تداعيات الاتفاق النووي: الرؤية الإيرانية

الاتفاق النووي الإيراني

الملخّص

تستعرض هذه الورقة كيف عاشت إيران، خلال العقود الأربعة الماضية، حالة من التأهب للدفاع عن نفسها أمام التهديدات التي تحيط بها، والمخاطر التي تستهدف أمنها القومي، وفقَ ا للرؤية الرسمية الإيرانية. فإيران لم تحظ، طوال هذه العقود، باعترافٍ واضحٍ بشرعيتها من القوى الكبرى، ولا سيما أميركا. وقد خلق هذا الأمر قلق ا مستمرًا وحصر جهد إيران في "حفظ النظام" الذي جعله آية الله خميني من "أوجب الواجبات. وقد انعكست هذه الظروف بصورةٍ ملحوظة، على مفهوم الأمن القومي الإيراني وإستراتيجياته. ترى الورقة أن من الممكن أن يكون الاتفاقَ النووي بداية مرحلة جديدة. فإيران ترى أنها حصلت به على اعتراف المجتمع الدولي، وإقراره بمطالبها المشروعة، وهو ما دلت عليه آلية الحوار الغربي معها، بشكل صريح ومُجمع عليه. وترى الورقة أن الأهم، بالنسبة إلى إيران، أنّ الاتفاق سيحررها من هاجس الأمن والاستقرار، ويدفع بها إلى السعي لإبراز معالم "النموذج الإيراني" في المنطقة. تناقش الورقة أيض ا، مخاوف دول الجوار ومحاولات إيران طمأنتها. كما تناقش مواقف التيارات السياسية، ومراكز القوى الإيرانية، واختلافها حول سلبيات الاتفاق وإيجابياته. كما تعرض للاختلافات حول ترتيب أولويات المرحلة القادمة، ومستوى الحذر أو الترقب لسيناريو فشل الاتفاق، أو انهياره، وطرق مواجهة كل ذلك.

محمد رضا فرطوسي *

أُعلن عن الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا 1+5()، وبدأت معه مرحلةٌ من الغموض بعد أن اشتدت المنافسة الإقليمية خلال فترة المفاوضات التي استغرقت أكثر من عامين. وقد نتج هذا الغموض من حدة الانقسام وتصعيد اللهجة الإعلامية، حتى بدا أنّ آفاق التوافق وفرص التقارب باتت معدومة.

ويدلّ التصعيد الإعلامي وحدة مواقف النخب العربية، ولا سيما بعد انطلاق عملية "عاصفة الحزم"، على أنّ الفهم العربي لإيران - مرة أخرى - تصاحبه ملابسات تتأثر دومًا بالصورة الذهنية التاريخية. وبالتأكيد، ينبغي فهم "الآخر" بناء على الواقعية السياسية والتطورات الفعلية المتعلقة به، وذلك لبناء إستراتيجية ملائمة إزاء هذا الظرف الحسّاس. وينبغي التعرّف على إيران من الداخل للحصول على صورة تعكس واقعها بتعقيداته كافة، وما يتضمنه من رؤى وهواجس تعيشها. لقد عاشت إيران، خلال العقود الأربعة الماضية، حالةً من التأهب للدفاع عن نفسها أمام تهديدات تحيط بها ومخاطر تستهدف أمنها القومي، بحسب الرؤية الرسمية الإيرانية؛ فهي لم تحظَ، طوال هذه العقود، باعترافٍ واضحٍ بشرعيتها من القوى الكبرى، ولا سيما أميركا. وقد خلق هذا الأمر قلقًا مستمرًا وسعيًا حثيثًا ل "حفظ النظام" الذي هو "من أوجب الواجبات"، بحسب آية­ الله الخميني، المرشد المؤسس للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتعدّ هذه الرؤية إحدى ركائز السياسة في إيران. وقد انعكس هذا، بشكلٍ ملحوظ، على مفهوم الأمن القومي الإيراني وإستراتيجياته. ولذلك، ومن هذا المنظور، يمكن أن يكون الاتفاقُ النووي بدايةَ مرحلة جديدة؛ إذ ترى إيران أنها حصلت على اعتراف المجتمع الدولي بها وبمطالبها المشروعة. وتدلّ على ذلك آليةُ الحوار الغربي معها، بشكل صريح ومُجمع عليه. والأهم، بالنسبة إلى إيران، أنّ هذا الاتفاق سيغيّ ركيزتها من هاجس الأمن والاستقرار إلى السعي لإبراز معالم "النموذج الإيراني" في المنطقة، وهو مفهوم يقدّمه المرشد آية الله علي خامنئي، تحت عنوان "النموذج الإسلامي - الإيراني للتقدّم"1. يعدّ هذا التغيير جوهريًا، وستكون له تبعات واسعة النطاق، غير أنّ التيارات السياسية ومراكز القوى الإيرانية تختلف في تقدير هذا التغيير، بسلبياته وإيجابياته، كما تختلف في ترتيب أولويات المرحلة القادمة، وفي مستوى الحذر أو الترقب لسيناريو فشل الاتفاق أو انهياره وطرق مواجهته. ولعلّ هذا النقاش سيكون عنوانًا رئيسًا للصراع السياسي في المرحلة المقبلة، وسيتأثر السلوك السياسي لإيران بعاملين رئيسين: التوازنات السياسية في الداخل، ومستوى نجاح الرئيس حسن روحاني.

الاتفاق النووي والخريطة السياسية الداخلية في إيران

لم يكن ممكنًا تحقيق اتفاقٍ يتضمن تقديم تنازلات من دون اتفاقٍ ضمني مسبقٍ بين الأطراف السياسية الإيرانية كافةً على تجاوز ما يسمى "مرحلة المقاومة" إلى مرحلة الاتفاق، بناء على إستراتيجية "الفوز المتبادل." ولم ­يكن تحقيق هذا الاتفاق اعتباطيًا، بل أدت تجربة الرئيس السابق محمود أحمدي ­نجاد دورًا بالغًا في تقارب الرؤى وتجاوز الخلافات التقليدية، وفي تغيير خريطة التحالفات السياسية، وظهر إلى العلن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ويؤكد الإعلام المؤيد لحكومة روحاني أنّ المفاوضات سبقت المرحلة الراهنة؛ إذ بدأت بتفويض من المرشد قبل الانتخابات الرئاسية. ويشير أحد مستشاري روحاني إلى أنّ مرحلتي سعيد جليلي وجواد ظريف متكاملتان وفيهما استمرارية2. ومع ذلك، كان لفوز روحاني أثرٌ بالغٌ في نجاح هذه العملية3.

  1. كلمة الإمام الخامنئي في الملتقى الأول للأفكار الإستراتيجية"، الموقع الرسمي للمرشد علي خامنئي، 1 كانون الأول/ ديسمبر 2010، على الرابط: http://arabic.khamenei.ir/index.php?option=com_ content&task=view&id=1078
  2. حسام الدين آشنا، مستشار روحاني، "جلیلي مظهر جلال نظام وظریف مظهر جمال نظام است تابناك"، 20 آب/ أغسطس 2015، على الرابط: https://plus.google.com/110765155769083153509/posts/JTqG9TsDpvc
  3. ­ نص كلمة الرئيس حسن روحاني في اجتماع متن سخنان رييس جمهوري في اجتماع قائم مقاميات البلد"، الموقع الرسمي للرئيس الإيراني، 30 أيار/ مايو 2015، على الرابط: http://www.president.ir/fa/87403

لقد أثبتت الانتخابات الرئاسية الأخيرة أنه لا يمكن إقصاء أيٍ من الإصلاحيين أو المحافظين عن الخريطة السياسية، واللذين يمثلان شرائح اجتماعية فاعلة ويتمتعان بنفوذ سياسي. ويضم كلٌ من هذين الطرفين، داخل جبهته السياسية، مجموعةً من الكتل السياسية المتنوعة، التي قد تختلف في ما بينها في الطبقة الاجتماعية المستهدفة أو التوجه الاقتصادي أو تقييم السياسة الخارجية أو حتى في مستوى التنظيم. ولذلك، يجري تصنيفها في يمين أو يسار الجبهة السياسية. غير أنّ هذه الاختلافات تحدث تقاربًا بين كتلة من هذه الجبهة مع كتلة من الجبهة المعارضة، تجاه موقفٍ سياسي، وفي الوقت نفسه قد تختلف هاتان الكتلتان إزاء موقفٍ آخر. وفي الأحوال كلها، قد تؤثر هذه التحالفات المتنوعة، المعلنة أو غير المعلنة، في مجرى الأحداث أكثر من تأثيرها في الاصطفاف الأساسي بين الجبهتين؛ ففي الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مثلً، تقارب تيار اليمين البراغماتي من جبهة المحافظين مع تيار اليمين المحافظ من الجبهة الإصلاحية. وقد أدى إلى تغييرٍ مهمٍ في مجرى الانتخابات. وفي موضوع الاتفاق النووي، أدى هذا التحالف دورًا مهمً في إقناع مراكز القرار بقبول النتائج. وكذلك سيكون لهذه التحالفات دورٌ مؤثرٌ في الانتخابات البرلمانية القادمة. أما حكومة روحاني فتنظر إلى الملفات المطروحة أمامها بعد الاتفاق النووي، من خلال ثلاثة محاور أساسية، بحسب تصوري: يعتبر روحاني تقنين المنافسة السياسية وتثبيت قواعدها أمرًا ضروريًا لمنع طغيان هذه المنافسة على المصلحة القومية. ولذلك، يصفُ مرحلةَ أحمدي ­نجاد بأنها أنموذجٌ لما يمكن أن تؤول إليه الأمور عند نسيان القواعد السياسية. قضى روحاني سنوات طويلة في إدارة الملفات الأمنية بوصفه أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني؛ وهو يحاول استخدام هذه التجربة لتبديد مخاوف بلاده العميقة. لذلك أكد بصراحة منذ توليه الرئاسة على أولوية الخروج من دوامة ما سمّ ه "إيرانوفوبيا" وبدء عملية التفاوض والتعاطي الجادّ مع المجتمع الدولي في الملف النووي. وهو لا ينسى أن يؤكد على مستلزمات الاتفاق وانعكاسات ذلك على السلوك الإيراني4. وقد أثار روحاني استياء المحافظين بأفكاره هذه التي يحاول من خلالها خلق أجواء من الشفافية إلى جانب التأكيد على استمرار نهج التغيير، مما يضع الأطراف المعارضة، دوليًا وداخليًا، في موقفٍ حرجٍ أمام الرأي العام. يواجه روحاني تحديًا في المرحلة القادمة لتثبيت الاتفاق واستخدام نتائجه في الاقتصاد والمنطقة. لكن هذه النتائج مرهونة بمدى قدرته على التفاوض وإقناع الأطراف السياسية في إيران ببرنامجه التنموي للحصول على إجماع يشابه الإجماع على إدارة الملف النووي5. كما يقتضي ذلك استعادة الثقة الاجتماعية بإنتاجية النظام القائم وقدراته على تحقيق التقدّم. ومن جانب آخر، سيفتح تبديدُ الهواجس الأمنية المجالَ لوضع مشروع التنمية على رأس جدول أعمال الحكومة؛ إذ يعوّل روحاني على الازدهار التنموي وكسب ثقة الجماهير لخلق قوة حقيقية لردع الأعداء ومؤامرات "الاختراق والتسلل"6. لذلك، يصدر روحاني، من جهة، ميثاق حقوق المواطنة ليصبح "أساسًا جديدًا للتضامن والوفاق"، ويصر من جهة ثانية على شفافية عملية الاقتراع ونزاهتها كآلية للانتقال السلمي للسلطة وتعزيز التنافس السليم. ومن جهة ثالثة، يحاول تمهيد أرضية التعايش وكسب ثقة الجمهور من خلال إصدار تراخيص عمل للأحزاب والصحف الجديدة. ولكن هل يمكن لروحاني النجاح في طموحاته هذه وتثبيت ميراثه السياسي؟ يرتبط هذا بموقف مراكز القرار الأخرى، وعلى روحاني الذي أمضى عامين للحصول على اتفاق نووي، أن يسابق الزمن في الفترة المقبلة لیحظی بنجاحٍ على مستویین: مستوى السیاسة الداخلیة الذي يتمثل بتحسین الوضع الاقتصادي وإدارة الانتخابات القادمة بنجاح، ومستوی تنظیم العلاقات الدبلوماسیة علی الصعیدين الدولي والإقليمي وتطویر العلاقات مع دول الجوار.

  1. الموقع الرسمي للرئيس الإيراني، 19 آب/ أغسطس 2015، على الرابط: http://www.president.ir/fa/88757
  2. يقول روحاني: "شعر الناس أنّ الموضوع النووي لیس موضوعًا حزبیًا بل هو موضوع وطني. إن نجاح هذا الملف یخدم مصالح البلاد. تم اتخاذ الخطوة الجبارة وحاليًا نتخذ الخطوات النهائية للإنجاز"، الرئيس روحاني في مؤتمر صحافي، 29 آب/ أغسطس 2015، على الرابط: http://www.president.ir/ar/89004
  3. يقول روحاني: "كلما زادت قوتنا التكنولوجية، زادت الوحدة والتضامن الشعبي، وكلما ارتفع مستوى العلاقة بين الشعب والحكومة، تقلصت إمكانية تسلل العدوان. إذا بقينا في حاجة اقتصادية واعتمدنا على النفط، سيمكنهم الاختراق أكثر. كلما اتسعت رقعة علاقاتنا مع العالم وخاصة دول جوارنا، تقلصت فرصة التسلل السياسي والثقافي والأمني يومًا بعد يوم. هذه هي مهمتنا." المرجع نفسه.

المرشد الأعلى والاتفاق النووي

أكدت مجريات الانتخابات الرئاسية الماضية وتطورات المفاوضات النووية، مرة أخرى، على الموقع المتميز للمرشد في الخريطة السياسية ودوره في إدارة الصراعات. كما أعادت هذه التطورات مكانته بين التيارات السياسية بوصفه "حَكَمً." وقد اعترف المعتدلون بأنّ إقناع القوى الراديكالية لتقديم تنازلات في الملف النووي لم يكن ممكنًا لولا موقف المرشد الواضح إزاء المفاوضات، والذي بدأ بطرح إستراتيجية "مرونة الشجعان" وانتهى بدعم المفاوضين.

سيحتفظ المرشد، كمشرفٍ على السياسة الخارجية الإيرانية، بمسافةٍ بينه وبين الاتفاق النووي، ومن منطلق عدم اقتناعه بنيات الولايات المتحدة، سيُعبّ بحرية عن قلقه إزاء سياساتها. كما سيطلق تحذيره في حال تغيير موقف الطرف الآخر من الاتفاق. وستُطمئِ هذه المواقف بدورها الكتل السياسية الأصولية غير المقتنعة بجدوى الاتفاق أو نجاحه. وستحاول هذه الأطراف الراديكالية من جهتها أن تقترب من موقع المرشد، وأن تتخذ من تحذيراته فرصةً لتدشين خطابها النقدي القادم. لكن يبدو أنّ هنالك اقتناعًا في الوسط السياسي بضرورة بقاء المرشد خارج المناقشات السياسية في ضوء التجربة التي مرت بها البلاد بعد انتخابات عام 2009. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة إلى مقال حسين شريعتمداري، رئيس تحرير جريدة كيهان، الذي ادعى فيه أنّ موقف المرشد من الاتفاق النووي سلبيٌ، وعبّ عنه بوضوح خلال خطبته لصلاة عيد الفطر7. بعد يومين رد عليه مقدم­ فر، نائب قائد الحرس الثوري للشؤون الثقافية، في رسالة مفتوحة8، طالبه بألا يتكلم على لسان مرشد الثورة الذي يملك كل الفصاحة اللازمة لإعلام موقفه الصريح. وقد أكد بيانٌ صادر عن مكتب المرشد هذا الكلام بعد أيام قليلة. ستبقى علاقة مرشد الثورة مع حكومة روحاني، سواء في ملف الاتفاق النووي أو الملفات الأخرى، مرهونةً بالمكاسب التي يحققها روحاني وطريقة تعامله مع التحذيرات التي يصرّح بها المرشد؛ وعلى رأسها خطر "الاختراق والتسلل" للأعداء والقضايا المرتبطة بالشأن الثقافي وموضوع القيم الثورية والدينية. ويكمن هنا التحدي القائم أمام الحكومة لتنسيق علاقتها مع المرشد في المرحلة المقبلة. يأمل روحاني من جانبه أن يحظى بموافقة المرشد على تطبيق إستراتيجية المفاوضات البناءة وحلول "الفوز المتبادل" في المنطقة ومع دول الجوار، غير أنه يرى ذلك مرهونًا بإبداء الأطراف الإقليمية الأخرى استعدادها للحصول على صيغة مرضية للأطراف كافة. ويمكن أن تؤدي انتخابات مجلس الخبراء القادمة - بسبب أهميتها في مستقبل مؤسسة ولاية الفقيه - دورًا في مستقبل العلاقات بين الأطراف السياسية والمرشد الأعلى. ويمكن لروحاني وهاشمي رفسنجاني في حال نجاحهما في هذه المنافسة أن يساعدا المرشد في إبقاء مكانته بعيدًا عن المناوشات السياسية.

الأمن القومی: الحرس الثوري والاتفاق النووي

من المتوقع أن يؤثر الاتفاق النووي في تبديد التهديد الأمني ومخاطر المواجهة المباشرة التي لازمت إيران طوال السنوات الماضية، لكنّ ذلك لا يعني انعدام التهديد بل سيؤدى إلى تعقيد المخاطر الأمنية، كما سيضاعف أهمية التزام إيران القواعد المطروحة في العلاقات الدولية. وستضع هذه التطورات روحاني، الذي يمتلك تجربة عريقة في الأمن القومي، أمام تحدٍ آخر هو تطوير العقيدة الأمنية الإيرانية حسب مستجدات المرحلة الراهنة. يرى المحللون المحسوبون على التيار الإصلاحي أنّ روحاني يحتاج إلى طرح مفهومٍ جديدٍ للأمن القومي الإيراني يتوافق في منظوره الداخلي مع الحرية السياسية والحيوية الاجتماعية والتنمية المتوازنة والمشاركة العامة، وبخاصة مشاركة الأقليات والقوميات، ويتوافق في المنظور الخارجي مع إستراتيجية التنمية الإقليمية وربط العلاقات الاقتصادية والسياسية مع القوى الإقليمية والدولية كافة على شكل اتفاقيات شراكة مزدوجة أو متعددة الأطراف، تؤمّن لإيران قوة الردع

  1. حسين شريعتمداري، "الخيار الوحيد المطروح"، 7 كيهان، 14 آب/ أغسطس 2015، على الرابط: http://kayhan.ir/fa/news/52516
  2. رسالة مفتوحة إلى شريعتمداري"، موقع 8 مشرق نيوز، 16 آب/ أغسطس 2015، على الرابط: http://www.mashreghnews.ir/fa/print/454041

الفعالة للمخاطر التي تمس أمنها القومي9. لكنّ هذا التغيير لن يكون ممكنًا إذا انهار الاتفاق النووي أو برزت مخاطر جديدة جراء تطورات المنطقة. قد يواجه روحاني من جانب آخر صعوبات في تقديم إجابات مقنعة لقلق الأطراف المؤثرة حيال مخاوفها مما كانت تسميه سابقًا الثورات الناعمة والملونة وتطرحه حاليًا باسم تيار "التسلل والاختراق"، وهذا سيؤثر سلبيًا في الإجماع الوطني على العقيدة الأمنية. أما الحرس الثوري، فسيبقى بعد الاتفاق سلطة عسكرية قوية وبارزة في الساحة، كما أنه سيحتفظ بمكانته كقوة عقائدية تدافع عن قيم الثورة. لذلك سيحاول التيار المعتدل تنظيم علاقته مع الحرس في القضايا المهمة بمساعدة المرشد. كما يحاول وضع حضور الحرس الاقتصادي والإعلامي في إطار القوانين، لأنه يعتقد أنّ الضرورات التي أباحت مثل هذا الحضور المشهود قد انقضت، وعلى الحرس أن يقلل من حضوره المباشر والرمزي وأن يواصل سعيه لرفع قوة الردع بالتناسب مع تغيير نوعية المخاطر الأمنية التي تبقى تواجه البلاد10. وستبقى إسرائيل حتى إشعار آخر العنوان الأبرز للتهديدات في العقيدة الأمنية الإيرانية. فإسرائيل من خلال نفوذها وتأثيرها في الشارع السياسي الغربي، ستسبب لإيران كثيرًا من المتاعب. ولذلك سيخوض البلدان صراعًا حادًا في استقطاب الأطراف الدولية في المرحلة المقبلة، خاصة بعد تجاوز الاتفاق عقبة الكونغرس الأميركي. من جانب آخر، سيبقى تصعيد التنافس الإقليمي والاصطفاف السياسي الحاد باهظ الثمن، وبخاصة أنّ الحركات الجهادية المتطرفة تستغل هذا الاصطفاف وتتغذى عليه لضمان استمراريتها. كما سيؤدي الشرخ والانقسام المذهبي دورًا بارزًا في تصعيد النزاع في المنطقة، وهذا يتطلب تعاونًا إقليميًا عاجلً بين الأطراف كافة.

الاتفاق النووي ومستقبل السياسة الخارجية الإيرانية

قال الرئيس حسن روحاني في كلمته في جامعة كازاخستان خلال مشاركته في قمتي شنغهاي وبركس: "إنّ هذه المنطقة من العالم لم تكن شرقًا ولا غربًا... بل كانت دائمًا جسرًا بين الشرق والغرب... نحن في وسط الشرق والغرب. نحن لا نهرب لا من الشرق ولا من الغرب"11. ويمكن اعتبار هذه الكلمة نقطة انطلاق لفهم سياسة إيران الخارجية بعد خروجها من العزلة وتثبيت مكانتها الإقليمية وتصحيح صورتها في الأذهان من خلال الاتفاق النووي الذي أرادته أن يتضمن الاعتراف بشرعيتها. لا يريد ظريف ولا روحاني استبدال الحلفاء والشركاء بشريك جديد، فقد علمتهم تجربة العقوبات الاقتصادية أنّ إيران تحتاج إلى مزيدٍ من الطاقة لاحتواء الأزمات، وذلك عن طريق تنمية العلاقات بشكلٍ متوازنٍ مع كل الأطراف من دون الوقوع في شرك أحد. وتعتقد إيران أنّ هذه السياسة تزيد مناعتها وقوة ردعها أمام تجارب تشبه تجربة العقوبات. ويسمي محمد قوتشاني، الصحافي البارز والمقرب من أوساط المعتدلين، هذه السياسة ب "سياسة الموازنة الإيجابية"12. وهي مبنية على الانفتاح على الأطراف كافة لخلق توازن بين المصالح. هذه سياسة نابعة من تاريخ إيران على طريق الحرير؛ طريق التجارة والترحال الرئيسة للعالم. لذلك ستحاول إيران بتوجهات اقتصادية الحضور الفعال في المنظمات الدولية والإقليمية. من جانب آخر، ساعد الاتفاق النووي في فتح قنوات تواصل مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، لكن لا تزال جدران عدم الثقة مرتفعة13. ولا يثق الإيرانيون بنيات الولايات المتحدة نحو بلادهم على الرغم من الخطوات الإيجابية الأخيرة، وهم يتابعون بدقة التصريحات الأميركية غير الودية. ومع ذلك، لا يمكن التقدم في العلاقات الثنائية أكثر في المرحلة الراهنة إلا عن طريق إثبات حسن النية من خلال تعاون مشترك في الملفات المفتوحة، وأبرزها محاربة الإرهاب. وتنظر إيران إلى هذا الملف بوصفه اختبارًا لمشروع أميركا في المنطقة بعد الاتفاق النووي، ومن شأنه أن يفتح الباب على آفاق جديدة للتعاون المشترك أو إغلاق الطريق أمام تحسين العلاقات. وسيكون لإسرائيل دور مهم في صوغ القرار الأميركي، وهذا ما تتوجس منه إيران كثيرًا. تهتم إيران بالتطورات الإستراتيجية التي تؤثر في مستقبل الإقليم، وترى في تقليص دور النفط في الاقتصاد العالمي واتجاه أميركا وبعض الدول الأوربية إلى الشرق، إرهاصات تغييرٍ كبيرٍ من شأنه أن يترك المنطقة في دوامة من الصراعات والنزاعات اللامتناهية التي تستنزف

  1. جلسة المفاوضات النووية والعلوم السياسية بحضور وزير الخارجية "، 25 آب/
  2. الرئيس روحاني في مؤتمر صحافي.
  3. http://www.president.ir/fa/80624
  4. أغسطس 2015، على الرابط: http://sedayiran.com/fa/print/76784
  5. 12  " الدبلوماسيون والجنرالات: إستراتيجية الموازنة الإيجابية"، مهرنامه، شماره 13 آب/ أغسطس.2015 13 حسب تعبير محمد خاتمي خلال كلمته التي وجهها إلى الشعب الأميركي.

الدول والشعوب وتجهض فرص التنمية الإقليمية والتعاون. لذلك، ستدفع إيران بقوة باتجاه تنمية اقتصادها وتنويع مصادره غير النفطية من جهة، وتنويع مصادر قوتها في العلاقات الدولية والدخول في المنظمات الدولية والإقليمية الفعالة من جهة أخرى. وهذا لا يعني أنّ إيران تنوي أن تفرّط بعلاقاتها مع الصين وروسيا في المرحلة القادمة، مع أنها تحاول الخروج من "قفص الاضطرار"، فهي تريد فتح آفاق جديدة من التعاون الدولي والإقليمي بما يضمن لها عدم العودة إلى تجربة الانعزال، حتى لو لم يصمد الاتفاق النووي.

المجتمع الإيراني والاتفاق النووي

تشير استطلاعات الرأي كافة إلى دعم المجتمع الإيراني لعقد الاتفاق. وأظهر استطلاع جرى قبل الانتخابات، أنّ نسبة الإيرانيين الداعمين لحصول الاتفاق تتجاوز %63، في حين لم تتجاوز نسبة الذين يعتقدون بأنّ الأطراف الغربية ستلتزم الاتفاق %3214. أما بعد إعلان الاتفاق، فقال النائب الأول لروحاني، إسحق جهانغيري، إن %88-80 من الإيرانيين، بحسب استطلاعات الرأي، يؤيدونه15.

من جانب آخر، أبدى الإيرانيون في المهجر عبر أشكال مختلفة دعمهم لهذا الاتفاق؛ وذلك من خلال الخروج إلى الشوارع في منتصف آب/ أغسطس الماضي، ونشر فيديوهات صغيرة يعبرون فيها عن دعمهم للاتفاق النووي. وتدل هذه المظاهر على تعطّش الشارع الإيراني لطيّ صفحة المواجهة والتخلص من العقوبات ودعمه القوي لهذه السياسة، كما تشير إلى ارتفاع معدل الأمل الاجتماعي في إيران. وينعكس ذلك في الاهتمام البالغ للجمهور الإيراني لأداء الأطراف الدولية أمام هذا الملف الشائك، والذي يتوقع أن يؤثر سلبيًا في صورة الدول والأطراف المناهضة للاتفاق ودبلوماسيتهم العامة لدى الإيرانيين. من جانب آخر، لو انحسر هذا الأمل الكبير، جراء عدم التزام الأطراف الدولية أو اللوبي المناهض، فسيؤدي إلى ارتفاع التأييد الشعبي للتوجهات الراديكالية وانحسار حظ المعتدلين في إيران كما حدث سابقًا في ظروف مماثلة.

مستقبل السياسة النووية الإيرانية

في الرسالة التي وجهها جواد ظريف إلى دول المنطقة، طرح اقتراح التعاون النووي للأغراض السلمية؛ أي الإفادة من إمكانيات التخصيب على شكل مركزٍ إقليمي لتوليد الوقود النووي عبر تعاون الدول الإسلامية في المنطقة كنموذجٍ بارزٍ للتعاون المنشود بين دول الجوار؛ وهو تعاون لا بد منه لإثبات حسن نيته وإثبات استعداد إيران لتبديد المخاوف والحيلولة دون سباق نووي في المنطقة. وبذلك تريد إيران سحب البساط من تحت كل الأطراف التي تريد أن تبني مصالحها الخاصة على حساب ملف إيران النووي. وهي مقتنعة بأنّ الملف النووي استمر أكثر مما يستحق بسبب مصالح الأطراف المستفيدة وأجندتها وبأنها دفعت ثمنًا باهظًا لذلك. من جانب آخر ستستمر إيران ببرنامجها النووي ضمن إطار الاتفاق النووي؛ وهو الاتفاق الذي حرصت على أن يضمن لها حق التخصيب والبحث العلمي. لذلك، ستنتهز الفرصة لتحديث مصادرها العلمية والبحثية وتطوير منشآتها، إلى جانب التوسّع في الاستخدامات السلمية الأخرى ومنها تأسيس مستشفى للطب النووي.

إيران والمنطقة بعد الاتفاق النووي

يمكن تلخيص القراءة الإيرانية لأحداث المنطقة في النقاط التالية: ليس في إيران قراءة موحدة للأحداث، بل تنقسم الأطراف السياسية في قراءتها والحلول التي تطرحها، كما هو الحال في القضايا الأخرى كافة. ولا يمكن لأي من الأطراف أن يغلب أو يقصي الطرف الآخر أو يمنعه من إعلان موقفه ورأيه. وهذا أمر يجب على دول المنطقة تفهّمه للتمييز بين الأصوات والرسائل المختلفة التي تصلها من إيران.

  1. Iranians Support Nuclear Deal, Remain Skeptical of the West and Want Normalization of Iran-U.S. Relations," June 23, 2015, at: https://www. ipos.me/en/polls/2015/06/23/nuclear-deal
  2. http://www.entekhab.ir/fa/news/219000

تعتقد حكومة روحاني أنّ الاتفاق النووي لا يتضمن تهديدًا لدول الجوار، بل أزاح شبح الحرب عن المنطقة. ولكن لا يمكن قطف ثمار الاتفاق النووي من دون الاتفاق والمصالحة مع الجوار الإقليمي. وتعي إيران أنّ ذلك يتطلب تبديد المخاوف والتوصل إلى حلٍ للقضايا الشائكة عن طريق التفاوض المباشر؛ فمصير الجيران العيش معًا، وعليهم أن يجدوا الطريق الأمثل لذلك، بحسب جواد ظريف. إيران دولة إقليمية ولها مصالح قومية وأمنية كما أنّ لها تأثيرًا في منطقتها بفضل العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية والدينية المشتركة16. لكن إستراتيجيتها الأمنية نابعة من ظروفها الخاصة والتهديد المستمر الذي كانت تتعامل معه طوال السنوات الماضية. المهم ألا تعتبر هذه الإستراتيجية وحيًا منزلً أو أمرًا لا يتغير. وقد تساعد الظروف الجديدة بعد خروج إيران من أزمتها في خلق موازين قوى جديدة تؤثر في عقيدتها للأمن القومي وحضورها الإقليمي. كما ستؤثر قطعًا في أدائها وطريقتها لإدارة الملفات. يمكن أن يوفر الاتفاق النووي في هذه الحالة، وذلك حسب الرؤية الإيرانية، فرصةً لتجاوز النزاع وحلحلة الملفات الشائكة17، على عكس مخاوف دول الجوار. وتريد حكومة روحاني فتح آفاق جديدة للتعامل مع المنطقة بناء على تغيير الظروف المحيطة بإيران وإمكانية تجاوز مرحلة الردع. لكنها لن تستطيع إقناع مراكز القرار بحلول بديلة إلا إذا استطاعت عرض صفقة أو اتفاق مبني على قاعدة الفوز المشترك؛ أي التنازل في شأن، مقابل الحصول على بديلٍ في شأن آخر. كانت حكومة روحاني تأمل بتجاوز الخلافات وتقدمت نحو ذلك فور وصولها للحكم، لكنها اصطدمت بحجم الاستقطاب الكبير الحاصل بعد أحداث سورية. ويحاول ظريف من جهته استخدام الإستراتيجية التفاوضية نفسها مع الأطراف والملفات العربية. هذا الأمر يحتاج لإرادة سياسية مبنية على الواقعية السياسية والبراغماتية من الجانبين. يستلزم البحث عن مخرج من الوضع القائم، إعطاء الحوار والدبلوماسية فرصة، والتفاوض المباشر لتجاوز الخلاف. وقد تأتي هذه الفرصة من خلال فصل الملفات العالقة عن بعضها بعضًا. وساعدت هذه الإستراتيجية إيران في الحصول على اتفاق مع عدوها اللدود، أميركا، كما ساعدتها في تنظيم العلاقات مع تركيا على الرغم من الخلاف في الملف السوري. تعرف إدارة روحاني أنّ السعودية هي اللاعب الرئيس في المنطقة العربية، لكنها اصطدمت بحرب اليمن وما أفرزته من سجال إعلامي واستقطاب سياسي. ويعد الحل السياسي أولوية للمنطقة، وتحتاج هذه الأولوية إلى تهدئة النفوس والاستقرار في المنطقة18. لم يفلح التعويل على التغيير في إيران في السياسة الأميركية، على الرغم من أنه كلف إيران الكثير، ولا طائل من إعادة هذه التجربة في الإقليم. في المقابل، يعتقد الباحثون المقربون من التيار الإصلاحي بأنّه في حال عدم نجاح روحاني بفتح قناة أو خلق فرصة لإدارة ملفات المنطقة عن طريق المفاوضات الدبلوماسية، فسوف تستمر النزاعات باستنزاف طاقات الإقليم حتى أجل غير مسمى. وفي حال رحيل روحاني، فليس من الواضح إن كان بديله سيكون مستعدًا للتفاوض وعقد الصفقات. وإن كان الرهان على بديلٍ منه، فلعل البديل سيكون أقرب إلى التصعيد أكثر من التفاوض؛ فعلى سبيل المثال ترى الدول العربية، حسب التجربة، فرقًا شاسعًا بين أحمدي نجاد ومحمد خاتمي.