التنظيم الإرهابي اليهودي من "جباية الثمن" إلى "تمرد"
الملخّص
الملخص غينزبورغ. تعالج هذه الدراسة التنظيم اليهودي الديني الفاشي الذي ارتكب جريمة حرق عائلة دوابشة، والذي تول د من جوف تنظيم "جباية الثمن" الإرهابي. وتلج الدراسة إلى الأرضية الفكرية الدينية المتطرفة لتنظيمَي "جباية الثمن" و"تمرد" الإرهابيَّين. وتعرض الفكر الديني اليهودي المتطرف المعادي للقيم الإنسانية الذي استند إليه هذان التنظيمان في تبريرهما جرائمهما ضد الفلسطينيين، لا سيّما الفكر الديني اليهودي الفاشي الذي بلوره الأب الروحي للإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين في العقود الثلاثة الماضية الراب يتسحاك
مقدمة
في فجر 31 تموز / يوليو 2015، قامت مجموعة يهودية إرهابية مكوّنة من عدة مستوطنين بإلقاء قنابل حارقة على بيت عائلة دوابشة وعلى بيت فلسطيني آخر كان بالصدفة خاليًا من أصحابه، ما أسفر عن حرق جميع أفراد العائلة الفلسطينية. وفي قرية دوما الفلسطينية في الضفة الفلسطينية المحتلة، توفي الرضيع علي دوابشة حرقًا فور وقوع الجريمة. وتوفي لاحقًا من جراء الحرق والده سعد ووالدته رهام. أمّا الطفل أحمد ابن الأربعة أعوام فأصيب بحروق بليغة للغاية.
وقد حرص المستوطنون الإرهابيون اليهود على البقاء قرب باب بيت عائلة دوابشة بعد حرقهم البيت. وشاهدوا الأب والأم وهما يخرجان من المنزل والنار تشتعل في جسديهما، ثم يقعان أرضًا بقرب البيت. ولم يحاول المستوطنون الإرهابيون اليهود إخفاء الجهة التي ارتكبت جريمة حرق عائلة دوابشة؛ فكتبوا على جدران بيت ضحاياهم عدة شعارات باللغة العبرية، منها: "الانتقام"، و"يعيش الملك المشياح." ورسموا نجمة داود1. وأكّد أحد شهود العيان الفلسطينيين أنّه رأى الجناة وهم يقفون وينظرون إلى ضحاياهم وهم يحترقون، للتيقّن من نجاح عمليتهم، ثم فرّوا من مكان الجريمة باتجاه مستوطنة معاليه افرايم القريبة من قرية دوما. هزّت هذه الجريمة الوجدان الفلسطيني والإنساني. وأظهرت الدرجة التي وصل إليها عنف المستوطنين الكولونياليين اليهود ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة. وأثارت ردات أفعال على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي. لقد جاءت هذه الجريمة في سياق تصعيد المستوطنين اليهود وذراعهم تنظيم "جباية الثمن" الإرهابي، اعتداءاتهم على الفلسطينيين. وكانت هذه الجريمة متوقعة ولم تفاجئ أحدًا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وعلى الرغم من ذلك، لم تتّخذ سلطات الاحتلال الإسرائيلية أيّ خطوة لمنعها2. فقد انبثق من جوف تنظيم "جباية الثمن" منذ نحو عام تنظيم "تمرد" الذي دعا إلى تصعيد القمع ضد الفلسطينيين والبطش بهم وارتكاب الجرائم بحقّهم، بما في ذلك حرقهم في منازلهم. وفي هذا السياق، قامت مجموعات يهودية إرهابية في العام الماضي بإضرام النار في العديد من المنازل الفلسطينية المأهولة، بهدف حرقها مع أصحابها الفلسطينيين، ونجا أصحاب هذه المنازل الفلسطينية بالصدفة من الحرق3. وعلى الرغم من معرفة سلطات الاحتلال الإسرائيلية بدقة هويّة مرتكبي جريمة إحراق عائلة دوابشة، كما صرّح بذلك وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون في اجتماعٍ له مغلق مع نشطاء من حزب الليكود، فإنّها لم تعتقل حتى اليوم منفذي هذه الجريمة، ولم تقدّم أحدًا للمحاكمة4.
تنظيم جباية الثمن
تأسَّس تنظيم جباية الثمن الإرهابي في حزيران / يونيو 2008. ويمثّل هذا التنظيم رأس الحربة والطليعة المقاتلة للمستوطنين ولليمين ولليمين الفاشي الإسرائيلي ولفئات واسعة في المجتمع الإسرائيلي، في داخل الحكم وخارجه، في السطو على الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها والاستيطان فيها، وفي البطش بالفلسطينيين والتنكيل بهم، لإخضاعهم وكسر إرادتهم لمنعهم من مقاومة الاحتلال. ويعتنق تنظيم جباية الثمن وأنصاره، وكذلك تنظيم "تمرد" الذي تأسس في العام الماضي، فكرًا دينيًا يهوديًا عنصريًا فاشيًا معاديًا للقيم
الإنسانية. وانطلاقًا من فهم منظّريه الموروث الديني اليهودي، يتبنّى هذا الفكر الكراهية الشديدة العمياء للعرب الفلسطينيين، ويدعو إلى قتلهم وإبادتهم، كما فعل أتباع الديانة اليهودية في فلسطين مع "عماليق" في الزمن الغابر. وإلى أن تتمّ إبادة الفلسطينيين أو اجتثاثهم من فلسطين، يدعو تنظيم جباية الثمن، إلى التنكيل بالفلسطينيين والبطش بهم إلى درجة تفوق حدود الاحتمال.
ساهم الراب يوسف إيليتسور تلميذ الراب يتسحاك غينزبورغ في مقالة له مطوّلة تحت عنوان "إستراتيجية ضمان متبادل"، في وضع الأسس السياسية لنشاط تنظيم جباية الثمن. رأت المقالة أنّ الحكم في إسرائيل ابتعد كثيرًا عن التوراة والشريعة اليهودية. وانتقدت بشدة سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الاستيطان والمستوطنين. وادّعت أنّ الحكومة الإسرائيلية خفضت من وتيرة الاستيطان، وأنّها تتساهل مع الفلسطينيين. وأكّد الراب إيليتسور أنّ الفلسطينيين هم العدو الحقيقي الذي ينبغي استعمال وسائل القوة المتعددة ضدّه باستمرار والبطش به وهزيمته والتخلص منه. ودعت المقالة المستوطنين إلى تبنّي سياسة الضمان المتبادل والوقوف صفًا واحدًا لزيادة الاستيطان وتعزيز المشروع الاستيطاني والبطش بالفلسطينيين، والقيام بالضغط المتواصل على السلطات الإسرائيلية، المصحوب بالتظاهرات وأشكال متعددة من الاحتجاجات، من أجل حثّها على الاستمرار في الاستيطان وردعها عن القيام بأيّ عمل قد يحدّ ولو مؤقتًا من توسّع الاستيطان بسبب ضغوطٍ دولية5. ومنذ تأسيسه، ما انفكّ تنظيم جباية الثمن يقوم باعتداءات متواصلة وبعمليات إرهابية ضد الفلسطينيين في المناطق الفلسطينية المحتلة، وفي داخل الخط الأخضر. وشملت آلاف الاعتداءات التي ارتكبها تنظيم جباية الثمن ضد الفلسطينيين حرق 43 مسجدًا وكنيسة6 في الضفة الفلسطينية المحتلة وفي داخل الخط الأخضر، والبطش بالفلسطينيين والتنكيل بهم وقتلهم وإطلاق النار عليهم ومهاجمة قراهم وحرق منازلهم وحقولهم واقتلاع أشجارهم وإتلاف مزروعاتهم وسرقة منتوجاتهم، إلى جانب الاستيلاء على أراضيهم بالقوة وانتزاعها منهم بمساعدة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة البؤر الاستيطانية عليها، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية المنتشرة في أنحاء الضفة الفلسطينية المحتلة7. يتكوّن تنظيم جباية الثمن من حاخامين من التيار الصهيوني الديني، وحاخامين من التيار اليهودي الحريدي ومن التيار الحريدي القومي ومن خريجي المدارس الدينية اليهودية (اليشيفوت) المنتشرة في المستوطنات في الضفة الفلسطينية المحتلة، ونشطاء من تشعبات حركة كاخ الفاشيّة المحظورة قانونيًا منذ عام 1994، ونشطاء من حزب "البيت اليهودي"، ومن عصابات ما يطلق عليه "شبيبة التلال" الذين يستوطنون غالبًا في البؤر الاستيطانية في الضفة الفلسطينية المحتلة. وينتمي أفراد عصابات "شبيبة التلال" الذين يقدَّر عددهم بالمئات، إلى التيارات الدينية اليهودية العنصرية والمتطرفة، ويشمل ذلك التيار الصهيوني الديني والتيار الديني الحريدي والتيار الحريدي القومي. وتشكّل البؤر الاستيطانية التي تقيم فيها عصابات "شبيبة التلال"، والتي يزيد عددها عن مئة بؤرة استيطانية وهي مقامة في غالبيتها العظمى على أراضٍ فلسطينية خاصة، نقاطَ الانطلاق للاعتداء على الفلسطينيين. وقدَّر الصحافي الإسرائيلي المختص بشؤون المستوطنين نداف شراغا، عدد المستوطنين الذين كانوا يشاركون في نشاطات جباية الثمن بانتظام في سنة 2008 بأكثر من ثلاثة آلاف مستوطن، تأتي غالبيتهم من المستوطنات الأيديولوجية – الدينية ومن المدارس الدينية اليهودية في المستوطنات في الضفة الفلسطينية المحتلة وفي داخل الخط الأخضر8. وتدلّ كثافة عمليات تنظيم جباية الثمن ونوعيتها، واتساع نطاقها لتشمل جميع مناطق الضفة الفلسطينية والقدس الشرقية المحتلة
وداخل الخط الأخضر أيضًا، على أنّ "جباية الثمن" تنظيم سري له قيادة مركزية سرّية تقوده وتخطط عملياته الإرهابية بدقة وتنفّذها مجموعات سرّية صغيرة. وقد أكّد تقرير لجهاز المخابرات العامة الإسرائيلية (الشاباك) نشرت صحيفة هآرتس أجزاء منه في أيلول / سبتمبر 2011، أنّ نشطاء تنظيم جباية الثمن أضحوا يعملون في خلايا ومجموعات صغيرة محكمة التنظيم والسرّية، وأنّ بعض هذه الخلايا يراقب القرى والتجمعات الفلسطينية في الضفة الفلسطينية المحتلة، ويجمع المعلومات عنها وعن طرق الوصول إليها وطرق الهرب منها بعد تنفيذ عملياتها ضد الفلسطينيين9.
تنظيم "تمرد"
حدثت في السنة الأخيرة تطورات في داخل صفوف تنظيم جباية الثمن؛ فقد نظّمت مجموعة من غلاة المتدينين اليهود الفاشيين الناشطة في تنظيم جباية الثمن نفسها في عام 2014 في تنظيم إرهابي سرّي جديد أطلقت عليه "تمرد." ودعا هذا التنظيم الإرهابي الجديد إلى تصعيد الاعتداءات كمً ونوعًا ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة وفي داخل الخط الأخضر. لا توجد معلومات كثيرة عن التنظيم السرّي الجديد وعن مدى علاقته مع تنظيم جباية الثمن. ولكن، يتّضح مم رشح من معلومات من وسائل الإعلام الإسرائيلية عن التنظيم الإرهابي الجديد "تمرد"، أنّه يضمّ عشرات وربما مئات الأعضاء، كان القسم الأعظم منهم نشيطًا في جباية الثمن. وتأتي غالبية نشطاء "تمرد" من المستوطنات والبؤر الاستيطانية القائمة في الضفة الفلسطينية المحتلة وكذلك من داخل الخط الأخضر. ويعيش الكثير منهم في البؤر الاستيطانية في الضفة الفلسطينية المحتلة، لا سيمّا تلك البؤر المحاذية للمستوطنات الأيديولوجية مثل مستوطنة يتسهار. ويحرص هذا التنظيم الإرهابي على اختبار الذين يرغبون في الانتساب إليه بدقة قبل انضمامهم إليه. فقبل قبول انضمام أعضاء جدد إليه، يُجري مقابلات معهم للوقوف على منطلقاتهم الأيديولوجية والسياسية، وللتأكّد من ملاءمتهم خط "تمرد" الأيديولوجي والسياسي، ولفحص مدى التزامهم وتمسّكهم ب"أرض - إسرائيل" والاستيطان والتهويد، ومدى استعدادهم للقيام بعمليات إجرامية ضد الفلسطينيين، وقدرتهم على مواجهة المحققين في حال اعتقلتهم السلطات الإسرائيلية10. وبعد قبولهم التنظيم الإرهابي، يجري شحنهم أيديولوجيًا وسياسيًا في البؤر الاستيطانية. ثم يشرعون في التدرّب شيئًا فشيئًا على كيفية الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وعلى كيفية التعامل مع الشرطة الإسرائيلية في حال اعتقالهم. وقد اكتسب أعضاء "تمرد" خبرة في العدوانية ضد الفلسطينيين من خلال التدريبات التي يجرونها في البؤر الاستيطانية والاعتداءات على الفلسطينيين، فباتوا أكثر جرأة في ممارساتهم العدوانية ضد الفلسطينيين. وهم ينتقلون من بؤرة استيطانية إلى أخرى ومن مكان إلى آخر، وفقًا لما تطلبه اعتداءاتهم على الفلسطينيين11. يقود مئير اطينغر تنظيم "تمرد" الإرهابي. ويعمل معه مجموعة من المتطرفين الفاشيين، مثل موشيه اورباخ وأفيتار سلونيم. وُلد اطينغر في القدس المحتلة في عام 1991. وهو حفيد الراب مئير كهانا مؤسس حركة كاخ الفاشية، من جانب أمّه. وينتمي أبوه الراب مردخاي اطينغر الذي يدرّس في المدرسة الدينية "عطيرت كوهنيم" القائمة في القدس الشرقية المحتلة، إلى التيار الصهيوني الديني. نشط مئير اطينغر منذ صغره مع الجماعات اليهودية الدينية المتطرفة واستوطن في البؤرة الاستيطانية مغرون. ثم انتقل إلى بؤر استيطانية أخرى. اعتقلته السلطات الإسرائيلية بسبب نشاطاته في "جباية الثمن" لفترات قصيرة عدة مرات. استوطن مئير اطينغر في سنة 2012 في مستوطنة يتسهار الواقعة بالقرب من نابلس. والتحق بالمدرسة الدينية "ما زال يوسف حيا" التي أسسها الراب يتسحاك غينزبورغ. وتأثّر مئير اطينغر كثيرًا بفكر الراب غينزبورغ. وانضمّ إلى حركة "ديرخ حاييم" (منهج حياة) التي أسسها غينزبورغ، والتي تدعو
إلى إقامة مملكة يهودية توراتية تلتزم الشريعة اليهودية بالكامل، مكان دولة إسرائيل. وبعد أن تشرّب مئير اطينغر فكر يتسحاك غينزبورغ وفكر تلميذَيه يتسحاك شبيرا ويوسي إيليتسور المستوطنين في مستوطنة يتسهار في الضفة الفلسطينية المحتلة، ترك اطينغر حركة "ديرخ حاييم"، ومستوطنة يتسهار في عام 2014 وأسّس هو والعديد من نظرائه الفاشيين التنظيم اليهودي الإرهابي "تمرد." وقبل الاستمرار في معالجة تنظيم تمرد، من المهمّ الوقوف على فكر الراب يتسحاك غينزبورغ الذي تأثّر به قادة تنظيمَي تمرد وجباية الثمن، والذي يعدّ الأب الروحي للإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين في العقود الثلاثة الأخيرة.
الأرضية الفكرية
يحظى الراب يتسحاك غينزبورغ بمكانة مهمّة بين الحاخامات في إسرائيل. وهو يعدّ منذ عدة عقود أحد أهمّ الآباء الروحيين الأيديولوجيين للإرهاب اليهودي الذي ترتكبه المنظمات اليهودية الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني. ولد يتسحاك غينزبورغ في الولايات المتحدة الأميركية سنة.1944 وهاجر إلى إسرائيل في عام 1965. وسرعان ما شرع في التديّن؛ فدرس عند وصوله إلى إسرائيل في مدارس دينية. وانضم إلى حركة "حباد" الدينية الحريدية المسيائية. وقد سطع نجمه تدريجيًا في حركة "حباد." وأصبح أحد أبرز قادتها بعد موت زعيمها المشهور مناحم شنيئرسون ميلافوفيتش في سنة.1994 ألّف غينزبورغ عشرات الكتب، ونشر المقالات، وسجّل الكثير من الأشرطة التي بثّ من خلالها فكره الديني العنصري، المعادي للعرب الفلسطينيين والنافي حقوقهم والرافض وجودهم في فلسطين، والداعي لطردهم من فلسطين والتنكيل بهم وتقتيلهم إلى أن - ولكي - يتم التخلّص منهم. وربط غينزبورغ بين التخلّص من الفلسطينيين من ناحية، وتعجيل مجيء يوم الخلاص بظهور "المشياح" من ناحية أخرى. وقد برز اسمه وذاع صيته عندما نشر كتيّبًا تحت عنوان "باروخ البطل"، والذي مجّد فيه المجرم باروخ غولدشتاين ورفعه إلى مرتبة القديسين لارتكابه مجزرة بشعة وبدم بارد بحق الفلسطينيين، والتي قُتل فيها 29 مدنيًا فلسطينيًا وجُرح 125 آخرون، أثناء ركوعهم وهم يصلّون في الحرم الإبراهيمي في الخليل، في سنة.1994 بالتنسيق مع الراب ميلافوفيتش زعيم حركة حباد العالمية، أسّس غينزبورغ في بداية السبعينيات مدرسة دينية في "كفار حباد" الواقعة داخل الخط الأخضر بين الرملة ويافا؛ بهدف إحداث تقارب بين أتباع الصهيونية الدينية والتيارات الدينية اليهودية الأخرى لا سيما حركة "حباد"؛ إذ ما انفكّ يتتلمذ فيها سنويًا منذ إنشائها مئات من أتباع حركة حباد وأتباع التيارات الدينية اليهودية الأخرى. وفي 1982، أسّس غينزبورغ مدرسة دينية يهودية أطلق عليها اسم "ما زال يوسف حيا" في مكان مقام إسلامي في قلب مدينة نابلس. وقد ظلّت هذه المدرسة الدينية في قلب مدينة نابلس منذ تأسيسها وحتى سنة 2000، حيث جرى نقلها في تشرين الأول / أكتوبر من ذلك العام إلى مستوطنة يتسهار بعد مهاجمة جماهير غفيرة من الفلسطينيين لها. ويتتلمذ في هذه المدرسة الدينية في مستوطنة يتسهار المئات من الطلاب اليهود المتدينين من حركة حباد والصهيونية الدينية و"الحريدية القومية" (حردليم.) ويوجد فيها أيضًا معهد توراتي يجري فيه بلورة المواقف وإعداد الدراسات التي تعالج القضايا الجارية من منظور ديني، وفيها أيضًا دار نشر تابعة لها تنشر الكتب والدراسات الدينية اليهودية العنصرية التي كان أشهرها كتاب "شريعة الملك." وتخرّج فيها الكثير من الحاخامات العنصريين الذين تبوّؤوا مراكز مهمة في المؤسسات الدينية اليهودية، لا سيمّا في المستوطنات والمدارس الدينية اليهودية12. طوّر غينزبورغ في كتاباته توجهات ثيولوجية كانت موجودة في اليهودية من قبله، بيد أنّه أعطاها أبعادًا جديدة متطرفة للغاية، وعمل على تنفيذها في أرض الواقع. فثمة ادّعاء في الموروث الديني التقليدي اليهودي أنّ إله اليهود "يهوه" الذي يطلق عليه أسماء كثيرة أخرى، اختارهم وحدهم ووضعهم في مكانة فوق البشر. وبعد ظهور المسيحية واتخاذها العهد القديم إلى جانب العهد الجديد كتابًا مقدسًا، تعززت مكانة التلمود في اليهودية مقابل العهد القديم، وتعززت في الوقت نفسه الحلولية في تيارات دينية في اليهودية التي ادعت حلول الإله في اليهود. ويبدو أنّ اشتداد أوضاع اليهود سوءًا في القرون الوسطى وانحطاط مكانتهم، قادا العديد منهم، مثل يهودا اللاوي، إلى المغالاة في رفع كلٍ من مكانة الديانة اليهودية ومكانة أتباعها؛ ففي كتابه "الرد والدليل في الدين الذليل"، والذي يُعرف أيضًا باسم "الكتاب الخزري"، ادّعى يهودا اللاوي الطليطلي الذي اشتهر
أيضًا باسم يهودا هاليفي 1141-1085()، أنّ الديانة اليهودية أفضل من جميع الديانات وأنّ اليهود ليسوا فقط أفضل من البشر، وإنّ ا فوق الطبيعة أيضًا. فهُم وفقًا لما ادّعاه يهودا اللاوي "شعب خاص" لا يخضع لقوانين الطبيعة أو التاريخ، لأنّ إلههم يهوه منحهم منذ لحظة الخلق الأولى طبيعة إلهية خاصة ورفيعة، وحلّ الأمر الإلهي بهم وحدهم وملأهم قداسة أزلية، وترافقهم العناية الإلهية أينما حلّوا13.
تأثّر غينزبورغ بكتابات يهودا اللاوي وب"الكبلاه" وبفكر قادة حركة حباد. وادّعى في كتاباته أنّ نوعية اليهود وماهيتهم والصفات الأصيلة فيهم وضعتهم في مكانة فوق الأغيار وفوق الطبيعة أيضًا. فإله اليهود اصطفاهم وحدهم وجعلهم "شعبه المختار"، وخلقهم وحدهم من دون الآخرين من نوره، فهم وفقًا لغينزبورغ شرارة من "الخالق"، بل هم جزء من "الخالق" نفسه. في حين عدّ غينزبورغ الأغيار دون البشر14. وقد ترتّب عن تشخيص غينزبورغ الصفات الأصيلة التي يتحلى بها اليهود ورفْعه من مكانتهم إلى أعلى درجة ممكنة، وحطّه من مكانة الأغيار إلى درجة دون البشر، نتائج خطيرة كثيرة. وأهمّ هذه التبعات هي عدّه قيمة حياة اليهود أفضل بكثير، وبما لا يقاس من قيمة حياة الأغيار؛ فمثلً وصية "لا تقتل" التي جاءت في الوصايا العشر التي وردت في التوراة، لا تنطبق وفقًا لغينزبورغ على قتل يهودي لشخص أو لمجموعة من الأشخاص من الأغيار. ليس هذا فحسب، فإنّ غينزبورغ، استنادًا إلى مفهومه للموروث الديني اليهودي، أفتى بالسماح لليهودي الذي يحتاج مثلً إلى زرع كبد من أجل إنقاذ حياته، بإلقاء القبض على شخص من الأغيار وانتزاع كبده منه عنوة15. دعا غينزبورغ إلى إقامة مملكة يهودية توراتية، بديلً عن دولة إسرائيل التي تلتزم الشريعة اليهودية وتسير وفقًا لها، ويحكمها ملك يهودي يمثّل إرادة "الخالق" ويحكم باسمه. ووقف غينزبورغ بشدة ضد القيم والأفكار الغربية، وفي مقدمتها الديمقراطية والحرية والمساواة. وعدّها غريبة عن اليهودية ومتضاربة معها. ورأى غينزبورغ أنّ إسرائيل ليست دولة يهودية حقيقية، لأنّ نظامها السياسي يتبنّى الديمقراطية، ولأنّها تتبنى القيم الغربية التي تتنافى مع التوراة والشريعة اليهودية. ودعا إلى رفض دولة إسرائيل القائمة، وإلى القيام بثورة دينية وروحانية وتربوية شاملة في المجتمع والجيش من أجل الوصول إلى المملكة اليهودية التي يحقق فيها اليهود ذاتهم ويعيشون بحسب الشريعة اليهودية16. انتقد غينزبورغ بشدة الحركة الصهيونية لأنّها لم تطرد جميع العرب الفلسطينيين من فلسطين، وقامت بطرد جزء منهم فقط. وادّعى أنّ ذلك يتناقض مع الشريعة اليهودية؛ إذ توجد بحسب ما ذكر غينزبورغ ثلاث فرائض أساسية على اليهود التزامها عند هجرتهم إلى فلسطين، وهي: تنصيب ملك، وإبادة ذرية عماليق، وبناء الهيكل. وشدّد غينزبورغ على ضرورة إقامة المملكة اليهودية وتنصيب ملك عليها، لأنّ تنصيب ملك يوحّد جميع اليهود تحت حكمه ويسهّل تنفيذ الفريضتين الأخريين. بيد أنّه وضح أنّ عدم تحقيق مطلب إقامة المملكة اليهودية وتنصيب ملك عليها ينبغي ألّ يعطّل بأي حال من الأحوال العمل على تحقيق فريضتَي إبادة ذرية عماليق (إبادة العرب في "أرض - إسرائيل" التي تمتد من النيل إلى الفرات وفقًا لغينزبورغ)، وبناء الهيكل، فإنّه يجب العمل على تحقيقهما دومًا سويّة مع العمل على تنصيب ملك. وربط غينزبورغ بين تحقيق هذه الفرائض الدينية الثلاث وتحقيق الكمال لثلاثية الشعب والأرض والتوراة التي تبقى منقوصة ما لم يتمّ تحقيق هذه الفرائض الثلاث. فإقامة المملكة اليهودية وتنصيب الملك يحقّقان وحدة "الشعب اليهودي وكماله"، والقضاء على ذرية عماليق يحقّق "أرض - إسرائيل" الكاملة، وبناء الهيكل يحقّق "كمال التوراة"، لأنّ بناء الهيكل يجعل
تأدية جميع الفرائض اليهودية ممكنة بما في ذلك تقديم القرابين في الهيكل، والتي لا يمكن تقديمها إلّ بعد بنائه. وربط غينزبورغ بين التعجيل بمجيء المسيح المنتظر (المشياح) وتحقيق خلاص اليهود وبناء الهيكل، وبين إزالة الأقصى وقبة الصخرة والمساجد الأخرى في الحرم الشريف والتخلّص كليًا من الفلسطينيين من خلال اجتثاثهم من فلسطين والقضاء عليهم. وادّعى غينزبورغ أنّ وجود العرب في فلسطين يفسد روح اليهود ويمثّل حاجزًا نوعيًا في علاقة اليهود مع إلههم، وأنّ أيّ علاقة بين العرب واليهود في فلسطين تنقض العهد بين اليهود وإلههم، لذلك ينبغي اجتثاثهم والقضاء عليهم17.
تأييد المجازر وتقديس مرتكبيها والتنظير للإبادة
من الصعب العثور على فكر في العصر الحديث يمجّد فيه صاحبه ارتكاب المجازر بحق البشر ويرفع من مرتبة مرتكبيها إلى درجة القديسين، وينظّر من منطلقات دينية للإبادة، مثلما فعل الراب يتسحاك غينزبورغ، لا سيمّا في كتابه باروخ الشجاع18. امتدح غينزبورغ في هذا الكتيّب الذي لاقى رواجًا كبيرًا بين صفوف المستوطنين والتيارات الدينية اليهودية، المجزرة ومرتكبها. ودعا إلى إبادة الفلسطينيين. وبذل جهدًا كبيرًا لتحويل المجرم إلى ضحية والضحية إلى مجرم. قسّم غينزبورغ كتيّبه إلى خمسة فصول، ذكر فيها المزايا الدينية للمجزرة ولمرتكبها، وأسهب في شرح خمس فرائض دينية يهودية أوجبت ارتكاب غولدشتاين المجزرة، وهي: أولً، فريضة تقديس اسم الرب: أكّد غينزبورغ أنّ غولدشتاين ارتكب هذه المجزرة لتقديس اسم الرب، وذلك من خلال تفانيه وإخلاصه واستعداده للتضحية بنفسه في خدمة الرب ولإحباط إمكانية قيام العرب الفلسطينيين الذين قتلهم بإيذاء اليهود، تمامًا كما فعل شمشون الجبار. إلى جانب ذلك، تبهر هذه المجزرة، وفقًا لغينزبورغ، اليهود وتثير انفعالهم وتعزز القوة في نفوسهم وتدخل الغبطة في قلوبهم. وهي في الوقت نفسه، تبثّ الرعب في قلوب العرب، وتجعلهم يدركون أنّ اليهود قوة جبارة، وأنّهم يقومون بأفعالهم من دون لفت الانتباه لموقف الأغيار العرب الذين تُ نع الشفقة عليهم لأنّهم ليسوا يهودًا ولا يعبدون إله اليهود. ثانيًا، فريضة إنقاذ أرواح اليهود: ارتكب غولدشتاين هذه المجزرة استجابةً لواعزٍ داخلي فيه حضّ ه على إنقاذ اليهود؛ فقيمة حياة اليهود وفقًا لغينزبورغ أفضل بما لا يقاس من حياة العرب، حتى لو لم يرد العربي إيذاء اليهود. فغولدشتاين ارتكب المجزرة لأنّه أراد إنقاذ اليهود من أيّ خطر حتى ولو كان هذا الخطر بعيدًا وغير مباشر وغير منظور. فبوجود شكٍ مهما كان ضعيفًا ومستبعدًا جدًا، في أنّ العربي قد يؤذي حياة اليهود، فإن قتل العربي مباح وواجب، وفقًا لغينزبورغ، فإنّ "أفضل الأغيار هو المقتول." لانتقام ثالثًا، فريضة: يحتل الانتقام أهمية قصوى في فكر غينزبورغ. ويضفي غينزبورغ عليه هالة من القدسية. ويعدّه لبّ الدافع لارتكاب المجزرة. المعضلة التي حاول غينزبورغ معالجتها بطريقته هي أنّ الانتقام يجري عادةً ضد أناس أساؤوا إلى الطرف الذي يريد الانتقام وألحقوا به ضررًا، وغولدشتاين ارتكب مجزرة بحق أبرياء، وأطلق النار عليهم من خلف ظهورهم وهم راكعون ساجدون لله في أحد أهم بيوت الله وهو الحرم الإبراهيمي. في تبريره المجزرة، استند غينزبورغ إلى حكاية وردت في "التناخ" بشأن انتقام ابنَي يعقوب، شمعون وليفي، من سكان نابلس في الزمن الغابر. فقد ضاجع، وفقًا للحكاية التناخية، أحد سكان نابلس إحدى بنات يعقوب، ثم طلب بعد ذلك الزواج منها. وقد اشترط إخوتها موافقتهم على طلبه أن يجري ختان جميع الرجال في نابلس، واستجاب سكان نابلس
لهذا الطلب. وبعد أن جرى ختان جميع رجال نابلس بثلاثة أيام، قام أبناء يعقوب وجماعتهم بمهاجمة نابلس على حين غرة عندما كان رجالها في أقصى درجات ضعفهم بسبب ختانهم، وقتلوا جميع الذكور في نابلس، الذين كانوا أبرياء ولم يرتكبوا أيّ ذنب، ونهبوا وسلبوا البلدة، وسلبوا جميع نسائها وأطفالها. استخلص غينزبورغ من هذه الحكاية التناخية أنّ الانتقام مهم للغاية وضروري، لما يحمله من نتائج تقوّي الاعتداد بالذات والاعتزاز بها، من دون إعارة براءة العدوّ أيّ اهتمام. فالانتقام هو ردة فعل طبيعية تلقائية تعبّ عن اتصالٍ طبيعي لروح اليهودي مع العدل الإلهي، ويحرّكها الشعور بأنّه "ما لم ننتقم فلن تقوم لنا قائمة ولن نتمكن من الاعتزاز بأنفسنا"19، وعندما يمنع اليهود، سواء الفرد أو المجموعة، من الانتقام فإنّ حياتهم تصبح بائسة وحزينة وتتّسم بالضعف وبفقدان الثقة بالنفس. فالانتقام يعيد الروح للشعب ويزيد من عزّته وإيمانه بذاته، وأنّه ليس "مداسًا لكلّ عابر سبيل." واستدلّ على ذلك بقوله إنّه "من الصعب تجاهل مشاعر السرور والاعتزاز بالذات التي غمرت طبقات واسعة من الشعب في اللحظة التي سمعت فيها خبر المجزرة في الخليل20."
وللانتقام دور آخر مهمّ للغاية وفقًا لغينزبورغ وهو تقريب الخلاص. فالانتقام يسعى للحسم بين طرفين يتصارعان صراعًا وجوديًا ولا يمكن أن يبقى كلاهما على وجه الطبيعة، فإمّا هذا أو ذاك. لذلك فإنّ اليهود، الفرد أو المجموعة، عندما يُقْدمون على الانتقام فإنّهم يضعون الرب وفقًا لغينزبورغ في امتحان. فهم يتوجهون للرب للحسم في مسألة من سيبقى ومن سيفنى. وبذلك، فإنّهم يسرّعون حسم الرب في تعجيل يوم الانتقام الذي يعتمل فيه. ووفقًا لغينزبورغ هنا يوجد نداء إلى الرب بتعجيل الخلاص، فالشعب يشعر بالضيق وبات مجيء الخلاص ضرورة محسومة لا يمكن تدبّر الأمر من دونها21. رابعًا، فريضة القضاء على الأشرار وإبادة جنس عماليق: يقول غينزبورغ إنّ العرب الفلسطينيين أشرار يعادون اليهود لكونهم يهودًا ويقفون ضدهم وضد مجيء الخلاص، لأنّ الخلاص "يكشف زيف آلهتهم التي يفصّلونها وفقًا لمقاييسهم." ويدّعي غينزبورغ أنّ في كلّ عصر يوجد أشرار يسعون لإيذاء اليهود ومنع خلاصهم، وكلّ من يعادي اليهود أو يؤذيهم فإنّه يعدّ من نسل عماليق، و"الشعب الفلسطيني الذين هم اختراع مصطنع هدفه هدم إسرائيل"، هم "عماليق هذا العصر"، لذلك "ينبغي إبادتهم"22. ويضيف غينزبورغ، إنّ ما قام به غولدشتاين كان ينبغي أن تقوم به إسرائيل فهو ينسجم تمامًا مع هذه الفريضة الدينية ويعجّل مجيء الخلاص. ويضيف غينزبورغ إنّه ينبغي عدم الاكتراث بالانفعال المصطنع الذي يدّعي "كم هو فظيع إطلاق الرصاص على مصليّن في المسجد وهم ساجدون لآلهتهم." فهذا الادّعاء "يطلقه هؤلاء الذين لا يوجد إيمان في قلوبهم"، فكلّ مؤمن يدرك أنّه "من الكنائس والمساجد تتدفق كراهية اليهود الأكثر عمقًا، ومنها جاءت كلّ المذابح ضد اليهود"23. خامسًا، فريضة الحرب: ادّعى غينزبورغ أنّ ارتكاب غولدشتاين المجزرة لم يأت من فراغ، وإنّ ا جاء في سياق الحرب على مصير البلاد. وأضاف، إنّ مشاكل إسرائيل الأساسية مع الفلسطينيين في العصر الحديث تنبع من عدم تنفيذ اليهود ثلاث فرائض دينية أساسية عند هجرتهم واستيطانهم في فلسطين لا سيمّا الفريضة الثانية، والفرائض الثلاث هي: "تنصيب ملك"، و"إفناء ذرية عماليق" (أي إفناء الفلسطينيين الذين هم وفقًا لغينزبورغ عماليق العصر الحديث)، و"بناء الهيكل." وبرّر غينزبورغ ارتكاب غولدشتاين المجزرة بأنّه قام بتنفيذ فريضة ضرورة إفناء الفلسطينيين واجتثاثهم منها لأنّ وجودهم فيها يفسد اليهود ويعرقل مجيء الخلاص24.
"شريعة الملك" تشريع وجوب قتل الفلسطينيين
من المفيد إلقاء الضوء على فكرَي الحاخامين يتسحاك شبيرا ويوسي إيليتسور، تلميذَي الراب يتسحاك غينزبورغ، كما تجلّيا في كتاب شريعة الملك25 الذي ما انفك يلاقي رواجًا واسعًا في صفوف المستوطنين وأنصار جباية الثمن وتمرد والتيارات الدينية اليهودية الحريدية والصهيونية الدينية الناشطة في المناطق المحتلة وفي داخل الخط الأخضر. الفكرة المركزية التي هيمنت على هذا الكتاب من بدايته وحتى نهايته، هي تشريع قتل العرب الفلسطينيين دينيًا، استنادًا إلى التوراة والتلمود وكتابات الحاخامات اليهود عبر العصور المختلفة، وذلك من أجل إقامة الدولة اليهودية في فلسطين وجوارها وفقًا للشريعة اليهودية. أكّد الحاخامان أنّه يجب قتل العرب الفلسطينيين في الصراع على مصير ما أطلقا عليه "أرض - إسرائيل"، أي فلسطين ومساحات واسعة من الدول العربية المجاورة. فالأغيار – أي العرب الفلسطينيون – "الذين يطالبون بهذه البلاد يسلبونها منّا، وهي إرث لنا من آبائنا." وقسّم الحاخامان البشر إلى فئتين أساسيتين اليهود والأغيار، أي غير اليهود. وادّعيا أنّ اليهود بطبيعة الحال هم الأفضل وأنّهم هم الآدميون الحقيقيون، في حين أنّ الأغيار في "مرتبة أدنى تقترب كثيرًا من منزلة البهائم." واستخلصا أنّه لا يمكن المساواة في أيّ حال من الأحوال بين اليهود والعرب الفلسطينيين في الدولة اليهودية. ودعيا إلى طردهم من فلسطين وقتلهم إذا فشلت عملية طردهم. وأورد الحاخامان اقتباساتٍ كثيرة من التوراة والتلمود ومن فتاوى حاخامات يهود وأحكامهم عبر العصور، والتي لا توجب قتل المقاتلين العرب الفلسطينيين فقط وإنّ ا أساسًا قتل العرب الفلسطينيين المدنيين الذين لا يشاركون في الأعمال الحربية، رجال ونساء مهما بلغت أعمارهم، سواء أكانوا أطفالً وُلدوا لتوّهم أم كبارًا في السنّ على حافة الموت. وقد أحاط الحاخامان قتل الفلسطينيين والانتقام منهم بهالةٍ من القدسية؛ فهو التجسيد العميق لل"العمل اليهودي الطاهر"، وهو "تجلّ العدل ويجب القيام به بحماسة ومن دون حساب" ودون رأفة. وأوجبا قتلهم وعدم استثناء أحد من أجل هزيمة "الأشرار" و"الملعونين." وبرّر الحاخامان قتل الأطفال الفلسطينيين لا سيما الرضّ ع منهم والذين وُلدوا لتوّهم، باستنادهما إلى قيام أبناء إسرائيل بقتل صغار أطفال "مدين" في الزمن الغابر. وأورد الحاخامان جملة من الأسباب التي توجب قتل الأطفال الفلسطينيين؛ وأبرزها: -1 إنّهم ينتمون إلى "الأشرار" و"الملعونين"، وقتلهم يمنع وقوع الشر، فهم سيصبحون أشرارًا بطبيعة الحال عندما يكبرون. -2 قتلهم يبثّ الرعب في قلوب العرب، بخاصة إذا جرى قتل أعداد كبيرة منهم. 3 – وجود حاجة يهودية داخلية إلى الانتقام وقتلهم يستجيب لهذه الحاجة. -4 القدر اختار أن يكون قتل الأطفال بالذات إنقاذًا لليهود.
وثيقة "التمرد"
متأثّرًا بفكر يتسحاك غينزبرغ، صاغ مئير اطينغر في عام 2014 المنطلقات الفكرية لتنظيم "تمرد"، في وثيقة حملت اسم "التمرد"، حدّد فيها المبادئ الأساسية للتنظيم الإرهابي اليهودي الجديد. يظهر في هذه الوثيقة مدى عمق تأثّر مئير اطينغر بفكر الراب يتسحاك غينزبورغ. تأخذ وثيقة "التمرد"26 مفهوم الدولة اليهودية إلى مداه الأقصى. وتشدّد بالأساس على المفهوم الديني للدولة اليهودية التي تسعى هذه الوثيقة إلى إقامتها وفقًا للتوراة والشريعة اليهودية. تنطلق هذه الوثيقة من أنّ إله اليهود منح فلسطين وجوارها من الأراضي العربية الأخرى التي تطلق عليها الوثيقة "أرض - إسرائيل" لليهود فقط، من أجل عبادته وتمجيده وتطبيق التوراة والفرائض الدينية اليهودية. وتؤكد الوثيقة أنّ كلّ حكم لا يخضع للتوراة والفرائض اليهودية الدينية ولا يلتزمها التزامًا كاملً، فإنّه يعدّ مغتصبًا السلطة ولا توجد له شرعية. وهذا يعني أنّه ينبغي عدم الخضوع للحكم في إسرائيل الذي يأتي بواسطة الانتخابات، وإنّ ا قبول شرعية الحكم الذي يسير وفقًا للتوراة والشريعة اليهودية فقط. وتضيف الوثيقة أنّ أسس دولة إسرائيل وأسس الحركة الصهيونية الفكرية تستند إلى فرضية أنّ إسرائيل هي دولة مثل جميع دول الأغيار، وليست دولة "مملكة إسرائيل" التي تلتزم التوراة والشريعة اليهودية. وأسس هذه الدولة ضعيفة والهدف هو إسقاط بنيتها وإقامة بنية جديدة تقوم على حياة يهودية وفقًا للتوراة.
تؤكد الوثيقة أنّ التوراة فرضت على اليهود ثلاث فرائض أساسية، وهي: بناء الهيكل، وإبادة عماليق(أي إبادة السكان الأصليين الفلسطينيين)، وتنصيب ملك على اليهود ليحكم وفقًا للتوراة والشريعة اليهودية. وتطالب الوثيقة بالشروع في تنفيذ هذه الفرائض وعدم ترك هذا الأمر لتنفيذ "الخالق." فمراحل العمل من أجل مجيء الخلاص وظهور المسيح (همشياح)، متعددة وينبغي عدم تركها "للخالق"، وإنّ ا يجب العمل على تحقيقها. فغالبية اليهود تريد أن تعيش حياة يهودية وتريد مجيء الخلاص. ولكن تكمن نقطة ضعفهم في اليأس من حدوث الخلاص. لذلك يجب أن يعمل اليهود المؤمنون على تعجيل مجيء الخلاص. وعندما يرى عامة اليهود أن ذلك ممكن فإنّهم سينضمّون للعمل من أجل مجيء الخلاص. وفقًا للوثيقة، تستند فكرة التمرد إلى وجود نقاط ضعف كثيرة لدولة إسرائيل، والمطلوب هو إشعال جميع "نقاط الانفجار" الحساسة، وفي الوقت نفسه إظهار التناقضات الكامنة بين اليهودية والديمقراطية، وبين الطابع اليهودي والطابع العلماني للدولة، من دون الخشية من النتائج. فإنّ ضعضعة قدرة الدولة في الحكم هي جوهر التمرد. وأهمّ وسيلة وأجْداها لضعضعة حكم الدولة هي "إشعال جميع نقاط الانفجار" في الصراع مع الفلسطينيين وتوجيه سلسلة متواصلة من الضربات الموجعة لهم، لكي يجري تفجير الصراع بين اليهود والفلسطينيين إلى أقصى أبعاده لإلحاق الهزيمة المبرمة بالفلسطينيين، ما يقود إلى تعجيل مجيء الخلاص لليهود، وظهور "المشياح" والتخلص من الفلسطينيين. وتؤكد الوثيقة أنّ الحكم الذي تصبو لإقامته ينبغي أن يلتزم تحقيق الأهداف التالية - وأيّ حكم لا يلتزم هذه الأهداف يعدّ غير شرعي - وهي: أولً: تنصيب الملك الذي يحكم وفقًا للتوراة والشريعة اليهودية. ثانيًا: القضاء على عبادة الأصنام قضاء مبرمًا فورًا ودون تسويف، وهذا يعني تدمير أماكن العبادة المسيحية والإسلامية في جميع أنحاء البلاد. ثالثًا: بناء الهيكل ووضع خطة عمل وجدول زمني معقول لتنفيذ ذلك. رابعًا: طرد الأغيار، أي طرد العرب الفلسطينيين وكلّ من ليس يهوديًا من فلسطين، وفقًا لخطة عمل وجدول زمني معقول لتنفيذ ذلك. خامسًا: تطبيق الشريعة اليهودية في الحيز العام تطبيقًا كامل ووضع خطة عمل وجدول زمني لتحقيق ذلك. وتشيد الوثيقة بتجربة منظمة "ليحي" (المحاربون من أجل حرية إسرائيل) الإرهابية التي نشطت في عقد أربعينيات القرن العشرين وارتكبت الجرائم بحق الفلسطينيين المدنيين واصطدمت مع منظمة الهاجاناه العسكرية ومجتمع المستوطنين والمهاجرين اليهود في فلسطين. وادّعت الوثيقة أنّ إسهام الإرادة والتصميم والتمسّك بالهدف، كان حاسمً في صمود منظمة ليحي الإرهابية أمام بطش الهاجاناه27.
دليل ارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين
في سياق سعي قيادة تنظيم "تمرد" لنقل مبادئه وأفكاره إلى أفعال، وتفجير الصراع ضد الفلسطينيين إلى أقصى أبعاده من أجل التخلص منهم وطردهم وتقريب يوم الخلاص ومجيء "المشياح"، صاغت قيادة هذا التنظيم الإرهابي وثيقةً حملت اسم "مملكة الشر"28. وهذه الوثيقة التي يعتقد أنّ مئير اطينغر وموشيه أورباخ صاغاها في أواخر عام 2014، هي بمنزلة دليل على كيفية القيام بعمليات إرهابية ضد العرب الفلسطينيين وممتلكاتهم. وهي تشمل إرشادات وتوجيهات تفصيلية في كيفية ارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين وفي كيفية حرق منازلهم ومساجدهم وكنائسهم. وأشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أنّ المخابرات الإسرائيلية العامة (الشاباك) عثرت على هذه الوثيقة في آذار / مارس 2015 أثناء حملة التحقيق التي أجرتها مع الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة29. تحت عنوان "سبيل الفرائض اليهودية"، تدعو الوثيقة إلى تأسيس خليّة يهودية إرهابية مكوّنة من 3 - 5 أشخاص في كلّ مستوطنة ومدينة وتجمّع يهودي، وفي كلّ تلة أقيمت عليها البؤر الاستيطانية اليهودية في الضفة الفلسطينية المحتلة. وتدعو الوثيقةُ الخليّةَ الإرهابية إلى أن تستهل نشاطاتها ضد العرب الفلسطينيين وممتلكاتهم، بعمليات صغيرة ثم القيام شيئًا فشيئًا بعمليات أكبر وأكثر أهمية. وتحت عنوان "طرق العمل"، تشرح الوثيقة كيفية حرق المساجد والكنائس والبيوت العربية الفلسطينية.
حرق المساجد والكنائس
تولي الوثيقة أهمية كبيرة جدًا لحرق المساجد والكنائس، وتؤكد أنّه ممنوع وجود المساجد والكنائس في فلسطين في "الدولة اليهودية." وفي ما يخص حرق المساجد، أشارت الوثيقة إلى أنّ هناك عدة أنواع من المساجد من حيث حجمها وفرص نجاح حرقها؛ فهناك مساجد كبيرة جدًا ويوجد فيها غرف عديدة، وهناك المساجد البسيطة المكوّنة من طابق واحد ومكان واحد للصلاة، وأبواب بعض المساجد محكمة الإغلاق، وتبقى أبواب بعضها الآخر مفتوحة. وبخلاف المنازل التي توجد فيها أشياء كثيرة قابلة للاشتعال، فإنّه يوجد في المسجد بصورة عامة بساط كبير وخزانة أو رفوف عليها مصاحف. وأشارت الوثيقة إلى أنّ عملية حرق المسجد تتمّ بطريقتين؛ الأولى بخلط أنواع عديدة من البنزين والسولار والمواد المشتعلة الأخرى ثم سكبها على أرضية المسجد وإشعالها. والطريقة الثانية تتمّ بواسطة حرق إطارات السيارات داخل المسجد.
وتؤكد الوثيقة أنّه يجب عدم الاكتفاء بحرق المساجد، والتي تكون عند حرقها عادةً فارغة من المصليّن، وإنّ ا ينبغي حرق بيوت عربية مأهولة بأصحابها من أجل حرقها هي وأصحابها سوية. وتستطرد، إن هناك فرقًا بين عملية حرق مسجد أو سيارة وحرق بيوت فلسطينية مأهولة بسكانها؛ فعملية حرق المسجد أو السيارة أسهل من غيرها وليس فيها مجازفة وتقتصر نتائجها على الممتلكات. أمّا عملية حرق المنازل العربية المأهولة بسكانها فإنّها أكثر خطورة، ولكن نتائجها أكثر جدوى لأنّها قد تؤدي إلى حرق أصحابها. وتُطمئن الوثيقة الإرهابيين اليهود بقولها إنّه عند حرق بيت مأهول بسكانه فإنّ العرب سينشغلون بإخماد الحريق أكثر من محاولة مطاردة مرتكبي الجريمة. وبما أنّ هناك احتمالً يتمثّل بأن يصطدم مقترفو جريمة الحرق بأصحاب المنزل، فإنّ الوثيقة تدعو أن تكون لِمَن يحرق بيتًا عربيًا مأهولً بالسكان خبرةٌ وتجربة سابقتان لكي يحرق البيت مع سكانه ويفرّ من المكان. وتدعو الوثيقة الإرهابيين اليهود الذين يحرقون المنازل الفلسطينية للتزوّد بزجاجات حارقة وزنها لتر ونصف اللتر، وقدّاحة، و"كفوف" وغطاء للرأس وشاكوش ومحفظة، وعند الوصول إلى القرية يتمّ البحث عن بيتٍ يسهل اختراق بابه أو كسر شبّاكه. ومن المهم إلقاء عدة زجاجات حارقة داخل المنزل لكي يشتعل بسرعة، ما يؤدي إلى حرق أصحابه. ومن الملاحظ أنّ هذا ما قام به بالضبط مرتكبو الجريمة الفاشيّون ضد عائلة دوابشة. لا يضاهي التصميم على حرق المساجد في هذه الوثيقة سوى الإصرار على حرق الكنائس؛ إذ تولي الوثيقة حرق الكنائس والأديرة أهمية قصوى، لأنّ الشريعة اليهودية وفقًا لما ادّعته الوثيقة تُوجب حرقها. وعند الحديث عن الكنائس والمسيحيين الفلسطينيين، اتّسم خطاب الوثيقة بالتطرف الشديد من حيث الأسلوب والمضمون. وادّعت الوثيقة أنّ النصارى الذين وصفتهم بأنّهم "ملعونون" ودعت الله أن يبيدهم و"يمحو اسمهم وذكرهم"، يقومون بتنصير اليهود ولا تتصدى لهم السلطات الإسرائيلية، لذلك على عناصر الخلايا اليهودية العمل بجدية للقضاء قضاء مبرمًا على "هذا البلاء من بين ظهرانينا." وتضيف الوثيقة، يسكن أناس "في الكنائس والأديرة محا الله اسمها وذكرها"، ولها عادةً مصافّ للسيارات، وهناك كاميرات مراقبة في العديد من الكنائس والأديرة، لذلك يجب الحذر. وتضيف الوثيقة أنّه بخلاف المساجد يوجد في الكنائس الأثاث والكراسي والطاولات والخزانات وما شابه، لذلك بالإمكان إشعال النار في الكنائس بسهولة ويكون الضرر الناجم عن حرقها أكثر جسامة. وتوضح الوثيقة أنّ الكنائس والأديرة تنتشر في جميع أنحاء البلاد، في القدس وبيت لحم ورام الله ونابلس وفي الناصرة وطبرية والمدن والبلدات العربية الأخرى.
حكومة نتنياهو ترعى إرهاب جباية الثمن
يحظى تنظيم جباية الثمن بدعم المستوطنين اليهود في المناطق المحتلة، وبدعم قطاعات واسعة في صفوف المجتمع الإسرائيلي، لا سيمّا في صفوف أنصار التيارات الدينية اليهودية وأنصار اليمين واليمين الفاشي الإسرائيلي. ويتمتع هذا التنظيم الإرهابي بتشجيع أو بحمايةٍ أو بتساهلٍ من جانب أذرع الحكم الإسرائيلية المختلفة، وفي مقدمتها الحكومة والجيش والادعاء العام والمحاكم الإسرائيلية. وتحظى نشاطات تنظيم جباية الثمن بدعم مالي من الوزارات الإسرائيلية التي تقدّم دعمً سخيًا للِجان المستوطنين ومؤسساتهم
وجمعياتهم التي تقوم بدورها بتحويل جزء منها وبمعرفة الحكومة الإسرائيلية، إلى نشاطات تنظيم جباية الثمن30. لقد تغوّل تنظيم جباية الثمن في كنف حكومة نتنياهو. وتعاظمت عامًا بعد آخر اعتداءاته وجرائمه التي يرتكبها ضد الفلسطينيين منذ وصول نتنياهو إلى سدة الحكم في 2009. ومن الواضح أن رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو يحرص مع قطاعات واسعة من النخب الإسرائيلية على الحفاظ على تنظيم جباية الثمن، لكي يقوم بمهام قمعية وإجرامية ضد الفلسطينيين، والتي يُعدّ قيام القوات العسكرية الإسرائيلية الرسمية بها، محرجًا أمام الرأي العام. وهذه الظاهرة معروفة في الدول الاستعمارية والدول القمعية التي تلجأ في كثيرٍ من الأحيان إلى دعم تنظيمات شبه عسكرية وشبه سرية أو تأسيسها، لتعمل إلى جانب القوات العسكرية والأمنية الرسمية التابعة للدولة، لتحقيق أهدافها في التحكّم في الشعب الواقع تحت احتلالها والسيطرة عليه. فتقوم هذه التنظيمات شبه العسكرية وشبه السرّية بالقمع والبطش وارتكاب الجرائم التي من الأفضل لأسباب كثيرة ألّ ترتكبها أجهزة الدولة الرسمية. وهذا بالضبط ما يقوم به تنظيم جباية الثمن وتنظيم "تمرد" أيضًا الحديث التأسيس؛ فهما يمثلّان رأس الحربة والطليعة المقاتلة للمستوطنين ولدولة الاحتلال، في السطو على الأراضي الفلسطينية، والاستيلاء عليها، والاستيطان فيها، والبطش بالفلسطينيين لإرهابهم ولكسر إرادتهم في مقاومة الاحتلال. ويساند جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوطنين في استيلائهم على الأراضي الفلسطينية وفي اعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم، لأسباب أيديولوجية صهيونية، بغرض نزع الأراضي الفلسطينية من أصحابها الفلسطينيين، ولتعزيز الاستيطان اليهودي. فالجيش الإسرائيلي يعدّ المشروع الاستيطاني اليهودي في الضفة الفلسطينية مشروعه. ويستوطن الكثير من الإسرائيليين الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، في المناطق الفلسطينية المحتلة، أمّا أولئك الذين لا يستوطنون في المناطق المحتلة، فلهم علاقات اجتماعية أو سياسية مع المستوطنين. ويرى الجيش الإسرائيلي أنّ مهمّته لا تقتصر على الحفاظ على الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية المحتلة وإنّ ا أيضًا على وجود المستوطنين وعلى معيشتهم في المناطق المحتلة بوصفهم أسياد الأرض. ويعدّ المستوطنين ومنظماتهم الإرهابية جيشًا غير رسمي يكمل دور الجيش الإسرائيلي في خدمة الاستيطان والاحتلال الإسرائيلييَن31. وأشار الكثير من التحقيقات والتقارير، بما في ذلك تقارير "مراقب الدولة" في إسرائيل وتقارير منظمة حقوق الإنسان "يوجد قانون" (يش دين)، إلى مسؤولية جيش الاحتلال الإسرائيلي في استمرار المستوطنين وتنظيم جباية الثمن في الاعتداء على الفلسطينيين. وأكدت منظمة "يوجد قانون" في تقرير مطوّل لها، تناول أداء جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء قيام المستوطنين وتنظيم جباية الثمن بالاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، أنّ الجيش الإسرائيلي لا يمنع المستوطنين من الاعتداء على الفلسطينيين وعلى ممتلكاتهم، ولا يفعل شيئًا للمستوطنين خلال عدوانهم، ولا يعتقلهم، ولا يجمع الدلائل التي تدينهم، ولا يُدلي بإفادات في الشرطة عن هذه الاعتداءات سواء العسكرية أو المدنية، وأنّه يساند المعتدين المستوطنين عندما يصدّ الفلسطينيون اعتداءاتهم32. وعلى الرغم من آلاف الاعتداءات والجرائم التي ارتكبها تنظيم جباية الثمن وتنظيم "تمرد" الحديث التأسيس، وعلى الرغم من معرفة السلطات الإسرائيلية هوية مرتكبي هذه الاعتداءات والجرائم، فإنّ إسرائيل لم تتّخذ إجراءات ضد مرتكبيها تحت ذرائع واهية، وفي مقدمتها عدم توافر أدلة كافية لإدانة مرتكبي هذه الاعتداءات والجرائم. ولا تحقق سلطات الاحتلال الإسرائيلية في الشكاوى التي يقدمها الفلسطينيون في المناطق المحتلة ضد اعتداءات المستوطنين وجباية الثمن إلّ نادرًا. وفي حال أجرت تحقيقًا رسميًا، فإنّها لا تقدّم لوائح اتهام ضد الجناة في الغالبية العظمى من الحالات. وإذا ما قدّمت لوائح اتهام ضد المستوطنين الجناة، وهو أمر نادر جدًا ويتم في الحالات التي لا يمكن التملّص منها، فإنّ القضاة الإسرائيليين يحكمون ببراءة المتهم أو يصدرون حكمً مخفّفًا.
نتنياهو يرفض إعلان جباية الثمن تنظيمًا إرهابيًا
على الرغم من ازدياد جرائم تنظيم جباية الثمن واعتداءاته الإرهابية ضد الفلسطينيين عامًا بعد آخر، فإنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية تمسّك بإصراره على رفض الإعلان عن تنظيم جباية الثمن تنظيم إرهابيًا؛ ففي كانون الأول / ديسمبر 2011 طالب وزير الأمن الداخلي يتسحاك أهرونوفيتش ووزير القضاء يعقوب نئمان على إثر ازدياد النشاطات الإرهابية لتنظيم جباية الثمن، بإعلان تنظيم جباية الثمن تنظيمً إرهابيًا. وحاجج الوزيران بأنّ الإعلان عن جباية الثمن تنظيم إرهابيًا يمنح جهاز المخابرات الإسرائيلية العامة صلاحيات إضافية في تصدّيه لجباية الثمن، وفي مقدمتها الحق في استعمال القوانين الخاصة ضد المشتبه بهم في القيام بمخالفات أمنية. بيد أنّ نتنياهو رفض هذا الطلب. وفي أعقاب تعاظم نشاطات تنظيم جباية الثمن الإرهابية في سنة 2013، طالب وزير الأمن الداخلي يتسحاك أهرونوفيتش ووزيرة القضاء تسيبي ليفني في اجتماع الكابينت السياسي - الأمني في 16 حزيران / يونيو 2013، بالإعلان عن تنظيم جباية الثمن تنظيم إرهابيًا، بيد أنّ نتنياهو أصرّ على رفض ذلك الطلب. وقدّم نتنياهو تبريرات واهية لرفضه، كقوله إنّه "ينبغي عدم المقارنة بين جباية الثمن ومنظمات إرهابية مثل حماس والجهاد الإسلامي." وادّعى نتنياهو في سياق تبريره رفضه أنّه حتى وإن كان الإعلان عن تنظيم جباية الثمن صحيحًا من الناحية الإسرائيلية الداخلية، فإنّه من الخطأ القيام بذلك بسبب تأثيره في المجتمع الدولي. وادّعى نتنياهو أنّ هذا الإعلان يؤذي إسرائيل ويمسّ بسمعتها الدولية، ويعزّز نزع شرعيتها، ويساعد عوامل مختلفة في العالم لمقارنة عمليات جباية الثمن بعمليات حماس. وقبل الكابينت السياسي الأمني موقف نتنياهو، ورفض إعلان جباية الثمن تنظيمً إرهابيًا، وخوّل وزير الأمن موشيه يعلون إعلان جباية الثمن منظمة غير قانونية33. وفي تموز / يوليو 2013 أعلن وزير الأمن موشيه يعلون جباية الثمن منظمة غير قانونية، بيد أنّ السلطات الإسرائيلية لم تتخذ أيّ إجراء ضد تنظيم جباية الثمن بعد ذلك الإعلان. واستمر تنظيم جباية الثمن في نشاطه الإرهابي المعهود. وفي أعقاب ارتكاب تنظيم "تمرد" جريمة حرق عائلة دوابشة، استمر رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو في رفضه إعلان "جباية الثمن" و"تمرد" أنّهما تنظيمان إرهابيان. وفي الوقت نفسه، رفضت حكومة نتنياهو اعتقال مرتكبي جريمة حرق عائلة دوابشة وتقديمهما للمحاكمة، على الرغم من إعلان وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون أنّ القيادة الإسرائيلية تعرف بدقة هوية اليهود الذين ارتكبوا جريمة حرق عائلة دوابشة.
الخاتمة
من غير المتوقع أن يوقف المستوطنون وتنظيماتهم الإرهابية اعتداءاتهم وجرائمهم ضد الفلسطينيين؛ فهذه الاعتداءات والجرائم كما يراها المستوطنون أنفسهم وكما تراها الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، هي جزء من عملية الاستيطان نفسها، وهي جزء من الصراع على مصير الاستيطان ومصير الضفة الفلسطينية المحتلة. فالمستوطنون وتنظيماتهم الإرهابية والحكومة الإسرائيلية والقسم الأوسع من المجتمع الإسرائيلي، يدركون الدور التاريخي الذي يقوم به المستوطنون في تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة ودور تنظيماتهم الإرهابية المهمّ، إلى جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، في إرهاب الفلسطينيين والبطش بهم، لكسر إرادتهم ولإرغامهم على قبول وجود الاستيطان واستمرار توسّعه في أراضيهم. لقد أحرجت جريمة حرق عائلة دوابشة السلطة الفلسطينية. وأظهرت عجزها بصورة صارخة؛ فالسلطة الفلسطينية ليس لها أيّ إستراتيجية أو رؤية للدفاع عن الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين وتنظيماتهم الإرهابية على الفلسطينيين وعلى أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم، وذلك في الوقت الذي تستمر فيه في التنسيق الأمني مع إسرائيل لمنع حدوث مقاومة ضد جيش الاحتلال وضد المستوطنين. وبحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي ودعمه، استباح المستوطنون وتنظيماتهم الإرهابية الأراضي الفلسطينية وممتلكاتهم ودمهم، وشنّوا الاعتداءات يوميًا على الفلسطينيين، وارتكبوا الجرائم بحقّهم، بما في ذلك حرقهم في منازلهم وهم أحياء. لقد أثبتت السنوات الطويلة الماضية أنّ الرضوخ لإسرائيل والتنسيق الأمني معها ضاعَفا نزعتها العدوانية والتوسعية، هي والمستوطنين وتنظيماتهم الإرهابية. حان الوقت لوضع إستراتيجية وطنية فلسطينية تفعّل كلّ عوامل القوة الفلسطينية، وتضع التصدّي للاستيطان والمستوطنين ومقاومتهم، والنضال من أجل إنهائه وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي البغيض، في قمة أولوياتها.