الإسلاميون العرب بعد خمس سنوات من "الربيع العربي:"

خليل العناني

الملخّص

تناقش هذه الورقة ثورات "الربيع العربي" وأوضاعها في مختلف الدول العربية التي ينشط فيها الإس ماايون، فتفحص التجربة المصرية والتونسية، كما تفحص ما جرى في دول عربية أخرى، عرفت نشاط الإس ماايين، ولكن لم تحدث فيها ثورات كالتي جرت في مصر وفي تونس، كالمغرب والأردن. تناقش الورقة أوضاع "الربيع العربي" في كل هذه الأقطار، في السياق الذي يمثله كل قطر، على حدة. ترى الورقة أن هناك أسئلة كثيرة لا تزال مطروحة على الإس ماايين، وأنهم باتوا في أمسّ الحاجة إلى التوق ف أمامها والإجابة عنها. تقول الورقة إن أوّل هذه الأسئلة هو سؤال المشروع السياسي والأيديولوجي الذي يتبن اه الإس ماايون ويدافعون عنه؛ متسائلة عن مدى قدرة الإس ماايين على تجديد طرحهم السياسي والتخل ص من عبء الأيديولوجيا. إذ ترى الورقة أن "الربيع العربي" قد كشف مدى محدودية المقولات الأيديولوجية للإس ماايين، بخاصة في ما يتعلق بقضايا الدولة والديمقراطية والتعددية والحريات وحقوق الأقليات.

أسئلة المشروع والأيديولوجيا والتنظيم

مقدمة

مثّل "الربيع العربي" - شأنه شأن الأحداث التاريخية الكبرى - علامة فارقة في مسيرة الحركات الإسلامية في المنطقة، ليس فقط لأنّه أنهى عقودًا من التهميش والإقصاء والقمع ضد هذه الحركات1، بدرجات متفاوتة، ولكن لأنّه أوصلها أيضًا، في بعض الحالات، إلى قمرة القيادة والسلطة للمرة الأولى في تاريخها2. ولكن، على عكس ما هو شائع من أنّ "الربيع العربي" قد صبّ في مصلحة الإسلاميين دون غيرهم، أو أنّهم قد قاموا باختطاف "الثورات العربية"3، فإنّ هذه الثورات والانتفاضات كشفت الكثير من جوانب الخلل في المشروع السياسي والأيديولوجي والتنظيمي للحركات الإسلامية، وجعلتها مادة خصبة للكثير من النقد والهجوم من جانب خصومهم السياسيين محليًا وإقليميًا ودوليًا4.

لم يُطلق الإسلاميون "الصيحة الأولى" للربيع العربي، ولكنّهم كانوا شريكًا أساسيًا في الفترة التمهيدية التي سبقت الثورات ودفعوا ثمنًا باهظًا لمعارضتهم الأنظمة السلطوية، كما أنّهم قاموا بدور بارز خلال المرحلة الانتقالية التي تلت الثورات العربية سواء سلبيًا أو إيجابيًا. وقد تنوعت تجارب الإسلاميين خلال السنوات الماضية بين الصعود والهبوط، والنجاح والفشل؛ فمنهم من شارك في السلطة، ومنهم من حازها، ومنهم من تركها، ومنهم من أ خرج منها، ومنهم من لا يزال يكافح للوصول إليها. لذا، فلا يمكن بحال التعميم عند تقييم تجارب الإسلاميين خلال المرحلة الأولى "للربيع العربي"، وإن بدا الحصاد الجمعي لهذا "الربيع" هزيلً وضعيفًا في معظم البلدان العربية، في حين تحوّل خريفا كئيبًا في بعضها. بيد أنّ ما يجمع الإسلاميين هو حجم التحديات والأسئلة المطروحة عليهم الآن، والتي تتعلق بأطروحتهم الفكرية والأيديولوجية، ومشاريعهم السياسية، وكياناتهم التنظيمية، فضلً عن التحديات الخارجية التي فرضتها عاصفة التغيرات السياسية والجيوستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. وفي الوقت الذي يحاول فيه بعض هذه الحركات الاحتفاظ بقدرٍ، ولو محدود، من التأثير والنفوذ، فإنّ بعضها الآخر يكافح بشدة من أجل البقاء داخل دائرة الضوء ولو عن طريق العودة إلى خطوط ما قبل "الربيع العربي" والاستقرار في "منطقة الراحة" zone comfort بوصفه حركة معارضة مستأنسة بعد أن فقد جزءًا مهمً من مصادر دعمه الاجتماعي والشعبي.

حصاد "الربيع العربي..." تجارب متفاوتة

اختلفت تجارب الإسلاميين خلال الأعوام الخمسة الماضية، وتراوحت مكاسبهم ومواقفهم بحسب ظروف بلدانهم. بيد أنّه يمكن القول إنّ العنوان العريض لهذه التجارب هو انتقال الحركات الإسلامية من "الهامش" إلى "المركز" السياسي، وما فرضه ذلك من أوضاع وحسابات وتحديات جديدة. فقد شهد العامان الأولّان بعد الربيع العربي صعودًا مطّردًا للقوى الإسلامية، بمختلف أطيافها الإخوانية والسلفية والجهادية التائبة، في مصر وتونس والمغرب وسورية واليمن وليبيا (وإن بدرجة أقل.) فقد سعت هذه القوى إلى ملء الفراغ السياسي الناجم عن سقوط الأنظمة السلطوية وانهيارها في تلك البلدان، باستثناء المغرب الذي شهد هو أيضًا ربيعه "الإصلاحي" على نحو ما سيرد شرحه. نجح بعض هذه القوى في قراءة موازين القوى في مرحلة ما بعد الثورات، وسعى للتكيّف معها، في حين فشل البعض الآخر في ذلك ما كلّفه ثمنًا باهظًا. وشهدت تلك المرحلة أيضًا قدرًا واضحًا من التنافس وأحيانًا الصراع داخل المعسكر الإسلامي ذاته بخاصة مع بروز القادمين الجدد للسياسة من خلفيات سلفية وجهادية سابقة، كانت تقف يومًا في أقصى اليمين الديني رافضة السياسة برمّتها بوصفها حرامًا شرعًا5. وقد انتقل الجدل النظري حول مسائل الدولة والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والأقليات الذي استمر منذ أواخر عقد الثمانينيات

  1. Holger Albrecht & Eva Wegner, “Autocrats and Islamists: Contenders and containment in Egypt and Morocco,” The Journal of North African Studies, Vol. 11, no 2, (August 2006).
  2. Shadi Hamid, “The Rise of Islamist”, Foreign Affairs, (May-June 2011).
  3. John R. Bradley, After the Arab Spring: How Islamists Hijacked the Middle East Revolts (New York: Palgrave Macmillan, 2012(.
  4. Khalil al-Anani, "Arab Islamists from Opposition to Power: A Critical Appraisal, " European Institute of the Mediterranean , (May 2013), at: http://goo.gl/ohg2Fp
  5. للمزيد راجع: خليل العناني، "التيارات السلفية في مصر: تفاعلات الدين والإيديولوجيا والسياسة"، في: مجموعة مؤلفين، الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013

وحتى بداية "الربيع العربي"6، وهي المسائل التي شغلت لفترة طويلة حيزًا مهمً من نقاشات الإسلاميين وحولهم، إلى تدافع وصراعٍ على الأرض بعد أن وصل الإسلاميون إلى السلطة. وقدّمت الممارسة الفعلية للإسلاميين بعد "الربيع العربي" صورةً مهمة لمعرفة قدرة خطابهم الأيديولوجي على التعاطي مع الواقع الجديد، ولكن هذه المرة من موقع السلطة وليس من موقع المعارضة كما جرت العادة. كما أتاحت المشاركة والمنازعة السياسية لهذه القوى خلال المرحلة الانتقالية فرصة جيدة لاختبار "الخيال السياسي للإسلاميين"7، ومدى تأثّر الأطروحات الفكرية والبنية التنظيمية للإسلاميين بتفاعلات الربيع العربي8. ونستعرض في هذا الجزء حصاد السنوات الخمس الماضية للإسلاميين العرب، وذلك من واقع تجاربهم المختلفة.

إخوان مصر... من المعارضة إلى السلطة وبالعكس

كانت ثورة 25 يناير نقطة تحوّل في تاريخ جماعة "الإخوان المسلمون" ليس فقط كونها فتحت الباب أمام أوّل عملية دمج حقيقية للجماعة بعد إقصاء وتهميش ممنهجين امتدا منذ منتصف الخمسينيات، وإنما أيضًا كونها وضعت الجماعة، للمرة الأولى، في أوّل اختبار عملي لها في السلطة. وقد تقلّبت حال الجماعة طيلة السنوات الخمس الماضية جذريًا، ودارت الجماعة حول نفسها دورةً كاملة كي تعود إلى المربع الأول الذي احتلته لأكثر من خمسين عامًا بوصفها حركة معارضة، ولكن هذه المرة مع الكثير من التحديات التي لا تهدد فقط بقاءها، وإنما أطروحتها الفكرية أيضًا ومشروعها السياسي وكيانها التنظيمي. خلال الأشهر الأولى للثورة، سادت الجماعة حالة من الارتباك، شأنها في ذلك شأن بقية القوى التقليدية التي لم تطلق شرارة الثورة، وإن شاركت فيها بقوة لاحقًا. ولم يكن مردّ هذا الارتباك حجم المفأجاة التي حملتها الثورة بإطاحة مبارك بعد ثلاثين عامًا قضاها في السلطة، ما ولّد فراغًا سياسيًا كبيرًا، فحسب، وإنما أيضًا لحسابات الجماعة وقدرتها على إحداث قدرٍ من التوازن بين رغبتها في تعظيم مكاسبها ومخاوفها من الانزلاق نحو مواجهة غير مضمونة العواقب مع مؤسسات الدولة. وهي الحسابات التي سيتضح فيما بعد أنّها أظهرت قدرًا عاليًا من الرعونة والسذاجة السياسية وسوء التقدير. في البداية، حاولت الجماعة كبح جماح طموحها السياسي، فأعلنت قبل سقوط مبارك بأيام أنّها لا تسعى إلى السلطة ولن تنافس على المنصب الرئاسي9، وهو ما أكّده أيضًا مجلس شورى الجماعة في اجتماعه العلني الأول بعد شهور قليلة من نجاح الثورة10. وأعلنت الجماعة أيضًا أنّها لن تنافس على أكثر من 30 في المئة من مقاعد البرلمان11. ولكن بعدما بدا للجماعة أنّه لا توجد قوة أخرى يمكنها ملء الفراغ الناجم عن سقوط مبارك وحزبه، قررت الدخول بقوة في اللعبة السياسية ومحاولة ملء هذا الفراغ. فكان أن نافست على ما يقرب من 50 % من مقاعد البرلمان، وفاز حزبها "الحرية والعدالة" بحوالى 42 % من المقاعد في أول انتخابات برلمانية تجري بعد الثورة، وقامت الجماعة بترشيح الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب "الحرية والعدالة"، للانتخابات الرئاسية التي فاز بها بفارق ضئيل عن منافسه المحسوب على نظام مبارك، الفريق أحمد شفيق. كانت لحظة وصول الإخوان إلى السلطة أشبه، في تأثيرها في الوعي الإخواني، بلحظة هبوط نيل آرمسترونغ على القمر، والتي لم يكن لأحد أن يتخيّلها قبل سنوات من حدوثها؛ فالجماعة التي قضت أكثر من نصف عمرها محظورة قانونًا وتعمل تحت الأرض، انتقلت فجأة،ً

  1. للمزيد حول هذا الجدل، انظر: عبد الله النفيسي (محرر)، الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية أوراق في النقد الذاتي (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1989)؛ حيدر إبراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)؛ لمن تقوم الدولة الإسلامية؟ عبد الوهاب الأفندي، (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 2011)؛ الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة مجموعة مؤلفين، (بيروت:
  2. الخيال السياسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وبعدها هبة رؤوف عزت، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2015
  3. للمزيد عن التجارب المختلفة للإسلاميين خلال المرحلة الانتقالية، انظر: مجموعة الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب مؤلفين، (بيروت: المركز العربي
  4. مركز دراسات الوحدة العربية،.)1999
  5. مصر: جماعة 'الإخوان' لن ترشح أيا من قادتها إلى الرئاسة"، الحياة، 1 أيار/مايو 2011، العدد.17558 11 المرجع نفسه.
  6. للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013 9 “ Muslim Brotherhood: 'We are not seeking power',” CNN , (February 10, 2011), at: http://www.cnn.com/2011/WORLD/africa/02/09/egypt.muslim. brotherhood/

ولو شكليًا، من مربع المعارضة إلى قمة هرم السلطة. فأقصى ما كانت تطمح إليه الجماعة قبل الثورة كان الاعتراف الرسمي بها وبوجودها، والسماح لأفرادها وكوادرها بالعمل بحرية دون قيود أو تضييق. هذه اللحظة الاستثنائية في تاريخ الإخوان سيجري تأسيس وعيٍ إخواني جديد عليها، سيجري تثبيته لاحقًا بوصفه القاعدة وما دونها هو الاستثناء. وقد كان اختيار الإخوان أحد كوادرها التنظيمية الشديد المحافظة والولاء للجماعة (الدكتور محمد مرسي)، في فترة كانت فيها الثورة في أشد فتراتها توترًا وارتباكًا، دليلً على ضيق أفق الجماعة ومحدودية رؤيتها وجمود إستراتيجيتها. خلال تلك المرحلة، كانت الجماعة مأخوذة بالماضي أكثر من تفكيرها في المستقبل، وكان هاجس القمع والإقصاء لا يزال يحكم خياراتها السياسية. فقد كان مبرر الجماعة لقرار خوض انتخابات الرئاسة والتراجع عن وعدها السابق، هو الخوف من عودة نظام مبارك ممثلً في "الفلول" ومرشحيهم، سواء مدير المخابرات العامة السابق عمر سليمان أو أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، فضلً عن تهديد المجلس العسكري لهم بحلّ البرلمان الذي كانوا يتمتعون فيه بالأغلبية12. بعد وصول الإخوان إلى السلطة، كان السؤال المهمّ الذي واجههم ولم تكن لديهم إجابة واضحة عنه، هو: ماذا بعد؟ فسؤال الحكم لم يكن مطروحًا على العقل الإخواني من قبْل، والذي كان أقصى ما يطمح إليه هو الاعتراف والمشاركة في السلطة على مستواها البرلماني أو المحلي. ولم يكن هذا العقل على درجة كافية من الوعي تجعله يدرك أنّ تسلّم السلطة، منفردًا، في هذه المرحلة سوف يفتح بابًا من الأسئلة والتحديات والضغوط لم تكن الجماعة مستعدة للإجابة عنها أو مواجهتها. وفي ظل غياب الخبرة وضعف الكفاءة الحكومية، فضلً عن توتر العلاقة مع بقية القوى السياسية، فشل الإخوان في إدارة دفة الحكم بكفاءة وفعالية. وكان قيام الرئيس مرسي بإصدار إعلان دستوري يمنحه صلاحيات واسعة على حساب بقية السلطات13 أوّل خطأ سياسي سيمهّد الطريق فيما بعد لإطاحته من السلطة. وبغض النظر عن مدى واقعية هذا الإعلان الدستوري وملابسات صدوره، فإنّه أظهر طريقة تفكير الإخوان في الحكم. فبعد شدٍ وجذب بين الجماعة وبقية القوى السياسية حول تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور وطريقة عملها، ونتيجة للقيود التي وضعها المجلس العسكري على الرئيس قبل تركه السلطة في حزيران / يونيو 2012، فضلً عن قيام المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان قبل أسبوعين فقط من تولّ مرسي السلطة، لم يحاول هذا الأخير الحصول على قدر من السلطة فقط، ولكن حاول أيضًا ممارستها عمليًا وتأكيد أنّه بالفعل يحكم وليس رئيسًا شرفيًا. كما كان تراجع مرسي عن الإعلان الدستوري بعد أيام قليلة فقط من إصداره، مؤشرًا على الضعف والتراجع أمام ضغط القوى السياسية التي انتظمت تحت مظلة ما كان يسمّى وقتها ب"جبهة الإنقاذ" التي شكّلها بعض الأحزاب العلمانية والليبرالية واليسارية فضلً عن بعض الشخصيات العامة14. وبعد ذلك، خيّم التوتر على العلاقة بين الإخوان وهذه القوى التي لجأت إلى العسكر وطالبتهم بالتدخّل للتخلّص من مرسي والإخوان. وهو ما تحقّق لها في الثالث من تموز/ يوليو 2013 حين أطاح الجنرال عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، رئيسه محمد مرسي، وقام بتعليق دستور 2012، وحلّ البرلمان، وإغلاق القنوات الفضائية المحسوبة على التيار الديني15. منذ إخراج الإخوان من السلطة بعد انقلاب العسكر، فقدت الجماعة توازنها، ودخلت في حالة من التخبّط وانعدام الرؤية وضعف الإستراتيجية. ولم يعطها النظام الجديد فرصة كي تلتقط أنفاسها بعد صدمة السقوط، فقام باعتقال معظم قادتها وأعضائها، وقتل المئات منهم خلال ساعات قليلة في واحدة من أسوأ المذابح في تاريخ مصر الحديث حسبما قالت منظمة "هيومان رايتس ووتش"16. وفي الرابع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2013 جرى إعلان جماعة الإخوان "منظمة إرهابية" بقرار من السلطة التنفيذية17، وذلك بعد حادث تفجير مديرية أمن المنصورة، وذلك على الرغم من تبنّي تنظيم "أنصار بيت المقدس" الحادث، هذا التنظيم الذي تحوّل لاحقًا وانضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية وأصبح اسمه تنظيم "ولاية سيناء"18. في حين جرَت مصادرة المئات من الجمعيات الأهلية والمستشفيات والمدارس التابعة للجماعة ووضعها تحت سيطرة الدولة19. ولم يتردد الأمن في

  1. Kristen Chick, “In major reversal, Muslim Brotherhood will vie for Egypt's presidency”, Christian Science Monitor, (April 1, 2012).
  2. مصر: إعلان دستوري مفاجئ يحصن تأسيسية الدستور ويعيد محاكمة مسؤولي مبارك"، بي بي سي، 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، في: http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2012/11/121122_egypt_morsi.shtml
  3. جبهة الانقاذ... تحالف المعارضة المصرية"، الجزيرة نت، 18 كانون الأول/ديسمبر 2012، في: http://goo.gl/hiw5rT
  4. يوتيوب للمزيد انظر: "السيسي يلقي بيان الإنقلاب العسكري 3 يوليو "2013،، في: https://www.youtube.com/watch?v=2tLPc4xraqs
  5. انظر: "مصر قوات الأمن استخدمت القوة المميتة بإفراط أسوأ حادث قتل جماعي غير مشروع في تاريخ البلاد الحديث"، هيومان رايتس ووتش، 19 آب/أغسطس 2013، في: https://www.hrw.org/ar/news/2013/08/19/250813
  6. مجلس الوزراء يقرر إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة ارهابية"، يوتيوب، 2013/12/25، في: https://www.youtube.com/watch?v=VTxq34SInTA
  7. أنصار بيت المقدس' تتبنى الهجوم على مديرية أمن المنصورة"، العربية. نت، 25 كانون الأول/ديسمبر 2013، في: http://goo.gl/SS4RlF
  8. التحفظ على أموال 901 من عناصر الإخوان و 1096 جمعية تابعة للجماعة"، الأهرام، 23 كانون الثاني/يناير 2015، في: http://goo.gl/WoxdzQ

اعتقال المحسوبين على الجماعة وتصفيتهم وتعذيبهم داخل السجون والمعتقلات. وأصدر القضاء المصري أحكام إعدام بالجملة على قيادات كبيرة في الجماعة، وأحكامًا بالسجن المؤبد على كثير من الأعضاء.

وفي ظل حالة التخبط وعدم التوازن التي تمر بها الجماعة، كان من المنطقي أن تحدث انقسامات وخلافات بين الأعضاء حول عدة أمور من بينها، من الذي يجب أن يقود الجماعة خلال هذه المرحلة الحرجة؟ وهل هي القيادة القديمة التي أسهمت بشكل أو بآخر في الأزمة الحالية؟ أم عليها أن تترك الساحة لجيل وقيادة جديدين يمكنهما التعاطي مع الأزمة20؟

حركة "النهضة" التونسية... الواقعية خيار إستراتيجي

كان حظ حركة "النهضة" من "الربيع العربي" أكبر من مثيلاتها في العالم العربي، بخاصة الجماعة "الأم" في مصر. ولربما أسهم في ذلك اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية بين تونس وبقية الدول العربية. ونجحت "النهضة" في اختبار المرحلة الانتقالية في تونس، والتي شهدت حواجز وعقبات كثيرة كادت أن تودي بها وبالتجربة ككلّ. ويمكن القول بقدر من الثقة إنّ موقف حركة "النهضة" خلال تلك المرحلة كان من أهمّ عوامل نجاح "التجربة التونسية" مقارنة ببقية التجارب العربية التي فشلت في عبور المرحلة الانتقالية، كما هي الحال في مصر واليمن وسورية وليبيا. ولعلّ العنوان الأبرز لسلوك حركة "النهضة" خلال المرحلة الانتقالية كان البراغماتية والواقعية السياسية. فلم تكن الأيديولوجيا أو الالتزام العقائدي هما المقرر لخيارات "النهضة" خلال المفاوضات مع بقية الفرقاء السياسيين. وهو ما عكس النظرة الإستراتيجية للجماعة أو قدرتها على التخلّص من نشوة أو "يوفوريا" الربيع العربي بسرعة من أجل الحفاظ على مكاسبها، وحماية التجربة الديمقراطية الوليدة من الانهيار كما حدث في بلدان أخرى، وأقربها الجارة الليبية. وللحق، فإنّ "الواقعية" أو البراغماتية السياسية تمثّل جزءًا أصيلً في إستراتيجية "النهضة" منذ بدئها منتصف السبعينيات بقيادة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو حين كانت تُسمّى ب"الجماعة الإسلامية" التي تأسست في منطقة مرناق جنوب غرب العاصمة تونس، مرورًا بحركة "الاتجاه الإسلامي" التي ظهرت أوائل الثمانينيات، والتي تحوّلت فيما بعد إلى حركة "النهضة" أواخر الثمانينيات21. والتطور الفكري والأيديولوجي لحركة "النهضة"، والذي انعكس في خطاب قادتها وكذلك في إستراتيجيتهم طيلة المرحلة الانتقالية، قام بدور مهمّ في الحفاظ على مكان الحركة بوصفها لاعبًا رئيسًا في المعادلة السياسية على الرغم من التقلبات الكثيرة التي شهدتها الساحتان التونسية والإقليمية طيلة تلك الفترة. فعلى عكس جماعة الإخوان في مصر التي استنزفت (وبالأحرى استُدرجت من قبل السلفيين) في معارك أيديولوجية ودينية حول الهوية وتطبيق الشريعة وعلاقة الدين بالدولة بعد الثورة، كانت حركة "النهضة" قد حسمت الجدل حول هذه القضايا مسبقًا ولم تجعلها محورًا أو مجالً للصراع السياسي طيلة الفترة الانتقالية. بل أكثر من ذلك، فقد كانت الحركة، بحسب قراءة أنور الجمعاوي بيان الحركة الصادر في الأول من آذار/ مارس 2012، "حريصة على احترام حالة التنوع الثقافي والأيديولوجي الذي يسم الاجتماع التونسي، مؤكدةً أنّها لا تنصّب نفسها في موقع الوصي على الإسلام أو الناطق باسمه"22. في الوقت نفسه، انحاز الخطاب السياسي للحركة إلى المسألة الديمقراطية ليس إجراء تكتيكيًا وإنما إيمانًا بها وبدورها بوصفها أداة رئيسة فى إدارة الصراع السياسي والاحتكام لها ولمخرجاتها. يقول الشيخ راشد الغنوشي إنّ "حزب النهضة الذي شاركت في تأسيسه

  1. 22 أنور الجمعاوي، "الإسلاميون في تونس وتحديات البناء السياسي والاقتصادي للدولة الجديدة: قراءة في تجربة حركة النهضة"، في: مجموعة مؤلفين، الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب، ص.472
  2. للمزيد حول التطور التاريخي والفكري لحركة النهضة، انظر: راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس (لندن: المركز المغاربي للبحوث والترجمة، 2001)؛ محمد أشواق الحرية: قصة الحركة الإسلامية في تونس الهاشمي الحامدي، (الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع، 1990)؛ عبد اللطيف الهرماسي، "الحركات الإسلامية في المغرب العربي: عناصر أولية لتحليل مقارن"، في: مجموعة مؤلفين، الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة.
  3. 20 للمزيد بخصوص الأزمة الداخلية في الإخوان، انظر: خليل العناني، "إخوان مصر على مفترق طرق"، الجزيرة. نت، 1 حزيران/يونيو 2015، في: http://goo.gl/3BHRwH

والذي أرأسه، يعزز الرؤية الديمقراطية للمستقبل التي هي متجذرة في تاريخنا وثقافتنا وقيمنا كأمة. وكحزب ديمقراطي إسلامي، نحن نعتقد أن الديمقراطية هي الخيار الطبيعي لشعبنا - الآن أكثر من أي وقت مضى. ويمكن ل"الديمقراطيين المسلمين"، مثل أولئك الموجودين في حزبنا، سد الفجوة بين الأصالة والحداثة، وتقديم رؤية للإصلاح الذي يحترم تاريخ وقيم المجتمع"23. بل يذهب الرجل أبعد من ذلك حين يقارن حزبه بالأحزاب الديمقراطية المسيحية التي تطورت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فيقول: "وكما هو الحال مع الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، تتألف حركة النهضة من الأشخاص الذين تتشابك لديهم العقيدة الدينية والإيمان بالديمقراطية بإحكام. ونحن نسترشد في نفس الوقت بالقيم الدينية، مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، واحترام المؤسسات وسيادة القانون"24. وكانت الواقعية السياسية بارزة في مرحلة ما بعد الثورة، وصبغت السلوك السياسي لحركة "النهضة." فبعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي وافقت الحركة على الدخول في شراكة سياسية للحكم مع فصيلين مختلفين أيديولوجيًا وفكريًا عنها، هما حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" وحزب "التكتل من أجل العمل والحريات"، وذلك من خلال الصيغة التي عُرفت لاحقًا باسم "الترويكا"25. وقد واجهت الترويكا أزمات عديدة كادت أن تطيحها كان أشدّها عقب الاغتيالات السياسية التي استهدفت رموزًا سياسية مهمة مثلما حدث مع القيادي الماركسي شكري بلعيد الذي جرى اغتياله في السادس من شباط/ فبراير 2013، واغتيال السياسي الناصري محمد براهمي في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 2013، والذي على أثره انسحبت النهضة من السلطة ووافقت على ترك الأمر لحكومة تكنوقراط لتسيير ما تبقّى من المرحلة الانتقالية. كما كانت مواقف الحركة أكثر واقعية وبراغماتية أثناء الإعداد للدستور التونسي الجديد وما صحبه من توترات وخلافات كانت جزءًا من المناخ السياسي المحتقن، بخاصة في صيف 2013. ففي الوقت الذي توقّع فيه البعض أن تتمسك الحركة بمواقفها الأيديولوجية بخاصة في القضايا ذات الحساسية الدينية مثل النص على الشريعة مصدرًا للتشريع، والمساواة بين الرجل والمرأة، وتعدد الزوجات، وقضايا الحريات بخاصة حرية الضمير والعقيدة...إلخ، فوجئ الجميع بالمواقف التوافقية للحركة، والتي تماشت مع مواقف غيرها من القوى المشاركة في المجلس التأسيسي26. داخليًا أو تنظيميًا، واجهت حركة "النهضة" عددًا من التحديات والعقبات، بخاصة تلك المترتّبة على بعض مواقف الشيخ راشد الغنوشي، ولكن استطاعت الحركة أن تتجاوزها وتحافظ على تماسكها المؤسسي والتنظيمي، على الرغم من الخلافات الداخلية، والتي انسحب على إثرها عدد من القيادات المهمة في الحركة. فعلى سبيل المثال، عندما استقال حمادي الجبالي من منصبه بوصفه أمينًا عامًا للحركة، وذلك حين كان رئيس الوزراء بعد رفض "النهضة" تشكيل حكومة تكنوقراط في آذار/ مارس 2013، أشار البعض إلى إمكانية حدوث انقسامات داخل البيت النهضاوي. ولكن ذلك لم يحدث. صحيح أن عددًا من الأعضاء استقالوا وشكّلوا حزبًا منافسًا أطلقوا عليه "حزب البناء الوطني"، إلا أنّ ذلك لم يؤثّر في تماسك الحركة الداخلي. وكذلك الأمر حين رفض مجلس شورى الحركة الحياد في الانتخابات الرئاسية التونسية التي جرت أواخر 2014، اعترض البعض على القرار وعدَّه تخلّيًا عن الثورة وتنازلً لخصومها، بخاصة ممّن هم في حزب "نداء تونس." وقد استقال البعض على إثر هذا الموقف؛ كان من بينهم الرجل الثاني في الحركة وأمينها العام السابق، حمادي الجبالي. ووقتها تحدّث البعض عن أنّ "النهضة تقامر بوحدتها"27. وقد كان المؤتمر التاسع العام للحركة، والذي عُقد في الفترة ما بين 12 - 16 تموز/ يوليو 2012 وحضره ما يقارب ال 40 ألف شخص، بمنزلة علامة واضحة على قدرة الحركة على التماسك والوحدة الداخلية. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ ثمة عددًا من التحديات لا يزال في انتظار حركة النهضة، لعلّ أوّلها وأهمّها هو الفصل بين المسارين الدعوي والسياسي. فحتى الآن لا تزال الحركة تعرّف نفسها بوصفها "حركة إسلامية رائدة"28 وليس حزبًا سياسيًا. ومن المتوقع أن تكون هذه أهمّ القضايا التي سوف تُطرح على الحركة خلال مؤتمرها العام العاشر الذي من المتوقع

  1. راشد الغنوشي، "مصممون على إبقاء الحلم العربي على قيد الحياة"، موقع شبكة الحوار نت، 12 تموز/يوليو 2015، في: http://www.alhiwar.net/ShowNews.php?Tnd=27984
  2. المرجع نفسه.
  3. ثمة رؤى مختلفة لتقييم تجربة "الترويكا" في تونس وأوزان أطرافها وتفاعلاتها طيلة المرحلة الانتقالية الأولى، ولكن هناك اتفاق عام على نجاح تجربتها في المرور بالبلاد من مطبّات سياسية كثيرة كادت أن تودي بالتجربة الديمقراطية الوليدة في تونس، للمزيد انظر: صلاح الدين الجورشي، "نقد تجربة النهضة في تونس بعد الثورة"، مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2014؛ مصطفى القلعي، "تجربة حكم الترويكا
  4. للمزيد حول موقف الحركة من صوغ الدستور، انظر: الجمعاوي، ص 504 - .506
  5. صلاح الدين الجورشي، "النهضة تقامر بوحدتها"، العربي الجديد، 16 كانون الأول/ ديسمبر.2014 28 انظر: "البيان الختامي للمؤتمر التاسع لحركة النهضة"، 23 تموز/يوليو 2012، في: http://goo.gl/CzTmWi
  6. الأوان في تونس"، موقع، 6 تموز/يوليو 2014، في: http://www.alawan.org/article13304.html

أن يجري عقده خلال الربيع المقبل29. وإن كانت الحركة، كما يرى فرانشيسكو كافاتورتا وفابيو ميورن، قد تحوّلت بالفعل إلى حزب سياسي محافظ على غرار الأحزاب المحافظة في أوروبا، ولم تعد حركة دينية بالمعنى التقليدي30.

حزب "العدالة والتنمية" في المغرب... الإصلاح بدل الثورة

تمثّل تجربة حزب "العدالة والتنمية" المغربي نموذجًا مختلفًا ومتميزًا عن بقية الأحزاب والحركات الإسلامية العربية في مرحلة "الربيع العربي." ولعلّ طبيعة النظام الملكي في المغرب كان لها تأثير في الإستراتيجية التي تعاطى بها الحزب مع الثورات العربية؛ فالحزب، كشأن بقية الأحزاب والقوى السياسية باستثناء جماعة "العدل والإحسان"، يعترف بشرعية المؤسسة الملكية أو المخزن كما تسمى في المغرب، ولا يسعى لتغيير أسس الحكم هناك31. ويفهم قادة الحزب قواعد اللعبة السياسية في المغرب ولا يسعون لتجاوزها أو تغييرها بقدر ما يحاولون توظيفها والاستفادة منها بأقصى قدرٍ ممكن. بعبارة أخرى، لم يكن الخيار الثوري مطروحًا على أجندة حزب "العدالة والتنمية" عندما حدثت الثورات العربية، وإنما كان الإصلاح هو البديل الذي يطرحه الحزب في بياناته وتصريحات قادته. ولعلّ ذلك يعود إلى عدة أمور؛ منها طبيعة العلاقة بين الملك والإسلاميين، والتي مرّت بمراحل مختلفة من الشك والتوتر وأحيانًا الصدام، إلى التفاهم والالتقاء عند مساحة مشتركة من المصالح. ومنها أيضا قناعة لدى قادة الحزب بأنّ الطريق الأفضل للتغيير هو من خلال الانخراط في العملية السياسية وفقًا لقواعدها المعروفة، وذلك بدلً من السعي لتغييرها وما قد يترتب على ذلك من عواقبَ وخيمة قد تطيحهم خارج الساحة السياسية تمامًا. لذا لم يشارك الحزب في التظاهرات التي كانت قد دعت إليها حركة العشرين من فبراير عام 2011. وقد برر الحزب موقفه آنذاك بطريقة ذكية؛ إذ أشار عبد الإله بنكيران، الأمين العام للحزب آنذاك، أنّ حزبه لم يستدع إلى المشاركة في التظاهرات التي لا يعرف من يقف وراءها ولا الشعارات التي ستُفع فيها، ولا المسار الذي ستتخذه32. وبعد انتهاء زخم التظاهرات خاطب بنكيران شباب الحركة قائلً: "نحن لم نقف ضدكم، لم نصطدم معكم ولم ندع إلى مقاطعة حركتكم كما لم ندنها، قلنا فقط إننا كحزب سياسي لن نشارك، أما من أراد المشاركة بصفته الشخصية فقد فعل"33. وقد حكم موقف الحزب من تلك التظاهرات حسابات سياسية محضة؛ أهمّها عدم الدخول في مواجهة والاصطدام بالقصر من جهة، وعدم إعطاء الفرصة للخصوم السياسيين من اليساريين والمستقلين لمهاجمة الحزب، بخاصة في ظل غموض مواقفهم من حركة العشرين من فبراير من جهة أخرى، والاستعداد لخوض الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر إجراؤها في عام 2012، ولكن بعد التعديلات الدستورية التي جريت في تموز / يوليو أ 2011، وكانت نقلة نوعية في مسيرة الإصلاح في المغرب. وللمرة الأولى تلتقي رغبة القصر والحزب في تعزيز مسألة الإصلاح بديلً من الثورة. فقد بادر الملك المغربي محمد الخامس بطرح تعديلات دستورية جوهرية قامت بدور في امتصاص الغضب الداخلي الذي حرّكته حركة العشرين من فبراير. وكان من أهم هذه التعديلات توسيع صلاحيات رئيس الحكومة؛ وأهمّها تعيين كبار المسؤولين في الدولة بعد موافقة الملك، وكذلك حق حلّ البرلمان بعد استشارة الملك، كما ضمن الدستور الجديد والذي جرَت الموافقة عليه بنسبةٍ تجاوزت 98 في المئة، قدرًا واضحًا من الفصل بين السلطات واستقلالها، وألزم الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بأغلبية المقاعد البرلمانية، وإعطاء البرلمان قدرًا من الرقابة على عمل الحكومة34.

  1. للمزيد حول التحديات التي تواجه المؤتمر العاشر لحركة النهضة، انظر: الصغير الشامخ، "عن حيرة النهضة قبل مؤتمرها العاشر"، صوت 2، Ultra كانون الثاني/يناير 2016، في: http://goo.gl/Evmqxe
  2. Francesco Cavatorta & Fabio Merone, “Moderating Through Exclusion: The Journey of the Tunisian Ennahda from Fundamentalist to Conservative Party”, Democratization, Vol. 20, No. 5, pp. 857 - 875.
  3. للمزيد بخصوص طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والمؤسسة الملكية في المغرب، انظر: Eva Wegner, Islamist Opposition in Authoritarian Regimes: The Party of Justice and Development in Morocco (New York: Syracuse University Press, 2011); Mohamed Daadaoui , Moroccan Monarchy and the Islamist Challenge:
  4. حزب العدالة والتنمية لن يشارك في مظاهرات 20 فبراير من أجل التغيير"، جريدة التجديد، 18 شباط/فبراير.2011
  5. الأيام انظر: حوار مع عبد الإله بنكيران، مجلة، العدد 465، 5 آذار/مارس.2011 34 العربية نت، 1 تموز/يوليو.2011
  6. Maintaining Makhzen Power (New York: Palgrave Macmillan, 2011).

بعد إقرار الدستور الجديد بأربعة شهور، أ جريت الانتخابات البرلمانية، وفاز حزب "العدالة والتنمية" بأغلبية المقاعد، بحيث حصل على 107 مقاعد من أصل 395 مقعدًا، يليه "حزب الاستقلال" بحوالى 60 مقعدًا و"التجمع الوطني للأحرار" بنحو 52 مقعدًا، و"حزب الأصالة والمعاصرة" بحوالى 47 مقعدًا. وقد نجح الحزب، لأول مرة في تاريخه، في تشكيل حكومة ائتلافية تحت قيادته ضمّ إليها وزراء من حزب "الاستقلال" و"التقدم والاشتراكية" و"الحركة الشعبية." ولم يجد الحزب حرجًا في أن يتحالف مع خصومه السابقين، وأن يمضي قدمًا في تشكيل الحكومة وإقناع قواعده التنظيمية بها.

وطيلة الأعوام الخمسة الماضية، نجح الحزب في تجاوز العديد من العقبات السياسية والإدارية؛ فمن جهةٍ أولى، استطاع الحزب تفادي عاصفة "الثورة الإقليمية المضادة" التي انطلقت في مصر بعد الانقلاب على حكم الإخوان في الثالث من تموز / يوليو 2013. ونجح في امتصاص حالة التحريض والتخويف من حكم الإسلاميين في المنطقة. وذلك من خلال تأكيد عدم انتمائه للإخوان35. ومن جهة ثانية، حرص الحزب على تحقيق أكبر قدرٍ من التوافق مع المؤسسة الملكية وتجاوز بعض المشاكل التي تسبّب فيها بعض أعضاء حكومته. ونجح بنكيران في أن يعيد تموضع حزبه السياسي داخل المنظومة الحاكمة كي لا يبدو تابعًا للقصر من جهة، ولكنّه سعى للصدام معه من جهة أخرى. ومن جهة ثالثة، بعد وصوله إلى السلطة، حرص الحزب على استمرار تواصله مع قواعده الشعبية. وكما يشير محمد مصباح، فإن برلمانيّي الحزب ومسؤوليه "لم يغيروا من سلوكهم في التواصل المباشر مع  سكّان  دوائرهم الانتخابية أو في تقديم الخدمات الاجتماعية التي شكّلت وأسّست لرصيدهم الشعبي"36. لذلك لم يكن مستغربًا أن يفوز حزب "العدالة والتنمية" مجددًا بأغلبية المقاعد في الانتخابات المحلية والجهوية التي أجريت في أيلول / سبتمبر الماضي. وهي أول انتخابات تجري في ظل التعديلات الدستورية الجديدة، والتي تعطي صلاحيات كبيرة للمجالس البلدية في المدن والأرياف. إذ حصل الحزب على أغلبية المقاعد في انتخابات المحافظات بحوالي 174 مقعدًا من أصل 678، تلاه خصمه حزب "الأصالة والمعاصرة" الذي حصل على حوالى 132 مقعدًا، وحزب "الاستقلال" حوالى 119 مقعدًا37. بعبارة أخرى، فقد حافظ حزب "العدالة والتنمية" على البقاء داخل دائرة الضوء والتأثير وتفادي العديد من الأزمات التي ملأت الفضاءين المحلي والإقليمي خلال السنوات الخمس الماضية. إخوان الأردن... غياب الإصلاح ومتاهة الانقسام على عكس إسلاميّي المغرب، فقد فشل الإسلاميون في الأردن في الاستفادة من مناخ "الربيع العربي" من أجل الحصول على وضع سياسي متميز، كما حدث مع حزب "العدالة والتنمية." وحملت تجربة السنوات الخمس الماضية الكثير من المشكلات لجماعة "الإخوان المسلمين" وذراعها السياسية "حزب جبهة العمل الإسلامي"؛ فمنذ بدء موجة "الربيع العربي"، اتخذت جماعة الإخوان موقفًا صداميًا مع النظام الأردني، واستغلت أجواء الاحتقان والغضب التي سادت قطاعات واسعة من الأردنيين بخاصة الشباب، عطفًا على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة، قبل بدء موجة الربيع العربي. وقد شاركت الجماعة وذراعها السياسية "حزب جبهة العمل الإسلامي" في الحراك السياسي الذي استمر طيلة عامَي 2011 و.2012 فبعد سقوط نظام مبارك في مصر، اشتعل الشارع الأردني بمطالبات للإصلاح والتغيير. ما دعا جماعة الإخوان إلى مطالبة الملك بإدخال إصلاحات دستورية حقيقية، مخرجًا للنظام من حالة الفوران التي كانت تهزّ المنطقة من شرقها إلى غربها. وجدّد عضو المكتب التنفيذي السابق في الجماعة، رحيل غرايبة، مطالبة الملك بالاستجابة إلى المبادرة

  1. بنكيران ل'الحرة:' لا ننتمي إلى الإخوان ولسنا تيارا دينيا"، قناة الحرة، 8 آب/أغسطس
  2. محمد مصباح، "حزب العدالة والتنمية والتوازن الصعب"، مجلة صدى، 1 أيار/مايو 2013، في: http://carnegieendowment.org/sada/?fa=51674&lang=ar '" 37 العدالة والتنمية' المغربي يفوز في الانتخابات الجهوية والثالث في اقتراع البلدية"، الحياة، 6 أيلول/سبتمبر.2015
  3. 2014، في: http://goo.gl/YO8oXM

التي كان قد أطلقها في كانون الثاني / يناير 2011 من أجل إقامة "ملكية دستورية" في الأردن بوصفها "مخرجًا جيدًا للملك." بل وصل الأمر إلى التهديد بإسقاط النظام ما لم يستجب لهذه المطالب ويقم طوعًا بإجراء الإصلاحات المطلوبة38. وقد بدا واضحًا أنّ طموحات جماعة الإخوان قد ارتفعت بعد سقوط نظامَي بن علي ومبارك؛ فرفعت من سقف توقعاتها وقدرتها على الضغط على النظام. فعلى سبيل المثال، أفتت لجنة علماء الشريعة في حزب "جبهة العمل الإسلامي" بأنّ التظاهر ضد الظلم "واجب شرعًا"39. بل عدّ مجلس علماء الإخوان المسلمين في الأردن التظاهرات والاعتصامات والإضرابات مشروعة، واستنكر تحريمها من جانب علماء آخرين، بخاصة من التابعين للتيار السلفي العلمي الذين حرّموا الخروج على الحاكم40. لذا، فقد شاركت جماعة الإخوان وحزب جبهة العمل الإسلامي في جميع التظاهرات التي خرجت في الشوارع الأردنية منذ شباط / فبراير 2011 وحتى أواخر عام 2012. ونظّمت الجماعة تظاهرات حاشدة من أجل الضغط على النظام للقبول بالمطالب التي رفعها المتظاهرون؛ وأهمّها تعديل حلّ البرلمان، وتعديل قانون الانتخاب، وإقامة ملكية دستورية والعودة إلى صيغة دستور 1952 الذي كان ينصّ على أنّ الحكم هو ملكي نيابي41. بل واستمر الإخوان في التصعيد عندما انسحبوا من لجنة الحوار الوطني التي كان قد دعا إلى تشكيلها رئيس الوزراء وقتها معروف البخيت من مختلف القوى السياسية ورجال الأعمال، اعتراضًا على طول مدة الحوار التي اقترح البخيت أن تكون من 3 إلى 9 أشهر حتى يتمّ الاستجابة للمطالب المرفوعة وعرض قرارات اللجنة على مجلس النواب. وهو ما رفضه الإخوان وعدّوه مماطلة وتهرّبًا من الإصلاح42. وعلى عكس النظام المغربي الذي استجاب لمطالب التغيير من خلال الإقدام على إجراء إصلاحات وتعديلات دستورية جوهرية، رفض النظام الملكي في الأردن تقديم أيّ تنازلات للمعارضة وفي قلبها جماعة الإخوان المسلمين. ولم ينجح الحراك الشبابي وضغوط الإسلاميين في دفع النظام إلى القيام بإدخال إصلاحات سياسية حقيقية. بل على العكس، نجح النظام في الاستفادة من التطورات المتسارعة في الإقليم، بخاصة ما يحدث في سورية؛ من أجل تحويل الدفّة من حديث الإصلاح والتغيير إلى حماية الاستقرار. واستطاعت المؤسسة الأمنية والاستخباراتية في الأردن اللعب على وتر الانقسامات والاختلافات داخل الكتل المطالبة بالتغيير من أجل امتصاص مطالبها وتحويلها عن مسارها. كما جرى إدخال تعديلات غير جدّية على قانون الانتخاب. وهو ما دفع جماعة الإخوان إلى إعلان مقاطعة الانتخابات النيابية التي أجريت أوائل عام 2013 43.

أدّى فشل جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في تحقيق أيّ إنجاز سياسي خلال انتفاضة "الربيع العربي" إلى تفجّر الخلافات الداخلية، والتي كانت بالفعل موجودة تحت السطح طيلة السنوات التي سبقت موجة "الربيع العربي." كما ألقى سقوط الإخوان في مصر بظلاله على فرع الحركة في الأردن، وأدّى إلى حدوث تشققات تنظيمية غير مسبوقة في صفوف الحركة؛ ففي تشرين الأول / أكتوبر 2013 أطلق مجموعة من قياديّي الحركة المحسوبين على تيار الحمائم وفي مقدمتهم رئيس الدائرة السياسية السابق في الجماعة رحيل غرايبة ونبيل الكوفحي وجميل دهيسات، مبادرة جديدة أطلقوا عليها "المبادرة الأردنية للبناء"، والتي باتت تُعرف إعلاميًا باسم مبادرة "زمزم" تهدف إلى "السعي للإصلاح السياسي وتطوير الخطاب الإسلامي"44. وعلى الرغم من أنّ القائمين على المبادرة لم يعلنوا انشقاقهم عن الإخوان، فقيام الجماعة بفصلهم لاحقًا بقرار من محكمتها الداخلية45، قد كشف حجم الأزمة الداخلية في

  1. غرايبة: الإصلاح أو إسقاط النظام"، الجزيرة نت، 23 شباط/فبراير 2011، في: http://goo.gl/7JN7Hp
  2. فتوى أردنية تؤيد التظاهر ضد الظلم"، الجزيرة نت، 21 شباط/فبراير 2011، في: http://goo.gl/VUjwcW
  3. إخوان الأردن يفتون بحل الاحتجاج"، الجزيرة نت، 3 آذار/مارس 2011، في: http://goo.gl/tQSoIK
  4. الأردنيون يتظاهرون مطالبين بالإصلاح"، الجزيرة نت، 15 نيسان/أبريل 2011، في: http://goo.gl/t1JvMB
  5. المعارضة بالأردن ترفع سقف مطالبها"، الجزيرة نت، 28 شباط/فبراير 2011، في: http://goo.gl/adR8co
  6. قانون انتخابي جديد بالأردن.. والإخوان المسلمين تقاطع الانتخابات"، الوطن، 21 حزيران/يونيو 2012، في: http://www.elwatannews.com/news/details/19099
  7. طارق النعيمات، "زمزم والإخوان المسلمون في الأردن"، مجلة صدى، 4 شباط/ فبراير.2014
  8. إخوان الأردن تفصل 3 قياديين غرسوا 'بذور الشقاق"'، العربي الجديد، 20 نيسان/ أبريل.2014

الجماعة. وقد حاول المراقب العام للجماعة، همام سعيد، احتواء الأزمة الداخلية في الجماعة من خلال طرح مبادرة للحلّ قام مجلس شورى الجماعة على إثرها بتشكيل لجنة تحضيرية لتطبيق المبادرة التي نصّت على "مبدأ الفصل بين السلطات، وانتخاب المراقب العام من الهيئة العامة، أو من أوسع تمثيل تنظيمي، وتقليص صلاحيات المكتب التنفيذي، وتعزيز دور القضاء والرقابة وتمكين دور الشباب والمرأة في الحضور القيادي ورسم السياسات، وتشاركية عادلة في مؤسسة صنع القرار وتنفيذه"46. وما هي إلا شهور قليلة حتى قامت المجموعة المفصولة بالإعلان عن تشكيل جمعية جديدة تحمل اسم جماعة الإخوان المسلمين نفسه بقيادة المراقب العام الأسبق للجماعة عبد المجيد الذنيبات الذي قيل إنّه تقدّم بطلب لرئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور من أجل الترخيص للجماعة، وهو ما أدّى إلى فصله من الجماعة لاحقًا في سابقة هي الأولى من نوعها، أن تقوم جماعة الإخوان في الأردن بفصل أحد مراقبيها السابقين47. ووصل الأمر إلى قيام المراقب العام للجماعة الأم، همام سعيد، بمطالبة السلطات الأردنية وفي مقدمتها الملك بعدم الترخيص للجماعة الجديدة. وهو ما كشف حجم الضعف الذي باتت عليه الجماعة في علاقتها بالنظام. وقد استغل النظام هذه الأزمة وسعى إلى تعميقها؛ فقام في آذار / مارس 2015 بمنح الرخصة القانونية للجمعية الجديدة48. على جانب آخر، ضربت الانقسامات حزب "جبهة العمل الإسلامي"، بخاصة بعدما جرى اعتقال أمينه العام زكي بن أرشيد على خلفية مهاجمته دولة الإمارات؛ فقد قام ما يقارب ال 400 عضو في الحزب بتقديم استقالاتهم أواخر كانون الأول / ديسمبر 2015 في خطوة قيل إنّها ترمي إلى تكوين إطار سياسي جديد. ومن بين القادة الذين استقالوا أسماء كبيرة؛ من أبرزها الأمين العام السابق لحزب الجبهة الشيخ حمزة منصور، والمراقب العام السابق لإخوان الأردن سالم الفلاحات، ونائب المراقب العام السابق الدكتور عبد الحميد القضاة، والقيادي جميل أبو بكر49. وكانت هذه المجموعة قد شكّلت ما يُعرف ب"مبادرة الشراكة والإنقاذ"؛ وذلك من أجل البحث في الأزمات التي تعصف بالجماعة ولكنّها شعرت بالاستعصاء وعدم القدرة على إيجاد مخرج للأزمة الحالية، فقررت الانسحاب من الحزب وتشكيل كيان سياسي جديد50. ومن الواضح أنّ شعور هذه القيادات المستقيلة بالغبن وانسداد أفق التغيير الداخلي في الحزب، قد دفعاها للخروج والبحث عن مسارات أخرى للتأثير51. ويبدو أنّ ثمة انشقاقًا آخر في الطريق داخل حزب جبهة العمل الإسلامي، ما سوف يزيد الفسيفساء الإخوانية في الأردن.

الإسلاميون... أسئلة مشروعة ومستقبل مجهول

في الذكرى الخامسة ل"الربيع العربي"، يقف الإسلاميون على مفترق طرق بعد أن زلزلت أحداث "الربيع"، وما تلاها من تغيرات وتقلبات، كلّ قواعد اللعبة السياسية. ولا تزال أسئلة كثيرة مطروحة على الإسلاميين الذين باتوا في أمسّ الحاجة إلى التوقّف أمامها والإجابة عنها. ولعلّ أوّل هذه الأسئلة هو سؤال المشروع السياسي والأيديولوجي الذي يتبنّاه الإسلاميون ويدافعون عنه. ونقصد بذلك مدى قدرة الإسلاميين على تجديد طرحهم السياسي والتخلّص من عبء الأيديولوجيا. فبعد وصول الإخوان إلى السلطة في مصر، اكتشف كثيرون أنّ الجماعة لا تمتلك مشروعًا سياسيًا واضحًا، وأنّ مقولاتها وشعاراتها التعبوية مثل "الإسلام هو الحل" لم تقدّم أيّ حلول عملية لكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهتها البلاد. بل قدّمت الجماعة مثالً سيئًا على كيفية إدارة الحكم. وهو ما سمح لقوى الثورة المضادة بالتكتّل ضدها وتأليب الرأي العام عليها، ما مهّد الطريق لوقوع انقلاب الثالث من تموز / يوليو. وكغيره من المشاريع

  1. إخوان الأردن يبدأون عملية إصلاح داخلي"، العربي الجديد، 17 تشرين الأول/ أكتوبر.2014
  2. لأول مرة في تاريخها: إخوان الأردن تفصل مراقبا سابقا"، العربي الجديد، 18 شباط/ فبراير.2015
  3. الأردن: تسجيل جمعية جديدة باسم الإخوان المسلمين"، سي إن إن، 4 آذار/مارس 2015، في: http://arabic.cnn.com/middleeast/2015/03/04/jordan-muslim-brotherhood- new-name
  4. الانشقاقات الكبرى داخل 'إخوان الأردن:' التنظيم يتصدع"، موقع ساسة بوست الإلكتروني، 3 كانون الثاني/يناير 2016، في:
  5. تعاظم التحديات على طريقة شرعية 'إخوان' الأردن"، الحياة، 23 تشرين الثاني/ نوفمبر.2015 " 51 إخوان الأردن... كرة الخلافات تكبر"، العربي الجديد، 1 كانون الثاني/يناير.2016
  6. http://www.sasapost.com/brotherhood-in-jordon/

السياسية التي تنكشف بعد وصولها إلى السلطة، بدا "المشروع الإخواني" عاجزًا عن تقديم إجابات للتحديات العملية التي واجهت البلاد بعد ثلاثين عامًا من الفساد والتخريب تحت حكم مبارك. أمّا ثاني الأسئلة فهو سؤال الأيديولوجيا؛ فقد كشف الربيع العربي مدى محدودية المقولات الأيديولوجية للإسلاميين، بخاصة في ما يتعلق بقضايا الدولة والديمقراطية والتعددية والحريات وحقوق الأقليات. وإذا كان من الصعب تعميم تجربة الإخوان في مصر على بقية التجارب العربية، إلا أنّ خبرة السنوات الخمس الماضية كشفت عدم قدرة الإسلاميين على تجاوز أطروحاتهم الأيديولوجية أو القيام بمراجعات حقيقية لها. صحيح أنّ حزبَ "النهضة" في تونس و"العدالة والتنمية" في المغرب قد أبديا مرونة أيديولوجية واضحة، إلا أنّهما يظلان الاستثناء الذي لا يغيّ القاعدة. هذا مع تأكيد أنّنا تناولنا في هذه الدراسة الإسلاميين الحركيين الذين يقتربون، بشكل أو بآخر، من حركة الإخوان المسلمين. ولم نتعرض لبقية القوى الإسلامية الأخرى كالسلفية السياسية والجهادية التائبة، والتي تطرح خطابًا أيديولوجيًا مغلقًا يسير عكس ما كان يرنو إليه الربيع العربي. ويأتي ثالث الأسئلة والخاص بالتنظيم. فقد كشفت خبرة السنوات الخمس الماضية مدى الجمود والتكلّس التنظيمي اللذيْن يسمان الحركات الإسلامية، وهو ما عبّ ت عنه حالة الخلاف والانقسام الحاد التي ضربت التنظيم الأم في مصر، وكذلك الأردن، ومدى حاجة الإسلاميين إلى إعادة النظر في بنيتهم التنظيمية بصورة تسمح بالتغيير الداخلي بخاصة على مستوى القيادات ودمج الشباب. وكشفت أيضًا أنّ الطرق القديمة التي كانت تُتبع في معالجة الخلافات الداخلية، لم تعد مجدية ويدفع ثمنها التنظيم من وحدته وتماسكه. ويبدو أن الحركات الإسلامية في حاجةٍ إلى إعادة النظر في العديد من المسائل التنظيمية؛ أهمّها أولً، ضرورة الفصل بين المسارين الدعوي والسياسي فصلً حاسمً ونهائيًا. فلم تعد هذه الحركات تمتلك رفاهية الدمج بين المسارين؛ إذ بدا واضحًا أنّ المسار الدعوي يدفع ثمنًا باهظًا بسبب استنزاف الحركة في الصراع السياسي وهو ما أثّر أيضًا في رأس مالها الاجتماعي ودعمها الشعبي. ثانيًا، إعادة النظر في منظومة القيم الداخلية للتنظيم، وأهمّها قيم البيعة والسمع والطاعة والولاء... إلخ، واستبدالها بقيم المحاسبة والشفافية والديمقراطية الداخلية التي تسمح بقدرٍ من الحراك التنظيمي. ثالثًا، لم يعد ممكنًا أن تتحوّل التنظيمات الإسلامية إلى غاية بحدّ ذاتها وليست وسيلة لتحقيق أهداف أخرى. رابعًا، وصل الصراع الجيلي داخل التنظيمات الإسلامية إلى مستويات غير مسبوقة. وما يحدث في مصر والأردن يكشف عن رغبة القيادات الإسلامية القديمة في استمرار سيطرتها على التنظيم الإخواني، دون السماح بدخول دماء جديدة لهياكل التنظيم ومؤسساته. وهو ما أدّى إلى تمرد جيلَ الوسط والشباب على هذه القيادات. وهو ما ينبئ بتغيرات كثيرة سوف تشهدها الساحة الإسلامية العربية خلال الشهور والسنوات القليلة المقبلة.