الاتفاق مع إيران وآثاره في المنطقة وفي إسرائيل وفلسطين
الملخّص
وجمهورية إيران الإس تناقش هذه الورقة الاتفاق الذي توصلت إليه مجموعة 1+5 مااية، في ا تاريخيًا، قد تكون له آثار كبيرة في المنطقة شأن البرنامج النووي الإيراني، وتعتبره إنجاز. تناقش الورقة الملامح الرئيسة للاتفاق، والظروف التي أدت إليه، معددة آثاره المحتملة على المنطقة، وعلى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وانزعاج إسرائيل من البرنامج النووي الإيراني، وتهديدها بضربه. وتربط الورقة إمكانية أن يقود الاتفاق إلى نتائج إيجابية، وإحداث استقرار في المنطقة، بحدوث انفراج حقيقي في العلاقات الإيرانية الخليجية، خاصة العلاقات مع المملكة العربية السعودية، إضافة إلى حلحلة إشكالات الأقليات الشيعية في بعض دول الخليج.
يوسف منير *
الاتفاق
تُعدّ خطة العمل المشتركة الشاملة، وهي حصيلة عامين من المفاوضات المكثفة، إنجازًا مهمً على صعيد مفاوضات منع الانتشار النووي، وتعزيز النظام العالمي لعدم الانتشار النووي1. إنّ الخطة المفصلة، والتي وقّعتها في 14 تموز / يوليو 2015، إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة)، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، تتيح للمفتشين إمكانية الوصول إلى "سلسلة الإمداد النووي" الإيرانية لمدة 25 سنة مقبلة. ووافقت إيران بموجب الاتفاق كذلك على إجراء تقليص كبير جدًّا في برنامجها النووي، والسماح بمستويات غير مسبوقة من عمليات التفتيش. وفي المقابل، ستستفيد إيران من رفع العقوبات التي فرضها عليها مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بسبب عدم التزامها المزعوم بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية2.
ولعلّ النص الأكثر وضوحًا في الاتفاق هو إدراج أحكام محددة تتناول الانتهاكات المحتملة لها، فيما سمّي أحكام عقوبات "الخرق" (الفقرتان: 36 و 37.) إذ توجز الأحكام آليات حل النزاعات متعددة الأطراف. ويمكن لأي طرف في الاتفاق إثارة مخاوف من انتهاكات لها، ولا يمكن التوصل إلى قرار في شأن الشكوى، إلّ إذا وجده الطرف الشاكي مقبولً. وهذا يعني أنه يمكن لأي طرف بمفرده إثارة مسألة "العودة" إلى العقوبات. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن تكون صاحبة الشكوى هي الولايات المتحدة3. ومن حيث الجوهر، وافقت إيران على أحكام تبقي إمكانية إعادة العقوبات بيد الولايات المتحدة، متخلية عن الحماية عبر فيتو مشاركين آخرين (كالصين أو روسيا مثلً.) وبذلك، محضت إيران ثقة لافتة للولايات المتحدة التي يسميها القادة الإيرانيون غالبًا "الشيطان الأكبر." ويعكس هذا الاستعداد الحسابات العقلانية للمفاوضين الإيرانيين، في طلاق عميق مع الخطاب المعهود لقادتهم. كما يعكس القناعة بأنّ مصالح كل من الولايات المتحدة وإيران تتحقق عبر التزام الاتفاق.
الظروف التي أدّت إلى الاتفاق
ربّ ا ليس من المبالغة القول إنّ حربي الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان أوجدتا الظروف التي دفعت المسؤولين الرئيسيين إلى طاولة المفاوضات وسمّرتهم إليها طوال سنتين. فبالنسبة إلى إيران خلقت لها الحربان أزمة وفرصة معًا، فكان عليها، بسبب وجودها على قائمة "محور الشر"، أن تتعامل مع واقع وجود قوات برية أميركية على حدودها الشرقية والغربية. لكن، كان لديها في الوقت نفسه مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق، ويمكنها تحقيق نتائج في كلتا الساحتين، إذا لعبت بأوراقها جيدًا. وقد تعاونت إيران مع الولايات المتحدة في أفغانستان، لاسيما في المراحل الأولى من الحرب. وتجلت في العراق، بوضوح شديد، مهارتها في تحويل الأزمة إلى فرصة. فبعد تحطيم الولايات المتحدة سلطة صدام حسين البعثية، هيأت إيران نفسها للاضطلاع بدور مهم في صوغ مستقبل العراق، وفعلت ذلك عبر إقامة تحالفات قوية مع المجموعات السياسية الشيعية العراقية التي سيطرت على المؤسسات السياسية العراقية. ففي حين كان العراق في ظل صدام حسين بمنزلة رادع لإيران في المنطقة، أصبحت إيران مع تحول العراق إلى تابع لها، أكثر حرية في إبراز قوتها ونفوذها في المنطقة. كما سرّعت برنامجها النووي أثناء الاحتلال الأميركي للعراق. وعملت إيران، على تطوير نفوذها الإقليمي، في اللحظة عينها التي كانت تواجه فيها أثر العقوبات الغربية. وبحسب وزير الخزانة الأميركي جاكوب ليو، تقلص الاقتصاد الإيراني بنسبة 15 إلى 20 في المئة
عن مستواه الطبيعي نتيجة تشديد العقوبات عام 2012 4. وألحقت العقوبات بحياة الإيرانيين العاديين أضرارًا بالغة. وبالفعل، اعترفت الولايات المتحدة ضمنيًا أنّ العقوبات على إيران خلقت صعوبات في تمويل شراء الدواء والغذاء5. وكانت حربَا الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان محاولتين مكلفتين في جميع جوانبهما. فقد استنزفت دماء وأموالً كثيرة،6 وفاقت الكلفة البشرية وخسائر البنية التحتية في العراق كل تصور7، وانهارت صدقية الولايات المتحدة عندما تبيّ بوضوح أنها سوّقت حربًا لا تحظى بشعبية في جميع أنحاء العالم أمام الأميركيين زورًا على أنها حرب لمكافحة الإرهاب وتدمير أسلحة الدمار الشامل، حرب تبيّ أنها لم تعجز عن إيجاد تلك الأسلحة فحسب، بل أدت أيضًا إلى زيادة غير مسبوقة في حوادث الإرهاب العالمي. وشكّل كلّ ما سبق السياق الذي وضعت فيه الولايات المتحدة إستراتيجيتها تجاه البرنامج النووي الإيراني. وقد اتهم منتقدو إدارة أوباما الرئيس بعدم توجيه تهديد ذي صدقية باستخدام القوة العسكرية الأميركية ضد إيران. فلم يكن من المحتمل يومًا استخدام القوة العسكرية لتحقيق هدف السياسة المعلنة للولايات المتحدة في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وإيران دولة غنية بالموارد، يبلغ عدد سكانها نحو 80 مليون نسمة، ويتقن علماؤها بالفعل دورة الوقود النووي. وأي دولة بمثل مواصفات إيران يمكنها، إذا صممت، تحقيق التقدم التكنولوجي اللازم لبناء أسلحة نووية (قدرة تحققت أول مرة منذ سبعين عامًا.) ولن تحقق الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، أكثر من الإضرار بالبنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، وهو ما ستعيد بناءه بسرعة حكومة إيرانية أكثر تصميمً بما لا يقاس على تجاوز عتبة التسلح. ومن شأن عمل عسكري أميركي ليس فقط أن يغلق أي آفاق للعمل الدبلوماسي بل ويرغم على الاختيار بين الانخراط في مزيد من العمل العسكري أو التراجع عن هدفها المعلن، ما يجسد بوضوح سيناريو خسارة للطرفين. لذلك كانت الإستراتيجية الأفضل للولايات المتحدة هي تجنب سيناريو يقدّم مثل هذه الخيارات القاتمة. كان الإيرانيون واثقين من أنّ رئيسًا أميركيًا، وعد في حملته الانتخابية بإنهاء حروب الشرق الأوسط، سيجد صعوبة في مطالبة جمهور أنهكته الحروب بتأييد تدخل عسكري مفتوح آخر في الشرق الأوسط. وهكذا، على الرغم من العقوبات التي فرضت عليها منذ عام 2006، فإنّ إيران وسّعت بسرعة برنامجها النووي، بينما لم تستطع الولايات المتحدة تنفيذ تهديد عسكري من شأنه إشعال حرب شاملة على الأرجح. وأدى ذلك في الوقت نفسه إلى تولّد شعور بضرورة التعجيل بحل النزاع المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، حتى عندما أصبح واضحًا لجميع المعنيين بأنّ احتمالات العمل العسكري هزيلة.
تبعات الاتفاق مع إيران
لقد وُضعت خطة العمل المشتركة الشاملة، بينما كانت الولايات المتحدة تعيد تحديد دورها في المنطقة. فطوال أعوام عديدة، جرى ملء القسم الأكبر من الفراغ المتولد عن سقوط نظام صدام حسين في العراق بقوات الاحتلال الأميركي. ولكن، كان من الواضح للولايات المتحدة وشركائها الإقليميين أنها ستسحب قواتها في نهاية المطاف، وتسلّم العراق للعراقيين الذين غالبيتهم من الشيعة ولديهم روابط تعاطف مع إيران. وكان صوغ المصالح الأميركية أيضًا يتأثّر بتغيرات سوق الموارد العالمية؛ فلقد تزايدت قدرة الولايات المتحدة طوال العقد الماضي على إنتاج النفط بكميات أكبر من السابق بصفة مستقلة، مقلصةًاعتمادها على نفط الشرق الأوسط8. وقد
صرّح الرئيس أوباما للكاتب الصحفي توماس فريدمان أنّ: "المصالح الجوهرية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة في هذه المرحلة، ليست النفط أو الحضور الإقليمي.)...(مصالحنا الجوهرية هي أن يعيش كل إنسان بسلام، وأن يستتب النظام، ولا يتعرض حلفاؤنا للهجوم، وألّ تتساقط البراميل المتفجرة على رؤوس الأطفال، ولا تجري عمليات نزوح كثيفة. فمصالحنا بهذا المعنى هي في الواقع عبارة عن التأكد من أنّ أحوال المنطقة على ما يرام. فإذا كانت كذلك، فسنكون نحن على ما يرام"9. ويعدّ هذا التعريف لمصالح الولايات المتحدة تحوّلً جذريًا، جرى التخطيط له منذ زمن طويل. وهو مصدر قلق لشركائها الإقليميين. فالحرب التي شنتها على العراق أدت إلى تزايد النفوذ الإيراني على الإقليم، وتدّعي الولايات المتحدة الآن أنه ليس لديها سبب وجيه لتخصيص موارد ضخمة لمواجهة ذلك. وأخبرت الولايات المتحدة شركاءها الإقليميين ببساطة أنه حان الوقت كي يؤدوا دورًا متزايدًا في المنطقة التي يدعونها وطنًا.
بيد أنه ما لم يؤدِّ الاتفاق مع إيران إلى زيادة التعاون بين بلدان المنطقة، فإنّ هدف الرئيس الأميركي في الاستقرار الإقليمي قد يكون صعب التحقيق. فإعادة تحديد الأهداف الأميركية في المنطقة دفعت شركاءها الإقليميين وتحديدًا دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية إلى التحرك عسكريًا لمواجهة من يعدّونهم أتباع إيران في المنطقة10. وقد يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة في دول شتى، ويوفّر أرضًا خصبة للتطرف العنيف. ومن غير المرجح حصول استقرار إقليمي ما لم تتوصل إيران والسعودية إلى إقامة علاقات تعاون أساسها المصالح الإقليمية المشتركة. ويوفّر التمدد الإقليمي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام فرصة لهذا التعاون؛ فالتنظيم يمثّل تهديدات أمنية خطيرة للسعودية وللنظام التابع لها في مصر، ويستهدف الجماعات الشيعية بهجمات جماعية. بيد أنّ حالة التوتّر بين الرياض وطهران مرشحة للاستمرار في الدوران حول الانقسامات الطائفية التي تفاقمت بسبب الانتفاضات العربية. فالسكان الشيعة في السعودية، واليمن، والكويت، والبحرين، ولبنان، وغيرها دأبوا على التوجه إلى طهران طالبين دعمها كلما استشعروا إقصاء أو ظلمً من حكوماتهم. وترى دول الخليج الأقليات الدينية تهديدًا أمنيًا شديدًا دفع بها إلى تبنّي سياسات رجعية بل ومزعزعة للاستقرار. وليست لإيران تجربة مماثلة؛ إذ تقطنها أقلية سنّية صغيرة تخضع لإجراءات صارمة (وخاصةًالكرد والبلوش)، لكنّ هذه الأقلية لا تواجه ما يضاهي التمييز الذي يواجه الأقليات الشيعية في البلدان العربية. (والحقيقة أنّ التحديات التي تواجه الحكومة الإيرانية لا تأتي غالبًا من جماعات الأقليات في الداخل، بل من داخل إطار الثورة الإسلامية التي يقودها الشيعة، كالحركة الخضراء مثلً في عام.)2009 ومن غير المرجّح تغيّ هذا الواقع الديموغرافي الذي سيستمر في إذكاء التوتّرات بين طهران والرياض. ولكن، يمكن لدول الخليج تخفيف حدة التوتّر عبر انفتاح أنظمتها السياسية، ومعالجة المظالم المشروعة للأقليات من سكانها. وفي حين أنّ ذلك قد يكون غير مريح لبلدان الخليج (وفعلً وصف الرئيس أوباما تلك المساعي بوصفها "محادثات عسيرة ينبغي إجراؤها)"، فإنّ المهم هو أن تدفع الولايات المتحدة بلدان الخليج في هذا الاتجاه، لأنّ معالجة مخاوف الأقليات يساهم في إحلال السلام والاستقرار الإقليمي لأمد طويل. ولا تزال أزمات أخرى في المنطقة، كالحرب الأهلية في سورية، مستعصية عن الحل حتى الآن، ولكنّ ذلك قد يتغيّ، إذا جرى إقناع طهران بالعمل مع أطراف أخرى لحل الصراع. إنّ للاتفاق مع إيران أثرًا مهمًّ في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي؛ فلقد احتل البرنامج النووي الإيراني الصدارة في جدول أعمال المجتمع الدولي طوال الأعوام القليلة الماضية. ويعود ذلك جزئيًا إلى تسارع وتيرة البرنامج، ولكنه يعود أيضًا إلى أنّ إسرائيل جعلت منه أولوية من خلال زيادة احتمال شن هجوم إسرائيلي على إيران. حتى في السنوات الأولى لإدارة أوباما، قبل التطبيق الكامل لنظام العقوبات على إيران، وبينما كانت الولايات المتحدة تحاول دفع
عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستمرار يردّ على مخاوف الرئيس أوباما من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي بتحويل التركيز نحو إيران11. وفي الولاية الثانية للرئيس أوباما، اصطدمت المساعي الشخصية الكبيرة لوزير الخارجية جون كيري لاستئناف عملية السلام بتعنت الحكومة الإسرائيلية مدعومة بجمهور ناخبين ذي توجه يميني متزايد. وأعلن كيري أخيرًا عن توقف من أجل إعادة تقييم السياسة الأميركية، وحوّل تركيزه إلى المفاوضات مع إيران. لقد حرفت قضية إيران الاهتمام الأم كيرر والدولي عن القضية الفلسطينية. كما تشهد المنطقة صراعات أخرى مستعرة. بيد أنه إذا نُفِّذ الاتفاق مع إيران وأظهر علامات على نجاحه، فسيكون واحدًا من أكبر أسباب صرف الانتباه عن التركيز على القضية الفلسطينية قد سُحب من الطاولة. فها هو الزخم الدبلوماسي الدولي الذي كُرِّس لإيران طوال السنتين الماضيتين، بات متوافرًا ويمكن تركيزه على القضايا ذات الأولوية. على الرغم من عدم وجود ظروف تشجع على مفاوضات ناجحة ومجدية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإنّه يمكن للجهات الفاعلة الدولية الشروع في خطوات لتغيير هذه الظروف. ولكنّ إسرائيل تواصل معارضتها الصاخبة للاتفاق مع إيران الذي حصل على إجماع في مجلس الأمن (وهو إنجاز في حد ذاته)، ما سيساهم في إثارة التوتّر بين إسرائيل والدول الغربية الكبرى. ومن الممكن أن يبدأ العديد منها في اتخاذ إجراءات تضغط على إسرائيل لتحريك المفاوضات مع الفلسطينيين، مادامت قضية إيران قد حُلّت. ومن المستبعد أن يمارس الرئيس أوباما الضغط الضروري المطلوب على إسرائيل لاستئناف مفاوضات جادة في الوقت القصير المتبقي له في البيت الأبيض. فهو يحذر من أن توثّر أفعاله في السباق الانتخابي للمكتب البيضاوي، والإسرائيليون والفلسطينيون كلاهما يعرف أنّ الرئيس القادم قد لا يميل إلى التزام عملية بدأها سلفه. ومع ذلك، يرجح أن يترك سحب قضية إيران من الطاولة آثارًا إيجابية في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، تستمر إلى ما بعد رئاسة أوباما.