على الدول المصدرة" ندوة"تداعيات انخفاض أسعار النفط
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ندوة أكاديمية يوم السبت 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2015 لمناقشة التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتدهور أسعار النفط على البلدان المصدّرة. وشارك في الندوة عددٌ من وزراء النفط السابقين ومجموعة من خبراء صناعة النفط؛ فتدهور أسعار النفط من نحو 110 دولارات للبرميل في حزيران / يونيو 2014 إلى أقل من 45 دولارًا للبرميل هذه الأيام، نجم عنه خسائر وأرباحٌ كبيرة لأطراف متعددة. ولا يوجد دولة في العالم أو حتى فرد لا يتأثر بتحركات أسعار النفط، وأسعار الغاز معه. ولا يوجد في عصرنا سلعة أخرى لها هذا التأثير وهذه الأهمية وهذا الاهتمام كما للنفط وأسعاره؛ وهذا بسبب ضخامة الآثار السالبة والموجبة التي تُحدثها، فارتفاعها يخلق رابحين وخاسرين، وانخفاضها يبدّل مواقع الرابحين بمواقع الخاسرين، ولكنّها ليست معادلة صفرية. تدهورت الأسعار بسرعة قياسية بسبب تخمة سوق النفط بنحو مليونَ برميل تقريبًا، نتيجة لتزايد العرض بسرعة أكبر من تزايد الطلب، ولم تقم منظمة أوبك هذه المرة بخفض إنتاجها، ولم تقم بدورها المعهود بوصفها منتجًا مرِنًا يوازن العرض مع الطلب للحفاظ على سعر مستهدف، بل اتخذت قرارها بعدم تخفيض إنتاجها في اجتماعها رقم 166 بتاريخ 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2014، وقرارها في اجتماع حزيران / يونيو 2015 الاستمرار في عدم خفض الإنتاج. وسعت السعودية بخاصة كونها المنتج الأكبر في العالم، لعرض كميات من النفط بأسعار تقلّ بضعة دولارات للمشترين، فكان أن تدهورت الأسعار. وهذا يطرح السؤال الكبير: لماذا نهجت أوبك هذه السياسة هذه المرة؟ بسبب حدة هبوط الأسعار خلال السنة المنصرمة، فإنّ الأرباح والخسائر بلغت حجمً هائلً، وتركت آثارًا موجعةً على البلدان المصدّرة التي تمثّل صادراتها من النفط نحو 70 – %90 من إيراداتها الخارجية. ما يُحدث أثرًا سلبيًا في إيرادات موازناتها التي تضخّمت خلال العقد الماضي بعد أن ارتفعت الأسعار وتجاوزت حدّ ال 100 دولار للبرميل. وسينعكس تراجع الإيرادات على مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الرفاه العام، وعلى فوائضها المالية وأسعار صرف عملاتها، وسيدفعها لإصلاح هيكلي لجملة من سياساتها على المدى القصير، وبخاصة سياسات الدعم التي تكلّفها مبالغَ طائلة لمواجهة هذا التحدي الصعب، أمّا على المدى الطويل فتحتاج إلى حلول صعبة. وإذا كان لدى دول مجلس التعاون فوائض مالية تساعدها، فكيف ستتدبر البلدان المصدّرة الأخرى أمرها، مثل العراق والجزائر وإيران وحتى روسيا، التي لا تملك فوائض واحتياطيًا كافيًا؟ وما مدى تأثيره في استقرارها الاجتماعي؟ أمّا الدول المستوردة للنفط والغاز ومشتقاتهما ومنتجات الصناعات البتروكيماوية، فتحقق أرباحًا صافية، ولكن ستتأثّر بعض قطاعاتها سلبيًا في الوقت نفسه.
أسباب تدهور أسعار النفط
انقسمت آراء الباحثين في الندوة حول أسباب تدهور أسعار النفط ودوافع قرار أوبك بعدم خفض إنتاجها، إلى رأيين؛ يقول أحدهما إن دافع القرار هو تواطؤ سعودي أميركي لتخفيض أسعار النفط من أجل الضغط على روسيا وإيران، وليس الحفاظ على الأسواق. وقد مثّل هذا الرأي ممدوح سلامة، وهو خبير دولي في الطاقة واستشاري لدى البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO، وقد شارك في الندوة بورقة بعنوان: "العوامل الكامنة وراء الانخفاض الحاد في أسعار النفط." بينما تبنّى بقية الباحثين الرأي الآخر القائل بأنّ دافع قرار أوبك هو الحفاظ على الأسواق ومنع مصادر الطاقة الأخرى، مثل النفط والغاز الصخري الذي نَ ا إنتاجه خلال السنوات الماضية بسبب الأسعار المرتفعة، ومنعها من الاستيلاء على أسواقها، وهو التبرير الذي تقدّمه أوبك لقرارها بعدم خفض الإنتاج. وتردّد رأي ثالث على نحوٍ ضعيف يجمع بين تلاقي مصالح الحفاظ على الأسواق مع مصالح تشكيل ضغط على كلٍ من إيران وروسيا. يرى سلامة أنّ "النفط مثل عملة، وجهها الأول اقتصادي والثاني سياسي." ويرى أنّ قرار أوبك بعدم خفض الإنتاج بمقدار مليون برميل في اليوم لامتصاص تخمة النفط المعروض في السوق، هو قرار خاطئ، ولو اتخذت أوبك هذه الخطوة لانضمّت إليها كلٌ من روسيا والبرازيل لتخفضا إنتاجهما بنحو 500 ألف و 300 ألف برميل في اليوم على التوالي، بما يمثّل خفضًا للمعروض من النفط في السوق مقداره 2.8 مليونَ برميل في اليوم، وبما يعيد الأسعار للتوازن في مستوياتها القديمة. ولن تخفض روسيا والبرازيل إنتاجهما من دون أن تفعل أوبك هذا أولً. ويرى سلامة أنّ الوقت لم يفت بعد لتعيد أوبك النظر في قرارها بخصوص خفض الإنتاج. ويرى أنّ التراجع الطفيف في معدلات نموّ الصين والاتحاد الأوروبي لا يؤدي إلى هذا التدهور الكبير في أسعار النفط، فالاقتصاد العالمي واجه ظروفًا اقتصادية
أصعب، وعلى الرغم من ذلك لم تهبط الأسعار بهذه الحدة؛ إذ كانت أوبك تسارع إلى خفض إنتاجها من أجل موازنة السعر في مستوياته دون تدهور. لكن، في هذه المرة، وفي الاجتماع 166 لأوبك بتاريخ 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2014، واجتماعها في حزيران / يونيو 2015، فقد مارست السعودية ضغوطًا كبيرة كي لا تتّخذ منظمة أوبك قرارًا بخفض الإنتاج. ويصرّ سلامة على وجود اتفاق بين السعودية والولايات المتحدة يكمن وراء تدهور أسعار النفط، وهو موجَّه ضد إيران وروسيا للضغط الاقتصادي عليهما، لأسباب سياسية. وقدّم سلامة مثالً عن اتفاق سعودي أميركي قد جرى مطلع سبعينيات القرن العشرين، لحصر تسعير بيع النفط السعودي بالدولار، ممّ أسهم في نشوء البترودولار ورفع أسعار النفط. كما قدّم مثالً ثانيًا من مطلع الثمانينيات، بأنّ اتفاقًا سعوديًا أميركيًا قد تمّ آنذاك على تخفيض كبير في أسعار النفط من أجل التأثير الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي آنذاك، فأغرقت السعودية أسواق النفط بكميات إضافية متذرعة بالحجة نفسها "الحفاظ على الأسواق" ومتسببة في هبوطٍ حادّ في الأسعار إلى نحو 10 دولارات للبرميل. ويرى سلامة أنّ تدهور الأسعار اليوم هو ربما تواطؤ جديد بين الولايات المتحدة والسعودية لتخفيض أسعار النفط في مؤامرة جديدة ضد روسيا وإيران. ويرفض سلامة حجة التميمي بأنّ النفط الصخري سيأخذ حصة روسيا والبرازيل من الأسواق في حال قامتا بخفض إنتاجهما. ويرى أنّ روسيا لا تستطيع زيادة إنتاجها عن مستوى 11 مليون برميل في اليوم، وأنّ البرازيل تصارع كي تكفي نفسها ذاتيًا، وأنّ منتجي النفط الصخري الأميركي يكادون لا يستطيعون زيادة إنتاجهم. وإذا كان هدف السعودية قتل إنتاج النفط الصخري، فإنّ تكاليف النفط الصخري تنخفض مع التقدّم التقني ويبلغ الآن نحو 60 دولارًا للبرميل هبوطًا من 70 – 85 دولارًا للبرميل. وربما يتراجع قريبًا إلى 50 دولارًا، وهي لن تستطيع قتل النفط الصخري في النهاية. على الضد من رأي سلامة، فقد ذهب غالبية الخبراء إلى تبنّي مقاربة أخرى لهبوط الأسعار؛ فإبراهيم إبراهيم، المستشار الاقتصادي لسمو الأمير في الديوان الأميري في حكومة قطر الذي رأس الجلسة الثالثة في الندوة، بيّ أنّ التطورات الأخيرة في أسعار النفط لا مثيل لها سوى انخفاض 1986 الذي استمر نحو 15 سنة، وعزَا أسباب هذا الانخفاض إلى وجود اكتشافات جديدة، بخاصة تطوير مصادر النفط الأخرى من نفط وغاز صخريين، وبخاصة في أميركا التي زاد إنتاجها من 5 إلى 9 ملايين برميل في اليوم. أمّا خالد راشد الخاطر مدير إدارة البحوث والسياسة النقدية في مصرف قطر المركزي، والذي شارك في الندوة بعرض بعنوان: "تحديات انهيار أسعار النفط وردات أفعال السياسات في دول مجلس التعاون"، فقد أشار إلى وجود تخمة في سوق النفط بسبب التباطؤ الاقتصادي، وارتفاع كفاءة استخدام النفط، ومعاودة إنتاج العراق وليبيا، وتزايد إنتاج النفط الرملي. وكان أمام أوبك إمّا أن تخفض إنتاجها للحفاظ على الأسعار، وهذا سيؤدي إلى فقدان أسواقها، أو تتّجه إلى تخفيض الأسعار لتطرد منتجين آخرين. ويرى الخاطر أنّ عوامل الهبوط اقتصادية وإن استغلّها سياسيون، والتغير الأساسي في سياسة أوبك هو الانتقال من استهداف الأسعار إلى استهداف الحصص في الأسواق. أمّا عامر التميمي المستشار الاقتصادي لمؤسسة التقدم العلمي في الكويت، فقد شارك في الندوة بورقة بعنوان: "الكويت وتحديات سوق النفط." وأشار التميمي إلى أن سوق النفط تتحوّل أحيانًا إلى سوق يتحكم فيها المشترون، كما هي الحال في الوقت الراهن، ويكمن سبب تراجع الأسعار في أنّ الطلب على النفط ينمو بوتيرة بطيئة في ظل أوضاع اقتصادية هشّة في الكثير من البلدان المستوردة الرئيسة، مثل بلدان الاتحاد الأوروبي أو اليابان. كما أنّ تراجع معدلات النموّ في الصين والهند دفع إلى انخفاض في الطلب على النفط. وفي الاتجاه نفسه، نجد عبد المجيد العطار، وهو مستشار في الطاقة والريّ، ووزير الموارد المائية الجزائري ومدير عام شركة سوناطراك الجزائرية الأسبق، الذي شارك في الندوة بورقة عنوانها: "انخفاض أسعار النفط وتأثيراته في الاقتصاد الجزائري"؛ إذ يرى العطّار أنّ الأسباب تعود للسوق وظروف العرض والطلب والعوامل المؤثّرة فيها، سواء العوامل التقنية الإنتاجية الخاصة بالحقول أو عوامل التقدّم التكنولوجي التي ترفع الكفاءة وتخفض الاستهلاك، أو تنمية استغلال مصادر طاقة جديدة مثل النفط الصخري، أو عوامل تباطؤ النموّ الاقتصادي، أو العوامل الجيوسياسية مثل العراق وليبيا وإيران، أو الزيادة في قيمة الدولار. ومثّلت هذه العوامل فائضًا في العرض لا يقلّ عن مليونَ برميل يوميًا. والضغوط على إيران وروسيا ليست عاملً أساسيًا. أمّا علي ميرزا - وهو خبير اقتصادي متخصص في قضايا إعادة الهيكلة والإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – فقد أشار في ورقته "آثار انخفاض أسعار النفط في الدول المستهلكة"، إلى أنّ أسعار النفط تمرّ بدورات صعود وهبوط طويلة وقصيرة، وأنّ أسباب الهبوط الأخير هي عدم نموّ الطلب العالمي على النفط ليتلاءم مع زيادة العرض، وبخاصة تباطؤ نموّ الصين والهند والاتحاد الأوروبي، ومن جهة أخرى توقّع تباطؤ نموّ الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم الطلب العالمي على النفط. مع استمرار توقّع الزيادة في إنتاج النفط الصخري والنفط العضوي والتطور التكنولوجي الذي يخفض تكاليف إنتاج مصادر نفوط أخرى،
واستمرار قوة الدولار، وارتفاع المخزون بخاصة في دول OECD، وبغية الحفاظ على حصصها في سوق النفط، قررت منظمة الأوبك في اجتماع 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2014 عدم تخفيض الإنتاج. أمّا حسن علي عميد كلية الإدارة العامة في معهد الدوحة، والذي شارك في الندوة بعرض بعنوان: "أسعار النفط إلى أين وما الذي يمكن عمله؟"، فقد بيّ أنّ تضاعف الإنتاج الأميركي وارتفاع إنتاج النفط الكندي والعراقي، واستمرار الروس في الإنتاج خلافًا لكلّ مشاكلهم الاقتصادية، وبطء النموّ في عدة مناطق في العالم، ورفع كفاءة سيارات اليوم بتوفيرها للطاقة، ما يعني هبوطًا في طلب الوقود، كلّها عوامل كانت وراء هبوط الأسعار. غير أنّ سيف سعيد السويدي، نائب رئيس جامعة قطر للتخطيط والتطوير المؤسسي، والذي رأس الجلسة الأخيرة في الندوة التي كانت مناقشة مفتوحة، فقد اقترب من رأي سلامة، وبيّ أنّه لا يمكن تجاهل العامل السياسي ولا الدور الأميركي. وأشار إلى أنّ أوروبا بدورها لا تتخذ قرارًا إستراتيجيًا يتعارض مع سياسة أميركا.
منظمة أوبك ودورها في إدارة أسعار النفط
تناول عبد الله بن حمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة والصناعة القطري الأسبق، دور منظمة أوبك وسياستها تجاه أسعار النفط، وقرارها الأخير بعدم خفض الإنتاج؛ بادئًا باستعراض تجربة أوبك في الثمانينيات وارتفاع الأسعار بعد حرب الخليج الأولى، وكيف ساعد ذاك الارتفاع حقول بحر الشمال على زيادة إنتاجها، فأصيبت السوق بتخمة وتراجعت الأسعار. قال العطية: "اجتمعنا في أوبك وكان هناك فلسفة أن نغرق السوق ونجعل حقول الشمال تبكي فيأتوا إلينا راكعين، ولكنّنا بدأنا نحن في البكاء لأنّ الأسعار بعد ذلك انخفضت حتى 10 دولارات، بينما لم تتأثر دول الشمال بذلك بسبب تنوّع اقتصاداتها، والنفط قطاع ثانوي عندها، ويمكنها أن تشتري نفطًا رخيصًا من دول العالم الثالث، أمّا نحن فلا نستطيع أن نفعل ذلك لأنّ النفط يشكّل عندنا نحو %90 من إيراداتنا. نحن ننظر للحاضر وننسى دروس الماضي وننسى حكاية نفط بحر الشمال، فالأسعار المرتفعة قد سمحت بتطوير النفط الرملي وأصيبت سوق النفط بالتخمة فانخفضت الأسعار إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل وهو يعادل من حيث قيمته أسعار 1997، أي عدنا إلى نقطة الصفر." بيّ العطية أنّ دور أوبك قد تبدّل اليوم؛ فقد كانت حصتها في الماضي تبلغ نحو %60 من الصادرات العالمية، وكانت تقوم بدور المنتج المرن الموازن للسوق واستقرار الأسعار. أمّا اليوم فحصة أوبك تبلغ نحو %30، ولم تعد تستطيع أن تقوم بالدور نفسه، وليس من مصلحتها أن تخفض إنتاجها وحدها؛ إذ قال: "جربنا التفاهم مع مصدّرين من خارج أوبك لخفض الإنتاج ولم نتوصل لتوافق بسبب عدم رغبة دول خارج أوبك في خفض إنتاجها والالتزام بحصص، فأصيبت السوق بتخمة مليون برميل فائض إضافة إلى مخزون تجاري وإستراتيجي عالمي في أعلى معدلاته ولا تستطيع أوبك أن تخسر أسواقها، والروس رفضوا الاتفاق معنا على تخفيض الإنتاج وكذلك غيرهم. فلماذا نخفض نحن من طرفنا ونكون الضحية ونفقد أسواقنا؟." وأضاف: "لا أعتقد بوجود مؤامرة من أوبك لمحاربة إيران وروسيا، ولا أحد يتآمر على أحد، ونحن العرب نهرب دائمًا إلى نظرية المؤامرة، فلا أحد يتلاعب بنا، بل نحن نتلاعب بأنفسنا منذ 800 سنة." بينما رأى سلامة أنّ أوبك لن تستطيع قتل النفط الصخري الأميركي، وأنّ التواطؤ السعودي الأميركي قد فشل في تحقيق أهدافه، وإذا ما استمرت دول الخليج على هذا المنوال فستواجه واقعًا مختلفًا سنة 2025. أمّا التميمي فيرى أنّ أوبك لا يمكنها أن تحدد أسعارًا معلنة للنفط، كما كانت تقوم بذلك خلال العقدين الأوّلين من تأسيسها. وربما تنجح سياستها التي اعتمدتها العام الماضي، وتؤدي إلى تراجع إنتاج النفط الصخري وما يلحقه من إنتاج غاز صخري؛ فتكاليف الإنتاج في بلدان الخليج لا تزال منخفضة، حتى لو تراجعت أسعار النفط إلى ما دون الأربعين دولارًا للبرميل. والدفع بسياسة خفض الإنتاج قد يعيد للسوق توازنها، لكن ذلك ربما يكون محفوفًا بمخاطر تتمثل بقدرات بلدان من خارج الأوبك أو منتجي النفط الصخري والغاز الصخري على إمداد السوق بما يعوّض عن تخفيض إنتاج الأوبك. ومن جهته، بيّ محمد الشطي، مدير مكتب الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية والممثل الوطني لدولة الكويت في منظمة أوبك، في ورقته "انهيار الأسعار ومستقبلها"، أنّ قرار أوبك قد اتُخذ بصورة جماعية بما في ذلك فنزويلا وإيران، ولم يكن قرارًا سعوديًا فقط. وقال الشطي: "كنت موجودًا في المفاوضات ولم يكن أمام أوبك خيارٌ آخر. والروس رفضوا الاتفاق معنا على تخفيض الإنتاج، وكذلك غيرهم. فلماذا نخفّض نحن من طرفنا ونكون الضحية ونفقد أسواقنا؟ في الثمانينيات عندما زاد إنتاج بحر الشمال خفضت أوبك إنتاجها من 26 مليون برميل في اليوم إلى 15 وهبط إنتاج السعودية
من 10 ملايين إلى مليونَ برميل في اليوم عام 1986، ولكن المنتجين خارج أوبك استفادوا من هذا الخفض وكانت هذه تجربة فاشلة لأن إنتاج بحر الشمال زاد من 400 ألف برميل في اليوم إلى 4 ملايين، ما دفع الأسعار نحو الهبوط. وتبين هذه التجربة سلامة قرار أوبك الحالي. وأتاح السعر المرتفع تطوير النفط الصخري. وستؤدي أسعار اليوم إلى هبوط إنتاجه. ويتوقع زيادة إنتاج العراق وعودة النفط الإيراني. وسياسة أوبك اليوم تحوّلت من حماية الأسعار إلى حماية الأسواق."
تأثير تدهور أسعار النفط في الدول المصدّرة
أوضح سلامة أنّ إيرادات دول مجلس التعاون، بلغت 574 مليار دولار عام 2013 و 452 مليارًا عام 2014 ويقدّر أن تبلغ عام 2015 نحو 340 مليار دولار، إن كان وسطي أسعار السنة نحو 60 دولارًا للبرميل، أي أنّها خسرت نحو 122 مليارًا عام 2014، وتقدّر خسائر سنة 2015 بنحو 237 مليار دولار. وينقل سلامة عن مصادر البنك الدولي أنّ عجز موازنة السعودية سيبلغ 130 مليار دولار، بما يمثّل %20 من الناتج المحلي السعودي، وأنّ استثمارات أرامكو الجديدة قد تراجعت بمعدل %25 من 40 إلى 30 مليار دولار، وأنّ البلدان المصدّرة للنفط تحتاج إلى أسعار تراوح بين 50 وحتى 130 دولارًا للبرميل كي تتوازن ميزانياتها العامة لعام 2015؛ إذ تحتاج إيران مثلً إلى سعر 130 دولارًا، والسعودية إلى 106 دولارات للبرميل، وسيتقلص الناتج المحلي الروسي عام 2015 بمعدل %1.7. ولتعويض خسارتها في السعر، قامت روسيا بزيادة إنتاجها ليبلغ 10.7 ملايين برميل في اليوم، وزادت صادراتها إلى 7.36 ملايين برميل في اليوم. وتذهب صادرات روسيا غالبًا نحو أوروبا. بينما تذهب صادرات مجلس التعاون نحو الصين والهند واليابان وبقية دول آسيا. وبحسب سلامة، فقد تراجع إنتاج النفط الصخري الأميركي بنحو 600 ألف برميل في اليوم، وستمضي الولايات المتحدة في إنتاج النفط الصخري. فالتقدم التكنولوجي خفض كلفة إنتاجه إلى نحو 60 دولارًا وسطيًا للبرميل، وتستطيع أميركا تحمّل سعر نفط منخفض على المدى الطويل، بينما لا تستطيع الدول المصدّرة تحمّل ذلك. ولا يرى سلامة أنّ إنتاج النفط الأميركي يهدد بإغراق الأسواق، وصادرات إيران لن تشكّل تخمة في سوق النفط العالمية. ويتوقع أن تبلغ صادراتها عام 2015 نحو 750 ألف برميل في اليوم، ولن ترتفع على نحوٍ يُذكر حتى 2020. ويرى سلامة أنّ إنتاج النفط سيعجز عن تلبية الطلب خلال السنوات والعقود المقبلة. يرى إبراهيم أنّ تأثير انخفاض الأسعار يخلق وضعًا صعبًا للدول المصدّرة؛ إذ طرأ الانخفاض بعد أن رفعت الدول المصدّرة ميزانياتها وأصبحت عالية تتطلب أسعارًا عاليةً، ربّ ا 90 – 100 دولار للبرميل. ولدى دول مجلس التعاون احتياطيات تكفيها لعدة سنوات فقط. فبينما كان معدل نموّ الناتج في السابق نحو 5 – %6 فهو في هذه السنة نحو %2.5، وستتحوّل الحسابات الجارية من فائض بحدود %20 في سنوات ما قبل تدهور الأسعار إلى عجز خلال السنتين 2015 و 2016. وسينعكس هذا على الموازنة العامة. من جانبه، أوضح الخاطر أنّ تأثير هبوط الأسعار في دول مجلس التعاون كبير، لأن %84 من إيراداتها تأتي من صادرات النفط، كما أنّ القطاعات غير النفطية تعتمد على النفط وإيراداته. وعليه، سيخلق هذا ضغطًا على الموازين، ولا يوجد لدى دول مجلس التعاون سوى سياسة إنفاق؛ إذ ليس لديها سياسة مالية أو سياسة نقدية، ولا ضرائب ولا تحريك لسعر الفائدة وسعر الصرف، وعملاتها الوطنية مرتبطة بالدولار الأميركي. عرض التميمي في ورقته حالة دولة الكويت. وبيّ أنّه منذ 2004 حتى 2014، استهدفت الكويت نموًا مطّردًا في إنفاق الموازنة بلغ نحو %10-8 سنويًا مما رفع نفقات الموازنة من 4 مليارات دينار كويتي إلى 20 مليار دينار كويتي، أي نحو 75 مليار دولار أميركي، بينما كانت الإيرادات تبلغ 30 مليار دينار، وفائض قدره 10 مليارات دينار. وتبلغ قيمة الدعم فيها ما يزيد عن 6 مليارات دينار كويتي، أي نحو 20 مليار دولار أميركي. ويعادل هذا %30 من إجمالي مخصصات الإنفاق العام. ويقدّر أنّ الإيرادات الحكومية لن تزيد عام 2015 عن 14 مليار دينار كويتي. وبقاء الإيرادات والنفقات كما هي يعني تحقيق عجزٍ بنحو 6 مليارات دينار، أي 15 مليار دولار، إذا لم تتخذ إجراءات لترشيد الإنفاق وتحسين الإيرادات غير النفطية، و"فرملة" الدعم المباشر للحكومات العربية والصديقة، ولكن مع عدم تقليص الإنفاق الرأسمالي الموجّه لتنفيذ مشاريع البنية التحتية والمرافق وقطاع التعليم والرعاية الصحية. تناول العطّار في ورقته حالة الجزائر. وبيّ أنّ الناتج المحلي الإجمالي يأتي ب 27٪ من عائدات النفط، وتمثّل إيرادات المحروقات 98٪ من قيمة الصادرات الجزائرية. وإنّ عجزًا في الميزانية لسنة 2014 قُدّر ب 21٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وربما يصل إلى 18٪ في عام.2015 ومن المقرر أن تصل عائدات التصدير إلى 38 مليار دولار في عام
2015. وهو ما يمثّل 17٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ولن يغطي أكثر من 60٪ من إجمالي الاستيراد المقدَّر ب 50 مليار دولار. وسيصل الدعم المباشر في الميزانية في عام 2016 إلى 12.4 مليار دولار، إضافة إلى دعمٍ غير مدرج في الميزانية وغير مباشر مقداره 15.3 مليار دولار في عام 2016. ويتركز الدعم في ميدان الطاقة (وقود، وغاز طبيعي، وكهرباء.) بيّ حسن علي أنّ المشكلة الأساسية في دول الخليج تتمثّل بأنّها تعتمد في المقام الأول على البترول والغاز مصدرًا رئيسًا للدخل، وأنّ السياسة المالية (الإنفاق الحكومي) في هذه الدول غير متوازنة. والإنفاق الحكومي يتأثّر بسرعة كبيرة بتغيرات الأسعار؛ فعندما تكون أسعار البترول مرتفعة (في أيام الرخاء) يتمّ الإنفاق بصورة مبالغ فيها، وحين تنخفض الأسعار يقلّ الإنفاق. ولكن ليس بالنسبة نفسها وبصورة غير مخطط لها. وتثبت كلّ البحوث الحديثة في موضوع "لعنة البترول" أنّتقلبات الإيرادات هي المعوق الأساسي للتنمية، وليس تقلبات الأسعار.
سياسات الدول المصدّرة لمواجهة تحدي تدهور أسعار النفط
قال العطية: "إنّ فاتورة الدعم تكبر. وإن استمررنا بهذا الشكل فسيأتي يوم لن نصدّر فيه أيّ كمية. لذا لا بد من سياسات لا تعجب المستهلك وقد تلقى مقاومة، وفي أوروبا مثلً وعلى الرغم من هبوط أسعار النفط لم تهبط أسعار المشتقات في السوق، والفرق يذهب للحكومة، والمواطن الأوروبي لم يعترض. لذلك يجب أن يكون لدينا سياسات، وأن نقوم بذلك بشفافية وإقناع المواطن." ويرى إبراهيم أنّ هذا الوضع "يتطلب من الدول المصدّرة إعادة النظر في نظمها الاقتصادية، سواء دور الدولة أو صيغة علاقتها بالقطاع الخاص أو حجم المنافع والخدمات المدعومة التي تقدّمها الدولة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، والتأكد من أنّ جميع المشاريع ينظر إليها من ناحية ريعيتها الاقتصادية." أمّا الخاطر، فيرى أنّ خفض الأسعار قد يكون نعمة تدفع دول مجلس التعاون للنظر في الهدر والإسراف، وتتّجه الدول المصدرة لتنويع اقتصاداتها مثلما فعلت إندونيسيا وماليزيا التي تراجع إنتاج نفطها فاتجهت نحو الصناعة. أمّا الشطي، فرأى أنّ المطلوب هو إصلاح سياسة الدعم وترشيد المصروفات وإصلاح الرواتب وخطة واضحة لتنويع الاقتصاد. وقد بدأت مثل هذه البرامج. ولكن مازالت ضعيفة. والأهمّ هو العنصر البشري وتبدّل اعتماد المواطن على الحكومة والاعتماد على نفسه، وتنمية مشاركة القطاع الخاص، والتوسّع في الطاقات الجديدة وصناعات البتروكيماويات والغاز المسال، والبحث والتطوير. ويرى سلامة أنّه يمكن تطبيق مبدأ تقليص الدعم تدريجيًا خلال ثلاث أو أربع سنوات لامتصاص غضب الناس تدريجيًا. أمّا حالة الكويت، فيرى التميمي أنّ تراجع أسعار النفط يمثّل للكويت فرصة تاريخية مهمة، ربما توافرت في الماضي ولكنّها لم تُقتنص لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، وإصلاح السياسات المالية. وتتطلب هذه الفرصة إستراتيجية تنموية تنطلق من تأكيد أهمية التنمية البشرية ومعالجة الأوضاع التعليمية المتردّية وتحفيز المواطنين للعمل في القطاع الخاص، وتقليص استيراد العمالة الهامشية، ومراجعة فلسفة الدعم، وتبنّي سياسات إسكانية مختلفة، ومراجعة السياسات المالية والاقتصادية واعتمادها الكلّ على إيرادات النفط، ودور الدولة المهيمن، واتخاذ قرارات صعبة تتمثّل بترشيد الإنفاق العام وترشيد مخصصات دعم الوقود والكهرباء والمياه والزراعة والأعلاف، وكذلك عقلنة عمليات توظيف المواطنين في الحكومة والقطاع العام، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجالات حيوية مثل المرافق كالكهرباء والمياه والموانئ والمطارات ومشاريع البنية التحتية أو في الصناعات البترولية المتنوعة، ودفع القطاع الخاص للاضطلاع بمسؤوليات واسعة، وتوظيف الأموال توظيفًا أكثر كفاءة، وضمان أدوات تمويل ملائمة للمواطنين لاقتناء المساكن دون مبالغة في التكاليف بناءً على فلسفة اقتصادية مختلفة بعيدة عن قيم الريع والرعاية، والحدّ من التوظيف في الدوائر الحكومية أو في مؤسسات القطاع العام، إذ يوجد نحو 20 ألف كويتي يدخلون سوق العمل سنويًا ويعملون في مؤسسات الحكومة، وهذا يخلق نوعًا من البطالة المقنّعة، وإضافة أعباء على المال العام، وهناك تساؤلات بخصوص كفاءة هؤلاء العاملين. غير أنّ مواجهة تحدّي تراجع أسعار النفط أمر معقّد في بلدٍ مثل الكويت؛ نظرًا لطبيعة النظام السياسي ووجود مؤسسة تشريعية ممثّلة بمجلس الأمة ينطلق أعضاؤها من سياسات شعبوية لإرضاء الناخبين على حساب المال العام، والأصوات المعارضة في مجلس الأمة وفي الصحافة عطّلت توجّه الحكومة نحو الترشيد. بالنسبة إلى حالة العراق، قال عصام الجلبي - وهو استشاري في قطاع النفط والطاقة، ووزير النفط العراقي ورئيس شركة النفط
الوطنية العراقية سابقًا، شارك في الندوة بورقة بعنوان "تأثير انخفاض أسعار النفط في العراق" - إنّ مشكلة العراق أكبر من مسألة هبوط أسعار النفط. وتكمن في فشل العملية السياسية والقائمين عليها، والجوانب الأمنية والحروب والصراعات العرقية والمذهبية والفساد المالي والإداري والسياسي والمحاصصة الطائفية والحزبية. وإنّ إلقاء اللوم على أسعار النفط بوصفها سببًا لجميع مشاكل العراق، هو أمر بعيد عن الواقع. وبيّ الجلبي أنّ إيرادات العراق من النفط منذ الاحتلال سنة 2003 وحتى تشرين الأول / أكتوبر 2015، بلغت نحو 650 مليار دولار. وعلى الرغم من هذه الإيرادات الهائلة، فقد اعترف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قبل أسابيع بأنّ حكومته استلمت خزينة فيها 3 مليارات دولار مع 15 مليارًا من الديون المتبقية لشركات النفط. وتساءل العبادي أين ذهبت الإيرادات العالية للسنوات السابقة. من جانبٍ آخر، يقوم إقليم كردستان العراق بتصدير نحو 550 ألف برميل في اليوم، عبر خط جيهان الذي يصل إلى البحر المتوسط عبر تركيا، مستغلً ظروف العراق الحالية، وتبلغ قيمتها بأسعار اليوم نحو 10 مليارات دولار. وقد توقّف عن توريد قيمتها للخزينة العامة. وبيّ الجلبي أنّ مجموع النفقات الأساسية في موازنة عام 2016 سيبلغ 98.7 تريليون دينار عراقي، بينما لن تزيد الإيرادات الواقعية عن 56.9 تريليون دينار. وتمثّل إيرادات النفط %80. وتتحمّل ميزانية الدولة نفقات ثلاثة جيوش، هي الجيش النظامي وقوات البيشميركة الكردية والحشد الشعبي. ويتوقّع أن يبلغ عدد من يتقاضى رواتب وأجورًا ومعاشات، أكثر من 6 ملايين شخص، مع اعترافٍ رسمي بوجود أسماء وهمية. وقد جرى تجميد العمل في أكثر من 6000 مشروع استثماري. ويلاقي رئيس الوزراء العبادي مقاومةً من داخل كتلته السياسية وحلفائها. وفشل حتى الآن في اتّخاذ إجراءات جادّة لتقليص الإنفاق والحدّ من الفساد المستشري. أمّا عن حالة الجزائر، فيقول العطّار إنّها دولة تستهلك أكثر مم تنتج، مع اقتصادٍ يعتمد كليًا على النفط والغاز. وصدمة هبوط الأسعار تتطلّب تغييرًا في سياسات التنمية وبرنامجَ تقشّفٍ عاجل. ويرى المشكلة في انعدام إستراتيجية شاملة لضمان تطوير إنتاج ثرواتٍ جديدة في الصناعة والزراعة والخدمات. وعليه، ضرورة إطلاق ورشات كبيرة لتنظيم مناخ الأعمال وتحسينه، بما في ذلك الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورفع القيود البيروقراطية التي كانت دائمًا موضع احتجاج المستثمرين الوطنيين والأجانب. ومن ناحيةٍ أخرى، اغتنام هذه الفرصة للقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة، والتي قد تحرر الاقتصاد تدريجيًا من الاعتماد على النفط، والتوجّه إلى ترشيد النفقات مع الحفاظ على الاستثمارات العامة المهمة في البنية التحتية.
تنويع الاقتصاد والإيرادات وتقليص الاعتماد على صادرات النفط
"التنويع كلمة سهلة، تنفيذها صعب." هذه هي الخلاصة التي يستنتجها المستمع للمناقشات التي دارت حولها. وعلى الرغم من ضرورتها المصيرية، فإنّ ما يبذل من جهود لتحقيقها لا يصل إلى الحدّ الأدنى. ولا شكّ في أنّها مهمة شاقة جدًا. إذ قال العطية عن التنويع: "كان لديّ سؤال دائم: ماذا بعد النفط؟ وقد سمعنا نظريات حول التنويع، ولكن لم نفهم ما هو التنويع والقصد منه. صناعات البتروكيمياء تقوم على البترول ذاته لذلك ستواجه هذه الصناعات التحدي نفسه، وعندما هبط سعر النفط هبط معه سعر سماد اليوريا من 700 دولار للطنّ إلى 200 دولار. ثم منذ 15 سنة تركّز البحوث على الطاقة الشمسية، وهي أهمّ مصدر طاقة في الخليج. ولكن نحتاج بحوثًا أكثر." ويرى سلامة أنّ اقتصاديات دول الخليج ستبقى هشّة أمام تراجع أسعار النفط طالما أنّها مستمرة في الاعتماد على إيرادات صادرات النفط، والتي تمثّل %85 و%90. وإلغاء الدعم وتنويع الاقتصاد هما الحلّ أمامها. ويرى أنّ دول الخليج لا تستطيع أن تدخل مجال التصنيع خارج صناعات البتروكيماويات. ويقترح على دول مجلس التعاون أن تستثمر في الزراعة، في السودان مثلً لإنتاج الغذاء، وتستثمر في الطاقة الذرية والطاقات المتجددة وبخاصة الطاقة الشمسية وتكنولوجيا تحلية المياه، وتسعى لحلّ استخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه بدلً من النفط لإطالة عمر النفط. يرى الخاطر أنّ "التنويع صعب ويحتاج إلى تغييرات اقتصادية هيكلية وربما تغييرات في السياسات. وليس لدينا تحفيز للتصنيع. ولدينا قطاع خاص عالة على الدولة ويعتمد على العقار. وأكبر تحدٍ هو تحدّي بناء رأس المال البشري. وهو الأهمّ. وهنا ضرورة التركيز على الطلب على قوة العمل وليس فقط التركيز على جانب العرض وبناء الجامعات وإرسال البعثات، والطلب على العمالة الوطنية ضعيف ودافع القوى الوطنية للعمل ضعيف." وأشار السويدي إلى أنّ دول الخليج، منذ السبعينيات، تتحدث عن تنويع الاقتصاد. ولكن في الواقع لم يتم
بأكثر من بناء عمارات. فهل هذا هو التنويع المطلوب؟ إنّنا نحتاج إلى تحديدٍ أوضح لما نقصده بالتنويع وبأيّ قطاعات. يرى علي ضرورة تحويل الموارد الطبيعية إلى رأس مال مادي ورأس مال بشري ورأس مال مالي، والسياسات المالية والنقدية الرشيدة هي الحلّ، وتعد تجربة النرويج نموذجًا. نتيجةً لمناقشات الحلول في المدييَن القصير والطويل وتنويع الاقتصاد، اتضح أنّ حلول الأمد القصير تتوجه لتقليص الدعم. وهو أمر مؤلم وغير شعبي لمواطنين تعوّدوا على سخاء حكوماتهم لعقدٍ ونصف من الزمن. وتنمية دور القطاع الخاص الذي اعتاد هو الآخر على دعم الدولة ونشط بخاصة في العقارات التي تحقق ريعًا مضمونًا للمستثمرين فيه، وليس من السهل على القطاع الخاص تحقيق النجاح فيه من دون دعم الدولة بالقروض الميسّة والطاقة المدعومة وغيرها. وتنويع الاستثمارات لا يبدو هو الآخر أمرًا سهلً؛ فالنفط الرخيص لا يترك مزيدًا من الفوائض، وعجز الموازنات يهدد بالتهام الفوائض السابقة، واستثمار الفوائض في الدول المتقدمة وشراء سندات الخزينة الأميركية هي ديون مشكوك في استرداد قيمتها، وفي أفضل الأحوال يمكن الانتفاع بأرباح الاستثمارات الخارجية وتزايد قيمتها في حال النجاح، ويكون كلّ هذا جزءًا من حلّ، ولكنّه لا يصلح لتأسيس تنمية مستدامة مضمونة؛ فهي استثمارات تسهم في تنمية اقتصاديات بلدان أخرى بدلً من تنمية الاقتصاد الوطني، كما أنّها معرّضة للخسارة والتدهور. أمّا إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه، وهما المخرج الحقيقي والقاطرة التي تحقق تنمية مستدامة، فيحتاجان إلى شروط صعبة؛ أوّلها الوعي بأهمية التنويع والاستعداد لفعل شيء حقيقي، ليس من قبل أصحاب القرار وحسب، بل من جانب قطاع الأعمال والنخب والمواطنين. وبدأ هذا يتوافر مع تراجع أسعار النفط. والشرط الثاني هو توافر رأس المال، وهذا متوافر حتى الآن. والشرط الثالث هو اختيار قطاعات الإنتاج السلعي والخدمي القابلة للنجاح والمنافسة في سوق تنافسية مفتوحة دون دعم الدولة والخزينة العامة. وهذا أمر صعب. ولكنّه ممكن التحديد عبر الدرس والتحليل. والشرط الرابع هو تأمين قوة عمل وطنية مؤهّلة للعمل في هذه القطاعات المختارة بمستوى الالتزام والكفاءة والإنتاجية التي تعمل بها عمالة الدول المتقدمة، بل وحتى العمالة الوافدة. وهذا أمر صعب ويحتاج إلى جهود كبيرة من جهة، ومن جهة ثانية لا يوجد أعداد كافية من العمالة الوطنية، وكذلك لا يمكن الاعتماد على العمالة الأجنبية في التنمية المستدامة. وهذا يتطلب البحث عن حلول لزيادة عدد السكان عبر التجنيس، ولا يبدو هذا الخيار مقبولً حتى الآن. على الرغم من وجود إستراتيجيات تمتد لعقدٍ وعقدين لدى دول مجلس التعاون، والتي تتضمن تنويع الهيكل الاقتصادي، فنتائج تطبيقها على الأرض لا تشير إلى تحقيق إنجاز يؤسس لقدرة ذاتية لتنمية مستدامة. ومازال الأمر يحتاج إلى تصميمٍ وجهود أكبر. الطاقة الشمسية نفط المستقبل في بلادٍ تشهد سطوعًا شمسيًا على مدار أيام السنة. ولكنّ هذه التكنولوجيا ما زالت غير ناضجة، ولها الكثير من المشكلات التي مازالت تنتظر الحل. ولكن الأهمّ أنّ الدول المتقدمة هي الرائدة في بحوث تطوير هذه التكنولوجيا، وتنفق عليها الكثير. بينما لا يوجد إنفاق قادر على تنمية هذه البحوث وتوطينها في بلدان مجلس التعاون، على الرغم من بعض التجارب الرائدة مثل تجربة مصدر في الإمارات. وتراجع أسعار النفط سيؤثّر سلبيًا في قدرة بلدان مجلس التعاون على الإنفاق على هذه التكنولوجيا. ما ذكرناه هنا ينطبق على بلدان مجلس التعاون التي تملك فوائض ومدخراتٍ وصناديق سيادية واستثمارات وتنعم باستقرار مديد. وتكاد ليبيا تشبه بلدان مجلس التعاون في جوانبَ عديدة. ولكن عدم الاستقرار يهدر أيّ إمكانية. أمّا البلدان المصدّرة الأخرى مثل العراق والجزائر، فوضعها أصعب بكثير؛ لأنّه على الرغم من امتلاكها الكثير من مقومات التنمية المستدامة والتنويع الاقتصادي، فهي تفتقد المال والاستقرار وتعاني سوء الإدارة والفساد المرتفع، إضافةً إلى الصراع بل وحتى الاقتتال الداخلي، بخاصة في العراق وليبيا، ما يجعل هذه البلدان كالحجر المتدحرج لا ينبت عليه عشب. وتقف سورية مع العراق وليبيا في الصفّ نفسه. ولكنّها ليست بلدًا مصدّرًا للنفط.
تأثير تدهور الأسعار في الدول المستوردة
إذا كانت الدول المصدّرة تتكبّد خسائرَ صافية، فإنّ البلدان المستوردة تحقق مكاسبَ صافية. وأكبر الرابحين من انخفاض الأسعار هم كبار المستهلكين، مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند. أمّا دولة مثل الولايات المتحدة، وهي من كبار المنتجين وأكبر المستهلكين، فإنّ ولاياتها النفطية تخسر وولاياتها الأخرى تربح. ولكن الولايات المتحدة ككلّ تربح. وسيساعد انخفاض الأسعار الموازين التجارية وموازين المدفوعات للبلدان المستوردة، ويحسّن وضعها
المالي، ويسهم في استقرار عملاتها ويخفض أسعار السلع والخدمات بما يحسّن معيشة الأسر، ويحقق وفرة تذهب للاستثمار ما يدفع بمعدلات النموّ نحو الأعلى. ولكن الانخفاض يخلق في الوقت نفسه آثارًا سلبية في بعض هذه البلدان المستوردة؛ إذ ستتراجع مثل تحويلات عمالتها من دول مجلس التعاون، والتي بلغت تحويلات عمالتها الأجنبية أكثر من 90 مليار دولار سنويًا، منها أكثر من 20 مليار تذهب إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما ستتضرر القطاعات المورّدة لمستلزمات صناعة النفط وخدماتها، وأرباح شركاتها وأسعار أسهمها في الأسواق المالية. وبيّ سلامة أن 157 شركة نفط عبر العالم فقدت نحو 1.3 تريليون دولار من قيمتها في السوق منذ بدء هبوط أسعار النفط في حزيران / يونيو 2014. وستتراجع أيضًا استثمارات البلدان المصدّرة التي تستثمر عادةً في قطاعات عديدة عبر العديد من بلدان العالم، وبخاصة أوروبا وأميركا، وسيتأثر الطلب على الدولار الأميركي، كونه العملة الرئيسة لمعاملات تجارة النفط. ويشير كلّ هذا إلى طيف التأثيرات الواسع الذي شكّله تحرّك أسعار النفط صعودًا وهبوطًا. يرى ميرزا أنّ الدول المستوردة غير المنتجة تحقّق أرباحًا صافيةً من انخفاض الأسعار، وأنّ الدول المنتجة والمستوردة في الوقت نفسه تكسب أكثر ممّ تخسر. ويذكر في ورقته أنّ المنتجين في أميركا الشمالية خسروا في 2015 نحو 338 مليار دولار، في حين كانت مكاسب المستهلكين 375 مليارًا؛ أي بربح 37 مليار دولار، وأنّ أكثر الدول كسبًا هي مجموعة دول آسيا، وبلغ مقدار مكاسب المستهلكين في العالم ككلّ في 2014، 265 مليار دولار ارتفعت إلى 1.460 مليار في 2015، وانخفاض الأسعار يحسّن في موازين مدفوعات الدول المستوردة غير المنتجة بل يحسّن ميزان مدفوعات الدول العالية الاستهلاك كالولايات المتحدة والصين واليابان، وبالذات في عام 2015. لكنّه يعرقل تطوّر الطاقات المتجددة، والتي مازالت مساهماتها في مصادر الطاقة العالمية لا تزيد عن %8 عام.2013
تأثير تدهور أسعار النفط في الاقتصاد العالمي
يعتقد سلامة أنّ أسعار النفط المنخفضة يمكن أن تهدد الاقتصاد العالمي، وتلحق ضررًا بصناعة النفط العالمية وباقتصادات البلدان المنتجة. وقد تتسبّب الأسعار المنخفضة في بذر أزمة نفط عالمية حادة ستنبت في غضون سنتين أو ثلاث سنوات. أمّا الشطي، فقد ذكر أن تقرير غولدمان ساكس أورد أنّ ثمة 45 مشروعًا نفطيًا باستثمار 200 مليار دولار جرى إيقافها عبر العالم. وسيؤثّر هذا في الأسعار، ربّ ا في 2018 و 2019. ولا يتوقع الشطي أن تعود الأسعار إلى 100 دولار حتى 2030. ويرى الخاطر أنّ النفط يتحول إلى سلعة مالية للمضاربة في أسواق المال. ويتوقع أن ترفع أميركا الفائدة على الدولار. وسيؤدي هذا التوجّه إلى المحافظ المالية لسندات الخزينة الأميركية. وسيرفع سعر صرف الدولار الأميركي (أميركا تتبع سياسة توسّع مالي.) بيّ ميرزا أنّ أسعار النفط المرتفعة في السبعينيات دفعت لترشيد الاستهلاك والعمل على زيادة كفاءة الآلات وبخاصة وسائط النقل. وتتيح استغلال نفوط حقول صعبة، مثل بحر الشمال ومناطق قطبية والمياه العميقة، وإنتاج النفط الصخري وتطوير استغلال مصادر الطاقات الأخرى، مثل الفحم وتنمية تكنولوجيا طاقات متجددة. وقد أدى هذا إلى زيادة عرض النفط من خارج أوبك. ولكن يلاحظ أنّ معدلات زيادة استهلاك النفط هي أقلّ بكثير من معدلات تراجع الأسعار؛ فمثلً تزايد الاستهلاك العالمي للمشتقات بمعدل %1.4 فقط على الرغم من التراجع الكبير في الأسعار، ما يشير إلى ضعف مرونة طلب في علاقتها بالأسعار.
تأثير التقدم التكنولوجي في إنتاج الطاقة وأسعار النفط
تناول منذر ماخوس - وهو استشاري متخصص في التنقيب عن النفط والغاز، شارك في الندوة بورقة بعنوان: "دور التطور التكنولوجي في تنويع مصادر الطاقة والأسعار" - التقدّم التكنولوجي المذهل الذي حدث بخاصة خلال العقدين الأخيرين، وكان واحدًا من أهمّ العوامل في تحديد أسعار النفط والغاز؛ إذ خفض تكلفة التنقيب والإنتاج ودفع لتطوير مصادر جديدة للطاقة سواء ضمن الإطار التقليدي أو في أطر جديدة نوعيًا؛ كان من أهمّها تطوير منهجية معالجة الوثائق والمعطيات المتاحة حول الحوض البترولي، والتحليل الإحصائي، وهي أسرع وأقلّ عناء، وحدوث ثورة تقنية في مجال المسح الزلزالي في الأحواض البترولية، وتطوير مسح جيوفيزيائي تطبيقي، وحفر آبار أعمق وبشروط جيولوجية بالغة التعقيد، وتطور شامل في البحوث الجيوكيمائية، وتطور تكنولوجيا استخلاص الوقود السائل والغاز من الفحم. لقد جعل التطور التكنولوجي تطوير مصادر النفط غير التقليدي الذي يجري اختزاله غالبًا في البترول الصخري، ممكنًا. ويؤدي كلّ ذلك إلى زيادة الإنتاج وانخفاض الأسعار.
يرى ماخوس أنّ نضوب النفط المؤكّد يدفع بقوة لتطوير المفاعلات الحرارية الشمسية، والتي تختلف جذريًا سواء من ناحية المبدأ وكمية الطاقة التي يمكن إنتاجها من الألواح الشمسية ذات المبدأ Photovoltaic بحيث ستكون واحدة من أهمّ مصادر الطاقة في المستقبل، ومنذ سنوات طويلة يجري رصد استثمارات خيالية بخاصة في الولايات المتحدة وألمانيا، للبحوث وبناء نماذج صناعية تقوم بتركيز أشعة الشمس بواسطة عدسات ضوئية عملاقة لاستعمالها في مجمّعات لتحويل المياه إلى بخار يقوم بتوليد الكهرباء بواسطة مجمعات عملاقة وبطاقةِ إنتاج كهربائي تتجاوز مئات المرات كل المولدات الكلاسيكية التي تعمل بمبدأ Photovoltaic. وهناك تقديرات تفيد بأنّ مثل هذه المفاعلات الحرارية الكهربائية لدى وضعها قيد الإنتاج في الصحراء الجزائرية يمكنها إنتاج نحو %20 من احتياجات الطاقة الكهربائية لمجمل أوروبا. غير أنّ التقنيات الجديدة لا تزال قيد البحث والتجريب، وهي حكر على الشركات الكبرى المتطورة تقنيًا، والتي تقوم باستثمارات كبيرة في مخابر البحوث ذات المستويات العلمية العالية. كما أنّ نتائج هذه الأبحاث واختبارها في الحقول على درجة عالية من السرّية.
مستقبل أسعار النفط
يرى إبراهيم أنّ تكاليف النفط الصخري ستحدد سقف أسعار النفط، وسيبقى مرنًا ويتغير بتغيّ التكاليف. ويرى ماخوس أنّ الانخفاض الحالي للأسعار لن يطول وسيؤدي بعد حين وبالضرورة إلى تقلّصٍ كبير في الاستثمارات سواء في قطاعات التنقيب والإنتاج أو في تطوير الطاقات البديلة والمستدامة.أمّا سلامة، فيرى أنّه لا يمكن للاقتصاد العالمي أن يتوازن مع أسعار نفطٍ منخفضة، وانخفاض الأسعار سيؤثّر سلبيًا في صناعة النفط، بينما يحرّض على المزيد من استهلاك النفط، ما سيدفع بالاستهلاك إلى تجاوز الإنتاج العالمي، ومن هنا، سيدفع بالأسعار نحو الارتفاع. وقد توقفت استثمارات عالمية في الطاقة حتى الآن بنحو 100 مليار دولار. لذلك يتوقع أن تتعافى أسعار النفط قبل نهاية هذا العام وتعوّض خسائرها السابقة خلال عامَي 2016 – 2017. وقال: "إن قلّصت أوبك إنتاجها فسيرتفع النفط خلال أسابيع إلى 80 دولارًا ربّ ا." أمّا الشطي، فله رأيٌ مختلف. وهو غير متفائل بعودة الأسعار إلى الارتفاع قريبًا. ويرى أنّه من الصعب توقّع أسعار النفط. ويقول إن أسعار اليوم ستستمر، لأنّ معدل نموّ الطلب بدأ ينخفض بسبب ترشيد الطاقة وتحسّن كفاءة الاستخدام وبسبب الطاقات البديلة. وسيمثّل النفط والغاز الأحفوري نحو %26-25 من مصادر الطاقة في العالم. وسيبقى الطلب على نفط أوبك في حدود 31 مليون برميل يوميًا. وعليه، توقّع أنّ الأسعار ستبقى في حدود 50 دولارًا، وسيستمر هذا لسنتين أو أكثر، وربّ ا حتى خمس سنوات. يتبنى ميرزا الرأي بأنّ الأسعار تقررها السوق، وأنّ العراق يعمل لزيادة إنتاجه وصادراته وكذلك إيران، بعد رفع الحصار وتوسيع إنتاج الولايات المتحدة، عبر تحسين التكنولوجيا. وتوقّع انخفاض الطلب العالمي بسبب تباطؤ النموّ الاقتصادي، مقابل إمكانية تراجع صادرات العراق وليبيا نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط. وبقاء أسعار النفط عند حدودها الحالية أو انخفاضها أكثر يخلقان صعوبات اقتصادية أكبر في تطوير البدائل، كما يفاقمان مشاكل دول الأوبك، بخاصة العراق وإيران وفنزويلا ونيجيريا، ولا تستطيع تحمّلها لفترة طويلة قبل أن يتعرض السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي فيها لخطر كبير. وتحتاج هذه الدول، وبخاصة العراق وإيران، إلى زيادة الإنتاج للتعويض عن انخفاض العوائد، ما سيزيد من حدة هبوط الأسعار. وهكذا تتفاقم الحلقة المفرغة. سيستمر تكرار الدورات السعرية. ويتضمن ذلك اتجاه سعر النفط للارتفاع ثانيةً بعد انحداره خلال الفترة المنصرمة إلى مستويات يقررها متوسط كلفة الإنتاج في الحقول الحدية (على سبيل المثال النفط الرملي أو تحت الملحي، إلخ)، وربّ ا أعلى. يرى العطّار أنّ شروط زيادة أسعار النفط هي الانتعاش في الاستهلاك والنموّ الاقتصادي العالمي في عام 2016، وذلك بتأثير السعر الحالي المنخفض للنفط، وتراجع إنتاج النفط والغاز الصخري بنحو 50٪ بسبب الأسعار الحاليّة، والاتفاق بين الدول المنتجة في منظمة الأوبك وخارج أوبك حتى لو كانت إجراءات رمزية لاستقرار الأسعار ومنع تدهورها مرةً أخرى، والاتفاق بين دول الأوبك لمواجهة تأثير زيادات الإنتاج في كلٍ من إيران والعراق وليبيا. ويرى علي أنّه مع وضوح تأثير انخفاض النفقات الرأسمالية، هناك توقّع بصعودٍ في الأسعار في 2017، ولكن استجابة النفط الصخري الأميركي قد تحدّ من المكاسب، ومن ثمّ وصول أسعار النفط إلى 60 - 65 دولارًا أميركيًا للبرميل مع نهاية عام 2016، و 70 دولارًا أميركيًا للبرميل مع نهاية.2017 ستبقى الأسعار منخفضة لأجلٍ غير معروف. وآثارها في البلدان المصدّرة كبيرة جدًا. وحتى لو عادت إلى الارتفاع، فإنّ حكاية النفط لها نهاية، والاستمرار في معدلات استهلاك الطاقة الحالية يقلّص الفائض للتصدير ويترافق مع أسعار منخفضة، ممّ سيكون له أثر مضاعف سيظهر بعد عقدٍ واحد من الزمن.