مراجعة كتاب لماذا تفشل الأمم؟
عنوان الكتاب: لماذا تفشل الأمم: منشأ القوة والازدهار والفقر تأليف: دارغون أسيموغلو، وجيمس أ. روبنسن
الملخص
الناشر: Crown، الولايات المتحدة الأميركية سنة النشر:.2012
يصف المؤلِفان الكتاب بأنَّه محاولة لفهم الاختلاف في الثراء والفقر بين الدُّول وتفسيره. ويقدمان نظرية جديدة في تفسير فشل الدُّول أو تقدمها، تقوم على المؤسسيّة التي تعمل الدَّولة وفقها، ويستبعدان النَّظريَّات التي تعزو التَّطوُّر والنُّمو إلى الجغرافيا أو المناخ أو الموارد الطبيعيَّة أو الثَّقافة أو دور الطَّليعة (النُّخبة)؛ وهي نظريات شائعة ويستخدمها عدد كبير من السِّياسييّن والمفكرين. يحاول الكتاب الإجابة عن مجموعة أسئلة مفتاحية، مثل: هل يمكن نشر الرَّفاهية في العالم؟ ولماذا تفشل الدُّول في الوقت الحاضر؟ ولماذا تفشل معظم محاولات مكافحة الفقر؟ كيف خطَت أوروبا خطوات حاسمة وجوهرية باتجاه المؤسسيّة الشَّاملة؟ وكيف ظهرت المؤسسات المتقدمة حول التِّجارة العالمية وبخاصة عبر الأطلسي؟ كيف استمرت هذه المؤسسات بالعمل؟ وكيف أسست للثَّورة الصِّناعيّة؟ كيف قاومت أنظمة الحكم المطلق التكنولوجيا الجديدة التي أطلقتها الثَّورة الصِّناعيّة؟ ولماذا؟ كيف أخرج الأوروبيون البلاد التي احتلوها من دائرة التَّقدُّم والمؤسسيّة؟ كيف يعمل قانون الإغلاق والاحتكار في الأنظمة الأوليغاركية لتكريس الاستخراجيَّة extractive وحماية ومنع الثَّورة الصِّناعيّة من التأثير والانتشار؟ لماذا لم تنتشر الصِّناعات والتِّكنولوجيا الجديدة في أماكن كثيرة في العالم؟ ولماذا لم تتحقق الدَّولة المركزية؟
فهم الازدهار والفقر
هناك فروق كبيرة في مستويات المعيشة في جميع أنحاء العالم؛ حتى إنَّ أفقر مواطني الولايات المتحدة يجدون فُرصًا في الرِّعاية الصِّحية والتَّعليم والخدمات، ففرصهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة أفضل بكثير من فئات واسعة في أفريقيا جنوب الصَّحراء، وجنوب آسيا، والقارة الأميركية. وعلى الرغم من أنّ التَّمييز بين كوريا الشِمّالية وكوريا الجنوبية قبل الحرب العالمية الثَّانية لم يكن ممكنًا، فإنهما مختلفان تمامًا عن بعضهما اليوم. وقد حدث في المئة سنة الماضية تطورات أنشأت فجوة واسعة بين دول العالم وأقاليمه، أكثرها وضوحًا وصدمة الفرق بين أوروبا والولايات المتحدة واليابان من جهة، وبين العالم الثَّالث من جهة أخرى، فقد أنشأت الثَّورة الصِّناعيّة - التي بدأت في القرن الثامن عشر في بريطانيا ثم انتشرت في أوروبا وشمال أميركا وأستراليا - عالمًا جديدًا مُختلِفًا. ومن أجل تفسير ذلك، قدَّم الكتاب نظريَّة لتوضيح المعالم الرئيسة للتَّنمية الاقتصاديّة والسِّياسيّة في العالم منذ أقدم العصور، وتلخص النَّظريَّة التَّقدُّم والفشل في طبيعة المؤسسات الاقتصاديّة والسِّياسيّة القائمة؛ سواء أكانت "استخراجيَّة" تعود بالفائدة على فئة قليلة في المجتمع، أم "شاملة" تنهض بمستوى المعيشة والخدمات والفرص الاقتصاديّة والاجتماعيّة لجميع المواطنين. في المستوى الثاني من التَّفسير يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال: لماذا ظهرت المؤسسات الشَّاملة في بعض أجزاء العالم وليس في غيرها؟ فنظريَّة الكتاب تقوم على التَّفسير المؤسسيّ للتَّاريخ، ثم كيف تشكَّلت المؤسسات تاريخيًّا وما مسارها؟ والفكرة الأساسية للكتاب هي العلاقة بين شمولية المؤسسات السِّياسيّة والاقتصاديّة وبين الازدهار. المؤسسات "الشَّاملة" inclusive هي التي تحمي حقوق الملكيَّة وتكافؤ الفرص وتشجيع الاستث رااات والتقنيات والمهارات الجديدة الملائمة للتطور الاقتصاديّ والسِّياسيّ، وتقابلها المؤسسات "الاستخراجيَّة" extractive وهي التي تفشل في حماية الحقوق وتقديم الحوافز للنَّشاط الاقتصاديّ. وفي المؤسسات الشَّاملة يجري تداول السُّلطة السِّياسيّة، سلميًّا ويشارك في صوغها جميع المواطنين، ويطبَّق القانون بعدالة وشمول بلا استثناء، ويسود اقتصاد السُّوق الشَّاملة، وفي المؤسسات الاستخراجيَّة تتركز السُّلطة بيد فئة قليلة، وتُدار الحوافز والفرص لمصلحة هذه الفئة فقط، وإذا حدث نمو اقتصاديّ فلا يستفيد منه أغلب المواطنين. يتطلب النُّمو الاقتصاديّ المستدام ابتكارًا وإبداعًا في الأعمال والموارد. وبطبيعة الحال، فإنَّ ذلك يقتضي إلغاء الموارد والوسائل القديمة التي تتحول إلى عبء اقتصاديّ واجتماعي واستبدالها. ويقابل ذلك مقاومة شرسة للتغيير والإبداع من الأنظمة والمؤسسات الاستخراجيَّة، ولو أدى ذلك إلى الفوضى وغياب الاستقرار. وفي حين تنشئ "الاستخراجيَّة" متوالية من الفشل، فإنَّ "الشُّموليَّة" تنشئ متوالية من النَّجاح والازدهار، ولكنها متواليات يمكن أن تُكس أو تُوقَف في سياق التَّحوُلّات الممكن حدوثها أو بسبب أحداث كبرى تغيِّ العالم، مثل الثَّورة الصِّناعيّة، وقبلها خطوط الملاحة عبر البحار والمحيطات، والكشوف الجغرافية وما تبعها، أو الأوبئة - مثل الطاعون - التي كانت تقضي على نسبة كبيرة من السكان. جرت في أثناء الصِّاعات الدَّاخليَّة والخارجيَّة استجابات وتفاعلات مختلفة، أنشأت فروقًا بين الدُّول والمجتمعات، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في تاريخ بريطانيا وفرنسا وإسبانيا. قد يبدو ذلك محيِّ ا أو ردًّا على نظرية التَّفسير المؤسسيّ للتَّاريخ، ولكن ملاحظة الاختلافات
السِّياسيّة والثَّقافية في إدارة الأحداث والمؤسسات تُبيِّ كيف جرت الاختلافات وتشكَّلت متواليات النَّجاح والفشل. فقد طوَّر المستوطنون الأوروبيون في القارة الأميركيَّة أساليب في الحكم والصِّاع أنشأت دولً ناجحة وأخرى فاشلة، وفي مقاومة المستعمرين واقتباس تجاربهم تلاشت إمبراطوريات راسخة مثل اليابان والصِيّن، والإنكا في القارة الأميركية. وفق التَّفسير المؤسسيّ، فإنَّ أوروبا والولايات المتحدة سوف تواصلان في القرن القادم نموهما الاقتصاديّ الشَّامل، وتواصلان أيضًا تفوقهما على غيرهما من الدّول والأقاليم، ولكنْ ثمة فرص للدُّول التي تبدو اليوم فاشلة أن تكسِ القالب وتنتقل من الفشل إلى النَّجاح. وقد يكون مفاجئًا وفق هذه النَّظريَّة أنَّ الصِيّن – على الرغم من تقدمها الاقتصاديّ الحاضر - لن تستطيع مواصلة ذلك بسبب طبيعتها الاستخراجيَّة والتي ستعرِّض مؤسساتها الاقتصاديّة للفشل وعدم الاستقرار، في المقابل فإنَّ كوبا تبدو مرشحة للتَّحول إلى الشُّموليَّة في مؤسساتها وأنظمتها السِّياسيّة والاقتصاديّة. يتوقَّف الكتاب طويلً عند التَّجربة الصِّينية وقدرة الصِيّن على النُّمو في ظل التَّسلُّط السِّياسيّ! فقد خطت الصِيّن خطوات واسعة في تطوير الاقتصاد واجتذاب الاستثمارات وإنشاء البنى التحتيَّة والمرافق الملائمة للتَّطور الاقتصاديّ. ولكنّ هذا لا يعني أنَّ الصِيّن سوف تظلُّ قادرة النمو المستدام. قد يبدو من الصَّعب تقييم كيف يتحقَّق الازدهار والفشل وتقديره؛ فالوفرة المالية المتأتيَّة خارج الأسواق والإنتاج (الاقتصاد الريعي)، بعامة تنشئ أمراضًا اقتصاديّة تهدر الفرص المصاحبة للوفرة، ولكنَّها يمكن أن تقدِّم أيضًا مجالً لتحسين مستوى التَّعليم والخدمات والتَّدريب؛ ما ينشئ أسواقًا جديدة مهمة. ولا يمكن أيضًا تقديم توصيات موحدَة للمجتمعات والأسواق؛ فكل مجتمعٍ مستقل بذاته، والمهم أن تدير المجتمعات مواردها على النحو الذي يعود بتحسين الحياة على جميع المواطنين، وألَّ تحتكر الموارد والنُّفوذ فئة قليلة من النَّاس؛ ففي غياب العدالة والدِيّمُقراطيّة في إدارة الموارد وتنظيمها تتشكَّل متوالية من الفشل تبدأ بالاستبداد ثم الفساد ثم الفوضى، وغياب الأمن والاستقرار. وليس مؤكدًا أيضًا أنَّ التَّخطيط السَّليم يؤدي إلى النَّتائج المرغوب فيها؛ ففي تفاعل المراحل والظُّروف والاستجابات تتشكَّل احتمالات عدة للنَّتائج. يعرض المؤلِفان حالة دول متشابهة جغرافيًا لكنَّها متفاوِتة اقتصاديّا، مثل الفَرق الاقتصاديّ بين الكوريَّتين الشِمّالية والجنوبية على الرغم من التَمّاثل الجغرافي والثَّقافي واللُّغوي والعرقي بين الدَّولتين. إن تفسير ذلك يبدو بديهيًّا، وهو الاختلاف في النِّظام السِّياسيّ، إذ يحفز النِّظام السِّياسيّ في كوريا الجنوبية الإبداع والمبادرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والعكس في كوريا الشِمّالية، حيث يقوم النظام السِّياسي على الاستبداد والقمع. وتحت عنوان "نظريات لا تعمل" يقول المؤلِفان: الدّول الفقيرة هي فقيرة ليس بسبب طبيعتها الجغرافية ولا يعود ذلك إلى الثَّقافة أو لأنّ قادتها لا يدركون السِّياسات الصحيحة التي تجعل دولهم ثرية؛ فذلك لا يفسر على سبيل المثال كيف أصبحت دولة محدودة الموارد مثل بوتسوانا من أسرع الدّول في النُّمو الاقتصاديّ. ويربط المؤلِفان مستوى الفقر والثراء بالحوافز التي تنشئها المؤسسات وبتحديد سِّياسة الدولة لهذه المؤسسات. وفي "استقراء التَّاريخ" يعرِض المؤلِفان كيف شكل التَّاريخ السِّياسة، وكيف تغيَّ ت المؤسسات من خلال الصِّاع، ويؤكدان على فشل الدّول "الاستخراجيَّة" حتى لو بدت اليوم ناجحة، مستشهدين بالمثال الأكثر حضورًا وهو انهيار الاتِّحاد السُّوفياتيّ والشُّيوعيّة وفشلهما في تحقيق التَّقدُّم الاقتصاديّ والاجتماعي. ويعرِض الكتاب تطوُّر المؤسسات عبر الزَّمن، وما أصابها من انحراف أو تطوير يؤثِّر في النُّمو والإبداع، ويخصُّ الكتاب ثورة 1688 في إنكلترا باهتمام خاص بوصفها "نقطة التَّحوُّل" التي غيَّ ت النُّخب الحاكمة، وطريقة عمل السِّياسة، وفتحت المجال للثَّورة الصِّناعيّة. ثمَّ يَعرِض ب للصِّناعة كيف قاومت كثير من القوى السِّياسيّة التَّطوُّر المصاح، وما مارسه الاستعمار الأوروبي على العالم من استغلال وإفقار.
الفكرة المنشئة: شركات وقروض
فتحت الثَّورة الصِّناعيّة - القائمة على الآلة البخاريَّة وما حولها وما نشأ عنها - المجال لتقنيات وأفكار جديدة ومهمة في الصِّناعة والنَّقل والحياة، مثل صناعة النَّسيج والأقمشة والسُّفن البخاريَّة والقطارات وغيرها. وقامت شركات كبيرة وصغيرة وبنوك لتمويل البناء وتمويل المشروعات الجديدة، ونشأت بطبيعة الحال طبقة جديدة من رجال الأعمال وأصحاب المهنِّ المُتقدِّمة والح رف، وسرعان ما طُبِّقت الأفكار والمبادرات الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية، وشُ عت قوانين حماية الملكيَّة الفكريَّة وبراءات الاختراع، وتنظيم الاقتصاد الجديد.
حققت الدُّول والمجتمعات التي التقطت التَّحوُلّات الجديدة واستوعبتها واستجابت لها اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيَّا تقدُّمًا وازدهارًا. وبطبيعة الحال، فإنَّ العكس صحيحٌ أيضًا. في الولايات المتحدة على سبيل المثال نشأت مصارف متقدِّمة ومنتشرة في جميع الأنحاء، وقادت هذه الصِّناعة المصرفية شبكة واسعة من الأعمال والمشروعات الاقتصاديّة والصِّناعيّة والزِّراعيّة. في الوقت نفسه، سُنَّت تشريعات لتنظيم العمل المصرفيّ والامتيازات والاحتكارات، ويمكن هنا ملاحظة العلاقة بين العدالة والإبداع في التَشّريعات، وبين الحالة الاقتصاديّة والسِّياسيّة؛ فالتَشّريعات التي تُكرِّس الهيمنة والاحتكار تُنشئ دكتاتورية سياسية وتُغيِّب عدالة التَّوزيع والمنافع من الثَّ وة والوفرة إن تحقَّقت. الازدهار الذي حدث منذ منتصف القرن التاسع عشر، وقادته الثَّورة الصِّناعيّة، أنشأ اقتصادًا عالميًّا جديدًا وتجارة دوليَّة واسعة، ولكن في دول أميركا اللَّ تينية استخدمت الفرص الجديدة لتعزيز الامتيازات والاحتكارات والهيمنة، وواصلت النُّخب الجديدة اضطهاد الشُّعوب الأصليَّة وتهميشها وإخضاعها للسُّخرة، وإجبار عدد كبير من أفرادها على العمل في المزارع والمناجم بعيدًا عن مواطنهم الأصليَّة. فدخلت تلك الدّول في حالة عدم استقرار وحروب أهلية وانقلابات عسكرية وصراعات عسكرية طاحنة بينها، فاجتمعت عليها الدكتاتورية والفقر والفساد والفشل، وقُتِل عشرات الآلاف، واعتُقِل مئات الآلاف من المواطنين في سجون الانقلابات والدِّكتاتوريات.
المؤسسات الاقتصاديَّة الاستخراجيَّة والمؤسسات الش املة
تختلف الدّول في ما بينها في النَّجاح الاقتصاديّ تبعًا لمؤسساتها وتأثيرها في الاقتصاد والأعمال والحوافز. ولنتخيل – يقترح المؤلِفان - ما يتوقعه المراهقون في حياتهم في كوريا الشِمّالية والجنوبية، إنَّها توقعات يحكمها التَّعليم ونوعيته، والأسواق والفرص الواعدة، والمهارات التي يحتاجون إليها. ففي كوريا الجنوبية يبني الشباب توقعاتهم على سوق قائم على الملكيَّة الخاصة والتنافس، وفرص تحسين معيشتهم وحصولهم على المنازل والسَّيارات والرِّعاية الصِّحية. أمَّا في كوريا الشِمّالية، فإنَّ الخيارات محدودة ومحددة أيضًا، وبطبيعة الحال إنَّها توقعات تعكس المستوى الاقتصاديّ والمعيشيّ والاهتمام بالمستقبل. إنّ حقوق الملكيَّة الخاصة هي الركيزة في الدّولة الشَّاملة والمحرك للاستثمار وزيادة الإنتاجيِّة، وبغير هذه الملكيَّة فإنَّ رجال الأعمال والموهوبين والمتفوقين يشعرون أنهم يُسَْقون، ولن تتشكَّل حوافز للاستثمار والعمل والإنتاج والابتكار.
محركات الازدهار
تشجِّع المؤسسات الشَّاملة حريَّة الأسواق التي تضمن الإبداع وتنمية المواهب، وتفتح المجال للتَّنافس الذي يجعل البقاء للأفضل، وتمهِّد الطريق للازدهار بتوفير التَّعليم والتِّكنولوجيا. وبالنَّظر اليوم إلى سلسلة الاختراعات والتَّحسينات التي أدخلها الموهوبون والمبادرون الى الحياة مثل الكهرباء والأجهزة والسَّيارات والرُّوبوتات والأدوية، يمكن ملاحظة إلى أي مدى أسهمت المؤسسات الشَّاملة في تحسين الحياة. وهنا يكمن التساؤل الذي يحمل الإجابة في الوقت نفسه، لماذا كان توماس أديسون أميركيًا ولم يكن مكسيكيًا؟ ولماذا كانت شركة سامسونغ كورية جنوبية وليست شمالية؟ يمكن الرَّبط ببساطة بين انخفاض مستوى التَّعليم وبين المستوى الاقتصاديّ وكفاءة المؤسسات، فالأسواق الفاشلة والمحدودة تؤدي أيضًا إلى فشل في بناء المواهب واستقطابها، ومن الواضح أنَّ هناك علاقة وثيقة بين التَّعددية والمؤسسات الاقتصاديّة الشَّاملة. في المقابل، تعمل المؤسسات السِّياسيّة "الاستخراجيَّة" لمصلحة فئة محدودة، وتقيم الحواجز وتقمع أداء السُّوق والمجتمعات، فنظام العبودية والسُّخرة على سبيل المثال كانت تحميه مؤسسات سياسيَّة قمعيَّة. واليوم، فإنَّ الحالة نفسها أو قريبًا منها يمكن ملاحظتها في أداء النُّخب الفئوية والمهيمنة في أنحاء واسعة من العالم الذين تتشكَّل مصالحها حول الواقع الفاسد وتحميه.
نحو نظريَّة لعدم المساواة في العالم
ثمة عالم غير متكافئ، ففي البلدان الغنيَّة يتمتَّع المواطنون بدخل مرتفع ومستوى متقدِّم من المعيشة والخدمات: الرِّعاية الصِّحيَّة والتَّعليم وفرص العيش لحياة أطول، والمياه النَّظيفة والكهرباء والتَّفيه والطُّرق، وسيادة القانون والمشاركة في انتخاب ممثِّليهم في البرلمان والحكم المحليّ. ولكنَّ ذلك حلم بعيد المنال في الدُّول الفقيرة؛ فالمواطنون لا يجدون فرص الحصول على الخدمات نفسها التي تزيد
فرصهم في التَّقدُّم، مثل الإنترنت والتلفزيون. وفي ظل هذا التَّفاوت، ينشأ الاستياء والشعور بالظُّلم. فالتَّقدُّم والازدهار ينشآن في بيئة من المعرفة والاستخدام المتراكم للتقنية والسِّلع والمنتجات المختلفة؛ ما ينشئ أفكارًا خلاقة جديدة، وفي ظل العدالة والرضا تتشكل الحوافز وتقلُّ العوائق أيضًا أمام المبادرات والمتفوقين والموهوبين، ويكون دور الدَّولة في إطلاق هذا الإبداع وتطويره بترسيخ الدِيّمُقراطيّة والعدالة والتَشّريعات الاقتصاديّة الملائمة لتنظيم الأعمال والمِلكيَّة. ولكنَّ الدستور والقوانين الدِيّمُقراطيّة لا تكفي إذا لم تتحول إلى واقع، ولم يجر توزيع السُّلطة السِّياسيّة بشكل عادل وملائم، ولم تُ كّن المجموعات المختلفة من المشاركة لتحقيق أهدافها ومصالحها. يشير المؤلِفان هنا إلى دور الشَّكات التي بدأت في الظهور والانتشار منذ القرن السابع عشر، وهي مثال جيد للتَّفاعل بين المؤسسات السِّياسيّة والاقتصاديّة، ومتوالياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والتي لم يكن بعضها ناجحًا، فذلك النَّجاح يعتمد على التَّفاعل والعلاقات الصحيحة والإيجابيَّة بين المؤسسات، ولكن في المحصلة تشكَّلت مؤسسات تبدو اليوم مستمرة وعميقة الجذور! لماذا تبدو عملية القضاء على عدم المساواة وتحويل البلدان الفقيرة إلى مزدهرة صعبة؟ يجيب المؤلِفان بأنَّها ليست عملية تلقائيَّة، ولكن يجب أن يتحمَّس المجتمع للتغيير ويُلزِم القيادات والنُّخب السِّياسيّة والاقتصاديّة في هذا الاتجاه، فلا تعكس القوانين مصالح أقليات مهيمنة على الاقتصاد والسِّياسة. يرجِّح الكتاب أن يستمر النُّمو الاقتصاديّ في الصِيّن لفترة قادمة من الزمان ولكنه لن يتحوَّل إلى نمو مستدام، فلا يمكن الثِّقة بالنُّمو الاقتصاديّ الجاري في ظل أنظمة استبدادية، وهو الأمر نفسه في روسيا. وعلى الرغم من اعتراف المؤسسات الدّولية مثل صندوق النقد الدّولي بأهمية الشُّموليَّة في المؤسسات، فإنَّها تركِّز على مجموعة من السِّياسات لأجل تحسين النُّمو الاقتصاديّ؛ مثل رفع كفاءة الخدمات وتحسين أداء الدُّول ومكافحة الفساد، ولكنَّها تُطبَّق أو تُفرَض بغطرسة على الدّول؛ ما يجعلها غير مجدية، أو أنَّها تنفذ بطريقة غير صحيحة، فيجري تنفيذ كثير من السِّياسات على نحو ظاهريّ أو شكليّ. وقد أنشأت هذه الإجراءات الشَّكلية حالة من عدم اليقين وعدم الثَّقة، وعدم الاستقرار، وقد مهَّد ذلك لنظريَّة استقلالية البنوك المركزيَّة لأجل مقاومة الضغوط السِّياسيّة وتغطيَّة التَّضخُّم. لقد استجاب روبرت موغابي رئيس زيمبابوي لهذه النَّصيحة الدُّولية فأعلن في عام 1995 إنشاء بنك مستقل، وقبل ذلك كان التضخم حوالي 20 في المئة، ولكنه ارتفع في عام 2002 إلى 140 في المئة، وفي العام التالي ارتفع إلى 600 في المئة، ثم تضاعف أضعافًا كثيرة. ولكن في بلد يفوز رئيسه في "اليانصيب"، فإنه لا يمكن الثِّقة بقانون أو سياسة تُطبَّق فيه، ولا يمكن لبنكه المركزيّ أن يكون مستقل. وفي سيراليون سقط محافظ البنك المركزي الذي كان على خلاف مع الرئيس سياكا ستيفنز عن سطح مبنى البنك منتحرًا كما قيل! وعلى الرغم من أنَّه لم يعدْ بإمكان القادة السِّياسييّن في الأرجنتين وكولومبيا طباعة النُّقود من غير غطاء بعد استقلال البنوك المركزية فيهما منذ عام 1990، فقد توسعوا في الإنفاق الحكومي المموّل بالاقتراض، ومُرِّرت في ظل هذه السِّياسة عمليات فساد كبرى لمكافأة المسؤولين وأنصارهم. ومن الحلول الأخرى التي قُدِّمت لمواجهة الفشل الاقتصاديّ، تحسين أنظمة التَّعليم والرِّعاية الصِّحية وطرق تنظيم الأسواق. قد يبدو ذلك صحيحًا ومنطقيًّا ولكن في ظل تجاهل الفقر وأسبابه، فإنَّ هذه الأنظمة لن تعمل جيدًا، ففي هذا التَّدخُّل القسريّ أو الهندسي لتحسين التَّعليم والصِّحة تتعرض الأنظمة لعدم الثِّقة والتَّ هل، وقد يفضّ ل عليها - حتى الفقراء - القطاع الخاص أو غير المنظم، وليس ذلك بالضرورة سلوكًا غير عقلانيّ، فالنَّاس غير قادرين على الحصول على الخدمات الحكومية أو الاستفادة من مرافقها بسبب الفساد ونقص الكفاءة لدى مقدِّمي الخدمات. تمثل أفغانستان حالة صارخة للفشل، فبعد القضاء على نظام طالبان، لم يتمكن البلد من التَّحوُّل الى الازدهار والاستقرار على الرغم من الانتخابات (الدِيّمُقراطيّة) والمساعدات الدّولية، وكان المستفيد الأول من جهد الإغاثة وبرامجها المكاتب والمنظمات القائمة عليها، والمقاولون والموظفون الذين يتعاملون معها. والأمر نفسه حدث في زائير (الكونغو) وهاييتي وباكستان؛ فقد استُخدِمت المساعدات الخارجيَّة في شراء الولاءات السِّياسيّة أكثر من استعمالها في التنميَّة، وتحوَّلت برامج الأمم المتَّحدة والمنظمات الدّولية إلى مشروعات حكومية سياسيَّة بدلً من مواجهة الفقر، ولم تلُاحظ السِّياسات الحكوميَّة المُطبَّقة أسباب الفقر، ولم تكرِّس لحقوق الملكيَّة والقانون وتحسين حياة الناس العاديين والفقراء، بل استبعِدوا من التَّعليم والخدمات الحكوميَّة.
مراجعات حول الكتاب
لقي الكتاب اهتمامًا كبيرًا ونشُرَت منه طبعات عدة وفي صيغ وأشكال مختلفة، ونال جوائز مهمة، كما كُتبت حوله عروض ومراجعات كثيرة؛ إذ يقول جيرد ديموند - أستاذ الجغرافيا بجامعة كاليفورنيا ومؤلِف عدد من الكتب المهمة - في تعليق له على الكتاب نُشِ في جريدة نيويورك تايمز1: لا يمكن إغفال العامل الجغرافي والموارد كما فعل أسيموغلو وروبنسن في تشكيل الدّول والمجتمعات وفي نجاحها وفشلها، وأن يُربط التَّقدُّم فقط ب "المؤسسات الشَّاملة" بمعنى السِّياسات والتَشّريعات التي تحفز الإنتاج وتحميه. ولكن لماذا انهارت دول ذات مؤسسات ناجحة؟ وكيف نفسِّ الازدهار والتَّقدُّم على مدى التَّاريخ قبل هذا التَّطوُّر المؤسسيّ؟ يقول ديموند: لقد نشأت الدّول حول الاقتصاد الزِّراعيّ، ويمكن ملاحظة العلاقة بين طول مدة الاقتصاد الزِّراعيّ وبين النَّجاح السِّياسيّ، فالزِّراعة لدى كثير سست للأنظمة السِّياسيّة والإداريّة من الباحثين والمفكرين أ. إنَّ كثيرًا من البلاد التي كانت تدير اقتصادًا ناجحًا تواجِه اليوم حالة من الفقر والبؤس بسبب سياسات الاحتلال والسُّخرة ومصادرة المنتجات والتغيير القسريّ لوجهة الاقتصاد. ثم إنَّ كثيرًا من هذه الدّول بعد استقلالها واصلت سياسات "استخراجيَّة" فاشلة. يقول ديموند إنَّ فكرة المؤسسيّة التي عرضها المؤلِفان تقدِّم جزءًا من التَّفسير، ولكن لا يمكن تجاهل عوامل مهمة ومؤثرة ومستقلة أيضًا عن المؤسسات، مثل الكوارث والأوبئة والأمراض المتوطِّنة في المناطق المدارية والاستوائية وتأثيرها السَّلبي في الإنتاج والتَّقدُّم، فهي تستنزف الموارد، وتعوق المشاركة في العمل والإنتاج، وتشغل النِّساء والأ سر عن العمل. وكيف يمكن تجاهل تأثير الجليد والشِّتاء في الموارد والعمل والإنتاج أو إغفال درجات الحرارة والمناخ والجفاف والأمطار في الصحارى والمناطق الاستوائية أو- المعتدلة؟ يقول ديموند: يشكِّل الموقع الجغرافيّ بالنِّسبة إلى خطوط العرض عامل مهمً في القوة والازدهار مستقلً عن المؤسسات، ويمكن ملاحظة ذلك في الإنتاج والغذاء والصِّحة، وكذلك في نقل السِّلع وشحنها، فالملاحة البحريَّة أو النَّهريَّة أو البريَّة تؤثِّر في تكلفتها وفرص وصولها وتصديرها واستيرادها. ومن المؤكد أنَّ الدّول المعزولة عن البحار تواجه تحدِّيًا اقتصاديًّا، ويمكن المقارنة والملاحظة للعلاقة بين اقتصاديّات الدّول وموقعها بالنِّسبة إلى البحار والأنهار، مثل أفغانستان ونيبال وكثير من دول أفريقيا المعزولة عن البحار. ويؤثر في مستوى الثَّ وة أو الفقر توفُّر الموارد الطبيعية مثل المياه والغابات والمأكولات البحريِّة، والدّول التي تفقد مواردها الطبيعيَّة تمضي إلى الفقر؛ فالدّول التي أ زيلت منها الغابات مثل هاييتي ورواندا وبوروندي ومدغشقر ونيبال مضت نحو الفقر وعدم الاستقرار السِّياسي.ّ ونعلم جميعًا من تجربتنا الشخصية – يقول ديموند - أنه ليس ثمة جواب واحد بسيط عن السؤال: لماذا يصبح أحدنا ثريَّا أو فقيرا؟ يعتمد ذلك على الميراث، والتَّعليم، والطُّموح والموهبة والصِّحة والاتصالات الشخصية، والفرص، والحظ. ويجب ألَّ يفاجئنا عدم وجود جواب واحد أو صحيح عن سؤال لماذا تكون المجتمعات غنية أو فقيرة؟ وفي التَّ كيز الضَّ يق على دور المؤسسات، يتجاهل المؤلِفان - حسب ديموند - البيئة الشَّاملة المُحيطة بالتَّقدُّم والفشل، ويرفض المؤلِفان الأخذ بحالات الفشل والنَّجاح المناقضة لنظريَّتهما، مثل الصِيّن حاليًا، والدُّولة العُثمانيَّة والاتِّحاد السُّوفيتيّ كأمثلة تاريخية! وحول تأثير الموارد الوفيرة في التَّقدُّم الاقتصاديّ، يرى ديموند أن المؤلِفين اختارا بانحياز حالات من الفشل والنَّجاح، فإذا كان الماس لا يؤدي الى التَّقدُّم في سيراليون، فماذا عن الحديد؟ أليس موردًا؟ وما دوره في النَّجاح أو الفشل/ اللعنة؟ وهناك أيضًا انحياز أو جهل تاريخي كما يقول ديموند؛ ففي دراستهما لبريطانيا واليابان يهتم المؤلفان بمؤسسات الدَّولتين السِّياسيّة والاقتصاديّة على مدى التَّاريخ، ولكن لا يبدو ثمة تاريخ مؤسسيّ لإثيوبيا أو الكونغو! بالطبع ستكون النتائج المترتبة على النَّظريَّة موضع جدل، ففي تفسيرهما لأسباب فشل المشروعات الاقتصاديّة والتَّنموية التي أدارتْها المنظمات الدّولية والدّول المُتَقدِّمة لمساعدة الدّول الفقيرة، يتمسك المؤلِفان بأنّ "هندسة الازدهار" يجب أن تركز على البناء المؤسسي،ّ وبغير ذلك لن يحدث التَّقدُّم، وهذه نتائج تخالف الحقائق الواقعية الماثلة في الدُّول الفقيرة عن الأمراض والكوارث!