تونس بين تدعيم الديمقراطية وتفكك الدولة
الملخّص
تناقش هذه الورقة الزعم القائل إن تونس هي الدولة العربية الوحيدة من دول الربيع العربي التي أنجزت تحولّا ديمقراطيًّا، حافظ على مقومات الدولة إلى حدّ جعل الملاحظين يتحدّثون عن "استثناء تونسي. وترى الورقة أن من السابق للأوان في هذه المرحلة الجديدة، الإجابة بصفة قطعية حول مدى نجاح تونس خلاف ا للبلدان العربية الأخرى. تتساءل الورقة هل هناك عوامل خاصة بتونس؟ هل مرد النجاح النسبي الظاهر حتى الآن يعود إلى دور المرأة ووزن الإرث البورقيبي، أم يعود إلى دور المجتمع المدني؟ وتتساءل الورقة هل ستنجح تونس في النهاية في إرساء ديموقراطية دائمة؟ ترى الورقة أن مقوّمات نجاح التدعيم الدمقراطي، ثلاثة: (التحاور السياسي، والتجانس المجتمعي، والدولة العضوية)، ثمّ تتطرق الورقة إلى رهان العدالة الانتقالية للبت في ثلاثة ملفات تبدو متداخلة ولكنها مستقلة، وهي: (المسؤولية السياسية للطاقم السياسي السابق، والمسؤولية الجنائية الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان، والمسؤولية في قضايا الرشوة والفساد.) وأخيرًا تقيّم الورقة الأخطار التي تتهدد التجربة. وهي بدورها ثلاثة: (الأزمة الاقتصادية، وإضعاف الدولة، والإرهاب.)
مقدمة
تعدّ تونس، مقارنة بالبلدان العربية التي عاشت تغييرات مماثلة على مستوى الأنظمة، التجربة الوحيدة التي تمكّنت من التحوّل من نظام تسلطي إلى وضع اللبنات الأولى لنظام ديموقراطي، يمرّ بحسب تعريف نظرية "التحوّل الديمقراطي" أو "الدمقرطة" من نظام تسلّطي، مهما كانت مسمياته (كليانية، دكتاتورية عسكرية، ملكية مطلقة)... إلى نظام ديمقراطي يعتمد إجراءات المواطنة وقواعد (حقوق الإنسان والمشاركة السياسية.) هو مسار غير سوي وغير مضمون ولا حالة معيّنة أو بنية قارة1. وهو تحوّل ديمقراطي سريع لم يحدث من الفوق بمبادرة السلطة، ولم يمرّ عبر تفاوض بين أطياف المجتمع السياسي، بل أثمر من القاعدة أي من رحم مجتمع، في انتفاضة أطلق عليها عمومًا اسم ثورة لعمق التحولّات المصاحبة، وشكّك فيها البعض مقارنة بالثورات الأوروبية الكبرى التي غيّت بنية المجتمع والقيم والنظام السياسي. ولئن كانت الفيلسوفة حنا آرنت لا تسمّي ثورة إلّ التحوّل الذي يهدف إلى الحرية، فإنّ المفكريْن بارنغتن مور وتيدا سكوبل يعتمدان مفهومًا أوسع يشمل الثورات الاجتماعية (روسيا والصين)2. ولكن أضحى هذا السجال وراءنا، ما إن دخلت تونس مرحلة "ما بعد التحوّل" أي ما يسمّى في أدبيات التحوّل الديمقراطي ب "تدعيم الديموقراطية"، أي جعل الديمقراطية القاعدة الوحيدة للعبة السياسية3. فبالنظر إلى ما يجرى في البلدان الأخرى، يتّضح أنّ ليبيا سقطت في فوضى من جراء غياب تاريخي للدولة، وسقطت سورية في رحى حرب أهلية مدمرة لكافة الأطياف الدينية والثقافية كان سببها في البداية تعنت النظام الطائفي - العسكري. ويعيش اليمن وضعًا مغايرًا فهو في "تحوّل جامد"، ليس فيه أي تطوّر في أي اتجاه واضح. فلا استقالة الرئيس السابق علي عبد صالح أفضت إلى تجديد النخب وقواعد اللعبة، ولا المنظومة القديمة رجعت برمتها كما هو الشأن في مصر. بل تجاذب بين قبيلتي حاشد وبقيل وبين سنة وشيعة وبوادر انفصال. أمّا مصر، فقد وضع العسكر حدًّا للتجربة، ما إن احتد الصراع بين العلمانيين والإسلاميين. وهكذا، يبدو أنّ التجارب العربية لم تفشل فقط في إرساء الديمقراطية، بل أفضت إلى اهتراء أجهزة الدولة صاحبته حروب أهلية. وهو ما انجرّ عنه شعور عام بأنّ الديمقراطية بوابة للفوضى، وأنّ الحفاظ على دولة ما بعد الاستعمار حتّى وإن كانت تسلّطية أفضل من انحلالها. وهذا الذي يبرّر إلى حدّ ما الانقلاب الذي حصل في مصر، إذ استرجعت الدولة العميقة صلاحياتها في شكل ديكتاتوري مملّ. وهذا هو المأزق العربي الجديد: فإمّا الاستقرار في ظلّ ديكتاتورية، وإمّا تفككك الدولة. فإمّا الحرية، وإمّا الفوضى. وتبدو تونس الوحيدة التي أنجزت تحوّلً ديمقراطيًّا، حافظ على مقومات الدولة إلى حدّ جعل الملاحظين يتحدّثون عن "استثناء تونسي"4. إلّ أنّ هنالك العديد من المؤشرات تبرهن على وهن الدولة، عادة ما يقع ردَه إلى أنّ التحول الديمقراطي بطبيعته غير مستقر. ولكنّ الوضع أكثر تعقيدًا. فهل تونس في مأمن حقًّا من تفكك الدولة؟ وكيف لها أن تربح الرهان، بأن تكون في الآن نفسه دولة مستقرة وديمقراطية؟
أولا: من الانتقال الديمقراطي إلى تدعيمه
لنبدأ بمعطيات ضرورية لفهم المسار:
المرحلة الانتقالية الأولى:
كانون الثاني/ يناير 2011 – تشرين الأول/ أكتوبر 2011
انطلق المسار بعد إطاحة بن ع ييببعث ث ثاا لجان يوم 17 جانفي (كانون الثاني/ يناير) 2011 باشرت عملها، قبل أن يقع إصدار مراسيم قانونية خاصة بها في شباط / فبراير 2011، وهي: "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"؛ و"اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات والانتهاكات المسجلة
خلال الفترة الممتدة من 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها"؛ و"اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد"5. وقد أذن بتأسيسها، في 17 كانون الأول / ديسمبر 2011، رئيس الحكومة حينذاك محمد الغنوشي. كانت مرحلة توافقية بحت من دون اللجوء إلى أي انتخابات. كان هناك وفاق بين الأحزاب السياسية والمنظمات والمجتمع المدني وناشطين من مختلف الأنواع. وساعدت النخب المدنية المعتدلة في الحكم التحوّل بقبول التفاوض مع المعارضة، ما مازج بين التحوّل من الفوق ومن التحت. كان ذلك بعد قبول المعارضة التي تحصنت ب "المجلس الوطني لحماية الثورة" (ضم 29 حزبًا وجمعية) ومجالس جهوية مماثلة الانضمام إلى الهيئة العليا ذات الطابع الرسمي. وهكذا أصبحت الثورة لا فقط شرعية بل وأيضًا قانونية6. وتمكّنت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة من وضع قانون انتخابي، وانتخاب هيئة مدنية مستقلة للإشراف على الانتخابات، وتحديد موعد الانتخابات في تشرين الأول/ كتوبر 2011، على ألّ تتعدى فترة سنة لصوغ دستور جديد.
المرحلة الانتقالية الثانية:
تشرين الأول/ أكتوبر 2011- تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2014
أفضت انتخابات 2011 إلى صعود الإسلاميين إلى الحكم وتمكّنهم من دواليب الدولة، على الرغم من فقدانهم التام للخبرة في تسيير الإدارة. لم تنجح الترويكا الحاكمة (الإسلاميون وحزبان علمانيان) من تحقيق ما هو مطلوب منها في الوقت المحدد، وهو إعداد دستور وقانون انتخابي ووضع هيئة منتخبة لتشرف على الانتخابات المقبلة. كما عرفت هذه المرحلة احتقانًا سياسيًّا وصل إلى حدّ الاغتيالات السياسية والاعتداء على الاتحاد العام التونسي للشغل؛ ومحاولة "أخونة" المجتمع التونسي، ما أدّى إلى تفاقم الاحتجاجات. ولعلّ أشدّها هو اغتيال قيادي ثانٍ في الجبهة الشعبية، هو محمد البراهمي في صائفة 2013 (الأول كان شكري بالعيد في شباط / فبراير 2013)، وذبح جنود تونسيين بجبل الشعانبى إثر إفطارهم في شهر رمضان، ما أدّى إلى تعطّل أعمال المجلس التأسيسي، وخروج مئات آلاف من التونسيين للمطالبة بحكومة تصريف أعمال، والعمل على التعجيل بإنهاء صوغ الدستور (المفترض صوغه في سنة واحدة)، وتحديد موعد الانتخابات. وفي مشهد مشحون بالتشنج والمزايدات غذّاه شبح الانقلاب العسكري في مصر، في أيلول / سبتمبر 2013، قام الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف ورابطة حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بمبادرة الحوار الوطني للخروج من الأزمة. فكان التوافق على المسارات الثلاثة بالتزامن: المسار الحكومي بخروج الإسلاميين من الحكم، ووضع حكومة جديدة اتفقت عليها جميع الأطراف السياسية المنبثقة عن الانتخابات؛ والمسار الدستوري بفضّ الخلافات القائمة حول الدستور؛ والمسار الانتخابي بإتمام انتخاب الهيئة المشرفة على الانتخابات. تمّ في كانون الثاني / يناير 2014 الانتهاء من كتابة الدستور والتصويت عليه فصلً فصل. ومن ثمّ تمّ الانطلاق في تركيز أول هيئة دستورية منتخبة، وهي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي انطلقت بعد تجاوز بعض الصعوبات في إعداد رزنامة الانتخابات التشريعية والرئاسية والعمل على إعدادها.
مرحلة التدعيم:
تشرين الأول/ أكتوبر 2014 – تشرين الأول/ أكتوبر 2019
جرت انتخابات 2014 في جو الإطاحة بالإسلامين. تحصّل حزب نداء تونس الحديث النشأة 2012() والمبنى على أربعة روافد (الدستوريين، والنقابيين، واليساريين، والمستقلين) على أغلبية المقاعد 89 من مجموع 217 يليه الإسلاميون ب 69 مقعدًا. من جهة أخرى فاز الباجي القائد السبسي رئيس حزب نداء بالرئاسية بنسبة 68،55 في المئة أمام منافسه المنصف المرزوقي، والذي كان مرشح مناصري الثورة المستمرة والصف الإسلامي حتى وإن لم يكن ذلك بصفة علانية. وقد كان للمرأة التونسية في ذلك دور أساسي، فقد صوّت مليون امرأة من جملة المليون وسبعمئة ألف لمصلحة الباجي قائد السبسي7. شكّل الحزب الفائز الحكومةَ بحسب ما ينص عليه الدستور، وكانت مدعمة بأربعة أحزاب بما فيها النهضة لإعطاء الحكومة حظًا أكثر للنجاح، وكذلك تقليص دور الإسلاميين في المعارضة. من السابق للأوان
في هذه المرحلة الجديدة الإجابة بصفة قطعية حول مدى نجاح تونس خلافًا للبلدان العربية الأخرى. هل هناك عوامل خاصة بتونس؟ هل مرد النجاح دور المرأة ووزن الإرث البورقيبي أو هو دور المجتمع المدني؟ وهل ستنجح تونس في النهاية في إرساء ديموقراطية دائمة؟ سنقدّم مقوّمات نجاح التدعيم الدمقراطي، وهي ثلاثة (التحاور السياسي، والتجانس المجتمعي، والدولة العضوية)، ثمّ سنتطرق إلى رهان العدالة الانتقالية للبت في ثلاثة ملفات تبدو متداخلة ولكنها مستقلة (المسؤولية السياسية للطاقم السياسي السابق، والمسؤولية الجنائية الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان، والمسؤولية في قضايا الرشوة والفساد) وأخيرًا نقيّم الأخطار التي تتهدد التجربة. وهي بدورها ثلاثة (الأزمة الاقتصادية، وإضعاف الدولة، والإرهاب.)
ثانيًا: مقومات نجاح التدعيم الديمقراطي
منطق الحوار
مثّل الحوار الوطني منذ انطلاق التحوّل نقطة قوة خلافًا للبلدان التي سقطت في الصدام. فلقد ارتكزت "اللجنة السياسية" (المسمّ ة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة) منذ بداية التحوّل على الوفاق بين الأطراف السياسية (من أقصى اليسار إلى الحركة الإسلامية) والجمعيات المدنية والشخصيات السياسية. وهي التي قامت بوضع ترسانة القوانين منها القانون الانتخابي الذي تمّ اعتماده في انتخابات 2001. والتزمت بمبدأ التوافق والتصويت عند الاقتضاء. ممّ أعطى التحوّل التونسي طابعًا مدنيًا توافقيًا، خلافًا لمصر حيث هيمن الطاقم العسكري على كلّ محطات التحوّل. ثمّ ما إن احتد الصدام بين الإسلاميين والعلمانيين، حتى أسرع الجيش المصري إلى قتل الديمقراطية في المهد مقابل استرجاع الدولة لسلطتها؛ بينما فضّ لت الأطراف التونسية الحوار حول خارطة طريق للخروج من أزمة كانت تهدد مسارها الديمقراطي. وبذلك حافظت تونس على حظوظ الديمقراطية. وقد ساعد على ذلك مجتمع مدني مكوّن من 18000 جمعية في آخر تعداد لها، ترجع أصوله في الواقع إلى ثمانينيات القرن الماضي8. لم يكن الحوار الوطني بديلً للمجلس التأسيسي9. بل هدفه هو التوفيق بين الشرعية الانتخابية والشرعية التوافقية. وكان ذلك مؤشًّا على "سقوط" شرعية الحركة الاسلامية10. انطلق الحوار الوطني في نهاية أكتوبر / تشرين الأول 2013، في ظلّ وضع اتّسم بانعدام الثقة وانسداد الأفق، لأسباب عدة ومتشعبة مردّها أول إلى التأخير في إصدار دستور توافقي بعد أربع مسوّدات آخرها في حزيران / يونيو 2013. وثانيًا، انتقادات الأداء الحكومي غير المرضي في المجال الاقتصادي. وثالثًا، تردّي الأوضاع الأمنية بعد موجة من العنف قادتها مجموعات دينية متشددة. وهو ما أدّى إلى اغتيال شكري بلعيد في شباط / فبراير 2013 والنائب محمد البراهمي في آخر تموز / يوليو 2013. ودام اعتصام باردو ما يقارب كامل شهر آب / أغسطس، مطالبًا بحلّ المجلس واستقالة الحكومة المنتهية شرعيتهما وفق القانون. دام الحوار ثلاثة أشهر وتوّج في كانون الثاني / يناير 2014، بعد أن وُضعت حيّز التنفيذ خارطةُ طريق ذات ثلاثة مسارات (حكومي، ودستوري، وانتخابي)، تمثّلت في الإسراع بالمصادقة على الدستور، وتكوين حكومة كفاءات تحت رئاسة المهدي جمعة، واستكمال انتخاب الهيئة العليا للإشراف على الانتخابات. وتمّ في 9 تشرين الأول / أكتوبر 2015، تكريم الرباعي الراعي للحوار (الاتحاد العام التونسي للشغل، والمنظمة التونسية للأعراف، وعمادة المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) بجائزة نوبل للسلام، بما هو اعتراف لهذه المؤسسة بقدرتها على تجنيب البلاد دوّامة العنف. والرباعي الراعي للحوار له عمق في الثقافة السياسية. فهو إلى حدّ ما امتداد للدولة المهنية المستحدثة أو الجديدة)Neo-Corporatist State(11. تأسست منذ الاستقلال على روافد أربعة (منظمة الشغالين، ومنظمة الأعراف، والاتحاد الوطني للمرأة، والاتحاد الوطني للشباب.) وهي منظمات احتكرت تمثيل منظوريها
مقابل الولاء للدولة المتسلطة12. وهذا الحلف بدوره هو امتداد "للقطب التاريخي" bloc(historical) بمفهوم أنطونيو غرامشي، أي المهيمن فكريًّا على الحراك منذ أن أسس الحركةَ الوطنية الحزب الدستوري الجديد 1932() بروافده آنذاك بما فيها اتحاد الشغل 1946() ومنظمة الأعراف 1947(.) وينحدر معظم قادة الحركة الوطنية وأطر الدولة التونسية والمعارضة بكلّ أطيافها من سلك المحامين الذي يرجع تأسيس هيئته إلى بداية القرن العشرين. وهو ما يجعل النخب متجانسة التكوين والثقافة السياسية والزمالة. أمّا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان فهي أول منظمة في أفريقيا 1978()، نشأت في رحاب الطبقة المتوسطة وليدة التحديث ما بعد الاستعمار. وكلّ هذا يغذي ثقافة التنازل. فالدولة التونسية بنفسها تعوّدت على التراجع في القرارات غير الشعبية أو التي تفضي إلى تفجير الأوضاع. فقد تخلّت عن سياسة التعاضد الاشتراكي في 1970، وعن الرفع في أسعار المواد الغذائية 1978() في مرحلة لبرلة الاقتصاد. وحتى بن علي التزم بوضع حد لسياسته القمعية بحسب ما صرح به في آخر خطاب له يوم 13 كانون الثاني / يناير. وتسربت هذه الثقافة إلى جلّ الأطراف بما فيها النهضة التي عدّلت من إطلاقية مقولاتها العقائدية، وقبلت سياسيًّا تحت ضغط المجتمع المدني مراجعة العديد من قراراتها، بما فيها التشبث بالشرعية الانتخابية أثناء أزمة 2013. فضلً عن تخلّيها عن حماية الحركات السلفية بعد تلكّأ مر.ّ وكان من نتائج منطق التآلف الوصول إلى ما سمّي ب "دستور توافقي" 2014() بعد رفض المجتمع المدني أربع نسخ أرادت الأغلبية البرلمانية في المجلس التأسيسي (المتكونة من حزب النهضة وحلفائها) فرضها على الأقلية العلمانية (تموز / يوليو 2012، كانون الأول / ديسمبر 2012، نيسان / أبريل 2013، حزيران / يونيو 2013.) تأسست لجنتا توافق داخل البرلمان، وفي هياكل الحوار الوطني عملتا بالتنسيق للوصول إلى النسخة النهائية. وهذا خلافًا لمصر حيث "الرابح يتحصل على الكل" winner the all takes أكان الطرف الإسلامي (دستور)2012 أو العلماني - العسكري (دستور 2014-2013.) وشملت التوافقات في الأصل مسألة الإسلام، فقد أقرّ الدستور الفصل الأول كما ورد في دستور 1959: "تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها والجمهورية نظامها." وعلى مدى أربعين سنة ساد غموض حول الصيغة (هل أنّ الإسلام دين الدولة أم تونس بصفتها بلادًا أغلبيتها مسلمة؟.) وقد حاولت الأغلبية البرلمانية رفع اللبس بإدراج "دين الدولة" توضيحًا للفصل الأول ضمن فصول الدستور في النسخ الأربع إلّ أنه وقع العدول محافظة على الغموض في الجلسة العامة الختامية. كما وقع من باب أولى وأحرى رفض الشريعة مصدرًا للتشريع. وأضيف للفصل الأول الثاني الذي يرفق اللبس "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب وعلوية القانون." وهذان الفصلان لا يجوز تعديلهما. وكان مربط الفرس الفصل السادس الذي وقع التصويت عليه مرتين في بداية الجلسة العامة الختامية (بعد الفصل الخامس) وفي نهاية أعمال المجلس ضمن الخلافيات الأخيرة. ويشمل على الأقل عشرة عناصر (نضيف أرقامًا غير واردة في النص:) "الدولة راعية للدين 1()، كافلة لحرية المعتقد 2() والضمير 3() وممارسة الشعائر الدينية 4()، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي.)5(تلزم الدولة بنشر قيم التسامح الاعتدال 6() والتسامح 7() وبحماية المقدسات ومنع النيل منها 8()، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير)9(والتحريض على الكراهية 10() والعنف وبالتصدي لها 11(.") ويعد الدستور التونسي أول نص أساسي عربي يقرّ بحرية الضمير، إذا ما استثنينا دستور لبنان الطائفي 1926() إذ وردت العبارة في النسخة الأصلية الفرنسية conscience(de Liberté) والتي ترجمت للعربية ب "حرية المعتقد" والفرق شاسع بينهما. وشمل التوافق نوعية النظام السياسي، ذلك أنّ الأغلبية أرادت نظامًا برلمانيًّا يضع كل الصلاحيات في أيدي الحكومة المنبثقة من البرلمان، بينما فضّ لت المعارضة نظامًا شبه رئاسي يوازن بين السلط، وقد اختير هذا الأخ رر مع بعض التنقيحات. هل أنّ الدستور توافق سياسي أم قيمي؟ هنالك ثلاثة أنواع من التوافقات: الوفاق مثل بلجيكا وسويسراconsociational pact الإثني – الاجتماعي ولبنان. ويشترط فيه مقايضة التجاذب بقبول التمثيل النسبي الذي يعدّل من المفهوم الأغلبي للديمقراطية (الرابح يحدد مصير الخاسر.) ثمّ هنالك الوفاق حول قيم متعالية وكونية أي عقد اجتماعي بين أفراد disembedded تخلصوا من روابطهم الجماعتية والإرث الثقافي التاريخي بما فيه الدين الجماعي. وأحسن مثال هو فرنسا. وهنالك أخيرًا الوفاق السياسي المبني على التحالفات الظرفية والعقلانية الهدفية (هدف / وسيلة) والحسابية (ربح / خسارة) كما نجده في نظريات العقلانية الشكلية. وفي الحصيلة، يمكن القول إنّ الدستور هو حصيلة "اتفاق سياسي - قيمي" كان فيه للحسابات السياسية دور لا يقل دفعًا عن الثقافة السياسية الجمعية المدنية.
تجانس النسيج الاجتماعي
وتتناغم ثقافة الوفاق مع تجانس النسيج الاجتماعي. فالدولة التونسية هي دولة - أمّة موحدة. وذلك خلافًا للعديد من الدول الديمقراطية المتعددة
الأجناس التي تحتاج إمّا إلى مواطنة متعددة الأجناس multicultural مثل أميركا وكندا أو إلى اتفاق إثني – اجتماعيcitizenship pact consociational. وهو ما يميز تونس أيضًا عن الدول العربية الأخرى التي بررت فيها الانقسامات الدينية (مسلمون / غير مسلمين)، والإثنية (قبائل وأعراق)، والطائفية (شيعة / سنة)، ما غذى الدكتاتورية باسم وحدة الأمّة. فالشعب التونسي شعب لا يشكو من اختلافات عرقية (الأغلبية من البيض)، ولا قبلية (تلاشت العلاقات القبلية من جراء التحديث القسري)، ولا دينية (الأغلبية من المسلمين)، ولا طائفية (الكل سنة)، ولا حتى مذهبية (الكل مالكية.) وهو ما سهّل عملية التوافق السياسي وجنّبها العوائق الموجودة في البلدان الأخرى متعددة الأطياف التي لم تنجح. صحيح أنّ الولاءات القبلية الممزوجة بالزبانية المستحدثة كان لها دور لا يستهان به في الثورة خاصة في المناطق التي اندلعت منها (سيدي بوزيد والقصرين) كما أثبتته التحقيقات الميدانية التي أشرف عليها مولدي الأحمر13. ولكن لولا تدخل الطبقات الحداثية المتمثلة في العملة وأرباب المهن الحرة في المدن على الخط، لكان مآلها الفشل كما هو الحال في كل الانتفاضات الريفية منذ العصر الوسيط في العالم بأسره. وهذا هو الفرق بين ال "خروج" ضد سلطان جائر والثورات الحديثة. وفي المقابل، هنالك تمايز كثيف ومورَم بين بين العلمانيين والإسلاميين لهيمنة الثقافة العلمانية على النخب أكثر إطلاقًا من البلدان العربية الأخرى (باستثناء لبنان والجزائر.) لكن قرّب الحوار الوطني وجهات النظر وتكوين الحكومات المشتركة (الترويكا سابقًا وبين نداء والنهضة) أيضًا. فضلً عن توجه حركة النهضة إلى التونسة والانصهار بالتدريج في الاسلام التونسي السني المالكي فقهًا والأشعري عقيدة. فلا ننسى أنها في بداياتها كانت حركة إخوانية وفي بداية المسار الديمقراطي رفضت إحياء رموز الدولة الوطنية مثل بورقيبة وعيد الجمهورية)1957(وعيد الشهداء 1938(.) فهي لم تقبل إلّ الولاء لصندوق الاقتراع. وهنا لا بد من التفريق والتمييز بين أنواع الولاء: فالولاء للجماعة هو ولاء للقيم، أمّا الولاء للحكومة فهو القبول بالشرعية الانتخابية، في حين أنّ الولاء للدولة هو ولاء للنظام system.)) وهذا هو الرهان الذي تريد تونس ربحه.
الدولة العضوية المتجددة
يبدو من المتهافت أن نقول إنّ تونس كانت تاريخيًّا دولة قوّة. ولكنّها هي كذلك. فهي أولً دولة بصفتها جماعة منظمة ومتأسّسة institutionalized، تحتكر الضغط المسلح على مساحة ترابية مقبولة اجتماعيًّا. وفي الحال تتمتّع الدولة التونسية بعمق تاريخي يرجع بحسب المؤرخين إلى الدولة الحفصية تقريبًا، والتي دامت ما يقارب ثلاثة قرون 1574-1236()، تلتها الدولة المرادية التي خرجت من أحشائها الدولة الحسينية التي بدورها دامت ثلاثة قرون 1956-1705()، خلافًا لمعظم الدول العربية الأخرى باستثناء مصر والمغرب. وهي ثانيًا دولة القوة الإدارية /( puissance la de Etat (Machtstaat، أي الدولة الحارسة التي تنتج القانون وتطبقه على المواطنين، ولا تطبقه على نفسها، خلافًا لدولة القانون /( Rechtstaat droit de Etat)، أي الدولة التي تخضع للقانون.
وعلى هذا الأساس، عمدت تونس في القرن التاسع عشر بصفتها دولة ذات قوة إدارية إلى القيام بإصلاحات تحديثية على غرار ما قامت به تركيا وألمانيا واليابان. لعلّ أهمّ تلك الإصلاحات الترسانة القانونية التي بدأت بعهد الأمان في 1857 المستوحى من التنظيمات التركية، وبإقرار أول دستور في العالم الإسلامي في 1861. تلتها إصلاحات عديدة، أسس لها خير الدين باشا الوزير الأول، ما بين 1873 و 1877، في الميدان الجبائي والأوقاف وعقلنة الإدارة وتعصير التعليم وعلمنة العدالة وإعادة ترتيب السلطة الدينية. ولم تعرف هذه الإصلاحات اعتراضات جدية من النخب أو الشعب. وهو ما يبرهن على أنّ الدولة لم تعتمد على القوة Potestas العارية بل على السلطان Auctoritas، وهي السلطة الشرعية التي يتحدث عنها ماكس فيبر. وهذا خلافًا للدول الأخرى التي ألحق البعض منها بالدول المستعمرة، أو لم تكن قائمة وموجودة أصلً حينها إلّ في شكل محافظات تركية (العراق، وسورية، ولبنان) أو مشايخ (بلدان الخليج.) ويمكن الإشارة إلى أنّ ذلك هو السبب الرئيس في تصنيف تونس محمية وليست مستعمرة. ثالثًا، هي دولة قوية. وهي ليست الدولة التي تعتمد على العنف، وإنّ ا هي الدولة العضوية State organic القادرة على النفاذ إلى المجتمع. وهذا هو مفهوم الدولة
القوية بحسب ميقدال14. ولقد عُدّت الدولة الإنكليزية في العصور الوسطى مثالً للدولة القوية لأنها اعتمدت على أدنى ما يمكن من الأجهزة لتسيير دواليبها (بما فيها الأمن والجيش والعدل) وأطلقت الحرية للمجتمع والسوق. في المقابل صُنّفت الدولة العثمانية مع أنّها إنكشارية، دولة ضعيفة وذلك لثقل أجهزة الدولة وخاصة الجيش على الخزينة15. وهذا بالضبط ما حصل ما بعد الاستقلال. فالنخب التونسية هي النخب العربية الوحيدة التي كانت مدنية (لا عسكرية) ومدينية urban (لا ريفية)، وعلمانية لا أصولية scriptural. ربطت مجددًا مع إصلاحات الدولة الإدارية من القمة وبطريقة تسلطية. وفي إطار التحديث الفوقي قامت الدولة مباشرة وفي ظرف وجيز 1961-1956() أولً بعقلنة البيروقراطية من خلال ترسانة من الإجراءات. ولقد بسطت نفوذ الدولة على كامل ترابها. كما وقعت عصرنة نوعيته من خلال حذف المؤسسات الترابية التقليدية مثل الشيخ والقايد، وتعويضها بالمعتمد والوالي تحت إشراف وزارة الداخلية. وثانيًا العلمنة من خلال الحد من السلطة بتوحيد القضاء وإلغاء المحاكم الدينية والوقف والمدارس الدينية وإلحاق التدريس بجامع الزيتونة إلى التعليم الرسمي والمجاني والإجباري خارج النمط التقليدي. وثالثًا، بتثوير العلاقات الجنسية عبر إصدار مجلة الأحوال الشخصية 1956() التي غيّت البنية الديمغرافية للمجتمع وثقافته المدنية. وكانت بذلك الدولة القوية القادرة على النفاذ في المجتمع من دون أي اعتراض. هذه هي جذور الدولة القوية التي سقطت فيما بعد في الخلط بين قوة القبول الطوعي أو السلطان، والقوة العارية أو الغلبة. وهي بدورها انهارت في 14 جانفي. ولكن للمرء أن يتساءل: هل سقطت الدولة أم انهار النظام أم تراجعت القيم؟ فالدولة مؤسسة دائمة، أمّا النظام فهو مجموعة أشخاص متغيرين، وأمّا القيم فهي عامة وجامعة. تغي النظام، وضعفت الدولة واهتزت القيم منذ 14 جانفي. فعلى الرغم من تعدد الهزات التي صاحبت 14 جانفي، فإنّ الدولة التونسية لم تنهر. ولم يضعف إلّ الولاء للحكومة وللقيم الثقافية التي تجمع الجماعة، والتي اهتزت. لكنّها في المقابل لم تنقطع. وهذا ناتج عن التحديث الذي قامت به تونس تاريخيًّا. ممّ سمح للديمقراطية أن تتطور على خلاف ليبيا واليمن البلدين اللذين يفتقران إلى مقومات الدولة. كما أنّ دولة القوة الإدارية أصبحت دولة قانون من خلال إرساء الدستور الجديد في 2014، والذي حصل حوله إجماع حول القيم الجديدة التي تربط المجتمع. اذ تمّ تضخيم دور الدولة عبر تعدد الصيغ، فقد تمّت مطالبة الدولة بحماية الحقوق والدستور من خلال استعمال بنوده لمفردات مثل "تسعى الدولة" أو "تسهر الدولة"، أو "تضمن الدولة" وكأنّ الدولة ملاذ الجميع. كما أنّ الدولة العضوية هي أيضًا مهنية مستحدثة State neo-corporatist. والفرق هو أن الدولة العضوية تقاس بدرجة النفاذ في المجتمع بينما المهنية لا تعنى إلّ بالعلاقة بين سلطة الدولة وتمثيل الهياكل الفئوية المهنية (عمال، ورجال أعمال، ونقابات، واتحادات) عبر عقد الولاء مقابل احتكار التمثيل. ومن الخصائص التونسية أنّ الدولة المهنية ما زالت فاعلة أي إنّ التعددية لم تطلها مجملً. ولكن تعمل في شكل تفاوضي وطوعي، بينما كان في السابق قسريًا. وعمومًا، أثّرت الدولة العضوية State organic في المجتمع في العمق. فالديمقراطية كانت نتاجًا للتحديث المتعدد الأوجه (الرخاء النسبي والطبقة المتوسطة والنخب المتعلمة.) وهذه المقومات تسمح بتزاوج الأمن والحرية والديمقراطية، وهو ما يؤسس قيام دولة ديمقراطية وقوية في الآن نفسه. وهذا خلافًا لمن يتصوّر أنّ الديمقراطية تضعف الدولة وتنبئ بانهيارها. وأحسن دليل على أنّ الدولة تستعد لاسترجاع عافيتها هو مشروع المصالحة الاقتصادية الذي بادر به رئيس الجمهورية مؤخرًا. وهذا المشروع محلّ جدل بين مساند (الفريق الحاكم بما فيه النهضة) والمعارضة التي تخشى أن يكون مدخل لرجوع الدولة العميقة وإقبار الديمقراطية.
ثًالث ا: العدالة الانتقالية في الميزان
يتخلل مسار العدالة الانتقالية بصفتها جزءًا من التدعيم الدمقراطي ثلاثة تجاذبات كبرى: بين من يتصوّر أنّ الثورة انتهت، ومن ينادي بمواصلتها. وبين الحكومات المتعاقبة والمعارضة التي تزايد كل منها على الملف، وبين الاسلاميين والعلمانيين. تتمثّل عناصر العدالة في أربعة إلى خمسة جوهرها إنصاف المظلومين16. وهي التي أخذ بها القانون التونسي المؤسس للجنة الحقيقة والكرامة لفظًا17. الحق في العدالة: وهو المحاسبة أي محاكمة الجناة عبر قوانين وهيئات تضمن محاكمة عادلة عبر هيئات قضائية غير تقليدية
(مثل المحكمة الجنائية الدولية) أو محاكم الحق العام أو مزيج من هذا وذاك. الحق في الحقيقة: معرفة ما حصل للمتظلمين ببعث لجان لتقصي الحقائق نشأ منها 30 لجنة في العالم18. الحق في التعويضات: جبر الضرر المادي (تعويضات وامتيازات) والمعنوي عبر الاعتذار العلني والرسمي من الدولة، وإجراءات رمزية مثل بناء نصب تذكاري وتخليد ذكرى المعاناة19. ض ناا عدم تكرار الاساءة بإصلاح المنظومة القانونية والمؤسساتية، وإصدار قوانين تحمي حقوق الإنسان، وتحصن حياد الأجهزة (الأمن والجيش والمخابرات.) المصالحة عبر المطالبة بالعفو من الأشخاص المعتدين وقبوله من طرف الضحية. ولكنّ مفهوم العدالة الانتقالية أشمل. هو يطرح سؤالً محوريًا بحسب أول منظريها: "كيف ينبغي للمجتمعات أن تتعامل مع ماضيها الشيطاني؟"20. تطرح ثلاثة أسئلة في هذا الصدد: أولها، ما هو مصير أصحاب القرار للنظام السابق؟ وثانيها، كيف التعامل مع الأمنيين والعسكريين المسؤولين عن انتهاكات حقوق الانسان؟ وثالثها، هل يجب انتزاع أملاك المرتشين والفاسدين المقربين من السلطة السابقة؟ وفي هذا الإطار تعثر مسار العدالة الانتقالية وتداخلت الملفات وتلكأت الإرادة السياسية في التعامل مع الأطراف الثلاثة المسؤولة (الطاقم السياسي، والمسؤولون عن الانتهاكات، والمرتشون.) ويمكن لنا أن نلخّص إدارة ملف العدالة الانتقالية بأنها ارتجالية. اتسمت المرحلة الأولى 2011() بازدواجية الآليات أي بعث لجان خاصة مع المحافظة على صلاحيات العدالة التقليدية (من محاكم حق عام ومحاكم عسكرية) واتخاذ إجراءات حول بعض الملفات مثل العفو التشريعي العام وملف "شهداء الثورة " ومصادرة أملاك العائلات المقربة من بن علي. على الرغم من تغير الأغلبية السياسية مرتين 2011(و 2014)، فإنّ المرحلة الثانية 2012-( 2014) لم تقطع مع هذا التمشي. وواكبت الحكومات المتعاقبة إدارة الملفات بنفس الانتقائية إلى حد انشاء هيئة الحقيقة والكرامة (كانون الأول / ديسمبر )2013 الأغلبية الحكومية (كانون الأول / ديسمبر وتغيير .)2014 وعلى امتداد الأربع سنوات تكاثرت الهيئات والمؤسسات المناط بعهدتها مهمات العدالة الانتقالية، وتداخلت الوظائف وتشعبت، ما عقّد الأمور وأخّر الحلول. هناك إذًا نوع من الاستمرارية في تصوّر العدالة الانتقالية، والتي تعكس بدورها التمشي السياسي المرن الذي توخّاه التحول في تونس، إلى درجة أنه قد تفقد العدالة الانتقالية. نتطرق للملفات المطروحة الواحد تلو الآخر. لنخلص بالتساؤل حول المصالحة.
مسؤولية الطاقم السياسي
انتقلنا من العزل الظرفي إلى غلق الملف. ففي خضم الثورة حصل في 20 كانون الثاني / يناير فصل الدولة عن الحزب ومصادرة "الممتلكات المنقولة وغير المنقولة" للحزب21. وتبعه استقالة المسؤولين السامين في قيادة التجمع الدستوري الديمقراطي الحزب الحاكم22. وفي يوم 6 شباط / فبراير 2011، تمّ تعليق جميع نشاطات التجمع الدستوري الديمقراطي، وفي يوم 9 آذار / مارس 2011، حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي بقرار قضائي وتكليف وزارة المالية بالنظر في مصير ممتلكاته. كما منع من الترشح للانتخابات التأسيسية كل من تحمّل مسؤولية صلب الحكومة في عهد الرئيس السابق المنتمين إلى التجمع الدستوري الديمقراطي، ومن تحمل مسؤولية في هياكله ومن ناشد الرئيس السابق للترشح لمدة رئاسية جديدة لسنة 2014 من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة23. وهذا لم يمنع مشاركة ما يقارب
عشرين حزب منبثقًا من التجمع ممن لم يتحملوا مسؤوليات24. كما أمكن للجميع المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية.)2014(ولم يبق مفتوحًا إلّ ملف المسؤولية الجزائية للطاقم السياسي السابق.
المسؤولية الجزائية
كان أول إجراء تكوين "اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات والانتهاكات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها" للتحقيق في المسؤولية الجنائية لكل من تورط في قتل وجرح المتظاهرين وتقديم الملفات إلى العدالة العادية. ثم تلاه العفو التشريعي العام لكل من وقعت محاكمته "ما قبل 14 جانفي" (أي منذ الاستقلال) من أجل جريمة سياسية (الاعتداء على أمن الدولة، والإرهاب، والانتماء لأحزاب غير معترف بها، والتظاهر، والنشاط النقابي) وإقرار "حق العودة للعمل وطلب التعويض"25. ومن الناحية الجزائية البحت، وقع الالتجاء إلى المحاكم العادية عوض المحاكم الخاصة للعدالة الانتقالية ممّ عطل المتابعة وعقّدها. وحوكم بعض المورطين، وأطلق سراح آخرين بعدم سماع الدعوى، كما أنّ هنالك قضايا جارية وأخرى يكتنفها الغموض أو عدم معرفة الجاني. ررر، صدر مرسوم في وفي ما يخص جبر ال 2011 حول "تعويض شهداء ثورة الحرية والكرامة" أي كل من استشهد أو أصيب بسقوط بدني ابتداء من 71 رر كانون الأول / ديسم 2010 إلى 19 شباط / فيفري 2011 26. أمّا الجانب الثاني الخاص بالتعويضات، فقد وقع فيه جبر الضرر بمقابل مبلغ زهيد، اعتمادًا على مرسوم خاص27. وبحسب وزير العدل والعدالة الانتقالية في حكومة الترويكا، انتفع بالتعويض 6453 شخصًا (من أصل 11.000268) و من جرحى الثورة (من أصل)365628. وقال إن 20 مليار دينار (ما يقارب 12 مليون دولار) صرفت في جرايات ومنح عدة ومنافع اجتماعية29. ولكن لم ترضَ عائلات الشهداء والجرحى بالمبالغ الزهيدة التي خصصت لهم. وبقي الملف مفتوحًا.
ملف الرشوة والفساد
تم تكوين لجنة تقصي الحقائق في مجال الرشوة والفساد في نفس اليوم الذي أحدثت فيه لجنتي الإص حاا السياسي ولجنة تقصي الحقائق 2011() ووقع إصدار مرسوم متعلق بمصادرة الأملاك التابعة لعائلة واقارب الرئيس السابق من عقارات ومنقولات وحقوق مالية30. ولهذا الغرض تمّ إحداث اللّجنة الوطنيّة للتصرّ ف في الممتلكات والأموال المعنيّة بالمصادرة أو الاسترجاع31. وعلى الرغم من أنّها متكوّنة من مسؤولين سامين فإنّها لم تسطع في ظل الحكومات المتعاقبة أن تحسن إدارة الأموال المصادرة لغياب الإرادة والكفاءة. واكتفت بمتابعة العديد من المسؤولين على أساس فصول المجلة الجزائية المتعلقة باستغلال النفوذ من دون وجه. ولم يقع استرجاع الأموال المودعة في الخارج، لغياب سياسة حازمة، فضلً عن تعقد الإجراءات الدولية.
محاسبة أم مصالحة؟
انتقلنا من مرحلة اللجان الانتقالية المؤقتة إلى إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة سنة 2013 في إطار قانون يتعلق بالعدالة الانتقالية32. وتتمتع هذه الهيئة بالشخصية المعنوية إلى جانب الاستقلال المالي والإداري33. وعّرف هذا القانون العدالة الانتقالية بكونها "مسار من الآليات والوسائل" يرمي إلى كشف حقيقة انتهاكات حقوق الانسان ومساءلة المسؤولون ومحاسبتهم عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار
لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويضمن عدم التكرار ومن ثمّ الانتقال الديمقراطي34. وهي المبادئ نفسها المكونة للعدالة الانتقالية عامة المذكورة آنفًا (المحاسبة، والحقيقة، والمصالحة وعدم التكرار والإص حااات الهيكلية والتعويض،.) ووقعت دسترة منظومة العدالة الانتقالية في 2014 ضمن الأحكام الانتقالية للدستور35. وتتمتع الهيئة بصلاحيات واسعة منها النفاذ للأرشيف، والاطلاع على القضايا المنشورة في طور التحقيق، والمعاينة والتفتيش، والاستعانة بأعوان السلطة العامة المتعلقة بالتقصي والتحقيق وحماية الشهود. وتحيل الهيئة على دوائر مختصة بالمحاكم الابتدائية النظر في الانتهاكات والمحاسبة. وأوكل للجنة أيضًا تكوين لجنة تحكيم ومصالحة سواء أكان ذلك في مجال الانتهاكات أم في مجال الفساد المالي بين الأطراف المعنية. كما وقع تكوين صندوق الكرامة لتعويض الضحايا. وأمّا الاختصاص الزمني للهيئة، فهو يمتد منذ شهر تموز / يوليو 1955 إلى حين تاريخ صدور القانون في ديسمبر 2013. وهو ما أثار حفيظة العديد من الأطراف التي رأت في ذلك محاولة لإعادة كتابة الذاكرة الوطنية إخلالً بالقيم الوطنية. بدأ السجال بعد أن أعلن رئيس الدولة في الاحتفال بعيد الاستقلال يوم 20 آذار / مارس 2015، ضرورة المصالحة للخروج من الأزمة الاقتصادية، ورفع الحواجز عن رجال الأعمال الممنوعين من السفر. وبادر بقانون، يحتوي على ثلاثة إجراءات: العفو على الموظفين غير المتابعين من العدالة باستثناء المتهمين بالرشوة؛ المصالحة بين رجال الأعمال حالة بحالة، صفقة بصفقة، تحت طلب المنتفع بالرشوة؛ وتحويل الودائع في البنوك الأجنبية إلى حسابات تونسية بالدينار القابل للتحويل. ويرمي المشروع إلى إرجاع الثقة في الاستثمار، مع العلم أنّ مداخيل المصالحة تصرف على المناطق المحرومة. في المقابل يرى المعارضون أنّ التمشي يخرق الفصل 148 من الدستور الذي ينص على أن "تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية." ومن ثمّ تؤكد أحقية الهيئة في النظر في ملفات المورطين في الفساد وفي التحكيم بين الأطراف من دون الإفلات من العقاب. ولجأت الهيئة في تشرين الأول / أكتوبر 2015، إلى لجنة البندقية (وهي لجنة أوروبية تدعى باسم المدينة) التي لم ترَ أي تناقض بين قانون المصالحة الاقتصادية وعمل هيئة الحقيقة والكرامة الذي عليه التخصص في انتهاكات حقوق الانسان.
رابعًا: التحديات
قام بعض الباحثين بدراسة حول "الديمقراطيات المنهارة"36. اعتمدت على 32 حالة و 11 متغيرًا وظائفيًا يمكن التأكيد على أهمّها بغض النظر عن الأولوية: النسيج الاجتماعي (فبقدر ما يكون مجزّأ، تفشل الديمقراطية) وهو ما أجبنا عنه آنفا بإبراز تجانسه؛ والتاريخ (عائق أو مساعد:) وقد أبرزنا أنّ الإرث المحلي على الأقل عنصر قوة؛ التأثيرات الأجنبية (بقدر ما يكون مصير الديمقراطية تابعًا، تنهار التجربة:) والتجربة التونسية محل تجاذب بين غرب يريد جعلها "نموذج" من بعد ومن دون التزام جدي، وعرب ينظرون إليها بمزيج من الحذر والانبهار؛ وضعف السند الدستوري (وقد تخطت تونس العقبة بنجاح.) من العوائق أيضًا تشتت الحقل السياسي. وهو رهان جدّي، فالمجال السياسي هو في مخاض دائم وخاضع لجدلية الانقسام والتحالف باستثناء الطرف الديني المستقر. فلا تزال الساحة مثقلة بأكثر من مئة حزب، ولم يبق من 21 حزبًا ممثلً في المجلس التأسيسي)2011(إل 9 أحزاب أو ائتلافات 2014(.) والجميع في أزمة هوية بما فيها نداء تونس الفائز ب 86 مقعدًا 2014()، والذي هو بدوره في طور الانفصام. والمشاورات تدور يوميًّا لتكوين جبهات مؤلّفة من أشلاء الأحزاب. كما أنّ نوعية النظام السياسي لها دور في استقرار التجربة أو تلاشيها: فبقدر ما يدفع النظام الرئاسي إلى خطر العودة للتسلط، يساعد النظام على النجاح البرلماني "المعقلن" (أي الممزوج بجرعة من
النظام الرئاسي) والمعتمد في تونس. وبالتوازي مع نوعية النظام نمط الاقتراع: فبقدر ما يساعد نمط الانتخاب الأغلبي على تكوين أغلبية مريحة، يدفع نمط النسبية المطلق (كل حزب له فرصة التمثيل مهما كان وزنه) إلى تشتت نظام الأحزاب ويعرقل تكوين الحكومات أو يضعف من أدائها. وهو وضع تونس. ونريد التأكيد بدورنا على ثلاثة متغيرات: الوضع الاقتصادي، وإضعاف الدولة، وخطر الفوضى.
وضع اقتصادي مترد
تميز الوضع الاقتصاد في تونس بالتردي، مرده الوضع العام. ولكن أيضًا تدني قدرة الدولة في التحكم في مجريات الأمور. فقد شهدت سنة 2012 نسبة نمو اقتصادي ناهزت 3.5 في المئة نزلت إلى 1 في المئة في 2014 في حين أنها كانت في حدود 5 في المئة خلال الديكتاتورية؛ ونسبة بطالة ناهزت 16.7 في المئة، خلال الثلاثية الرابعة من سنة 2013. فسنة 2012 شهدت إغلاق 160 شركة ومصنعًا وإحالة 12370 عاملً إلى البطالة، أمّا سنة 2013 فشهدت إضرابين عامين إضافة إلى عدد من الإضرابات القطاعية أهمها إضراب عمال الموانئ بما يعنيه من وقف لجزء مهم من حركة التوريد والتصدير وإضراب المخابز. وتواصلت موجة الإضرابات في 2014 مع قطاع التعليم لتستمر مع حلول السنة الدراسية الجديدة في 2015. وفي السياق نفسه فإنّ نسبة الاقتصاد الموازي في تونس قد وصلت إلى حدود 54 في المئة. وتحوّل نظام التهريب في تونس إلى واقع مفزع تؤكده الأرقام وتثبته الوقائع اليومية. ويؤشّ ذلك على عدم قدرة الدولة على لبرلة الاقتصاد. فمن أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم ظاهرة التهريب ارتفاع الرسوم الضريبية، والتي تصل في بعض الأحيان إلى 100 في المئة. وهو ما دفع العديد من التجار إلى الانتصاب بطريقة فوضوية على قارعة الطريق. ولم تنجح الحملات الوطنيّة للتصدي لظاهرة الانتصاب الفوضوي وتنفيذ قرارات الهدم والإزالة. وتشير إحصائيات نشرتها وزارة التجارة التونسية، إلى أنَّ التهريب يكبّد تونس سنويًّا خسائر تقدّر ب 3.6 مليار دولار. ومن المفارقات أن دخل تجار التهريب أيضًا منظومة الحراك الاحتجاجي الثوري، شأنهم شأن أي موظف عادي. فقد شهدت مدينة بن قردان، معقل المهربين، في 29 تشرين الأول / أكتوبر 2014، احتجاجات رجال التهريب على إغلاق الطريق المؤدي للمدخل الجنوبي للمدينة. وهذا يبرهن على أنّ الدور الأصلي للدولة القادرة على حماية ترابها غير متوافر. كما أنّ الدولة لم تحلّ مشكل البطالة 500000() خاصة في صفوف حاملي الشهادات العليا 170000()، لم يحلّ المشكل مع أنّ مجهودات الحكومات تواترت منذ الثورة. ومن أهمّ ما نتج عن وضعية البطالة موجات الهجرة غير النظامية، فقد تجاوز عدد المهاجرين الأربعين ألف حالة منذ الثورة، وقد تزامنت هذه الهجرة بالخصوص مع حالة الانفلات الأمني. وتبقى هذه المؤشّات على أهميتها من تبعات أي مسار تحوّل ديمقراطي، نظرًا لعدم استقراره في مراحله الأولى. ولكنّ الأزمة دامت أكثر من اللزوم، واضعة جدلية الثراء والديمقراطية محل تساؤل، نظرًا لأنّ الديمقراطية لم ينتج عنها مباشرة ثراء عينيّ، إلّ أن الديمقراطية شرط للتنمية كما أثبته المثال الهندي. فالظرفية التي يعيشها المثال التونسي تفتح المجال على واقع يمكن فيه التعايش بين الديمقراطية والثراء.
إضعاف أداء الدولة
كانت الدولة التونسية عضوية، قوية ومستقرة. وهي اليوم في وهن. وهنالك مؤشّات على ذلك أهمّها ضعف إسداء الخدمات في جل المرافق العامّة، مع تدني نوعيتها، والتسيّب. ولا تزال تشكو الفساد بدليل استقالة أحد الوزراء مؤخّرًا (تشرين الأول / أكتوبر )2015 احتجاجًا على الفساد. وتعاني من تسييس الدولة أي تحزبها الذي أفرز التعيينات بالولاءات. وهو ما انعكس سلبيًّا على الخدمات. فقد أكّد عبد القادر اللباوي رئيس الاتحاد الوطني لحياد الإدارة أن "أكثر من 70 في المئة من جملة التعيينات في عهد "الترويكا" لم تتم مراجعتها بعد"، مشدّدًا على "ضرورة مراجعة ألف و 200 تعيين في مؤسسات الدولة من وزارات ومؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية ومنشآت عمومية،" شريطة ألّ يقع استبدالها بمن هو موال للنظام الحالي. ولكن على الرغم من جدية هذه الاعتراضات، فإنّ التعيينات بالولاءات، والتي وقع التراجع عن جزء منها لم تفكك الإدارة التي لا تزال تشتغل بحسب معايير البيروقراطية العقلانية التي تقوم بمهماتها باستمرارية. ومن المؤشرات على دولة عضوية، تعوّدت الولوج داخل المجتمع بسهولة، رفض قراراتها الفوقية والاحتجاجات الدورية ضد ممثلّي الدولة من ولاة ومعتمدين وعمد ومسؤولين سامين (مهما كانت نوعية الحكومات)؛ وبالنسبة إلى دولة موحّدة كانت قد بسطت نفوذها على كامل ترابها منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان ظهور بؤر خارجة عن سيطرتها وتململ على الحدود ومظاهر شتى للعصيان المدني. ومن الواضح أنّ المرور صعب من دولة "القوة الإدارية" de(Etat Machtstaat puissance/ la) إلى دولة القانون، في ظلّ ديمقراطية لا تلتجئ إلى القمع. وكلّ هذا يبرهن على تدني قدرة الدولة على "التنضيد"، لأنّ أي دولة هي في النهاية الفاعل الوحيد في المجتمع الذي
يستمد قوته من قدرته من اكتسابه أكثر من ورقة في جرابه، تسمح له بالإجابة على المطالب الفئوية، وتنظيم قنوات المشاركة، وجلب الولاء. في حين أنّ الفاعليين الآخرين لهم مجال تدخل محدود (المؤسسات الاقتصادية، والأحزاب الأطياف.)... وهذا هو الذي ضعف فعلً في المخيال الجمعي، وكأنّ حكاية "الدولة العضوية" أصبحت خرافة.
الإرهاب
يساهم تنامي الإرهاب في تردي الاقتصاد، وضعف الدولة، وينذر بالفوضى. لقد عرفت تونس منذ 14 جانفي عمليات إرهابية بصفة متواترة، وفي مناطق مختلفة، وبعمليات نوعية. سجلت الدولة التونسية أول مواجهة بين قوات نظامية وأخرى مسلّحة في 18 أيار / مايو 2011. وتميّزت سنة 2012، بتواتر العمليات الإرهابية التي توسّعت. أمّا في 2013، فتضاعف عدد العمليات الإرهابية كمًّ ونوعًا. فقد تضاعفت حصيلة العمليات الإرهابية، كما اغتيل سياسيان (شكري بلعيد في 6 شباط / فبراير، ومحمد البراهمي في 25 تموز / يوليو.) وفي 2014، تمّت العديد من العمليات بما فيها استهداف منزل وزير الداخلية آنذاك لطفي بن جدو بالقصرين في 27 - 28 أيار / مايو، والهجومان المتزامنان في 16 تموز / يوليو بالرشاشات والآر بي جي على نقطتين عسكريتين في الشعانبي. وتواصلت العمليات الإرهابية في 2015، مع تميّزها بعمليتين نوعيتين: استهدفت الأولى متحف باردو في 18 آذار / مارس، وأسفرت عن مقتل 20 شخصًا وجرح العشرات، واستهدفت الثانية فندقًا بسوسة في 26 حزيران / يونيو، ونجم عنها مقتل أكثر من 40 سائحًا وإصابة 35 آخرين بجروح متفاوتة. وتواصل مجددًا المسلسل بذبح راعي الغنم مبروك السلطاني في ربوع القصرين، واستهداف حافلة الحرس الجمهوري في شارع محمد الخامس بتونس العاصمة، وأسفر عن مقتل 14 فردًا وإصابة أفراد آخرين بجروح خطرة. وفي الحصيلة، لا يمثّل الإرهاب خطرًا ثانويًّا بل مسترسلً. فحتّى رئيس الجمهورية صرّح، بعد العملية الإرهابية التي جدّت بأحد فنادق مدينة سوسة، أنّ الدولة التونسية مهدّدة بالانهيار في حال حدوث عملية إرهابية جديدة. وهو ما دفعه إلى إعلان حالة طوارئ، ما دفع الكثير من التونسيين إلى الإعراب عن خشيتهم من العودة إلى الحل الأمني، خاصة أنّ الرئيس أحال على أمر 1978 الذي وقع اعتماده لإخماد الاحتجاجات آنذاك. لكن الواقع بدّد هذه التخوّفات، إذ لم تمنع حالة الطوارئ الأحزاب من تنظيم تظاهرات. وهذا الإرهاب هو في حقيقة الأمر مرتبط بالوضع الإقليمي، إذ تشهد الدول العربية تفاقم هذه الظاهرة خاصة مع ظهور داعش، وتفرخ الإرهاب في تونس حيث انتقلنا من "أنصار الشريعة" إلى عمليات تبنّاها داعش. وعلى الرغم من جدية هذه المخاطر، فإنّ هذا الإرهاب لا يتمتّع بعمق شعبي. فالتصدي للإرهاب تمّ من خلال اتفاق الأحزاب والنخب والشعب، والإجماع على رفض هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع التونسي. هذا فضلً عن استرجاع العسكر والجيش المبادرة من خلال القيام بعمليات استباقية. كما تعززت آليات التصدي للإرهاب من خلال الإجماع على قانون الإرهاب وضرورة إرسائه، بعد شدّ وجذب دام قرابة 3 سنوات. ففي 25 تموز / يوليو 2015، تمّت المصادقة عليه بنسبة 177 صوت موافق، في مقابل 10 تحفظ، ولا صوت ضد تمرير القانون. وهو قانون يعتقد أنه يوازن بين التصدي للإرهاب واحترام الحقوق الأساسية للمواطن. تبقى مسألة الأصول الفكرية والعقائدية للإرهاب، وقد كانت موضوع "مؤتمر المثقفين ضد الإرهاب" الذي جمع (آب / أغسطس 2015) أكثر من ألف مثقف، أصدروا بيانًا ودراسة شارك فيها أكثر من 35 مثقفًا بورقات وبرنامج عمل تمسّ كلّ الميادين. وكان من المتوقّع أن يليه المؤتمر الوطني ضد الإرهاب بمشاركة الأحزاب والجمعيات تحت رعاية الحكومة. إلّ أنه لم يلتئم. وهو مؤشّ خطير خاصة في غياب سياسة حازمة للتصدي للإرهاب. ففي آخر خروج له بعد تفجير حافلة الحرس الجمهوري (تشرين الثاني / نوفمبر 2015)، لم يرَ رئيس الجمهورية بدًا من إعلان "الحرب الشاملة" ضد الإرهاب، و"تفعيل" قانون الإرهاب، و"تجديد" مدة حالة الطواري بثلاثة أشهر مصحوبة بحظر التجول ليل، بعد أربع سنوات من الإرهاب المتواصل. هذا هو المشهد الآن.
خاتمة
قدّمنا الحالة "الاستثنائية" لتونس اعتمادًا على عناصر القوة التي سمحت لها بالتحوّل في مرحلة أولى من التسلّط إلى الديمقراطية، ومن ثمّ إلى تدعيمها في مرحلة ثانية. وهي أساسًا ثلاثة عناصر هي التحاور
في صورة تمازج بين المصالح والعقلانية، وبين السياسي والقيمي؛ والتجانس المجتمعي الذي جنّب التناحر والمزايدة الطائفية؛ والدولة العضوية القادرة على النفاذ للمجتمع، والتي ترجع أصولها إلى مرحلة التحديث العلماني القسري على النمط البيزماركي أو التركي في كل مجالات الحياة بما فيها الديني، خلافًا للبلدان العربية التي اقتصر فيها التحديث على الجانب الهيكلي أو الاقتصادي من دون المساس بمنظومة القيم. لكنّ تدعيم الديمقراطية يبقى رهين ثلاثة تحديات تتمثّل بتصفية تركة النظام السابق، والتدريب على قواعد اللعبة الجديدة، والتحكم في المتغيرات الجديدة. وتتمثّل تنقية الماضي من شوائب الدكتاتورية في العدالة الانتقالية (المسؤولية السياسية للطاقم السياسي السابق، والمسؤولية الجنائية الخاصة بانتهاكات حقوق الانسان والمسؤولية في قضايا الرشوة والفساد.) وهي مسألة ما زالت عالقة خلافًا لوضع قواعد اللعبة الجديدة (المتمثّلة بالدستور.) وأخيرًا تبقى مسألة التحكّم في المتغيّ ات الناتجة من عدم استقرار التحوّل في حدّ ذاته (الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية، وإضعاف الدولة، وخطر الإرهاب.)
وبقينا في كل هذا العرض تحت راية نظرية الدمقرطة (من التحوّل إلى التدعيم)، والتي حان الوقت لتنسيب مقولاتها ونقدها في ضوء التجارب العربية. فنظرية التحوّل ترتكز على فرضيات، أولها أنّ أي خروج من التسلّط هو بالضرورة تحوّل ديمقراطي (جلّ الثورات العربية اتجهت نحو سيناريوهات مغايرة)؛ وثانيها، وجود دولة بّمؤسساتها تشكو فقط من اعوجاج التسلّط ويمكن تقويمه بأقل التكاليف، بحيث لا نتحدث عن تحوّل ديمقراطي في غيابها بل عن "بناء الدولة" state-building (وهذا وضع اليمن وليبيا)، أو عن تحوّل سياسي من الدكتاتورية إلى المجهول؛ وثالثها أنّ الدمقرطة تورّم الإرادة اللبرالية للنخب (كما هو الخطاب حول تونس)، وتقلّل من أهمية الشروط الماقبلية (الرخاء، والطبقات الحمالة للديمقراطية، والثقافة المدنية، والتاريخ، والمحيط)؛ ورابعها اختزال الدمقرطة في مجموعة من المحطات تبدأ بإسقاط النظام وتنتهي بديمقراطية دائمة ومستقرة مرورًا بالتدعيم الديمقراطي (تونس)، إلّ إذا انتكس المسار (مصر نموذجًا.) وهذا التصوّر وقع انتقاده إلى حدّ أنّ الحديث يدور حول نهاية نموذج التحوّل الديمقراطي37. وإن كانت تونس غير معنيّة بنهاية "البارادايم"، إلّ أنّها في قلب رحى انحراف آخر يهدد الديمقراطيات الحديثة العهد، وهو ما سمّي بالنظم "التسلّطية الانتخابية" authoritarian Electoral Competitive authoritarian " أو "التسلّطية التنافسيةregimes regimes. وهي نظم مدنية منبثقة عن انتخابات غالبًا حرة وشفافة، وتعترف بالمنافسة السياسية، وتقبل التعدد. إلّ أنّ السلطة (المتمثّلة في النخب الحاكمة أو الحزب المهيمن أو الفائز) تتمتع بامتيازات غير شرعية. وتتمثّل التسلّطية المستحدثة في التحكّم في مؤسسات التعديل السياسي وخاصة في ثلاثة مفاصل (مصادر التمويل، ووسائل الاعلام، والمحاكم.) فالتنافس إذًا "موجود ولكن غير منصف"38. وهذا بالضبط ما سقطت فيه حركة النهضة في الحكم من دون جدوى. وهو خطر لا يزال قائمًا. فنداء تونس (الحزب الأغلبي) قد يراوده الحنين إلى الرجوع للماضي (مع المحافظة على التنافس الديمقراطي)، لو حافظ على وحدته التي أصبحت مهددة بفعل الانقسامات داخله. وقد تصبح النهضة مجددًا الحزب الأغلبي في البرلمان. ولكنّ نوعية النظام السياسي المنبثق من الدستور لا تساعد على احتكار السلطة من جهتي نمط الاقتراع أي التمثيل النسبي الذي يستوجب تكوين حكومة تشاركية ضرورة، ومن جهة التوازن بين صلاحيات السلطة التنفيذية (المزدوج بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة) والتشريعية (المتنوعة حتمً بفعل التمثيل النسبي.) وهو وضع شبيه بالنظام السياسي اللبناني أي في النهاية نظام هش، وغير مستقر، وعرضة للتأثيرات الخارجية والهزات. فهل إنّ مستقبل تونس هو لبنان بلا طائفية، أو ديمقراطية على شاكلة تركيا من دون التزام علماني، أو خلاف ذلك؟