تحولّات الثورة المصرية في خمس سنوات

عبد الفتاح ماضي

الملخّص

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن سؤال محوري هو: لماذا تغير مسار ثورة 25 يناير 2011 في مصر من النضال من أجل الكرامة والحرية والعدالة إلى هجوم مضاد على كل من ينادي بهذه الأهداف بحجة الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب؟ وتهتم الدراسة تحديدًا بالتغيرات التي طرأت على ثورة يناير فحولتها من "ثورة ديمقراطية"، تنشد الديمقراطية وتغيير نمط ممارسة السلطة وحماية الحريات وإقرار العدالة الاجتماعية، إلى ما يطلق عليه في أدبيات تغيير نظم الحكم "ثورة انتخابية" تدور حول إجراء الانتخابات لملء المناصب التنفيذية والتشريعية بعد انهيار رأس النظام في 11 شباط/ فبراير من دون اهتمام بأركان الديمقراطية الأخرى، ومن "ثورة انتخابية" إلى "ثورة مضادة" تحارب أهداف ثورة يناير عبر إقصاء كل القوى الرئيسة المحسوبة على الثورة وإقامة نظام حكم مطلق. يستند منهج الدراسة إلى فهم الكيفية التي أثرت بها طريقة تغيير النظام، وكذلك أسلوب إدارة المرحلة الانتقالية، في عملية الانتقال إلى الديمقراطية ونواتجها.

مقدمة

قاد عدم فهم طبيعة التغيير الثوري ومتطلبات إدارة المرحلة الانتقالية وحجم التحديات المصاحبة، إلى ارتكاب الأطراف التي تصدرت المشهد السياسي الكثير من الأخطاء في إدارة المرحلة الانتقالية. وهذه الأخطاء سمحت بدورها لخصوم الثورة باختراق المجال السياسي، وتعزيز الانقسامات السياسية، ومحاربة الثورة، من خلال محاربة القوى المنظمة كجماعة الإخوان المسلمين، وحركة 6 أبريل، والحركات الاحتجاجية الأخرى. وقد ظهرت مؤخّرًا تصريحات علنية ومسرّبة لمسؤولين يعترفون بمحاربتهم لهذه القوى. ويقتضي هذا المنهج البدء من التمييز بين الثورات الديمقراطية وغيرها من الثورات، وفهم طبيعة التغيير عبر الانتفاضات والثورات الشعبية، وطبيعة إدارة المراحل الانتقالية التي تعقب هذا النوع من التغيير، وذلك للانطلاق منها لإجراء تحليل نقدي لاختيارات الفاعلين الأساسيين ومواقفهم المعلنة في مصر خلال السنوات الخمس الماضية، بهدف معرفة أثر هذه الاختيارات والمواقف في عملية التغيير ونواتجها، وصولً إلى الإجابة عن سؤال الدراسة1. وسيتمّ هذا مع مراعاة تأثير محددات السياق العام الداخلي والخارجي في تلك الاختيارات والمواقف. فلا شك في أنّ اختيارات الفاعلين السياسيين لا تعمل في فراغ، كما أنّ المحددات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليست محددات حتمية، لا أثر لعامل الإرادة فيها. تبدأ هذه الدراسة في قسمها الأول بالبعد النظري، وفيه تعرض باقتضاب لمداخل الانتقال إلى الديمقراطية مع التركيز على التغيير الثوري لنظم الحكم، من حيث تأثير طبيعة الأنظمة القديمة في طريقة تغيير هذه الأنظمة ونوعية الأنظمة البديلة، ومن حيث طبيعة إدارة المراحل الانتقالية، إثر التغيير الثوري، وخطورة ما يطلق عليه في أدبيات التحوّل "الثورات الانتخابية"، هذا فضلً عن علاقة العنف وسياسة الإقصاء بالنواتج المتوقعة من عملية التغيير. أمّا القسم الثاني، فيتناول بالتفصيل الحالة المصرية. فهو يعرض الأوضاع التي أدّت إلى انتقال مصر من حالة الثورة الديمقراطية إلى الثورة الانتخابية، ثمّ إلى الثورة المضادة، وذلك عبر دراسة المرحلتين الانتقاليتين من شباط / فبراير 2011 وحتى 30 حزيران / يونيو 2013، ومن 30 حزيران / يونيو إلى نهاية عام 2015. وفي الخاتمة نعرض لأبرز نتائج الدراسة وبعض المقترحات المتصلة بكيفية استعادة الثورة الديمقراطية، وتحقيق المرور إلى نظام حكم القانون ودولة المؤسسات الديمقراطية.

القسم الأول: الثورات ومحددات الانتقال إلى الديمقراطية

موقع التغيير الثوري من مداخل التغيير

تشير أدبيات تغيير نظم الحكم إلى أنّ عمليات الانتقال إلى الديمقراطية تعتمد منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين على الكثير من العوامل2، منها إرث النظام القديم، وطريقة تغيير النظام القديم، وأسلوب إدارة المراحل الانتقالية ومواقف الفاعلين الرئيسيين وعلاقاتهم المتبادلة، إلى جانب العوامل المؤثّرة الداخلية والخارجية وغير ذلك. كما تعددت مداخل الانتقال إلى الديمقراطية وطرقها3. فعندما ظهر قادة تاريخيون، استطاع هؤلاء قيادة بلدانهم من حكم الاستعمار إلى الحكم الديمقراطي مباشرة، عبر آليات مختلفة منها آلية الحزب العابر للأعراق والأيديولوجيات، وعدم تسييس الجيوش، والاستفادة من إرث الاستعمار (الهند وماليزيا.) وفي الدول التي ظهر فيها إصلاحيون داخل الأنظمة الفردية أو العسكرية، قاد هؤلاء الإصلاحيون الانتقال بالتدريج من أعلى (إسبانيا والبرازيل)؛ وعندما ظهرت معارضة ديمقراطية موحدة أو تمتلك الحد الأدنى للعمل المشترك، استطاعت دفع النظام إلى التفاوض (بولندا وجنوب أفريقيا وعدد من دول أميركا اللاتينية.) أمّا عندما سدّت الأنظمة القديمة طرق التغيير بالتدريج، كان إسقاط النظام من أسفل عبر الضغوط الشعبية والقوى المعارضة، وفي بعض الدول ظهرت معارضة ديمقراطية، ومن ثمّ استطاعت هذه الدول الانتقال إلى الديمقراطية (الفلبين وكوريا الجنوبية)4. وفي حالات أخرى، انهارت نظم الحكم

  1. من الأهمية الإشارة إلى أنه نظرًا لاستمرار الحالة الثورية في مصر، فإنّ هذه الدراسة تتناول بطبيعة الحال المواقف والاختيارات المعلنة أو التي سرّبت عبر وسائل إعلامية مختلفة،
  2. أحصى صموئيل هنتنجتون نحو 27 متغيرًا وردت في دراسات الانتقال الديمقراطي، وساهمت في إقامة الديمقراطية في دول مختلفة، انظر: Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman: University of Oklahoma Press, 1991), pp. 37 - 38.
  3. انظر: عبد الفتاح ماضي، "مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية"، في: علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (محرران ومنسقان)، لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخّر العرب؟ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 31 - 83؛ وكذلك: Graeme Gill, The Dynamics of Democratization: Elites, Civil Society and the Transition Process (basingstoke: Macmillan, 2000). 4 انظر في تفاصيل هذه المداخل: ماضي، "مداخل."...
  4. لكن تظلّ هناك مساحات فيها الكثير من التضارب والغموض وتحتاج إلى مزيد من الدراسة.

القديمة تحت أقدام المتظاهرين في انتفاضات وثورات شعبية أو عمليات عصيان مسلّح، ولا سيما في ظلّ غياب المعارضة الديمقراطية المنظمة أو ضعفها (رومانيا والبرتغال والكثير من الدول الأفريقية جنوب الصحراء.) وفي حالات أخرى كثيرة، يلي انهيار الأنظمة القديمة ظهور نظم حكم مطلقة جديدة، كما في معظم الدول الأفريقية5.

وفي واقع الأمر، فإنّ النظم التي لا يمكن التمييز فيها بين "الدولة" و"النظام" و"الحكومة"، كمعظم الدول الأفريقية والدول العربية، لا يكون الصراع فيها بين الحكام والمعارضة، وإنّ ا بين الحكام ومنافسيهم على السلطة. فمع عدم ظهور إصلاحيين داخل النظام، وعجز خصوم النظام على التكتل وتقديم بديل ديمقراطي مدني، يكون مصير النظام إمّا الاستمرار بفعل القبضة الحديدية، وإمّا بفعل العوائد المالية القادمة من موارد طبيعية أو داعم خارجي، وإمّا الانهيار والثورة ضدّه، إذا ما تغيّ ت موازين القوة بين النظام ومنافسيه. ويختلف التغيير من أسفل أو عبر انهيار النظام عن الأنواع الأخرى للثورات. فقد استهدفت الثورات الكلاسيكية الكبرى التي شهدتها القرون الثلاثة الأخيرة (كالثورات الفرنسية، والروسية، والصينية، والإيرانية) إحداث تغيرات عميقة في بنية المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية6. وكان لكل ثورة مشروع اجتماعي وفكري يعبّ عن طبقة أو فئة محددة، وقيادة منظمة، وضحايا بالملايين7. وانتهت هذه الثورات - باستثناء الحالة الفرنسية - إلى نظم حكم مطلق. أمّا الثورات المسلحة لأجل التحرر الوطني، فقد اندلعت للتخلص من الاستعمار، واستطاع عدد يسير من نظم ما بعد الاستقلال تحقيق بعض المنجزات الاقتصادية والاجتماعية، لكنّ الغالبية فشلت في ملف الحريات والديمقراطية، وانتهت إلى نظم حكم مطلقة أو عسكرية، كما أنها وقعت فريسة لتبعية خارجية مقيتة. وعلى الرغم من ظهور نظم ثورية في كوبا وفيتنام ونيكاراجوا واندلاع ثورات للمثقفين في أوروبا، فقد تراجعت الثورة بصفتها مدخلً للتغيير في القرن العشرين. وصار هناك مسار واحد تقريبًا للتغيير، هو الإصلاح بالتدريج8. ولا شك في أنّ التكلفة المادية والبشرية المرتفعة للثورات دفعت السياسيين والخبراء إلى تفضيل الطرق الإصلاحية.

  1. Michael Bratton & Nicholas van de Walle, Democratic Experiments in Africa: Regime Transitions in Comparative Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), pp. 97-125, 194-23; Richard Snyder, “Paths of Sultanistic Regimes: Combining Structural and Voluntarist Perspectives,” in Houchang E. Chehabi & Juan J. Linz (eds.) Sultanistic Regimes , (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1998), pp. 49 - 81. وهناك أخيرًا مدخل التغيير من الخارج، إذ للعوامل الخارجية أدوار مؤثرة في دعم الكثير من حالات التغيير أو عرقلتها، انظر: Laurence Whitehead, The International Dimensions of Democratization: Europe and the Americas (Oxford: Oxford University Press, 2001); George SØrensen, Democracy and Democratization: Process and Prospects in a Changing World (Boulder: Westview Press, 2008), pp. 13-15; Ronald A.
  2. انظر في شأن الثورات: عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة: نحو تأسيس نظريّة علميّة عن الثّورة العربية الحديثة (الدوحة: المركز العربي للأبحاث والدراسات، 2011/8/22)؛ وكذلك: Theda Skocpol, States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia and China (Cambridge: Cambridge University Press, 1979); Jack A. Goldstone, Revolutions: Theoretical, Comparative, and Historical Studies, 3rd (edn.) (London: Wadsworth Publishing, 2002); James DeFronzo, Revolutions and Revolutionary Movements, 5th (edn.) (Boulder: Westview Press, 2014). ربما يكون من المفيد الإشارة إلى أنّ كلمة ثورة لها أصل لاتيني في علم الفلك، وتشير حنا أرندت إلى أنّ الكلمة كانت تشير إلى الحركة الدائرية للنجوم، أي حركة النجوم في درب سبق رسمه وتحديده ولا يمكن مقاومته. ثمّ عندما ظهرت الثورة أول مرة من حيث هي مصطلح سياسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت تعني العودة إلى نقطة محددة سلفًا، أو إعادة السلطة لأصحابها. ولهذا أطلق المصطلح أول مرة عام 1660 عندما تمّت الإطاحة بالبرلمان الرديف وإعادة الملكية، وليس عندما هزم أوليفر كرومويل الملك تشارلز الأول عام 1648، وأعدمه عام 1649، وأقام نظامًا جمهوريًا باسم كومنولث إنجلترا الحر عام 1653. وفي عام 1688، استخدمت كلمة ثورة حينما تمّ طرد أسرة ستيوارت ونقل الملكية إلى وليام وماري. وفي المراحل الأولى للثورتين الأميركية والفرنسية، كان الرجال الأوائل للثورتين يريدون استعادة الحريات القديمة، والعودة إلى النظام القديم الذي تمّ انتهاكه بالحكم المطلق أو الحكم في الثورة الاستعماري. انظر حنا أرندت،، عطا عبد الوهاب (مترجم) (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.58
  3. عند حنا أرنت لا يمكن تصور ثورة بلا عنف لأنّ ما يفصل الثورة عن الحرب هو خط رقيق، ولأنّ الثورة بمعناها الكلاسيكي هي صراع من أجل الحرية السياسية وبناء نظام سياسي جديد وليس مجرد التحرر من القمع. انظر: أرندت، ص 18. ويكفي هنا أن نشير إلى بعض الأرقام، فبحسب بعض التقديرات، لقى نحو 7 ملايين إنسان حتفهم في الثورة البلشفية خلال الفترة من 1917 إلى 1922، ونحو 40 مليون شخص في الثورة الصينية الماوية 1947 - 1975، وأكثر من مليون خلال الثورة الفرنسية. انظر: Matthew white, Necrometrics “Part of the Historical Atlas of the 20th Century by Matthew White, Death Tolls Across History,” Necrometrics , 14/12/2015, at: http://necrometrics.com/20c5m.htm 8  Asef Bayat, “Revolution in Bad Times,” New Left Review 80 (March-April 2013), pp. 55 - 56.
  4. Francisco, The Politics of Regime Transitions (Boulder: Westview, 2000), pp.

طبيعة التغيير عبر الانتفاضات والثورات وإدارة المراحل الانتقالية

اتسمت طرق التغيير التي يكون فيها للتظاهرات الشعبية أو الثورات الجماهيرية الدور الأساسي بعدد من المحددات التي تقف وراء نجاح التغيير الثوري أو فشله في الوصول إلى نظم حكم ديمقراطية، لعلّ أهمّها: فهم طبيعة التغيير الثوري والتحديات التي تواجهه. فقد استهدف هذا التغيير الذي أطلق عليه "الثورات الديمقراطية" الوصول إلى نظم حكم ديمقراطية تعددية. واتسمت هذه الثورات بسلميتها بصفة عامة، وبمشاركة فئات اجتماعية متعددة، إذ لم تكن حصرًا على طبقة اجتماعية بعينها. وفي شرق أوروبا، حصلت هذه الثورات على دعم المنظومة الغربية الليبرالية، بهدف التخلص من خصمها الاشتراكي9، كما أحجمت الحكومات عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين، لكبر حجم التظاهرات، ولمعارضة الحكومات الغربية للقمع10، وذلك عكس ما حدث عندما تمّ قمع الحراك الشعبي بقوة بالصين 1998() وبورما.)2007(وعلى الرغم من أنّ هذا الأسلوب الثوري يمثّل فرصة لتغيير شامل، فإنّه من أصعب طرق التغيير وأكثرها تكلفة. فهو يضيف صعوبات جمّة أمام عملية التغيير المعقدة بطبيعتها، ويفتح ملفات متعددة ويرفع حجم التوقعات، الأمر الذي يؤدي في كثير من الحالات إلى ظهور نظم تسلطية جديدة أو سيطرة العسكريين على السلطة كما حدث بدول أفريقية مختلفة11. وفي الجزء الأوروبي من الاتحاد السوفياتي السابق، استطاعت الحركات الاجتماعية إسقاط النظم التسلطية، لكنّها فشلت في بناء نظم حكم ديمقراطية بديلة12. ثمّة خطورة من تحوّل الثورة الديمقراطية إلى ثورة انتخابية. وظهر مصطلح "الثورات الانتخابية" Revolutions(Electoral)، ليصف الثورات والانتفاضات التي تحصر مطالب الثورات الديمقراطية في الانتخابات واختيار الحكام، بدلً من الاهتمام بأركان الديمقراطية الأخرى، ومتطلبات معالجة القضايا الشائكة13. وغالبًا ما تعقد هذه الانتخابات بصفة متسّعة أو على أسس قانونية مرتبكة وفي ظلّ حالة من الاستقطاب السياسي، فتكون النتيجة هي قيام الانتخابات بتعقيد المشهد السياسي والمساهمة في إجهاض الثورات والمطالب الديمقراطية، وذلك لأنّ النخب القديمة تكون المستفيد الأكبر بما تمتلكه من شبكة علاقات ونفوذ14. وحتى لو وصلت نخب معارضة إلى الحكم، فإنها لم تستطع مواجهة المشكلات المختلفة لانشغالها بالتنافس مع الآخرين، وحماية الأوزان النسبية الناتجة عن الانتخابات، وتلقيها معارضة شرسة من القوى القديمة المناوئة للديمقراطية سواء من الداخل أو الخارج، وضعف حكم القانون ومؤسسات الرقابة والمحاسبة والبرلمان وغيرها. إنّ الانتخابات ركن واحد من أركان الديمقراطية. وهي ذروة الديمقراطية وآخر مراحلها، كما كتب روبرت دال15. وفي الواقع هناك أكثر من 30 رئيسًا تمّ تغييرهم عبر الانتخابات الدورية في أفريقيا منذ 1991، إلّ أنّ الديمقراطية ليست موجودة في معظم تلك الدول16. وتؤدّي الانتخابات (إذا أجريت مبكرًا أو على أسس مرتبكة، ولا سيما في الدول التي تعاني من عدم التجانس السكاني أو من الانقسام الأيديولوجي) إلى تأجيج الصراعات، كما حدث بساحل العاج والكونغو والسودان ونيجيريا17. ولهذا فإنّ دمج كافة

  1. Adam Roberts & Timothy Garton Ash)eds.(, Civil Resistance & Power Politics (Oxford: Oxford University Press, 2011), pp. 371 - 390.
  2. Huntington, p. 282.
  3. 16  Pauline H. Baker, “The Dilemma of Democratization in Fragile States,” UN Chronicle , vol. XLVIII no. 4 (December 2011).
  4. Democracy, conflict and Human Security (Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2006), p. 8.
  5. عبد الفتاح ماضي، "الديمقراطية التمثيلية المختلة: هل تجهض الانتخابات الثورات؟" مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام (يونيو 2014.) وانظر حول الثورات الديمقراطية والثورات الانتخابية: Josh McCrain, When do Revolutions Lead to Democracy? The Conflict between Democracy and Governance in Georgia and Tunisia, master dissertation, faculty of the University of North Carolina, Chapel Hill-USA, 2013; Valerie Bunce & Sharon L. Wolchik, “Favorable Conditions an “The Democratic Revolution”, Doctoral Dissertation, University of California, Davis-USA, 2009; Katya Kalandadze & Mitchell A. Orenstein, “Electoral Protests and Democratization: Beyond the Color Revolutions,” Comparative Political Studies , 1/3/2012, 45: pp. 312 - 340; Valerie Bunce & Sharon Wolchik, “Diffusion and Postcommunist Electoral Revolutions,” Communist and Postcommunist Studies , 39, no. 3 (September 2006), pp. 283¬304; Vladimir Tismaneanu, “Electoral Revolutions,” Society , vol. 35, issue. 1 (Nov / Dec.1997), pp. 61 - 65.
  6. عبد الفتاح ماضي، " كيف تجهض الانتخابات الثورات والديمقراطية؟"، الجزيرة. نت، 2014/6/26، في: http://bit.ly/1qjmhq2
  7. Robert Dahl, “Democracy and Human Rights under Different Conditions of Development”, in Asbjorn Eide & Bernt Hagtvet (eds.), Human Rights in Perspective (Oxford: Blackwell), p. 246.
  8. 11  Snyder, pp. 67-90; Chuka Onwumechili, African Democratization and Military Coups (London: Praeger, 2009).
  9. Segun Joshua, “Democracy and Violent Conflicts in Nigeria,” African Research Review , vol. 7 (3), no. 30 (July, 2013), p. 325.

الفئات الاجتماعية مهم للغاية في مرحلة التحوّل18، وكذلك الدور التوافقي للنخب الديمقراطية في معالجة الصراعات وتقديم سلسلة من التنازلات المتبادلة19. تشهد حالات التغيير الناجحة تركيزًا على هدفٍ إستراتيجي واحد، يتصل بتغيير نمط ممارسة السلطة، على أن يتمّ بعد تحقيق هذا الهدف فتح الملفات الشائكة تباعًا20. ففي جنوب أفريقيا، كان الهدف هو الحقوق المتساوية؛ وفي أوروبا، الشرقية كان كسر احتكار الحزب الواحد؛ وفي أميركا اللاتينية، كان خروج العسكريين وعودة المدنيين. وبناء النظام البديل ليس مجرد نقل من الآخرين أو اختيار نظام من الأنظمة المعروفة (الرئاسية، والبرلمانية، وشبه الرئاسية، والتوافقية) كما يتصوّر البعض، وإنّ ا يبدأ البناء من واقع المجتمع وقيمه وأولوياته في مرحلة تاريخية محددة، ويمرّ بتجارب الآخرين للتعلم والاستفادة، وينتهي بترجمة مطالب الشعب وأوليات المرحلة إلى ترتيبات مؤسسية وأطر دستورية وقانونية وسياسية ومرجعيات فكرية وثقافية، تشكّل مجتمعة ملامح النظام الديمقراطي المنشود21. تتطلب إدارة المراحل الانتقالية وجود جهة تمثّل حركات التغيير، وتقودها بأكبر قدر من الاتفاق. وأظهرت تجارب التحوّل عدة طرق مجربة تاريخيًّا لهذا الاتفاق، كآلية التكتّل الوطني الممتد عبر الانتماءات الأيديولوجية والعرقية، أو آلية المؤتمر الوطني الجامع، أو آلية مائدة الحوار الوطنية المستديرة22. إنها إستراتيجية النظر إلى الآخر من منظور اللعبة غير الصفرية التي تحدّث عنها جيوفاني سارتوري23. والاتفاق يكون على أمرين أساسيين، الأول أسس النظام السياسي البديل، أي الدولة الديمقراطية بمبادئها ومؤسساتها وضماناتها وعلى عدم تسييس ما لا يجب تسييسه كالدين والجيش والقضاء، والثاني خارطة الطريق للوصول إلى هذا النظام24. ولا شك في أنّ نجاح القوى المحسوبة على التغيير وتكتلها يُعد من العوامل الحاسمة في مواجهة التحديات المختلفة. فكف المؤسسات العسكرية والأمنية والقوى الخارجية عن دعم النظام يُعدّ من العوامل المهمّة لنجاح الانتقال، بيد أنّ ظهور بديل ديمقراطي قوي وقادر على الضغط هو الذي يدفع هذه المؤسسات والقوى دفعًا إلى التراجع كما حدث بالبرازيل والبرتغال ورومانيا وإسبانيا وغيرها بخصوص المؤسسات العسكرية25، وبالفلبين وكوريا الجنوبية وشرق أوروبا والكثير من دول أميركا اللاتينية بشأن العوامل الخارجية. وتضطلع عمليات التعبئة والتظاهرات بدور حاسم في رفع تكلفة بقاء النظام ودفع أركانه إلى التنازل. لكنّ هذه التعبئة لا تصلح بمفردها في مرحلة بناء البدائل، فكلما كانت التعبئة منظمة ومستمرة وغير عنيفة وكانت لها قيادة موحدة، ارتفعت احتمالات نجاح الانتقال كما حدث بجنوب أفريقيا وبولندا والفلبين وغيرها. أمّا عندما تنقسم قوى التغيير وتفشل في مواجهة التحديات، وعندما لا يظهر قادة واعون، فالمجال يكون مفتوحًا لتمدد خصوم التغيير من الداخل والخارج. فلا فراغ في عالم السياسة، كما لا يوجد حتميات، ولا توجد بالطبع شعوب لها قابلية للاستبداد، وأخرى قابلة للحرية. ولعلّ المقارنة السريعة بين الهند من جهة، وكل من باكستان وبنغلاديش من جهة أخرى يكون مفيدًا. فمع تشابه الكثير من العوامل الثقافية والعرقية والتاريخية، فإنّ ظهور قادة واعين، لهم اختياراتهم، والعمل ضمن حزب عابر للعرقيات والأديان، وعدم تسييس الجيوش،

  1. Democracy, conflict and Human Security, p. 9.
  2. David Grassi, “Democracy, social welfare and political violence: the case of Latin America,” Journal of International Relations and Development , (24 May 2013).
  3. Yossi Shain & Juan J. Linz, Between states: Interim Governments and Democratic Transitions (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), pp.
  4. عبد الفتاح ماضي، "الديمقراطية"، في محمد طه بدوي وآخرون، مقدمة في العلوم السياسية (الإسكندرية: قسم العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، 2012)؛ عبد الفتاح ماضي، "متى تنجح الثورة المصرية؟"، الشروق،.2013/10/16
  5. Michael Burton & Richard Gunther & John Higley, “Introduction: Elite Transformations and Democratic Regimes,” in John Higley and Richard Gunther (eds.), Elites and Democratic consolidation in Latin America and Southern Europe (Cambridge: New York: Cambridge University Press, 1992);
  6. Giovanni Sartori, The Theory of Democracy Revisited (Chatham: Chatham House Publishers, 1987), p. 224.
  7. على خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي، "مفهوم الكتلة التاريخية على قاعدة المستقبل العربي الديمقراطية"،، العدد 373، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت (آذار/ مارس.)2010 25  Howard Handelman & Thomas Griffin Sanders, Military Government and the Movement Toward Democracy in South America (Bloomington: Indiana University Press, 1981); Bruce W. Farcau, The Transition to Democracy in Latin America: The Role of the Military (London: Praeger, 1996).
  8. Juan Linz & Alfred Stepan, “Political Crafting of Democratic Consolidation or Destruction: European and South American Comparisons” in Robert A. Pastor (ed.), Democracy in the Americas: Stopping the Pendulum (New York: Holmes and Meier, 1989), pp. 41 - 60.

كانت عوامل حاسمة في انتقال الهند إلى الديمقراطية، خلافًا لما حدث في باكستان وبنغلاديش. تمثّل نوعية القادة ومهارات السياسيين واختياراتهم أحد أهم عوامل النجاح. فقد ساهمت المهارات السياسية لرئيس وزراء إسبانيا أدولفو سواريز، والقدرات التفاوضية لزعيم تضامن العمالية ببولندا ليخ فاونسا، واعتدال نيلسون مانديلا ودي كليرك وحكمتهما بجنوب أفريقيا، وإصرار زعيمة المعارضة كورازون أكينو واعتدال قادة الجيش بالفلبين والبرازيل، في استكمال الانتقال في تلك الدول26. وفي الدول متعددة الأعراق والأديان، كان لتوافق الآباء المؤسسين (نهرو ورفاقه بالهند، وتنكو عبد الرحمن وزملاؤه بماليزيا) على الديمقراطية وإنشاء منظمة عابرة للأعراق والأديان، بالغ الأثر في الخروج من الاستعمار إلى الديمقراطية مباشرة27. أمّا عندما ساد منطق الإقصاء والانفراد أو تسييس الجيوش، فشل الانتقال (نيجيريا، والكاميرون، وأنغولا، وباكستان، وبورما، وكمبوديا، وروسيا)، أو ظهرت ديمقراطيات ضعيفة (تايلاند، وبوليفيان وجورجيا، وأوكرانيا)28. لا توجد حالة تغيير سياسي واحدة، ثورية أو غير ثورية، مرت بلا عنف. فلم تتحوّل الملكيات المطلقة في أوروبا إلى جمهوريات ديمقراطية، إلّ عبر ثورات كبرى. ويرى براينتون مور أنّ وراء الديمقراطية الغربية تاريخ طويل من العنف والصراعات الطبقية والاجتماعية والاقتصادية29. ومع صراع غاندي "غير العنيف" بالهند قُتل نحو نصف مليون من أجل الاستقلال30. وخلال أربع سنوات للانتقال بجنوب أفريقيا 1990( - 1994)، وبعد خروج مانديلا، سقط نحو شخص وشُ1500 قتيل. وخلال عقد كامل بكينيا قتل نحو 2000 دّ نصف مليون31. ولهذا فالمشكلة ليست في العنف في حد ذاته، وإنّ ا في استخدام النخب السياسية العنف لتحقيق مكاسب سياسية. كما أنّ تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية لا يعني بالضرورة توقّف العنف. فقد استمرت الحروب بين الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا وحركات التمرد المسلحة بعد الانتقال، في جواتيمالا، والسلفادور، والفلبين، وبيرو وغيرها32. لكنّ العنف ينعكس، بلا شك، على نوعية الديمقراطية التي غالبًا ما تكون ضعيفة ومهددة. لكنّ فرص نجاح حركات التغيير السلمية أكبر من الحركات العنيفة في تحقيق هدف تغيير النظام تحديدًا، نظرًا لأنّ الحركات السلمية تتيح مساحة أكبر لمشاركة الجماهير، وتقلل الحواجز النفسية أمام الجماهير، مقارنة بالتغيير العنيف. هذا إضافة إلى أنه كلما ارتفعت أعداد الجماهير المشاركة، ارتفعت تكلفة النظام في الإبقاء على الوضع الراهن، وارتفعت احتمالات تبديل أنصار النظام داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها ولاءاتهم33. وقد حدث هذا بالفلبين، وإندونيسيا، وجورجيا، وأكرانيا، ثمّ في تونس، ومصر عام.2011 ويترتب على ما سبق أمر آخر في غاية الأهمية، وهو خطورة سياسة قمع الخصوم وإقصائهم وفشلها. فلم يحدث مثلً أن قضى اليساريون على اليمينيين، ولا اليمينيون على اليساريين، في أي دولة. وتندلع معظم الحروب الأهلية في واقع الأمر نتيجة محاولات طرف إقصاء طرف آخر (السلفادور، وزائير، والسودان، والصومال، وإندونيسيا، والكونغو، ولبنان، وموزمبيق، وأنغولا، وسيرلانكا، ورواندا، وكولومبيا، وجواتيمالا، والجزائر، والفلبين، ولبنان، وغيرها.) وفي كل الحروب الأهلية لم يختفِ أحد طرفي الصراع، مع أنّ كل طرف تصوّر أنه سيقضي على الآخر. وعادة ما تؤدي الحروب الأهلية إلى تقسيم الجيوش أو تدميرها بالكامل، أو تقسيم الدولة، أو تدخّل الخارج، إلى جانب تراجع اقتصادات هذه الدول. عادة ما تنجح الثورات عندما يتمّ تغيير نمط ممارسة السلطة، أي، عندما تنتقل السلطة من يد فئة صغيرة (كانت تعمل لمصالحها الضيقة) إلى فئات وطبقات متعددة من الشعب (وهي التي تعمل لأجل فئات أوسع من المجتمع سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا)، وذلك عبر إقامة المؤسسات التى تكون وظيفتها تقييد

  1. Sergio Bitar & Abraham F. Lowenthal (Eds.), Democratic Transitions: conversation with World Leaders (Baltimore: Hopkins University Press, 2015).
  2. ماضي، "مداخل"...، ص 33 –.36
  3. Karen Dawisha & Bruce Parrott (eds.), Democratic Changes and Authoritarian Reactions in Russia, Ukraine , Belarus and Moldova (Cambridge University Press, 1997), William Case (ed.), Routledge Handbook of Southeast Asian Democratization (Routledge, 2015).
  4. Barrington Moore, Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World (Beacon Press, 1993) 20.
  5. Koenraad Bogaert, “A Reflection on Violence and Democracy”, Jadalyya , Jul 03/7/ 2013., at: http://bit.ly/1ZpFqua
  6. Jacqueline M. Klopp and Elke Zuern, “ The Politics of Violence in Democratization: Lessons from Kenya & South Africa,” Center for Sustainable Urban Development Earth Institute, Columbia University.
  7. Huntington, p. 276.
  8. Erica Chenoweth & Maria J. Stephan, Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict (New York: Columbia University Press, 2011), pp. 6-7, 35; Sharon Erickson Nepstad, Nonviolent Revolutions: Civil Resistance in the Late 20th (Oxford: Oxford University Press, 2011), pp.

سلطة الحكام بالدستور والقانون، وحماية حريات المواطنين، وتمكينهم من المشاركة في السلطة (وما عدا هذا من أهداف أتى بعد حماية الحريات وإقامة دولة القانون والمشاركة.) وقد تم هذا في تجارب مختلفة، عن طريق وضع سلسلة من المحفّزات والجزاءات (دساتير، وقوانين، وإجراءات، وقيم، وآداب عامة)34. وحدث هذا في دول مثل إنجلترا وفرنسا نتيجة صراع طويل، إذ عادة ما توجد جبهتان، واحدة تناضل من أجل التغيير وأخرى تقاومه. وفي كثير من الحالات لم تتغير النخب القديمة ولم تقد التغيير. ولا يذكر التاريخ ديكتاتورًا واحدًا عدّل قناعاته وصار ديمقراطيًا، ولا فئة كانت غارقة في الفساد والامتيازات ثمّ قامت ببناء دولة الحريات والقانون. فالطبيعي أن تقاوم النخب القديمة التغيير، وتحاول إعادة النظام القديم بواجهات ووجوه جديدة، فلا فراغ في السياسية كما ذكرنا، ولا يمكن مواجهة هذه المقاومة إل بتكتل وطني مضاد بمشروع وطني جامع.

. أ

القسم الثاني: مسار الثورة المصرية

تُعدّ ثورة يناير حلقة في سلسلة طويلة من نضال المصريين الذي بدأ في القرن التاسع عشر لتحقيق هدفين، هما الاستقلال الوطني، والدولة الدستورية الحديثة. واتسمت هذه الثورة بعدة خصائص، فبعد موجات احتجاج فئوية مكثفة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، صار الهدف سياسيًا وهو تغيير نظام الحكم، كما أضحت المشاركة أكثر تنوعًا. فقد جذب الحراك كافة فئات المجتمع، ولا سيما الشباب والنساء والطبقات الوسطى والعاملة. واستفاد هذا الحراك أيضًا من أدوات التواصل الاجتماعي، واستخدامه وسائل احتجاج سلمية متعددة. وكأي حراك ثوري آخر، كان من المنتظر أن تفرز الميادين طلائع وقادة لإدارة المشهد السياسي، وترجمة مطالب الثورة إلى واقع ملموس بالاتفاق على النظام البديل بمبادئه ومؤسساته، وتأسيس هذا النظام على كافة المستويات الشعبية والدستورية والمؤسسية، والتعامل مع مشكلات التغيير وخصوم الثورة بالداخل والخارج. وفي هذا القسم، سنتناول كيف تحوّلت الثورة المصرية من "ثورة ديمقراطية" إلى "ثورة انتخابية"، ثمّ كيف تحوّلت مرة أخرى إلى "ثورة مضادة"، وذلك ارتباطًا بالمفاهيم والمحددات السابق عرضها والمستمدة من حالات التغيير المختلفة.

المرحلة الأولى: من الثورة الديمقراطية إلى الثورة الانتخابية

شهدت مصر في هذه المرحلة مسارًا سياسيًّا مرتبكًا، تأكّد فيه أن الأطراف السياسية التي تصدرت المشهد السياسي لم تدرك طبيعة عملية التغيير الثوري ومتطلبات إدارته من جهة، ولم تنجح في مواجهة ما زرعته الدولة العميقة من انقسامات بين قوى الثورة عبر إقرار مبدأ التنافس أثناء مرحلة التأسيس واستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية من جهة أخرى. لقد أفضت مواقف هذه الأطراف واختياراتها إلى التعامل مع الثورة وكأنها ثورة انتخابية، لتنتهي المرحلة بانهيار المسار الديمقراطي الوليد، وانقلاب الجيش عليه، وتهيئة البلاد لتحكم قوى الثورة المضادة.

انفراد المجلس العسكري بالسلطة

ظلّ إرث نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك عقبة أمام الثورة، حتى بعد رحيله. فإلى جانب تجريف الحياة السياسية وضعف الأحزاب والمجتمع المدني35، ترك مبارك وراءه العسكريين، أو بعبارة أدق استعادت المؤسسة العسكرية السلطة، مباشرة بعد أكثر من نصف قرن من حكم ثلاثة رؤساء جاءوا من المؤسسة ذاتها36. ولهذا ظلّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة، برئاسة وزير دفاع مبارك المشير محمد حسين طنطاوي، الفاعل الأساسي الأول بعد أن فوّضه مبارك إدارة البلاد مخترقًا الدستور الذي لا يمنحه

  1. Daron Acemoglu & James A. Robinson, Why Nations Fail: the Origins
  2. لمزيد من التفاصيل حول إرث مبارك، انظر: Abdel-Fattah Mady, “Popular Discontent, Revolution, and Democratization in Egypt in a Globalizing World,” Indiana Journal of Global Legal Studies , Vol. 20, Issue. 1 (2013), pp. 313 - 337; Clement Moore Henry & Robert Springborg, Globalization and the Politics of Development in the Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), pp. 140 - 147. 36  Steven Cook, “The Pharaoh's Legacy ‐ As Hosni Mubarak lies on his deathbed, he leaves behind a broken Egypt,” Foreign Policy (June 19, 2012).
  3. of Power, Prosperity and Poverty (London: Profile Books, 20132012), pp.

هذا الحق. وكان الخطأ الأول الذي ارتكب هو إصرار المجلس على الانفراد بإدارة المرحلة الانتقالية، وتقنين هذا في إعلان دستوري صدر في 13 شباط / فبراير 2011. وأكد السلوك اللاحق للمجلس هذا الانفراد، إذ اختار وزارة تابعة بالكامل له، وتباطأ المجلس في محاكمة رموز النظام القديم، ولم ينفّذ أي عمليات إصلاح وتطهير لمؤسسات الدولة، ثمّ شارك في قتل المتظاهرين بميدان التحرير وخلال حوادث محمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء وغيرها37، وقدّم نحو 12000 شخصًا للمحاكم العسكرية38. كان الجيش بلا شك القوة الأهم في المعادلة السياسية، بحكم موقعه في السلطة منذ 1952. لكن في حالات الانتقال الناجحة التي كان للجيش دور فيها، اقتصر الجيش في مرحلة الانتقال على تمهيد المشهد السياسي لانتخابات حقيقية، أو تسليم السلطة للمدنيين ليديروا هم المرحلة الانتقالية، كما لم يسيّس السياسيون الجيش لا بالتفاهم معه، ولا بالاستقواء به ودعوته إلى الانقلاب على المؤسسات المنتخبة. ما حدث في مصر هو العكس، فلم يصدر عن المجلس ما يثبت أنه فهم أنّ مصر تمرّ بحالة ثورية، تستهدف تغيير نمط ممارسة السلطة، وليس مجرد انتخاب رئيس جمهورية جديد ومنع التوريث. ورأى أعضاء بالمجلس العسكري أنّ العسكريين فقط لديهم القدرة على الحكم. ورأى بعض السياسيين والمثقفين أنّ الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على خلق التوازن بين القوى السياسية39، بل ظهرت دعوات علنية تطالب صراحة ببقاء حكم المجلس العسكري، من ذلك دعوة رئيس أحد الأحزاب الليبرالية40. وهذا ما فعله المجلس، فقد نزع فتيل الثورة في 11 شباط / فبراير، وحفظ بقية النظام من الانهيار بما في ذلك امتيازات الجيش نفسه. ثمّ فرض مسارًا سياسيًّا، قوّض مسار الديمقراطية، أو صار أكبر تهديد للديمقراطية كما كتبت مارينا أوتاوا، أو أوقف استمرار الصراع من أجل الحرية السياسية كما كتب آصف بيات41. وقد حدث هذا كلّه، وسط وعود متكررة بترك السلطة، وإقامة دولة القانون والديمقراطية، إلّ أنّ تجارب الآخرين تؤكد أنّ معظم الحالات التي يتحدث فيها العسكريون عن نيتهم ترك السلطة تنتهي ببقائهم فيها.

وقد تأكدت رغبة المجلس العسكري في الانفراد، وكذلك رغبته في عدم معالجة مسألة العلاقات العسكرية المدنية والتنازل عن الوضع الخاص الذي ظلّ يتمتع به منذ عقود طويلة، كما سيتضح في الجزء الخاص بالأطر الدستورية والقانونية. كانت الثورة فرصة مناسبة للبدء في معالجة هذه الأمور على نحو يحفظ الدولة، ويقيم نظامًا ديمقراطيًا، ويعزز قوة الجيش ومهنيته وقدراته42. لكنّ المجلس العسكري فوّت الفرصة، واختار الانحياز لمصالح ضيّقة، وساعده في ذلك انقسام القوى السياسية على النحو الذي سنعرضه في هذه الدراسة.

.ب التنافس قبل التأسيس

ساعدت خارطة الطريق التي رسمها المجلس العسكري وقبلها التيار الإسلامي على ظهور حالة مماثلة في مصر لحالات الثورات الانتخابية التي سبق أن أشرنا إليها. لأنها قامت على اعتماد قاعدة التنافس السياسي أثناء مرحلة التأسيس، فقد ساد انطباع بين القوى السياسية مفاده أنّ ما لا يتمّ الحصول عليه الآن، لن يتم الحصول عليه أبدًا. ومنذ استفتاء آذار / مارس 2011، دخلت البلاد في جدالات عقيمة حول قضايا ليست من صلب النظام السياسي البديل، وذلك بدلً من الشروع في عملية حوار حقيقية حول

  1. انظر لمزيد من التفاصيل: عماد الدين شاهين، "محصلة التحركات من أجل الديمقراطية: حالة مصر"، في: على الكواري وعبد الفتاح ماضي (محرران) الديمقراطية المتعثِّة: مسار التحركات العربية الراهنة من أجل الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 111 - .163
  2. Jack A. Goldstone, “Understanding the Revolutions of 2011: Weakness and Resilience in Middle Eastern Autocracies,” Foreign Affairs (May / June 2011); John L. Esposito & Tamara Sonn & John O. Voll, Islam and Democracy after the Arab Spring (Oxford: Oxford University Press, 2016), pp. 212 - 214.
  3. انظر: شاهين، 135 – 137؛ عبد الفتاح ماضي، "هل يحتاج المصريون إلى ثورة تصحيحية؟" الجزيرة. نت، 2011/12/2، في: http://bit.ly/1PTvr8w
  4. هذا الحزب هو الجبهة المصرية، انظر: أسامة الغزالي حرب، مقابلة صحافية، صحيفة الشروق،.2014/9/29
  5. Bayat, pp. 55 - 56.
  6. انظر في شأن الرقابة الديمقراطية على المؤسسات العسكرية والمخابراتية: منشورات مركز جنيف DCAF() والاتحاد البرلماني الدولي، وكذا: عبدد الفتاح ماضي، "الثورات لديمقراطية، العدد والعلاقات المدنية / العسكرية"، ا 46، السنة الثانية عشرة، مؤسسة الأهرام (نيسان / أبريل.)2012

جوهر مطالب الثورة، وهو الانتقال من الحكم المطلق إلى النظام الديمقراطي، وتغيير نمط ممارسة السلطة، وتمكين الشعب. ثمّ تكرر الخطأ عندما تصوّرت النخب أنّ الاحتكام إلى الصناديق هو الحل. فبعد التعديلات الدستورية، جاءت الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ثمّ استفتاء دستور 2012. ومشكلة هذه الاستحقاقات ليست في مبدأ اللجوء إلى الصناديق في حد ذاته، وإنّ ا في اللجوء إليه بصفة متسرّعة وقبل الوصول – بأكبر قدر من التوافق والمشاركة – إلى قواعد التنافس والعمل السياسي43. ولم يكن صحيحًا مقارنة البعض أوضاع مصر (وهي التي كانت تمر بمرحلة انتقالية، ولم يتمّ بعد بناء بقية مؤسسات الدولة، وكانت تعاني من استقطاب سياسي حادّ) بأوضاع الدول المستقرة ديمقراطيًا، والتي استقرت فيها ممارسة وثقافة سياسيتان، تسمحان بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، لحسم القضايا الكبرى أو الخلافية. وفي واقع الأمر، فقد صدرت معظم معالم المسار وقواعد الانتخابات بإرادة طرف واحد، ووسط عراك سياسي، وفي غياب حوار حقيقي. هذ الطرف هو المجلس العسكري والقوى التي تفاهمت معه أو وثقت به خلال هذه الفترة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وبعض القوى الإسلامية والمدنية الأخرى. لم تفهم هذه القوى جميعها أنّ القواعد المشوّهة لن تقيم الحد الأدنى المطلوب لدولة القانون والمؤسسات، وإنّ ا ستعمّق الأزمات، وتزرع في الجماهير عدم الثقة بالديمقراطية والثورة. وهذا ما تمّ، فمثلً، لقد استخدم خصوم الثورة ثغرات قانون الانتخابات وضعف المؤسسة القضائية لحلّ أول برلمان منتخب، بعد أن صارت المحاكم ساحة لحل الخلافات السياسية التي صنعتها النخب. وفي ظلّ تنافس السياسيين، تحوّلت ساحات المحاكم إلى أدوات لتسوية خلافات القوى السياسية، ما كان في حد ذاته مشكلة إضافية. وعلى الرغم من أنّ للقضاء بعض الأدوار السياسية غير المباشرة عبر النظر في مشروعية القوانين ودستوريتها، فإنّ هذا يتم بطريقة صحيّة في الدول المستقرة ديمقراطيًا، والتي يتمتع فيها القضاء بالاستقلالية، أمّا في الدول التي تمرّ بمرحلة انتقال ولا تتمتع بالاستقلال، فغالبًا ما يكون للقضاء دور معرقل للانتقال، إذا لجأت إليه القوى السياسية لحلّ خلافاتها. ويحتاج دور القضاة والقضاء في الحالة المصرية بحثًا منفصلً، لكن تكفي الإشارة هنا إلى أنّ المحاكم قد حسمت عددًا كبيرًا من الأمور السياسية كقوانين الانتخابات والممارسة السياسية والجمعية التأسيسية للدستور والبرلمان، إضافة إلى الدور السياسي الذي كان قد اضطلع به رئيس نادي القضاة، وهو ومن أنصار مبارك.

. ج سلوك القوى السياسية

كانت جماعة الإخوان المسلمين فاعلً رئيسًا خلال هذه المرحلة، كما كانت دومًا في الحياة السياسية المصرية منذ نشأتها. وبعد رحيل مبارك، أقامت جماعة الإخوان حساباتها السياسية على أساس خطاب إصلاحي غير مصطدم مع مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، لكن من دون القدرة على العمل ضمن جبهة وطنية جامعة. وكان أول الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة هو عدم إدراكها خطورة المسار الذي رسمه المجلس العسكري، ورفضها الاستماع إلى كل النصائح التي قدمت في هذا الشأن. بل والأخطر أنها قادت التيار الإسلامي كله تقريبًا وراء هذا المسار. وربط الكثير من الإسلاميين بين تعديل الدستور وبقاء المادة الثانية من الدستور، وصد هجوم "علماني" على السياسة في مصر، أو هكذا صُوّرت لهم الأمور. قدمت الجماعة في بداية المسار بعض التعهدات لطمأنة مخاوف القوى الأخرى من قوة الجماعة شعبيًّا وتنظيميًّا، عندما أعلنت عدم تنافسها على منصب رئيس الجمهورية، وعلى كل مقاعد البرلمان44. إلّ أنها لم تتقيد بهذه التعهدات، بعدما رأت أنّ تحركات القوى المحسوبة على النظام القديم بدأت تعمل ضد الثورة، وبعد أن رفض المجلس العسكري فكرة الجماعة في تبني النظام البرلماني الذي يضع القوة التنفيذية في يد رئيس الوزراء، صاحب الأغلبية بالمجلس النيابي.

  1. كتبت عن خطورة هذا المسار منذ شهوره الأولى، انظر على سبيل المثال: عبد الفتاح ماضي، "ثلاثة أسباب أخرى لرفض التعديلات"، موقع د/ عبد الفتاح ماضي، 2011/3/27، في:؛ http://bit.ly/1OYlsBL عبد الفتاح ماضي، "التوافق أولا وليس الدستور أو الانتخابات"، الجزيرة. نت، 2011/6/23، في: http://bit.ly/1W24wda
  2. في مقابلة لجريدة الشرق الأوسط مع الدكتورة منال أبو الحسن، أمينة لجنة المرأة بحزب الحرية والعدالة التابع للجماعة إثر الانتخابات البرلمانية، قالت أبو الحسن إنّ اختيار الإخوان عدم الاستحواذ على سلطة البرلمان والرئاسة جاء خلافًا لما نصحهم به الأتراك، انظر: "أمينة «المرأة» في حزب «الإخوان:» رفضنا المشاركة في مسيرة «حرائر مصر» لأن المشاركات فيها ممولات ولديهن أجندة خاصة"، الشرق الأوسط، 2012/1/14، في: http://bit.ly/1ZXGdz9

وعندما وصل مرشح الجماعة، الدكتور محمد مرسي، إلى الرئاسة، لم يكن قادرًا على الحكم عبر شراكة حقيقية أو بطريقة شفافة، كما سيطرت الجماعة على الكثير من الأمور. وعلى خلاف ما وعد في فيرمونت، لم يختر "شخصية وطنية مشهودًا لها بالكفاءة" في رئاسة الوزراء، كما أنه أخفق في تحقيق أكبر قدر من التوافق حول الدستور45. وإلى جانب المشكلات الاقتصادية، وتصاعد الاحتجاجات الفئوية، وعدم تعاون مؤسسات الدولة مع الرئيس، تأزمت المسألة الأمنية، واندلعت احتجاجات داخل جهاز الشرطة ذاته، ووصل الاستقطاب إلى انقسام التيار الإسلامي بين مؤيّد ومعارض للرئيس. هذا فضلً عن استمرار الرئيس وحزبه في التقليل من أي تحرك شعبي في الشارع، وحصر الشرعية في الصناديق فقط، والاستناد إلى منطق الأغلبية والمعارضة. وقد ظهر النهج الانفرادي للرئيس في محاولته - أو تصوّره أنه قادر على - حسم قضايا كبرى، من دون مشاركة بقية القوى، أو طرحها للنقاش المجتمعي، ومن ذلك مثلً محاولة مجلس الشورى تمرير قانون السلطة القضائية وعدة قوانين أخرى تتصل بتشكيل المجالس المتخصصة التي نصّ عليها الدستور، فضل عن محاولة التصالح مع بعض رجال الأع لاا، ومحاولة معالجة نفوذ الجيش عبر تقديم التنازلات له في الدستور. وكانت المشكلة التي قطعت علاقات الإخوان ببقية القوى هي الإعلان الدستوري والدستور، كما سنعرض لاحقًا. أمّا بقية الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي، فقد كان أبرزها آنذاك حزب الوسط الذي اختار قادته الانحياز للإخوان. أمّا السلفيون، فقد كانوا لاعبًا سياسيًا جديدًا، لكنّ حزب النور التابع للدعوة السلفية بالإسكندرية كان منافسًا رئيسًا لحزب الحرية والعدالة، وحصل مع سلفيين آخرين على ربع مقاعد البرلمان. وعلى الرغم من تقارب مواقف النور والإخوان، ولا سيما في خصوص سقوط نظرية تحريم الديمقراطية والعمل الحزبي، والواقعية التي اتسم بها أداء المتحدثين الرسميين للحزب والاشتباك السلفي مع القضايا اليومية في المجال العام والبرلمان، فإنّ الحزب عانى منذ اليوم الأول من ثلاثة أمور أساسية؛ أولها عدم تطوير مرجعية فكرية متماسكة توجه مشاركة السلفيين وتحسم الأمور الخلافية على المستويين الفكري وعلى مستوى قواعد الحزب، وثانيها عدم إدراك خطورة الاستقطاب حول الهوية والمادة الثانية وتمسك الحزب برؤية أكثر تشددًا من الإخوان وجرهم إلى هذه المساحة، وثالثها عدم استقلال الحزب إداريًّا وماليًّا عن الدعوة السلفية وسيطرة مشايخ الدعوة على الحزب، وهو أمر انتهي بانشقاق الحزب. وقد كان لهذه الأمور الكثير من التداعيات السلبية، إنْ في تفاقم حدة الاستقطاب، أو في إهدار فرصة إيجاد فاعل سياسي حقيقي في الحياة السياسية46.

من الجهة الأخرى نجد أنّ الأحزاب الأخرى غير الإسلامية، ساهمت هي الأخرى في تعزيز الاستقطاب، لأنّ اهتمامها انصب على مواجهة التيار الإسلامي، بدلً من العمل على الأرض لتعزيز قاعدتها الشعبية. كما أثارت شخصيات ليبرالية عدة قضايا خلافية، كالدعوة التي طرحت في أيار / مايو 2011، والتي استهدفت توسيع تعريف الديمقراطية لإتاحة الحرية للأفراد للاختيار بين الاحتكام للشريعة أو للقانون المدني في مسألة الزواج، الأمر الذي فهم أنه دعوة للزواج المدني وزواج المسلمة من مسيحي47، وذلك على خلاف ما هو معمول به في الديمقراطيات المعاصرة بالغرب والشرق، إذ لا تتناقض الديمقراطية هناك مع مرجعيات المجتمع ولا مع أسس ثقافته وهويته. وبصفة عامة كانت لهذه الدعوة وغيرها الكثير من التداعيات على الصف الإسلامي، وساهمت في دفع الكثيرين إلى التشدد في مسألة الهوية والمادة الثانية. وفي ظلّ عدم وجود مساحة منظمة للحوار الحقيقي، وفي مسار يقوم على التنافس، تحوّل الإعلام إلى مساحة للمعارك وتبادل الاتهامات المتسرعة، مثل ما إذا كان الدكتور محمد البرادعي يريد إلغاء المادة الثانية من الدستور أم لا، وما إذا كانت حركة الاشتراكيين الثوريين تريد هدم الدولة أم لا، وما إذا كان الإسلاميون يسعون إلى دولة دينية أم لا. وفي أعقاب الإعلان الدستوري، ارتكبت الأحزاب المدنية خطأ قاتل بتصعيد مطالبها إلى الحد الأقصى، مفتقرة إلى رؤية متكاملة أو تقدير لكافة التداعيات المحتملة. بدأ هذا التصعيد بالمطالبة بإسقاط الدستور، مع أنّها شاركت في الاستفتاء عليه، ثمّ طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة،

  1. انظر في شأن أخطاء الرئيس مرسي السياسية: المستشار السابق للرئيس مرسي الدكتور
  2. عبد الفتاح ماضي وأحمد زغلول، "الدعوة السلفية بالإسكندرية بين المشايخية والحزبية"، ورقة قدمت لمؤتمر التحولات الجارية في العالم العربي، مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية المغربية (مدى)، ومؤسسة قرطبة السويسرية، الدار البيضاء، المغرب، 1 - .2012/5/2 47 مقابلة تلفزية، الدكتور عمرو حمزاوي، فضائية اليوم المصرية، 2011/5/6، في: https://www.youtube.com/watch?v=lN0p5Tga8eI
  3. فضائية الحوار سيف عبد الفتاح، مقابلة تلفزية،، لندن، 2015/9/21، في: 143 - 147. ص، ينهاش؛ https://www.youtube.com/watch?v=ORs4v43C2yo

ثمّ كان الخطأ القاتل الثاني وهو الاستقواء بالجيش. لم تدرك هذه القوى أنّ تسييس الجيش لم ينتج عنه في الحالات المماثلة إلّ إجهاض المسار الديمقراطي بأكمله، وضرب كل القوى السياسية، وهو ما تمّ لاحقًا48. ومن الأخطاء القاتلة للطرفين معًا (الإخوان والقوى المدنية المعارضة لها) اللجوء إلى الشارع وحشد الأنصار لاستعراض القوة أو فرض وجهة نظر معيّنة، ما أدى إلى أعمال عنف شديدة. كما شهدت المحكمة الدستورية العليا حصار الإخوان لها. فضلً عن ذلك، استغل خصوم الثورة انقسام القوى المحسوبة على الثورة، واستخدموا "البلطجية" لنشر الفوضى، ودفعوا الجماهير إلى معاداة الثورة والتطلع إلى رجل قوي يحقق من وجهة نظرهم الأمن والاستقرار، وهو ما حدث في المرحلة الثانية. أمّا الشباب فقد نجحوا قبل الثورة، عبر عدة حركات احتجاجية، وبالاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي وتجارب التغيير غير العنيف، في التعبئة وراء القضايا الحقوقية وإشعال الثورة. وساعدهم في هذا تحررهم من القيود الحزبية بأمراضها التاريخية والأيديولوجية، وتمسكهم بقدر من السيولة التنظيمية واللامركزية، إلى جانب رفضهم الحلول الجزئية، وتحركهم على أساس الحد الأدنى المشترك. غير أنهم لم ينجحوا بعد سقوط مبارك في البقاء فاعلً سياسيًا أو الإبقاء على الحالة الثورية، لأنهم لم يكوّنوا تكتّلً منظّمً يمثّلهم، وانشغلوا بمعارك جانبية. كان أمل الشباب هو استجابة النخب والجيش لمطالب ثلاثة: بناء نظام سياسي يغيّ نمط ممارسة السلطة، والقصاص ومحاكمة قتلة الثوار، والعدالة الاجتماعية49. وساهم الإعلام في تأزيم الوضع، عندما جذب بعض الشباب مقابل إغراءات مادية ضخمة، كما تمّ تسييس حركات شبابية غير سياسية، كجماعات الألتراس، نتيجة عدم تلبية مطالبهم بالقصاص. وتفاقم الوضع أمنيًّا في سيناء مع ظهور حركات ذات مرجعية إسلامية، تعتمد العنف طريقًا لمواجهة الدولة، ما مثل أعباء أمنية جديدة، تمّ استخدامها لاحقًا ضد الثورة في إطار ما عرف باسم الحرب على الإرهاب.

. د غياب الحوار الجاد

لم تشهد هذه المرحلة أي محاولة جادة للحوار، عدا التجربة التي بدأت واعدة، إلّ أنها فشلت بمجرد شروع الأحزاب في الاستعداد للانتخابات. وهي تجربة استمرار الجولات الحوارية التي بدأتها جماعة الإخوان، قبل اندلاع الثورة تحت عنوان: "معًا نبدأ البناء: حوار من أجل مصر"، وحضرها رؤساء أحزاب من كافة التيارات (الوفد، والتجمع، والناصري، والكرامة، والعمل، والغد، وغيرها.) اقترحت الجماعة مبادئ أساسية للإصلاح، وتمّ تشكيل لجنة لدراسة اقتراح القائمة التوافقية في الانتخابات، والتوافق على مشروع قانون مجلس الشعب. وبالفعل صدرت وثيقة "التحالف الوطني الديمقراطي من أجل مصر" في تموز / يوليو 2011، بصفتها أساسًا لتحالف انتخابي من 16 حزبًا منهم حزب الحرية والعدالة والوفد والكرامة الناصري والغد، ثمّ انسحب الوفد والنور لاحقًا بعد الاختلاف حول التمثيل بالقوائم50. هنا نشير إلى ثلاثة أمور، أولها رفض الوثيقة انفراد الحكومة بوضع مشروع قانون البرلمان51 من دون تحميل المجلس العسكري أي مسؤولية، إذ كانت الأحزاب تعتقد أنّ الحكومة مستقلة عن المجلس، وهو أمر أثبتت الحوادث عدم صحته. الأمر الثاني هو تأكيد الوثيقة أنّ أهداف الثورة "لا يستطيع أن يقوم بها فصيلٌ وحده أو حزب بمفرده، ولكن لا بد من تضافر الجهد كله، وتكاتف كل القوى"52. وقد تخلّت الأحزاب عن هذا بتهافتها على مصالحها الذاتية كلما اقتربت الانتخابات، وهو ما يثبت أنّ التسرع في عقد الانتخابات أثّر سلبيًّا في جهد الحوار والتوافق. والأمر الثالث هو اتفاق أحزاب التحالف على أن تتضمن الوثيقة "المبادئ العامة الأساسية التي تتوافق عليها أطياف المجتمع المصري، وتمثّل البنية الأساسية للنظام الديمقراطي الحرّ العادل... لكي تهتدى بها الجمعية التأسيسية" للدستور53. وعلى الرغم من أهمية هذه المبادئ، فإنّ الأحزاب اختلفت حول ما إذا كانت ملزمة للجمعية. أمّا المجلس العسكري، فقد أعلن، بعد أيّام من صدور وثيقة التحالف، عن ضرورة وجود مبادئ حاكمة فوق دستورية54، كما سنعرض لاحقًا. ومن اللافت أنّ الوثيقة حسمت في وقت مبكّر عددًا من القضايا الخلافية، والتي عادت الأحزاب إلى الاختلاف حولها داخل الجمعية الدستورية، مثل التنصيص على "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع مع حق غير المسلمين في الاحتكام إلى شرائعهم في

  1. عبد الفتاح ماضي، "تظاهرات 30 يونيو.. هل ينزع الرئيس فتيل الأزمة؟"، الجزيرة.، 2013/6/19، في http://bit.ly/1mT2joN: نت
  2. عبد الفتاح ماضي، "أين شباب الثورة المصرية؟"، الجزيرة. نت 2013/11/19، في: http://bit.ly/1Q1DLF2
  3. قطب العربي، "الحوار والمصالحة في مصر: ضرورات الداخل وتدخلات الخارج"، مركز الجزيرة للدراسات، 2014/3/26، في: http://bit.ly/1WjsWim
  4. مصرس انظر نص "وثيقة التحالف الديمقراطي من أجل مصر"، 2015/10/25،، في: http://www.masress.com/alwafd/67996
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه.
  7. نص بيان القوات المسلحة بتاريخ 13 تموز / يوليو 2011، يذكر أنّ كل البيانات الرسمية والإعلانات الدستورية مصدرها الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، انظر: "المجلس العسكري: إعداد وثيقة مبادئ حاكمة لاختيار الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور"، في: http://www.sis.gov.eg/Ar/Templates/Articles/tmpArticles. aspx?ArtID=49328#.VpNweVI1pIE

أحوالهم الشخصية"، و"احترام حقوق الإنسان وفقًا للمواثيق والعهود الدولية بما لا يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية والحفاظ علي الهوية العربية"، و"حرية تشكيل الأحزاب السياسية بالإخطار على أل تكون أحزابًا دينية أو عسكرية أو فئوية، وأن تكون السلطة القضائية وحدها هي التي تفصل في تقرير ما هو مخالف للدستور"، وغير ذلك في مجال القضاء والجيش والشرطة والجامعات والنقابات والاقتصاد والعدالة الاجتماعية وإحياء نظام الوقف وإنشاء مؤسسة للزكاة55. لكنّ الوثيقة احتوت أيضًا على مبادئ لإحداث تغيير جوهري في السياسة الخارجية، مثل "مراجعة عملية التسوية والاتفاقات مع إسرائيل"، و"إعادة النظر في منهج العلاقات مع الولايات المتحدة وطبيعتها... بعيدًا عن التبعية والهيمنة." وعلى الرغم من مشروعية إعادة تقييم السياسة الخارجية، فإنّ التنصيص على هذه المبادئ جاء مبكرًا، فكما أشرنا في القسم الأول غالبًا ما يكون تركيز قادة التحوّل منصبًا على هدف إستراتيجي واحد هو تغيير جوهر النظام القديم وإرساء قواعد النظام الجديد، أي لا يتمّ فتح كافة الملفات الكبرى في بداية الطريق، ومن ثمّ تقليل حجم المخاطر56. ولهذا يتمثّل النقد الأهم لهذه المحاولة في أمرين؛ الأول ابتعاد أصحابها بالتدريج عن القضية الكبرى المتعلقة بالتوافق حول قيم النظام الديمقراطي ومبادئه، وحصر اهتمامهم بالانتخابات فقط، ما ساهم بقوة في تحويل الثورة إلى "ثورة انتخابية"، وأفضى إلى تعميق الاستقطاب. والأمر الثاني هو فتح ملف السياسة الخارجية مبكرًا، ما ساهم في إفساح المجال لخصوم الثورة في الداخل والخارج لإجهاضها. وقد تأكد الاستعجال في ملف السياسة الخارجية، عندما احتوى الخطاب السياسي للرئيس مرسي على مفردات حماسية، بلا رؤية حقيقية، وفي ظلّ عراك داخلي شديد. ومن هذا على سبيل المثال تحذيره، من داخل أحد المساجد في تشرين الثاني / نوفمبر 2012، الإسرائيليين من "غضبة" مصر شعبًا وقادة، وتأكيده اختلاف مصر والعرب والمسلمين، وأنهم "ليسوا اليوم كما كانوا منذ سنوات"57. وساهمت وثيقة السلمي58 - أرادها العسكريون أن تكون فوق دستورية - في نقض توافقات التحالف، وتوسيع الهوة بين الإسلاميين وغيرهم. فقد رفض الكثيرون الوثيقة، لإقرارها وضعًا خاصًا للجيش، ولمصادرتها الإرادة الشعبية. وعلى الرغم من تعديل الوثيقة وإصدارها من دون المادتين الخاصتين بالمجلس العسكري، فإنّ اعتراضات الإسلاميين تواصلت حتى تمّ سحبها. لقد ظنت قطاعات كبيرة من الإسلاميين أنّ المبادئ الحاكمة ستقف حائلً دون تطبيق الشريعة، وأنها سترسي دولة علمانية، بينما رأى قطاع من التيارات الليبرالية واليسارية أنّ خوف الإسلاميين من إلزامية المبادئ دليل على نيتهم إقامة دولة دينية. وكان للأزمة تداعيات أخرى متصلة بالعلاقات المدنية العسكرية، فلقد كان على المجلس العسكري طرح هذه المسألة على مائدة حوار وطني، وذلك بدلً من محاولة تمرير وضع خاص للمؤسسة العسكرية، بلا مناقشة حقيقية. وللأسف ساهم هذا الجانب من الأزمة في تأجيل المسألة، وتعميق فجوة عدم الثقة بين المجلس والقوى الثورية.

كما انتهت تجربة حوارية أخرى بالفشل أيضًا، فإثر الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وبعد تأخّر إعلان النتيجة، اجتمع عدد من الشخصيات العامة مع قادة الإخوان بفندق فيرمونت بالقاهرة يومي 20 و 21 حزيران / يونيو 2012. وبعد نقاشات متعددة ورفض بعض الشخصيات التعامل مع الإخوان، صدرت وثيقة فيرمونت لتعلن ستة مبادئ؛ هي التأكيد على الشراكة الوطنية، وتولى شخصية وطنية مستقلة رئاسة الحكومة وتشكيل فريق رئاسي وحكومة إنقاذ وطني من جميع التيارات الوطنية، وتكوين فريق إدارة أزمة للتعامل مع الوضع الحالي، وضمان استكمال إجراءات تسليم السلطة للرئيس المنتخب وفريقه الرئاسي وحكومته بشكل كامل، ورفض الإعلان

  1. انظر بتوسع حول محاولات الحوار في الحالة المصرية: عبد الفتاح ماضي، "عمليات الحوار في الشرق الأوسط"، مؤسسة قرطبة، جنيف،.2015/12/19-17
  2. انظر حول سلوك قادة التحول الديمقراطي تجاه قضايا الخارج ما جاء في كتاب: نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية، علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (منسقان ومحرران)، ط 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2010
  3. مرسي يهدد اسرائيل أثناء عدوانها على غزة | لن نترك غزة وحدها"، يوتيوب، 2013/11/12، شوهد في 2015/12/30، في: https://www.youtube.com/watch?v=g2DpnA2JxFI
  4. صدرت في آب / أغسطس 2011. انظر حول الوثيقة: علي السلمي، " الحقيقة في قضية المبادئ الأساسية للدستور"، الأهرام، 2011/11/9، في: http://bit.ly/1l24lB3

الدستوري المكمل الذي يؤسس لدولة عسكرية ويسلب الرئيس صلاحياته ورفض قرار المجلس العسكري بحل البرلمان ورفض قرار تشكيل مجلس الدفاع الوطني، والسعي لتحقيق التوازن في تشكيل الجمعية التأسيسية بما يضمن صياغة مشروع دستور لكل المصريين، والشفافية والوضوح مع الشعب في كل ما يستجد من متغيرات تشهدها الساحة السياسية59. وبعد تنصيب مرسي، تجاهل الوثيقة، ولا سيما ما يتصل منها بشخص رئيس الوزراء، والفريق الرئاسي، والجمعية التأسيسية، والشفافية في الحكم. غير أنه حاول إعادة العمل بالبرلمان، لكنّه فشل لتدخل القضاء لحسمها لمصلحة قرار المجلس العسكري بالحل.

. ه الأطر الدستورية والقانونية

تعكس كل الأطر الدستورية والقانونية التي ظهرت في هذه المرحلة كل الأخطاء التي أشرنا إليها، فقد صدرت إمّا بإرادة منفردة مثل جلّ الإعلانات الدستورية والقوانين التي أصدرها المجلس العسكري والإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في تشرين الثاني / نوفمبر 2012، أو في ظلّ استقطاب سياسي حادّ كدستور .2012 شهدت المرحلة، تحت حكم المجلس العسكري، ستة استحقاقات دستورية60. دشّ ن أولها (الإع ناا الدستوري في 13 شباط / فبراير 2011) انفراد المجلس العسكري بإدارة المرحلة كما أشرنا، أمّا ثانيها فكانت تعديلات دستور 1971 61 التي فتحت باب الاستقطاب الحاد بسبب تشكيل اللجنة، وبسبب الخلاف حول مسألة لا أهمية لها وهي الدستور أم الانتخابات أول. فكما أشرنا من قبل، لا يجب أن يبدأ المسار بتحويل الثورة إلى ثورة انتخابية، تبدأ بالذهاب إلى الصناديق قبل التوافق الوطني، إن بشأن الانتخابات أو الدستور. هذا فضلً عن أنّ الإستفتاءات تكون عادة بين بديلين واضحين. وما حدث في مصر هو أنه تمّ تخويف الناس من عدة أمور؛ الفراغ الدستوري والإنفلات الأمني، والحكم العسكري، وإلغاء المادة الثانية، إذا قالوا "لا." أمّا بديل "نعم" فكان غامضًا أيضًا، فلم يعرف ماذا بالضبط بعد "نعم"، إذ أعلن أحد أعضاء المجلس العسكري عن نية المجلس إصدار إعلان دستوري في حالة "نعم" وفي حالة "لا"62. وبالفعل قام المجلس العسكري منفردًا بوضع التعديلات - وكانت تخص 9 مواد من دستور 1971 - في إعلان دستوري من 63 مادة وأصدره في 30 آذار / مارس63. والمشكلة هنا ليست فقط في الإنفراد، وإنما أيضًا في الإلتفاف على إرادة الناخبين التي صوتت على تسع مواد فقط. ومن المعروف أيضًا أنّ تعديل الدساتير في النظم الديمقراطية المستقرة يتطلب أغلبية معينة كالثلثين وأكثر في بعض الحالات، فما بالنا بالتعديل في دولة تتلمس طريقها نحو الديمقراطية. كما أنّ وضع دستور جديد بالكامل لم يتمّ أيضًا، في معظم الحالات يتمّ بعد انهيار النظام القديم مباشرة، إذ اقتضى الأمر أن تمنح الجمعيات التأسيسية - يختار أعضاؤها بالانتخاب أو بالتعيين - الوقت للوصول إلى التوافقات المطلوبة. حدث هذا مثلً في جنوب أفريقيا، عندما تمّ العمل بدستور صغير مؤقت 1993( - 1996)، حتى تمّت عملية صوغ الدستور الجديد عام 1996. وفي بولندا، بدأ الانتقال آخر الثمانينيات، ثمّ وضع الدستور عام 1997. وفي البرازيل، بدأ الانتقال في النصف الأول من السبعينيات، ووُضع الدستور عام 1988. وفي الهند، استغرق العمل في الجمعية التأسيسية نحو ثلاث سنوات من عام 1946 إلى 1949 64. واستمر النهج المنفرد للمجلس العسكري في قانون الانتخابات والنظام الانتخابي، ما عدا بعض النقاشات في خصوص نسبة النظام الفردي والقوائم الحزبية65. وتأكدت رغبة المجلس في الانفراد، عندما أصدرت المحكمة الدستورية العليا (عين مبارك معظم قضاتها) حكمها، في 14 حزيران / يونيو 2012 وقبل بدء جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية، بعدم دستورية بعض المواد التي تمّت على أساسها انتخابات مجلس الشعب. فقد أصدر رئيس المجلس العسكري قرارًا بحل المجلس من دون تشاور مع أحد، مع أنه كانت هناك بدائل أخرى تقضي ببطلان عضوية بعض الأعضاء فقط. وبعد عودة سلطة التشريع للمجلس العسكري وبعد ثلاثة أيام من الحل وفي اليوم الثاني لانتخابات الإعادة في 17 حزيران / يونيو 2012، أصدر المجلس إعلانًا دستوريًّا تمّ بموجبه إقرار عدة أمور مصيرية، ومن دون أي تشاور مع القوى السياسية. وأهمها تقييد سلطة الرئيس القادم، وإبقاء سلطة التشريع في يد المجلس العسكري حتى انتخاب البرلمان، وإطلاق يد المجلس العسكري في كافة الشؤون المتصلة

  1. وائل قنديل، "معاهدة فيرمونت بين الرئيس والقوى الوطنية،" الشروق، 2012/7/7، في: http://bit.ly/1PoUn4X
  2. انظر في شأن التجربة الدستورية المصرية بعد ثورة يناير: عبد الفتاح ماضي، "هل يمكن أن تجهض الدساتير الثورات الديمقراطية؟ قراءة في التجربة الدستورية المصرية بعد المجلة المغربية للدراسات العمومية ثورة يناير "2011،، سلسلة دفاتر حقوق الإنسان)3(،
  3. ماضي، " ثلاثة أسباب أخرى...."
  4. اللواء ممدوح شاهين، مقابلة تليفزيونية، مصر النهار ده، يوتيوب قناة، 2011/3/19، شوهد في 2015/12/28، في: https://www.youtube.com/watch?v=FoeeXL5Urlw
  5. الإعلان الدستوري الصادر في 30 آذار / مارس 2011، في: http://bit.ly/1WPCBvO
  6. ماضي، "مداخل"...، ص 38 - 40، 53 - 57، 58 - .63
  7. انظر: ماضي، "التوافق أولا"؛ ماضي، "هل يحتاج المصريون...؟".

بالقوات المسلحة، ومنح المجلس تشكيل جمعية تأسيسية جديدة لوضع الدستور إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية القائمة، إضافة إلى منح رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس مجلس الوزراء أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خمس عدد أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور الحق في الطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر في أي نصوص مقترحة تتعارض مع أهداف الثورة ومبادئها الأساسية أو "مع ما تواتر من مبادئ في الدساتير المصرية السابقة"، فإذا أصرت الجمعية على رأيها، عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، ويكون القرار الصادر من المحكمة الدستورية العليا ملزمًا للكافة66. وللأسف لم يحظ هذا الإعلان باهتمام الكثيرين، لكنّ الحوادث التالية أثبتت أنّ هناك مخاوف كثيرة لدى المجلس العسكري، وأنه ليس مستعدًا للتنازل عن نفوذه السياسي والاقتصادي للمؤسسات المنتخبة.

استمر النهج الانفرادي مع الرئيس المنتخب، إذ صدر قرار جمهوري مفاجئ في 8 تموز / يوليو 2012، يقضي بعودة مجلس الشعب المنحل. وعلى الرغم من أنّ رفض قرار الحل كان محلّ اتفاق القوى السياسية في فيرمونت، فإنّ هذا القرار أثار جدلً سياسيًا وقانونيًا. ثم أكدت المحكمة الدستورية حكمها السابق فاستجاب الرئيس. وفي 12 آب / أغسطس 2012، أصدر الرئيس مرسي إعلانًا دستوريًا جديدًا من أربع مواد، أثار الكثير من الجدل السياسي والقانوني. فقد ألغى الإعلان الجديد الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري في 17 حزيران / يونيو 2012، وأعاد للرئيس المنتخب كامل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية. ومنح الإعلان الجديد رئيس الجمهورية الحق في تشكيل جمعية تأسيسية جديدة، إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية عملها67. وقد أثار هذا الإعلان جدلً مطوّل حول أحقية الرئيس بإلغاء إعلانات ثورية، كما أنه، ومثل كل الوثائق الدستورية السابقة، تمّ في غياب تشاور حقيقي مع حلفاء الأمس. وفي 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، كان الاستحقاق الدستوري الأخطر في عهد مرسي، وهو الإعلان الدستوري الذي صدر بإرادة منفردة، ومن دون علم نائبه ومستشاريه والوزراء، وبعضهم كانوا من رجال القانون. وعلى الرغم من أنّ الإعلان تضمن بعض مطالب الثورة كتغيير النائب العام وإعادة التحقيقات والمحاكمات للمتهمين بقتل المتظاهرين، فإنّ بقية نصوص الإعلان أثارت عاصفة قوية من الرفض، نظرًا لتحصينها قرارات الرئيس الماضية والمستقبلية وتحصين مجلس الشورى واللجنة التأسيسية، بحيث لا يمكن حل أي منهما. وبعد تصاعد الغضب الشعبي، عقد الرئيس جولات حوار شارك فيها حلفاؤه من الإسلاميين وبعض الشخصيات الليبرالية، وتمّ بموجبها إلغاء الإعلان بإعلان دستوري آخر صدر في 8 كانون الأول / ديسمبر 2012، ونظرًا لوجود عدة دعاوى أمام المحاكم للنظر في أحقية الرئيس في إصدار إعلانات دستورية، فقد حصن إعلان 8 كانون الأول / ديسمبر كل الإعلانات الدستورية، بحيث "لا تقبل الطعن عليها أمام أي جهة قضائية، وتنقضي الدعاوى المرفوعة بهذا الشأن أمام جميع المحاكم."68 ثمّ جاء الاستحقاق الدستوري الأهم وهو دستور 2012 69. وللحكم بقدر من الموضوعية عليه، يمكننا الاحتكام إلى معيارين أساسيين من معايير الدساتير الديمقراطية؛ أولهما يتصل بطريقة وضعه وإخراجه، وثانيهما يهتم بمضمونه ودرجة ديمقراطيته. فلا شك في أنّ تشكيل الجمعية التأسيسية شابه بعض المشكلات، ولم تستطع القوى السياسية الاتفاق إلّ بعد ضغط المجلس العسكري. كما أنّه كان من الأفضل تمثيل علماء سياسة وفقهاء قانون ومتخصصين في بناء المؤسسات والنظم السياسية والإدارة العامة تمثيلً أكبر، وتجنب الاعتماد شبه الكلي على التمثيل الحزبي. وقد أدى الشك المتبادل بين القوى السياسية إلى انسحاب 25 عضوًا بعد انقضاء المهلة التي حددتها القوى المنسحبة للأخذ ببعض المقترحات. وضمّ فريق المنسحبين معظم ممثلي التيار المدني وكلّ ممثلي الكنائس الثلاث70. وازداد الأمر سوءً مع الإصرار على الاستفتاء على الدستور في ظل الانقسام السياسي، فكما أشرنا من قبل، ما تمّ في الحالات الناجحة هو حلّ اختلافات النخب أولً عبر الحوار، وليس تصديرها للناخبين عبر الصناديق.

  1. الإعلان الدستوري المكمل، المجلس الأعلى للقوات المسلحة، 17 حزيران / يونيو.2012
  2. نص الإعلان الدستوري، رئاسة الجمهورية، 18 آب / أغسطس.2012
  3. نص الإعلان الدستوري، رئاسة الجمهورية، 8 كانون الأول / ديسمبر.2012
  4. دستور.2012
  5. انسحاب 25 عضوًا ب «التيار المدني» من الجمعية التأسيسية"، المصري اليوم، 2012/11/17، في: http://bit.ly/1ROAYzc

ولا شك في أنّ هذه الأبعاد الإجرائية ضربت الدستور في مقتل، لكنها لم تكن المشكلة الوحيدة، نظرًا لأنّ الدستور اخترق أسس النظام الديمقراطي، مع أنّه احتوى على نصوص أخرى جيّدة تتعلق بالحريات والنظام السياسي. فعلى الرغم من عدم النص على أي دور صريح للجيش بصفته حاميًا للشرعية الدستورية، وعلى الرغم من أن الديباجة نصت على أنّ المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية محترفة محايدة ولا تتدخل في الشأن السياسي، فإنّ الدستور أدخل وصاية عسكرية واضحة بالمواد المتصلة بثلاثة مجالس عسكرية أو ذات طابع شبه عسكري وبخصوص اختصاصاتها وهي المواد 193 - 197، إضافة إلى السماح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية (مادة 198.) أمّا ميزانية الجيش فلم يرد نص على أن توضع بصفة بند واحد بميزانية الدولة، لكنّ الدستور نصّ على ضرورة أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني المشكّل من 15 عضوًا، نصفهم تقريبًا من المدنيين (مادة)19771. كان المطلوب في ذلك الوقت هو – كما كتبت مرارًا - التمسك بما ورد في دستور 1971، إذ كانت هناك خطورة من تأسيس وضع جديد لا يمكن تغييره بسهولة لاحقًا72، فضلً عن عدم انفراد جهة واحدة بتقرير هذا الأمر. لكنّ ما حدث في الواقع هو أنّ المجلس العسكري نجح في تأسيس وضع جديد. وهو ما أغضب قطاعًا من القوى السياسية، ولا سيما الحركات الثورية، وحزب مصر القوية، وعددًا من الشخصيات العامة، بينما لم تهتم الكثير من الأحزاب الليبرالية واليسارية بهذا الأمر وانصب اهتمامها على مواد الهوية والحريات في الدستور. وتجب الإشارة هنا إلى أنّ تفاهمات الإخوان والمجلس العسكري بدأت مبكرًا، إذ كشفت لنا مصادر من داخل الجماعة أنّ اللجنة القانونية لحزب الحرية والعدالة أعدّت دستورًا وقدّمته للمجلس العسكري قبل تشكيل الجمعية التأسيسية. والمشكلة هنا ذات بعدين، أولهما انفراد الجماعة بالأمر (أو تصورّها أنه يمكن أن تنفرد به)، والثاني أنّ الدستور تضمّن تنازلات للجيش عمّ كان في دستور 1971 73. أمّا ما يتعلق بالشريعة الإسلامية ومسألة الهوية، فقد ظلّت هناك مخاوف من المادة 219 التى تفسر مبادئ الشريعة في نظر البعض، لكنّها غير مفهومة لدى البعض الآخر، ومن المادة 4() التي تعطي دورًا للأزهر في سن التشريعات، إذ نصت على "ويؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية"74. وفي نظري كان يجب الإبقاء على المادة الثانية فقط في هذه المرحلة التاريخية وعدم فتح مسألة الشريعة، لأنّ هناك أولوية أكبر هي نجاح مسار الانتقال وضمان الحريات أولً، فالحالات الناجحة في الانتقال كانت تقتضي التركيز على هدف إستراتيجي كما أشرنا من قبل. ويمكن القول هنا إنه لو عرفت الأطراف المختلفة لأزمة دستور 2012 المعنى الحقيقي للدستور وللديمقراطية وأولويات مصر في تلك المرحلة والمخاطر التى تحيط بالثورة، لما أراد البعض منها قلب الطاولة على الجميع كما فعلت بعض القوى المدنية، أو اعتقد بعض الإسلاميين أنّ كتابة الدستور هي نهاية التاريخ؛ فإمّا الشريعة وإمّا اللاشريعة. إنّ الدستور ليس مجالا لحسم جميع الإشكاليات التى تثيرها مسألة الهُوية. وهو ليس وثيقة مقدسة، وإنّ ا هو تعاقد مجتمعي متجدد يجب تعديله متى تطلب الأمر. وما كانت تحتاجه مصر آنذاك هو إرساء أركان النظام الديمقراطي الحقيقي بمؤسساته وضماناته المتعارف عليها والكفيلة بحفظ حريات الناس وحقوقهم، وتوفير المجال السياسي الصحي الذي يُ كّن الفاعلين السياسيين من التنافس الحقيقي لخدمة الناس، وتفكيك عرى الاستبداد، وحسم بقية الإشكاليات ومنها مسألة الهوية – لاحقًا - في جو من الحرية. لقد تحوّل الدستور إلى مشكلة قبل إقراره وبعده بدلً من أن يكون حلًّ، وانتهى الأمر إلى تحوّل الاستفتاء عليه إلى استفتاء على الرئيس ومواقف المعارضة منه، الأمر الذي انعكس على تدني نسبة المشاركة إلى 32 في المئة (وافق عليه 64 في المئة واعترض 36 في المئة.) وهذه نسبة مشاركة منخفضة مقارنة بنسبة المشاركة في استفتاء مارس 2011 (نحو 41 في المئة)، وانتخابات مجلس الشعب (نحو 60 في المئة)، والرئاسة 51(في المئة)75. وأدّت مواقف الطرفين الرئيسين (الرئيس والمعارضة) من الدستور إلى مزيد من الانقسام، وخاصة في ظلّ حالة السيولة الثورية، وفي ظل استقواء النخب بالشارع للضغط على خصومها ودفعها إلى مواجهات عنيفة. وقد رصدت إحدى المبادرات التوثيقية 438 و 470 قتيلً خلال فترة المجلس العسكري وفترة مرسي على التوالي76. ولا شك في أن استمرار تدهور الأوضاع الأمنية يرتدّ إلى حالة الاستقطاب الحاد، وإلى عدم تنفيذ أي برامج حقيقية لإعادة تأهيل جهاز الشرطة.

  1. 74 دستور 2012.
  2. 75 نسب المشاركة: الموقع الرسمي للجنة الانتخابات، في: https://www.elections.eg
  3. المرجع نفسه.
  4. 71 دستور 2012.
  5. 72 عبد الفتاح ماضي، ورقة "العلاقات المدنية - العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي"، مؤتمر تحولات الديمقراطية في العالم العربي، مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، بيروت، 2012/6/28؛ عبد الفتاح ماضي، "الثورات والعلاقات المدنية / العسكرية"، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، السنة الثانية عشرة، العدد 46 (نيسان / أبريل.)2012
  6. مبادرة توثيقية للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، ويكي ثورة، شوهد في: 2015/11/27، في: https://wikithawra.wordpress.com/

المرحلة الثانية: منذ 30 حزيران / يونيو 2013

انتهت الثورة الانتخابية السابق شرحها إلى انهيار المسار الديمقراطي المرتبك، وتحول الثورة إلى مرحلة جديدة تمامًا، فقد تمكنت قوى الثورة المضادة من السيطرة والشروع في هجوم مضاد على قيم ثورة يناير وأهدافها، بحجة الحفاظ على الدولة والأمن والاستقرار. وقد تحقق هذا من خلال تسلّم المجلس العسكري الحكم مباشرة وقيامه بوضع خارطة طريق تستهدف ترسيخ حكم مطلق يستند إلى احتكار سلطتي التشريع والتنفيذ، وقمع كل من لا يؤيد النظام وإقصاءه، مع نسج رواية مرجعية للنظام تقوم على مجموعة من المغالطات، ومع الحفاظ أيضًا على بعض الديباجات الديمقراطية الشكلية كالانتخابات والاستفتاءات الصورية والوزراء المدنيين. كما أنّه استغل ما يسّمى الحرب على الإرهاب لضرب الإخوان المسلمين وبعض القوى الثورية التي ظلّت تطالب بالحريات وإعادة المسار الديمقراطي والقصاص للقتلى. كان لهذا المسار ثمن باهظ، كما أنه بالطبع كان بعيدًا كل البعد عن الثورة وأهدافها، كما اتضح أنّ الكثير من الأمور تمّ تدبيرها لتقسيم قوى الثورة والانقضاض عليها الواحدة تلو الأخرى.

. أ الحكم العسكري

أول ملمح في هذا المسار كان تسييس المؤسسة العسكرية، واستقواء فريق سياسي بها لإقصاء فريق آخر، ومن ثمّ اختيار المجلس العسكري برئاسة وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي (والذي عُيّ قبل اندلاع ثورة يناير بشهور مديرًا للمخابرات الحربية، وكان أحد المقربين لحسين طنطاوي77 التدخل لملء الفراغ الناتج عن صراعات السياسيين والحفاظ على مصالحه. نظريًا، كان من الممكن للمجلس أن يدفع الطرفين المتصارعين إلى طاولة حوار وطنية، ورعاية مصالحة سياسية شاملة. لكن هذا لم يحدث، واصطف الجيش مع القوى المدنية ضد التيار الإسلامي، ورَسَمَ مسارًا سياسيًا من دون الإسلاميين، بل واعتمد سياسة إقصائية تجاه حركة الإخوان المسلمين وحلفائها، ولاحقًا ضد كل القوى المحسوبة على الثورة. ثمّ تسلم وزير الدفاع السلطة مباشرة، بعد أن رشح نفسه في انتخابات لم يتوافر لها الحد الأدنى من المعايير المتعارف عليها للانتخابات الديمقراطية، وفي ظلّ حملة دعائية مكثفة لمصلحته، شاركت فيها شخصيات وقوى سياسية استخدمت مغالطات عدة تروّج أنّ البلاد وهيبتها في خطر وأنها تحتاج رجلً قويًّا من الجيش. ولا شك في أنه في كل الحالات المشابهة يطلق على هذا النوع من أنظمة الحكم "حكومة عسكرية"، أي الحكومة التي يحكمها الجنرال الذي نفذ الانقلاب، إنْ بشكل مباشر وبلا انتخابات أو عبر انتخابات شكلية غير تنافسية كالتي أجريت في مصر في صيف.2014 لكن كان لهذا جذور، تحدّث مقربون من الجيش عن أنّ المجلس العسكري قام بتمويل بعض الأحزاب الناشئة خلال المرحلة الانتقالية الأولى، بحجة عدم قدرة هذه الأحزاب على منافسة الإخوان في أي انتخابات78. وكشفت مراسلات سربت للبريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أنه كان هناك صراع بين مبارك وقادة المجلس العسكري حول خليفته بعد تنحيه، فقد كان مبارك مصرًا على عمر سليمان مدير مخابراته، بينما أصر المجلس على تسلّم إدارة البلاد79. أمّا خلال الفترة الانتقالية الثانية، فقد كشف آخر وزير خارجية لمبارك أنّ عمر سليمان - رئيس جهاز المخابرات العامة أيّام مبارك - أبلغه قبل وفاته أنّ جماعة الإخوان لن تستمر في الحكم وأن اللواء عبد الفتاح السيسي (مدير المخابرات العسكرية منذ)2010 سيتكفل بها80. أمّا أحمد شفيق (آخر رئيس وزراء لمبارك)، فقد أعلن في مقابلة تليفزيونية في حزيران / يونيو 2015 عن أنه ساهم (أثناء حكم مرسي) في التخطيط للتخلص من الإخوان باتصالاته مع الأميركيين، وبعلم من المخابرات العامة المصرية81. ومن ذلك أيضًا اعتراف وزير الداخلية محمد إبراهيم رفضه الانصياع لأوامر مرسي وعرقلة عمل المحافظين الإخوان، واعتراف وكيل جهاز المخابرات العامة ثروت جودة بأن المخابرات تعمدت تضليل الرئيس مرسي ولم تعطه معلومة واحدة صحيحة طوال فترة رئاسته82. ومن جهة أخرى أثار حصول النظام على دعم إقليمي ودولي سخي، ولا سيما من الدول التي لم تكن مناصرة لثورة يناير، الكثير من

  1. Robert Springborg, “Abdul Fattah El‐Sisi: New face of Egypt's old guard,” BBC News ‐ Middle East , 26/3/2014, at: http://www.bbc.com/news/ world‐middle‐east‐26188023
  2. سيف اليزل: الجيش مول أحزاب لمواجهة الإخوان"، يوتيوب، 2015/12/30، في: https://www.youtube.com/watch?v=Nu5XqB0P6sw
  3. عبد العزيز الشرفي ومحمد البلاسي، "رسائل «كلينتون:» «عنان» تعهد ل«مبارك» بتأمينه وحفظ أمواله وشرفه"، الوطن، 2016/1/3، في: http://www.elwatannews.com/news/details/894625
  4. أبو الغيط: عمر سليمان قال لي قبل وفاته "السيسي هينقذ مصر من الإخوان""، الوفد، 2015/12/13، في: http://bit.ly/1TX3kX3
  5. فضائية العاصمة أحمد شفيق، مقابلة تلفزية،، الجزء الأول، يوتيوب، 2015/6/15، في:؛ https://www.youtube.com/watch?v=nfnHaVzIJCs والجزء الثاني، 2015/6/16، في: https://www.youtube.com/watch?v=uxxWsSe7tfA
  6. حُكم على الوكيل بالحبس لمدة عام وغرامة 500 جنيه بعد أن قدم جهاز المخابرات العامة بلاغًا ضده بإفشاء أسرار "تخص الأمن القومي" و"نظام العمل بالجهاز" وإفشاء "أسرار غير مصرح بالحديث العلني عنها تخص فترة عمله بجهاز المخابرات." انظر: الوطن، 2014 /10/ 29 الوطن، وانظر أيضًا: ثروت جودة، مقابلة صحافية، صحيفة،2014/9/17، وكذلك: "وكيل مخابرات مصر: تعمدنا تضليل مرسي"، الجزيرة. نت، 2014/9/19، في: http://bit.ly/1tzYYu4

الشكوك حول من ساهم في وضع ترتيبات 30 حزيران / يونيو. ولا شك في أن هذا الدور يحتاج إلى دراسة منفصلة، لكن يمكننا الإشارة هنا إلى أنّ دولً ثلاثًا خليجية هي الإمارات والسعودية والكويت قدمت المليارات للنظام الجديد، كما استمر تدفّق المساعدات العسكرية الأميركية ووقّعت وزارة الدفاع عقودًا جديدة بعد الانقلاب، ثم أعلنت الولايات المتحدة الإفراج عن مساعدات عسكرية كانت مجمّدة سابقًا، ثمّ قدّمت مساعدات إضافية بقيمة 1.3 مليار دولار في كانون الأول / ديسمبر 2014. بجانب عقد صفقة سلاح مع فرنسا بأكثر من 7 مليارات دولار مطلع عام 2015، وتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع روسيا والصين83. هذا فضلً عن الغموض حول حجم التعاون الأمني مع الإسرائيليين، والمستوى الذي وصلته العلاقات المصرية الإسرائيلية، في ضوء حديث بعض الإسرائيليين والغربيين عن أنّ هذه العلاقات تجاوزت كثيرًا ما كانت عليه أيام مبارك الذي وصفه الإسرائيليون بأنه كنز إستراتيجي بالنسبة إليهم. ومؤخّرًا وصف خبير أميركي في الشؤون العسكرية العلاقات المصرية الإسرائيلية بأنها صارت أقوى من علاقات مصر بالسودان84. وصدرت تصريحات، من بعض الدوائر الرسمية والصحفية في مصر وبالغرب، تشير إلى أنّ ترتيبات 30 حزيران / يونيو نوقشت مع مسؤولين غربيين. من ذلك ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز 6(أيار / مايو 2014) أنّ السفيرة الأميركية بالقاهرة، آن باترسون، طلبت من السيسي تأخير الانقلاب يومًا أو يومين وهو ما يثبت أن نقاشًا ما دار حول موعد الانقلاب. وأضافت الصحيفة أنّ السيسي حذّر مسؤولين أميركيين في آذار / مارس 2013 (قبل الانقلاب بثلاثة أشهر) بأنّ عهد الإخوان قارب على الانتهاء85. أمّا أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا ومستشار الأمم المتحدة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية، جيفري د. ساكس، فقد حمّل الغرب ما حدث بالعالم العربي منذ 1914، مؤكدًا أنّ الولايات المتحدة كانت وراء الكثير من الانقلابات بدءًا من انقلاب 1949 بسورية، مرورًا بإسقاط مصدق بإيران 1953، وانتهاءً بإسقاط مرسي عام 2013 86. وتزداد الأمور سوء أيضًا مع الأخذ في الحسبان النفوذ الاقتصادي للجيش، فقد تحدثت عدة دراسات عن "جمهورية ضباط متقاعدين"87، وعن "اقتصاد خفي" للجيش يقدر بنحو 40 في المئة من الاقتصاد، بينما تقول مصادر من الجيش ذاته أنه لا يتجاوز 2 في المئة88، أضف إلى ذلك أمورًا أخرى كوجود ضباط متقاعدين في مناصب المحافظين وفي مناصب عليا بالوزارات والمؤسسات والشركات العامة، وتوسّع نشاطات الشركات العسكرية في المجالات التجارية والصناعية والخدمية، وسيطرة الجيش على الكثير من المشاريع الكبرى وعقود بناء المدن وتطوير قناة السويس وغيرها، ومليكته الفعلية لكل الأراضي غير الزراعية غير المستغلة في مصر (نحو 87 في المئة من مساحة مصر)89. ومنذ أن تسلّم المجلس العسكري السلطة في شباط / فبراير 2011، صدرت عدة قرارات متصلة بالجيش تحديدًا، منها قرارات عدة لرفع المرتبات والمعاشات للعسكريين، ومنها ما يتصل بالدور الاقتصادي للمؤسسات التابعة للجيش في شكل اعفاءات ضريبية واستثناءات وتخصيص أراض من خلال عقود إسناد مباشر من الحكومة90. ومن هذه التشريعات ما أصدره المجلس في أيار / مايو 2011، لجعل القضاء العسكري هو الجهة الوحيدة التي يتمّ أمامها الفصل في جرائم الكسب غير المشروع المنسوبة إلى ضباط الجيش حتى لو بدأ التحقيق بعد تقاعدهم. ومؤخّرًا صدر قرار رئاسي في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2015، لتعديل صلاحيات جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة للسماح له بالانخراط في النشاط التجاري لتطوير موارده عبر تأسيس الشركات بكافة أنواعها، سواء بمفرده أو بالمشاركة

  1. Jeremy M. Sharp, “Egypt: Background and U.S. Relations”, Congressional
  2. Sarah “Israel, Egypt getting along great these days”, USA Today , 14/5/2014, at: http://usat.ly/1mS8UPq:هناك الكثير من التصريحات ذات الصلة هنا على اليوتيوب، 21/12/2015، منها https://www.youtube.com/watch?v=SnT61Lb2G4E; https://www.youtube.com/watch?v=A99ULmwrJCI https://www.youtube.com/watch?v=945Cs2cothQ; https://www.youtube.com/watch?v=Sv-s861FsXs
  3. David Kirkpatrick, “U.S. Sought Delay of Morsi's Ouster, Egyptian Leader Says”, New York Times , 6 /5/ 2014.
  4. جيفري د. ساكس، "قرن جديد للشرق الأوسط"، الجزيرة. نت، 2015/12/21، في: http://bit.ly/1J013dl
  5. Zeinab Abul-Magd, “The Egyptian Republic of Retired Generals,” Foreign Policy , 8/5/2012. 88 عبد الفتاح السيسي، مقابلة تلفزية، قناة المصري اليوم،.2014/5/15
  6. Research Service (24/7/2015), pp. 14 - 26; Huffingtonpost , 31/3/2015.
  7. انظر: يزيد صايغ، "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2012/8/1؛ شانا مارشال، "القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط،.2015/4/15 Zeinab Abul-Magd, “Egypt's Military Business: The Need for Change,” Middle East Institute , 19/11/ 2015; Steven Cook, “How to Get Egypt's Generals Back on Our Side,” Foreign Policy , 5/1/2015.
  8. من امتيازات الطرق والأراضي إلى تطوير السيرك القومي: أكثر من 20 امتيازًا اقتصاديًّا للجيش المصري بعد انقلاب 3 يوليو"، ساسة بوست، 2014/8/4، في: http://www.sasapost.com/egyptian-army-economic-benefits

مع رأس المال الوطني أو الأجنبي91. وهو ما قد يُوجد، بحسب باحثين متخصصين، مجموعات مصالح عسكرية متمايزة ومتنافسة، ويعقّد البيئة القانونية والتجارية، وذلك في ضوء التشريعيات التي تعفي العسكريين من المثول أمام المحاكم المدنية في جرائم الكسب غير المشروع أو تمنع رفع الدعوات القضائية ضدّ مديري الشركات القابضة أو الاعتراض على منح العقود الحكومية92. وفي ظلّ غياب أي معلومات من مصادر رسمية، وفي ظلّ غياب الشفافية، تظهر تقارير دولية ولا تجد أي نفي أو تعليق من مصادر رسمية مصرية، من ذلك على سبيل المثال التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية 2013 وفي 2015، حول مكافحة الفساد في مجال الدفاع، وجاءت جيوش المنطقة العربية (مصر، والجزائر، وليبيا، وسورية، واليمن) من بين أسوأ الجيوش في الشفافية ومكافحة الفساد، مشيرًا إلى أسباب منها إنفاق الأموال سرًا، ومنح مقربين عقودًا، وانعدام الرقابة التشريعية، وغير ذلك93.

.ب الإقصاء والعنف

أما الملمح الثاني لهذا المسار فهو طريقة التعامل مع أخطاء الإخوان السياسية، فقد تمّ تحميل الإخوان والتيار الإسلامي بأكمله أخطاء المرحلة الانتقالية، وإعلان جماعة الإخوان جماعة إرهابية، واستغلال ما يسمى الحرب على الإرهاب لضرب التيار الإسلامي وكافة القوى الثورية الأخرى. وقد أدّت هذه السياسة إلى انقسام سياسي ومجتمعي حاد، ودفعت بعض الشباب إلى التخلي عن العمل السلمي واعتماد العنف وسيلة للثأر. اختار ساسة مصر اعتماد الحل الأمني مع الإسلاميين من جديد، بينما لم يحقق هذا الحل أي نتائج في أي مكان آخر، بل وفاقم الكثير من الأوضاع94. وتجارب تركيا والجزائر وليبيا مهمة للغاية، ففي كل هذه الحالات ضُ ب التيار الإسلامي بقوة لكنه ظلّ قائمًا بل وعاد من جديد. كما ليس من الصواب القياس على ما تم في التسعينيات بمصر، فالقضاء على الحركات العنيفة وقتذاك كانت له ظروف مختلفة تمامًا، وكانت تلك الحركات سرية وليس لها قاعدة شعبية على عكس الإخوان المسلمين والقوى المتحالفة معهم. ثمّ إنّه - وكما أشرنا في القسم الأول من هذه الدراسة - لم تنجح سياسة الإقصاء حتى في الدول التي شهدت حروبًا أهلية.

ومن مخاطر تلك السياسة الإقصائية استخدام العنف الممنهج لتصفية الحسابات السياسية، وقمع الخصوم السياسيين وكل المخالفين في الرأي. وهذا، كما أشرنا من قبل، من أخطر العقبات أمام استعادة الديمقراطية. وقد أدت هذه السياسة إلى أنماط متعددة من العنف، كالعنف الرسمي (علميات قتل تنفذها أجهزة الدولة ضد المتظاهرين المعارضين، وعمليات التعذيب والاغتصاب، إلى جانب سجن عشرات الآلاف من المعارضين، وعمليات سجن لأطفال وفتيات)، والعنف غير الرسمي (استهداف مسلحين للشرطة والجيش)، والقتال الأهلي أو شبه الأهلي بين المعارضين والأهالي (أو بين المعارضين ومجموعات مسلحة من البلطجية تحركهم جهات معيّنة)، والقتال الطائفي الذي ظهر نتيجة للاستقطاب السياسي والحلول الأمنية. إضافة إلى ظهور نمط جديد من العنف يستهدف المنشآت العامة. هذا فضل عن وجود مخاطر جمّة – ولا سيما في سيناء والنوبة والصعيد – من ظاهرة انتشار السلاح95.

  1. انظر: "قرار جمهوري بتعديل قواعد التصرف في أراضي القوات المسلحة"، في: http://www.sis.gov.eg/Ar/Templates/Articles/tmpArticles. aspx?ArtID=115793#.VpS6VlI1pIE
  2. يزيد صايغ، "عودة جماعات المصالح العسكرية في مصر"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، واشنطن، /12/21 2015، في: http://carnegie-mec.org/2015/12/21/ar-62342/io4i
  3. وفي شأن مصر تحديدًا، تحدث التقرير عن أمور مثل: "تعد ميزانية الدفاع التي تقدر بحوالي 4.4 مليار دولار سرًا من أسرار الدولة. لا تتوافر تلك الميزانية بأي صيغة من الصيغ
  4. للجمهور أو للسلطة التشريعية... وسمح للجيش قانونًا بالاحتفاظ بحسابات مصرية تجارية خاصة به"، "على الرغم وجود نص قانوني لعملية الترقية.. في كثير من الأحيان يتمّ التعيين والترقية على أساس الولاء والطاعة لمن هم في السلطة بدلا من المزايا المهنية.." "يكاد الجيش لا يتعرض لأي مساءلة أمام الدولة"، "أي محاولة... لمناقشة السياسة الدفاعية أو الأمنية تعد بمنزلة خرق للأمن الوطني من السلطات." انظر:
  5. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في خانة الخطر المرتفع للفساد في قطاع الدفاع"، المؤسسة الدولية للشفافية، 2013/2/6، في: http://bit.ly/1RjvYnk 94 وصف تقرير حقوقي فض اعتصامي رابعة والنهضة بأن "ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى اتساع نطاقها وطبيعتها الممنهجة"، انظر: "حسب الخطة: مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر"، منظمة هيومان رايتس ووتش، 2014/8/12، في: https://www.hrw.org/ar/report/2014/08/12/256580 95 وصل حجم تجارة السلاح في مصر –حسب بعض الدراسات الأمنية– إلى نحو 30 مليار جنيه سنويًا بعد ثورة 25 يناير، وهناك تقديرات بانتشار ما بين 10 إلى 15 مليون قطعة سلاح خفيفة ومتوسطة. المصري اليوم، 24.2014/2/

وقد واكب هذا عدة أمور لا مثيل لها أيضًا، أهمها الأحكام القضائية بإعدام المئات من المعارضين، وتكميم الأفواه، واعتقال الأكاديميين والصحفيين، وتخوين كل المدافعين عن حقوق الإنسان96، وتسخير مجموعة من الصحفيين والإعلاميين لشن حملات إعلامية مكثفة لتبرير القتل والانتهاكات الأخرى97، واستغلال ما يسمّى "الحرب على الإرهاب" في محاربة الإسلاميين وقوى الثورة98. وبحسب مبادرة ويكي ثورة، فقد قُتِل 3248 شخصًا في الشهور السبعة الأولى بعد 30 حزيران / يونيو 2013، من بينهم مئات الضحايا بمذبحة فض ميداني رابعة والنهضة الأكبر، واعتقال 40000 شخص بين تموز / يوليو 2013، ومنتصف أيار / مايو 2014 99(. وفي تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الصادر حول فض ميداني رابعة والنهضة، جاء أنّ عمليات القتل "ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى اتساع نطاقها وطبيعتها الممنهجة، وكذلك إلى الأدلة التي توحي بأنّ عمليات القتل كانت جزءًا من سياسة تقضي بالاعتداء على الأشخاص العزّل على أسس سياسية"100. وأول مرة يتمّ تحديد أسماء مسؤولين مصريين والمطالبة بسؤالهم جنائيًا، ومطالبة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة - من خلال المجلس الأممي لحقوق الإنسان – بتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق بعد 30 حزيران / يونيو. كما رصدت منظمة العفو الدولية انتشار التعذيب والاختفاء القسري في مرافق الاحتجاز التابعة للشرطة والجيش، وشهادات لحالات اغتصاب مقززة، وصدور أحكام إعدام ضد فتيان تحت سن الثامنة عشرة، وأحكام قاسية ضد فتيات قاصرات101. يحدث كل ما سبق، بينما يؤكد مسؤولون أنه لا يوجد تعذيب بالسجون المصرية102، بل وذكر قادة شرطة أنّ "السجون أصبحت الآن فنادق"103. وعندما أعلن السيسي أنّ تجاوزات الشرطة فردية، أورد مركز النديم الانتهاكات التالية التي ارتكبتها الشرطة خلال شهر واحد (تشرين الثاني / نوفمبر 2015:) وفاة 13 شخصًا بأماكن الاحتجاز، و 63 حالة قتل خارج إطار القانون، و 10 حالات قتل خطأ، و 42 حالة تعذيب، و 13 حالة تعذيب جماعي، و 12 حالة سوء معاملة، و 75 حالة إهمال طبي، و 40 حالة إخفاء قسري، و 5 رهائن، و 14 حالة عنف شرطة خارج أماكن الاحتجاز104.

. ج ظهور تحالف 30 حزيران / يونيو وانهياره

لم يعبّ تحالف 30 حزيران / يونيو عن قوة سياسية أو اجتماعية حقيقية، كما أنه لم يجسّد أهداف ثورة يناير على الرغم من ادعائه بأنه امتداد لها، ولم تجمع أطرافه وقت تشكيله إلّ معاداة التيار الإسلامي، ثمّ تطوّر الأمر ليكون هدف التحالف هو معاداة أهداف ثورة يناير وإقصاء كل من يعبّ عنها. وضمّ هذا التحالف قطاعات محددة من مؤسسات الدولة وهي الجيش والشرطة والقضاء والجهاز الإداري والأزهر إضافة إلى حركة تمرد وبعض الأحزاب المدنية التي ليست لها قاعدة شعبية كبيرة وحزب النور السلفي وبعض القوى والنخب اليسارية والليبرالية، فضلً عن شريحة من رجال الأعمال المتضررين من إسقاط نظام مبارك الذي فتح الباب أمامهم للتربح غير الشرعي، ومن دون أي رؤية اقتصادية وطنية حقيقية، وطبقة من الإعلاميين المنتفعين وبعض الفنانين. وحصل هذا التحالف على دعم شعبي، ولا سيما من شرائح من الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي استطاع الإعلام التأثير فيها أو التي تتطلع إلى الاستقرار الذي يضمن لها - من وجهة نظرها - الحد الأدنى من مقومات بقائها في ظل

  1. خليل العناني، "التعذيب في زمن الثورة"، موقع مدى مصر، 2014/3/5، في: http://bit.ly/1OMNLRQ
  2. “ How Egyptian media has become a mouthpiece for the military state”, The Guardian , 25/6/2015.
  3. عبد الفتاح ماضي، "مخاطر الاستثمار في الإرهاب"، الجزيرة. نت، 2015/11/22، في: http://bit.ly/1N4dlfw
  4. حصر المقبوض عليهم والملاحقين قضائيا خلال عهد السيسي/عدلي منصور، مُحَدَّث حتى 15 مايو "2014، ويكي ثورة، في: https://wikithawra.wordpress.com/2014/01/09/sisi-mansour-detainees/
  5. منظمة هيومان رايتس ووتش، "حسب الخطة."...
  6. مصر: تفشي التعذيب والقبض والاعتقال التعسفيين مؤشر على تراجع كارثي لحقوق الإنسان بعد عام على عزل مرسي"، منظمة العفو الدولية، 2014/7/3، في: http://bit.ly/1mTmX84
  7. نيفين العيادي، "رئيس السجون السابق: ما يثار عن التعذيب في السجون لا أساس له من الصحة"، المصري اليوم، 2014/4/24، في: http://www.almasryalyoum.com/news/details/434847
  8. الداخلية: السجون أصبحت الآن فنادق"، الوفد، 2014/7/2، في: http://bit.ly/1ZsNjcR
  9. أرشيف نوفمبر "2015، مركز الندين للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف، 2015/10/2، في: https://drive.google.com/file/d/0B2-QqOchi4gFZS1DLWZKODBXRWs/ view

الأوضاع الاقتصادية المتردية. هذا فضلً عن الدعم المالي السخي من بعض الدول الخليجية والدعم الروسي والأوروبي والأميركي. وعلى الرغم من أنّ هناك بعض الأطراف التي رأت أنّ وزير الدفاع هو وحده القادر على تحقيق الانتقال الحقيقي للديمقراطية، فإن قسمً لا يستهان به من التحالف استهدف الحفاظ على الامتيازات القديمة التي كان يتمتع بها إبّان عهد مبارك. وهذا القسم ضمّ القادة السامين وبعض المنتفعين داخل مؤسسات الدولة الذين تضرروا من الثورة التي كانت ستصل حتمً إلى إلغاء الامتيازات. لقد ترك نظام مبارك ما يمكن تسميته "نظام الوظائف الطائفية" داخل قطاعات مؤثّرة مثل الشرطة والجيش والقضاء. وكانت السلطة بالنسبة إلى هؤلاء سلطة طبقية ونفعية وتعمل لمصلحة هذه الفئات دون غيرها، ولهذا تمثّل ثورة يناير تهديدًا لهؤلاء، لأنها تدعو إلى دولة القانون والمحاسبة والشفافية105. أمّا بعض الأحزاب المدنية في هذا التحالف، فقد كانت تظن أن إقصاء الإسلاميين سيفتح الباب أمامها للحصول على الأغلبية في البرلمان وتشكيل الحكومة. وهذا أمر لم يحدث ليس فقط بسبب ضعف قاعدتها الشعبية، وإنّ ا أيضًا لأنّ أي رئيس عسكري لا يحتاج إلى شريك في الحكم. وقد كان من العجيب أن تدعم هذا الإقصاء شخصياتٌ سياسية وحقوقية كانت محسوبة يومًا ما على التيار الوطني، الليبرالي واليساري على حد سواء، وكانت في طليعة ثورة يناير. وعلى رأس هؤلاء الدكتور محمد البرادعي وقادة الجمعية الوطنية للتغيير وحركة 6 أبريل106. وعلى الرغم من توقّف شريحة من هؤلاء عن دعم النظام لاحقًا ومعارضتهم سياساته القمعية، فإنّ الثمن الذي نتج عن التقدير الخاطئ لهؤلاء يساهم بلا شك في تعميق الأزمة في مصر. أمّا الطبقات الفقيرة والمتوسطة المتحالفة، فقد تصوّرت أنّ الرئيس العسكري سيكون قادرًا على تحقيق الأمن والاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية بحيث تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة: حياة ضنكى لكن مع نظام يُ كّن (أو يدفعهم دفعًا) ضعاف النفوس من الناس، أو المغلوبين على أمرهم، من التصرف لأجل الحصول على حد الكفاف بكل الطرق الممكنة، الشرعية وغير الشرعية، بما في ذلك الفساد والرشوة واستغلال النفوذ واختراق القانون. وقد ظلّت قطاعات مؤثّرة في المجتمع خارج هذا التحالف، فإلى جانب التيار الإسلامي بكامل فصائله تقريبًا، نجد الحركات الشبابية الاحتجاجية كحركة 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وآلاف من الشباب غير المنتمين إلى تنظيمات محددة. وقد ظهر جليًّا عزوف الشباب عن المشهد السياسي في الاستحقاقات الانتخابية التي أجراها النظام. وواقع الأمر أنّ الأخطاء السياسية المتتالية للحكومة بدءًا من الفشل في معالجة الملفات اليومية وتعيين أنصار مبارك في المناصب التنفيذية، مرورًا بقانون التظاهر وتمرير المحاكمات العسكرية بالدستور، وانتهاء بالإفراج عن مبارك وأركان حكمه وقتلة المتظاهرين ومحاكمات الناشطين الشباب، أدت هذه الأخطاء إلى معارضة قطاعات شبابية عريضة للمسار ولكافة الممارسات الأمنية التعسفية التي شهدتها البلاد منذ 3 تموز / يوليو 2013، بل إنّ الكثيرين منهم يرون ما حدث بعد 3 تموز / يوليو، ثورة مضادة مكتملة الأركان. كما أنّ هناك حراكًا طلابيًا قويًا يعادي النظام جرّاء تصدير الاحتراب السياسي للجامعات، وقتلً واعتقالً للكثير من الطلاب.

. د خارطة الطريق

من الأمور التي اتسمت بها هذه المرحلة المضي في خارطة الطريق المعلنة في 8 تموز / يوليو 2013، في استحقاقات ثلاثة في ظلّ إقصاء الإسلاميين وقمعهم بالقوة. كان الاستحقاق الأول هو وضع دستور جديد به الكثير من الخلل، كما أنه لم يُحترم في الواقع على النحو الذي سنعرض له لاحقًا107. أمّا الاستحقاق الثاني فكان الانتخابات الرئاسية التي لم تشهد تنافسًا حقيقيًّا في ظلّ الحملات الدعائية والإعلامية لمصلحة وزير الدفاع وفي ظلّ سياسة الإقصاء وتشويه الثورة، كما لم تشهد الانتخابات إقبالً من الناخبين، لقد كانت في الواقع انتخابات بلا مرشحين ولا ناخبين. أمّا الانتخابات البرلمانية، فكانت الاستحقاق الثالث، والتي أكدت أنّ البلاد أمام سلوك شعبي متكرر رافض للنظام، فقد أثبتت الأعداد القليلة التي ذهبت إلى اللجان أنّ الظهير الشعبي للنظام يمثّل نسبة صغيرة من المصريين، وأنّ تحالف 30 حزيران / يونيو الذي عرضنا له قد تأكّل بالفعل. كما أكدت الانتخابات أنّ الأجهزة الأمنية هي التي تدير البلاد، وذلك عندما قامت بتشكيل القوائم الانتخابية وهندسة العملية الانتخابية من الألف إلى الياء108.

  1. عبد الفتاح ماضي، " تحالف 30 يونيو ومستقبل الثورة المصرية "، الجزيرة. نت ٠١/٥٠/٥١٠٢، ف:ي http://bit.ly/22WTJFD
  2. Esposito& Sonn, & Voll, pp. 231 - 232.
  3. لمزيد من التفاصيل، انظر: عبد الفتاح ماضي، ليس دستور الثورة الدائم، 2013/12/11، موقع د / عبد الفتاح ماضي، في: http://bit.ly/1N4fnMz
  4. عبد الفتاح ماضي، "انتفاضة المصريين الصامتة ورسائل الانتخابات البرلمانية"، الجزيرة. نت، 2015/10/28، في: http://bit.ly/1N4fnMz

أثبت هذا المسار بانتخاباته المتكررة فشل سياسة الإقصاء المتبعة رسميًّا تجاه التيار لإسلامي. إنّ ديمقراطية بلا إسلاميين في مصر غير ممكنة، لأنّ الشريحة الأوسع من الناخبين التي يمكن تعبئتها سياسيًّا تميل، لأسباب كثيرة، إلى هذا التيار، وصوتت له بكثافة في استحقاقات قديمة قبل ثورة يناير وبعدها. أضف إلى ذلك أنّ الدين - يرفعه هذا التيار بدرجات مختلفة مرجعية عليا - مكوّن أساسي من ثقافة المصريين وهُويتهم، ومرجعية أساسية لكل الدساتير الحديثة في مصر. وأثبت المسار أيضًا سقوط الاعتقاد بأنّ إسقاط الإسلاميين من الحكم بطرق غير ديمقراطية سيؤدي إلى حلول غير الإسلاميين في الحكم بطرق ديمقراطية. ما حدث هو حلول أنصار الثورة المضادة مكان الإسلاميين وغير الإسلاميين معًا، وبطرق وانتخابات غير ديمقراطية، وبدعم من الأجهزة الأمنية. وأثبت المسار أيضًا أنّ المشكلة ليست في الشعب وإنّ ا في إصرار النخب الأمنية والعسكرية على الصراع الصفري وعلى غلق المجال العام. وأثبت أيضًا الفرضية التي تحدثنا عنها مطلع هذه الدراسة والمتصلة بصعوبة إصلاح النظام من الداخل، بمعنى أنّ نظام ما بعد تموز / يوليو 2013، حوّل نضال المصريين السلمي من أجل الحرية والديمقراطية إلى صراع صفري حاد، وأقام نمطًا عنيفًا للحكم يكاد ينقرض في العالم، لأنه يعتمد على سيطرة الأجهزة الأمنية، وإغلاق كل سبل العمل السياسي السلمي. والنظام بهذا أوجد فئتين لا ثالثة لهما، فئة مَنْ في الحكم وأتباعهم وفئة الخصوم الذين يسعون لإسقاط النظام. ولهذا، وكما جاء بالقسم الأول من الدراسة، فإنّ تغيير هذا النوع من نظم الحكم لا يكون إلّ بطريقة عنيفة كالانقلابات والعصيان المسلح أو الثورات الشعبية. وغاب عن هذا المسار أي محاولات جادة للحوار، فقد اهتمت معظم المبادرات التي قدّمت بتحقيق مصالحة وطنية شاملة تنهي الانقسام الذي أوجده مسار تموز / يوليو 2013، كان بعضها يدور حول ضرورة عودة مرسي ولو رمزيًّا، وكان بعضها الآخر يطالب باعتراف الإخوان بالمسار الجديد مقابل الإفراج عن المعتقلين. ولكنّ كل هذه المبادرات لم تلق آذنا صاغية من النظام، إلى أن أعلنت الحكومة تحميل الإخوان المسؤولية، وغلق باب التصالح مع الإخوان، وإعلانها في كانون الأول / ديسمبر 2013 أنّ الإخوان جماعة إرهابية.

. ه النواتج الدستورية والقانونية

لقد وضعت الأطر الدستورية والقانونية الحالية كافة في ظلّ أوضاع أكثر سوءً من أوضاع المرحلة الانتقالية الأولى، لأنها لم تتمّ فقط بصفة منفردة ومن دون أي نقاش حقيقي فحسب، وإنّ ا أيضًا في ظلّ إقصاء تيار بأكمله وملاحقته أمنيًا وقضائيًا وتشويهه إعلاميًا. وما يهمنا هنا هو الوقوف على الملامح العامة لهذه الأطر، والتي تضمّ بيانًا من القوات المسلحة، وإعلانين دستوريين، ودستورًا ومئات القوانين وتعديلات القوانين. أمّا بيان القوات المسلحة الصادر في 3 تموز / يوليو 2013، والذي ألقاه وزير الدفاع في حضور ممثلين للقوى السياسية التي شاركت في جبهة الإنقاذ وحركة تمرد وحزب النور، فقد تضمن مبررات تدخّل القوات المسلحة وقبول ما أسماه البيان "استدعاء" الشعب للقوات المسلحة109، فضلً عن تحديد "خارطة مستقبل تتضمن خطوات أولية تحقق بناء مجتمع مصري قوي ومتماسك، لا يقصي أحدًا من أبنائه وتياراته، وينهي حالة الصراع والانقسام." وقد تضمنت هذه الخارطة تعطيل العمل بدستور 2012، وتشكيل لجنة لتعديله وإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسًا موقتًا وإعطاءه سلطة إصدار إعلانات دستورية وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية. واستند الإعلانان الدستوريان الصادران في 5 و 8 تموز / يوليو إلى هذا البيان مما أكسبه مكانة دستورية. وقد حلّ الإعلان الأول مجلس الشورى، بينما تضمّن الثاني الأسس العامة للدولة والحقوق والحريات الأساسية وصلاحيات الرئيس التشريعية والتنفيذية، وإجراءات تشكيل لجنتين يعيّنهما الرئيس لإجراء التعديلات الدستورية. أمّا الوثيقة الدستورية الصادرة عام 2014 – كان من المفترض بحسب بيان 3 تموز / يوليو وإعلان 8 تموز / يوليو أن تعدّل دستور 2012 - فقد انتهى الأمر بها إلى أن أصبحت تسمّى دستور 2014. ولا شك في أن هذا الدستور لا يتفق مع متطلبات الدستور الديمقراطي ومعاييره من أوجه متعددة. فمن ناحية طريقة وضعه، فقد تمّ الأمر وسط انقسام شديد وفي ظلّ إقصاء فصيل بالكامل - وقبل إجراء المصالحة الوطنية التي أشار لها بيان 3 تموز / يوليو - ومن دون أي نقاش لمسألة تشكيل اللجنة المعيّنة، ولا على الإجراءات التي تبنّتها اللجنة في وضعه، ولم يخضع مشروع الدستور أيضًا إلى أي نقاش مجتمعي حقيقي.

  1. نص بيان القوات المسلحة المصرية"، الأهرام، 2013/7/4، في: http://bit.ly/1ZwzX4Q

ومن ناحية مضمون الدستور، فعلى الرغم من وجود نصوص جيّدة تتعلق بالحريات، فإنّ هناك مواد أخرى فرّغت الكثير من المواد من مضامينها. فسلطة الشعب ليست نهائية لأنه يعلوها أو يوازيها سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة كما كان الأمر في دستور 2012 (المواد 200 - 205)، والشرطة (مادة 207)، والقضاء (مادة 185.) كما صارت المحكمة الدستورية تختار قضاتها بلا أي رقيب من سلطة البرلمان التي هي أعلى من سلطة القضاء. وهناك أمور أخرى في التعيينات والميزانية تؤكد عدم وجود رقابة خارجية عليها (المواد 191 - )195110. ومن ثمّ فلا ضمان لأن يتمّ اختيار قضاة لا يرون ضرورة لدعم الديمقراطية الآن لأي سبب، كما حدث بدول أخرى عندما عرقلت المحاكم التحول الديمقراطي. وأحد الضمانات المتعارف عليها هو تصديق البرلمان على تعيين قضاة المحاكم ووجود رقابة خارجية من البرلمان على أداء القضاء وكل مؤسسات الدولة الأخرى بلا استثناء. كم أنّ النظام السياسي لن يكون فعّال مع وجود ثلاثة رؤوس (الرئيس، ووزير الدفاع، ورئيس الحكومة) وبعلاقات غير متوازنة بين البرلمان والرئيس والحكومة، أهمها فتح الباب من خلال القانون لإضافة شروط أخرى للترشح للرئاسة (مادة 141)، وإعطاء الرئيس حق تعيين 5 في المئة من أعضاء البرلمان (مادة 102)، وحذف إلزامية نتيجة الاستفتاء الذي يدعو إليه الرئيس (مادة 157)، وتقييد سلطة المؤسستين التنفيذية والتشريعية في اختيار وزير الدفاع والموافقة عليه (مادة 234)، والسماح بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية (مادة 204)، وعودة الندب الجزئي للقضاة مما يفتح باب الفساد وشراء الولاءات، وترحيل قضايا جوهرية إلى الرئيس الموقّت، مثل نوع النظام الانتخابي، وترتيب الانتخابات (الرئاسية أم البرلمانية أولً)، وتمثيل الشباب والمرأة والأقباط. كما تمّ حذف مواد جيّدة كانت في دستور 2012 بلا تبرير أو تفسير ولا سيما في مجال مكافحة الفساد، واستقالة الرئيس في حالة رفض طلبه في استفتاء حل البرلمان، والحفاظ على اللغة العربية في الإعلام، والمواد التي تشير إلى الأخلاق والآداب العامة. وبينما تمّ تجريم الاعتداء على العَلَم والآثار، ألغيت المادة الخاصة بالإساءة إلى الأنبياء. وأخيرًا ألغت ديباجة الدستور عبارات كانت جيّدة في دستور 2012 مثل حيدة المؤسسة العسكرية واحترافيتها وعدم تدخلها في السياسة، وغير ذلك111. وتجب الإشارة أخيرًا إلى أنّ هذا الدستور انتهك في الواقع، عندما اعتمد النظام سياسة القبضة الأمنية الصارمة مع المعارضين، فسقط آلاف القتلى واعتقل عشرات الآلاف. كما أنّ الرئيس الموقّت أصدر قرارًا جمهوريًا في أيلول / سبتمبر 2013، يقضي بمدّ فترة الحبس الاحتياطي بلا قيود، بعد أن كانت مقيّدة في دستور 2012. وقد تسبب هذا القرار في بقاء الآلاف تحت الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، من دون أن يطلق عليهم كلمة معتقلين. كما أصدر الرئيس الموقّت قانون التظاهر الذي قيّد حق التظاهر السلمي المنصوص عليه في دستوري 2012 و.2014 ولا يتسع المقام هنا لعرض سلسلة طويلة من القوانين التي صدرت من الرئاسة قبل انتخابات الرئاسة وبعدها في 2014. لكن، وباقتضاب وحتى تكتمل الصورة، يمكن القول إنّ الرئاسة أصدرت منفردة مئات القوانين التي تمس موضوعات من الأهمية ألا تترك لفرد واحد أو جهة واحدة؛ كتنظيم العمل السياسي، ونظم الترقية والمعاشات للضباط، والتسليح، والضرائب، والخدمة المدنية، والعقوبات، والشرطة، والأزهر، والجامعات، والاستثمار، وغير ذلك. وسنكتفي هنا بعرض مثالين. الأول ما يسمى قانون الإرهاب الذي توسع في تعريف الإرهاب حتى تم تجريم الأعمال التحضيرية حتى لو لم يتمّ تنفيذ العمل المجرم، وهذه مخالفة صريحة للقانون ولأحكام المحكمة الدستورية العليا. كما منح القانون مأمور الضبط القضائي سلطة القبض والتفتيش والاحتجاز لأي مواطن من دون حالة تلبس وللاشتباه فقط، وجرّم نشر أخبار تخالف الروايات الرسمية للحوادث، وتوسع في العقوبات لتشمل النفي والمنع من التنقل وحظر العمل في أماكن معيّنة وغير ذلك. أمّا المثال الثاني فهو مجموعة التشريعات الاقتصادية التي صدرت بحجة زيادة الاستثمار، بينما رآها البعض تستهدف حماية الفساد والتصالح مع المستثمرين في جرائم منصوص عليها في قانون العقوبات، ومنع وتحجيمٍ للرقابتين الشعبية والقضائية على العقود الادارية التي تحررها الدولة مع المستثمرين وغير ذلك112.

خاتمة

تناولت هذه الدراسة التحولات التي شهدتها مصر خلال السنوات الخمس الماضية. وأظهرت الدراسة أنّ إدارة المرحلة الانتقالية الأولى أدّت إلى تحويل ثورة يناير، من ثورة ديمقراطية تستهدف إقامة دولة حديثة تحمي الحريات وتقيم العدل، إلى ثورة انتخابية تستهدف ملء المناصب التنفيذية والتشريعية الشاغرة. وقد حدث هذا عندما لم تفرز الثورة قادتها القادرين على تشكيل جبهة موحدة، تعبّ عن الثورة، وتعمل على تحويل شعاراتها إلى مؤسسات وواقع على الأرض، وعندما لم تفهم الأطراف التي أدارت المشهد طبيعة التغيير الثوري

  1. دستور 2014.
  2. انظر بتوسع: ماضي، "هل يمكن أن تجهض الدساتير."...
  3. خالد علي، "تشريعات لا يجب أن تمر"، البداية، 2015/12/20، في: http://bit.ly/1SPy4ef

الذي شهدته مصر، ولا متطلبات إدارة المرحلة الانتقالية. هذا، علاوة على غياب التوافق الوطني على شكل النظام الديمقراطي البديل وخارطة الطريق إليه، واعتماد قاعدة التنافس أثناء التأسيس، الأمر الذي فتح الطريق أمام خصوم الثورة في الداخل والخارج لمحاربة القوى المنظمة المحسوبة على الثورة وتشويه مطالب الثورة.

أمّا المرحلة الانتقالية الثانية، فقد شهدت تطورات أخرى انتهت بتحويل الثورة الانتخابية إلى ثورة مضادة، وذلك عندما استولى الجيش على السلطة، وأطلق يد الأجهزة الأمنية في السيطرة على مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية، وبكافة الطرق المباشرة وغير المباشرة، وعندما اعتمد النظام سياسة الإقصاء التامّ مع خصومه من الإخوان، وكافة القوى الثورية الأخرى، ووضع خارطة طريق ترسّخ هيمنة دولة الفرد وسيطرة الأجهزة الأمنية، مع الإبقاء على واجهات ديمقراطية شكلية، إلى جانب استخدام القمع والعنف بصفة لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الحديث. هذا فضلً عن الترويج لرواية رسمية، تعمل مرجعية للنظام ومبررًا لكل العنف والاقصاء المعتمد، وتقوم على مجموعة من المغالطات أهمها "الدفاع عن الدولة وهيبتها"، و"الحرب على الإرهاب"، و"وجود ظهير شعبي للنظام"، و"وجود مؤامرة عالمية على مصر"، و"غياب البديل" وغيرها. وقد كان طبيعيًا أن يترتب على هذا ارتفاع تكلفة الثورة، إنْ في شأن ضحاياها البشرية والمادية، أو في شكل اضطراب مضامين كافة الأطر الدستورية والقانونية، وذلك نظرًا لصدروها بصفة منفردة، أو على أساس الأوزان النسبية الحزبية، وفي ظلّ انقسامات سياسية حادة. وازداد الأمر سوءً بعد 30 حزيران / يونيو، عندما صدرت هذه الأطر في ظلّ اقصاء تام للتيار الإسلامي، وكافة القوى الأخرى المحسوبة على ثورة يناير. ليس لنظام الحكم القائم الآن في مصر أي مستقبل. ليس فقط لأن الحكم العسكري يكاد ينقرض في دول الجنوب الآن، وإنّ ا أيضًا لأن نمط السلطة الذي يحاول النظام إقامته يقوم على الإقصاء التام، والقمع الشامل في مجتمع لا يزال يعيش الحالة الثورية، بل وتعمقت فيه أسباب الثورة من جديد. كما أنّ محاولات النظام الجمع بين أدوات الدولة البوليسية من قمع واعتقال، والديباجات الديمقراطية من دستور وانتخابات، هو جمع بين نقيضين لا يجتمعان في وقتنا المعاصر. ومن غير الممكن أن يتغيّ هذا النظام من الداخل أو أن تقود فئة كانت غارقة في الاستثناءات والامتيازات عملية تحوّل ديمقراطي حقيقية، وعلم تغيير نظم الحكم يؤكد أنّ هذه النظم تتغير غالبًا بثورة أو عصيان مسلح أو حرب أو انقلاب أو بغزو خارجي. لن تخرج مصر من حالتها الراهنة، إلّ عندما تمتلك كافة القوى الرئيسة ذات المصلحة في أهداف ثورة يناير إرادتها، وتنبذ خلافاتها، وتؤسس حالة حوار تستهدف أولً جمع هذه القوى حول قيم ثورة يناير ومطالبها، ثمّ تتفق ثانيًا على النظام الديمقراطي البديل بكافة قيمه ومؤسساته وضوابطه المعروفة وعلى سبل مقاومة الاستبداد والقمع واستعادة الثورة ومطالبها. إنّ ظهور هذا التكتل هو الآلية الوحيدة القادرة على التعامل مع كافة التحديات الداخلية والخارجية، وتقديم بديل مدني ديمقراطي يكون قادرًا على الدفع نحو ظهور قادة عسكريين، يفهمون طبيعة التغيير في مصر، ويدركون أهمية معالجة العلاقات المدنية العسكرية، بما يحقق هدف الدولة المدنية الديمقراطية، وهدف الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وتعزيز قوة الجيش، ورفع درجة مهنيته في الآن ذاته. أضف إلى ذلك دفع القوى الإقليمية والدولية نحو الكف عن دعم خصوم ثورة يناير، وعن التحالف مع المستبدين على حساب الحريات والديمقراطية.