دينامية معارضة حركة 20 فبراير في المغرب لدستور 2011
الملخّص
تناقش هذه الورقة حركة 20 فبراير الاحتجاجية المغربية، وتحرّك الشارع المغربي في تظاهرات سلمية تحت معطفها وهي تطالب بإصلاحات دستورية في إطار ملكية برلمانية. ترى الورقة أن هذه الحركة مناسبة، من الناحية المنهجية، لإعادة التفكير في مسألة المعارضة في المغرب، خصوصًا مع هيمنة شبكة تحليل في الموضوع بلورها، في سبعينيات القرن الماضي، روّاد مثل جون واتربوري، وريمي لوف، وكلود بالزولي، تتلخص في أنّ المعارضة، على اختلافها وتنوّع أنماط احتجاجها، لا تخدم في الأخير سوى إعادة إنتاج النظام السياسي. ترى الورقة أن الحراك الإقليمي، في نسخته المغربية، تحوّل إلى دينامية إصلاحية، ميزت المغرب. فالملك الذي لم يكن بإمكانه تجاهل حركة 20 فبراير، لم يرغب في الإجابة عنها بطريقة الدول المجاورة، ما دفعه إلى الإعلان عن مشروع الإص حاا الدستوري في خطاب 9 آذار / مارس. وترى الورقة أن إستراتيجية النظام السياسي لاحتواء حركة 20 فبراير، ونزع، مواردَ وأسلحة فتيلها، ستفضي إلى تحويل كل مبادراته، بما فيها مشروع دستور 2011 في يد السلطة، وأدوات للقمع المادي والرمزي لحركة 20 فبراير. فالاستفتاء الدستوري بتاريخ 1 تموز / يوليو 2012، والذي وافق عليه الشعب المغربي، ودعت حركة 20 فبراير إلى مقاطعته، ل بداية الموت السريع للحركة، لأنه دعم مشروعية الإصلاح، ومن ثمّ، الملكية مث.
مقدمة
دفعني إلى اختيار هذا الموضوع الحراك الإقليمي الذي عرفه العالم العربي1. وقد أفضى هذا الحراك إلى تحرّك الشارع المغربي في تظاهرات سلمية تحت معطف حركة 20 فبراير التي طالبت بإصلاحات دستورية في إطار ملكية برلمانية2. وهو ما حوّل هذا المطلب الذي ظل نخبويًا، في التاريخ السياسي الدستوري المغربي، إلى مطلب شعبي3. إنّ الحراك الإقليمي في نسخته المغربية تحوّل إلى دينامية إصلاحية. هذه الدينامية التي ميزت المغرب، جاءت بمبادرة استباقية من المؤسسة الملكية مع خطاب 9 آذار / مارس، في سياق انقلاب الأوضاع الإقليمية على إيقاع الثورتين4 التونسية والمصرية5. فالملك الذي لم يكن بإمكانه تجاهل حركة 20 فبراير، لم يرغب في الإجابة عنها بطريقة الدول المجاورة6، ما دفعه إلى الإعلان عن مشروع الإصلاح الدستوري في خطاب 9 آذار / مارس7. إنّ هذه التحولات الإقليمية غير المسبوقة، تجعل التحليل السياقي للإصلاح الدستوري وحده يسمح برصد تبادل الضربات في الوضعية التي تكمن خلف الربيع العربي في المغرب8. لهذا فإنّ المسألة الدستورية مركزية في مسلسل الاحتجاج الذي أشعلت حركة 20 فبراير شرارته من جهة، وفي قمع هذا الاحتجاج من جهة أخرى9. فالملكية لجأت إلى الإصلاح الدستوري بصفته إستراتيجية دفاعية10، لسحب البساط من حركة 20 فبراير. وهو ما تمكّنت منه باستيعاب الزمن الاحتجاجي، وبنزع المشروعية بالاستفتاء الدستوري عن مطالب المحتجين11. لهذا، فحركة 20 فبراير مناسبة من الناحية المنهجية لإعادة التفكير في مسألة المعارضة في المغرب، خصوصًا مع هيمنة شبكة تحليل في الموضوع بلورها، في سبعينيات القرن الماضي، روّاد مثل جون واتربوري وريمي لوف وكلود بالزولي. وتتلخص هذه الشبكة في أنّ المعارضة، على اختلافها وتنوّع أنماط احتجاجها، لا تخدم في الأخير سوى إعادة إنتاج النظام السياسي12. وأنّ هذه المعارضة محددة بصفة مسبقة من الأعلى، وأنها ممنوحة مقابل الولاء. كما أنها تصنف اختزالً بين معارضة جلالة الملك أو معارضة ضد جلالة الملك13. وعلى الرغم من الانتقادات، في تمثلات المعارضة، فإنّ هذه الشبكة ما زالت ناشطة. كما أنها تجاوزت مجال العلوم الاجتماعية إلى حقل السياسة14. إن العلوم السياسية ستربح لا محالة، إن تحررت من هذه الشبكة التي تحول دون تناول المعارضة بأسلوب مختلف، يراعي الصور المتعددة للاحتجاج والتعبئة وال اررع15. لهذا نقترح الإجابة عن الإشكالية التالية: ماهي دينامية معارضة حركة 20 فبراير مشروع دستور 2011؟
إنّ الإجابة عن هذه الإشكالية، لتجاوز الشبكة المهيمنة، سيكون بإعادة تشكيل النسخة المغربية من الربيع العربي، لتحديد دينامية معارضة حركة 20 فبراير مشروع دستور 2011. إنّ رصد حركة 20 فبراير، بصفتها فاعلً غير مسبوق في الإصلاح الدستوري بالمغرب، يستدعي رصده في إطار بنيته التنظيمية التعددية وديناميته الاحتجاجية والسياسية. كما أنّ التناول العلمي للموضوع يستدعي تجاوز تناول الخطاب والممارسة الاحتجاجية واقعين منفصلين16، بل الوقوف، من خلال تجربة 20 فبراير، على الشروط السياسية الاجتماعية للممارسة الاحتجاجية التي تؤثّر في الممارسة الخطابية. لهذا نقترح تناول الموضوع بتحديد هوية حركة 20 فبراير أولً، لنقف بعد ذلك على دينامية معارضتها مشروع دستور 2011 على مستوى الخطاب ثانيًا، وعلى مستوى الممارسة ثالثًا.
ا: هوية حركة أوّل 20 فبراير
عرف المغرب في سنة 2011، ظهور فاعل سياسي جديد، أفرزه مباشرة الربيع العربي، هو حركة 20 فبراير. السؤال الذي يطرح نفسه حول هذه الحركة هو: إلى إي حد تعدّ حركة 20 فبراير حركة اجتماعية غير مسبوقة؟17 إنّ هذه الحركة تمثّل، من دون أدنى شك، لحظة تجديد في سجل الاحتجاج بالمغرب. ولكنّها أيضًا لحظة "موروثة"، لأن أهم مكوناتها هم في الغالب مناضلون أو أبناء مناضلين من جهة، ولأنّ سجلات عمل الحركة جرّبت في عقود خلت من خلال مجموعة متنوعة من التعبئات المحلية والوطنية18. لقد تميزت تركيبة الحركة بقدر كبير من عدم الانسجام. فعلى الرغم من التسويق الذاتي الإعلامي لها بصفتها حركة شبيبية19 من دون انتماء سياسي، واعتماد أعضائها على الأنترنيت والهواتف النقالة للتواصل20، فإنّ هذه الحركة تميزت بازدواجية بنيوية بين الشباب من جهة، والتنظيمات والشخصيات التي انضمت إليها21 من جهة أخرى. الحقيقة أنّ الحركة جمعت فاعلين جددًا وفاعلين جمعويين ومنتمين إلى أحزاب حكومية وأخرى للمعارضة البرلمانية ومناضلين ينتمون إلى منظمات غير شرعية22. هكذا نجد في الحركة مجموعة أولى مكونة من شباب غير منتمٍ ومناضلين جمعويين ينتمون لأتاك والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والاتحاد الوطني لطلبة المغرب والحركات الأمازيغية ومناضلين سياسيين ينتمون إلى اليسار غير الحكومي كاليسار الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة والنهج الديمقراطي، ثم الشباب الإسلامي المنتمي للعدل والإحسان والبديل الحضاري والحركة من أجل الأمّة23، هذا إضافة إلى القطاعات الشبيبية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب العدالة والتنمية24. لقد أفضت حركة 20 فبراير إلى تشكّل تحالف تجاوز الحدود السياسية والاجتماعية القائمة قبل الربيع العربي25. ويحيل حقل التحالف والتعارض على شبكات تفاعل تتميز بالتبادل والاع اررف المتبادل المبني على تقاسم القيم والقضايا والخصوم والموارد26. إنّ تمثّل المكونات غير المنسجمة في الحركة للنضال في سياق الربيع العربي، جعلها تُرجع نجاح الثورتين التونسية والمصرية إلى العوامل التالية: جعل الشباب غير المسيس في الواجهة، وغياب الزعامات والمركزية والتراتبية التنظيمية، وأهمية التلقائية والتجديد وخصوصًا تذويب الهويات السياسية والأيديولوجية27 والتنظيمية28. إنّ تأثير نجاح
الثورتين التونسية والمصرية جعل الفاعلين يتجاوزون الإكراهات التي كانت تحول دون النضال في إطار تحالف موسع، يتجاوز تناقضات الحقل السياسي الرسمي وغير الرسمي، وتناقضات الحقل السياسي والحقل المدني، وتجاذبات الحقل السياسي وحقل الاحتجاج. إن النضال المشترك كان يستدعي تجاوز عدم الثقة والتخوف السائديْن بين اليسار والإسلاميين، وبين المناضلين "المنتمين" و"المستقلين"، وبين المندمجين في الحقل السياسي الرسمي وغير الرسمي29. على المستوى التنظيمي، كانت تحديات النضال المشترك، والذي طرح على حركة 20 فبراير، يستدعي بنية تنظيمية متعددة30. لهذا فرهانات نجاح الحركة كان يستدعي من الناحية التنظيمية التمحور حول الفدرالية، وتغييب الهويات الخاصة، وتفادي هيمنة مكوّن سياسي على الحركة31. وهو ما اقتضى تثبيط كل محاولة للزعامة الشخصية أو الجماعية. لهذا السبب كانت الجمعية العامة هي الهيئة التقريرية الرسمية الوحيدة للحركة. وإضافة إلى الجمعية العامة ضمت الحركة أربع لجان وهي: لجنة السوقيات / اللوجستيك، ولجنة الشعارات، ولجنة التعبئة، ولجنة التواصل32. إنّ رصد حركة 20 فبراير من حيث هي فاعل غير مسبوق في الإصلاح الدستوري بالمغرب، يستدعي رصده في إطار بنيته التنظيمية التعددية وديناميته الاحتجاجية والسياسية التي ستؤثّر في إنتاج الحركة خطابها المعارض لمشروع دستور.2011
ثانيًا: خطاب معارضة حركة 20 فبراير مشروع دستور 2011
إنّ الخطاب السياسي علائقي بطبعه بحسب بورديو. فدلالته لا تتبلور إلّ في تمفصله مع معلنات أخرى منافسة. لهذا السبب فإننا لا نوظف تقنية تحليل المضمون في تحليلنا خطاب حركة 20 فبراير، بل سنقوم برصده باستحضار إستراتيجيتها لنزع المشروعية عن مشروع الإصلاح الدستوري من جهة، وفي سجاله مع الخطاب المشرعن للإصلاح من جهة أخرى. لقد أثّر الربيع العربي في خطاب الفاعلين في المغرب33. وبحكم أن هذه الخطابات جاءت في سياق الارتجاج الكبير الذي عرفه الحقل السياسي المغربي، متأثرًا برياح التغيير العربي، فإنّ هذه الخطابات المتنافسة كانت متنوعة مع أنها كانت من الطبيعة نفسها. ويعود هذا التنوع إلى تعدد الفاعلين واختلاف مواقعهم وإستراتيجياتهم ومصالحهم. وإذا كان الدستور وثيقة تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم ويكون محددًا في تشكله وفي اشتغاله بموازين القوى السياسية34، فإنّ إصلاحه لا بدّ أن يعكس موازين القوى الجديدة. لهذا فإن خطاب حركة 20 فبراير في خصوص الإصلاح الدستوري، يمكن رصد ديناميته في سجاله مع الخطاب المؤيد، وفي علاقته بإستراتيجية الحركة لنزع المشروعية عن الإصلاح، على مستوى منهجية الإصلاح الدستوري لسنة 2011 ومضمونه.
فعلى المستوى الأول كانت منهجية الإصلاح الدستوري الذي أعلن عنه الملك في خطاب 9 آذار / مارس، براغماتية سلكت أسلوب التواصل والشراكة المباشر بدلً من سلوك المذكرات الكتابية35 الذي لجأت إليه أحزاب الحركة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي36.
وقد أكد خطاب 9 آذار / مارس استمرار تقليد استئثار المؤسسة الملكية بالسلطة التأسيسية37 الأصلية والفرعية. وإذا كان اعتماد هذا النص قد أفضى في تسعينيات القرن الماضي، خصوصًا في تعديل 1996، إلى دخول المطالبة بجمعية تأسيسية إلى متحف التاريخ الدستوري المغربي على حد تعبير محمد معتصم38؛ فإنّ اعتماده في 2011 أنتج، بحكم الربيع العربي، عدة تمثلّات لمنهجية الإصلاح. لهذا، فقد قام الملك محمد السادس بتنصيب اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور برئاسة عبد اللطيف المنوني39. أضف إلى ذلك أنّ ميزة هذا الدستور هي اعتماده على الخبرة المحلية40 مقارنة بالدساتير السابقة. كما أنه اعتمد منهجية تشاركية بحسب الملك الذي قال في هذا الخصوص في خطاب 17 حزيران / يونيو: "تمكنّا، بعد ثلاثة أشهر من إطلاق مسار المراجعة الدستورية، من بلورة ميثاق دستوري ديمقراطي جديد، يرتكز على الإطار المرجعي المتقدم لخطابنا التاريخي، ل 9 آذار / مارس الذي حظي بالإجماع الوطني، وللمقترحات الوجيهة للهيئات السياسية والنقابية والجمعوية والشبابية، وكذا الاجتهاد الخلاق للجنة الاستشارية والعمل البناء للآلية السياسية"41. وقد تفاعلت الأحزاب السياسية42 والمجتمع المدني بطرائق مختلفة مع هذه المنهجية، كلّ بحسب موقعه في الحقل السياسي. وكان طبيعيًا أن تتفاعل حركة 20 فبراير مع هذا الخطاب المشرعن، فكان أن رفضت منهجية الإصلاح بمقاطعة اللجنة الاستشارية لإصلاح الدستور. كما قامت مسيرات تنتقد منهجيته ابتداءً من 30 آذار / مارس. فالحركة والنهج الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد وجماعة العدل والإحسان43 رفضت هذه المنهجية في الإصلاح، إذ رأتها جماعة العدل والإحسان منهجية غير تشاورية واقصائية وتمويهية، كما وجدت منطقها مبنيًا على الاستفراد والاستحواذ44. ورأى الحزب الاشتراكي الموحد أنّ منهجية الإصلاح لا تنتمي إلى فلسفة الانتقال الديمقراطي. وقد استند الحزب في موقفه إلى أنّ جهة واحدة تحكمت في مسلسل الإصلاح، كما أنّ تركيبة اللجنة ذات لون واحد. إضافة إلى ذلك رأى أن منهجية الإصلاح تعاني من غموض العلاقة بين لجنة الإصلاح والآلية السياسية45. وانتقد حزب النهج الديمقراطي منهجية الإصلاح، إذ رأى عبد الله الحريف الأمين العام للحزب أنّ: "المنهجية التي اعتُمِدت في إعداد المشروع لم تبارح منطق الدستور الممنوح، فقد تمّ تأليف لجنة معيّنة من فوق ومن طرف واحد وعلى المقاس، وتكوين آلية سياسية من أحزاب أغلبيتها الساحقة موالية للمخزن"46. أمّا حركة 20 فبراير، فقد قاطعت اللجنة الاستشارية لإصلاح الدستور، وقامت بتنظيم مسيرات تنتقد منهجية الإصلاح ابتداءً من 30 آذار / مارس47. إن خطاب حركة 20 فبراير حول منهجية الإصلاح الدستوري ارتبط بإستراتيجيتها لنزع المشروعية عنه، ذلك أنّها استهدفت لجنة الإصلاح التي تفتقد للاستقلالية، بحكم التعيين تجسيدًا للسيادة الملكية التي ترتكز على المصدر الديني للسلطة بدلً من السيادة الشعبية التي تحيل عليها الجمعية التأسيسية48 التي طالبت بها الحركة. كان بديل الحركة في هذا المستوى هو الجمعية التأسيسية. ويجد هذا المطلب حجاجه، بحسب الحركة، في فقدان لجنة المراجعة للاستقلالية. إنّ مطلب الجمعية التأسيسية، الذي ليس جديدًا في
المغرب49، يحيل على المشروعية الشعبية50، تسعى من خلاله حركة 20 فبراير، وخصوصًا العدل والإحسان والنهج الديمقراطي51، لنزع المشروعية عن مبادرة الإصلاح. لهذا ركزت في إستراتيجيتها على مصدر السلطة، ونعتت الدستور المرتقب بالممنوح52. بالمنطق نفسه، طالبت حركة 20 فبراير، في مسيرة 20 آذار / مارس، بإلغاء الفصل 19 الذي ينص على إمارة المؤمنين. كما نصت وثيقة مطالب الشعب المغربي على النقاط ال 20 الملحّة على "إلغاء توصيف الملكية بإمارة المؤمنين." على أنّ الموقف من الفصل 19 لا يعني الاتفاق حول إمارة المؤمنين، فقد دعا كل من الحزب الاشتراكي الموحد53، وحزب الطليعة54، إلى الحفاظ على إمارة المؤمنين55. في حين دعا حزب النهج الديمقراطي، مع أنه لم يقدم اقتراحًا، في موقف أدلى به بعدم تضمّن تصوره للدستور فصلً على شاكلة الفصل 19 56. أمّا العدل والإحسان فقد دعا إلى دولة مدنية57. كما أنّ حركة 20 فبراير طالبت، في مسيرة 20 آذار / مارس، بإلغاء الفصل58؛ كما طالبت "بنهاية الاستبداد" و"لا للدستور الممنوح" و"لدستور العبيد"59.
جعلت الحركة مجال الإص حاا يتجاوز المجال المحدد في خطاب 9 آذار / مارس، ذلك أنّه يسري حتى على مجال إمارة المؤمنين. إن تقارب الحزبين الأولين مع الأخرين يعود إلى تموقعهما السياسي، وإلى أنّ حركة 20 فبراير هي عبارة عن تحالف موسع، تمفصل فيه حقل الاحتجاج والحقلين السياسي الرسمي وغير الرسمي. لهذا فقد تساكن داخل الحركة المنطقان الإصلاحي والثوري. الملاحظ أنّ الحركة بعد أن سلكت إستراتيجية خطابية هادفة إلى نزع المشروعية عن مشروع الإصلاح يجسدها الموقف من منهجية الإصلا ح
كما يجسده شعار الدستور الممنوح، ستطرح بديلً من هذا المشروع الفاقد للمشروعية في نظرها، متمثّلً بتصورها للإصلاح الحقيقي الذي يكرّسه على المستوى المنهجي: "انتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور ديمقراطي شعبي" (الوثيقة الرابعة)، وعلى مستوى المضمون مطلب الملكية البرلمانية60. إنّ رصد تصوّر الحركة لهذا البديل، غير المتوافق حوله، يستدعي تتبعه من داخل الدينامية التي خلقها الربيع العربي في الحقل السياسي المغربي. لهذا، لا بد من استحضار العرض الملكي الذي جاء في خطاب 9 آذار / مارس، وردة فعل حركة 20 فبراير. فيما يخّص موقف الحركة على هذا المستوى، فإنّ جميع الوثائق التأسيسية لحركة 20 فبراير أكدت مطلب الملكية البرلمانية. فقد نصت الوثيقة الثالثة للحركة المسمّ ة "الأرضية التأسيسية لحركة الشعب يريد التغيير" على ما يلي: "نطالب بتعديل دستوري وجعل الملكية برلمانية مثل الملكيات الحديثة ونطالب بالديمقراطية التامة في بلادنا." إنّ حركة 20 فبراير التي تدعو إلى ملكية برلمانية تؤكد أنها ملكية يسود فيها الملك ولا يحكم61. وقد ورد في الوثيقة الثالثة للحركة المسماة "الأرضية التأسيسية لحركة الشعب يريد التغيير:" "جعل الملكية المغربية مثل الملكيات الحديثة ونطالب بالديمقراطية التامة في بلادنا." كما نصت الوثيقة الرابعة التي تحمل اسم "مطالب الشعب المغربي - النقاط ال 20 الملحّة" والمنشورة بتاريخ 6 شباط / فبراير 2011 على: "تغيير نمط الحكم من ملكية دستورية إلى ملكية برلمانية حيث كل السلطة والسيادة للشعب." على أنّ هذا المطلب لم يكن مصدر إجماع مكونات الحركة، فبينما طالب به البعض رفضه البعض الآخر؛ ومن بين المكونات التي طالبت بالملكية البرلمانية حزبا الطليعة62 والاشتراكي الموحد63. أمّا المكونات الأخرى للحركة، ونخص بالذكر جماعة العدل والإحسان والنهج الديمقراطي، فقد رفضت شعار الملكية البرلمانية. وعلى الرغم من أنه لا أحد كان يرى أنّ المغرب يمرّ بمرحلة ثورية يمكن أن تطيح الملكية، فإنّ هذه الفصائل رفضت الانضمام إلى شعار الملكية البرلمانية، لأنها عدّت ذلك تنازلً مجانيًا للملكية64. إنّ عدم التوافق بين مكونات الحركة على هذا المستوى يعكس جوّ المنافسة بينها، الطبيعي، وفشلها في تدبير المعنى، على حد تعبير ميشال دوبري65، بسبب تساكن المنطقين الإصلاحي والثوري.
يبدو أنّ خطاب حركة 20 فبراير لم يُحدث قطيعة مع خطاب المعارضة الدستورية الذي عرفه المغرب، منذ أول تجربة دستورية في 1962. على أن الوقوف في حدود هذا التحليل سيدخل دراستنا في عملية عادية لتحليل المضمون. لهذا لا بد أن نستحضر أنّ استمرارية المطالب الدستورية لا يعني أنّ المسألة الدستورية تطرح بالطريقة نفسها. فهذا الأمر يعود إلى كون البنية الموضوعية66 للإشكال تغيرت، بحكم تحوّل بنية الفرص السياسية التي تأثّرت بالتحولات الإقليمية والحراك المغربي. كما أنّ هذه الأخيرة أثّرت في دينامية ممارسة الحركة معارضتها دستور.2011
ثالث ا: دينامية ممارسة معارضة حركة 20 فبراير مشروع دستور 2011
إنّ دراسة معارضة حركة 20 فبراير مشروع دستور 2011 على مستوى الممارسة يستدعي تناول ديناميتها. وتعود هذه الدينامية إلى أنّ الفاعلين مرتبطون فيما بينهم، ما يجعل قراراتهم وحساباتهم المستقبلية محددة بقرارات حلفائهم وخصومهم67 وحساباتهم من جهة، وإلى منطق تبادل الضربات الذي تعرفه وضعية الأزمة السياسية68 من جهة أخرى. وإذا كانت هذه المطالب الدستورية ليست حديثة في المغرب، فإنّ "بنية الفرص السياسية"69 هي التي عرفت تحولً كبيرًا على إيقاع الربيع الديمقراطي، وخصوصًا الوسائل المعبئة.
في خصوص هذه الوسائل، عرفت الموارد المعبئة في المسألة الدستورية تحولً كبيرًا. ففي الماضي كانت الوسائل المعبئة في مسألة الإصلاح تتمثل بتوزيع المنشورات والجرائد، وتشكيل شبكات، وتنظيم أيام دراسية وندوات70. بعد ذلك، في تسعينيات القرن الماضي، ظهرت وسيلة جديدة هي تقديم مذكرات إلى الديوان الملكي71. إنّ ميزة هذه الوسائل، على اختلافها، أنها وسائل منخفضة الضغط. في حين انّ ما يميز المسألة الدستورية في 2011، هو توظيف حركة 20 فبراير وسائل تأثير عالية الضغط كالمسيرات الكبرى في المدن72، نخص بالذكر منها مسيرة 20 آذار / مارس73، ومسيرة 24 نيسان / أبريل74. إضافة إلى هذه الوسائل المعبئة تمّ توظيف وسائل الاتصال الحديثة المتمثلة بشبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر75. فالفيسبوك ضم 500 مليون منخرط في آب / أغسطس 2010، كان منهم مليونا مغربي76. وقد عرف هذا العدد تطورًا في إثر الثورات العربية والدور المهم للنضال الرقمي. فقد تطور الإقبال على الشبكات الاجتماعية، إذ فتح حوالى 590960 مغربيًا حسابًا في الفيسبوك في الفترة ما بين 5 كانون الثاني / يناير و 5 نيسان / أبريل 2011 77. وتمثّل دور الشبكات الاجتماعية بكونها فضاء من أجل ممارسة سياسة جديدة، فضاء للإعلام والدعاية والتعبئة المناضلة78. إنّ هذا الفضاء مثّل صدى تواصليًا على حد تعبير هابرماس79، إذ سمح لهم ببلورة أراء وحجاج من أجل تحويلها فيما بعد إلى فعل من أجل نسج علاقة جديدة بالسياسة80. فبعد الثورة التونسية سيعرف المغرب في العالم الافتراضي نقاشًا حول تيمتين: دعم الثورة التونسية والسعي إلى حركة احتجاجية مغربية81. وقد تمخض عن هذا النقاش ظهور مجموعة في الفيسبوك سميت "مغاربة يحاورون الملك"، فمجموعة "الحرية والديمقراطية دابا"، ثمّ بعد ذلك حركة 20 فبراير82. إنّ إعادة العمل جماعي طرح المسألة الدستورية في 2011، أفرز لنا نمطين83. النمط الأول من العمل الجماعي مساند لمشروع الدستور،
يمكن إدخاله في التعبئة المضادة، وخضع فيه المشاركون، بدرجات مختلفة، لأهداف الدولة، وكانت مرجعيته هي خطاب 9 آذار / مارس. أمّا النمط الثاني فكان مناهضًا، ذا طابع تعاقدي، وصل فيه الأطراف إلى التعاون بالتفاوض الضمني أو الصريح. إنّ هذا التوافق انعكس على نمط إنتاج الشعارات بتفادي التحجر الأيديولوجي84. كما أن هذا النمط الثاني من العمل الجماعي غير المسبوق، يفسّ الصعوبات التي واجهت الدولة في التعامل مع حركة 20 فبراير85. إنّ التعبئة الاستثنائية التي تمّت بمناسبة الإصلاح الدستوري ل 2011، والاختلاف النوعي في وسائل التعبئة، كانا العامل الذي أفضى إلى تحويل المسألة الدستورية من مطلب نخبوي حزبي إلى مطلب شعبي86. إلّ أنّ هذا التحول الذي حملته حركة 20 فبراير، اصطدم بالإكراهات البنيوية للعمل الجماعي. هذا ما يفسر أنّ مسيرات 20 فبراير على الصعيد الوطني لم يشارك فيها سوى 37 ألف شخص في أكثر من 53 مدينة87. في مقابل تعبئة حركة 20 فبراير، قامت الدولة بتعبئة مضادة، بدأت مع نشأة حركة 20 فبراير، باتهامها، في الأنترنيت والإعلام المسخر، بالعمالة "لأعداء الأمّة." إنّ هذا التكتيك الذي تمّ تطبيقه في الماضي، قامت فيه الدولة بتسخير وسائل دعايتها لإنتاج صورة حول المحتجين، على أنّهم أعداء داخليون يوظفهم أعداء خارجيون88. فالحركة سمّيت باسم اليوم الذي نزلت فيه الحركة الاحتجاجية التي أعلن عنها في الفيسبوك، كما حصل في عدة دول عربية، وهو 20 فبراير 2011. على أنّ هذا التاريخ ليس هو ما اقترحه في البداية الشباب، بل كان يوم 27 فبراير. وقد سخّرت الدولة وسائل دعايتها لاتهام الحركة بالعمالة للجزائر والبوليساريو، لأنّ هذا التاريخ يصادف ذكرى تأسيس جبهة البوليساريو. أمام هذا الهجوم تمّ تقديم الدعوة إلى الخروج أسبوعًا على التاريخ المحدد أي 20 فبراير89. وقد هدفت الدولة من وراء ذلك إلى نزع المشروعية عن الحركة. على أنّ الدولة بعد فشلها في منع خروج الحركة إلى الشارع، ستقوم بتشكيل عدة شبكات في الفيس بوك لدعم خطاب 9 آذار / مارس. كما تم تنظيم عدة مسيرات مساندة للمشروع الملكي للإصلاح الدستوري90. ولكي يتمكّن نظام سياسي من احتواء الاحتجاج، بحسب كريستيان دافنبر، يجب أن يكون تمثّله للمخاطر متعدد الأبعاد حتّى يقوم بردة الفعل على مجموعة من العوامل، وليس فقط حدة الاحتجاج91. في هذا الإطار، اتخذ النظام السياسي المغربي مجموعة من الإجراءات التي سبق بعضها مشروع دستور 2011، وواكبه البعض الآخر. ففي بداية شهر كانون الثاني/ يناير، قامت الدولة باتخاذ مجموعة من الإجراءات لتفادي عدوى الثورة التونسية. ذلك أنّه مباشرة بعد سقوط الرئيس زين العابدين بن علي، تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستباقية92 لاحتواء الغضب الشعبي. ففي 12 كانون الثاني / يناير، قامت باستيراد الحبوب؛ وفي 15 شباط / فبراير قامت بالزيادة في الإعانات الموجهة لدعم المواد الغذائية الأساسية التي وصلت إلى 14000 مليون يورو93؛ كما تمّ توظيف المعطلين حاملي الشهادات94؛ وتمّ ت إعادة فتح الحوار الاجتماعي مع النقابات، ما أسفر عن زيادة غير مسبوقة في أجور الموظفين95. أمّا على المستوى المؤسساتي فتمّ تعيين أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي في 21 شباط / فبراير96(؛ كما تمّ تحويل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان97.
يقودنا الحديث عن علاقة الدول بالاحتجاج إلى الحديث عن قوات الأمن. فمواجهة الحركات الاحتجاجية لها أبعاد أمنية تتكفل بها هذه القوات في إطار توزيع العمل. مع أنّ الأعمال المهتمة بالتفاعل وتبادل الضربات بين رجال الأمن والحركات الاحتجاجية نادرة98. وقد أكد تيد كور أهمية متغير قمع الاحتجاج وصعوبة دراسته بشكل سكوني99. في هذا الإطار، لا بد أن نبقي في أذهاننا أنّ القمع يمكن أن يكون مباشرًا أو غير مباشر، فوريًا وآنيًا أو مستمرًا أو متقطعًا، استباقيًا أو انفعاليًا100. لهذا لا يمكن اختزال القمع في الأشكال الفعلية والمرئية للقمع الممارس على المحتجين101. في هذا الإطار تحدث رونالد دياموند عن القمع الخفي الذي يدخل في إطاره التهديد الاستخباراتي ومراقبة المجموعات المحتجة واقتحامها وإتلاف المبادرات والتحالفات والتعبئة المضادة102. إنّ العلاقة جدلية بين القمع والاحتجاج. وترى العديد من الأعمال أنّ متغير صورة القمع ومستواه مكوّن أساسي في "بنية الفرص السياسية." على أنّ كولدستون وتيلي انتقدا هذا التحليل، لأنه لا يأخذ في الحسبان الحركية التكتيكية والحركات المضادة التي تجعل النظام السياسي والمعارضة في مواجهة. هذه الدينامية تعود إلى سلسلة من الاختيارات على مستوى الفعل والاحتجاج والتنازل103. كما ذهب شارل تيلي إلى أنّ القمع أو التسامح مع المحتجين يؤثّر في "بنية تكلفة التعبئة وامتيازاتها." فالقمع في بعض الأحيان ينتج التعبئة، كما وقع في تونس ومصر، كما يمكن أن يجعلها مستحيلة104. فالقمع يؤدي دورًا محددًا في الهيكلة الدينامية والعلائقية لسجلات العمل الجماعي105. لهذا، في بداية الحراك المغربي، قامت قوات الأمن بتأطير خفي للاحتجاج. وقد كان الهدف من ذلك هو تأكيد الاستثناء المغربي بتفادي إراقة الدماء كما وقع في دول الربيع العربي106؛ وتأكيد صورة بلد ديمقراطي اعتاد على التظاهرات وتدبير الممارسات الاحتجاجية107. وبعد أن فشلت، تحت معطف الشعار نفسه، في منع الحراك ستمرّ السلطات إلى العنف، غير الدموي108، ضد المتظاهرين خصوصًا في مسيرتي 22 و 29 أيار / مايو. هذا التحول جاء حين قررت حركة 20 فبراير، في اجتماع الجمعية العامة ل 13 أيار / مايو، تحويل مسيراتها إلى الأحياء الشعبية109. كما استعملت قوات الأمن القمع ضد الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات. إنّ إعادة الحركة التوجيه التكتيكي يعود إلى التفاوت بين الاستباقات والواقع، ما أفضى إلى التكييفات الإستراتيجية110. سيفضي هذا التحول الإستراتيجي إلى تغيير السلطات إستراتيجيتها تجاه الحركة111. إنّ ردود السلطات الأمنية العنيفة ضد هذا النمط السلمي للاحتجاج، والذي يعد جزءًا من سجلات عمل التعبئة الاحتجاجية في المغرب112، يعكس خوفها من إعادة إنتاج احتلال ساحة التحرير في العاصمة المصرية القاهرة113. فالسلطات العمومية سعت إلى تفادي تماثل حركة 20 فبراير مع مكان سيعطي قيمة رمزية114. يحيلنا تأثير القمع في إعادة التوجيه التكتيكي على تأثير القمع في تغيير أنماط الفعل الاحتجاجي، ولكن أيضًا على الطريقة التي تتأقلم بها سجلات العمل القمعي115. ولكن لا بد أن نستحضر أنّ فضاء الاحتجاج ليس ديكورًا بل هو يمثّل رهانًا للفعل الاحتجاجي. إنه ليس فضاءً للتعبير عن العلاقات الاجتماعية، بل ينتج في المقابل الفعل الاحتجاجي ويؤثّر فيه116. وأهمية فضاء الاحتجاج هي ما يفسّ الصراع من أجل مراقبته من فواعل الاحتجاج وقوات الأمن117.
كما أنّ تحول السياق الاحتجاجي، كما وقع مع الربيع العربي، أثّر في الدلالة الرمزية لفضاء الاحتجاج والصيغ الاحتجاجية. لهذا فالنظام السياسي كان متسامحًا مع المسيرات الشعبية في وسط المدينة، وقام بتأطيرها، ورفضها في الأحياء الشعبية حيث قمعها بعنف. أمّا الاعتصام الذي كان جزءًا من سجلات الاحتجاج المتداولة في المغرب118، فقد رُفض رفضًا قطعيًا منعًا لخلق ساحة تحرير مغربية. وتعود هذه الدينامية التي عرفها المغرب بخصوص الصيغ النضالية، بحسب شارل تيلي، إلى تفاعل التجربة المتراكمة للفاعلين المحتجين مع إستراتيجية قوات الأمن، ما جعلها صيغة نضالية يتمّ توظيفها بأكثر اتساعًا من صيغة أخرى، يمكن من الناحية المبدئية أن تخدم المصالح والأهداف نفسها119.
إنّ إستراتيجية النظام السياسي لاحتواء حركة 20 فبراير120 ونزع فتيلها، ستفضي إلى إسباغ كل مبادراته، بما فيها مشروع دستور 2011، مواردَ وأسلحةً في يد السلطة وأدوات للقمع المادي والرمزي لحركة 20 فبراير121. هذا ما سيزكيه الاستفتاء الدستوري بتاريخ 1 تموز / يوليو 2012 الذي وافق عليه الشعب المغربي122. لقد كان هذا الاستفتاء الذي دعت حركة 20 فبراير إلى مقاطعته، بداية الموت السريع للحركة، لأنه مثّل دعمً لمشروعية الإصلاح، ومن ثم للملكية، بالارتكاز على المبدأ نفسه الذي اعتمدته الحركة (التلاحم مع الشعب:) صوت الشعب ضد صوت الشارع123. فالحركة وإن استمرت في التظاهر بعد ذلك، فإنّ الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في 25 تشرين الثاني / نوفمبر، وفوز العدالة والتنمية أدّى إلى انسحاب فصيل العدل والإحسان منها، ما أفضى إلى نهايتها. على أنّ هذه النهاية لا تعني فشل حركة 20 فبراير في معارضتها، لأنها ساهمت في الإنتاج المشترك لدستور.2011 خلاصة القول، تعود دينامية معارضة حركة 20 فبراير إلى المخاض السياسي الذي عرفه الحقل السياسي المغربي، على إيقاع الربيع العربي والحراك المجتمعي. كما أنّ التناول الموضوعي لدينامية معارضة الحركة مشروع دستور 2011، استدعى الابتعاد عن الشبكة المهيمنة على دراسة المعارضة في المغرب من جهة، والابتعاد عن تناول خطاب المعارضة وممارستها واقعين منفصلين من جهة أخرى. ذلك أنّ السياق الإقليمي سيؤثّر في المستويين المتفاعلين. فعلى المستوى الأول، وعلى الرغم من أنّ خطاب الحركة لم يُحدث قطيعة على مستوى الشعارات والمبادئ والمطالب، فإنّ السياق غير المسبوق أثّر في بنية الإمكانات الخطابية. كما أثّر المستوى الثاني في بنية الإمكانات السياسية، ومن ثم في الموارد المعبأة وإستراتيجية الحركة. إنّ دينامية معارضة حركة 20 فبراير لا تعود إلى هويتها، بل إلى منطق تبادل الضربات مع النظام السياسي، الأمر الذي أفضى إلى موتها السريع. على أنّ هذه النهاية لا تعني أنّ الحركة لم تقدّم أي إضافة في الحقل السياسي المغربي، فقد ساهمت بمعارضتها في الإنتاج المشترك لدستور.2011