العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في السياق العربي

الحبيب بلكوش

الملخّص

احتل موضوع العدالة الانتقالية مكانة متميزة خلال المراحل الأولى لما اصطلح عليه "الربيع العربي"، بوصف هذا الموضوع أحد أهم المداخل المحتملة لتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان، والتي هي من أبرز مطالب منظمات حقوق الإنسان وطنيا وإقليميا ودوليا. وقد وجدت هذه المطالب صداها لدى الفاعلين السياسيين بنسب متفاوتة وحسب سياق كل تجربة. تقدم هذه الورقة مقاربة جديدة ضمن الثقافة الحقوقية والسياسية العربية، وفي سياق فورة ثورية عادة ما يكون فيها سقف المطالب مرتفعً ا جدًا. ويعني ذلك أن التمك ن من المرتكزات النظرية وسياقات التجارب الدولية والدروس المستخلصة من كلٍ منها بقيت محدودة، على الرغم من التفاعل الإيجابي لبعض الفاعلين السياسيين مع تلك المطالب التي ارتبطت ب "حماس" المرحلة. تعرض الورقة لتجارب العدالة الانتقالية في الوطن العربي وتقارنها بتجارب البلدان الأخرى عارضة العقبات والتحديات، ولافتة النظر إلى أنه لا يمكن لأي شيء غير الكشف عن الحقيقة والسعي وراء الإنصاف أن يخلق الأجواء المعنوية التي يمكن للمصالحة والسلم الازدهار في كنفها.

لقد أدى سقوط رموز أنظمة "الاستبداد والفساد" إلى الاعتقاد في مدخل العدالة الانتقالية كآلية تجيب عن انتظارات الجماهير في المساءلة الشاملة للأنظمة السياسية سواء من حيث التدبير السياسي، أو من حيث الحكامة الاقتصادية أو الاجتماعية لثروات البلاد، أو من حيث معالجة انتهاكات حقوق الإنسان. وقد أدى هذا الوضع إلى اعتماد قوانين (كما في تونس، واليمن، والعراق)، وحتى إحداث وزارات متعلقة بهذا الموضوع (مثل تونس ومصر.(إلا أنّ مآل هذا الاختيار لم يجد تجسيدًا له بعد على أرض الممارسة في كل التجارب، وهو ما يدعونا إلى قراءة الموضوع من زاوية ما آلت إليه طموحات التغيير والدمقرطة في المنطقة. لقد عرفت المنطقة تجربةً وحيدةً للعدالة الانتقالية منذ نحو عقدٍ من الزمن في المغرب، من دون أن تحظى التجربة آنذاك باهتمامٍ وتتبع من لدن ناشطي حقوق الإنسان في المنطقة لأسباب ليست موضوع هذه الدراسة، علمً بأنها حظيت باهتمامٍ خاصٍ من كبرى المنظمات الدولية غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان، كما تم التنويه بها من الأمين العام للأمم المتحدة1. ولكن يمكن القول إنّ تحقّق هذه التجربة في ظل استمرارية النظام الملكي على الرغم من تغييرٍ بارزٍ في سياسته وانحيازه لدينامية الإصلاح وحقوق الإنسان، هي في اعتقادنا ما أنتج هذا التعامل المتحفظ الصادر عن موقفٍ مسبقٍ من تجربة بُنيت على التراكم لا على "القطيعة الجذرية." إنّ التطورات التي أفرزتها تجارب التغيير "الجذري" ضمن سيرورة "الربيع العربي"، أكدت أن الأجوبة المطلوبة في ظل واقع مركب ومعقد، وحركية لم تبلور التصور المتكامل لمتطلبات الانتقال الديمقراطي، توجب استحضار تحديات الواقع، ومعوقات الانتقال في كامل أبعادها، وفي مسار التحول الممكن تاريخيًا، وليس المأمول نظريًا فحسب؛ وهو ما يتطلب كثيرًا من الحذر والتأني في تفحّص الواقع تجنبًا لأية أحكام متسرعة. لقد احتلت قضايا حقوق الإنسان مكانةً بارزةً ضمن مطالب الحراك الديمقراطي في المنطقة من خلال المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساءلة لأنظمة الحكم في مختلف مجالات التدبير. ولا شك أنّ المواجهات وما خلفته من ضحايا قد جعلت مطلب العدالة الانتقالية مع مرتكزاته وراهنيته ملحًا، وذلك من حيث طرحه نظريًا لأهم الانشغالات التي كانت حاضرة بهذه الدرجة أو تلك لدى ناشطي الحراك وقواه، والتي تؤطرها المكونات الأساسية لهذه المقاربة، والمتمثلة في2: معرفة حقيقة ما جرى سواء في ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو تلك التي ارتكبت أثناء الحراك. المساءلة أو (المحاسبة) الجنائية والسياسية لما جرى وتحديد المسؤوليات في ذلك. أية إجراءات ومقاربات لجبر ضرر الضحايا والمناطق والفئات. بلورة خططٍ لحماية البلد من تكرار ما جرى ووضع إستراتيجية للإصلاح المطلوب. كيف يمكن توفير شروط مصالحة بين المواطن ومؤسساته، وهل يمكن تحقيق هذه المصالحة، ومع من، ووفق أية شروط؟ لقد وجدت دينامية الحراك نفسها محاصرة بمختلف هذه القضايا والتساؤلات في ظل أوضاع سياسية لم تستقر، وموازين قوى هشة، وتطورات لم تتضح وجهتها بشكل نهائي.

إنّ الأهمية التي أوكلت لموضوع العدالة الانتقالية تعكس إلى حد بعيدٍ محاولة الاعتماد عليها لمعالجة المأزق الذي قد أصاب بدرجات مختلفة مسار التحوّل السياسي نحو الديمقراطية. كما أنّ إدراجه ضمن الوثيقة الدستورية أحيانًا (مصر، تونس) أو اعتماد قوانين لإطلاق ديناميته (اليمن، تونس) تعكس إرادةً لتحصين هذا الاختيار من أي تراجع. حقق مشروع العدالة الانتقالية بعض النجاح في عددٍ من التجارب الدولية، ضمن سيرورة سياسية مكنته من التقدم بشكلٍ تدريجي

  1. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن حول "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع"، 23 آب/ أغسطس 2004، وثيقة 616/S/2004، في:
  2. http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N04/395/27/PDF/ N0439527.pdf?OpenElement 2 الحبيب بلكوش، "مدخل إلى العدالة الانتقالية"، في ندوة: العدالة الانتقالية في السياقات العربية (القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان،.)2013

وتراكمي حسب ما كانت تسمح به تطورات التجربة الديمقراطية، والحفاظ على التوازن الهش الذي يطبع مراحل الانتقال؛ إذ تكون كل عناصر المحافظة ما زالت قوية، وقوى التغيير لم تكن قد اشتد عودها واتضحت رؤيتها وانبنت على قوى اجتماعية حاملة لمشروع التغيير3. إنّ أبرز هذه التجارب الرائدة في مجال العدالة الانتقالية كما تبلورت في تشيلي والأرجنتين وبعدها جنوب أفريقيا، تسمح بالقول بأننا بصدد مقاربة وآلية مرافقة لدينامية الانتقال السياسي الهادفة إلى الخروج من أنظمة استبدادية أو حرب أهلية أو نظام عنصري إلى بناء تجربة ديمقراطية. ولسنا هنا بصدد مقاربة تنوب عن الانتقال السياسي ومسؤولية الفاعل المدبر لها (أو الفاعلين) في هذه العملية بما يقوّي شروط نجاح الانتقال الديمقراطي، ومنه معالجة ماضي الانتهاكات. بمعنى آخر، إنّ الهدف من هذه الديناميات هو توفير شروط إنجاح الانتقال في ظل توافقات بين الفرقاء السياسيين الأساسيين؛ فإيجاد المداخل الذكية في ظروف تكون مفتوحة على كل الاحتمالات في التقدم أو التراجع، هو الذي يساعد على اعتماد مقاربة العدالة الانتقالية، والتي لا يمكن النظر إليها كمنظومة دوغمائية، ووصفة جاهزة للتطبيق الكلي في كل زمان ومكان. إنها دينامية تضع أرضية للترقي بالممارسة، والدفع بالإصلاح، وإعادة الاعتبار، وبناء الثقة، والانخراط الفاعل في حماية المشروع الديمقراطي والانتقال المنشود. إنّ استحضار هذه الأبعاد في تجارب العدالة الانتقالية، والنظر إليها كدينامية متواصلة وممتدة في الزمن، هو ما مكّن التجارب الناجحة إلى هذا الحد أو ذاك، من تحقيق بعض التقدّم والتراكم في مجال العدالة الانتقالية وفي علاقة وطيدة بتقدم الانتقال الديمقراطي. وإذا كانت كل تجربةٍ لها خصوصياتها التي يحكمها السياق التاريخي والسياسي، وموازين القوى، ووضعية المؤسسات ودرجة الإرادة السياسية، والمناخ الدولي وغيرها، فإنّ هذا التحوّل من خلال العدالة الانتقالية في عددٍ من التجارب التي تجاوزت الثلاثين حتى الآن، قد تم إقراره بشكل صريح من الأمم المتحدة من خلال تقرير الأمين العام في آب/ أغسطس 2004 حول "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع"، وتلته التوصية المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 2005 بخصوص "المبادئ الأساسية التوجيهية المتعلقة بالحق في اللجوء إلى العدالة وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني"، وقرار مجلس حقوق الإنسان في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 بإحداث آلية "مقرر خاص بالنهوض بالحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار" لدعم جهد العدالة الانتقالية4.

ومعلوم أنّ هذه المرحلة الانتقالية عادة ما تتسم بهشاشة الأوضاع الداخلية، ووجود مختلف القوى بشكلٍ وازنٍ بما فيها القوى المحافظة ذات الامتدادات في أجهزة الدولة؛ مما يستدعي تحديد الأولويات حسب سياق كل بلدٍ وكل مرحلة؛ لأنّ كل تجربة لها خصوصياتها وأولوياتها وتحدياتها. إنّ السؤال الكبير والتحدي البارز الذي يكون مطروحًا هو: كيف نحقّق الانتقال الديمقراطي مع معالجة إرث الماضي (الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان)، وفي ظل تحديات الحاضر (ضمان السلم والأمن وبناء الديمقراطية) مع توفير الشروط الضرورية للتوجه نحو المستقبل (إصلاح أجهزة الدولة وتشريعاتها، وتحقيق التنمية وضمان الحقوق)؟ إنّ مراحل الانتقال نحو الديمقراطية تخلق انتظارات ومطالب واسعة داخل صف القوى المساهمة في إحداث التغيير وفي صفوف ضحايا سياسات النظام السابق. وهنا يطرح سؤال مستلزمات العدالة الانتقالية نفسه. إنّ اللجوء إلى هذه المقاربة كآلية يستلزم أولً توافر إرادةٍ سياسية صريحة لدى الدولة، وحدٍ أدنى من التوافق بين أبرز الفرقاء السياسيين داخل البلد الذين يساهمون في التحوّل، وإشراكِ المجتمع المدني والإعلام وممثلي الضحايا وأسرهم في هذه العملية. وهنا، تتدخل الأهداف المتوخاة من هذه الدينامية. إنّ كلّ تحوّل ديمقراطي يواجه مجموعة من الأسئلة منها: كيف سيتمّ التعامل مع مختلف المسؤولين عن السياسات القمعية السابقة، علمً بأننا نكون أمام

  1. Sandrine Lefranc, Politiques du pardon (Paris: PUF, 2002).
  2. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات النزاع ومجتمعات ما بعد النزاع"، 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، الوثيقة رقم 634/S/2011، في: http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N11/542/85/PDF/ N1154285.pdf?OpenElement

سياسات ممنهجة للدولة بمختلف أجهزتها تجاه معارضيها، ولسنا بصدد تجاوزات أو حالات فردية للانتهاك، هذا في الوقت الذي لا يزال فيه هؤلاء يتمتعون بسلطات نافدة؟ وكيف يجب تحقيق عدالة ترد الاعتبار للضحايا وأسرهم، وتمكن المجتمع من الوقوف على حقيقة ما جرى، من دون تهديد مسار الانتقال بالنكوص وعدم الاستقرار؟ وكيف نحقّق الإصلاح المؤسساتي في الوقت الذي ما زالت أهم المواقع في يد القوى المحافظة للنظام السابق؟ وكيف نقوي شروط تحقيق الانتقال السياسي المنشود ونضعف القوى المناهضة للتغيير؟ تلكم بعض الأسئلة التي تواجهها القوى التي تقود مثل هذه المراحل، علم بأنّ الأجوبة تختلف من تجربة إلى أخرى، مع استحضار دروس كل سياق بما يفيد التقدّم على طريق البناء الديمقراطي. إنّ تجربة جنوب أفريقيا5 التي أثارت أكبر اهتمام في هذه التجارب، لم تؤدِّ إلى حلّ كل أجهزة الدولة، ولا إلى محاكمة قادتها أو مساءلة منظري ومترجمي سياسة التمييز العنصري التي كانت سياسة دولة، ولكنها سهلت عملية الانتقال الديمقراطي في إحدى أصعب التجارب الدولية في اعتقادنا. لقد كانت تجربة العدالة الانتقالية في هذا البلد إطارًا لتوطيد الانتقال السياسي من خلال "تنفيس" جماعي يكشف بشاعة ما جرى وحقيقته، ويمكّن الشعب بكل مكوناته من سماع أصوات الضحايا، مع توفير شروط مصالحة لا بد منها لضمان الانتقال من نظام التمييز العنصري إلى سيادة الشعب عبر البناء الديمقراطي، ومع تجنيب البلد مأساة كانت تتهدده من خلال شبح حرب أهلية رهيبة لو وقعت. ولا بد من التأكيد هنا على حنكة القيادة السياسية وحكمتها، خاصة نيلسون مانديلا (وأيضًا فريدريك دوكليرك، قائد الأقلية البيضاء الحاكمة آنذاك)، التي انحازت بالكامل لهذا الاختيار، وقد تجسّد ذلك من خلال إصرار مانديلا على إدراج مبدأ المصالحة في الوثيقة الدستورية، وجعله أيضًا ضمن اختصاصات لجنة الحقيقة. لقد قدّمت تجربة جنوب أفريقيا مسارًا أبهر العالم وطبع الذاكرة بخصوص تحقيق التحول الديمقراطي وبناء تجربة متميزة في مجال العدالة الانتقالية في بلدٍ عاش أبشع تجارب العنصرية والتمييز العرقي وإنكار الحقوق البشرية. وسيكون من المفيد الوقوف بشكل موجزٍ على أهم خصائص هذا التحول ورؤية صانعيه من النخب السياسية وكيفية ترجمة ذلك على أرض الواقع. لقد تطلب ذلك أولً حوارًا بين أبرز خصمين كان أحدهما ينفي بشكل جذري أي مكانة سياسية وحتى بشرية للطرف الآخر، وقد ترجمتها عقود من نظام الأبارتيد والتمييز العنصري. لقد انتصرت حكمة قائديْ حزب المؤتمر الأفريقي والحزب الوطني وتعقلهما، ليعملا على تذليل الصعاب والعقبات التي واجهت التسوية التاريخية التي تحققت من خلال مسلسل تدريجي، وخطة عمل مرت باقتسام السلطة إلى إعداد انتخاب جمعية تأسيسية بعد خمس سنوات، ثم وضع دستور متوافق بشأنه، مع تجربة للعدالة الانتقالية ولجنة للحقيقة هدفها الأساسي المساهمة في تحقيق المصالحة والانتقال الديمقرطي، بعيدًا عن أية روح انتقامية أو تصفية حسابات. أما في أميركا اللاتينية، فإنّ محاكمة بعض القادة العسكريين والعفو عنهم حسب موازين القوى وأوضاع البلد (الأرجنتين)6، أو التوافق على ضمان حصانة لقادة آخرين مدى الحياة (تشيلي)، والتوافق على توفير الشروط اللازمة لإنجاح الانتقالات الديمقراطية بالدرجة الأولى، قد شكل الخط الأساسي لهذه التجارب. كانت العدالة الانتقالية مدخل فحسب لمعالجة جانب من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بأشكال مختلفة حسب كل بلد. وقد شاءت صدف التاريخ أن يعتقل الديكتاتور السابق لتشيلي الجنرال بينوشيه في بريطانيا، مع أنه يتمتع بحصانة في بلده، ويتم الدفاع عنه من طرف القيادة الاشتراكية (رئاسة وحكومة) ضمانًا لاستقرارٍ سياسي ولإنجاح بناء التجربة الديمقراطية حسب تقديرات الفرقاء السياسيين للبلد، على الرغم من أنهم كانوا ضحايا مباشرين أو غير مباشرين لسياسته. أما التجربة المغربية، فقد استطاعت أن تقدّم إضافات في التجارب الدولية، أبرزها إمكانية تحقيق تجربة العدالة الانتقالية في ظل استمرار النظام نفسه ولكن مع تغييرٍ بارزٍ في سياسته في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية. إلا أنّ هذا المعطى استلزم أولً توافر إرادة سياسية لدى الدولة، والمؤسسة الملكية بالأخص، لمعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان في سياق إصلاحات متعددة ومتراكمة شملت ما يمكن الاصطلاح عليه بالمصالحات في مجال حقوق النساء (مدونة جديدة للأسرة)، اررف بالأمازيغية والحقوق الثقافية واللغوية (من خلال الاع) والسياسية (من خلال تطور التجربة الديمقراطية والمصالحة مع مختلف الفرقاء المعارضين الاشتراكيين والإسلاميين)، وال وررع في

  1. Lefranc.
  2. وانظر الفصل الخامس بعنوان: "سياسية المصالحة الجنوب أفريقية"، في كتاب: Kora Andrie, La justice transitionnelle , folio assais, no. 571 (Paris: Gallimard , 2012). 6  Kora Andrieu et Geoffroy Lauvau (dir.), Quelle justice pour les peuples en transition ? (Paris: PUPS, 2014).

معالجة ملفات انتهاكات حقوق الإنسان على امتداد عقدٍ سابقٍ من الإجراءات والإصلاحات7. أما في إسبانيا، فإنّ القيادات السياسية من الصفّ الليبرالي ومن اليمين القريب من الديكتاتور فرانكو قد توافقوا مع قيادات اليسار على بلورة أرضية لقيادة المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية أوكل إليها تدبير مرحلتها الأولى لأحد المقربين من الجنرال، وبناءً على دعمٍ من المركزيات النقابية. وهكذا، تمّ إعداد دستورٍ بهذه الروح ليجري بعده التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار القوى السياسية التي ستدير شؤون البلاد وتدخل البلاد تجربة ديمقراطية متميزة بعد أن عاشت مرحلة ديكتاتورية. لقد توافقت القوى المدبرة للانتقال على خارطة طريق استحضرت كأولوية أفق البناء الديمقراطي للبلاد ومتطلباته، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو فتح ملف ماضي الانتهاكات من أجل إرساء أسس نظام سياسي لا يسمح بتكرار مآسي الماضي وفظاعاته، ويرسم أفقًا وأملً لتقدم البلاد واندماجها في فضاء أوروبي متحول. ولم يتم البدء في التطرق لملف ماضي الانتهاكات إلا بعد أن استقر التحول الديمقراطي وبدأ الحديث عن الموضوع من زاوية بعده التاريخي والحفاظ على الذاكرة الجماعية8. أما في عددٍ من التجارب الأفريقية، فإنّ هشاشة التحول وصعوبة الأوضاع الداخلية قد جعلت الانتقال وليد هذه البيئة ومتأثرًا بها، كما أنّ الاستعانة بآلية العدالة الانتقالية خضع لتحديات هذا السياق. وهكذا، تم اعتماد نماذج من العدالة الجنائية الدولية أو المختلطة كما كان الحال في رواندا وسيراليون، مع انتقادات قوية رافقتها من حيث الوقع، مع اللجوء إلى إقامة لجانٍ للحقيقة ظلت حبيسة تحديات الانقسام الطائفي والإثني والاجتماعي القائم. لذلك، فإن هذا التوجه لم يستطع الحسم في نوعية الانتقال ومدى تأثيره في تغيير الواقع داخل كل بلد9. وفي لبنان، وصل عدد الأشخاص المختفين ما يتجاور سبع عشرة ألف، وبخاصة منذ الحرب الأهلية عام حالة اختفاء 1975، وذلك حسب جمعيات الأهالي ومنظمات حقوق الإنسان. وإذا كانت التوافقات السياسية المبرمة بين مختلف الفرقاء في الطائف وما بعده قد مكنت من فتح آمال في هذا الملف من خلال إقرار إحداث لجان تقص بقرار من البرلمان وأخرى بقرار من الحكومة، فإنّ أيًا من هذه اللجان لم تقدم تقريرًا حول عملها ومعوقات تقدمها. وحسب المنظمات الحقوقية، فإنّ مما لا شك فيه أنّ مختلف الفرقاء لا مصلحة لهم في فتح الملف والوقوف على حقيقة ما آل إليه مصير الآلاف من مواطنيهم نظرًا لما قد يسفر عنه التحقيق من مسؤوليةٍ جماعية محتملة حول ما وقع، إضافة إلى هشاشة الأوضاع، وإمكانية تورط أو توريط قوى سياسية محلية وإقليمية أساسية، وضعف مؤسسات الدولة في التحكم في الأوضاع الأمنية والعسكرية، والتخوف من إذكاء الصراعات والمواجهات مجددًا؛ وهي عوامل قد لا تخدم التقدّم في هذا الملف، ومن ثمّ قد تكون لها انعكاسات سلبية على الموقف من دينامية العدالة الانتقالية كلها، إن لم تجد أرضية لها بتوافق بين مختلف الفرقاء وأسر الضحايا وتأخذ في الحسبان تحديات المحيط والقوى المؤثرة فيه.

ويبدو واضحًا أنّ التجربة المغربية مكنت من التقدم في الملف الحقوقي من خلال الوقوف على حقيقة ما جرى، وكشف جل الحالات الفردية للانتهاكات في المجال، وجبر الضرر الفردي والجماعي، واعتماد توصيات جريئة في مجالات الإصلاح المطلوب دستوريًا وقانونيًا ومؤسساتيًا وغيرها. وقد استفادت التجربة المغربية من الحراك الديمقراطي الذي ارتبط بالحراك على مستوى المنطقة العربية، لكي تعطي لهذا البعد الأخير مكانة متميزة وتتويجًا في الوثيقة الدستورية المعتمدة عام 2011، والتي خصصت ثلث موادها لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. ولا بد هنا من الإشارة بإيجاز إلى اختيار التجربة

  1. El Habib Belkouch, Démocratisation et droits de l'homme au Maroc , rapport du cinquantenaire (Casablanca: éditions maghrébines, 2006). وانظر أيضًا: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة (المغرب: منشورات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، طبعة خاصة، 2007)؛ وندوة أسئلة العدالة الانتقالية بالمغرب (المغرب: مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية والمركز الدولي للعدالة الانتقالية،.)2008
  2. رودولفو مارتان فييا، وزير الداخلية في مرحلة الانتقال في إسبانيا، "الانتقال الديمقراطي الانتقال الديمقراطي بالمغرب على ضوء التجارب الدولية بإسبانيا"، في ندوة: (المغرب: مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية،.)2011
  3. Andrieu et Lauvau, chapitre “la justice face aux transitions”; Pierre Hazan, Juger la guerre, juger l'histoire (Paris : PUF, 2008), chapitre sur “la justice transitionnelle contre la justice pénale internationale.”

الإسبانية عدم الخوض بالكامل في هذا البعد، مع التركيز على ضرورة إنجاح الانتقال الديمقراطي بالأساس من دون فتح ملفات ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وقد جاء هذا الاختيار في إطار توافقٍ سياسي تاريخي بين مختلف الفرقاء السياسيين من كلا الطرفين اليساري والفرانكاوي (نسبة للجنرال فرانكو.) لقد أبانت التجارب الدولية التي حققت تقدمًا في مجال العدالة الانتقالية أنّ هذه المقاربة هي أعمق وأعقد من محاكمة بعض الجناة، على الرغم من ضرورتها، وفقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، والمرتبط بطبيعة الحال بالسياق السياسي وموازين القوى وتقديرات الفرقاء السياسيين المتعلق بكل تجربة وكل بلد.

سياق العدالة الانتقالية في المنطقة العربية ما بعد "الربيع" وتحدياتها

إذا كان السياق "الثوري"، كما أسلفنا، قد جعل المطلب على رأس جدول الأعمال، فإنه لا بد من أن نسجل غياب رؤية متكاملة إلى حد بعيدٍ للسياق والأبعاد والأطراف المرتبطة بالمشروع. إنّ السياق السياسي لم يستطع فرز بناء أرضية مشتركة بين الفرقاء الأساسيين الذين ساهموا في دينامية التغيير، ولم يقدروا بشكل دقيق خصوصيات المرحلة. وهذا ما جعل ممكنًا اللجوء إلى إعادة إنتاج ثقافة "الهيمنة" وسياستها من خلال الاستحواذ على السلطة أو محاولة الاستحواذ (كما جرى في مصر وتونس)، وفي ظل غياب أرضية مشتركة مؤطرة للفعل السياسي وتدبيره (الدستور.) وفي ظل هذه الأجواء، لم تتضح معالم مشروع العدالة الانتقالية والأهداف المتوخاة منه والمراحل التي سيغطيها، ومدى توافر إرادة سياسية ضامنة لتعاون الفرقاء المعنيين ومساهمتهم (مؤسسات الدولة وأحزاب وغيرها) في دعم هذه الدينامية10. لقد انعكست هذه الوضعية على مشروع العدالة الانتقالية إلى حد أنه توارى إلى الخلف في ظل تطور الأوضاع السياسية للبلد ودرجة الاحتقان والتوتر بين الفرقاء، كما حدث في التجربة المصرية، أو أنه قد جرت عرقلته جراء هذه الأوضاع؛ مما أعاق انطلاق عمله كما حدث في التجربة الوحيدة التي عرفت بعض التوافق وأحدثت هيئة مكلفة بالملف، وهي التجربة التونسية. ونعتقد أن الاستقالات من هيئة الحقيقة والكرامة والانتقادات الحادة الموجهة لها ولمدى استقلاليتها قد تضعف من مردودية الأداء وتعوق سيرورة المشروع11.

إنّ التجارب التي تتشارك في غياب أرضية متوافق بشأنها بين أهم الفرقاء السياسيين، يكون مآل مشروع العدالة الانتقالية فيها ميتًا كما هو الحال في اليمن أو ليبيا. إنّ الآلية لم تستطع أن تفرز نجاعتها نظرًا لغياب إرادة سياسية صريحة، ولطغيان الاستقطابات والتجاذبات، بشكل لا شك أنه كان سيؤدي إلى توظيف المقاربة في تصفية الحسابات مع الخصوم المباشرين أو التاريخيين، بدل تعزيز المشترك في البناء المطلوب سياسيًا. أما البلدان التي انهارت فيها الدولة (ليبيا) أو تم حل جل أجهزتها (العراق)12 أو أنها تشهد دمارًا وتناحرًا (سورية واليمن)، فسيكون من باب العبث الآن الحديث فيها عن تجربة العدالة الانتقالية. تعاني العدالة الانتقالية في المنطقة العربية مآل مشروع الانتقال الديمقراطي وإعاقاته، فضلً عن عدم وجود قوى داعمة له وراعية لديناميته الهادفة إلى إرساء قواعد دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية على أرضية توافقٍ سياسي ينتصر للبلد بدل الانتصار لطرفٍ ضد الآخر. ومتى نضجت الشروط المؤطرة لهذا الاختيار، وتوافرت إرادة سياسية لدى الدولة وأبرز الفرقاء الفاعلين على قاعدة أرضية مشتركة لتدبير الاختلاف وتدبير الانتقال، ستكون آنذاك دينامية العدالة الانتقالية ومقاربتها قادرة على الانخراط في تعزيز مسار البلاد من خلال مداخل

  1. الحبيب بلكوش، "الانتقال إلى الديمقراطية والحكم الرشيد"، في: ندوة التنمية
  2. لمزيد من التفاصيل انظر دراسة الحالة ضمن كتاب: Lauvau et.Andrieu 12 “ La Justice transitionnelle,” actes d'un colloque international organisé au Caire en Mai 2014 par l'Association égyptienne des juristes francophones.
  3. والديمقراطية وتطوير النظام الإقليمي العربي (القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان،.)2013

لمعالجة ماضي الانتهاكات كدعامة ورافد لتصحيح اختلالات الماضي وضمان عدم التكرار ضمن سيرورة وتراكم يحقق التحول المنشود.

إنّ تجارب العدالة الانتقالية في المنطقة العربية لم تنطلق بعد، ما عدا التجربة المغربية لهيئة الإنصاف والمصالحة التي تبلورت في سياق سياسي خاص. وفي اعتقادنا أنّ الشروط السياسية العامة السائدة في دول "الربيع الديمقراطي أو العربي" غير مساعدة ولا هي ملائمة للخوض الآن في الموضوع. إلا أنّ ذلك لا يعني أنها مشروع غير صالح أو غير ملائم، بل لا بد من أن يتم توفير الشروط الدنيا الحاملة لمشروع البناء الديمقراطي ومرافقته بشكل مكمل من قبل مقاربة ورؤى تسمح بفتح باب التساؤل والتفكير المشترك في مسار بناء الدولة الحديثة وتحقيق دولة القانون والمؤسسات، مع استخلاص الدروس من ممارسات ومآزق الماضي، عبر محاولة الجواب عن الأسئلة المحورية للعدالة الانتقالية: ماذا جرى في تاريخنا السياسي؟ ومن المسؤول (مؤسسات وفاعلون وسياق)؟ وما المطلوب لإعادة الاعتبار للضحايا؟ وما هي الإجراءات والإستراتيجية المطلوبة للحماية والوقاية من تكرار ما جرى (الإصلاحات المطلوبة.) إنها المداخل الأساسية لبلورة قاعدة مشروع مجتمعي يحمي الحقوق والحريات، ويصون الكرامة، ويحتكم لسيادة القانون والمؤسسات، ويربط المسؤولية بالمحاسبة. وتلك مهمات توجب رؤية لدى الدولة والفرقاء السياسيين والاجتماعيين وتهدف إلى تحقيق مصالحة على أرضية ما سبق من أسئلة، وتتوخى بناء المؤسسات وبناء الثقة في المؤسسات وتجعل المواطن محور الإصلاح وهدفه. ولا تعني المصالحة هنا، كما قد يتبادر إلى الذهن عمومًا، طمس الحقيقة وطي الصفحة من دون قراءتها، كما أنها لا تعني النسيان؛ لأنه لا بد من الحفاظ على الذاكرة بما يسمح من استخلاص الدروس لكي لا يتكرر ما جرى. ولا شك أنّ مسلسل بناء المصالحة له مداخل كثيرة منها السياسي، والقانوني، وإحداث آليات للحوار، وبناء الأرضية المشتركة بين الفرقاء، وإرساء مرتكزات مشروع مجتمعي مشترك يوجب الدفاع عنه من الجميع13. إنّ المصالحة من وجهة نظر العدالة الانتقالية مسلسل ووسيلة وهدف، يتم بناؤها بالتدرج في أفق واسع يحتضنه المجتمع بمكوناته كافة ويبني الثقة ويبعث الأمل والإطمئنان لدى المواطن. لقد ركز الرئيس التشيلي باتريسيو أيلوين على ما اعتبره حدًا أدنى لإنجاح المصالحة حين قُدِّم له التقرير النهائي للجنة الحقيقة على هذا النحو: "إنّ المشكلة العويصة لانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم البشعة الأخرى التي أودت بحياة العديد من الضحايا، وتسببت في الكثير من الآلام في الماضي ما زالت قائمة. إنها جرح مفتوح في روحنا الوطنية لا يمكن أبدًا أن نتجاهله، كما لا يمكن التئامه بالنسيان فقط. أن نغمض أعيننا وأن ندعي بأنّ كل ذلك لم يحدث أبدًا يعني أن نترك في صميم مجتمعنا مصدرًا للألم والفتنة والكراهية والعنف. لا يمكن لأي شيء غير الكشف عن الحقيقة والسعي وراء الإنصاف أن يخلق الأجواء المعنوية التي يمكن للمصالحة والسلم الازدهار في كنفها"14. وذلك مسار يتطلب نخبًا سياسية قادرة على تملك مفاتيحه، وتقاسم مسالكه مع باقي الفرقاء، وخلق الدينامية المجتمعية المحتضنة له وللآمال التي يخلقها بما يضمن الحرية والكرامة.