مسألة سيناء بين الجهاد المعولم والمظلومية المحلية
الملخّص
تثير "مسألة سيناء" الراهنة العديد من الأسئلة عن طبيعة العنف المتصاعد بها، وأسباب نشوئه، ونوعية فاعليه، وحدود خطره، سواء في النطاق المحلي أو الإقليمي أو الدولي. تهدف هذه الورقة إلى طرح مقاربة ذات بعد اجتماعي لمسألة العنف في سيناء، من منظور الأمن الإنساني، وذلك عبر فحص عناصر ما تسمّ يه الورقة، "المظلومية السيناوية"، ومدى كون هذه المظلومية تشك ل مسببًا رئيسا للتحول الراديكالي وسط أهل بادية سيناء، ما يهيّئ لاحتضان جماعات العنف المسلح. كما تناقش الورقة المخاطر التي خلقها هذا الوضع، على نحوٍ يعيد رسمها على خطوط تحولات الجهاد الإس مااي المعولم. وتأمل الملخص الورقة أن تنبّه إلى أنّ مضاعفة المظلومية المحلية سوف تدفع بمخاطر العنف المسلح إلى مستوى ربما يصل بالمشكلة إلى خروج سيناء من سيطرة الدولة المصرية.
مقدمة
في التصور الأعم، يتلخص مفهوم الأمن في التحرر من الحاجة والخوف. وهو ما ينطبق على ملامح "مسألة سيناء" الراهنة. فعلى الرغم من انتهاء الحروب على أرض سيناء، والتحرر من قبضة الاحتلال بعودتها إلى السيادة المصرية مطلع الثمانينيات، فإنّها ظلت مهمشة، تعاني الحرمان الاقتصادي والتمييز الاجتماعي. بقي فقدان الشعور بالأمان يسم أهل سيناء ومعاشهم اليومي، ويبثه في نفوسهم ثالوث للخوف: أوله دولة تطلق عنف قبضتها الأمنية تجاههم، في وقت تعجز سلطاتها عن توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهم؛ وثانيه تنظيمات عنف مسلح تشن عملياتها ضد الدولة والناس، على وفق نهج استنزافي وتصورات للمستقبل بالغة الانغلاق، ولا تعبأ أن يقضّ عنفها استقرار حياة الناس ومعاشهم ووجودهم؛ ويكمل الاثنين دور ضاغط لقبيلة هيمنت على الشأن الاجتماعي، فيما تعادي الحداثة، وتدفع جهة التشدد، وتكرس التمييز.
أوّل ا: المظلومية ودورها في تشكيل الحواضن الاجتماعية لتنظيمات الجهاد
في إطار حركة هذا الثالوث، يمكن تسمية أبرز عناصر الأزمة الاجتماعية والسياسية في سيناء على النحو التالي:
التهميش الاجتماعي والاقتصادي
كان لتسيد نموذج متطرف للتنمية، أن انخفضت المخصصات الموجهة لسيناء في الميزانية العامّة للدولة، ما ترك أثرًا سلبيًا في حالة الاقتصاد ونوعية الحياة. الدأب على إهمال سيناء، لم يمنع الحكومات المتعاقبة من أن تغترف موارد هذه البقعة بلا هوادة، فارضةً أنموذجًا للتنمية المحلية لا تصب عوائده في مصلحة الأهالي. وما طرح عبر العقود الثلاثة الماضية من مشروعات حملت مسمّى "تنمية سيناء"، كان مصيره دومًا هو التعطل، بحجج تتعلق بتدهور الأمن وقلة الموارد. لم تتخط أهداف التنمية المعلنة مرحلة الوعود والخطاب الإرضائي الذي يُسمع في الأزمات ومواسم الانتخابات1. وظل نمط الاستثمار يعتمد على إقامة صناعات تعدينية أو تحويلية كصناعة الإسمنت، فضلً عن مشروعات سياحية تكثفت في الشريط الساحلي الجنوبي. تضاءلت في هذه القطاعات الثلاثة نسب مشاركة أهالي سيناء؛ سواء أكانوا ملّ كًا، أم عمالً. وفي حين كانت نسبة البطالة، عام 2011، أدنى من المعدل القومي فلم تبلغ 9 في المئة، تصاعدت إلى نحو 16 في المئة مع 2013، لتتخطى المعدل القومي بأكثر من 3 في المئة. ويقع الأثر الأكبر لهذا على الفئة الأكثر حرمانًا بين السكان، وتتمثّل بالشبان الذين ترتفع نسب البطالة بينهم، فيما ينحسر العمل في القطاع الخاص، وتتضاءل الفرص الحكومية للتوظيف الذي لا يزال يخضع إلى نظم عتيقة للفرز الأمني وإجراءات غير رسمية2. تظلّ مظاهر التمييز الاقصائية هي الأصل في تعامل الدولة مع السيناوي، إذ يتمّ إبعاده عن الوظائف العامّة، خصوصًا في قطاع الدفاع والأمن. وقد أصبح التضييق على حق السيناوي في الحركة قاعدة، يدعمها تطبيق موسّع لقانون الطوارئ، وحصر لحرية الحركة في أصحاب النفوذ والثروة، وأعيان النخبة القبلية، المرتبطين بعلاقات زبائنية مع السلطة.
رواسب الكراهية بفعل القبضة الأمنية الخانقة
اتسمت علاقة هذه البقعة بسلطة الدولة بالتوتّر الشديد، ولوّنتها مشاعر الكراهية المتصاعدة. صحيح أنّ هذه الكراهية ظلّت موجّهة نحو جهاز الشرطة، بسبب ممارساته التي تهدر الكرامة الإنسانية، لكنّ نزعة التمييز وسوء المعاملة وعدم إيلاء الاهتمام الواجب للطابع القبلي المحافظ للمنطقة، ظلّت تصم عموم أداء الجهاز البيروقراطي، القادم أغلبه من الوادي. وزاد من حدة الأمر تفشي مظاهر الفساد الإداري في أجهزة السلطة المحلية. وقد تضاعفت هذه الكراهية بدخول الدولة في مواجهة واسعة مع الموجة الجهادية التي انطلقت في أعقاب الثورة. ربما فاقم كذلك الأمرَ أن جرى تغيير لنوعية الضباط المسؤولين عن تنسيق العلاقات الأمنية مع أهل هذه المناطق وقبائلهم3. لقد ظلّت الممارسات الأمنية، القائمة على توسيع قاعدة الاشتباه، بما يشمل جميع سكان شمالي سيناء، جزءًا أصيلً من إستراتيجية أمنية محدودة الأفق، تفتقر لموجّهات فاعلة للتمييز بين الأهالي ومنتسبي
جماعات العنف المسلح. واعتمدت نشر الخوف، بما عسف بحياة الناس، وبها بلغت انتهاكات حقوق الإنسان والقتل خارج إطار القانون حدًا غير مسبوق4.
يشير تقرير المرصد المصري للحقوق والحريات الصادر مؤخرًا إلى تورط قوات الجيش والشرطة، خلال العملية نسر وسيناء، في انتهاكات واسعة خلال العامين بين أيلول / سبتمبر 2013 (عقب فض اعتصام رابعة) وحتى منتصف 2015. فقد جرى قتل 1347 شخصًا خارج إطار القانون، جرّاء التعذيب أو القتل على الاشتباه، أو الخطأ. كما اعتقلت هذه القوات ما زاد على التسعة آلاف 9073(في فترة التقرير)، منهم 2833 حالة اعتقال بشبهة "الضلوع في الإرهاب"، وهو عدد يفوق أكثر التقديرات تطرفًا في حساب عدد المنتسبين إلى التنظيمات الجهادية، والذين يقدّرون بين ألف وألفين من المسلحين5.
التردي المعيشي والآثار السلبية للاقتصاد الأسود
مثّلت التجارات غير المشروعة عمادًا أساسيًا للاقتصاد في الشمال الشرقي لسيناء، وهي المنطقة الأكثر سكانًا، والأكثر تعرضًا للعنف المسلح. تبدأ هذه الأنشطة بالسلاح وتسهيل الهجرة غير الشرعية إلى إسرائيل وأوروبا، ولا تنتهي بالمخدرات. وعلى الرغم من أنّ هذه الظواهر قد نمت بفعل التساهل الحكومي، وفساد طال كبار مسؤولي المحليات والأمن، وبمشاركة النخبة القبلية، فإنّها مثّلت عمليًا بديل يحقق التوظيف وفرص العيش، في غيبة سياسات عامة حقيقية للتنمية الاجتماعية وتطوير الخدمات العامّة. لقد تساهلت الدولة مع هذه الأنشطة، خصوصًا تجارة التهريب مع غزة وفلسطين المحتلة. وهو أمر أقرب إلى السياسة الواقعية، غايتها إرضاء القبائل، وتخفيف حدة الضغوط في هذه المنطقة الحيوية. لكن الأمر اللافت أنّ القطاع الأوسع من السكان، ممن لا ينخرطون في هذه التجارات، كان فقرهم يستفحل، جراء تأثير الاقتصاد السرّي في عموم الحالة الاقتصادية، بينما ظلت تصب بعوائدها في جيب القلة6. وحينما ضيّقت عليها الدولة مؤخرًا سواء بهدم الأنفاق، أو بمحاصرة أنشطتها، لم توفّر بديلً مشروعًا وجيدًا لمعاش المنخرطين فيها، ولم تقدّم نمطًا اقتصاديًا ينتشل سكان هذه المناطق من حالة الفقر وانحدار التنمية.
تفاقم سياسات العزل
كان من نتائج سياسات العزل الحكومي المتصاعدة منذ تحرير سيناء، وتعمد قطع الصلات القرابية على خطّيْ الحدود إحدى تبعات "اتفاقية كامب ديفيد"، أن ازداد تهميش السيناوية، خصوصًا في الشمال الشرقي. وما ضاعف الأمر الخطاب الإعلامي للدولة الذي استمرأ وصم فلسطينيي رفح وقطاع غزة بالعموم، وهم موصولون بصلات الدم والقرابة القبلية والمصاهرة مع أهل شرقي سيناء7، وبينهم مقيمون داخل سيناء، نازحون منذ حربي 1948، و 1967. إن لوم هؤلاء، وهم الضحايا، على خضوعهم للاحتلال الإسرائيلي، واللمز بوطنيتهم، كان يجرح حقيقة، ذلك أنّ أسلافهم قاموا بدور أساسي في مقاومة الاحتلال، وتقلد الكثيرون من كبارهم أنواط التكريم العسكرية. ولذلك، بقي تقديس مقاومة الاحتلال حيًّا في ثقافتهم. أمّا أشدّ م رااسات العزل خطرًا، فجاءت بتطبيق سياسة للترانسفير، مدفوعة أمنيًا، بوصفه جزءًا من تفاهمات قديمة أميركية – إسرائيلية - مصرية. وأعلن عن خطة تقضي بتفريغ ذلك الشريط بعمق كيلو متر من علامات الحدود. أضرت هذه السياسة عند تطبيق مرحلتها الأولى ب 1156 أسرة، تقطن ما يزيد على 800 منزل،
علاوة على حرمان العاملين بالزراعة منهم من بساتينهم8. ويقدّر العدد الكلي للمتضررين بعد اكتمال المشروع بنحو 75 ألف مواطن. هذا من دون توفير سياسة تضمن التعويض أو الإسكان البديل.
الهشاشة أمام مخاطر الإرهاب
تبدو سياسة الدولة غير معنية بحماية المواطنين من المخاطر التي تهدد حياتهم ومعاشهم، فالمنظور الأمني المطبّق في سيناء ينطلق من رؤية لعموم السكان بوصفهم خطرًا، ويعاني أهل البوادي منهم صور التمييز، وتعاملً يرى البادية معقلً للإجرام والإرهاب. يدعم هذا المنظور خطاب إعلامي لمكافحة الإرهاب في سيناء ينطوي على ملامح تمييزية، ويعتمد التجهيل والتفزيع. لم تولِ السياسات الأمنية التي رسمها هذا المنظور أي أهمية لتوفير مظلة حمايةٍ واستيعابٍ لأهل سيناء. وليس بمستغرب أن أفضى إلى تفضيل البعض منهم التعامل مع سلطة الجماعات الجهادية بصفتها واقعًا بديلً من الدولة، إذ يبدو لهم أنّ تكلفته أقل من تكلفة التعرض لعسف الدولة.
ثانيًا: مخاطر الجهاد ورسم خرائطه وفق خطوط المظلومية
يمثّل صعود الجهاد المعولم في سيناء انعكاسًا لموجة نقلت مركز الجهاد من أواسط آسيا (أفغانستان ومحيطها) إلى مناطق شرق المتوسط الملتهبة بالثورات. كما كان لفشل نخب دولة الاستقلال العسكرية المتحالفة مع بيروقراطية عتيقة وطبقة أعمال احتكارية دور في حفز الثورات، عاد لينهك مسارات التغيير المدنية. وفي سيناء فُتح الباب واسعًا أمام اختلال العلاقة بين الدولة والجماهير، وإضعاف كيان الدولة، مخلفًا موجة من الاحباطات، وتفاقمً للمظلوميات التي قامت الثورات لفضّ ها. منح هذا الوضع "قبلة الحياة" لتنظيمات جهادية، تجد مساحتها المفضلة في هذه البقاع الرخوة التي تبهت بها سلطة الدولة، وتسودها كوامن الغضب.
صعود الجيل الثالث
على إثر عقد طويل من المواجهة الملتهبة مع التنظيمات الإسلامية المسلحة، نجحت الدولة في آخر التسعينيات في الحد من العنف المسلح، ودفعت بهذه التنظيمات إلى النزول مجددًا تحت الأرض. وجد بعض الفارين ملاذًا لهروبه في شبه جزيرة سيناء9 التي بدت بيئة مؤهلة لاستقبالهم، ليس بسبب من نأيها، وطبيعتها الوعرة، ومحدودية الوجود العسكري فيها فحسب، وإنّ ا أيضًا لتفاقم عوامل المظلومية الاجتماعية بها. وبوصول هذه التنظيمات واستقرارها هناك، نبتت بذور جديدة لظاهرة العنف المسلح. وإن هي إلّ بضع سنوات، حتى عاودت تنظيمات العنف المسلح نشاطها خلال احتفالات مصر بنصر أكتوبر في عام 2004، إذ وقعت سلسلة من التفجيرات المتزامنة، استهدفت فندق "هيلتون طابا"، ومنتجعين بمدينة نويبع الواقعة جنوبًا، قُتل خلالها إسرائيليان وآخر مصري. كسرت هذه العمليات حالة الاستقرار النسبي التي تمتع بها نظام مبارك لسنوات، وعززتها "مبادرة وقف العنف"10. وخرجت إلى العلن من بعد هذه الحوادث لافتات جهادية مستحدثة11 جعلت المحللين يرون في بروزها ملامح لتشكل طور جديد من أطوار الظاهرة الجهادية.
كانت ردة فعل قوى الأمن المصرية إزاء هذه الحوادث مبالغًا في عنفها وذات أثر ضئيل في التنظيمات المسلحة، فيما وقعت آثارها البالغة بكاملها على أهل سيناء، خصوصًا من طالتهم حملة الاعتقالات الواسعة، وممارسات التضييق والاشتباه وسوء المعاملة12. وقد تضاعفت، في إثر ذلك، حالة الاحتقان الموروثة بين سكان سيناء والحكومة المركزية في القاهرة، في وقت كانت سيناء تعاني فيه من تدهور شديد في الخدمات الأساسية. في هذه الأجواء المحتقنة، وقبل أن ينقضي العام، وقعت في تموز / يوليو 2005، سلسلة جديدة من التفجيرات الانتحارية المتزامنة، طالت الموئل المفضل لمبارك وأسرته، وهو منتجع شرم الشيخ جنوبي سيناء، على تأمينه الشديد. أسفر الهجوم عن عدد من الخسائر البشرية غير مسبوق، ناهز المئة قتيل، وضعفهم من المصابين. وتطابق أسلوب تنفيذه مع أسلوب تفجيرات طابا، على نحو رجّح احتمال وحدة الفاعل في الحدثين، الأمر الذي تأكد ببيانات تعلن المسؤولية ممهورة بتوقيع "تنظيم القاعدة في بلاد الشام وأرض الكنانة - كتائب الشهيد عبد الله عزام"13.
وقبل انقضاء عام آخر، ضربت سلسلة من التفجيرات منتجع دهب على خليج العقبة بجنوب سيناء، وجاءت متزامنة مع ذكرى تحريرها يوم 25 نيسان / أبريل 2006، وقع فيها العشرات من السياح الأجانب والمصريين بين قتيل وجريح. وجاءت بيانات المسؤولية حاسمة في إيضاح الارتباط الفكري بين المجموعات الجهادية الناشئة في سيناء وتنظيم القاعدة. لقد أثار ظهور المكوّن القاعدي قلقًا واسعًا، فالقاعدة تتمتع بمقدرات تفوق نظيرتها التقليدية التي تحوزها تنظيمات العنف المحلية. عانت هذه المناطق من سيناء من فراغ للقوة، في ظل قيد موضوعي يحدّ من إمكانية مواجهة الدولة للتنظيمات. فقد منعت مشروطية "اتفاقية كامب ديفيد"، وجود القوات العسكرية المصرية في المنطقة الحدودية منزوعة السلاح والمعروفة بالمنطقة "ج"14. وباستثناء قوات شرطية خفيفة التسلح، لم يكن هناك مقدرات للمجابهة. ومع محدوديتها وضعف فاعليتها، ظلت تطبّق سياسة أمنية استعراضية، وقصيرة النظر، ومبالغة في توجسها وعنفها العشوائي. في الآن ذاته، كانت "مسألة سيناء" تستفحل على المستوى السياسي، فتوجهات مبارك المتحفظة إزاء القضية الفلسطينية عززت السياسة الأمنية الخشنة. وعلى الرغم من تكرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فإنّ سياسة مبارك تمسكت بمسعى غايته فك الارتباط معها، ولو كان ثمن ذلك تقليص الدور الإقليمي لمصر. ولسنوات، انتقلت سياسة الدولة من موقع الوسيط المنحاز نسبيًا بين إسرائيل وقوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، إلى موقع الحليف التابع لإسرائيل، والمنصاع للإملاءات الأميركية. قادت استجابات مبارك لهذه الضغوط إلى تطورين؛ أولهما سماح إسرائيلي بدخول القوات المسلحة المصرية للمنطقة "ج" منزوعة السلاح أول مرة، وإن بحضور محدود، من دون الإعلان عن تعديل رسمي لاتفاقية السلام15؛ وثانيهما انحدار العلاقة بين سلطة الدولة المصرية وعشائر البدو إلى مستوى كان الأدنى منذ عودة سيناء إلى السيادة المصرية في 1982، وبما فتح المجال واسعًا أمام التنظيمات الجهادية لإيجاد معاقل لها، وإنماء دعواها في الأوساط البدوية.
يناير، بين احتدام ثوري وعنف جهادي
انخفضت وتيرة العمليات في سيناء، وزاد في مقابلها استفحال المظلومية، ليظل القلق كامنًا تحت الرماد. ثمّ جاءت ثورة 25 يناير 2011 لتطلق عقال ما اختزنته الرمال الساخنة. دفعت لحظة الثورة صوب اتجاهين، رسما ملامح جديدة للمظلومية، ولصور
العنف ضد الدولة؛ سعيٌ للتغيير بقوة شعبية سلمية، وآخرُ للتغيير بقوة العنف: في الحالة الأولى، تجلت مشاركة شعبية واسعة. وشهدت خلالها مدن سيناء احتجاجات واسعة، ربما خلت من القوى السياسية، لكنها ضمّت أغلب حاملي المظلومية من مهمشي القبائل. كان خروجهم استثنائيًا في العريش والشيخ زويد، ما دلّ على حراك جديد، له ملمح جيلي واضح قوامه الشباب المتعلم، وميل عام إلى السلمية. وفي تماثل كامل مع الاحتجاجات التي كانت تشهدها العاصمة والمدن الكبرى، حاول هذا الحراك كسر الشروط الاجتماعية للفعل السياسي في سيناء، تلك التي تسمها القبلية، وطابعها المحافظ، بغية إنجاز نقلة نوعية في واقع أهل سيناء16. كان حضور المظلومية السيناوية جليًّا في شعارات تعكس أزمة ثقة عميقة بين المحتجين والدولة. وظل الحال سلميًا ومدنيًا، إلى أن ازداد عنفًا، باستهداف قوى الأمن، وضرب مواقعها. وكان من أثره خروج قوات الأمن من غالبية المناطق الواقعة في مثلث الشيخ زويد – العريش - رفح. وعلى الرغم من القلق من ملمح العنف، فإنّه يظل - في تقديرنا - بعضًا من الفعل الثوري المقبول بمعايير يناير. فعلى الرغم من حدّته، فإنّه لم يختلف عمّ جرى بالقاهرة وبعض المحافظات من صور الانتقام الجماهيري الآني التي حدثت خلال أيام الثورة الأولى وبداية الانتقال. أمّا المسار الثاني فقد خرج من رحم موجة الانتقام الأولى، وبيد جماعات الجهاد، كان يحظى في بدايته بقبول شعبي، حتى خارج سيناء؛ سواء الموجه منه لقوات الأمن، أو لخط الغاز، أو للموصوفين ب "الفلول" ضمن النخبة القبلية. غازل هذا العنف في بداياته طموحات الثوار، ورسم مساره حول المظلومية المتراكمة ثم تصاعد لاستعراض سطوة التنظيمات الجهادية، وخروجها إلى العلن متحدية ليس فقط سلطة الدولة، وسلطة القبيلة، بل وطموحات الجماهير التي حركت المسار الأول. حاولت التنظيمات اقتناص دور المسيطر في غيبة سلطة الدولة عن سيناء. وبرزت مناورات الجهاديين قرب تنحي مبارك بالسعي للسيطرة على مناطق بالعريش، ومهاجمة المزيد من النقاط الأمنية، حيث قتلت بعضًا من أفراد الأمن واختطفت ضباطًا وقتلتهم17. وقد بقيت لفترة ليست بالقصيرة في مأمن مع استمرار غياب قوى الأمن، وخفوت أي صورة فاعلة من صور الردع في شتاء.2011 الموجة الجهادية التي تفجرت في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، كان قوامها مجموعات صغيرة18. وبانتصاف عام الثورة، وفي فترة تصاعدت فيها أزمة حكم المجلس العسكري ومواجهاته مع القوى الثورية، توسعت عمليات الجهاديين، وزادت وتيرة استهدافهم قطع خط نقل الغاز إلى إسرائيل والأردن، واستهداف المقار الأمنية، ما استدعى تحولً إستراتيجيًا بدخول الجيش للمنطقة "ج" في العملية المعروفة باسم "نسر 1." جاءت الجولة الأولى لهذه العملية مخيبة للآمال على نحو استدعى في أيار / مايو 2013، حملة أضخم وسمت باسم "سيناء." وجاءت عقب اختطاف أفراد تابعين للشرطة المصرية في سيناء. واستمرت الحملة التي وسمها طابع دعائي تحت ضغط الغضب الشعبي أيامًا قلائل ثم خُفضت، ولم يستر ضجيجها الأول حقيقة الأزمة السياسية العنيفة التي دارت رحاها بين الرئيس مرسي والجيش. حدّت هذه الأزمة من أي استجابة فاعلة في سيناء، وانتهت بانقلاب أطاح بمرسي، بعد أن فجّر التوترات الشديدة خلال الفترة
بين تموز / يوليو 2013، وحتى شباط / فبراير 2014. ومنذ جرى فض اعتصام رابعة بصورة دموية، دخلت التنظيمات في حرب مفتوحة مع النظام الجديد، انتقامًا للإسلاميين ممن قضوا فيه19.
خريطة الجيل الثالث من تنظيمات الجهاد السيناوية
التفاصيل الخاصة بالعمليات التي قام الباحث بمراجعتها لأجل هذه الدراسة، والتي وقعت بين عامي 2004 و 2015، تدفع إلى تصنيف متدرجي تنظيمات العنف المسلح الناشئة استنادًا إلى طبيعة الحوافز ونوعية الأدوار التي يضطلعون بها. وفي هذا تنضوي العناصر المقاتلة في سيناء تحت فئات ثلاث، هي: مجاهدون معولمون: يحاربون بدافع من تصوّر نضالي مبسّط عن عالمية المواجهة، مع من تراهم التنظيمات "أعداء للإسلام." تتمايز مواجهة "الاستكبار العالمي" من حيث هي رؤية عن تراث الحركات المناهضة لظاهرة الاستعمار، فجذرها تبشير بعالم طهري يمنع ممارسة ما يراه التصور الجهادي مسالك للكفر والإلحاد، وتشن فيه حملات (غزوات جهادية) بغية نشر الدين سواء بين "المحرفين" و"المارقين" من أهله، أو بين غير المؤمنين برسالته. تصور منطلقه ثنائية الإيمان والكفر، يقف فيه عالم الإسلام (السنّي بالأساس) الذي تقطنه "أمّة" واحدة، في مواجهة عالم مرفوض. يمثّل التكفير أساسًا معياريًا رئيسًا في توجيه العنف الذي يأملون أن يعيد تشكيل نموذج اجتماعي طهري، وفق ما يمكن تسميته ب "ديكتاتورية المؤمنين." لا يأبه المنظور الجهادي لدعم أهداف المشاركة الشعبية أو دعم بيئة الحقوق والحريات، بل يقتصر في رسمه عقيدة المواجهة العالمية على مقدمات هوياتية، غايتها تمكين تصور عن "خلافة على منهاج النبوة." واستثماره المظلومية المحلية من هذه الوجهة تكتيكي بحت. مجاهدون إقليميون: وهؤلاء من المقاتلين العرب الهاربين من مناطق صراعية عربية، قد يحملون الدوافع العامّة للجهاد المعولم، لكنهم يرتبطون على نحو أوثق بتفاصيل الصراع الإقليمي. التجاؤهم للعنف المسلح متولد بالأساس عن نقمة على الدولة الاستبدادية القومية. وأكبرهم عددًا في سيناء هم الفلسطينيون20 المتدرجون في تنظيمات أبرزها جند أنصار الله، وأجناد بيت المقدس. وتشير معلومات متواترة إلى أنّ بعضًا من هؤلاء قد لجأوا إلى سيناء بعد تضييق حركة حماس عليهم في إثر المواجهات المعروفة بحوادث مسجد ابن تيمية في 2009، وإعلان عبد الله موسى زعيم جند أنصار الله في قطاع غزة، خلال خطبة الجمعة في المسجد الواقع برفح الفلسطينية عن إقامة ما أسماه "الإمارة الإسلامية"21. وإلى جانبهم مقاتلون من اليمنيين ينتمون إلى تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، بخلاف ليبيين محسوبين على جماعة محمد جمال. مجاهدون محليون، وهؤلاء قسمان: المقاتلون العقائديون: يعبّ ون عن تيار متجذر في مصر، يتبنّى فكرًا تكفيريًا يقوم على تصوّر للذات طهري يراها وأقرانها "فرقة ناجية"، لها مهمة في أن تُهلك من لا يحمل تصوّرها، ومن الوجهة المذهبية تتبنّى تصورات السلفية الجهادية. وهؤلاء في سيناء خليط يجمع بين حالة الانتقال من التصوّف التقليدي إلى التسلّف التي مرّت بها الحالة الدينية للقبيلة السيناوية، وحالة سلفية وافدة، سواء مع الآتين للعمل بسيناء من أهل الوادي، أو التكفيريين ممن هجروا المجتمع أو فروا من ملاحقات أمنية. في هذه الفئة نتحدث بالأساس عن عناصر من الجيل الثاني من الجهاديين، أشدهم خطرًا هم الشوقيون وجماعة التوحيد (التكفير والهجرة)22.
المقاتلون الطارئون23: وهم عناصر محلية موتورة، تمثّل الفئة الغالبة بين منتسبي التنظيمات في سيناء، وأفرادها في غالبيتهم لا يتشاركون الإطار الفكري والحركي المعولم للتنظيمات الجهادية، وحوافزهم للقتال هي حوافز ثأرية بحت في رأي الباحث، تتمثّل بالرغبة في تحصيل الثأر الخاص. ويجد هذا الثأر جذره في تاريخ (شخصي وعائلي) بسبب التعرض للتمييز العرقي والاجتماعي والتهميش المناطقي والمعاناة من سياسات الإفقار. أضف إلى ذلك ممارسات الاضطهاد الأمني ضد الفرد من هذه الفئة، أو التنكيل بذويه أو قتلهم في خلال المداهمات والمواجهات وآليات القبض العشوائي وجراء قسوة التحقيق24. تحرك هذه الدوافع الثأرية تلك الفئة للانضواء إلى التنظيمات الجهادية، رافعة لواء تحصيل الثأر. ويخرج هؤلاء في أغلبهم من محاضن الفقر الجديدة خصوصًا من هوامش المدن وبؤر الفقر، وعناصر من البرجوازية الصغيرة تحركها مظلومية عامّة مع الدولة. تجب ههنا الإشارة إلى صعوبة بحثية تتعلق بإمكانية تدقيق حجم هذه التنظيمات وقدراتها25، إذ لا تتوافر معلومات كافية عن هياكلها وأعداد عناصرها، فيما يغلب الطابع الدعائي على الكثير من التحليلات التي تسعى لتضخيم وجود التنظيمات، أو التعتيم حول حجمها. والأرجح في رأي الباحث، أنّ الهياكل الحركية لتنظيمات العنف في سيناء لم تزل بسيطة، تتبع النمط الكلاسيكي للخلايا العنقودية لمقاتلي الجويرا (حرب العصابات)، بطابعها السري. وتدير كل تنظيم مجموعة قيادية صغيرة، أو مجلس للشورى يضمّ مفتين وحركيين. وعادة ما يناط بكلّ قائد حركي مسؤولية إدارة خلية أو دائرة من الخلايا وتوجيهها، وغالبًا، ولأسباب أمنية، تظل الخلايا غير موصولة بعضها ببعض، ولا يعرف بعضها بعضًا.
قد يُعيّ القادة المحليون (خصوصًا الذين يحظون بثقل قبلي) على أساس النفاذ إلى المجتمع المحلي. وعلى الرغم مما تشير إليه تقارير عدة عن محدودية القبول الشعبي بإحلال سلطة التنظيمات محل سلطة القبيلة، فإنّه يتبقى بعض القبول المتولّد عن رغبة لدى المغبونين في تحصيل ثأر ورفع مظلمة في المناطق المهمشة. وتفيد الأسماء المتداولة لقادة أبرز التنظيمات أنّ الظاهرة في سيناء لم تزل محلية من جهة توجيهها، فعلى رأسها قادة محليون ينتمون في أغلبهم إلى قبائل شمالي سيناء وجنوبي فلسطين، فيما تنعدم حتى الآن ظاهرة تولي الأجانب مواقع قيادية في الحالة المصرية. ويبدو أنّ الحديث عن المقاتلين الأجانب في سيناء متأثر بمقاربة للأوضاع في العراق وسورية بما تشهده من حضور واسع لعناصر قتالية عابرة للحدود. لا ينفي هذا وجود ملامح لإمكانية انتقال الحال في سيناء من "جهاد مظاليم" محلي الكوادر والبواعث، إلى حال معولمة تصبح معها سيناء معقل جهاديًا وليست فقط معبرًا للمقاتلين26. يلخّص الرسم التوضيحي تصور الباحث حول وجود فاعلية ومستواها لدى التنظيمات المسلحة التي تُتداول أسماؤها ضمن ظاهرة العنف المسلح في سيناء. وربما يعين هذا الرسم في إبراز حقيقة وجودها الراهن، واحتمالات الاندماج فيما بينها، مقدمةً لتدقيق تصنيفي لاحق، يجاوز مجرد سرد قوائم بأسماء التنظيمات27. لم تعد التمايزات الفكرية بين التنظيمات الجهادية في سيناء أساسية، فيما ترتفع الفوارق الحركية لترسم حدود هذه التنظيمات، وساحات تنافسها في فراغ القوة الراهن. فالتنظيمات الجهادية من الجيل الثالث تنشأ ردة فعل على حوادث تستثير في عناصرها نزعة مواجهة الدولة، من دون أن يكون الباعث الفكري هو الأوضح، هذا على خلاف الجيلين الأول والثاني، الذين نشآ على وفق بواعث فكرية واضحة، خدمتها جهود لتأطير مواقفها المتمردة على سلطة الدولة وتأصيلها. ويبدو أنّ الجيل الثالث من التنظيمات الجهادية لم يعد في حاجة إلى بذل مثل هذا الجهد الفكري، فما يتوافر من تراث أنجزته الأجيال الأسبق من الجهاديين بات كافيًا، ويؤصل للجهاد، جمعًا لعناصر التسلف المذهبي والإحياء الجهادي والرؤى التكفيرية في بوتقة فكرية واحدة. وبخلاف بنية من الفتاوى الشرعية تعزز قرار من تستهدف التنظيمات تجنيدهم، نجد أدبيات حركية واسعة تسوّغ اللجوء إلى السلاح، ترسم صورة الدولة عدوًّا، ونخبتها كافرة وجب قتالها. وما بقي من خلاف بين التنظيمات الجهادية المستجدة، إنّ ا يتعلق بالمواقف التكتيكية والحركية، وانشطارات تحدث على محك طهرانية المواقف والتنافسات الميدانية والخلافات بين القادة.
فواعل الناشطية الجهادية
وفيما يلي بعض التفاصيل حول أبرز هذه المجموعات الناشطة في العنف المسلح في سيناء من المنتمية إلى الجيل الثالث للجهاد:
تنظيم التوحيد والجهاد
ظهر في تسعينيات القرن الماضي في مدينة العريش على يد طبيب الأسنان خالد مساعد الذي اكتسب الفكر الجهادي من اختلاطه في السجن بالقادة الجهاديين. وبحسب مختصين في شؤون الحركات الإسلامية28 اعتنق مساعد فكر الجهاد، على وفق تعاليم صاحب كتاب "العمدة في إعداد العدة" الشيخ سيد إمام مُنظِّر تنظيم الجهاد، الشهير بالدكتور فضل29. فيما يرجح مختصون آخرون، بسبب فتاوى التكفير التي خرجت عن التنظيم وأسند بها عملياته، إلى أنّ التنظيم يمثّل تنويعًا على فكر "الشوقيين"30. وعلى الرغم من أنّ مذهبه في التكفير قائم
على تكفير الأفعال دون الأشخاص، فإنّ فتاواه تطرح عمليًا نطاقًا واسعًا للتكفير يطال أغلبية المجتمع. وقد وجد هذا الفكر طريقه إلى عناصر التنظيم، من خلال الاختلاط ودمج العناصر المنتمية للشوقيين (طلائع الفتح)، ممن فروا من محافظة الفيوم وتخفوا في سيناء. ومن اللافت أن نشأ التنظيم بالتزامن مع تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين الذي أسسه الأردني أبو مصعب الزرقاوي في العراق عام 2004، بتأثير من دعوة جماعة أنصار الإسلام31، وربما كان تصاعد نجاحات التوحيد والجهاد العراقي وانضواؤه إلى القاعدة حافزًا لإنشاء التنظيم السيناوي. تمركز التنظيم في أقصى الشمال الشرقي لسيناء وجنوبي قطاع غزة بفلسطين، وكان قوامه طلابًا درسوا الفكر السلفي. ويندرج حركيًا ضمن القاعدة، لكن إستراتيجيته تتكثف على المواجهة المحلية، في التحرك بمواجهة الدولة التي ينظر إلى جيشها على أنه كافر، أو بتعبير أدبياتهم "من الفئة الممتنعة" التي تعرقل تطبيق الشريعة. يقدّر باحثون عدد العناصر المتدرجة بالتنظيم أقل من 1000 عنصر. وبناؤه الهيكلي غير واضح. اعتمد التنظيم في تمويله على التجارات غير المشروعة وأعمال التهريب وتجارة الأنفاق، ويتحصل على السلاح من خلال الأسلحة المهربة من ليبيا وإسرائيل وقطاع غزة. وتقارير المحللين المقربين للأجهزة الأمنية في مصر تشير إلى قادته عبر عناصر مصرية هاربة في غزة مثل خالد مصطفى وأحمد صديق، ويرتبطون بممتاز دغمش قائد جماعة جيش الإسلام32. ظلت عمليات التوحيد والجهاد توجّه بالأساس لإسرائيل، بوصفها "العدو الأقرب"، بحسب ما يطرح منظرو التنظيم. لم يعزز استهداف إسرائيل فقط القبول الاجتماعي في الأوساط السيناوية، بظهور المنضوين ضمن التنظيم بمظهر المقاوم، بل كان عاملً لإلحاقه بمجتمع يضم قطاعًا واسعًا من الفلسطينيين يتصلون بوشائج النسب والمصاهرة عبر جانبي الحدود. وجاءت أبرز عملياته في هذا الاتجاه، فقد نسبت للتنظيم تفجيرات طابا في جنوب سيناء 2004 التي استهدفت بالأساس السياحة الإسرائيلية. يذكر أنّ القضايا التي نظرت أمام المحاكم المصرية وتخص جماعة التوحيد والجهاد المصرية وعملياتها بين عامي 2004 و 2006، قد أدرجت فيها أسماء لفلسطينيين سواء ممن يعيشون في منطقة العريش والشيخ زويد المصرية أو غزة. التعاون بين التنظيمات السيناوية والغزاوية خصوصًا فيما يتعلق بالعمليات الموجهة ضد إسرائيل يديره أساسًا ما يعرف بمجلس شورى المجاهدين. وفي هذا السياق يذكر أنّ للتنظيم موقفًا عدائيًا من حركة حماس التي منعتهم من قبل من تنفيذ عمليات جهادية ضد إسرائيل. وفي هذا الأمر تلح مقاربة الأجهزة الأمنية وأقوال المحللين المحسوبين على هذه الأجهزة، على وجود اعتماد متبادل بين هذا التنظيم وحماس، على الرغم من الشُقة، بدعوى أنّ حماس تستفيد مباشرة من هذه الجماعات سواء في استمرار التجارة عبر الانفاق التي ليست ببعيدة عن نفوذ الجماعات في هذه المنطقة، أو في تعاون يتعلق بالتسليح وتخزين لسلاح المقاومة وتمريره عبر الأنفاق. ولم يظهر اسم هذه الجماعة بعد الثورة، ويبدو أنها – وبحسب معلومات تخص عناصر أساسية كانت تنشط فيها – قد اندمجت في غيرها خصوصًا أنصار بيت المقدس، ومجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس. وكانت في كمون قبل الثورة، أو كما يرجح جوسيبي دينتيس33 كانت تُعدّ الساحة لظهور الطور الجديد من الجهاديين. وتعمق وجودها في الأوساط البدوية.
مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس
نشأ المجلس، بين عامي 2011 و 2012، ليكون آلية تنسيقية وتحالفًا مرنًا يضمّ عددًا من التنظيمات الجهادية. رأسه هشام السعدني وكان أميرًا لجماعة سلفية جهادية تعرف بجحافل التوحيد والجهاد. ويمثّل فيه كل تنظيم بأمير "أساس لعمل جهادي يكون لبنة في المشروع العالمي الرامي لعودة الخلافة"، و"لتوحيد المجاهدين تحت مشروع موحد" بحسب بيان إنشائه34. يصنّف بعض المحللين هذا المجلس تنظيمً قائمًا بذاته، ويرى أنه قد جرى لاحقًا الدمج بين مجموعاته، حتى أنّ الولايات المتحدة قد أدرجته مؤخرًا ضمن لائحتها السوداء للمنظمات الإرهابية الأجنبية35. وبغض النظر عن كونه تنظيم
واحدًا، أو لم يزل صورة من صور الائتلاف بين تنظيمات متعددة، فهو يؤدي دوره الاستشاري والتنسيقي بفاعلية، خصوصًا في العمليات الموجهة ضد إسرائيل انطلاقًا من سيناء، والتي بدأت بعملية على الحدود المصرية الإسرائيلية في تموز / يونيو 2012 باستهداف حافلة لعمال البناء تعمل لدى الجيش الإسرائيلي36، واكتسب شهرته الأوسع بعد تبنيه عملية قصف مستوطنات إسرائيلية بصواريخ جراد في 201337، وكذلك قصف ميناء إيلات بالصواريخ جراد في العام نفسه. وبحسب المعلومات المتوافرة عنه، فإنّ المجلس قد نشط بالمجموعات المنضوية تحته بعد 2005 بين غزة وسيناء، وقام بعدة عمليات ضد إسرائيل من قلب غزة. ويحمل موقفًا مناهضًا للسلطة في مصر ولحركة حماس كذلك. وترجّح تقارير عن الأجهزة الأمنية المصرية أن مشروعات التقارب الأيديولوجي والحركي بين المجموعات التي تحمل فكر القاعدة، قادها مبعوثون عن أيمن الظواهري، قد أثمرت مثل هذه المبادرة. الأمر الذي لم تؤكده شواهد، لكنه يظلّ مرجحًا.
ج- تنظيم أجناد مصر
صعد اسم تنظيم "أجناد مصر" مع سلسلة من عمليات إرهابية شنها ضد عناصر الشرطة بلغت الثماني، وكانت تشير إلى وجود طفرة في نوعية عملياته. التنظيم الذي ينشط في محيط القاهرة الكبرى يظل وثيق الصلة بالعمليات الجهادية في سيناء. تمكنت قوى الأمن من قتل قائد التنظيم همام عطية (مجد الدين المصري)، في حي فيصل بالجيزة، في نيسان / أبريل الماضي، في إثر سعيه للاتصال بتنظيمات أخرى أكبر حجمً، فجرى رصده وتتبعه، ومن ثمّ قتله. كان تواصله، بحسب ما رجحت المعلومات الأمنية، بغية الحصول على دعم مادي وتقني من تنظيمه القديم قبل انشقاقه في 2013، وهو تنظيم أنصار بيت المقدس. الأمر الذي تأكد فيما بعد في نعي "أجناد مصر" لعطية بوصفه قائدها. وقد جرى سريعًا الإيقاع بعناصر عدة تابعة لهذا التنظيم. وهو ما يطرح سؤال الحجم في مقابل الفاعلية38. وأقصد أن التنظيم الذي نجح في إرباك السلطة، وإثارة الصخب بعملياته على امتداد عام ونصف، لم يجتذب سوى عدد قليل من العناصر المقاتلة، وبحسب سردية سقوط قائده، فإنّه كان يعاني من نقص في التمويل والقدرات، استوجب مخاطرة الاتصال غير المؤمّن. الملاحظة الأخرى تخص ميل التنظيمات إلى الانشقاق في مقابل السعي للاندماج فيما بينها. نلحظ أنّ التنظيمات الجهادية كلما زادت وتيرة عملياتها الناجحة، مالت إلى الاستقلال عن المكونات التنظيمية الأكبر. وحتى حين تطرح ادعاءات بتمايز فكري، تظل الأسباب الأوضح التي تدفعها إلى ذلك هي إغواء البروز والمنافسة. وحين يحل بها الضعف، تميل إلى مقاربة واقعية لوجودها، على النحو الذي يدفعها إلى الاتصال بالتنظيمات الأخرى الأكبر بغية الحصول على موارد. هذا هو سبب ما نراه في عمليات سيناء والوادي من مظاهر الاعتماد المتبادل بين تنظيمات العنف المسلح في مصر، مع أنّ الوضع بين التنظيمات الأم التي بايعتها هذه التنظيمات خارج مصر يشهد اقتتالً وتلاسنًا بين رؤوسها (الظواهري شن هجومًا حادًا على البغدادي، والتنظيمات الموالية للقاعدة انخرطت فعليًّا في معارك ضد تنظيم الدولة في مواقع عدة في سورية.) وسنطرح هذه النقطة لمزيد من التفصيل في القسم التالي.
د- أنصار بيت المقدس (إمارة سيناء)
يرجّح ناشطون سلفيون نشوء تنظيم أنصار بيت المقدس عبر اندماج مجموعات جهادية صغيرة39 عقب ثورة 25 يناير 2011. التنظيم الذي اكتسب شهرته من استهدافه قطع خط نقل الغاز لإسرائيل والأردن، ظل ملتزمًا هذا الاختصاص العنفي، دون غيره حتى صيف 2013. وضمت أهداف التنظيم
التحركات العسكرية الإسرائيلية على الحدود40، وربما لهذا السبب اتسع محضنه البدوي. لكن بوصلة عملياته انقلبت لاستهداف حثيث للقوات المسلحة المصرية، في إثر ملاحقتها عناصر التنظيم في سيناء. توسّعت عمليات التنظيم منذ منتصف عام 2011 في فترة المجلس العسكري، وكانت عملياته الكبيرة قد استدعت شن العملية "نسر."1 ولم تهدأ وتيرة هجماته ضد قوات الجيش والشرطة المصرية والمرافق العامّة، بل أخذت في التنامي وتقدّم النوعية، ما استدعى حملة أضخم باسم "سيناء." خلال شهر أيار / مايو 2013، وفي إثر اختطاف أفراد تابعين للشرطة المصرية في سيناء، دشنت هذه الحملة العسكرية الموسعة، واستمرت أيامًا قلائل ثم خُفضت إلى أن عادت التوترات الشديدة لسيناء في الفترة بين تموز / يوليو 2013، بعد فض اعتصام رابعة، وحتى شباط / فبراير .2014 في هذه الفترة وقع ما يناهز 300 من الهجمات تفاوتت أحجامها وأمدية تأثيرها. وهي عمليات تنسب إلى طيف واسع من المجموعات الجهادية من منتسبي القاعدة أو المتأثرين بها فكريًا41. وفي 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2014، أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء عن تغيير اسمها إلى "ولاية سيناء"، وذلك بعد وقت قصير من كلمة ألقاها زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، رحب فيها ببيعة تنظيمات جهادية من عدة دول عربية، ويدعو فيها التنظيمات التي أعلنت مبايعته إلى التحول إلى اسم إمارة ضمن الدولة42. ا تسمت عمليات التنظيم بتتابعها وتنامي حجمها ونوعيتها. وهذه العمليات تنتظم ضمن إستراتيجية استنزافية أوضح من باقي التنظيمات. وهي أوضح تطبيق لما يسمّى في أدبيات القاعدة مرحلة "الإنهاك والنكاية" التي تهزّ شرعية الدولة ووجود سلطاتها، وصول إلى ما يسمونه بحالة التوحش التي تتدخل فيها التنظيمات لإدارة المجتمع والانتقال به إلى حالة العسكرة.
الأهداف الحركية لتنظيمات العنف المسلح
من المفيد هنا استعراض الأهداف الحركية لعمليات التنظيمات وهي تشمل طيفًا واسعًا من الأهداف، أهمها:
استهداف الارتكازات العسكرية والأمنية في سيناء وخارجها
كان صيف 2015 الأكثر سخونة لتنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء)، وكانت آخر عملياته التي رصدتها الورقة هي استهداف مبنى للأمن الوطني بشبرا الخيمة43 في 20 آب / أغسطس 2015. نالت أبرز العمليات في هذه الفترة من آليات تفتيش ونقاطها، وارتكازات عسكرية (كمائن ومعسكرات) بخلاف أقسام البوليس ودوريات الأمن، وكذلك الطرق وما يمرّ بها من آليات تابعة للدولة مدنية أكانت أم عسكرية. وكانت الواقعة الأكبر ضمن عمليات الصيف الدموي هي عملية الشيخ زويد. العملية التي جدّت مع ساعات الأولى لغرة يوليو / تموز، بمحيط المدينة، الصباح 2015 شملت سلسلة هجمات سريعة استهدفت غالبية النقاط الأمنية والارتكازات العسكرية بطول طريق رفح - العريش الدولي، تلتها محاولة لاحتلال عدة نقاط أساسية، حيث جابهتها القوات الرابضة هناك، وجرت اشتباكات واسعة بمختلف الأسلحة. أسفرت الهجمات التي تبناها تنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء) عن عدد غير مسبوق من القتلى والضحايا ناهز المئة وخمسين، وفقًا لبيانات بثتها السلطات المصرية وترجيحات لعدد من مراسلي الصحف فضلً عن شهادات
للأهالي44. وجاء في بيان منسوب إلى "ولاية سيناء" أنّ التنظيم قد استهدف 15 موقعًا للجيش (ارتفعت في بيان تالٍ للتنظيم إلى ما فوق العشرين)، منها ثلاث عمليات كبيرة استهدفت ناديًا الضباط بالعريش وكمينيْ السدرة وأبو رفاعي بمدينة الشيخ زويد، وأوقعت – بحسب البيان - العشرات بين قتيل وجريح. فيما أعلنت القيادة العامّة للقوات المسلحة مقتل مئة من مقاتلي تنظيم "ولاية سيناء"، و 17 عسكريًّا في المواجهات (ارتفع عددهم لاحقًا إلى أربعة وعشرين عسكريًّا) بخلاف عدد من المدنيين، مؤكدًا إحباط محاولة التنظيم احتلال المدينة45. أشارت هذه العمليات المؤثّرة إلى تملّك هذا التنظيم قوة متعاظمة في خلال الفترة الماضية، يسرت له التحرك في مثلث رفح - العريش - الشيخ زويد بحرية أكبر، ومكنته من إيقاع خسائر مضاعفة في صفوف القوات. وتطور أداؤه عن عمليات أسبق مثل الهجوم على ستة مواقع ونقاط عسكرية في مطلع العام، والذي راح ضحيته عدد مماثل من أفراد وضباط في القوات المسلحة، ثم العملية التي استهدفت الكتيبة 101 التابعة للشرطة في آذار / مارس 2015، وأسقطت عددًا من أفراده جرحى، وجاءت قبل عملية اغتيال النائب العام، بيوم واحد46.
استهداف الداعمين للقوات التي تقف في مواجهة التنظيم
عمد التنظيم إلى إستراتيجية نشر الخوف بين الأهالي، عبر استهداف كل من يراه داعمً لقوات الجيش والشرطة. استهدف التنظيم موظفي الدولة، وكذلك قضاة المحاكم؛ في 16 أيار / مايو 2015، قتل تنظيم "ولاية سيناء" ثلاثة من القضاة خلال توجههم إلى عملهم في العريش، وأصاب ثلاثة آخرين47. كان أبو أسامة المصري قائد التنظيم قد دعا، عقب الحادث في 20 أيار / مايو، أنصاره إلى التوسع في مهاجمة القضاة في مصر. وتوسع التنظيم كذلك في استهداف كافة ما يعبّ عن سلطة الدولة، خصوصًا في قطاع الخدمات المحلية. لكن استهدافه مشايخ القبائل وعواقل سيناء ممن يراهم متواطئين في ملاحقته مع الدولة، يبقى هو الأبرز48. وهي الظاهرة التي كانت قد بدأت في أعقاب الثورة بقتل الشيخ نايف أبو إقبال شيخ عائلة "الزيود"، وهي أحد أفرع قبيلة السواركة (القبيلة الأكثر تعرضًا لانتقام "ولاية سيناء"، مع أنّ بعض قادة التنظيم ينتمون إليها.) كما تمّ قتل الشيخ خلف المنيعي ونجله. وضمت قائمة من أعلن التنظيم قتلهم أو نُسب قتلهم
إليه، مشايخ من قبائل الفواخرية والترابين كذلك49. وقد قادت الأخيرة حملة على التنظيم في إثر استهدافه مصالح اقتصادية تقع ضمن نطاق أراضيها، وقتله عددًا من أبناء القبيلة50.
ج- استهداف المواقع الحدودية مع إسرائيل
كان تبنّي المجموعات الجهادية في سيناء "أولوية قتال العدو القريب"، يعني استهداف إسرائيل في الفترة التي سبقت صيف.2013 لكن باستثناء الإطلاق العشوائي لصواريخ على مناطق في النقب وعلى إيلات، لم تسفر عن خسائر، لم تسجل عمليات حقيقية، عبر العامين الأخيرين، تمثّل تهديدًا جديًّا لإسرائيل. يشير المحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هارئيل إلى تضاعف قلق إسرائيل. فعلى الرغم من تعاونها الاستخباري المكثف مع مصر، والسعي الحثيث لمعرفة من يقف خلف تنظيم إمارة سيناء، فإنّ الخلل الاستخباري بقي على الطرفين مرصودًا، فلم يوجّه أي منهما أي تحذير بشأن هذه العملية الكبيرة51. هذا القلق أثاره تطور في مستوى العمليات إلى درجة أعلى من التنسيق والسيطرة والقيادة، ما مكّن من تحريك أكثر من 100 مقاتل مسلحين بأسلحة متنوعة. ويذهب هارئيل إلى إنّه "على الرغم من التقديرات حول تحسن قدرة ولاية سيناء، فإنّها تزعج أجهزة الاستخبارات المصرية والإسرائيلية التي ما زالت تجهل الكثير عن تنظيم ولاية سيناء وهوية قائده. حقيقة الأمر أنّ إسرائيل قد تدخلت أكثر من مرة مباشرةً في مواجهة التنظيمات، وخرقت سيادة مصر على سيناء. ففي صباح 26 آب / أغسطس 2012، دخلت قوة إسرائيلية بعمق 15 كيلومترًا في سيناء (قرية الخريزة بمدينة الحسنة)، وقامت بزرع عبوة ناسفة على الطريق لمنزل إبراهيم عويضة أبو يوسف، واغتيل في إثر تفجيرها52. كما تعمد إسرائيل إلى تشكيل شبكات من الجواسيس تعمل لمصلحتها في سيناء، بعضها من أبناء القبائل ذاتها التي يستهدفون منها قادة جهاديين. وهو ما تشير إليه تطورات حوادث الانتقام، بعد مقتل إبراهيم عويضة، من عدد من أقربائه المنتمين إلى القبيلة ذاتها ممن جندهم الموساد.
د- استهداف المصالح الغربية
أعاد حادث إسقاط الطائرة الروسيّة في سيناء، والذي راح ضحيته ما يزيد على مئتين من المواطنين الروس، إثارة الهواجس من توسّع تنظيم الدولة الإسلامية في استهداف المصالح الغربية، وفروعه ومنها ولاية سيناء53. وهو أكثر الحوادث التي ترشح الظاهرة الجهادية في سيناء لانتقالة من حالتها المحلية الراهنة إلى حالة معولمة بامتياز. قبلها كان الاستهداف للسائحين وللخبراء الأجانب ولقوات حفظ السلام في سيناء. قبل بضعة أشهر بث تنظيم إمارة سيناء شريطًا مصورًا لرهينة كرواتي مذبوحًا54، مؤشرًا على تصعيده ضد المصالح الغربية. الرهينة توميسلاف سلوبك الخبير في مجموعة (سي. جي. جي) الفرنسية المتخصصة في جيولوجيا النفط والغاز، والذي اختطف في 24 تموز / يوليو 2015، من ضاحية المعادي جنوب القاهرة، كان ثاني رهينة أجنبية يقوم التنظيم
باختطافها وقتلها في مصر55. بث التنظيم مقطعًا مصورًا على الأنترنت يوم الخامس من آب / أغسطس، هدد فيه بقتل سلوبك خلال 48 ساعة، إذا لم تفرج السلطات المصرية عمن وصفهن "بالأسيرات المسلمات" في السجون. وقد ربط البيان المصور بين اختطاف سلوبك و"مشاركة بلاده في الحرب على الدولة الإسلامية"، لافتًا إلى دعم الحكومة الكرواتية سياسة مصر في مكافحة الإرهاب، وكذا دعمها إقليم كردستان العراق. وتأكد استهداف الأجانب من رعايا الدول التي تدعم جهد مكافحة الإرهاب قبلها بأسابيع بوقوع انفجار بسيارة مفخخة استهدف القنصلية الإيطالية بوسط القاهرة56. وقد ضمت العمليات أيضًا استهداف سياح وعمال أجانب. وفي شباط / فبراير 2014، أنذرت السياح بعدم الاقتراب من سيناء، وأنذرت الموجودين بضرورة الخروج من مصر57. كما استهدف التنظيم قوات مراقبة السلام وحفظه في سيناء، بعدة عمليات استرعت انتباه الإدارة الأميركية التي بدأت في طرح سيناريوهات لسحب هذه القوات، أو تحويلها إلى قوات قادرة على الهجوم وصد عدوان تنظيم الدولة وغيره. لكنّ الأمر إشكالي بسبب وجود هذه القوات على الأراضي المصرية، كما أنّ دخولها طرفًا في المواجهات يعقد الأمر أكثر58.
خلاصات وخاتمة
يرتبط العنف المسلح في سيناء بملامح تطور الجيل الثالث لتنظيمات الجهاد. فالعنف السيناوي إذ يتخصب بظاهرة الجهاد المعولم وموارد تنظيماته، فإن المظلومية المحلية تظل منبع إخصابه، وحاضنة نموه. يشير تتبعنا الجيل الثالث من أطوار العنف الجهادي إلى سعي التنظيمات لخلق محاضن للحماية الشعبية، عبر استثمار حالة الأمن الإنساني المتدهورة. ويشير الخطاب الراهن للتنظيمات السيناوية إلى استهداف دعم الجماهير ضمن إستراتيجيتها القائمة على "الإنهاك والنكاية." إضافة إلى أنّها باتت تستهدف إعادة تشكيل صورتها، لتبدو "مقاومة"، حفزتها مظلومية الجماهير، تثأر من دولة تمارس الغبن. هذا جنبًا إلى جنب مع الوعد الخلاصي بتكوين "خلافة على منهاج النبوة"، ومزاوجة ذلك بالخطاب "الاستشهادي" المصبوغ بصبغة دينية. إنّ اصطناع هذه الجماعات صورتها بصفتها قوى للمقاومة الشعبية في مواجهة عنت الدولة، لا يذهب بنا إلى أبعد من مقولات للخلاص مبهمة تحت اسم "المشروع الإسلامي"، تتجاهل كلّية الإطار الناظم لحياة الناس في الدولة الحديثة. تظلّ بنية الفكر السلفي الحاكمة في سيناء رافضة للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكفّر القائلين بقبولها، حتى ممن هم أقرب إلى تصورات "ديكتاتورية المؤمنين." وينسحب هذا التكفير على من عداهم من قوى إسلامية كالإخوان والقوى السلفية التي تحزّبت وقبلت بأطر تعددية. وهي إذ تسقط أي قيمة لإمكانية التغيير بغير طريق التمرد المسلح، تحرص ألّ تُظهر ذلك صراحة، مكتفية بخطاب ثأري يكثف ملامح خطاب المظلومية، ويغازل رغبة التشفي لدى المغبونين ومظاليم الدولة. وتحرص التنظيمات الجهادية على إيلاء دور بارز لمتمردي المظلمة المحليين (المقاتلين الطارئين) في عملياتها والرهان عليهم في إرفاد الخلايا الجهادية بالقوة القتالية، عبر مرحلة "الإنهاك والنكاية" التي تسبق لديهم "مرحلة التوحش." من هذا نفهم تصنيف مؤلّف كتاب "إدارة التوحش" المناطق التي يرشحها للعمل الجهادي وفق معيار يضمّ: امتلاك المناطق المستهدفة عمقًا جغرافيًا وتضاريس مواتية للتحصن والاحتماء، وتدهور علاقة الدولة بسكان تلك المناطق ممن تعتمل عوامل الغضب بينهم، فضلً عن توافر مد سلفي متشدد، وطبائع اجتماعية محافظة، وأخيرًا تعوّد أهل هذه المناطق على حمل السلاح. وهي عناصر تنطبق انطباقًا على حالة سيناء59. وبحسب المؤلّف فإنّ المظلومية المحلية توفّر رافدًا للتجنيد لا ينضب، ومحاضن للدعم اللوجستي سخية. ينقلنا هذا إلى مسألة التحوّل من المحلي إلى الإقليمي والدولي، أو ما نسميه بعامل الانتقال من التمرد الطارئ على خلفية المظلمة، إلى الاندماج الكامل في حركة جهادية ذات تطلعات عالمية. تتوقف تحولات ظاهرة الجهاد العالمي على إمكانية الدمج بين الجهاد المحلي والإستراتيجية الدولية للتنظيمات الأم. وهو ما يخشى مع تزايد استهداف التنظيم أوروبا بعد حادث باريس بعمليات نوعية واسعة علاوةً على عملياته في المنطقة العربية.
وفي تتبعنا لحالة سيناء نجد أنّ قضية الارتباط بتنظيم القاعدة، والتي تتضح منذ بداية بزوغ الجيل الثالث للجهاد في 2004، على الرغم من وضوحها على المستوى الفكري، فإنّ الارتباط على المستوى الحركي لم يزل ضعيفًا، وعلة الأمر في رأي الباحث تكمن في الطابع السائل لتنظيم القاعدة الذي يتسم، على وحدته الفكرية، بمقدار عال من اللامركزية الحركية، ومكونه العنقودي ضعيف الوشائج. فضلً عن ذلك، يقتصر التنظيم في تدخله على تقديم توصيات معممة للحركيين خارج حدود معقله في أفغانستان، تاركًا لهؤلاء رسم الإستراتيجية الميدانية والأهداف المباشرة للعمل المسلح، وتحديد أسلوب التنفيذ ومستواه. ومع تسليمنا بأنّ أغلبية التنظيمات الجهادية في سيناء نبتت من رحم القاعدة، فإنّنا نرى أنّ بواعث العنف المسلح في الحالة السيناوية تظلّ محلية في معظمها، حفزّتها حوادث وظواهر داخلية. أمّا العلاقات العابرة للحدود مع تنظيمات أم أو مماثلة، فتقتصر في الغالب على بعض صور تبادل الموارد والدعم المحدود60. وعلى الرغم من ذلك، فإنّه تظل هناك احتمالات للانتقال إلى حالة جهادية معولمة في سيناء، في ظل شروط بعينها، أهمها تلاقي التنظيمات تحت راية قوية تنهي حالة تشظيها الراهنة. ويبدو أنّ تنظيم إمارة سيناء يقدّم دلائل على إمكانية مستقبلية لذلك، في ظل نجاحاته ووفرة الموارد التي بات يتمتع بها تغري المجموعات الأصغر وقوامها مقاتلون طارئون بالانضمام إليه. كذلك فإنّ ادّعاء بروز خليفة، قد يفضّ حالة الكمون لدى بعض المجموعات الجهادية الموصوفة بالساكنة، بتعطيلها الجهاد بسبب غياب الإمام، وبما يدفع بهذه المجموعات للعمل المسلّح مرة أخرى. كما أنّ نجاح تنظيم الدولة في الساحتين العراقية والسورية يعزز ذلك. أمّا عن المجموعات الجهادية الأكبر، والتي ارتبطت فكريًا بالقاعدة، فلم تحسم الأمر بعد، ويبقى عامل التنافس والسعي للاستقلال قويًا في تحديد هويتها ووجودها على خارطة العنف في سيناء. وتشير تجربة انشقاق تنظيم أنصار بيت المقدس في إثر إعلان البيعة لأبي بكر البغدادي وخروج من عرفوا لاحقًا بكتيبة الرباط (أو المرابطون بزعامة هشام العشماوي)، إلى بقاء عنصر المنافسة. قد لا يصل الأمر إلى تقاتل هذه المجموعات في الساحة المصرية، على نحو ما جرى في الساحة السورية بين جبهة النصرة المحسوبة على القاعدة وتنظيم الدولة. فغلبة العوامل المحلية على الحالة المصرية تقلل من احتمال انتقال خلافات سورية إلى سيناء. جمع هذه المجموعات المشتتة في تنظيمات أكبر وأكثر فاعلية سيرفع من مستوى المخاطر في سيناء. وهو الدرس الذي يبدو أنّ تنظيم أنصار بيت المقدس قد أدركه باستيعابه عددًا كبيرًا من التنظيمات الأصغر وبقايا تنظيمات أقدم دخلت طور الانحسار61. ينقلنا هذا إلى الملمح المقابل، وهو ملمح الاعتماد المتبادل بين التنظيمات، فعلى الرغم من نوازع الاستقلال، فإنّه هناك درجة من التعاون والانتقال السائل للمقاتلين والموارد بين التنظيمات. كانت عملية القنصلية الإيطالية مثيرة للتساؤل حول شروط الاندماج بين تنظيمات الجيل الثالث62. وكان لافتًا أن أعلن تنظيم "ولاية سيناء" مسؤوليته عنها، ثم تراجع، ليتبيّ أنّ منفذيها تابعون ل "أجناد مصر." وتفيد سردية سقوط زعيم الأجناد بأنه سعى إلى تواصل مع ولاية سيناء ليحصل على موارد. فالتنظيم الذي تضخم إعلاميًا طوال عام ونصف العام، تبيّ أنه مجموعة صغيرة قليلة الموارد، وإن كانت جيّدة التخطيط والاستهداف، وكانت مضطرة في أزمتها إلى التواصل مع التنظيمات الأكبر. هذا التنظيم مثل تنظيمات أخرى تبلورت بصفتها ردة فعل ثأري على فضّ اعتصام النهضة (وكان أغلب المشاركين فيه من السلفيين، وعناصر السلفية الجهادية غير النشطة، وكثير من المنتسبين إلى الجماعة الإسلامية) واعتصام رابعة (تكثف فيه الإخوان.) وافتقاره للموارد هو ما قد يدفع به إلى الانضواء إلى التنظيمات الأكبر. في هذا السياق نفهم حالة الاعتماد المتبادل بين التنظيمات وعصابات الجريمة المنظمة. فممارسات التهريب والتجارات غير المشروعة التي لها تاريخ في سيناء، صارت جزءًا من اهتمام المجموعات المسلحة، وكان لقدرة التنظيمات على اجتذاب عناصر من أصحاب الثارات، والهاربين الجنائيين "(المجنّيين" بتعبير أهل سيناء) والعديد من المشتبه بهم سياسيًا، أن تواصلت هذه الصلات. وربما يجيب هذا الملمح أكثر من غيره عن سؤال تمويل التنظيمات الجهادية وتسليحها. حدود التعاضد بين التنظيمات الجهادية عبر الحدود أقل، وعلى خلاف ما يذهب إليه الكثير من التحليلات الغربية (المتأثرة بطرح إسرائيلي استثمر كثيرًا في إثبات نشوء عنف سيناء من غزة، وجمع دلائل على أنّ إمداده بالمقاتلين أو بالسلاح هي مصدره)، فمسارات تهريب السلاح، بحسب المتخصصين في دراستها، ما تزال المسارات التقليدية لتجارة السلاح في مصر، وتؤدي فيها السودان وليبيا دور المصدر. مسار تجارة السلاح في تقارير إسرائيلية مناقضة يقول إنّها تأتي أحيانًا من جهة مصر في اتجاه غزة التي تُعدّ سوقًا للتجار السيناوية، وليس العكس. ولا شكّ في أنّ لتجارة السلاح في سيناء تاريخًا طويل لا يمكن تجاهله بحال.