الانتخابات البرلمانية التركية: النتائج والتداعيات

أوكتاي يلماز

الملخّص

تعرض هذه الورقة لأهم الأحداث السابقة للانتخابات الأخيرة، منذ انتخابات حزيران/ يونيو، حتى إجراء انتخابات الإعادة الأخيرة، مع استعراض أهمّ النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات، الملخص والعوامل التي أدّت إلى هذه النتيجة، وتداعيات ذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي للسياسة التركية

مقدمة

أخيرًا، وصلت الأزمة السياسية البرلمانية التركية إلى محطة الوصول؛ إذ جريت في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر أ 2015 انتخابات الإعادة، بعد إخفاق مفاوضات تشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الرئيس الناجح في انتخابات 7 حزيران/ يونيو 2015 (حزب العدالة والتنمية) وسائر أحزاب المعارضة، فكان القرار النهائي الاحتكام إلى الشعب من جديد، بعد خمسة أشهر أسفرت عن العديد من التطورات التي أثّرت في قرار الناخب التركي، بخاصة في ما يتعلق بالأمن والاقتصاد.

ما بعد انتخابات السابع من حزيران/ يونيو 2015

سادت تركيا ما بعد انتخابات السابع من حزيران/ يونيو فترة من عدم الوضوح والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ بسبب عدم إفراز نتائج الانتخابات حكومة حزب واحد مستقرة وإخفاق الأحزاب السياسية في تشكيل حكومة ائتلافية بينها. ومنذ أن ظهرت نتائج الانتخابات، أعلن حزبَا الحركة القومية والشعوب الديمقراطي أنهما لن يكونَا جزءًا من أيّ حكومة يشكّلها حزب العدالة والتنمية، كما أعلن الشعب الجمهوري أنه يفضل تشكيل الحكومة مع الأحزاب المعارضة، ولمّا تبين استحالة تشكيل أيّ حكومة من دون مشاركة حزب العدالة والتنمية، اشترطت هذه الأحزاب شروطًا تعجيزيةً للدخول في أيّ حكومة ائتلافية مع حزب العدالة والتنمية. وعلى الرغم من انتقادات أحزاب المعارضة الشديدة لحزب العدالة والتنمية، ولرئيس الجمهورية الذي يمثّل وحدة البلاد وسيادتها، حافظ حزب العدالة والتنمية على توازنه وأطلق محادثات جِدّيةً مع الأحزاب الممثَّلَة في البرلمان، للبحث عن إمكان تشكيل حكومة ائتلافية. ولكن باء كلّ هذا الجهد بالفشل بسبب تعنّت أحزاب المعارضة في مواقفها، والشروط التعجيزية التي اشترطتها للدخول في التحالف الحكومي مع حزب العدالة والتنمية. مرّت خمسة وأربعون يومًا من دون تشكيل الحكومة، وهي المدة التي يحددها الدستور التركي لتشكيل الحكومة بعد تكليف رئيس الجمهورية لرئيس الحزب الأول في البرلمان. وبعد المدة المحدّدة، أعاد أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي مهمّ ت تشكيل الحكومة إلى رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. وفي إثر المشاورة مع رئيس البرلمان، قرّر الرئيس أردوغان إعادة الانتخابات البرلمانية بموجب النص الدستوري المتعلّق بإجراء انتخابات عامَّة في البلاد؛ إذ تنص المادة 116 من الدستور على أنه يمكن للرئيس اتخاذ قرار إجراء انتخابات جديدة بعد التشاور مع رئيس البرلمان، في حال إخفاق الحزب المكلّف بتشكيل حكومة خلال 45 يومًا من إجراء الانتخابات البرلمانية، كما تنصّ على أنّ إعادة الانتخابات تجرى بعد مرور 90 يومًا على صدور القرار1. وبناءً على ذلك، كلّف رئيس الجمهورية زعيم الحزب الأكبر في البرلمان أحمد داود أوغلو بتشكيل حكومة انتخابات من جميع الأحزاب الممثّلة في البرلمان لتتولى شؤون البلاد إلى حين إجراء انتخابات جديدة أوّل مرة في تاريخ البلاد. رفَض كلّ من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية المشاركة بوزراء من حزبيهما، في حين وافق حزب الشعوب الديمقراطي على أن يشارك في تلك الحكومة الانتخابية الموقّتة، وجرى تعيين مستقلين بدلً من الحصة المخصصة للمعارضة، وشُكّلت الحكومة الموقّتة. وبعد قرار الرئاسة إعادة الانتخابات، انتقلت المهمة إلى الهيئة العليا للانتخابات التي تكوّنت من قضاة مستقلين للإشراف على جميع شؤون الانتخابات. وقررت الهيئة إجراء انتخابات الإعادة في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر.

دخلت تركيا الانتخابات في أجواء صعبة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وتعرضت لهجمات إرهابية انتحارية من تنظيم "داعش"، بخاصة عندما فجّر انتحاري نفسه وسط تجمّع بالقرب من حزب الشعوب الديمقراطي في بلدة سروج، ما أدَّى إلى مقتل أكثر من ثلاثين مواطنًا2.

  1. Türkiye Cumhuriyeti Anayasasi, Türkiye Büyük Millet Meclisi , at: www.tbmm.gov.tr/anayasa/anayasa82.htm
  2. Ş anlıurfa Suruç'ta büyük patlama," Hürriyet , 20/7/ 2015, at: http://www.hurriyet.com.tr/sanliurfa-suructa-buyuk-patlama-29591017

بعد ذلك، أعلن تنظيم العمال الكردستاني إنهاء اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان معمولً به منذ بدء عملية السلام الداخلي، وقام بقتل شرطيين في منزليهما، عادًّا ذلك ردًّا على العملية الإرهابية التي قام بها تنظيم داعش، كما صعّد تنظيم "جبهة الشعب الثوري" اليساري المتطرف عملياته الإرهابية ضدّ عناصر الأمن3. في ظلّ هذه التطورات دخلت تركيا في مواجهة المنظمات الإرهابية، وأطلقت حملةً أمنيةً ضدّ عناصر هذه المنظمات داخليًا وخارجيًا. وقصفت قوات الجيش التركية مواقع لتنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني "بي كا كا" في شمال سورية والعراق بالتوازي مع الحملات الأمنية داخل البلاد. وواصل تنظيم بي كا كا عملياته الإرهابية ضد عناصر الأمن والجيش؛ إذ جاوز عدد الشهداء في صفوف رجال الأمن والجيش خلال هذه الفترة  126 شخصًا4. كما واصل تنظيم داعش عملياته الإرهابية، وفقَد أكثر من 100 مواطن حياتهم في عملية انتحارية قامت بها عناصر هذا التنظيم في العاصمة التركية أنقرة في العاشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2015 5. ودخلت البلاد في فترة ركود اقتصادي، ما أدَّى إلى تراجع في النمو الاقتصادي، وتراجع في سعر الليرة التركية أمام الدولار الأميركي. وزادت هذه التطورات مؤشرات عدم الاستقرار السياسي، والتوتر المجتمعي في البلاد. ثمّ إنّ التدخل العسكري الروسي في سورية، وانتهاكات الطائرات الروسية للأجواء التركية، وفتور العلاقات مع روسيا، شكّل بأجمعه تحديات كبرى أمام مخطط تركيا في إقامة مناطق آمنة في ريف حلب لحماية حدودها وحماية المدنيين السوريين في تلك المناطق، وقد وضعت هذه التحديات السياسة الخارجية للبلاد على المحك.

نتائج الانتخابات

حقّق حزب العدالة والتنمية في انتخابات الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر انتصارًا من أكبر انتصاراته الانتخابية منذ عام 2002. فقد حصل على ٥.٩٤٪، و 317 مقعدًا من إجمالي 550 من مقاعد البرلمان التركي، وحصل على 23.7 مليون صوت من إجمالي 48 مليون صوت، وهي أعلى نسبة يحصل عليها الحزب في تاريخ الجمهورية التركية. وهكذا، حصل الحزب على صوت من كلّ صوتين من الأصوات؛ وذلك وفقًا لنتائج الانتخابات غير الرسمية.

هذه هي الانتخابات البرلمانية الرابعة التي يفوز بها الحزب على نحو متتالٍ. وعلى الرغم من هذا النجاح الباهر والنسبة العالية من الأصوات، فإنّ الحزب لم يحصل على النسبة الكافية لتعديل الدستور بمفرده من دون اللجوء إلى استفتاء شعبي، وهي 367 مقعدًا، (أي الحصول على ثلثي المقاعد)، كما أنّه لم يحصل على النسبة التي تمكّنه من طرح تعديلات دستورية، وهي 330 مقعدًا، وهو ما يقتضي البحث عن توافق سياسي لطرح أيّ تعديلات دستورية لإقامة النظام الرئاسي بدلً من النظام البرلماني. وبهذه النتائج، عاد حزب العدالة والتنمية إلى عهد تفرّده بحكم البلاد من جديد. كان الخاسر الأكبر في انتخابات الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، الأحزاب القومية بشقّيها التركي والكردي، أي حزب الحركة القومية (بزعامة دولت باهتشلي)؛ إذ تراجعت أصواته من ٣.٦١% إلى ٩.١١٪، وفقد نصف مقاعده ليتحول إلى المرتبة الرابعة التي هي المرتبة الأخيرة في المقاعد البرلمانية. أمّا الخاسر الثاني، فهو حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي"؛ إذ تراجعت أصواته من ٣.٣١ إلى ٧.٠١٪، وتراجعت عدد مقاعده البرلمانية من 80 إلى 59 نائبًا، متجاوزًا عتبة ال 10% المطلوبة لدخوله البرلمان بنسبة ٧.٠٪ فقط.

  1. PKK ve HDP Çözüm Süreci'ni böyle bitirdi," karar , 18/8/2015, at: http://www.karar.com/gundem-haberleri/pkk-ve-hdp-cozum-surecini- boyle-bitirdi
  2. 80 günde kaç PKK'lı öldürüldü kaç ş ehit verdik?, Haber , 24/9/2015, at: http://www.internethaber.com/80-gunde-kac-pkkli-olduruldu-kac-sehit- verdik-815666h.htm
  3. Son Dakika Haberi: Ankara'da patlamada son rakam açıklandı!," Milliyet , 10/10/2015, at: http://www.milliyet.com.tr/ankara-da-patlama-95-kisi-oldu- gundem-2129787/ المصدر: "مقارنة بين نتائج الانتخابات البرلمانية التركية. ".. الجدول 1()نتائج لانتخابات البرلمانية التركية عام  2015 بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية المصدر: "مقارنة بين نتائج الانتخابات البرلمانية التركية في 1 نوفمبر و 7 حزيران"، ديلي صباح، 2015/4/11، انظر: http://www.dailysabah.com/arabic/politics/2015/11/04/results-of-the-turkish-elections-in-7-jun-and-1-nov-2015 الجدول 2()نتائج لانتخابات البرلمانية التركية عام 2015 بالنسبة إلى حزب الحركة القومية المصدر: "مقارنة بين نتائج الانتخابات البرلمانية التركية. ".. الجدول 3()نتائج لانتخابات البرلمانية التركية عام 2015 بالنسبة إلى حزب الشعوب الديمقراطي الجدول 3()نتائج لانتخابات البرلمانية التركية عام 2015 بالنسبة إلى حزب الشعب الجمهوري المصدر: "مقارنة بين نتائج الانتخابات البرلمانية التركية. "..
تاريخ لانتخاباتنسبة الأصواتعدد الأصواتعدد المقاعد في البرلمان
7 حزيران/ يونيو 2015٧٨.٠٤٪18,864,864258
1 تشرين الثاني/ نوفمبر2015٩٤.٩٤٪23,673,541317
تاريخ لانتخاباتنسبة الأصواتعدد الأصواتعدد المقاعد في البرلمان
7 حزيران/ يونيو 2015٩٢.٦١٪7,519,16880
1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015٩.١١٪5,691,73740
تاريخ لانتخاباتنسبة الأصواتعدد الأصواتعدد المقاعد في البرلمان
7 حزيران/ يونيو 2015٢١.٣١٪6,057,50680
1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015٦٧.٠١٪5,145,68859
تاريخ لانتخاباتنسبة الأصواتعدد الأصواتعدد المقاعد في البرلمان
7 حزيران/ يونيو 2015٥٩.٤٢٪11,518,070132
1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015١٣.٥٢٪12,109,985134

عوامل نجاح حزب العدالة والتنمية في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2015

بعد انتخابات السابع من حزيران/ يونيو، حرص حزب العدالة والتنمية على دراسة أسباب تراجعه في هذه الانتخابات دراسةً جِدية.ً فقد عقد اجتماعات كثيرةً على جميع المستويات، وشكّل لجانًا، وقام بإجراء بحوث ودراسات واستطلاعات متعلّقة بأسباب تراجعه انتخابيًا، وبتصورات الناخبين عن الحزب، وعمل الحزب على اجتناب هذه الأخطاء، وعلى تحسين صورته لدى الشعب والناخب. ومن أهمّ الأسباب التي أدت إلى نجاح حزب العدالة والتنمية في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر: إظهار أحمد داود أوغلو قيادة قوية خلال الخمسة أشهر التي أعقبت انتخابات حزيران/ يونيو؛ إذ لم يترك هو وحزبه فراغًا حكوميًا. ثمّ إنّ أوغلو قام باتخاذ قرارات صارمة لمكافحة الإرهاب، كما قام بتسيير شؤون البلاد، وباتخاذ التدابير اللازمة تجاه التطورات الخارجية، وبثّ أجواءً من الثقة والاطمئنان لدى المواطن. تأكيد الأمن والاستقرار، وإقناع الناخب بأنّ حكومة حزب العدالة والتنمية القوية، هي وحدها القادرة على تأمين الاستقرار ومواصلة التنمية الشاملة للبلاد. إخفاق أحزاب المعارضة في إظهار تحمّل مسؤولية إدارة البلاد، فقد دفع تقدّم بعض هذه الأحزاب في الانتخابات، وإحراز بعض المقاعد البرلمانية إلى التصرف بنوع من الغرور، واللامبالاة، واتباع مواقف متطرفة أحيانًا. فعلى سبيل المثال، أعلن حزب الشعوب الديمقراطي رفضه المطلق للدخول في الحكومة الائتلافية مع حزب العدالة والتنمية، ولم يقطع ذلك الحزب صلته بتنظيم العمال الكردستاني ولم يندّد بالأعمال الإرهابية التي قام بها التنظيم الإرهابي. فدفع ذلك بعض من صوتوا له من شرائح المجتمع إلى التباعد عنه، والاقتراب من حزب العدالة والتنمية. أمّا حزب الحركة القومية - وبخاصة رئيسه دولت باهتشلي - فقد اعتمد مواقف سلبيةً، ولم ينطق سوى كلمة "لا"؛ إذ قال: "لا تحالفَ مع العدالة والتنمية" و"لا تعاونَ مع المعارضة" و"لا دخولَ حتى في حكومة انتخابية." فدفع ذلك شريحة اجتماعيةً واسعةً من مؤيّدي هذا الحزب إلى الميل مرةً أخرى إلى حزب العدالة والتنمية، ردًا على "لاءات" هذا الحزب، التي لم يقدّم سواها. وأمّا حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة، فقد حاول في بداية الأمر إقامة تحالف مضاد لحزب العدالة والتنمية، ولكن بعد إخفاقه في إقامة هذا التحالف اعتمد مواقف أكثر اعتدال، وحرص على التحاور مع حزب العدالة والتنمية، فانعكس ذلك عليه إيجابيًّا، وحافظ على أصواته الانتخابية.

لدى الشعب التركي ذاكرة سلبية بشأن الحكومات الائتلافية، فقد كانت دائمًا قصيرة العمر، فضلً عن أنها كانت أحد مصادر عدم الاستقرار في البلاد. إضافةً إلى أنّ ظهور بوادر الفوضى وعدم الاستقرار أثّر في قرار الناخب التركي، فصوّت من أجل استقراره ومواصلة التنمية. أظهر حزب العدالة والتنمية مرونةً ومواقف إيجابيةً وتوافقية تجاه المعارضة لتشكيل الحكومة، وإجراء محادثات جادّة من أجل ذلك. فقد شكّل لجانًا مختصةً كي يتباحث مع أحزاب المعارضة لتشكيل الحكومة. أعاد حزب العدالة والتنمية النظر في قاعدة عدم ترشيح من يكمل ثلاث فترات في البرلمان، فمكّن ذلك من إعادة قيادات الحزب من جديد إلى قوائم المرشّحين، وقد كان عدم ترشحهم من أهمّ أسباب تراجع أصوات الحزب في الانتخابات السابقة. أعاد حزب العدالة والتنمية النظر في قوائم المرشّحين وتعديل نحو نصف القوائم السابقة للحزب وترشيح مرشّحين أقرب إلى القواعد الشعبية ولديهم قبول شعبي.

اعتماد حزب العدالة والتنمية إستراتيجيةً عاقلةً ذكيةً في حملته الدعائية التي ارتكزت على أهمية الأمن والاستقرار، وتقديم وعود اقتصادية تمسّ حياة المواطن على نحوٍ مباشر، بدلً من التركيز على إنجازات الحزب السابقة والمشاريع العملاقة للدولة التركية التي مازالت قَيْدَ الإنشاء، مثل إنشاء أكبر مطار في العالم بإسطنبول، وبناء الجسر المعلق الثالث على البوسفور، وبناء محطات ذرية للطاقة، والطرق السريعة الجديدة، فضلً عن القطارات الجديدة وغيرها.. إلخ. علاوةً على ذلك، وعد الحزب بتحسين أوضاع العمال والموظفين، وأصحاب الدخل المحدود، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وزيادة رواتب المتقاعدين، والمنح الطلابية، وما إلى ذلك من الوعود الاقتصادية التي تمسّ حياة المواطن مسًّا مباشرًا، والفئات المتوسطة التي تشكّل القاعدة الشعبية العريضة من المجتمع التركي. وعلى الرغم من أنّ المعارضة أعطت وعودًا اقتصادية أكثر جاذبيةً؛ إذ وعد حزب الشعب الجمهوري، على سبيل المثال، برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1500 ليرة تركية (نحو 500 دولار أميركي)، وتقديم رواتب إضافية إلى جميع المتقاعدين، فقد وعد، حزب العدالة والتنمية، في المقابل برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1300 ليرة تركية، ورفع رواتب المتقاعدين. وقد صدّق الناخب التركي وعود حزب العدالة والتنمية، بدلً من وعود الأحزاب المعارضة الأكثر جاذبيةً. فالناخب التركي عاش إنجازات حزب العدالة والتنمية الاقتصادية، وما قدمه فعليًّا هذا الحزب طوال فترة حكمه التي امتدت ثلاثة عشر عامًا. كما أن الحزب كان أقرب إلى تشكيل الحكومة، إمّا بمفرده وإمّا بالتحالف مع أحد الأحزاب المعارضة. إضافةً إلى أنه هو وحده من يملك خطة وإستراتيجيةً لمستقبل البلاد. فكلّ هذه العوامل جعلت الناخب التركي يصدّق وعود حزب العدالة والتنمية ويفضله على الأحزاب المعارضة. توجد أسباب أخرى أدّت إلى نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة. فقد أجرت شركة أديل جور AG استطلاعًا حول أسباب التصويت لحزب العدالة والتنمية وكانت النتائج كما يلي: ٣.٠٧٪ من نسبة المشاركين في الاستطلاع أرجعت ذلك إلى نجاحه في تقديم الخدمات. ٣.٧٣٪ صوتوا من أجل الرئيس أردوغان. ٧٣٪ رأوا فيه ضمانًا لتحقيق الاستقرار. ٦.٥٢٪ صوتوا من أجل المبادئ الفكرية للحزب. ٨١٪ دعموا الحزب لاحتضانه الشعب بمختلف أطيافه6. وبذلك تكون الخدمات التي يقدمها الحزب منذ تولّيه الحكم عام 2002، والرئيس رجب طيب أردوغان، والرغبة في استمرار الاستقرار، هي العوامل الرئيسة لنجاح حزب العدالة والتنمية في العودة إلى سدّة الحكم منفردًا.

التداعيات الداخلية والخارجية للانتخابات

إنّ السؤال المطروح حاليًّا، هو: ما مدى تأثير نتيجة الانتخابات في السياستين الداخلية والخارجية بالنسبة إلى تركيا؟

التداعيات على الصعيد الداخلي

بعد فترة من عدم الاستقرار دامت خمسة أشهر، سرعان ما أثّرت النتائج البرلمانية الأخيرة إيجابيًّا في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما أنّ المعارضة أقرّت بنتائج الانتخابات واعترفت بهزيمتها وبفوز حزب العدالة والتنمية، وبدأت تناقش أسباب خسارتها. ستسفر نتائج الانتخابات عن حكومة حزب واحد قوية ومستقرة لديها خبرة ونشاط، ولديها خطط وإستراتيجية لمستقبل البلاد، وخلفها الإرادة الشعبية القوية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وستُشكّل الحكومة خلال الأيام القريبة المقبلة، وتنطلق ببرنامج قصير المدى للمئة يوم المقبلة، وبرامج متوسطة المدى للخمسمئة يوم المقبلة، لمواجهة التحديات الأمنية، والركود الاقتصادي، ولإطلاق إصلاحات جديدة تشمل الإصلاحات السياسية والاقتصادية واستكمال المصالحة الداخلية. وفي ما يلي أهمّ ملامح السياسة الداخلية لحزب العدالة والتنمية بعد نجاحه في الانتخابات التي تمّت في الفترة الأخيرة: إجراء حملة جِدّية للإسراع في وتيرة التنمية الاقتصادية: لدى الحزب خطة لحزمة إصلاحات اقتصادية، ولإطلاق ثورة في الإنتاج، ونقلة في نوعية الإنتاج، والانتقال إلى الإنتاج التكنولوجي. كما أن وعود الحزب الاقتصادية تهدف إلى تأمين العدالة الاجتماعية وتحقيق رفاهية الشرائح المجتمعية الواسعة.

  1. Adil Gür ba ş arının sırrını açıklayarak noktayı koydu: 'Erdo ğ an olmazsa AK Parti ANAP ve DYP gibi olur' V İ DEO," Superhaber.tv, 5/11/2015, at: http://superhaber.tv/adil-gur-basarinin-sirrini-aciklayarak-noktayi-koydu- erdogan-olmazsa-ak-parti-anap-dyp-gibi-olur

استكمال المصالحة الداخلية: أطلقت حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان قبل سنتين عملية إحلال السلام الداخلي، وكان أهمّ بند من بنود هذه العملية وقف إطلاق النار، وانسحاب عناصر تنظيم العمال الكردستاني من الأراضي التركية، والتخلّ عن العمل المسلح، مقابل إصلاحات سياسية وثقافية تلغي جميع القيود على المواطنين الأكراد، وتمكّنهم من مباشرة جميع حقوقهم. إضافةً إلى العفو العام عن عناصر التنظيم ممّن لم تُلطّخ أيديهم بدماء الشعب التركي. في هذا الإطار أطلقت الحكومة التركية حزم إصلاحات كثيرة رفعت المستوى الديمقراطي في البلاد بصفة عامّة استفاد منها الأكراد، وألغت جميع السياسات التي كانت تُنكر الهوية الكردية، ولكن في المقابل لم يسحب التنظيم الإرهابي عناصره من داخل البلاد وعاد من جديد إلى نهجه الإرهابي، بذريعة قيام تنظيم داعش بعمليات إرهابية داخل البلاد ضدّ أنصاره. ويحرص حزب العدالة والتنمية على التفريق بين مشكلات المواطنين الأكراد ومطالبهم من جهة، والإرهاب الذي يقوم به تنظيم العمال الكردستاني الإرهابي من جهة أخرى، مؤكدًا إصراره على مكافحة الإرهاب والحفاظ على كلّ ما يتعلق بأمن البلاد والمواطن؛ وذلك ضمن استمرار الجهد الساعي لحلّ مشكلات المواطنين الأكراد، في إطار عملية السلام وفي إطار ديمقراطي. التعديل الدستوري والنظام الرئاسي: أعرب الحزب عن نيته صَوْغ دستور جديد للبلاد يتواءم مع وضعها الحاليّ ورؤيتها المستقبلية، بما في ذلك تعديل النظام الإداري من البرلماني إلى الرئاسي، ولكنه لم يطرح هذا الموضوع في ميادين الانتخابات بقوَّة، لأنّ تعديل الدستور يحتاج إلى التوافق، وفي الفترة المقبلة سيبحث الحزب عن توافق من أجل صَوْغ دستور جديد؛ ذلك أنّ التوافق ضروري لتخفيف الاستقطاب السياسي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مبادئ الديمقراطية.

التداعيات على الصعيد الخارجي

لا شك في أنّ تركيا أضحت بعد الانتخابات أقوى كثيرًا ممّ كانت عليه من قبلُ، نظرًا إلى الفترة التي سبقت الانتخابات. فهي تستطيع الآن البحث في المزيد من الخيارات، وسيكون لديها المجال للمناورة وللتحدي مدعومةً بشرعيّة داخلية. ومن المتوقع أن يؤدِّي ذلك إلى مزيد من التعاون الإقليمي مع عدد من الدول في طليعتها المملكة العربية السعودية وقطر، ولا شك في أنّ موقع هذه الدول سيكون أفضل في الأزمة السورية بعد هذه النتائج. وتواجه حكومة حزب العدالة والتنمية في الفترة المقبلة عددًا من القضايا المهمّة على مستوى السياسة الخارجية، منها: الأزمة السورية، والتحديات التي تشكّلها المنظمات الإرهابية على حدودها الجنوبية، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ففي ما يتعلق بالأزمة السورية، سيستمرّ الموقف التركي تجاه القضية السورية المتمثّل بالمطالبة برحيل الأسد، ودعم تنظيمات المعارضة. وفي ما يتعلق بمسألة التحديات الأمنية تجاه المنظمات الإرهابية على حدود تركيا الجنوبية مع سورية والعراق، فإنّ تركيا عازمة على إنهاء هذا الخطر ومنع قيام كيان كردي تابع لحزب الاتحاد الديمقراطي"البي يي دي" في سورية، فرع العمال الكردستاني الإرهابي في تركيا. كما أنّ تركيا ستقوم بعملية عسكرية لاستبعاد خطر داعش عن حدودها، وستسعى لإقامة مناطق آمنة في ريف حلب من أجل حماية حياة المدنيين السوريين واستقبال اللاجئين الجُدد. وأمّا بخصوص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإنّها ستجدد طلبها في هذا الشأن، ومن المنتظر أن تشهد الفترة المقبلة تطورات إيجابية في هذا الصدد، ولا سيما بعد الاتفاق مع الجانب الأوروبي حول أزمة اللاجئين.

خاتمة

تجدر الإشارة إلى عدّة ملاحظات بشأن هذه الانتخابات البرلمانية التي جريت مؤخرًا، هي أ: المشاركة العالية في الانتخابات التي وصلت إلى نسبة 88%، وهي علامة مؤكِّدة لحيويّة الديمقراطية التركية ورسوخها. عبّ ت الانتخابات عن أهمية قرار الناخب في العملية الانتخابية، ومدى قوّته وتأثيره في حكم البلاد. أكّدت الانتخابات الحنكة السياسية للناخب التركي الذي أعلى من قيمة استقرار البلاد، بعيدًا من أيّ صراعات حزبية. عكست هذه الانتخابات أهمية الاحتكام إلى صناديق إنهاء الصراع السياسي. أعطت تركيا درسًا للجميع بشأن أهمية احترام إرادة الشعب من خلال صناديق الاقتراع، بعيدًا من العنف والتخريب والانقلابات. في النهاية، الرابح الأكبر في هذه الانتخابات هو الشعب التركي كما أكّد ذلك أحمد داود أوغلو رئيس الحزب الفائز.