الاتفاق النووي الإيراني

الاتفاق النووي الإيراني

الملخّص

تناقش هذه الورقة تداعيات الاتفاق النووي الإيراني على الداخل الإيراني الذي يشهد صراعًا مستمرًا بين المعتدلين والمحافظين. كما ترصد وتحلل ردود الفعل داخل الدول العربية الخليجية التي تمثل الكتلة العربية الأقرب جغرافيا إلى إيران، والأكثر تداخًاامعها، وتخوف ا منها. ترى الورقة أنّ الاتفاق يقيّد الجمهورية الإيرانية أكثر مما يطلق يدها، فهو يضعها تحت رقابة دولية. فأنواع العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها في المستقبل، إن هي خرقت كل بنود الاتفاق أو بعضها، تبقى عامل تحكم في مسلك إيران في المستقبل. ومن جانب آخر، ترى الورقة أن مما ظهر على السطح يوضح أنّ المفاوضات الماراثونية الطويلة لم تكن محصورة في الاتفاق النووي، على نحو ما يريد أن يؤكده الجانبان، وإنما كانت هناك ملفات أخرى، من بينها دور إيران المستقبلي في المنطقة والعالم. وترى الورقة أن التسارع في ملفي سورية، واليمن ربما يمثل انعكاسًا للملفات الأخرى.

محمد الرميحي *

تداعياته وآفاق تأثيره

مقدمة

أطلق الاتفاق الموقَّع بين الدول الكبرى الخمس والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في 14 تموز/ يوليو 2015، على برنامج إيران النووي، جملة من الديناميات؛ الداخلية في إيران، والإقليمية في دول الجوار، والدولية، على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي. ولا تزال هذه الديناميات تتفاعل بعمق، تحت السطح السياسي وفوقه، في المجال الصراعي المحتدم في المنطقة، وتُنتِج تأثيرات متداخلة بين الداخل والخارج. وقد تجاوبت أقلام ورؤى في دول الخليج مع الملف المطروح (ما بعد الاتفاق)، بين ناقد بعنف، أو محذر بوضوح، أو متقبل بتحفظ. إلّ أنّ تلك الرؤى بقيت في مرحلة اللايقين النهائي، توخيًا لخطوات مقبلة تتخذها إيران، في المستقبل القريب أو المتوسط، لإظهار التوجهات التي تختمر في ملفات إيران الخارجية، الدبلوماسية منها والعسكرية على حد سواء. ويجد المطّلع على مسوّدة الاتفاق أنه معقد وتفصيلي، إلّ أنّ النتيجة التي خرج بها كاتب هذه السطور هي أنّ الاتفاق يقيّد الجمهورية الإيرانية أكثر مما يطلق يدها، ويضعها تحت رقابة دولية. فأنواع العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها في المستقبل، معروفة سلفًا، إن هي خرقت كل بنود الاتفاق أو بعضها. إضافة إلى ذلك تبيّ مما ظهر على السطح أنّ المفاوضات الماراثونية الطويلة لم تكن محصورة في الاتفاق النووي، على نحو ما يريد أن يؤكده الجانبان، وإنما كانت هناك ملفات أخرى، من بينها دور إيران المستقبلي في المنطقة والعالم. ومن هنا، نرى التسارع في ملفين خطرين: الأول سورية، والثاني اليمن1.

القضية الأساسية

يبدو لكثير من المحللين أنّ القضية الأساسية في المشهد الممتد لأكثر من ثلاثين عامًا إلى اليوم، أي منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، والتي ساعدت في تعطل التفاعلات الطبيعية بين إيران والعالم وتبنّي علاقات إقليمية ودولية صحية مع الآخرين، تكمن في أنّ إيران "الجمهورية الإسلامية" لديها معضلة هيكلية تتكون من شقين، أحدهما سياسي والآخر عقيدي. ويتمثّل العامل السياسي في أنها تحمل syndrome"" الخوف من التدخل الغربي للإطاحة بالنظام القائم. وعدم اليقين التاريخي الذي استقر بسبب الخوف من التدخل الخارجي، راجع إلى الاعتقاد أنّ الذي ساعد في إفشال ثورة وطنية - وهي ثورة محمد مصدق عام 1952، وكانت حراكًا سياسيًا جديًّا - هو التدخل الأميركي / البريطاني وقتئذ. ويختزن الضميرُ السياسي الإيراني العميق أنّ ذلك التدخل عطّل أن تتبوّأ إيران موقعها الذي ترغب فيه وتتطور من خلاله إلى بلد مستقل، فاستقر في الضمير الوطني الإيراني أنّ من أفشل ذلك الحراك هو التدخل الغربي، والأميركي على وجه التحديد. وعلى الرغم من أنّ الوثائق التي ظهرت بعد ذلك تقول العكس2، فإنّ هذا التصور لا يزال قابعًا في الذهنية الإيرانية، ومن ثمّ، ينبغي للعداء الواضح للغرب وأميركا على وجه الخصوص أن يستمر، حتى لا تقترب تلك القوى "المستكبرة" من الثورة. ولأخذ الحذر من أي تدخل خارجي لإفشال الثورة الإسلامية، يكون من الأفضل، على نحو ما استقر لدى الإدارة الإيرانية العليا، الهجوم لا انتظار الدفاع، فكان "الملف النووي"، بما يحمل من مضامين، خيرَ وسيلة للهجوم. أمّا الشق الآخر، العقيدي، غير الظاهر وغير المتحدث فيه، فهو أنّ المذهب الإثني عشري الشيعي، والذي يعتقد به معظم الإيرانيين، وبسبب صراع طويل في صدر الإسلام وما بعده مع السلطة الزمنية، تخلى عن الصراع على السلطة، وترك أمر السلطة الزمنية للحكام، واكتفى بأحكام الشريعة والمعاملات الخاصة بالناس في شؤون دينهم. وحتى روح الله الخميني نفسه، كتب كتابًا عام 1944 بعنوان "كشف الأسرار"، يسير في الطريق نفسه "ترك السلطة الزمنية لأهل السياسة." ولكنّ حوادث الصراع المحتدم بين الشاه محمد رضا بهلوي والسلطة الدينية في قم، تفاقمت وتحولت إلى صراع حادّ مع عدد من القوى السياسية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، ودفعت الخميني إلى تغيير رأيه، والتحول إلى فكرة "ولاية الفقيه"، وحمل كل القوى المناوئة للشاه على جبهة واحدة. وهذا يعني، ضمنيًا، تولّ رجال الدين السلطة الدينية والمدنية، ويعنى - أيضًا - الثورة الدائمة على الظلم (كما يراه أهل الفكر الشيعي المنتمي إلى هذه المدرسة الحديثة.) لقد جعل هذا الأمر تصدير الثورة ضمن العقيدة الخمينية.

  1. ظهر للمتابعين أنّ إيران خضعت للرغبة الأميركية أثناء المفاوضات، عندما أوقفت مسيرة باخرة كانت متجهة إلى اليمن لنجدة الحوثيين، وأعادتها إلى إيران، بطلب أميركي واضح، تم أثناء المفاوضات.
  2. تبيّ، من دارسات حديثة، أنّ من أفشل ثورة مصدق هم  - في الحقيقة - مجموعات محافظة من الداخل الإيراني، فبعد أن فشلت المخابرات الأمريكية في محاولة أولى في إسقاطه، وهرب الشاه محمد رضا بهلوي، على إثرها، إلى بغداد أولً ثم إلى روما، وتحرك جزء من الشارع الإيراني ضد مصدق بقيادة رجال الدين، على أساس أنه قريب من الحزب الشيوعي الإيراني (تودة)، وبقية القصة معروفة. انظر: Ray Takeyh, "What really happened in Iran?", Foreign affairs (July/August 2014), pp. 2 - 12.

وبما أنّ رفع الظلم لا يجوز تفعيلة ضد النفس (أي حكم الفقيه في إيران)، فيجوز تفعيله ضد الآخر، بدءًا بالأقليات (أو حتى أغلبيات) الشيعية في الجوار، وخاصة العربي، فأفرز ذلك جزئيًا الحرب العراقية الإيرانية، ثم بعدها التدخل في كل من العراق ولبنان وسورية والبحرين والكويت والسعودية، بدرجات متفاوتة وطرق مختلفة. مثّل هذان العاملان (السياسي والعقيدي) بعد ذلك مصلحة قومية إيرانية، نبتت حولها ذكريات الانتصارات الفارسية التاريخية في الجوار وإحياء الإمبراطوريات القديمة. واستطاعت الدولة الإيرانية الإسلامية "الجمهورية الإسلامية" لفترة أن تسرق شعارات براقة داعبت المخيلة السياسية لشريحة واسعة من العرب، وهي الحرب ضد إسرائيل، واستخدمت هنا "حزب الله اللبناني" الذي وفّر لها منصة انطلاق تجاه القضية الفلسطينية3، وتجاه التجنيد السياسي أو تبريره على أنه عابر للطوائف، كما وفّر لها "تحقير" الأنظمة العربية في نفوس مواطنيها، كونها لم تستطع مواجهة إسرائيل وواجهها حزب الله، بل انتصر عليها. أضف إلى ذلك تمدد نفوذها لمجموعة حماس في غزة، وهو ما وفّر لها غطاء للقول إنها مع المقاومة بصرف النظر عن المذهب، وليس فقط مع المذهبية. ودخل حزب الله في صراع مع إسرائيل في مواقع متقطعة، وحتى حرب مفتوحة، وعدَّ نتيجة الحرب معها خاصة عام 2006 انتصارًا "إلهيًا"4، ما سهّل بيع فكرة "دعم المقاومة" مسنودًا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهكذا، دفع العاملان السياسي والعقيدي إيران إلى الدخول في مغامرة الحصول على "الطاقة النووية" طريقًا لانتزاع الاعتراف الدولي، وتغذيه المشاعر القومية الإيرانية. وعلى الرغم من أنّ إيران قالت أكثر على لسان المرشد الأعلى السيد على خامنئي وتكرارًا، إنّها لا تنوي الحصول على السلاح الذري وإنه "محرّم" لديها، فإنّ الشكوك الدولية استقر رأيها على أنها، من المرجح، إن حصلت على التقنية المتقدمة اللازمة، فسوف تتحول سريعًا إلى إنتاج السلاح النووي. وتزامنت تلك المخاوف مع استقرار فكرة عدم التدخل العسكري أو "التورط الأميركي" في الشرق الأوسط، فكان المخرج هو مفاوضات طويلة انتهت باتفاق 14 تموز / يوليو .2015 دخلت إيران المفاوضات من أجل هدفين؛ الأول هو الحصول على اع اررف نهائي وقطعي من دول كبرى وخاصة الولايات المتحدة بوجود "الجمهورية الإسلامية" بصفتها دولة، من أجل الاطمئنان على النظام، والثاني "الاعتراف بمصالحها في الجوار" أي شريكة في التصرف في المنطقة. الأول يحقق لها استقرارًا كانت دائمًا تتوق إليه - ولا تزال قلقة بشأنه - لأنّ كثيرين في طهران وخارجها لا يعتقدون أنّ "حكم الملالي" هو حكم عصر، حتى لو تهجّن بشعارات شبه حداثية، كالدستور والانتخابات المقيدة، فهو زائل لامحالة. والثاني هو الدفاع عن "مظلومية الشيعة" في دول الجوار، خاصة العراق ولبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية، في مشهد يحاكي "الثورة البلشفية التي يجب أن تصدّر للعالم الرأسمالي المتوحش." وهو الأمر الذي يجعلها حاضرة في المشهد الإقليمي، ومهدت لهذا الحضور بتجنيد عدد من مواطني تلك الدول المجاورة (العربية) وتدريبهم مباشرة أو بواسطة حزب الله اللبناني، بل انشأت فرعًا تابعًا للحرس الثوري يسمّى "حزب الله الدولي" من أجل إطاحة المستكبرين. راهنت إدارة السيد حسن روحاني، بعد فوزه في حزيران / يونيو 2013 بصفته طرفًا معتدلً نسبيًا، على وجود إدارة أميركية ميالة إلى "السلم"، كما راهنت إدارة أوباما في واشنطن على ميل إدارة روحاني إلى "الاعتدال." وكان الرهان المشترك تعبيرًا عن رغبة من الطرفين، فالاثنان يحتاج كلاهما إلى الآخر، ولكل دوافعه وتبريراته الخاصة. اللافت هنا أنّه على الرغم من الشغب الذي أحدثته إدارة نتنياهو الإسرائيلية، داخل الولايات المتحدة وخارجها، بسبب تلك المفاوضات، فإنّ الموضوع الإسرائيلي لم يظهر على سطح المفاوضات الماراثونية بين إيران والقوى الخمس، على طول فترتها. كما أنّ ملف "السلاح النووي الإسرائيلي" لم يوضع على طاولة المفاوضات، حتى من باب تبادل أوراق الضغط، أو سدًا للذريعة بإرضاء للجمهور العربي. لقد كانت الدول العربية ترفع شعارًا دائمًا بإخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي، وتجاهل هذه المطلب كان دليلً على أنّ مصالح إيران القومية مقدّمة إلى حد بعيد على أي مصالح لفظية تقدّمها لقضية فلسطين، أو بعض التضحيات المالية أو الدعم المعنوي "للحرب على إسرائيل"، والتي باعتها لجمهور عربي واسع تقبلها في البداية.

ديناميات الداخل

استنادًا إلى مقولة أنّ "كل السياسات هي سياسات داخلية All politics are local politics المسكوت الهدف كان "،

  1. تخلّت الجمهورية الإيرانية عن نصرة المقاومة الفلسطينية التي تبنتها في البداية لمصلحة خلق ذراع خاصة بها، تضمن ولاءها الدائم وتستخدمها كما تريد، كما حصل مع حزب الله في سورية، وفرّخ عددًا من "أحزاب الله" في عدد من الدول العربية، وقدّم دعمً تدريبيًا لهؤلاء فضلً عن الدعم الإعلامي.
  2. حقيقة الأمر أنّ السيد حسن نصر الله بعد انتهاء حرب 2006 قال: لو كنت أعرف أنّ نتيجتها هذا التدمير، ما خضت الحرب، ولكنها الحرب، ولكنه غيّ رأيه بعد ذلك وسماها "النصر الإلهي" لدغدغه شعور العامة، وبعد توجه الحزب للتدخل في سورية تبيّ للكثيرين أنّه لا يعدو أن يكون مدفعًا ضائعًا cannon lost للجمهورية الإيرانية، توجهه إلى الدفاع عما تعرّفه أنّه مصالحها.

عنه لدى الإدارة الأميركية من تحقيق الاتفاق النووي الموقّع في، هو الاف 14 تموز / يوليو 2015 اررض بأنّ الاتفاق سوف يطلق ديناميات الاعتدال في جزء من الطيف الحاكم في إيران، وأنّ الشعوب الإيرانية محبة للحياة والعيش، وأنّ شريحة واسعة من الشعب تعبت من المواجهة الدائمة مع "الآخر" الخارجي، لذلك سوف تتوجه بعد أن يستقر لها الأمر إلى تأكيد نفسي ألّ أحد من الخارج يريد إطاحة النظام، ويستقر العمل على التصالح مع العالم. وهو افتراض سوف تثبت الأيام مدى صحته من خطئه. إلّ أنّ المتابع يلاحظ، أنّ صراعًا قد بدأ بين "المعتدلين" وأصحاب "الثورة الدائمة" أو "المتشددين." وهذا الصراع يتفاقم ويفرز أيضًا في الجوار. ومن مظاهر هذا الصراع الشعارات "المعتدلة" التي بدأ محمد جواد ظريف يطلقها على صفحات الصحف (العربية والغربية)، من أجل فتح الملفات المُختلف فيها والتوجه إلى تسويتها. وهي شعارات تتضارب مع توجه المتشددين الذين يرون أنّ الاتفاق النووي تقييد لحرية إيران، وحجر على طموحاتها، وطريق للتدخل في شؤونها. ونجد على رأس هذا الفريق من المتشددين عددًا من الملالي مدعومين بقادة من الحرس الثوري الذي بنى له صروحًا اقتصادية وسياسية لا يمكنه التخلي عنها. كما شنّ هذا الطرف المتشدد على الإصلاحيين حربًا داخلية، وعنوان بعضها سجن مهدي هاشمي رفسنجاني5، ابن أكبر "الإصلاحيين" هاشمي رفسنجاني، والتضييق على مجموعة الإصلاحيين أصحاب الثورة الخضراء عام 2009، ومنهم مهدي كروبي ومحمد خاتمي ومير حسين موسوي6، وعدد كبير ممن يعتقد أنهم يمكن أن يكونوا رأس حربة في التغيير إلى الاعتدال المنشود. إنّ آية الله على خامنئي هو الذي يمسك عصا "المايسترو" ويلاعب الجبهتين، فمن جهة نقرأ بعض تصريحاته فيبدو موافقًا على الاتفاق النووي، ومن جهة أخرى تصدر له تصريحات أخرى يعلن فيها رفضه الاتفاق، كما يعلن عن إغلاق صحف تنتقد الاتفاق. في الفترة السابقة الطويلة لحكم "الملالي"، ركبت في إيران مصالح مبنية على التشدد، وخاصة توسّع الحرس الثوري في النفوذ وفي الاقتصاد، ما يعني أنّ شريحة واسعة من المستفيدين ليس لهم مصلحة في أن يطبّق الاتفاق. وهو ما سوف يطلق صراعًا محتملً في الداخل الإيراني، قد ينطلق حادًا وربما دمويًا في المستقبل، كما أنه قد يفيض على الجوار، وما النشاط الملحوظ للمجموعات التابعة لإيران في كل من البحرين والكويت، إلّ جزء من تلك الإفاضة.

ردّة فعل الإقليم

بعد تردد "رحبت بعض دول الإقليم الخليجي" بالاتفاق النووي 1+5()، وتمّ الأمر بعد محاولات مستمرة من الإدارة الأميركية لإقناع الدول الخليجية بأنّ خيرًا ما يمكن أن ينتج من هذا الاتفاق، وأن "أمن" المنطقة مكفول من جانب الولايات المتحدة. كان على رأس المحاولات اجتماع الرئيس الأميركي باراك أوباما في كامب ديفيد وسط شهر أيار / مايو 2015، بزعماء الخليج أو من يمثّلهم، وما تلاه من اجتماعات على مستويات مختلفة، سمّيت لاحقًا باجتماعات "تنفيذ اتفاق كامب ديفيد"، أمّا على المستوى غير الرسمي، من أهل الرأي، فقد قوبل الاتفاق بموجة من الشك (القوي أو المتوسط أو الضعيف) حصيلتها أنّ الاتفاق سوف لن ينتج إيجابية ما. يذهب الشك الضعيف إلى الاعتقاد أنّ هذا الاتفاق يمكن أن ينتج اعتدالً ما في أوساط الحكم الإيراني7، بعد أن يتأكد أنه ليس مطاردًا أو منبوذًا، وأنّ المال الذي سوف يأتي نتيجة الاتفاق إلى الخزينة الإيرانية يمكن أن ينعش الطبقة الوسطى بالتدريج، ويغيّ الموقف السياسي الإيراني، أي بالتعبير الغربي give them the benefit of the doubt (لنعطهم إيجابيات الشك.) كما أنّ هذا المال إن لم ينفق على الداخل العطِش للخدمات والمرافق، فسوف يطلق صيحات احتجاجات شعبية، قد تطول البناء الأساس للنظام، فهو مضطر أن يستخدم الكثير من المال القادم "المُفرج عنه" لصرفه على الاحتياجات الداخلية. وعليه، فإنّ الاقتراح، على الرغم من التحفظ - خليل حيدر: "علينا أن نتوقف عن 'الولولة' المبالغة بما سوف تفعله إيران بنا، وعلينا أن نبني علاقات إيجابية مع المجتمع الإيراني بعيدًا عن السلطة" - وهو توجه في الرأي إلى جانب كونه محدودًا، فإنّه موجود. ويغلب على المحللين - غير خليل حيدر - الذين يرون أنّ ثمة إيجابيات، كونهم إمّا متعاطفين مع الدولة الإيرانية الإسلامية أو ينظرون إلى الأمر من زاوية "لنجرب." ويثمّن هذا التوجه بدرجاته محاولات وزير الخارجية جواد ظريف فتح باب معقول للتفاهم، وأنه قد يكون متحدثًا باسم الاعتدال الجديد. أمّا أصحاب بقية الشك القوي والمتوسط تجاه نيات إيران فلديهم شواهد كثيرة8، حتى يصل بعضهم (الأنصاري) إلى القول: "إنّ خطاب

  1. ابن هاشمي رفسنجاني
  2. وهؤلاء ليسوا مواطنين عاديين، بل كان أحدهم رئيس جمهورية والآخران مرشحين
  3. مع الحوار والانفتاح والتطبيع مع إيران، عبر بناء علاقات قوية مع المجتمع الإيراني، طبقًا للكاتب الكويتي خليل على حيدر"، انظر: عبد الحميد الأنصاري، "الانفتاح على إيران الجريدة (الكويت بين الحمائم والصقور الخليجيين"، صحيفة)، 2015/8/10، على الرابط: http://bit.ly/1XwYfIl 8 المرجع نفسه.
  4. للرئاسة ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء.

الاعتدال الإيراني هو مخاتل"9. ويذهب آخرون إلى القول إنّ الاتفاق قد يساعد طهران على الاستمرار في سياسة اليد الطولى. ويأتون بشواهد منها، قول حسن نصر الله (زعيم حزب الله في لبنان والناطق شبه الرسمي للمتشددين) قبل أسابيع من الاتفاق ما معناه (الآن وإيران محاصرة انظروا ما تفعل، فكيف إن جاءها بعد الاتفاق كل المال المتوقع؟)، وهو تهديد مبطن. ويعزى أمر المتخوفين والمشككين إلى أنّ إيران سيكون لها اليد المطلقة في شؤون الإقليم، وأنها تفاخرت من خلال بعض سياسييها قبل أشهر بأنها دخلت أربع عواصم عربية وررت، ودمشق، وبغداد، وصنعاء وهيمنت عليها (ب)10. فلماذا لا تهيمن على عواصم عربية أخرى، ولها زرعها من القوى والذين ينتمون إليها في حالة "رعوية" غير منكرة؟ ويدلل هذا التوجه على موقفه بعدد من التدخلات الإيرانية التي طفحت في الآونة الأخيرة؛ منها تهريب السلاح إلى كل من البحرين والكويت11، ومحاولات تهريب سلاح إلى المملكة العربية السعودية، كما أنّ المناصرة السياسية والإعلامية (على الأقل) للجماعة الحوثية في اليمن دليل آخر على شهية التمدد، فيما فقد حزب الله تعاطف الكثيرين الذين اكتشفوا أنه ليس أكثر من ذراع إيرانية توجهها طهران كما تريد.

ما سوف تتمخض عنه الشهور المقبلة

في العمل السياسي، من واجب المتابع أن يتوقع غير المتوقع. وغير المتوقع في هذا السياق هو أن تصبح إيران بعد حين دولة جارة مسالمة، إلّ أنّ هذا الاحتمال يبدو ضعيفًا للغاية، أخذًا في الحسبان تاريخًا معاصرًا مشحونًا بالصراع. يبدو احتمال أن تسعى إيران كما هي إلى التعامل مع دول الخليج فرادى، أفضل سيناريو يمكن له أن يتمّ، وربما يكون ذلك بخلق عدد من الأزمات الداخلية تستفيد منها من أجل إرضاء التشدد الداخلي أولً. ويذهب البعض إلى القول إنّ حضور المتشددين الإيرانيين سوف يزداد شراسة "على الأقل في المرحلة الأولى" حتى يحافظوا على مواقعهم المتقدمة في النظام. والأكيد أنّ صراعًا محتدمًا سوف ينشأ في إيران بين مجموعات مختلفة، ولكنّ الاختلاف بينها في الدرجة وليس في النوع. أمّا أن تكون إيران "مختلفة" في المدى القصير أو ربما المتوسط، فهو أمر مستبعد جدًّا، ذلك أنّ ميلاد إيران جديدة يحتاج إلى قادة جدد ومفاهيم جديدة وتحالفات جديدة، لا يرحب بها القادة المتنفذون الحاليون. ولكن الظاهر أنّ إيران في مأزق أشدّ مما كانت عليه وقت الحصار الدولي، فهي ربّ ا وقّعت الاتفاق من دون إعداد سيناريو لما اهعّقوت وه ال موأ لعفت نأ اهنم بولطم وه الوم، قافتلاا دعب. ناريإف تواجه في الوقت نفسه صعوبات حقيقية في الجوار، فالعراق على نار التغيير، وفي سورية يبدو أنّ النظام يخسر أكثر مما يربح، ويُحاصَ حزب الله في لبنان بعد أن فقد الكثير من صدقيته على الصعيد الشعبي، وقد تبيّ أنّه "مدفع سائب" cannon loose لأهواء النظام الايراني أكثر منه حركة وطنية. وفي المقابل فإنّ دخول النفط الإيراني إلى السوق الدولية، في هذا الوقت، مع وجود فائض نفطي كبير، سوف يضغط على أسعار النفط، ويتضرر الجميع بما فيهم إيران من تراجع الأسعار، الأمر الذي يقلل احتمال تعافي الاقتصاد الإيراني من جهة، وقدرة إيران في المدى المتوسط على الاستمرار في تقديم دعم مالي لحلفائها من جهة أخرى. تبدو المخاطر اليوم أكثر جدية، فإنّ عدم اليقين الإيراني قد يأخذ الجمهورية الإيرانية إلى مغامرات لا يعرف أحدٌ نتائجَها أو منتهاها. ولقد أثبت التاريخ الحديث أنّ النظام الأيديولوجي لا يفكر بأسلوب منطقي، فهو لا يفكر إلّ بما يعتقد أنه صحيح وقطعي. وقد يأخذ الصراع الداخلي في إيران صورًا محتدمة، وتظهر له إفرازات إقليمية لا تحمد عقباها. ومع التغيرات التي أحدثتها عاصفة "الحزم/ الأمل" التي شنّتها دول عربية بقيادة المملكة العربية السعودية، لتقييد التمدد الإيراني في اليمن، قد يدفع الصراع المتشددين إلى التوجه إلى المناطق الرخوة في نظرهم، ولعلها دول الخليج الصغرى، والتي يرى بعض القادة الإيرانيين أنها سهلة المنال. هكذا، تبدو الاحتمالات مفتوحة، ولكنّ المؤكد أننا سوف نشهد فترة صراعية قد تكون تداعياتها أهم مما قد خبرناه حتى الآن.