
  2. مراسلون بلا حدود، "التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2015: حرية الإعلام عُرضة للانتهاكات في كل قارات العالم"، شباط/فبراير 2015، على الرابط:
  3. دلي.
  4. فتحي. 61 بونينو.
  5. http://ar.rsf.org/2015/02/12/httpen-rsf-orgworld-press-freedom
  6. جريدة العرب (اللندنية)، العدد 9707،.2014/10/14

هذا بخلاف مجموعة من الممارسات التي لا يمكن التعويل عليها كثيرًا، ولكنّها قد تعطي إشارات لما يدور برأس السلطة الحاكمة في تركيا بشأن المؤسسة القضائية، وهي كما يلي: تعهّد أردوغان بما يمثّله من موقع في السلطة التنفيذية، بتخليص النظام القضائي التركي من الخلايا السرطانية66. حديث أردوغان، بأنّ الفصل بين السلطات يعرقل أحيانًا تطوير البلاد. توجيه أردوغان انتقادات حادة للرئيس السابق للمحكمة الدستورية هاشم كيليش الذي انتشرت أنباء بانتمائه إلى جماعة فتح الله غولن، وهو ما دفع كيليش لانتقاد النهج السياسي للحكومة التركية. وما كانت هذه الانتقادات المتبادلة إلا بداية لاستقالة كيليش من رئاسة المحكمة الدستورية العليا وقبول المحكمة لها وبدء الدعوة لاختيار من يخلفه وفقًا للقواعد المتّبعة. في 10 شباط / فبراير 2015، جرى انتخاب رئيسَ أهمّ محكمتين في البلاد يبدو أنّهما مقرّبيَن من الحزب الحاكم؛ إذ انتخب على رأس المحكمة الدستورية زهدي أرسلان خلفًا لكيليش، وإسماعيل رشدي جيريت رئيسًا لمحكمة الاستئناف، وهو الذي تجمعه بأردوغان حادثة قديمة، إذ قضى ببراءة أردوغان من تهمة تتعلق بتذاكر المواصلات العامة الإلكترونية عندما كان رئيسًا لبلدية إسطنبول عام 1998 . الواضح أنّ هناك رغبات لدى العدالة والتنمية للسيطرة على السلطة القضائية. وهذه الرغبات وما يليها من محاولات، هي نتاج طبيعي لما أحدثته السلطة القضائية في السابق من تأثيرات سلبية في الحياة السياسية والحزبية في تركيا؛ إذ ينظر إليها حزب العدالة والتنمية بوصفها مؤسسة ساعدت بما تمتلكه من سلطات على توغّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وعليه، فهي مؤسسة من وجهة نظر الحزب الحاكم وقياداته تحتاج إلى مزيد من الإصلاح والهيكلة. وهنا تكمن المشكلة؛ فسبل الإصلاح التي يتبناها الحزب، والتي تظهر وكأنّها محاولة للسيطرة على القضاء حتى تجيء أحكامه بما يتماشى وسياسات الحزب الحاكم، وذلك بضخّ عناصر موالية للحكومة في المجلس الأعلى للقضاء وغيرها من المحاكم العليا في البلاد.

الخاتمة والنتائج

من خلال العرض السابق، يمكن استخلاص عدد من النتائج في ما يخص مصير المحطة النهائية للتحوّل الديمقراطي في تركيا، وذلك مع وصول رئيس الوزراء السابق أردوغان إلى قصر الحكم "تشنقايا" في أنقرة، واستمرار بقاء العدالة والتنمية حاكمً. إنّ التعددية السياسية عتيقة المنشأ والممارسة في الدولة التركية، وذلك دون المساس بمسارها لا سيمّا من حيث آليات تنفيذها، أو العبث بإفرازاتها؛ وبذلك فإنّ بقاء ممارسة الإجراء الديمقراطي عبر عشرات السنين دون المساس بإفرازاته، يعضد خيارات الترسيخ الديمقراطي في تركيا. إنّ انقلابات العسكريين الأتراك لم تكن لأجل الحكم أو السلطة، وإنّ ا لأسبابٍ تتعلق في كثير منها بالمحافظة على العلمانية الأتاتوركية أو المحافظة على حقّهم في الوصاية على الدولة، الأمر الذي ساعد على بقاء اللعبة الديمقراطية في المدينة. وعلى الرغم من أنّها لم تكن لفتراتٍ طويلة اللعبة الوحيدة، فإنّ بقاءها يصب في مصلحة خيارات الترسيخ الديمقراطي. هناك نموٌّ ملحوظ بشأن الثقافة الديمقراطية في المجتمع التركي، مما ينعكس إيجابيًا على مدى تمسّك الأتراك بحقوقهم الديمقراطية، ومن هنا، صعوبة التخلّ عن إجراءاتها وقيمها؛ فذلك التمسّك بإجراءات الديمقراطية ومؤسساتها، قد يكون عاملً دفاعيًا ضد أيّ تحديات من الممكن أن تعرقل استمرار عملية التحوّل الديمقراطي، أو أخذها في طريق بعيد عن محطة الترسيخ الديمقراطي. إنّ الدولة التركية حققت قفزات مهمة في ما يتعلق بسيطرة المدنيين على العسكريين، إلى أن أصبحت العلاقات المدنية العسكرية تتقارب مع المعايير السائدة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إنّ الاتساع التدريجي في مجال الحريات على مدار أكثر من عشر سنوات، لم يكن منحة من الحاكم، وإنّ ا وفقًا لتعديلاتٍ دستورية وأخرى قانونية رسّخت قاعدة وجودها في الفضاء السياسي التركي، في حين أنّ الإجراءات السلطوية كانت بمنزلة قرارات حكومية أوقفت المحاكم كثيرًا منها، وحتى مشاريع القوانين المقيِّضة للحريات، والتي

  1. الشرق الأوسط،.2015/2/3
  2. خلاف بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة حول الفصل بين السلطات في تركيا"، 64 الوسط (البحرينية)، العدد 4154،.2014/1/21
  3. تركيا..إحالة رئيس الدستورية للتقاعد لانتقاده أردوغان" 65 العربية نت، 2015/2/3، على الرابط: http://goo.gl/ZaIvWE
  4. يوسف الشريف، "ﻣﻘﺮﺑﻮن ﻣﻦ أردوﻏﺎن ﻋﻠﻰ رأس اﻟﻘﻀﺎء وﻗﯿﺎدي ﻓﻲ اﻟﺤﺰب اﻟﺤﺎﻛﻢ الحياة (اللندنية ﯾﺨﺸﻰ انهياره"،)، 2015/2/11، على الرابط: http://goo.gl/DnKFEH

تقول المعارضة بأنّ العدالة والتنمية في طريقه لتمريرها، لا تزال مشاريع قوانين لم تمرَّر أو بالأحرى لم تنتقل بعد إلى حيّز التنفيذ. إنّه من الصعب أن يقود التضييق على الحريات الصحفية إلى القول باتجاه تركيا إلى الديكتاتورية، وذلك لأنّ هذا التضييق أمر ذو تقديرات متباينة، ويختلف قياسه من دولة إلى أخرى، ومن تقريرٍ إلى آخر، ويرتبط أكثر بالوضع السياسي الحاصل، كما أنّ ممارسات التضييق التي جرت في ما بين عامَي 2013 و 2014 على الصحافة لم تكن سوى استثناءات مرحلية مرّت بها الدولة التركية.

ينظر الحزب الحاكم وقياداته إلى مؤسسة القضاء بوصفها مؤسسة تحتاج إلى مزيد من الإصلاح والهيكلة. وهنا تكمن المشكلة؛ فسبل الإصلاح التي يتبنّاها الحزب، والتي تظهر وكأنّها محاولة للسيطرة على القضاء حتى تجيء أحكامه بما يتماشى وسياسات الحزب الحاكم. وأخيرًا، فإنّه من خلال ما قامت به الدراسة من سردٍ للعديد من مؤشرات تحقيق كلٍ من مفهومَي الترسيخ الديمقراطي والديكتاتوري وملامحهما، تبين أنّ خطوات تركيا نحو التحوّل الديمقراطي ليست بخطوات حديثة، بل بدأتها منذ قرابة السبعين عامًا، وذلك بإنهائها حكم الحزب الواحد والانتقال إلى التعددية السياسية، مرورًا بسيطرة المدنيين على العسكريين، حتى أصبحت العلاقات المدنية العسكرية تتقارب مع المعايير السائدة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وارتفاع سقف الحريات المدنية في مناحيها المختلفة، وصولً إلى التثقيف المجتمعي بإجراءات الديمقراطية وقيمها، الأمر الذي يُعمّق فكرة أنّ الديمقراطية هي الوسيلة المُثلى لتسيير الحياة العامة، ومن الصعب على المواطنين الأتراك أو بالأحرى الأجيال التركية الحالية التنازل عن قيم الديمقراطية وإجراءاتها التي اعتادوها لسنوات طويلة. كما أنّ استمرار حزب معيّ في سدة الحكم لأعوام طويلة ليس بالضرورة سمة من سمات الديكتاتورية، طالما أنّ استمراره في الحكومة نتاج لانتخابات ديمقراطية نزيهة، وإن وجدت بعض الإجراءات الدالّة على ممارسات سلطوية من هذه الحكومات، فما هي إلّ استثناءات مرحلية ربّ ا تثقل كاهل المسيرة الديمقراطية، ولكنّها لا تبتر سيقانها الممتدة لعشرات السنين نحو الديمقراطية. وتبقى سبل الإصلاح التي يتبنّاها العدالة والتنمية بخاصة المتعلقة بالسلطة القضائية، في حاجة إلى إعادة صوغٍ مشفوعة بالشفافية في التعامل لتتماشى مع المعايير الديمقراطية.