النزعة التحرّرية في الوطن العربي

الحسين أخدوش

الملخّص

ظل الاستبداد والحكم "الأوليغارشي"، في المستوى السياسي المحض، السمة البارزة والطاغية على الدول العربية كافة، حتى كادت هذه السلطوية أن تخنق المواطن العربي. وفي ظل هذا الوضع، نطرح التساؤل حول إن كان بإمكان النزعة التحررّية أن تصبح أفق إصّحاا شامل لثقافة شعوب هذه الدول في ظل ما تشهده الساحة العربية من توترات سياسية ودينية طائفية مختلفة. لا شك في أن البحث عن جواب نهائي لهذا السؤال يعد مسألة صعبة، بل مهمة محفوفة بالمخاطر ومنزلقات الاختزال الشنيع أو التعميم السلبي. حاا في الدول العربية بشكل عام، والمنظور التحرّري "الليبرالي فالربط بين فكرة الإص" المستورد من السياقات الثقافية الأخرى المغايرة، ليس سوى فرضية غير مضمونة النتائج في ظلً سياق ثقافي وتاريخي واجتماعي مخالف أصلا للتربة والثقافة التي نشأت فيها النزعة التحرّرية الغربية، وندعو إلى ضرورة بلورة وعي جديد بمفهوم الحرية يكون خاصًا بثقافتنا وفي الوقت نفسه لا يقطعنا عن زمن الحضارة المعاصرة، بحيث يقدر على صوغ تصوّرنا الخاص للتحرّر من النزعة الماضوية والتقليد الفج للغرب.

مقدمة

يُجمع الدارسون والمفكرون على عمق الإشكاليات التنموية والسياسية والاقتصادية التي تتخبط فيها المجتمعات العربية، بالنظر إلى تراكمات سلبية ثقافية وتاريخية وسياسية، منذ قيام ما يسمى بالدولة الوطنية القُطرية بعد فترة الاستعمار وحتى الآن؛ فقد سبّبت اختلالات هيكلية مزمنة في الحكم والتنمية والحكامة الجيّدة، وأدت إلى ضعف التقدم المثمر لشعوب هذه الدول، حتى أصبحت آلية الإصلاح من داخل الدولة الموروثة عن المستعمر غير مجدية في كثير من الحالات. لقد فشلت جميع المشاريع والمحاولات الإصلاحية الأولى، مثل محاولة محمد علي والنماذج القومية البعثية والناصرية، في فرز نمطٍ ناجح للدولة الوطنية القادرة على أن تنهض برفع تحدي بناء مجتمع سياسي ديمقراطي تنموي قادر على حفظ كرامة الشعوب العربية من الهشاشة والفقر والأمية. فباستثناء الدول النفطية الغنية بمال النفط، تعيش أغلبية المجتمعات العربية الأخرى في اختلال مزمن وفقر مدقع، داليّن على فشل مشاريع التحديث المجتمعي للدولة الوطنية. أما في المستوى السياسي المحض، فقد ظلّ الاستبداد والحكم "الأوليغارشي" السمة البارزة والطاغية على هذه الدول كافة، حتى كادت هذه السلطوية أن تخنق المواطن العربي. وفي ظلّ هذا الوضع، نطرح التساؤل من جديد حول إن كان بإمكان النزعة التحررّية أن تصبح أفق إصلاح شامل لثقافة شعوب هذه الدول في ظلّ ما تشهده الساحة العربية من توترات سياسية ودينية طائفية مختلفة. لا شكّ في أن البحث عن جواب نهائي لهذا السؤال يعدّ مسألة صعبة، بل مهمة محفوفة بالمخاطر ومنزلقات الاختزال الشنيع أو التعميم السلبي. فالربط بين فكرة الإصلاح في الدول العربية بشكل عام، والمنظور التحرّري "الليبرالي" المستورد من السياقات الثقافية الأخرى المغايرة، ليس سوى فرضية غير مضمونة النتائج في ظلّ سياق ثقافي وتاريخي واجتماعي مخالف أصلً للتربة والثقافة التي نشأت فيها النزعة التحرّرية الغربية. وفي المقابل، هناك أكثر من سبب يدعو المتأمل في أحوال الثقافة العربية إلى أن يركب مغامرة الوصفة التحرّرية، على الأقل في الإطار النظري المحض، حتى إن كان مستوى الممارسة والواقع المحكيّن الحقيقيين للتأكد من مثل هذه الفرضيات المسبقة. سنحاول في هذه الورقة اختبار إلى أي مدى تصلح الفرضية التحرّرية كوصفة نظرية للنهوض بأوضاع الشعوب العربية من تخلفها السياسي والحضاري الراهن. وندعو إلى ضرورة بلورة وعي جديد بمفهوم الحرية يكون خاصًا بثقافتنا وفي الوقت نفسه لا يقطعنا عن زمن الحضارة المعاصرة، بحيث يقدر على صوغ تصوّرنا الخاص للتحرّر من النزعة الماضوية والتقليد الفج للغرب. ولما غدت مجتمعاتنا العربية في واقع متخلف، كان لزامًا الثورة عليه وتغييره مهما كان الثمن باهظًا، كحال الثورتين: الليبية والسورية، غير أنّه كان من المفروض أن يصاحب هذا الثمن من أجل التغيير الديمقراطي، وعي كافٍ بمعرفة ما يجب فعله أو سلوكه من أفعال مدنية وسياسية عقلانية وديمقراطية، تتماشى مع روح العصر القائمة على المساواة، واحترام حقوق الإنسان، والحق في الاختلاف والتعبير الحر.ّ كان يعوز الانتفاضات الشعبية العربية جرعات قوية من الفكر التحرّري1 الذي كان سيمثّل بالنسبة إليها الترياق الضروري لنجاحها، لولا غلبة المنزع الثوري الشعبوي ذي الميول الدينية والنزعة الإرادوية العمياء في التغيير السريع، على حساب الوعي المسؤول عن إحداث التغيير الحقيقي الرصين، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة؛ وذلك نتيجة لتراجع الفكر التحرري في معظم الأحيان. وتكمن إشكالية البحث في أن التطلعات التي حملها الحراك الشعبي العربي لتحقيق شعوب المنطقة آمالها العريضة في الحرية والكرامة، وحلمها في التحرّر والانعتاق من الفساد والاستبداد، قد أعادت إلى الواجهة أهمية "الطرح الليبرالي" بوصفه عنوانًا للتخلّص من القيود التسلطية، وتحقيق ثالوث الربيع العربي المتمثل ب: الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة. وعلى الرغم من كل تلك التطلعات، ظلت الشعارات المرفوعة التي شكّلت غطاء الثورة فاقدة الأثر الملموس، ولم يتمخّض عنها سوى الفراغ والقلاقل الأمنية، وظهور التيارات الأصولية المجاهدة والمسيّسة، وعودة السلطوية المستبدة من جديد. وهكذا بقيت الأمور على حالها تراوح ما بين إرادة التحرّر السياسي

  1. نستعمل في هذه الورقة البحثية مفهوم الفكر التحرّري في مقابل ما اصطلح عليه في الفكر الغربي الحديث libéralisme Le، وهو منزع فكري أيديولوجي يرى في الفرد تجريدًا للإنسان بصفته ذاتًا حرّة مستقلة واعية لها حقوق طبيعية أساسية (مثل حق الحياة وحق الملكية)، وحقوق مدنية، (الحرية المدنية وحرية التفكير والاعتقاد)، يجب على السلطات السياسية والمدنية صيانتها والحفاظ عليها من الانتهاك من أي كان من دون موجب قانوني متفق عليه في إطار التشريع الديمقراطي للقوانين. وإذ ننطلق من هذا السياق الفكري والثقافي الغربي لتحديد معنى التحرّرية، فإنّنا أيضًا نستحضر، بقوة، الدعوى الأيديولوجية التي كان التيار التحرّري العربي الكلاسيكي- نقصد هنا الليبرالية العربية في فكر سلامة موسى، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيّد، وطه حسين - يصدح بها، وتقضي بجعل المنزع الليبرالي طريقة في صناعة العقل المتحرّر القادر على الإبداع، من طريق التعامل الحرّ مع الواقع المتجدّد. لذا فالفكر التحرّري كما رسخ في الأذهان سواء في التقليد الغربي أو في فكر بعض مثقفي العرب الكلاسيكيين هو هذا التفكير النزّاع نحو التحرّر من التقليد والسلفية الجامدة ومن مختلف السلطات التي لا تستند إلى العقل والعلم والتفكير الحرّ. إنه تفكير يضاد التيار السلفي المحافظ التقليدي الذي غالبًا ما يركن إلى سلطة التقاليد والجمود على الأطر الفكرية الماضية التي تجاوزها العلم والعقل الحديثان. انظر في شأن هذا الموضوع: رفعت السعيد، الليبرالية المصرية: المثقفون وحزب الوفد (دمشق: دار الأهالي،.)2003

والثقافي المنشود، وهيمنة النزعة المحافظة الماضوية القاتلة والطغيان السياسي. فما دلالة هذه المفارقة التاريخية والثقافية؟ يصعب فهم هذه المفارقة واستيعابها ما لم نعد إلى تمثّل ما يمكن أن نطلق عليه "أزمة الوعي الثقافي العربي." تلك الأزمة التي تتجسّد في التفاوت حدّ التناقض بين ما نريده ونسعى لتحقيقه بصفتنا شعوبًا واعية بتخلفها وتراجعها، وبين ما لا نستطيع التضحية به من أوهام وتهيؤات خيالية حول مجموعة من الحقائق التاريخية والدينية، باعتبارها جملة من المكبوتات الجماعية التي غالبًا ما ترسم لنا صورًا مزيفة عن الماضي، كأنموذج مثالي يجب أن نبقى مشدودين إليه دومًا وإلى الأبد. انطلاقًا من هذه المفارقة، سوف نحاول بحث الفرضية القائلة إن الوعي الماضوي السلفي، بوصفه تجسيدًا لذاكرة جماعية تأبى نسيان الماضي والقطيعة مع السيء فيه، ظلّ دائمًا القوة الارتكاسية الأولى المسؤولة عن مراوحة التغيير السياسي والثقافي والاقتصادي مكانه في ثقافتنا العربية، الأمر الذي جعلها مخزونًا قيميًا وأيديولوجيًا للسلطوية الطاغية على كل الجوانب الاجتماعية المدنية العربية، ومن ثمّ الانحطاط والتراجع في كلّ مؤشرات تقدّم الأمم الحديثة. كما أن القول باستنساخ التجارب التحرّرية لثقافات الشعوب الأخرى، خاصة الغربية، يعد رهانًا خاسرًا؛ لاستحالته وعدم توافقه مع منطق التطور التاريخي لثقافات باقي الشعوب وعلى رأسها العربية.

ولاختبار هذه الفرضية، نقترح التعبير عنها بالتساؤلات التالية: كيف يمكن لثقافةٍ أسرفت في تشرّب الماضي أن تتحرّر من استلابه، فتتملّك حسًّا تاريخيًا نقديًا جديدًا تجاه حاضرها ومستقبلها وماضيها؟ بصيغة أخرى: كيف يمكن لفكر تحرّري عربي إسلامي جديد أن يقوم بانتشال ثقافتنا التي أمعنت في إذلال نفسها بأوهام التاريخ والماضي حتى اغتربت عن نفسها وزمانها من فرط تسلّفها حدّ التخمة؟ ما هي طبيعة هذه النزعة التحريرية الجديدة وملامحها، التي يمكن أن نتخذها أفقًا إصلاحيًا جديدًا لما بعد أحداث الربيع العربي؟ قبل الشروع في مناقشة هذه الإشكالية، نود التذكير بأهمية المساهمات الفكرية النقدية لبعض المفكرين التحرّريين السابقين الذين عملوا على غرس بذور الفكر الحرّ في الثقافة السياسية العربية، على الرغم من الرفض الذي لقيه فكرهم الحرّ في ثقافتنا الكلاسيكية من طرف قوى الماضي وعبّاد الزمن الغابر، وتحديدًا من قبل المتسلّفين الذين يعتقدون جهلً أن مستقبل ثقافتنا العربية يوجد في ماضيها وليس في مستقبلها، جريًا منهم وراء أوهام الذاكرة الجماعية المريضة. وقد أرسى الفكر التحرّري في المشرق العربي في البداية كل من: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وسلامة موسى، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين. ثم جاء من بعدهم محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وآخرون. لقد شكّل هؤلاء المفكرون التحرّريون2 بعضًا من ملامح الانفتاح والتحرّر في القرنين السابقين في ثقافتنا العربية الإسلامية، لكن تشجيع هؤلاء الرواد سرعان ما بدأ في الانحسار والانكسار، بسبب تراجع الحماسة والنزوع التحرّري في ثقافتنا، ومباشرة نقد العقل العربي الأيديولوجيا العربية المعاصرة لنفسه من خلال مؤلفات منها: لعبد الله العروي، و بنية العقل العربي لمحمد عابد الجابري، وكلاهما استطاع أن يفتح ثغرة في الخطاب الماركسي العقيم، وأكد أنّ الثقافة العربية تستعصي على القراءة الاختزالية للفرضيات الماركسية المسبّقة التي لا تستطيع أن تنفذ إلى عمق هذه الثقافة التقليدية؛ لعماها الأيديولوجي وفقدانها، في غالب الأحيان، الحسّ التاريخي الضروري لمساءلة البنى الدينية والسياسية لهذه الثقافة المتحجّرة. وفي مقابل تراجع هذا النقد التحرّري، بدأ الخطاب الأصولي3 يتلمّس طريقه ليكتسح الساحات العمومية لأسباب تاريخية واضحة، تَ ثّل بعضها بانحسار الزخم الأيديولوجي لليسار بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، إضافة إلى بروز النزوع الهوّياتي الديني بصفته ردّ فعل على الهجمة القيمية لليبرالية الأميركية المعولمة التي أصبحت تهدّد

  1. نعمد هنا إلى إقحام بعض المفكرين العرب المعاصرين في دائرة التحرّريين، أمثال: محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي على الرغم من انتقاداتهما المنهجية للمنزع التحرّري لدى مفكري الليبرالية العربية الكلاسيكية، وذلك اقتناعًا منّا بأنّ تصوراتهما ونظرياتهما في النهوض الثقافي والحضاري للثقافة العربية إنّ ا تسعى لتحرير العقل العربي من التقليد والجمود اللذين سيطرا عليه منذ قرون؛ نتيجة سيطرة الوعي السلفي القاضي بأفضلية الماضي على الحاضر والمستقبل. ولذلك، لا نرى مانعًا من تصنيف الجابري والعروي وغيرهما من المثقفين المستنيرين، أمثال: محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وصادق جلال العظم، من رواد التحرّرية العربية المستنيرة في شكلها المعاصر غير الدوغمائي القائم على قبول تعدّدية الآراء.
  2. نود توضيح هذا المفهوم الملتبس بأنّنا لا نقصد به هنا الخطاب الديني حصرًا، وإنّ ا نستعمله لوصف حالة تفكير عام ترتكن إلى عدّ الأصول الفكرية والثقافية والسياسية والعقدية الماضية للثقافة العربية، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، من أعراف وتقاليد ولاشعور جمعي، منزّهة عن النقد والتفكيك والتجاوز، تمامًا كما هو الحال بالنسبة إلى الأصولية السياسية المحافظة المستبدّة التي ترى الممارسة السياسية وراثة عائلية أو شأنًا قبليًا أو طائفيًا، كما جرت عليه تقاليد الماضي.

قلاع المحافظين والأصوليين في عقر ديارهم من طريق الاقتصاد وقيم الاستهلاك. وإلى جانب هذين السببين، عملت الأنظمة السياسيّة "الرّجعيّة المحافظة"4 في مختلف الدول العربية على تشجيع الظاهرة الأصولية لمحاصرة القوى التقدّمية المطالبة بالتّغيير والديمقراطية الحقيقية، وتحوّلت بعض الأنظمة الثورية القائمة على الأيديولوجية القومية الاشتراكية5 إلى الارتداد نحو السلطويّة والشموليّة والكليانية، منقلبة على مبادئها التقدّمية والديمقراطية في أغلب الأحيان. ونتيجة لهذه الأسباب وغيرها، انحسرت بعض القيّم التحرّرية التي ظهرت مباشرة بعد الاستعمار الغربي، فاسحة المجال لانتشار الاشتراكيّة الشعبويّة6، ثم تراجع الطرح اللّيبرالي التحرّري، فصاحب تراجعه تصاعد متزايد في المدّ السياسيّ لحركات الإسلام السياسي ذي المنزع المتطرّف والمتشدّد الرافض للانفتاح والحوار، في بعض الأحيان، مم عجّل بإقصاء قيّم التحرّر والتسامح والاختلاف وتقبّل الفكر المختلف. ولهذا، فإنّ الحديث من جديد عن نزعة تحرّرية للثقافة العربية، بصفتها تيارًا فكريًّا إصلاحيًا لدعم مسار ثورات الربيع الديمقراطي العربي، غدا اليوم شأنًا ضروريًا يحتّم على المثقف الملتزم قضايا مجتمعه أن يضطلع بتحليله ونقده أكثر من أيّ وقت مضى؛ إذ إنّ حاجة الانتفاضات الشعبيّة العربية الأخيرة إلى ثورة فكرية تحرّرية موازية أصبحت أمرًا لا يجادل فيه إلا مكابر عنيد. وبناء عليه، فالتوجيه التحرّري الديمقراطي لحركات التغيير السلمي في ربوع أقطارنا العربية، قد بات مسألة حاسمة لنجاح أي مشروع مجتمعي يبتغي دمقرطة هذه الشعوب سواء في مستوى حياتها السياسية الخاصة أو على الصعيد الثقافي الروحي بشكل عام؛ وذلك لما لهذه الخطوة من تأثير كبير وإيجابيّ على البنى الذّهنية والنفسية والاجتماعية لهذه الشعوب المنهكة. إنّ التّغيير الديمقراطي لا يتأتّ فقط من خلال استبدال دساتير الدول وتغيير رؤوس الأنظمة الحاكمة؛ بل إنّه يتجاوز كثيرًا هذا المستوى الرسمي إلى اختراق البنى النفسية والثقافيّة الشعبيّة لهذه الشعوب بهدف نقدها وتفكيكها وتجاوز السلبي والسيء منها، بما يجعلها تتلمّس معنى السلوك الديمقراطي التحرّري في ذهنيتها أوّلً ثم في واقعها المعيشي بعد ذلك. غير أنّه لا يمكن لمثل هذه المهمة أن يضطلع بها رجل السياسة وحده، بل لا بدّ من مساهمة المثقّف والفنان وحتى رجل الدين الفقيه المتنوّر فيها، كلّ بحسب موقعه ومجال اشتغاله. ويعني هذا أن تحقيق تغيير ديمقراطي حقيقي في واقع الشعوب العربية، قد أصبح يتوقف على قيام فلسفة تحرّرية خاصة بثقافتنا العربية المشتركة وبمجالها التداولي، تستطيع أن تبلور أنموذجًا فكريًا روحيًا ينهض بزمنها الثّقافي الموصوف حاليًا بالرداءة والتخلّف، إلى أفق حضاري جديد عقلانيّ ليبرالي تحرّري، من دون الانسلاخ التّام عن الخصوصية الثقافية والروحية لهذه الشعوب. وهكذا ستغدو النزعة التحرّرية في غاية الأهمّية بالنسبة إلى ثقافة تريد أن تتلمّس طريقها نحو التجديد والانعتاق من ربقة التخلّف، كما هو شأن ثقافتنا العربيّة في وضعها الراهن. ومن أجل فهمٍ جيّد لمنطق هذه التحرّرية، يلزمنا أن نستعيد، ولو على سبيل الاعتبار والاستئناس، سياق تشكّلها الأوّل في ثقافتها الأصلية في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ إذ كانت الظروف التاريخية مشابهة نوعًا ما لما عليه اليوم زمننا الثقافي العربي؛ لهذا نقترح أن نذكّر بهذا السياق التاريخي الغربي أوّلً قبل الشروع في تناولها، أي التحرّرية، في سياقنا العربي.

أولا: سياق تشك ل النزعة التحرّرية الغربية (الليبرالية)

إذا كانت النزعة التحرّرية وصفة ناجحة للإقلاع الحضاري والثقافي لأوروبا خلال القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر، إذ ساهم تشجيع فلاسفة الأنوار ومنظّري الاقتصاد السياسي اللّيبرالي في بلورة ثقافة سياسية واجتماعية تحرّرية، فإنّها استطاعت في النهاية أن تنتشل

  1. نستعمل مفهوم "الأنظمة السياسية الرجعية المحافظة" لوصف حال بعض الأنظمة السياسية العربية المنغلقة على نفسها والجامدة التي لا تقبل التغيير والانفتاح على بعض الأسس الديمقراطية الضرورية لاستمرار الحياة السياسية وتطورها وفق منطق تطور وعي شعوبها سواء على مستوى التداول السلمي في الحكم وتقسيم السلطة، أو ما يتصل بإقرار مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد الذي يحترم حقوق المواطنين في النقد والاحتجاج السلمي على القرارات المجحفة ويضمنها.
  2. نقصد هنا الأنموذجين: الناصري في مصر والبعثي في كلّ من العراق وسورية. ونحن نوردهما مثالين معبّ ين عمّ أشرنا إليه آنفًا، إلاّ أنّنا نقصد من وراء ذلك بالتحديد انسداد أفقهما السياسي وما جلبه من ويلات.
  3. نقصد بالاشتراكية الشعبوية تلك التيارات الشيوعية الراديكالية ذات الرؤى الطوباوية التي تقفز على حقائق الواقع والتاريخ، متعمّدة إسقاط قراءات دوغمائية على واقع الشعوب العربية إسقاطًا، متجاهلة بذلك معطيات ثقافية وتاريخية راسخة في البنى الثقافية لهذه الشعوب، تحتاج إلى ليونة ومرونة في التعاطي معها.

مواطني هذه الدول وشعوبها من سلبية التقليد، وثقافة الإقطاع والتسلّط التي كان عليها الغرب قبل الثورتين السياسيتين الشهيرتين الفرنسية والأميركية. وفي هذا الإطار، كان الفيلسوف الإنكليزي جون لوك7 من أوائل الذين وضعوا، في أواخر القرن السابع عشر، مفهوم الفرد في رتبة الشخص الحرّ الحائز حقوقه الأساسية المتمثلة ب: الحرية، والملكية الخاصة، والأمن، محمّلً بذلك الحكومة المدنية الشرعية مسؤولية حفظ هذه الحقوق لجميع أفرادها ومواطنيها من دون تمييز بينهم8. وقد مثّل المفهوم الذي وضعه جون لوك نواة تأسيس فكرة مشروعية السلطة السياسية (الدولة) على مبدأ حماية الحقوق الفردية للمواطنين، وطورها في ما بعد كلّ من جان جاك روسو ومونتسكيو حينما أضافا إليها مبدأ العدالة السياسية وفصل السلطات؛ ليكتمل بذلك رفض الطابع الشمولي الاستبدادي للأنظمة الملكية المطلقة التي كانت سائدة في أوروبا في تلك الفترة9. هكذا قامت النزعة التحرّرية الغربية أساسًا، سواء في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد، على تأكيد فكرة تحرّر الفرد ثم المجتمع كله من السلطويّة والاستبداد اللذين كانا يجثمان على صدور المجتمعات الغربية في الفترة التي سبقت عصر الأنوار؛ لذلك ربط منظرو الثورة الفرنسية، في ما بعد، بين فكرة المساواة وتحقيق الحقوق الفردية وصيانتها داخل المجتمع الحديث10. ولقد مثّل عصر الإصلاح والتجديد في فرنسا فترة انتعاش ثقافيّ وسياسيّ لهذه الفكرة؛ إذ كانت النزعة التحرّرية هاجس المثقّفين والسياسيين الرافضين عودة الملكية المطلقة التي ينادي بها أنصارها المتعصّبون11. أما في بريطانيا، فقد طغى النزوع التحرّري الاقتصادي المدافع أساسًا عن تحرير السوق، ونشر مبادئ الاقتصاد الحرّ وإشاعته حتى خارج الحدود الوطنية. وهذا ما نجم عنه في النهاية ظهور نظريات اقتصادية نفعية وتطورية، استثمرت كثيرًا أفكار الفلاسفة وعلماء الاقتصاد اللّيبراليين أمثال: ديفيد هيوم، وآدام سميث، ثم جيريمي بوتنام، وج. ستيوارت ميل، وهربرت سبينسر12.

ومن هنا يتضح أن النزعة التحرّرية في أوروبا الحديثة لم تكن وليدة المصادفة، بل كانت تتويجًا للمسار التحديثي الذي دشنته أفكار الفلاسفة العقلانيين في منتصف القرن السابع عشر، ومنهم: ديكارت الذي قام بدور حاسم في تأسيس مفهوم الفرد تأسيسًا فلسفيًا، أخرجه من دائرة البحث والإشكال إلى دائرة المفهومية، فوضع مفهوم "الذات المفكرة" pensant(sujet Le) المستقلّة والمكتفية بذاتها13. استند تأسيس هوية الفرد الحرّ الحديث، بحسب هذه الرؤية الفلسفية، إلى خاصية التفكير وحدها، لذلك جاز القول إنّ الفرد الإنساني عبارة عن ذات قائمة بالفكر والعقل لا بالجسد والحواس، لإفساح المجال أمام تمثّل الذاتية الإنسانية على أنّها وعي مستقل حر،ّ وهذا ما مهد في القرن الثامن عشر للحديث عن قيمة الفرد الإنساني بما هو غاية في حدّ ذاته، وهذا ما استعاد عصر الأنوار النقاش فيه، وعزز مركزية الإنسان في الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. لخص الفيلسوف الألماني كانط هذا التصور عن قيمة الإنسان في مقولته الشهيرة: "اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي غيرك على أنّها غاية، ولا تعاملها أبدًا على أنّها مجرد وسيلة"14. وتلك إشارة إلى ضرورة أن يحترم كل واحد منّا هذه الكرامة في شخصه أولً، ثم بعد ذلك في غيره، ممّ يلزم البشر أن يجتنبوا ميولهم وغرائزهم البدائية التي غالبًا ما تدفعهم إلى التعامل مع الآخرين كوسائل لا غايات.

  1. في الحكم المدني جون لوك،، ماجد فخري (مترجم)، (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959)، ص.197
  2. تعود المبادئ الأولى لليبرالية إلى رسالة جون لوك حول ما يسميه "الحكومة المدنية" عام 1690، وتحديدًا المبدأ الذي عرض من خلاله أن مشروعية "قيام حكومة مدنية" تستند إلى مبدأ حفظ أمن الناس وسلامتهم؛ إذ أبرز أن المجتمع المدني أو "الجسم السياسي" إنما يقوم من طريق حكومة مدنية منبثقة من اتفاق الناس حول سيادة إرادتهم الممثلة بحكومة منتخبة أو معينة من طرف ممثليهم وحاكمهم. ويُعدّ هذا المفكر الإنكليزي المؤسس الأوّل لليبرالية بصفتها فلسفة مستقلة؛ إذ كان ينادي بأنّ للفرد حقًّا طبيعيًا في الحياة والحرية، والملكية الخاصة. فوفقًا لنظرية العقد الاجتماعي، فإنه يتعين على أي حكومة ألا تضطهد أيًا من هذه الحقوق الطبيعية التي يحق للفرد التمتّع بها في مجتمعه المدني.
  3. 12  Ibid.
  4. Encyclopædia universalis : Dictionnaire des idée  (Paris: France S.A, 2005), p. 463
  5. Ibid.
  6. 9  Elisabeth Clément et al., La philosophie de A à Z (Paris: Hatier, 2000), p. 258.
  7. Rene' Descartes, Méditations métaphysiques; Deuxième méditation (Paris: Presses universitaires, 1970).
  8. Emmanuel Kant , Fondement de la métaphysique des mœurs , V. Delbos (Trans.), (Paris: Ed. Gallimard, 1987), pp. 294 - 295.

استعاد الفكر الأخلاقي والسياسي المعاصر في أوروبا أهمّية تحرير الإنسان الفرد من مختلف أشكال الاستلاب: الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية؛ فكان ذلك مدخلً تحرّريًا لنقد الأيديولوجيات الشمولية التي اجتاحت أوروبا أوائل القرن العشرين متسببة في حربين عالميتين مدمرتين. وفي هذا السياق، ظهرت الرؤية الشخصانية للمواطن الفرد مع الفيلسوف الشخصاني مونييه الذي أكّد قيمة الإنسان على أساس ما يمثّله من روح داخلية intérieur()L'esprit يشكّلها في ذاته ووجوده الخاص. وبحسب هذا المنظور، يعد الفرد عالمًا داخليًا مطلقًا لا يجوز اختزاله أو تشييؤه. وبناءً عليه، فإنّ الإنسان لا يمكن لأي وصف أن يشمله أو أن يقدّم عنه فكرة نهائية، وهذا ما ترتّب عليه في النهاية أن اعتبرت قيمة الإنسان قيمة مطلقة غير مشروطة absolue()Valeur15. ثم أضيفت إلى هذه الرؤية التحرّرية للفلسفة الشخصانية، رؤية الفيلسوف الوجودي المعاصر جون بول سارتر القاضية بأن الإنسان كائن محكوم عليه بالحرية ما دام أنّه بمجرّد ما يلقى به في هذا العالم يصبح مسؤولً عمّ يفعل16. ولما كان الأمر كذلك، فقد ذهبت هذه الرؤية الجديدة إلى أنّ أخص خاصية تلحق بوجود البشر هي الحرية، أي تلك الخاصية الوجودية التي نتخطى بفضلها الصعاب في حياتنا، والتي ننتج بفضلها ذواتنا ووجودنا البشري باستمرار. ويمتلك الكائن البشري على ضوء هذا التصور الوجودي حرية مطلقة، وبمقتضى ذلك تقع عليه المسؤولية التامة في كلّ ما يختاره من ممكنات وجودية، سواء أمام ذاته أم أمام الإنسانية جمعاء17. وبهذه الطريقة مثّل سارتر الموقف المناكف عن الإرادة الحرّة للفرد أيّ ا تمثيل، وتوّج مسارًا طويلً من النضال ضد مختلف أشكال السلب التي تنزع عن الإنسان حريته وإرادته لمصلحة قوى غيبية وتاريخية مجحفة. وبعد أن كانت إرادة الإنسان مرتبطة لدى فلاسفة الحداثة باستقلالية الإنسان في تحديد أسس أفعاله وغاياتها من أجل التصدي لكل اتجاه يرى فيها تابعًا لإرادة أخرى غيرها، قام سارتر بتجذير هذه الإرادة فجعلها مستقلّة عن مختلف القوى التي تحوم حول الفرد سواء أكانت اجتماعية أم ثقافية أم سياسية أم اقتصادية أم حضارية18. إنّنا نروم من خلال ذكر هذا السياق النظري الغربي للنزعة التحرّرية، أن نبرز أهمية البناء النظري الفكري لأيّ منظور فكري عربي يريد أن يبني أنموذجًا للتحرّر الثقافي من أسر الماضوية والتقليد والسلطوية السياسية المستبدة. ولهذا نرى أن التحرّرية فلسفة في الوجود الفردي أولً قبل أن تكون مسألة سياسية، وهي بهذا المعنى، تعد من محصلّات المشروع الفكري الحداثي الغربي الذي يجب علينا أن نستوعب شروطه التاريخية لا تقليده؛ لأن سياقنا الثقافي العربي ليس مماثلً لسياق الثقافة الأوروبية التي تبلورت فيها النزعة التحرّرية بشكلها المنفصل عن الأديان والعقائد السماوية19. لذلك، لا ندعو إلى نسخ المشاريع الغربية للتحرّرية نسخًا مقلّدًا، بقدر ما نقصد الاستئناس بالتجربة الفلسفية للغرب، ومحاولة تأسيس أدوات منهجية ونقدية أصيلة قريبة من مجالنا التداولي، ومنفتحة على المشترك الكوني للحداثة الكونية دون عُقد ومن دون شعور بالنقص. لكن قبل التعرّض لأهمية تأسيس منظور فكري تحرّري جديد لثقافتنا العربية، لا بأس في أن نعيد التذكير بتلك الدعوات الفكرية للتحرّرية في الثقافة العربية الحديثة، وما يعاب عليها في مأزقها الاختزالي.

ثانيًا: مأزق النزعة التحرّرية في ثقافتنا العربية الحديثة

إذا كانت التحرّرية الغربية قد بدأت في القرن السابع عشر الميلادي، كما ذكرنا آنفًا، أو خلال ما يُعرف بعصر الأنوار Siècle(lumieres des)؛ فقد نتج من ذلك تشكّل فكر التنوير أو الأنوار بوصفه تيّارًا فلسفيًا أدبيًا وسياسيًا مستقلً سرعان ما شاع وانتشر بين الفلاسفة والأدباء وعلماء الاقتصاد في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، معترضًا على الأفكار البالية الشائعة في العصور الوسطى، وبداية العصر الحديث، مثل: سيادة التقاليد الموروثة عن القرون القديمة، وتدّين الدولة واستبدادها. ثم ظهر نقد الملَكِية المطلقة وفكرة الحق الإلهي، وذلك لمصلحة سيادة الحرية والمساواة، والقانون والديمقراطية وحرية الاعتقاد والسوق. كما رفض المثقفون والكتّاب الأنواريون وجميع نخب المجتمع آنذاك، الماضي، بعد أن اعتنقوا الفكر التحرّري المستنير بالعلم والفلسفة

  1. Emmanuel Mounnier, Le personnalisme (Paris: Presses universitaires, 7thedn., 1960), p. 9, at: http://bit.ly/20tfqMs
  2. الوجودية منزع إنساني ج. ب. سارتر،، محمد نجيب عبد المولى وزهير المدنيني (مترجمان)، (تونس: دار محمد علي للنشر، 2012)، ص .43
  3. المرجع نفسه، ص 35-34.
  4. الاتجاه الفوضوي في فلسفة سارتر عبد الحي أزرقان، (الرباط: منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف ودار الأمان، 2012)، ص.363
  5. لا ندعو إلى تقليد المنحى الغربي في التحرّر الفكري والعقلي، وذلك لأنّنا نؤمن أشد الإيمان بأن لكلّ ثقافة سياقها التداولي الذي تنطلق منه لمقاربة إشكالاتها الثقافية والسياسية والأخلاقية والحضارية. في مقابل ذلك، لا نفضل الانغلاق وعدم الاطلاع على تجارب الشعوب والثقافات الأخرى خاصة المتطورة؛ لأن ذلك يعد انغلاقًا على الذات وعدم إمكانية الاستفادة من الآخر. ومن هذا المنطلق نطرح موضوع النزوع التحرّري للنقاش والحوار والتأمل.

العقلانية الجديدة. أمّا الدعوة إلى مثل تلك القيّم الجديدة في سياق ثقافتنا العربية والإسلامية، فقد شهدت تأخرًا كبيرًا مقارنة بالغرب نظرًا إلى الظروف التاريخية والثقافية التي سادت في بلداننا في تلك الفترة الممثّلة لعصور انحطاطنا. ولم تظهر الدعوة إلى المذهب التحرّري لدى العرب إلّ في منتصف القرن التاسع عشر، كما أنها لم تنتشر سوى في القرن العشرين، عندما تشكّل الوعي الكافي لدى مثقفينا - وأغلبهم من الطلاب العرب في أوروبا وغيرها - بالتأخّر الحضاري مقارنة بالغرب20. واقترنت نزعة التحرّر الثقافية والسياسية في المشرق العربي بالدعوة إلى الانعتاق من سلطة الفقهاء ورجال الدين المحافظين، ثمّ الدعوة إلى الفصل بين آراء الفقهاء الدينية والإسلام ذاته. وهكذا تم الاتجاه نحو إعادة تفسير الدين تفسيرًا حديثًا لا يأخذ بتفسيرات المفسرين القدامى للقرآن والسنة. بل رأى بعضهم أن الإسلام، بعد تنقيته من هذه الآراء والتفسيرات القديمة، قد يحقّق الحرية للأفراد وبخاصة في ما يتعلق بحريات الرأي والتعبير والمعتقد. لكن سرعان ما رد على هذه الدعوى التحرّرية الفقهاء المتشدّدون المعادون لنزعة الحرية، بدعوى أنّ النزوع التحرّري قد نشأ في مجتمع مختلف وكافر، وأن التحرّرية نتاج فكر غربي زائغ وملحد، لا يمكن مقارنته بما جاء به الرسول الكريم من أحكام دينية وشرعية إسلامية. وفي المقابل، ثار رجال التحررية أمثال قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين وغيرهم، على الفقهاء السلفيين المناوئين للحداثة الغربية. وعلى سبيل المثال، كان سلامة موسى يرى أن تحرير الفكر العربي من الجمود والتقليد ضرورة ثقافية وسياسية آنية، بالنظر إلى عمق الفجوة الحضارية بين المشرق العربي المتخلّف والغرب الأوروبي المتقدم. واطلع هذا المفكر خلال سفره إلى أوروبا على الفكر والفلسفة الغربيين، فقرأ المؤلفات الفلسفية لعصر الأنوار، وتعرّف انطلاقًا منها على الأديب الفيلسوف فولتير، وفيلسوف الحرية جان جاك روسو؛ فتأثر بأفكارهما، وقرأ لكارل ماركس، كما قرأ مؤلفات أخرى كثيرة، واطلع أيضًا على بعض ما توصّلت إليه الدراسات الاستشراقية حول الشرق عمومًا والعرب خصوصًا. وبناء عليه، يمكن إجمال الدعوى التحرّرية التي نادى بها سلامة موسى، في ضرورة الاحتذاء بالنموذج الغربي في الإقلاع الثقافي الحضاري والعلمي، ثمّ إنجاز نهضة ثقافية عربية جديدة قائمة على العلم والعلمانية والعقلانية. وكغيره من رواد الإصلاح العربي (محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهما)، أثّر سلامة موسى في مجموعة من المثقفين الليبراليين العرب بنزعته التحرّرية أمثال: أحمد لطفي السيد، وطه حسين، ونجيب محفوظ؛ فكان هؤلاء من أشدّ المدافعين عن الفكر التحرّري والتنويري العربي. ولكن هل نجحت دعوة هؤلاء الرواد في تحويل الحرية من مجرد مقولة نظرية وقيمة عليا إلى نمط ثقافي ملموس، وواقع سياسي واجتماعي معيش؟ للإجابة عن هذا السؤال، قدّم الأستاذ عبد الله العروي مقاربة تاريخية نرى أنّها في غاية الأهمية ليس لأنها إجابة صحيحة أو شيء من هذا القبيل، وإنما لكونها تمثل مساءلة منهجية للأطروحات الإصلاحية التحرّرية الشهيرة في هذا الشأن. ففي كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة، يعرض هذا المفكر مفارقة المنزع التحرّري من خلال أنموذج طه حسين الذي كان يلتفت إلى أحلام شبابه الضائع، قائلً بتحسّ: "صدقني إنّ الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفرّ بقلبه وعقله وضميره بعيدًا عن هذا الجيل. فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفرّ إلى زمان آخر من أزمنة التاريخ"21. يعلّق العروي على هذه المقولة بما معناه أن الرؤية التحرّرية حتى إن كانت لا تزال حية فاعلة بكيفية أو أخرى في مجموع الدول العربية، فإنها لا تفتأ تبين عجزها وفقدان هيبتها؛ إذ لا يسمع صوتها إلّ في ممرات البرلمان ومدرجات الجامعات، على الرغم من أنها لا تزال مرغوبة في بعض الدول، مثل: المغرب22. إنّ عيب ليبرالية رجل السياسة العربي أنّها ساذجة في فهمها لمشكلة الحرية؛ لذلك سرعان ما تجد هذا الأخير يتساءل عن إمكانية تحقق الحرية؟ وعن مدى وجود القوة اللازمة لها؟ وفي هذا السياق، يؤكّد عبد الله العروي سذاجة وعي الحرية الذي يميّز رجل السياسة الليبرالي العربي الذي يعتقد أنه يستحق أن يمتلك القوة والنفوذ لمباشرة الإصلاح، ويعود في الوقت نفسه إلى الشعب من جديد ليحمّله مسؤولية العجز والإحباط الذي يصطدم به. هكذا ينظر السياسي الليبرالي العربي إلى الشعب فيرى فيه مصدر الجهل والقذارة والانغماس في بحر التواكل، وعندئذ يحصل، حسب العروي، أن تتسّور بيوت المسؤولين الفخمة، وتنغلق أنديتهم الخاصة، وتسدل الستائر على نوافذ سياراتهم حين تجوب الشوارع العامة

  1. لا نعني بهذا خلو ثقافتنا العربية القديمة من مفكرين أحرار ومثقفين كرّسوا حياتهم لرفض الجمود والسلطوية والتقليد، فهؤلاء يعجّ بهم تراثنا القديم، لكن قصدنا هنا دراسة الأفكار التحرّرية التي ظهرت بعد الاستعمار الغربي، ومن ثم، فنحن نستهدف بالأساس مناقشة التيار الذي سلّط عليه المفكّر المغربي المعاصر عبد الله العروي الضوء، بالنقد والتحليل، في الأيديولوجيا العربية المعاصرة كتابه، وحسبنا في ذلك أنّ التيار الفكري التحرّري الموسوم حاليًا بكونه كلاسيكيًا يعد تجربة جديرة بالتأمل والانطلاق منها لاستشراف أفق جديد للفكر التحرّري المنفتح (غير الدوغمائي) القادر على محاورة التيارات المحافظة في مجتمعاتنا من دون استعلاء ولا إقصاء، وكل ذلك من أجل فتح المجال للحوار والنقاش الديمقراطي حول
  2. عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (صياغة جديدة)، (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 45 - .46 22 المرجع نفسه، ص.46
  3. الأنموذج الحضاري الصالح للفترة الحرجة التي نمرّ بها الآن.

لكي لا يروا فيها آثار بؤس هذا الشعب العربي الضائع وحرمانه23. هكذا ينتهي الأمر برجل السياسة العربي ذي الميول الليبرالية ليختزل مشكلة التأخر الحضاري لمجتمعه في فهم سطحي للتقدم والتصنيع والتحرّر السياسي. إن مأزق منظّري التحرّرية العربية (أحمد لطفي السيّد أنموذجًا)، كما يقول العروي، يتجلى في كونه يترك جانبي العمق الفلسفي والمفهومي لليبرالية كبار منظري الحرية في الغرب، مثل جون لوك ومونتسكيو، وينصرف إلى ما كتب عنهم، متناسيًا أصالة الاتجاه الفلسفي المؤسّس الحقيقي لفكرة الليبرالية، لمصلحة الخطابات الحماسية لرجال السياسة الذين عاشوا في نهاية القرن التاسع عشر، حيث فقدت الفكرة الليبرالية حيويتها وعمقها الفلسفي24.

وبحسب رأي العروي، يكمن مأزق النزعة التحرّرية العربية، في اختزال مفهوم الحرية والتحرّر في البرامج السياسية والنضالية للنخب المنفتحة على الغرب، أي مجرد تطلعات فئوية ظرفية ومطالبها، سرعان ما تتراجع بفعل تهجمات التيارات الماركسية والسلفية الشعبوية. وإذا ما التفتنا إلى مؤشرات مدى تحرّر المواطن العربي، وجدنا الباحثين متفقين على أنها ضعيفة جدًّا، وأن المجتمع العربي لم يصعد بعد مراقي التحرّر الفردي التي كشفت عنها تجارب مجتمعات أخرى معاصرة25. فالسائد، حسب العروي، أنّ كلمة "حرية" الجارية على ألسنة العرب اليوم ليست بعد واضحة، ولا مفهومة أو راسخة في أذهانهم وواقعهم وسلوكياتهم؛ لأن هنالك خلطًا واضحًا بينها وبين مدلولات أخرى تشبهها لكنها لا تعنيها، مثل: المساواة والتنمية والأصالة. إن الخلط الدلالي والمفهومي بين جميع تلك المعاني هو ما يجعل انتشار دعوة الحرية دالة فقط على معنى الاستقلال الاقتصادي والسياسي، من دون أن يشمل هذا الذيوع والانتشار المستوى الفلسفي لمفهوم الحرية حسب العروي26. لذا، أصبحت غلبة الطابع العملي السياسي والاقتصادي للحرية، عائقًا منهجيًا أمام انتشار الاهتمام الفكري والوجودي بها على مستوى الفرد، باعتباره شخصًا مستقلً ومنتجًا. وغالبًا ما تنحصر مسألة الحرية في التنمية الاقتصادية والثقافة دون أن تتعدى ذلك، لتكون قضية مفهومية ووجودية شخصية. ومن ثمّ، ظلت الحرية قضية هامشية في المستويات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، الأمر الذي ساهم في تكريس التخلّف والاستبداد والرجعية في المجتمعات العربية. ولهذا، يرى العروي أن انشغال مجتمع ما بقضايا المساواة والتنمية والأصالة لا يدل على تقدمه، بل يدلّ على تخلّفه، وما انتشار الكلام عن الحرية في مستوى العراك السياسي اليومي سوى دليل على ذلك27. والحقيقة أنه يجب توسيع مفهوم الحرية ليدل على كل المستويات الممكنة الأخرى: الوجودية والاجتماعية والدينية وغيرها؛ وذلك بهدف تحرير المواطن العربي والدفع به ليصبح شخصًا مستقلً واعيًا ومريدًا إرادة ذاتية كاملة غير منقوصة. وحتى لو كانت الحرية خوضًا في مسائل الدولة والمجتمع وسبل تقدمهما وتحرّرهما، فإنّ ذلك يجب ألا ينسينا أهمية الحرية المتعلقة أساسًا بالفرد28. وانطلاقًا مما سبق، نخلص إلى أنّ الاهتمام بالفرد العربي هو المفتاح السحري لتحرّرية عربية واعية وحقيقية، غير أنّه في انتظار ذلك يظل الطريق ملغومًا ومفروشًا بالأشواك؛ إذ لا تسمح بذلك الثقافة التقليدية التي يدافع عنها الفكر المحافظ، ولا يمكن أن يساعد عليه الفكر الديني السلفي المتحجّر ما لم يجرِ إعادة تأسيسه من جديد. وهذا ما يعني ضرورة محاورة الطروحات السلفية المدافعة بقوة عن الاتجاه الماضوي في التفكير وما يعنيه ذلك من نزاع فكري مع سدنته وحراسه الذين لا يرون الصحيح إلا في ما مضى، ويعادون كلّ جديد ويصدحون صباح مساء بالحديث النبوي: "كل بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار." ومن هذا المنطلق، نرى ضرورة تأسيس مفهوم فلسفي جديد للحرية يخرج بنا عن الأطر والمقولات التقليدية لثقافتنا المتحجرة. وهذا ما سنحاول بحثه في المحور الثالث من هذه الورقة، وذلك في ضوء المستجدات السياسية والثقافية التي شهدتها الساحة العربية مؤخّرًا متمثلة بالربيع الديمقراطي.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص.57
  3. مفهوم الحرية عبد الله العروي، (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، ط 5،
  4. المرجع نفسه، ص.106
  5. المرجع نفسه، ص.107 28 المرجع نفسه.
  6. 1993)، ص.105

ثًالث ا: في حاجة شعوب الربيع العربي

إلى فهم جديد للتحرّرية

هنالك حاجة ملحة في الثقافة العربية الراهنة إلى الحريات الفردية والدينية والسياسية والمدنية، وذلك قياسًا على طغيان الجمود وسيطرته وتقليد الماضي من جهة، وبروز الاستلاب الثقافي والإعجاب المرضّي بالآخر الغربي من جهة أخرى. وتدل هذه المفارقة الغريبة على حدة التمزق والصراع التي تسود الثقافة العربية الراهنة حدّ التطرف في اتجاه الماضي (السلفية) أو التطرف في الاتجاه المقابل لها؛ إذ يسود التقليد الأعمى للنموذج الغربي. ومحاولة منّا لاستجلاء هذه المفارقة، نطرح أولً هذه التساؤلات قبل البحث عن المخرج: كيف يمكن لربيع عربي ثوري أن يوّلد سياسيًا بذور ثورة ثقافية واجتماعية على التقليد والسلطة الدينية المتحالفة مع الاستبداد السياسي؟ لماذا عادت قوى الاستبداد والتقليد بسرعة البرق لتأخذ زمام الأمر من جديد في دول الربيع العربي؟ كيف يمكن بلورة فكر تحرّري جديد قادر على انتشال الفرد العربي من أشكال السلب والاستلاب السابقة؟

إنّها تساؤلات قد يطرحها الإنسان وهو يعاين المفارقات الغريبة بين ما يفترض أن تكون عليه بلدان الربيع العربي، وحجم التراجع عن معقولية مطالب الحراك الشعبي في هذه الدول، بعد بضعة أشهر فقط من إسقاط رموز الاستبداد في عدد من الدول العربية؛ فنظرة واحدة إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية حول مؤشرات احترام هذه الحقوق، وتقارير العدالة والمساواة في هذه البلدان، تكفي للجزم بأن واقعنا العربي لا يشرّف أبدًا، على الرغم من كل المؤهلات الثورية الشبابية التي تحرّكت مؤخرًا. ونظرًا إلى بطش "وحدانية التسلّط"، بتعبير الفيلسوف ابن رشد، المستحكمة في ذهنيتنا العربية لغياب ثقافة الحكامة والديمقراطية الحقيقية، ونتيجة لاستشراء الفساد بكل أنواعه وأبعاده حتى في القطاعات التي يعوّل عليها في الانعتاق من براثن هذا التخلف كالقضاء والتعليم، فقد أصبحنا نفوّت الفرصة التاريخية مرة أخرى في ما وقع، من دون أن نعي أن التاريخ لا يرحم المغفّلين ولا ينتظر المتأخرين. وعلى الرغم من الزخم الذي جاء به الربيع العربي وظهور الحركات الاحتجاجية المنادية بالإصلاح والعدالة والحرية، فقد استطاعت قوى الفساد والريع والإقطاع المتحكمة في مفاصل دول الربيع العربي واقتصاداتها الهشة أصلً، أن تعيد زمان التغيير بسرعة إلى ما قبل الاحتجاجات الشعبية، مستثمرة في ذلك براغماتية قوى المحافظة والرجعية التي تمثلها التيارات الإسلامية الساعية إلى السلطة بنهم قل نظيره، إضافة إلى تخلف ذهنية المواطن العربي المستسلم بشكل عام وتلقائي للسلطوية كأنها قدره المحتوم. إن الانعتاق من هذه الوضعية التاريخية المأزومة التي أوصلتنا إليها رجعية التيارات المحافظة من جهة، وكذلك استحكام قوى "وحدانية التسلط" المتحالفة مع الرأسمالية الليبرالية الجديدة، والساعية للحفاظ على مكاسبها السلطوية، إضافة إلى فساد النخب السياسية المغشوشة وترهّلها التي تمثلها الأحزاب الليبرالية التقليدية، وبعض التيارات اليسارية المتحالفة مع هذه القوى، كل ذلك سيظل مرهونًا بوعي شعوب هذه الدول بأهمية تحرّرها من ربقة الطغيان والتقليد، إضافة إلى أهمية اكتساب شباب الربيع العربي المناعة الفكرية والسياسية الكافية والضرورية ضد مختلف أنواع الاستلابات29 الطوباوية التي قد تصيب الفعاليات الثورية بالعمى السياسي. ومن بين تلك الآفات الحائلة دون إتمام الثورات العربية مهمتها نذكر ما يلي: عدم امتلاك الشعوب العربية القدرة والمناعة الفكرية ضد الاستقطاب الأيديولوجي الزائف الذي تمارسه القوى التقليدية الفاعلة في تاريخنا مثل: القوى الدينية والأبوية والسلطانية. ولعلّ من شأن الوعي بذلك أن يحقق النهوض بإتمام مقاصد الثورات الشبابية العربية المتمثلة بتحقيق: المساواة، والعدالة، والديمقراطية الحقيقية التي تنبني على التداول السلمي للسلطة، واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. عدم امتلاك القدرة والمناعة ضد أشكال الهيمنة والاستحواذ التي يفرضها التكتل الثوري المتعصب لإقصاء الخصوم، والذي سرعان ما يتحول إلى نزاعات أيديولوجية وفئوية مصلحية أو

  1. نوظّف مفهوم الاستلاب هنا Aliénation() قاصدين به تلك الحالة النفسية والفكرية التي تقود الإنسان إلى معاداة مكونات ذاته الحقيقية؛ فيتخذ حيالها بموجب ذلك مواقف متشنّجة ومتعصبة أو إقصائية. وينبع ذلك عادة من موقف مرجعية الآخر الذي قد يكون معاديًا أو مهمشًا له. انظر في هذا السياق: عبد الله البريدي، السلفية والليبرالية: اغتيال الإبداع في ثقافتنا العربية (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008)، ص.82

حتى قبلية وطائفية خطيرة، قد تهدد النسيج الوطني لبلد معين فتشتّته وتمزّقه. الافتقار إلى الوعي الكافي بأضرار الوهم الثوري أو المشروعية الثورية المخادعة؛ إذ يظن بعضهم أن حراكهم الفئوي وحده يملك الحق في تقرير مآل الثورة، ومن ثم تقرير مصير شعب بكامله من دون الإنصات للأطراف المخالفة. ويعدّ نقصان الوعي بالحرية لدى فئات عريضة من شعوبنا العربية سببًا وجيهًا لانحسار أفق الثورات السياسية التي وقعت مؤخرًا على الرغم من زخمها الشعبي الكبير. ولعلّ ما يفسّ هذا الرأي هو غياب ثقافة الحرية لأجل التحرّر الفردي والجماعي من أشكال الاستلاب التي يعجّ بها الواقع السياسي والاجتماعي العربي، بدءًا بالطغيان والاستبداد السياسي، وانتهاءً باستشراء الأبوية والقدرية وثقافة التواكل والكسل. لذا، فإنّ الاهتمام بتحرير الإنسان العربي وبنائه يعدّ أولى الأولويات، كما نبّه إلى ذلك سابقًا الأستاذ برهان غليون في ثمانينيات القرن الماضي، حين أوضح في كتابه بيان من أجل الديمقراطية أنّ "العنصر الأساسي في تكوين الأمة [يقصد الشعوب العربية] ليس الثقافة ولا الاقتصاد المشترك، ولا اللغة ولا التاريخ والخصائص النفسية ولا الجغرافيا البشرية أو السياسية، ولكن أوّل الشعب"30. لكن التساؤل المحرج الذي قد نطرحه على مثل هذا المنظور التفاؤلي هو: كيف يمكنك أن تعوّل على شعب مقهور ومستلب في الاتجاهين: اتجاه التقليد السلفي الجامد، واتجاه تقليد الآخر الغربي؟ كيف يمكن التعويل على شعب مجرد من الوعي اللازم لشروط التحرّر الضرورية لإنجاح أية ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية حقيقية؟ لا نريد أن نتشاءم بشأن هذا الإحراج الواقعي، لكن إذا ما رجعنا إلى بعض المحاولات النقدية لأحوال الشعوب العربية، وتحديدًا إلى محاولة المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي الذي كان يقول إن "الأمة التي لا يشعر كلّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية"31؛ فإننا سرعان ما نصطدم بواقع هذه الشعوب الكارثي الذي يشهد انتشارًا مهولً للطغيان والتقليد والأمية التي تجلب الذّلة والمسكنة. فهل سيقدر هذا الشعب على تحرير نفسه من جميع تلك الآفات، أم إنه سيبقى سافل الطباع، لا يسأل عن الحرية ولا يلتمس العدالة والاستقلالية، ولا يعطي للنظام مزية، ولا يرى له في الحياة غير التبعية للغالب عليه؟ يجيب الكواكبي نفسه عن هذا الإحراج بكثير من القسوة في حق الشعب الذي أهانه الذل والطغيان؛ فاستحلى العبودية، فيقول: "قد ينتقم مثل هذا الشعب على المستبد نادرًا ولكن طلبًا للانتقام من شخصه لا طلبًا للخلاص من الاستبداد، فلا يستفيد شيئًا وإنّ ا يستبدل مرضًا بمرض كمغص بصداع"32. ومثل هذه الأمة يضيف الكواكبي: "قد تطيح بمستبد [لكن] بسوق مستبد آخر تتوسم فيه أنّه أقوى شوكة من المستبد الأوّل، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلاّ بماء الاستبداد، فلا تستفيد أيضًا شيئًا، إنّ ا تستبدل مرضًا مزمنًا بمرض حدٍّ؛ وربما تنال الحرية عفوًا، فكذلك لا تستفيد منها شيئًا لأنّها لا تعرف طعمها فلا تهتم بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبداد مشوّش أشد وطأة كالمريض إذا انتكس"33. صحيح أن هذا الوصف يكاد ينطبق على شعوبنا العربية في أوضاعها الحالية، لكن هل قدّر لشعوبنا أن تبقى قاصرة غير حرّة أبد الآبدين؟ ليس الأمر كذلك، وما دام هناك من يتوق للحرية الشاملة في هذه المجتمعات، فإنّه لا محالة سيأتي اليوم الذي يتحرّر فيه الإنسان العربي من أوهام نفسه أولً، ومن المتسلطين عليه من الحكام والتقاليد والفقهاء ومن كلّ الاستلابات الأخرى ثانيًا. وتكمن مشكلة التحرّرية العربية في شكلها الكلاسيكي (تحرّرية رواد الإصلاح الأول في القرن التاسع عشر) في اختزال الحرية في مجرّد برامج حزبية سياسية واقتصادية؛ فتقع بذلك في مطب المقاربات النضالية المحدودة، ولا تستطيع أن تتعدى ذلك إلى تجذير مسألة الحرية إلى ما هو أعمق، كأن تطرح الحرية طرحًا مفهوميًا عميقًا يبتغي تأسيس نظرية مفهومية لها في ثقافتنا المختلفة عن الثقافات الأخرى. وممّ كشف عنه هذا الوضع، ضعف الوعي بأهمية الإدراك النظري والمنهجي لسؤال الحرية من داخل ثقافتنا المشرقية؛ لذا وجدنا أنّه من سيّئات الطرح الكلاسيكي للمنزع التحرّري في ثقافتنا العربية كونه قفز على هذه العتبة؛ فسقط في تقليد الأنموذج الغربي ذي السياق التاريخي الخاص بأوروبا محاولً، بطريقة عبثية، زراعته في تربة غير تربته. وقد ساعد هذا الخلط من قبل بعض الرواد التحرّريين الكلاسيكيين في تقوية تيارات المنزع السلفي المحافظ من حيث لا يشعرون. ولطالما حاجّ السلفيون التحرّريين بأنّهم يقلّدون الغرب ويأخذون بنماذجه في الاجتماع المدني، ممّ يهدّد كيان ثقافتهم الأصلية. ويعد هذا الاعتراض حجة معقولة، غير أنّها لا تستقيم، بدورها، أمام التحليل الناقد؛ لأن دافع التحرّريين نحو استجلاب الأنموذج التحرّري الغربي هو جمود

  1. بيان من أجل الديمقراطية برهان غليون، (بيروت: دار ابن رشد، ط 2، 1980)، ص.7
  2. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد عبد الرحمن الكواكبي،، أسعد السحمراني
  3. المرجع نفسه، ص.180 33 المرجع نفسه.
  4. (تقديم)، (بيروت: دار النفائس، ط 4، 2011)، ص.179

الواقع الثقافي الذي ينتمون إليه، وعجزه عن طرح البدائل الناجعة من الإشكالات المجتمعية المطروحة، ممّ حداهم إلى أقصر الطرق، وهو نسخ الأنموذج الجاهز. وفي الواقع، فإن كلا الموقفين على خطأ، وذلك أنّ نسخ تجارب الآخرين الاجتماعية والسياسية والثقافية غير ممكن، بل هو أمر مخالف لمنطق تطور ثقافات الشعوب والأمم، كما أن الانغلاق والركون إلى الماضي وعزل الذات عن الآخرين غير مجدٍ أيضًا. ومن هنا يلزم إنجاز نقد مزدوج، على حد تعبير المفكر النهضوي علال الفاسي، لكلا الموقفين، نقد يقوم على إبراز مكامن الخلل والضعف في العقل العربي (كما فعل الجابري في سلسلة نقد العقل العربي)، بهدف تحريره من أوهامه وتهيؤاته، ونقد يتوجّه إلى الطرح الليبرالي نفسه بالنقد والتعديل (كما فعل العروي في كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة.) ومن دون ذلك، لا يمكن فعل أيّ شيء ذي جدوى لمواجهة الإشكالات العويصة التي تواجه ثقافتنا وتصيبها بالعجز والضمور. من هذا المنطلق، نرى أن إخفاقات التيارات التحرّرية العربية الناسخة للبرامج والوصفات الأجنبية، هي فشلٌ مفهومي وفكري في المقام الأول؛ إذ لا يكفي استعارة الوصفة التحرّرية من النماذج الغربية وفرضها على الواقع الثقافي العربي المختلف تاريخيًا واجتماعيًا لإنجاز تغيير حضاري حقيقي في هذه الشعوب. وعلى خلاف ذلك، نحتاج في ظل ثقافتنا المتّسمة بالتقليد وسيادة السلطوية إلى بلورة فلسفة خاصة بنا للحرية، أساسها الاعتبارات الروحية للإسلام المنفتحة على العالم وعلى التاريخ الكوني من دون تعصب للذات والتقيدات الأصولية التي تأسر منظومتنا الفقهية الحالية المتوارثة عن الأسلاف.

خاتمة

لكي نصل إلى خلاصة لهذا النقاش، نعيد السؤال مرة أخرى: هل يلزمنا نحن الشعوب العربية، أن ننظر إلى قضية الحرية والتحرير من خلال الظروف التاريخية في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أم من خلال الظرف التاريخي لثقافتنا الحالية الذي يتوسّم في التحرّرية ضرورة حضارية وثقافية ملحّة وآنية؟ لن نتردّد في الأخذ بوجاهة المنظور الثاني الذي يقوم على الحس التاريخي ذي المعقولية النقدية، نظرًا إلى استناده إلى فرضية الفعل التاريخي الذاتي المؤثر الذي تحتاج إليه ثقافتنا الإسلامية التقليدية؛ وذلك من أجل الانعتاق مرّة أخرى من ربقة التقليد الديني المتسلط، ومن الموروث السلطوي الأبوي السياسي المستبد. ولن يفيد استمداد التجارب النضالية التاريخية للشعوب الأخرى في تحرير الشعب العربي من استلاب الماضي وأوهام الحاضر، بل لا بد من البحث عن أفق جديد للتحرّر الفردي والجماعي الثقافي والديني، والذي ينبغي أن يكون أساسه الحرية الروحية والديمقراطية التشاركية والاعتراف بالاختلاف والتغاير. وهذا ما دعا إليه سابقًا الراحل محمد عابد الجابري في حديثه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي34. إن قيام ثورات سياسية عربية، كالتي حدثت عندنا تحت مسمى "الربيع العربي"، يجب أن تشكّل لحظة تاريخية فارقة في وعينا العربي بمفهوم الحرية، وهو وعي يتعين عليه الآن أن يؤكد دور الإنسان العربي في صناعة تاريخه واسترجاع زمام فعله وإرادته المستلبة منذ قرون خلت، وذلك من أجل أن ينطلق، من جديد، للمساهمة الحضارية في التاريخ العالمي.

وليس قدر الشعوب العربية أن تركن دائمًا إلى فهم متحجّر لتراثها الديني والثقافي، بل عليها أن تنتهز الفرصة التاريخية الحالية للتحرّر من أوهام الماضي (الدين كما أسسه الفقهاء، والسياسة كما مارسها السلاطين المستبدون، والأخلاق كما رسختها التقاليد والأعراف البالية) ثمّ تتحرّر منها. وفي الوقت الحالي، تدلّ المؤشرات الواقعية على عدم قدرة الشعوب العربية على فطام نفسها من ثدي الطغيان والاستبداد، وهذا قد يجري تفهّمه نتيجة رسوخ ثقافة السلطوية في البنية الذهنية واللاشعورية للمواطن العربي. ولكن في مقابل ذلك، يجب على المثقف العربي أن يمارس دوره التاريخي في توعية هذه الشعوب بأهمية الحرية ومعناها ودورها في التقدم إلى جانب الأمم المتحضرة. لذا، فمن دون المثقفين الأحرار لن تقوم قائمة للشعوب التي تنشد التحرّر، وهذه هي الخلاصة التي تسعى هذه الورقة لتأكيدها.