مراجعة كتاب الرواية المفقودة
عنوان الكتاب: الرواية المفقودة. المؤلف: فاروق الشرع. الطبعة: الأولى. سنة النشر:.2015 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الدوحة/ بيروت. عدد الصفحات: 495 صفحة.
يستمد كتاب فاروق الشرع "الرواية المفقودة" تسميته من أنّه يمثّل الجانب السوري الذي التزم الصمت ولم يعرض روايته للمفاوضات السورية الإسرائيلية والأحداث المصاحبة والمؤثّرة، في حين كتب دبلوماسيون وعسكريون إسرائيليون الرواية الإسرائيلية، مثل أوري ساغي، وإيتمار رابينوفيش، وكتب مسؤولون أميركان الرواية الأميركية، مثل دنيس روس، ومادلين أولبرايت، وبيل كلينتون. عمل فاروق الشرع قبل أن يتولى موقعه الأخير نائبًا للرئيس السوري، وزيرًا للخارجية نحو عشرين سنة، كان في أثنائها شاهدًا وفاعلً في كثير من الأحداث المهمة التي مرت بالشرق العربي، مثل الحرب الأهلية اللبنانية وتداعياتها: الدور السوري في لبنان، والاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة الفلسطينية، والتسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي بدءًا بزيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى إسرائيل ثم توقيع معاهدة كامب ديفيد، والثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، وانهيار الشيوعية والاتحاد السوفييتي، ومؤتمر مدريد والمفاوضات السورية الإسرائيلية، والغزو العراقي للكويت وما تبعه، واتفاق أوسلو، ومعاهدة وادي عربة، وصعود الليكود ونتنياهو في إسرائيل... وفي تقديمه للكتاب، يرى الشرع أنّ الكتاب يمثّل تجربته ومشاهداته التي عايشها وزيرًا للخارجية السورية، مبتعدًا عن الاستطراد أو الدخول في التفاصيل، بما في ذلك من إهدار للتلوين في وصف الوقائع، وحجب بعض الأضواء عن تطوراتٍ ما، أو التعتيم على حياة بعض الشخصيات. واستثمر المؤلف اهتماماته الأدبية والثقافية ورحلاته في العالم في الوصف والتحليل كما كانت من قبل جزءًا من تكوينه السياسي 11(-.)14 يتكوّن الكتاب من مقدمتين، إحداهما للناشر، والأخرى للمؤلف، وتسعة عشر فصلً، تدور حول الأحداث الرئيسة التي عاصرها المؤلف فاروق الشرع، وخصصت المساحة العظمى منها للمفاوضات السورية الإسرائيلية التي انطلقت عام 1991 وتوقفت في عام.2000 في الفصل الأول "بين النكبتين: 1948 و 1967"، يعرض المؤلف سيرته وتكوينه الذاتي منذ ولد في ريف حماة عام 1938 في أسرة من مدينة درعا، حيث كان يعمل والده موظفًا في قرية محردة، ولكنّه عاد إلى مدينته درعا عندما بلغ التاسعة ليعيش فيها ويدرس في مدارسها، ويتعرف هناك على حزب البعث. وكانت نكبة 1948 واحدة من المحطات التي شكّلت وعيه السياسي وذكرياته وتجاربه في التظاهرات والتعرّف إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين قدموا إلى درعا. كما يتذكر سلسلة من الانقلابات العسكرية التي حدثت في سورية، بدءًا بحسني الزعيم ثم سامي الحناوي وأديب الشيشيكلي، والثورة المصرية 1952، وثورة محمد مصدق في إيران 1953، وحلف بغداد 1955، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر 1957، والوحدة السورية المصرية 1958 - 1961. وانخرط الشرع مبكرًا في السياسة والعمل؛ فقد التحق بكلية الآداب في جامعة دمشق. وفي الوقت نفسه، كان يعمل في البنك العربي، ثم شركة الكرنك في فرعها في مطار المزة. وبعد تخرّجه في الجامعة، عمل في شركة الطيران السورية. تعرّف الشرع إلى حافظ الأسد في الجدل السياسي الذي رافق الانفصال وانتهاء الوحدة بين مصر وسورية، وكان الأسد قد سرّح من عمله طيارًا ليعمل في وظيفة مدنية في النقل البحري. وقد ساعده عمله في شركة الطيران على التواصل فيما بعد مع حافظ الأسد الذي عمل وزيرًا للدفاع، وكانت الشركة تابعة للوزارة. وفي عمله مع الشركة في مدن أوروبية عدة وثقافته الإنكليزية، تشكّلت لدى الشرع رؤية أكثر واقعية وهدوءًا في غمرة من التطرف الذي هيمن على الساحة السياسية السورية، يصفها الشرع بأنّها "يسار طفولي." وقد توافق في ذلك مع حافظ الأسد الذي اتخذ مسافة من النزاع الحزبي الداخلي، والذي اتخذ مواقف أكثر اعتدالً، وظهر وحيدًا في رؤيته للأمور، وخصوصًا عندما قررت القيادة السياسية دعم عرفات في أحداث أيلول / سبتمبر عام 1970. وكان الشرع في تلك الأثناء مديرًا إقليميًا لشركة الطيران السورية في لندن. ولكنّه شارك بصفة مراقب في المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي لحزب البعث في تشرين الثاني / نوفمبر 1970، وكان حافظ الأسد كما يقول معزولً في ذلك المؤتمر لدرجة أنّه كان يحضر ويغادر القاعة دون أن يثير اهتمام الكثير من المؤتمرين. ولكن حافظ الأسد فاجأ الرفاق بالحركة التصحيحية، وألقى صلاح جديد الرجل القوي في الحزب والدولة وقادةً آخرين، في السجن.
سنوات الاختبار
عيّ الشرع في عام 1976 سفيرًا في روما. واستمر في موقعه هذا حتى عام 1980. وصاحب ذلك دخول القوات السورية إلى لبنان، واقتحام السفارة السورية في روما، واختطاف رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو على يد جماعة الألوية الحمراء، وخروج المطران كابوتشي مطران القدس من السجن لينتقل إلى روما.
ومن أهمّ الأحداث التي وقعت في تلك المرحلة، والتي يصفها الشرع بالزلازل، هي الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتبع ذلك انتقال القيادة السياسية في العراق من أحمد حسن البكر إلى صدام حسين، ثم الحرب العراقية الإيرانية، والنزاع العراقي السوري الذي أدى إلى إغلاق الحدود وسفارتي البلدين. كما وقعت أحداث عسكرية دامية في سورية على يد الطليعة المقاتلة أو الجناح العسكري للإخوان المسلمين، مثل حادثة المدفعية التي قُتل فيها العشرات من تلاميذ الكلية العسكرية في حلب، ومحاولة اغتيال حافظ الأسد.
وعيّ الشرع في عام 1980 وزير دولة للشؤون الخارجية. وكانت العلاقات السورية السوفييتية تتطور، وتوّجت بمعاهدة الصداقة والتعاون. كما شغلت السياسة الخارجية بمحاولة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية، والتي كان الأسد يراها مغامرة تورّط فيها صدام حسين وسوف تطول حتى يستنزف كلٌ من إيران والعراق. وجاء ريغان الجمهوري المحافظ رئيسًا للولايات المتحدة خلفًا للديمقراطي جيمي كارتر. كما جاءت مارغريت تاتشر رئيسة لوزراء بريطانيا. وتطورت الأحداث في لبنان على مستوى الصراعات الطائفية الداخلية والصراع مع إسرائيل والدور السوري في لبنان؛ فدخلت القوات الإسرائيلية بقيادة أرئيل شارون إلى لبنان، وانتخب بشير الجميل رئيسًا للبنان في ظل حماية إسرائيلية، كما أغارت إسرائيل على المفاعل النووي العراقي ودمّرته. ويشير الشرع هنا إلى معركة "السلطان يعقوب" التي وقعت على طريق دمشق بيروت بين القوات السورية والإسرائيلية. وتكبّدت فيها القوات الإسرائيلية خسائر كبيرة. وفشلت في محاولة السيطرة على منطقة حيوية بالنسبة إلى سورية. وأطلق ريغان في أيلول / سبتمبر 1982 "مشروع ريغان" للتسوية السياسية، لم يأت فيه ذكر للجولان ولا لسورية. ودخلت قوات متعددة الجنسيات إلى بيروت. وقتل بشير الجميل في 14 أيلول / سبتمبر 1982. وبعد يومين من اغتياله، هاجمت ميليشيات الجيش اللبناني مخيمَي صبرا وشاتيلا. وارتكبت مذابح مروعة بحق الفلسطينيين. انتخب أمين الجميل رئيسًا للبنان خلفًا لأخيه بشير. وفي هذه الفترة، توفي الرئيس السوفييتي بريجينيف ليخلفه أندروبوف. وتطورت بمجيئه العلاقات السورية السوفييتية؛ ما شجّع الأسد على القيام بدور إقليمي واسع أو ما كان يسمّيه الأسد "التوازن الإستراتيجي"؛ فأفشلت المفاوضات الإسرائيلية للبنان، وأسقط اتفاق 17 أيار بين إسرائيل ولبنان. وتوّج هذا الصراع بالهجوم الذي تعرّض له مقر مشاة البحرية الأميركية والقوات الفرنسية في 23 تشرين الأول / أكتوبر 1983، والذي قُتل فيه أكثر من 300 جندي أميركي وفرنسي. وبعد ذلك بشهرين، أسقطت القوات السورية طائرة أميركية، وأسرت طيّارها بوبي غودمان.
التحديات المنتظرة وقصة رفعت
يروي الشرع في هذا الفصل مجموعة من الأحداث والتطورات؛ منها الانشقاق في حركة فتح، وإبعاد عرفات من دمشق بطريقة مهينة، ويقول إنّه لم يكن موافقًا على ذلك، وأنّ الإبعاد دبّره عبد الحليم خدام وزير الخارجية في ذلك الوقت بكثير من الشخصنة والمبالغة في التقدير في أنّ عرفات اندمج في المشروع الأميركي، ثم عاد عرفات سرًا إلى طرابلس الشام، ولكن الأسد تدخّل مباشرةً ضد عرفات ووجوده في لبنان، ما اضطره إلى الانسحاب بوساطة عربية، ليبدأ فصل آخر في العلاقة المرّة بين سورية وعرفات. ويخصص الشرع الجزء الأكبر من هذا الفصل وكما يبدو من العنوان، لصراع مراكز القوى في سورية؛ إذ كان رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع يقود جناحًا في السلطة والتأثير، ويتعاون معه في ذلك عددٌ من الوزراء والقادة العسكريين وأعضاء القيادة القطرية لحزب البعث. وتجلّ هذا الصراع أو الانشقاق في أثناء مرض حافظ الأسد ودخوله إلى العناية المركزة، ثم النقاهة لفترة من الزمن. وفي أثناء ذلك، شكّل الأسد لجنة مصغّرة لتسيير شؤون الدولة في مرحلة مرضه مكوّنة من الأمين العام المساعد للقيادة القومية عبد الله الأحمر، والأمين القطري المساعد محمد زهير مشارقة، ورئيس مجلس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، ووزير الخارجية عبد الحليم خدام، ووزير الدفاع مصطفى طلاس، ورئيس الأركان حكمت الشهابي.
وفي ظل هذ الصراع، كان رفعت الأسد يقود مراكز مؤثّرة في الدولة والجيش والعلاقات الخارجية. وبدأ العمل ليخلف أخاه في الحكم. ولكن حافظ بعد شفائه من المرض وما تحقق له من انتصارات سياسية وعسكرية، أجرى إعادة هيكلة في مراكز القوى في حكمه؛ فصدرت مراسيم تعيين ثلاثة نواب للرئيس، هم عبد الحليم خدام، وزهير مشارقة، ورفعت الأسد، وكلّف الكسم بإعادة تشكيل الحكومة، وأصبح الشرع فيها وزيرًا للخارجية، ثم أبعد رفعت خارج البلاد.
الشأن اللبناني وصداع الرأس
كان التقدّم السوري في لبنان بفضل التحالف مع حزب الله وقوى سياسية وطنية وإسلامية، مثل حركة أمل والحزب القومي السوري والحزب الشيوعي. وشعرت سورية بقلقٍ بالغ تجاه الخلاف بين حركة أمل وحزب الله. ودخل الشرع في مفاوضات شاقة بمعونة وزير الخارجية الإيراني علي ولايتي لترتيب حالة من التعاون بين الحزبين بدلً من الخلاف والقتال. وأعادت سورية لمصلحتها ترتيب الأوضاع الفلسطينية في لبنان. كما حدث انقلاب في القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة صديق سورية. يقول الشرع إنّ تجربته مع الملف اللبناني جعلته ينفر من الغوص في الشأن اللبناني الذي كما يقول لا تنفع فيه "الذمم" واحترام "العهود"؛ فكلّ شيء قابل للانقلاب عليه والنكوص عنه، وهذا ليس عمل وزير خارجية بل عمل رجال أمن يجيدون العمل مع الميليشيات. وفي المحصلة، فقد توّجت الجهود السياسية والدبلوماسية والأمنية في لبنان باتفاق الطائف، والذي قام بدور مؤثّر في صوغه وإقراره كلٌ من رفيق الحريري وسعود الفيصل وزير الخارجية السعودي.
غورباتشوف: الأول والأخير
جاء غورباتشوف سكرتيرًا للحزب الشيوعي السوفييتي بعد سلسلة وفيات في قيادة الاتحاد السوفييتي، بريجينيف، وأندروبوف، وتشيرننكو. وكان أندروبوف هو الذي دفع به إلى القيادة السياسية. وقد لقي غورباتشوف ترحيبًا غربيًا بدأته تاتشر، ثم تبعها في ذلك الرئيس الأميركي ريغان وقادة أوروبيون آخرون. كانت سورية مشغولة جدًا بالحصول على أسلحة روسيّة متقدمة، لتقليل الفجوة في مجال التسلح مع إسرائيل. واعترف غورباتشوف في لقاء منفرد مع حافظ الأسد بأنّ القدرات العسكرية السوريّة تعاني نقاط ضعف بعد خسائرها في حرب عام 1982. وكان غورباتشوف مطّلعًا على هذه المعلومة بحكم قربه من أندروبوف، وأبدى استعداده للدعم الفني لتجاوز الثغرات وتطوير القدرات في السلاح السوري. ولكنّه اعتذر عن تقديم أسلحة جديدة بسبب أنّ الحل الشامل والعادل للصراع في الشرق الأوسط سياسي وليس عسكريًا. وقال: نرى اتجاه العمل السياسي طريقًا إستراتيجيًا لحلّ هذا النزاع، وأنّ الاتحاد السوفييتي يأمل أن يجري التركيز على تطوير العلاقات الاقتصادية مع سورية، وعلى الاستعانة بالدول العربية معًا. وبعد هذه الزيارة، طلب وزير الخارجية السوفييتي إدوارد شيفاردنادزه لقاء ثنائيًا مع فاروق الشرع، بعيدًا عن الإعلام في أثناء عودته من زيارة له إلى طوكيو جرت في الأول من حزيران / يونيو 1988 حيث يمر بموسكو في طريقه، وهناك جرى بينهما لقاء في غياب السفير السوري في موسكو عصام النائب، قال شيفاردنادزه بعد ترحيب قصير إنّه رغب في هذا اللقاء لدعوة سورية للتفكير في السلام والكفّ عن طلب مزيد من الأسلحة السوفييتية، وطلب أيضًا من سورية الانسحاب من لبنان. وكان هذا اللقاء كما يقول الشرع، مؤشرًا واضحًا على الاتجاه الجديد للقيادة السوفييتية الجديدة. وأبدى الرئيس الأسد انزعاجه الشديد ممّ قال شيفاردنادزه. وقال إنّه تغيّ خطير في موقف القيادة السوفييتية. جرى في نيويورك في أيلول / سبتمبر وفي لقاء 1989 بين الشرع وشيفاردنادزه، قال الأخير إنّ جمهوريات بحر البلطيق ستحصل على استقلالها الوطني قريبًا، وسيصدر دستور سوفييتي جديد يعطي حرية الانفصال لجميع الجمهوريات السوفييتية. وكان ذلك خبرًا صاعقًا للقيادة السوريّة، إضافةً إلى أنّ خالد بدكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري والخبير في الشؤون السوفييتية كان يبدي موقفًا متحفظًا من البيروسترويكا. ونقل الشرع رسالة إلى غورباتشوف تتضمن سؤالً محددًا عن انفصال جمهوريات البلطيق. ولكن غورباتشوف ردّ بطريقة عصبية إنّ هذا الأمر ليس صحيحًا، وليس من الوارد أن تستقل جمهوريات البلطيق، ونسبة كبيرة من شعوبها وقوّاتها تصل إلى 40 في المئة من الروس. وجرى لقاء رسمي بين الأسد وغورباتشوف في نيسان / أبريل 1990. وعاد الأسد مثقلً بالقلق؛ فقد علم بأنّ موجة هجرة يهودية سوفييتية واسعة سوف تبدأ إلى إسرائيل. وكان واضحًا أنّ الاتحاد السوفييتي قد
دخل في مرحلة التراجع، وأنّ الحرب الباردة قد حسمت لمصلحة الولايات المتحدة، وأنّه لم يعد بإمكاننا الاعتماد على موقف الحليف السوفييتي.
الإخوة الأعداء: نحن والعراق
يتحدث الشرع في هذا الفصل عن الفكر العروبي الاتحادي الذي يراود الحركة القومية العربية، وعن الجهود التي بُذلت للوحدة والتنسيق بين العراق وسورية؛ ومنها جهود مكثفة وخارقة قادها الملك حسين. وقد نظّم الملك الأردني لقاء طويلً بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد. واستمر اللقاء المنفرد بينهما 11 ساعة. ولكنّهما لم يتوصلا إلى اتفاق. ثم جرت لقاءات بين الشرع وطارق عزيز في قاعدة جوية أردنية على الحدود العراقية الأردنية، تحمل اسم H4. وشارك في هذه اللقاءات الملك حسين ورئيس الوزراء زيد الرفاعي. وكان ثمة أملٌ كبير في الوصول إلى صيغة اتحاد عراقي - سوري - أردني. ولكنّها انتهت بالفشل.
وبعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية، جرت لقاءات بين الشرع وطارق عزيز في موسكو. وكان السوفييت حريصين على قيام اتحاد عراقي - سوري، وعلى تطوير العلاقات السوفييتية مع البلدين. ولكنّها محاولات باءت بالفشل. كان العراق يعتبر نفسه قد خرج من الحرب منتصرًا. يقول الشرع لم يكن هناك مشكلة كبيرة لنا في هذا "الاعتبار"، فمن الطبيعي أن يسوّق العراق أمام الرأي العام وقف الحرب بوصفه انتصارًا له، بينما كان وقف الحرب في حقيقته انتصارًا مرًا للشعبين العراقي والإيراني، لكنّه انتصار المنهكين واليائسين والمدمّرين، وبدلً من أن يستخدم الرئيس العراقي صدام حسين نهاية الحرب لتصحيح العلاقات مع سورية، واستخدام نفوذها لدى إيران في عودة العلاقات الطبيعية بينهما، وترميم تصدعات النظام العربي وإعادة الاعتبار للتناقض الأساسي بين الأمة العربية وإسرائيل، فإنّه أخذ يطرح نفسه بوصفه زعيم الأمة العربية، ويعمل لإحكام السيطرة على النظام العربي وأيّ دولة يمكن أن تبلغها يداه.
استدارة صدام حسين نحو سورية ولبنان
بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، جاء الجنرال ميشال عون رئيسًا بدعم من صدام وعرفات. ويقول الشرع إنّ عون أعلن رسميًا عن بدء ما سماه "حرب التحرير"، وأطلق تصريحات "حربجية" "متطرفة" و"غير مسؤولة" ضد سورية والرئيس الأسد. في مؤتمر القمة الذي عقد في المغرب، كان لبنان هو الموضوع الرئيس للمؤتمر، وقد حدثت مشادة بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد. وأكّد البيان الختامي للمؤتمر عروبة لبنان، وأنّ استمرار الأزمة يهدد لبنان بالتقسيم ويهدد الأمن القومي العربي، وأكّد التضامن العربي مع لبنان ومساعدة الشرعية على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على كامل التراب اللبناني، وانتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وفاق وطني تلتزم وثيقة الإصلاحات وتعمل على تطبيقها. وساهمت سورية في صوغ وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّها مؤتمر الطائف. ودخل لبنان في مرحلة تطور جديدة في تاريخه الحديث. كما دخلت العلاقات السورية اللبنانية طورًا جديدًا كان عنوانه الأبرز هو إبرام "معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق."
الانتفاضة الكبرى
حرّكت الانتفاضة عام 1987 على نحو غير مباشر جهود التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي. وقد التقى ريتشارد مورفي معاون وزير الخارجية الأميركي الرئيس الأسد في 7 شباط / فبراير 1988، وكانت الخارجية الأميركية قد أعادت قبل هذا اللقاء السفير الأميركي وليام إيغلتون إلى دمشق. وعرض الرئيس الأسد الموقف السوري للمشاركة في عملية السلام على أساس حلٍ شامل في المنطقة في إطار مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة. وفي 27 شباط / فبراير، التقى الأسد وشولتز وزير الخارجية الأميركي. وقبل ذلك بأسبوع، التقى الأسد بوفدٍ من جبهة الإنقاذ الفلسطيني
برئاسة خالد الفاهوم، وكانت الجبهة قلقة من اتصالات سرّية تجري بين أميركا وبعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية في محيط عرفات. وأطلق شولتز في 4 آذار / مارس 1988 ما عُرف ب "مبادرة شولتز." ولم تكن هذه المبادرة سوى خطة معدّلة بعض الشيء عن كامب ديفيد. وتشتمل على التوصل إلى حكم ذاتي فلسطيني مشترك لا تمثيل فيه لمنظمة التحرير الفلسطينية. وردّت القيادة الموحدة للانتفاضة بالرفض. ودعت القيادة الفلسطينية ممثلي الضفة الغربية في مجلس النواب الأردني إلى الاستقالة والوقوف إلى جانب الشعب.
وجرى لقاء بين عرفات والأسد عقب استشهاد أبو جهاد خليل الوزير. واتفقا على أنّ خطة شولتز تمثّل استمرارًا لكامب ديفيد. ولكن عرفات كان يدفع في السر باتجاه التعاطي مع مشروع شولتز. كما جرى لقاء آخر في 7 حزيران / يونيو 1988 في أثناء مؤتمر القمة العربية في الجزائر. وكان للانتفاضة تأثيرٌ واضح في قرارات المؤتمر التي أكدت ضرورة دعم المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وأنّ منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. والتقى شولتز بالأسد في 6 تموز / يوليو 1988. وأعلن الأردن في 31 تموز / يوليو 1988 رسميًا عن فكّ الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، وحلّ مجلس النواب، وإلغاء وزارة الأراضي المحتلة. وكانت هذه الخطوة بمنزلة اعتراف رسمي أردني بالواقع الجديد الذي فرضته الانتفاضة الفلسطينية.
الانهيار الكبير
عقدت القمة العربية في بغداد في حزيران / يونيو 1990، وكانت مسبوقة ومصحوبة أيضًا بأجواء استثنائية؛ فقد توترت العلاقات العراقية الخليجية وخصوصًا مع الكويت، وكانت الهجرة اليهودية السوفييتية تلقي بظلالها على المنطقة والقضية الفلسطينية، ثم توتّر الخلاف العراقي الكويتي ووصل إلى مستوياتٍ خطيرة، وهاجم صدام حسين الكويت والإمارات واتهمهما بالغدر وطعن ظهر العراق، كما وجّه وزير الخارجية العراقي طارق عزيز شكوى رسمية ضد الإمارات والكويت إلى جامعة الدول العربية. وفي الثاني من آب / أغسطس 1990، اجتاح الجيش العراقي الكويت واحتلّها. وفي 8 آب / أغسطس 1990 أعلن الرئيس العراقي صدام حسين ضمّ الكويت إلى العراق. يقول الشرع: كان صدام متيقنًا أنّ الأميركيين سوف يتغاضون عن احتلاله الكويت، وكان ينظر إلى بوش بوصفه صديقًا شرسًا أكثر منه عدوًا. وكان يظن أنّه بتعهده بالمحافظة على سعر 25 دولار لبرميل النفط سوف يهدِّئ الأميركان. ثم فيما بعد عندما أعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب، وصف صدام بوش بالخائن، يقول الشرع "ولا أحد يصف عدوّه بالخائن، فالخيانة تحصل بين الإخوة والأزواج، وليس بين الأعداء.)221(
جولات بيكر المكوكية حتى مؤتمر مدريد
دخلت المنطقة بعد حرب الكويت مرحلة جديدة. وقد أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش في 6 آذار / مارس 1991 التزام الولايات المتحدة العمل من أجل سلام شامل ودائم في منطقة الشرق الأوسط على أساس قرارَي مجلس الأمن 242 و 338. ويقول الشرع في شرح المرحلة الجديدة التي يسميها "ما بعد حرب الخليج" إنّها تطرح أسئلة عديدة سيبقى معظمها دون أجوبة نهائية ولكن سيظل السؤال الأهم هو أن تمتلك دولنا قبل الآخرين زمام المبادرة في إرساء قواعد الأمن والاستقرار في منطقتنا.)226(وتمخّصت الاتصالات العربية بعد الحرب عن إعلان دمشق الذي شاركت فيه دول الخليج الستّ إضافةً إلى مصر وسورية. وصدر البيان الختامي بتاريخ 10 آذار / مارس 1991 وسمّي "إعلان دمشق." وانضم في اليوم الثاني للمؤتمر وزراء خارجية إيطاليا وهولندا ولكسمبرغ. وفي المساء، حضر وفد إيراني برئاسة علي ولايتي وزير الخارجية الإيراني. وبدأ التحضير فورًا لمؤتمر إقليمي للسلام في ال قرر الأوسط. وعُقد المؤتمر في العاصمة الإسبانية مدريد بعد سلسلة طويلة من المشاورات والخلافات. وقدّم اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي
في المؤتمر كلمة متغطرسة. وقال إنّ العرب يملكون نحو 14 مليون كيلومتر مربع من الأرض في حين لا تملك إسرائيل إلا 28 ألف كيلومتر مربع، وهذا يعني أنّه يملك كلّ فلسطين من النهر إلى البحر. ثم ألقى الشرع كلمته وأكّد فيها أنّ نجاح عملية السلام يتطلب انسحابًا إسرائيليًا كاملً من جميع الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وفي اليوم الثاني، انتقد شامير سورية وفلسطين، واتهم رئيس الوفد الفلسطيني حيدر عبد الشافي بتزوير التاريخ، ووصف سورية بأنّها دولة إرهابية. وردّ الشرع بأنّ رئيس حكومة إسرائيل لم يذكر في خطابه أبدًا قرارَي مجلس الأمن 242 و 338 وهذا يعني عدم قبوله الأساس الذي عقد هذا المؤتمر بناءً عليه، وأنّ شامير آخر شخص يحق له التحدث عن الإرهاب. وأبرز صورة قديمة من صحيفة بريطانية يظهر فيها شامير بوصفه مطلوبًا بتهمة الإرهاب، وأنّه ساهم في اغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت عام 1948، فهو يقتل وسطاء السلام أيضًا.
جولات واشنطن: المراوحة في المكان
استؤنفت المفاوضات في واشنطن، وجرت انتخابات إسرائيلية فاز فيها حزب العمل بقيادة اسحق رابين. وكان سقوط شامير في الانتخابات بمنزلة عقبة أزيحت أمام الوفود العربية المفاوضة لأنّ سياساته السابقة وضعت عملية السلام في طريقٍ مسدود. وقد تقدمت المفاوضات بالفعل بمجيء رابين إلى السلطة وتولّ رابينوفيش رئاسة الوفد الإسرائيلي. وأعدّ الوفد السوري مذكرة من ستّ صفحات كمبادئ للسلام تقوم على السلام التام مقابل الانسحاب التام من الأراضي العربية المحتلة. وقدّم الوفد الإسرائيلي مذكرة مقابلة للمذكرة السوريّة. وكانت تشتمل على أفكار إيجابية نسبيًا، لكنّها تحاشت العبارة السوريّة "الانسحاب التام." وجرت سلسلة طويلة من اللقاءات في جولة وراء جولة تستمر أيامًا طويلة في واشنطن، وكأنّها استنزاف نفسي. وفي الوقت نفسه كانت تتسرب معلومات عن لقاءات سرية تجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مسار مستقل عمّ يجري بين الإسرائيليين والوفد الفلسطيني المعلن للتفاوض، وكان عرفات يؤكد دائمًا عدم صحة المعلومات المتسربة عن هذه اللقاءات. وفي 11 تموز / يوليو، حضر دنيس روس إلى دمشق حاملً رسالة إلى الأسد من كلينتون، وأسرّ له على انفراد أنّ رابين موافق على الانسحاب الكامل من الجولان، إذا لُبّيت الحاجات الأمنية لإسرائيل. ومثّل ذلك أول طرح غامض لما سيطلق عليه لاحقًا "وديعة رابين." وفي الوقت نفسه، فإنّ رابين كان يتلاعب بمسارات التفاوض وفصلها فعليًا عن بعضها. وتسربت على نطاق واسع أنباء المفاوضات السرية مع الفلسطينيين من وراء ظهر الوفود العربية، بما فيها الوفد الفلسطيني. ويقول الشرع إنّه سأل عددًا من كبار المسؤولين الأميركيين المختصين بالشرق الأوسط منهم أدوارد دجرجيان، ودنيس روس، ومارتن إنديك إن كان لديهم علم بالمفاوضات التي كانت تجري في أوسلو/ النرويج خلال ربيع 1993 وصيفه، بين أحمد قريع أبو علاء بمتابعة محمود عباس أبو مازن ووفد إسرائيلي لعدة أشهر، فأجابوا بالنفي. وعندما أبديت استغرابي من أن تخفى هذه اللقاءات عن أعين الولايات المتحدة، أجاب إنديك إنّ وفودًا متنوعة من الإسرائيليين والفلسطينيين كانت تجري فعلً مفاوضات سرية رسمية وغير رسمية في عدد من العواصم الأوروبية، ولم نكن نعرف من سيخرج منها بنتيجة. ومن بين هذه اللقاءات العديدة نجحت قناة أوسلو. لم يكن روس مرتاحًا لإيضاحات إنديك التي كانت أيضًا مفاجئة لدجرجيان.)290(يفسر الشرع دبلوماسية أوسلو بأنّها تهدف إلى كسر التنسيق القائم بين دول الطوق، ومن ثم إلغاء شمولية الحل السياسي كأمر واقع على جميع الجبهات. وقد نجحوا في فصل المسار الأهم وهو المسار الفلسطيني 290(.) ويعتقد أنّ السلوك الأميركي والإسرائيلي في المفاوضات كان مسرحيًا للتغطية على القناة السرية، وأنّه لم يكن ثمة هدف فعلي تسعى إليه إسرائيل سوى الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي. كما أنّ المصريين كانوا يعرفون عن الاتفاق ويدعمونه، وكانوا يخفون معرفتهم بما يجري عن السوريين.
وجاء عرفات إلى دمشق في 5 أيلول / سبتمبر 1993 ليعرض نص الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي (أوسلو) على الرئيس الأسد قبل الاحتفال بإعلانه. وقال له الأسد: كلّ بند من هذا الاتفاق يحتاج إلى مفاوضات واتفاق جديد بينكم وبين الإسرائيليين.)291(وبعد أوسلو، جرى لقاء في جنيف بين كلينتون والأسد في 16 كانون الثاني / يناير 1994، ولم يكن في اللقاء اهتمام بالعلاقات السورية الأميركية؛ فقد بحثا في الاجتماع الذي استمر أربع ساعات مسألتين، هما: مصير الطيار آراد، ونشاط حزب العمال الكردستاني في سورية. ومن جهته، فقد طرح الأسد مع كلينتون مسألتين، تتمثل الأولى بأنّ إيران دولة مهمة وذات صدقية، ولم تقف مع العراق في الحرب بعد احتلال الكويت عام 1990، أما الثانية فهي إمكانيات التوصل إلى حل في مسألة لوكربي. وبعد أيام قليلة 21(كانون الثاني / يناير 1994) من لقاء كلينتون والأسد، توفي باسل الأسد ابن الرئيس حافظ الأسد، واستؤنفت المفاوضات في 24 كانون الثاني / يناير 1994 في مبنى وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، ولم يكن في عدادها الوفد الفلسطيني.
اتفاق وادي عربة
تحوّل جو المفاوضات إلى الكآبة؛ فقد ظلت سورية مصرّة على الانسحاب الكامل من الجولان، وأنّ القدس جزء من الأراضي العربية المحتلة، ذلك على الرغم من أنّ رابين كما نشر في الصحافة على لسان كلينتون مستعد لإجراءات مؤلمة لتحقيق السلام مع سورية. وقد اتصل كلينتون بالأسد ليضعه في صورة أفكار رابين، وتتابعت زيارات وزير الخارجية الأميركية كريستوفر إلى دمشق وتل أبيب. وكانت جولات مكوكية من الزيارات مثيرة للانتباه. وفي 19 تموز / يوليو 1994، التقى كريستوفر بالرئيس الأسد وعرض استعداد رابين للانسحاب الكامل من الجولان والعودة إلى حالة 4 حزيران / يونيو 1967. وانتهى اللقاء بصيغة أعدّها الجانب السوري نصّها: "مقابل التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل إلى خطوط الرابع من حزيران / يونيو 1967 فإنّ سورية مستعدة للاستجابة للمقترحات الإسرائيلية التي تتضمن إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وترتيبات أمنية متفق عليها، ورفع المقاطعة، ومشاركة سورية في المحادثات المتعددة الأطراف، وجدولً زمنيًا لتحقيق ذلك".)312(ثم دخلت إسرائيل من جديد في موجة استطرادات ومطالبات جديدة لا علاقة لها بجوهر التفاوض، مثل طلب إدانة عمليات حماس التي تصاعدت بعد حادثة الحرم الإبراهيمي في الخليل، يقول الشرع إنّ ذلك كان أبعد من الإدانة، ولكن لكسب الوقت للمساومة على تفسير بنود اتفاق أوسلو، وعدّ انسحاب القوات الإسرائيلية من نسبة ضئيلة من أراضي الضفة الغربية كأنّه إنجاز ضخم.)315(وتوجّه ثقل الحكومة الإسرائيلية عسكريًا وأمنيًا لإبرام اتفاق منفرد مع الأردن على غرار اتفاق أوسلو؛ فقد أعلن الجانبان الأردني والإسرائيلي في 25 تموز / يوليو 1994 عن التوصّل إلى إطار اتفاق. وعقد بعد الاتفاق اجتماع قمة بين كلينتون والأسد في 27 تشرين الأول / أكتوبر في دمشق، وهي ثاني زيارة لرئيس أميركي بعد زيارة نيكسون عام 1974. وسجّل كلينتون في هذا الاجتماع ولأول مرة أنّه حصل من اسحق رابين على إقرار باستعداد إسرائيل للانسحاب إلى خط الرابع من حزيران / يونيو 1967. وتواصلت اللقاءات تنعقد وتدور في النقطة نفسها، وعلى مستويات وفي تخصصات عسكرية وأمنية مختلفة.
عناقيد الغضب وتفاهم نيسان وصعود نتنياهو
اغتيل رابين في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1994 بعد اغتيال فتحي الشقاقي على يد الموساد بأيام قليلة، وخلفه شمعون بيريز الذي قرر إجراء انتخابات مبكرة. وفي هذه الأثناء اغتالت المخابرات الإسرائيلية يحيى عياش أحد قادة حماس. وردّت حماس بسلسلة عمليات ضد إسرائيل. وتدهور الوضع أيضًا في جنوب لبنان. وبدأ بيريز يدق طبول الحرب. وشنّت إسرائيل في الفترة الواقعة بين 11 و 26 نيسان / أبريل 1996 ما أسمته عملية "عناقيد الغضب"، وقصفت مقر الأمم المتحدة وكلّ من استظل به من المدنيين، وكان عددهم أكثر من مئة إنسان، ودمّر أكثر من 7 آلاف منزل ومئات المشافي والمدارس والطرق ومحطات توليد الكهرباء في لبنان.)349(وبذلت فرنسا من خلال وزير خارجيتها دو شاريت جهودًا مضنية لوقف الحرب. وحضر كريستوفر عدة مرات حتى جرى التوصّل إلى "تفاهم نيسان"، وكان ذلك تطويرًا مهمً لما حدث عام 1993. وقد نصّ الاتفاق على التزام إسرائيل والمتعاونين معها في الحزام الأمني عدم إطلاق أيّ نوع من نيران الأسلحة على المدنيين، مقابل التزام "المجموعات المسلحة" عدم إطلاق صواريخ الكاتيوشا أو أيّ نوع من النيران على شمالي إسرائيل. وسقط بيريز في الانتخابات كما هو متوقَّع، وصعد نتنياهو إلى واجهة السياسة الإسرائيلية.
أوراق المفاوضات على الطاولة وتواصل الاجتماعات
استؤنفت المفاوضات مع إسرائيل بعد مجيء إيهود باراك رئيسًا للوزراء في إسرائيل. ولكنّها عقدت بصورة غير مباشرة، وكان دنيس روس ومساعدوه يتنقلون بين الوفدين لعرض وجهات النظر. واستمرت هذه المفاوضات خمسة أيام. والتقى الشرع لقاءات عدة مع كلينتون ووزيرة الخارجية أولبرايت، والتي يصفها بالمهنية والوضوح. وتواصلت اللقاءات والمفاوضات على جميع المستويات. ولكن كما هو معلوم لم يحدث تقدّم يذكر في عملية السلام. ولكن حدث تطوّر مهم عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان. ويختم فاروق الشرع الكتاب بوقفة قصيرة عند وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد في 10 حزيران / يونيو.2000
الكتاب
الكتاب وثيقة مهمة وتاريخية وأدبية أيضًا، تمثّل المفاوضات مع إسرائيل الجزء الأكبر منه، وإن تحدّث المؤلف عن قضايا أخرى تاريخية، وبعضها ذكريات وأحداث تبدو استطرادًا، مثل التطورات السياسية في تركيا، وتشكيل مجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي. وفي عرض الأحداث بتواريخها وأسمائها وكثير من التفاصيل يمثّل بالتأكيد مصدرًا أوليًا للتعرّف إلى مرحلة في التاريخ العربي وتفاعلاتها التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية. وجاء الكتاب بلغةٍ أدبية متقنة، يبدو أنّها مزيج من مهارات المؤلف ومواهبه اللغوية والأدبية وثقافته الواسعة إضافةً إلى اللغة والمهارات التحريرية والمعرفية المتقدمة لمحرر الكتاب الأستاذ محمد جمال باروت. وربما لا تُظهر عناوين الكتاب تنظيمه الفعلي، ولكن ذلك لا ينقص من مستواه وأهميته. وبالطبع، فإنّ القارئ ينتظر من الكتاب أكثر ممّ جاء فيه؛ فتاريخ سورية والدول العربية في تلك المرحلة حافل بالأحداث الكبرى التي يتطلع لمعرفتها ويتوقّع من فاروق الشرع أن يعالجها. ولكنّه التزم بكونه وزيرًا للخارجية السورية ورؤيته لهدف الكتاب والمذكرات والشهادات التي قدّمها بوصفه وزيرًا لخارجية سورية، وشارك على نحو رئيس وفعّال في المفاوضات السورية الإسرائيلية. ويعدّ الكتاب بهذا المنظور أو من هذه الزاوية كتابًا مهمً وضروريًا للثقافة العربية.