دستور تونس الجديد: تحليل سياقي
الملخّص
تحلل هذه الورقة جوانب متنوعة من دستور 2014، فتناقش العلاقة بين الرئيس والحكومة وًالبرلمان، والمحكمة الدستورية التي أنشئت حديث ا، والمجلس الأعلى للقضاء، وفقرة الضوابط، ودور الدين، ومكانة المرأة في الدستور، واللامركزية. وتعتمد الورقة المنهج المقارن، فتضع كل واحدة من هذه القضايا في سياق تاريخي وإقليمي معً ا، بغية فهم التقدم الذي أحرزته تونس في صلتها بالتاريخ الدستوري الخاص بها، وفي ما يتعلق ببلدان المنطقة. فعبر التفاوض الناجح على اتفاقٍ نهائي، مهّ د التونسيون الطريق لإثبات أن الاختلافات الأيديولوجية لا تؤدي، بالضرورة، إلى النزاع أو الجمود. وترى الورقة أن المقاربة البراغماتية، والتي تبناها المفاوضون التونسيون، واستهدفت الوصول إلى نتيجة، قدمت الملخص مثالا إيجابيًا على عملية حل النزاعات ووضع دستور، ليس في المنطقة العربية فحسب، بل بالقياس إلى مناطق أخرى من العالم.
أنجز المجلسُ الوطني التأسيسي التونسي بنجاح دستورًا جديدًا وحديثًا، وافقت عليه الأغلبية العظمى من أعضائه في عام 2014، وذلك تحت أعين الشعب الساهرة، وعلى الرغم من وجود عددٍ من التحديات الخطيرة. لم تكن الطبقةُ السياسية مهيَّأة بعدُ، في عام 2011، للتغييرات التي فرضها الشعب عبر الثورة، فقد حدثت انشقاقات مهمة بين السياسيين الإسلاميين المحافظين من جهة، والسياسيين الليبراليين والعلمانيين من جهة أخرى؛ الأمر الذي عقّد المفاوضات وزادها سوءًا مع مرور الزمن. ولبعض الوقت، لم يكن مؤكَّدًا أنّ الأطراف المتفاوضة ستصل إلى اتفاق نهائي. وبالفعل انهارت المفاوضاتُ الجارية وعملية صوغ مسودة الدستور تمامًا، في حزيران/ يونيو 2013، ولم ينقذها إلا تدخل منظمات المجتمع المدني التي قادت مفاوضات غير رسمية بين الأطراف السياسية. وفي النهاية، وعبر التفاوض الناجح على اتفاقٍ نهائي، مهّد التونسيون الطريق لإثبات أن الاختلافات الأيديولوجية لا تؤدي، بالضرورة، إلى النزاع أو الجمود، وأنها يمكن أن تبقى في إطار دولة ومجتمع عربيين حديثين. ومن ثمّ، ستكون هذه المقاربةُ البراغماتية، التي تستهدِف الوصول إلى نتيجة، والتي تبناها المفاوضون التونسيون، مثالً إيجابيًا على عملية وضع دستور وحل نزاعات ناجحة، ليس في المنطقة العربية فحسب، بل أيضًا في كثير من أنحاء العالم. لا يحلل هذا المقال دستور 2014 بأكمله، بل جوانب متنوعة منه، فيناقش العلاقة بين الرئيس والحكومة والبرلمان، والمحكمة الدستورية التي أنشئت حديثًا، والمجلس الأعلى للقضاء، وفقرة الضوابط، ودور الدين، ومكانة المرأة في الدستور، واللامركزية. ويعتمد المقالُ المنهج المقارن، فيضع كل واحدة من هذه القضايا في سياق تاريخي وإقليمي معًا، بغية فهم التقدم الذي أحرزته تونس في صلتها بالتاريخ الدستوري الخاص بها، وفي ما يتعلق ببلداننا في المنطقة.
النظام شبه الرئاسي
كان نظام الحكم المستقبلي للبلاد إحدى القضايا الرئيسة التي واجهت الأطراف المتفاوضة. وقبل عام 2011، كانت عدة بلدان في المنطقة العربية تتبنى النظام الرئاسي، ولم تكن تونس استثناءً في هذا الصدد؛ ففي دستور 1959، كان الرئيس يُنتخب مباشرة (الفصل 39)؛ وكان مسؤولً وحده عن تعيين رئيس الوزراء والأعضاء الآخرين في الحكومة (الفصل 50)؛ ولا يملك البرلمان أي سلطة حقيقية لسحب الثقة من الحكومة (الفصلان 62 و 63)، وليست لديه السلطة لاستدعاء الرئيس أو محاسبته على أفعاله. ويستطيع الرئيس إعلان حالة الطوارئ ساعة يشاء، ويمنح نفسه السلطات التي يريدها ولأي مدة من الزمن (الفصل)461. منحت هذه القواعد الرئيس قَدْرًا استثنائيًا من السلطة للتأثير في مؤسسات الدولة لمصلحته؛ وتحولت الدولة إلى أداة للحفاظ على فرد واحد في الرئاسة لأطول فترة ممكنة بغض النظر عن أدائه الفعلي. نتيجة لذلك، وعقب انتفاضات 2011، اتجهت معظم بلدان المنطقة بشدة في الاتجاه المعاكس، أي نحو نظام للحكم أكثر برلمانيّة. ويخضع العراق، وهو ليس من دول الربيع العربي، للديناميات نفسها. وكان أول من تخلّ عن نظام رئاسي غير مقيَّد لمصلحة نظام برلماني2.
اتبعت تونس ذلك المثال في عامي 2011 و 2012، عندما وُضعت خارطة طريق للعملية الانتقالية، فقد هيَّأت لانتخاب جمعية تأسيسية من شأنها وحدها أن تكون مسؤولة عن انتخاب الرئيس وتأليف الحكومة. حرّكت نتائجُ الانتخابات في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 وإرث الانقسام السياسي بين الإسلاميين والوطنيين/ العلمانيين عددًا من الديناميات التي دفعت البلاد نحو حل وسط.
وفي الواقع، كانت عضوية الجمعية التأسيسية متشظية للغاية؛ فلم يكن لحركة النهضة، وهي أكبر حزب حتى حينه، ما يكفي من أعضاء لتتحكم في تشكيل السياسات أو في عملية صوغ الدستور. وكان بقية الأعضاء على العموم علمانيين يفضلون نظام حكم من شأنه أن يكون سدًا في وجه الإسلاميين. بالإضافة إلى ذلك، كان التوقع السائد بين الأطراف المتفاوضة ومعظم المحللين آنذاك أن النهضة ستستمر في أدائها الجيد في الانتخابات البرلمانية المقبلة، ومن ثمّ، سوف تمارس نفوذًا كبيرًا في البرلمان. وكان ثمة توقع أيضًا بأنه إذا كان الدستور الجديد سيتبنى نظامًا من دورتين لانتخاب الرئيس، فإن المرشحين العلمانيين و/ أو القوميين سوف يتمتعون بأغلبية داعمة على حساب المرشحين الإسلاميين. وكانت النتيجة أن الأطراف المتفاوضة اتجهت نحو النظام شبه الرئاسي الذي يكون فيه لكلٍّ من الرئيس والبرلمان سلطة كبيرة على تشكيل الحكومة وعمليات الإقالة، ولا يمكن فيه للبرلمان أو للرئيس أن يسيطر بشكل كامل على الآخر3.
نصّ الدستور النهائي، مرة أخرى، على انتخاب الرئيس مباشرة لمدة خمس سنوات (الفصل 75.) ولكنّ الرئيس، هذه المرة، لم تعد لديه حرية التصرف المطلقة في تشكيل الحكومة، بل ينبغي له أن يكلف مرشح أكبر تحالف انتخابي بتشكيل الحكومة في مهلة شهرين على الأكثر. ويتعيّ على رئيس الوزراء المكلف تشكيل حكومة وتقديم مشروع برنامج وعرض كليهما أمام البرلمان لنيل الثقة. وإذا رفض البرلمان منح الثقة لرئيس الوزراء المكلف فيجب على الرئيس اختيار شخص آخر، ولكن فقط بعد استشارة الكتل البرلمانية كافة. وإذا لم يحصل هذا الشخص الثاني على ثقة البرلمان، يجب على الرئيس حل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة (الفصل)894. ويسحب البرلمان الثقة من أحد الوزراء على أساس الأغلبية المطلقة من الأصوات (الفصل 97.)لكن ما يثير الدهشة هو أن مساعي الطرفين لتحقيق التوازن بين السلطتين البرلمانية والرئاسية لم تجب عن سؤال أي فرع من الحكومة هو الذي يجب أن يسيطر على القطاع الأمني؟ ونتيجة لذلك، كانت لغة التسوية والضوابط والتوازنات التي سادت في قضايا، من قبيل تشكيل الحكومة، شبه منعدمة في ما يخصّ الأجهزة الأمنية. وبدلً من ذلك، فإن معظم الصيغ المتعلقة بالجيش والشرطة منحت السلطة للرئيس بطريقة تتسق مع النوع نفسه من التقاليد السلبية التي سمحت بجميع الانتهاكات السابقة لعام 2011. ويرسخ الفصلان 18 و 19 تفويض الجيش والشرطة بعبارات عامة، فهما ينصان على أن هاتين المؤسستين يجب أن تظلاّ محايدتين، لكن، من دون آلية مقنعة للتنفيذ، تضمن ألا يسيطر فرع معين من الحكومة على الأجهزة الأمنية. ويمثّل الفصل 77 هذه النقطة تمامًا، فهو ينص على أن الرئيس يتولى رئاسة "مجلس الأمن القومي ويُدعى إليه رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب." ومن بين كثير من الأمور التي تثير الدهشة أن هذه هي الإشارة الوحيدة إلى مجلس الأمن القومي في النص، فالدستور لا يحدد ولايته، ولا يقول شيئًا تقريبًا عن كيفية تأليفه. ويفترض أن القانون سوف يملأ الفراغ. وهنا، بالضبط، تكمن المشكلة؛ فكل ما يلزم رئيسًا ما للسيطرة على الدولة هو التمتع بتأييد أغلبية في البرلمان. وإذا حدث أن مرّر البرلمان القادم قانونًا يمنح الرئيس سلطة ملء مجلس الأمن القومي بموظفيّ يعيّنهم بنفسه، وحتى سلطة المجلس نفسه في اتخاذ القرار في القضايا الأمنية، فإن البلاد ستكون قد سلّمت مصيرها لإرادة شخص واحد مرة أخرى، ولن توفر أحكام الدستور الهزيلة بشأن هذه المسألة أي حماية ضد هذا النوع من إساءة استخدام السلطة. وفي الوقت نفسه، ينص الفصل 78 على أن رئيس الجمهورية هو المسؤول عن تعيين كبار الضباط العسكريين وإقالتهم، ولا يأتي على
أي ذكر دور البرلمان في هذه المسألة. وبالنظر إلى التجربة التونسية في مجال إساءة استعمال المؤسسات الأمنية من طرف الفرع التنفيذي للحكومة في ظل النظام السابق، وبالنظر إلى ما كان يمكن تحقيقه خلال عملية صوغ الدستور، جاءت هذه الأحكام بمنزلة مفاجأة كبيرة. يقدم مشروع دستور اليمن، في كانون الثاني/ يناير 2015، مثالً جيدًا على ما يمكن تحقيقه في هذا المجال5، فالمادة 6 من المشروع مكرسة كليًا لتنظيم الأجهزة الأمنية الثلاثة، وتحتوي على عدد من الصيغ المبتكرة التي تغيب تمامًا عن الدستور التونسي، فمن بين أمور أخرى، يتضمن مشروع الدستور اليمني لغة محددة عن أجهزة المخابرات، التي كانت دائمًا الأكثر إشكالية بين الأجهزة الأمنية في تونس، فهو ينص على أن رئيس جهاز المخابرات العامة يعيَّ بموافقة مجلس الاتحاد في البرلمان، وعلى أن المخابرات مسؤولة عمومًا أمام مجلس الاتحاد أيضًا، وهذا يضمن - في الأقل - بعض المشاركة والرقابة من طرف السلطة التشريعية على الحكومة (المادة 325.) وينص المشروع أيضًا على أن رئيس الجمهورية مسؤول عن تعيين كبار الموظفين العسكريين، وذلك بعد الحصول على موافقة مجلس الاتحاد (المادة)1916. ويبدو أيضًا أن واضعي مسودة الدستور التونسي اتخذوا موقفًا أكثر تساهلً من حالات الطوارئ، على الرغم من تاريخ تونس الصادم مع هذه الحالات، وأن احتمالات إساءة استعمالها لا تزال واقعية جدًا، ولا سيما بالنظر إلى ما ورد أعلاه. ينص الفصل 80 على أنه في حالة "الخطر الداهم" قد يتخذ الرئيس "أي تدابير"، والقيد الوحيد هو أن الرئيس لا يستطيع حل البرلمان في هذه الحالة. كذلك لا يحدّد هذا الفصلُ، بدقة، مدة حالة الطوارئ، بل ينص فقط على أن يُعهد إلى المحكمة الدستورية بعد ثلاثين يومًا من دخول تدابير الطوارئ حيز التنفيذ البتّ في ما إذا كانت الأوضاع التي أدت إلى الإعلان الأولي عن حالة الطوارئ لا تزال قائمة7. ولا يذكر الدستور أيضًا على وجه التحديد الحقوق، إن وجدت، التي لا يمكن الانتقاص منها في أثناء حالة الطوارئ.
ثمة بلدان أخرى في المنطقة اهتمت، أيضًا، بشكل خاص بحالات الطوارئ وكيف ينبغي تنظيمها، ولكن يبدو أنها اعتمدت نهجًا أكثر حذرًا من تونس، فالدستور المصري لعام 2012، الذي صيغ أساسًا من جانب جماعة الإخوان المسلمين التي هيمنت على الجمعية التأسيسية، يشترط أن أي إعلان لحالة الطوارئ يجب أن يُعرض على البرلمان خلال 7 أيام8، ويذكر أيضًا أن الإعلان في حد ذاته لا يمكن أن يتجاوز 6 أشهر، وأن أي تمديد لا يمكن أن يكون إلا لمدة مماثلة ويمكن اعتماده فقط بعد استفتاء الشعب (المادة 148.) ويتبنى الدستور المصري لعام 2014 موقفًا متسامحًا قليلً مع حالات الطوارئ، ولكنه مع ذلك يشترط أن الإعلان الأولي لحالة الطوارئ يمكن أن يكون فقط لمدة أقصاها ثلاثة أشهر، وأن هذا الإعلان الأولي يمكن تمديده على الأكثر ثلاثة أشهر أخرى (المادة)1549. إنّ المثير للقلق في الدستور التونسي الجديد، من خلال كل ما تقدم، هو أن هناك آلية واحدة فقط يمكن عبرها إعفاء الرئيس خلال فترة ولايته، وهي أن يُتهم أمام البرلمان بالخرق الجسيم للدستور (الفصل 88.) وتكمن الصعوبة في أن نجاح هذه المبادرة يجب أن يحظى
بدعم ثلثي أعضاء البرلمان، ومن الصعب جدًا التوصل إلى هذه النسبة في معظم الظروف. وهذا يعني أنه إذا كان الرئيس يسيطر في الأقل على ثلث البرلمان، فلن تكون هناك أي آلية دستورية يمكن من خلالها عزله من منصبه (بصرف النظر عن مدة ولايته)، بغض النظر عمّ إذا حاول إساءة استعمال سيطرته على قوى الأمن. وعلى الرغم من أن أغلبية الثلثين ليست عتبة استثنائية في حالة رؤساء منتخبين مباشرة، كان من الطبيعي توقع المزيد من الآليات للحماية من انتهاكات محتملة لقطاع الأمن، وبشكل خاص نظرًا لتاريخ تونس الحديث، من قبيل تقسيم واضح للمسؤولية بين الرئيس ووزارة الدفاع، والسماح للبرلمان باستبدال الوزير عن طريق شرط أغلبية أقل من الأغلبية اللازمة لإعفاء الرئيس، وما إلى ذلك.
دور للمعارضة
يتضمن الدستور التونسي الجديد عددًا من الابتكارات التي تعتمد على سوابق ناجحة في البلدان الأخرى. وأفضل مثال على ذلك الفصل 60 الذي ينص على وجوب أن يرأس عضو في المعارضة اللجنة المالية القوية للبرلمان (وهي اللجنة المسؤولة عن مراجعة ميزانية الدولة السنوية قبل التصويت عليها في البرلمان وتقويم إن كانت أموال الدولة تهدر أم لا.) ويستند هذا، في جزء كبير منه، إلى ممارسة صحيحة اتبعت لبعض الوقت في مجلس العموم البريطاني، إذ يرأس عضو في المعارضة لجنة الحسابات العامة دومًا. والمنطق بسيط هنا: إن إحدى المهمات الأساسية للبرلمان هي ممارسة الرقابة على الفرع التنفيذي من الحكومة، وهذا لا يمكن القيام به إذا كانت الأغلبية البرلمانية، التي سوف تكون دائمًا متعاطفة مع الحكومة، هي أيضًا من يسيطر على جميع اللجان التشريعية المهمة، بما في ذلك اللجنة المالية. وقد حل الدستور التونسي الجديد هذه المشكلة الآن من خلال إجراء بسيط يتفق مع الحس السليم، وسيخدم البلاد جيدًا. وما يثير الاهتمام في الفصل 60 أنه يعترف صراحة بأن المعارضة البرلمانية "مكوِّن أساسي" في المجلس التشريعي. وإذا كان هذا واضحًا في الديمقراطيات الراسخة، فإنه في البلدان العربية، التي لا تهيمن عليها أسرة واحدة أو حزب واحد، يفضّ ل معظمُ الأحزاب السياسية تفادي الخلافات السياسية من خلال إنشاء "حكومات وحدة وطنية" (وهي الحكومات التي تشمل جميع الأحزاب التي لها تمثيل برلماني.) وقد كشفت تجربتا العراق ولبنان أخطاء هذه الممارسة، ولا سيما غياب المساءلة الحكومية عمليًا. أما تونس فإنها تبدو مستعدة للشروع في مسارٍ مختلف وأكثر ديمقراطية، تقبل فيه الأحزابُ أن تكون جزءًا من المعارضة، ويمكن السماح لها بلعب دور حقيقي وإيجابي في حكم البلاد وتحسين الأداء الحكومي.
تجدر الإشارة إلى أن الدستور المغربي لعام 2011 يوفر للمعارضة البرلمانية حقوقًا مهمة، ويذهب أبعد، في بعض النواحي، من الفصل 60 في الدستور التونسي10، فالفصل 10 من الدستور المغربي (وهي جزء من الأحكام العامة في النص) تزوّد المعارضة البرلمانية بعدد من الحقوق غير القابلة للتصرف، ويشمل ذلك "حرية الرأي والتعبير والاجتماع"، و"حيزًا زمنيًا في وسائل الإعلام العمومية يتناسب مع تمثيليتها"، و"الاستفادة من التمويل العمومي"، والحق في تسجيل مقترحات قوانين بجدول أعمال البرلمان، وسوى ذلك. إن جميع هذه التدابير المتفقة مع الحس المشترك سوف تؤول بطريقة تقود إلى دعم عمل المعارضة المغربية بأسلوب يتجاوز ما هو موجود في سائر دول المنطقة، بما في ذلك تونس، إلى الآن في الأقل. وفضلً عن ذلك، ينص الفصل 82 من الدستور المغربي على أن يخصص البرلمان يومًا واحدًا على الأقل في الشهر لمراجعة مقترحات القوانين التي تطرحها المعارضة. ومن جانب آخر، ينصّ الفصل 69 من الدستور المغربي على أن لجنة برلمانية "واحدة أو اثنتين" "على الأقل" يجب أن تكون برئاسة المعارضة. وقد تفضي هذه الفقرة إلى رئاسة المعارضة للجنة وحيدة وأقل شأنًا (مثل لجنة البيئة)، في حين أن الفصل 60 من الدستور التونسي يُلزم بأن يرأس اللجنةَ المالية نائبٌ من المعارضة، على نحو ما تقدّم. ومع دخول الدستورين مرحلة التنفيذ، سيكون من ال وررري إجراء تحليل مقارن مهم لمواصلة صقل هذه التدابير في السنوات المقبلة وتحسينها.
القضاء
إن حماية استقلال القضاء وضمان أن يتمتع بأكبر قدر من المهنية هما، بلا ريب، من أساسيات الانتقال الديمقراطي. كان أحد الابتكارات المهمة التي جاء بها الدستور التونسي الجديد إنشاء المحكمة الدستورية، التي ستتولى حل النزاعات الرئيسة على دستورية التشريعات. وتحل هذه المحكمة محل المجلس الدستوري، الذي سبق وأنشئ بموجب دستور 1959. هذا التغيير أتى متوافقًا مع الاتجاه السائد في المنطقة، التي شهدت إنشاء محاكم دستورية، في الأردن والمغرب وسورية، في أعقاب الربيع العربي. أمّا مسودات دساتير الجزائر واليمن وليبيا، التي لم تصبح - إلى حين كتابة هذا البحث - دساتير نافذة بعد، فقد نصت كذلك على إنشاء محاكم دستورية11.
في أثناء عملية كتابة الدستور، كان ثمة خلاف كبير بين واضعي المسودة على كيفية اختيار أعضاء المحكمة12. ويعود هذا الخلاف إلى فقدان الثقة بين طرفي الانقسام السياسي في أثناء عملية صوغه؛ ما دفع كلا الطرفين إلى إعطاء الأولوية لإنشاء محكمة تكون قراراتها محايدة بأكبر قدر ممكن. ولذلك، كان الجانبان قلقين جدًا من أنه مهما تكن الآلية المعتمدة في تشكيل المحكمة في المستقبل، فإنها قد تفيد - بشكل غير مقصود - منافسيهم، وهي مخاطرة واقعية جدًا، فمن المستحيل التنبؤ بأنماط التصويت المستقبلية، والأداء والسيطرة على مؤسسات الدولة. قدّم دستور 1959 سابقة هزيلة في هذه المسألة، فقد نصّ الفصل 75 منه على أن المجلس الدستوري مكون من 9 أعضاء يعيَّنون مباشرة، أربعة منهم (بما في ذلك رئيس المجلس) يعيّنهم الرئيس، واثنان يعينهم رئيس البرلمان، وثلاثة أعضاء بحكم مناصبهم (الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، والرئيس الأول للمحكمة الإدارية، والرئيس الأول لدائرة المحاسبات.) وقد أعطى هذا الترتيب ميزة للرئيس للتأثير في قرارات المجلس، في نظام كان رئاسيًا بشكل كبير. ولذلك، تحاشت الأطراف المتفاوضة على الدستور التونسي الجديد العودة إلى هذا الأنموذج. يوضح الصراع في مصر كم هي مثيرة للجدل هذه المسألة، فالمحكمة الدستورية العليا في مصر - التي تعدّ الأبرز في المنطقة - خضعت لعدد من آليات التعيين منذ تأسيسها لأول مرة. كان دستور 1971 صامتًا عن آليات تشكيل المحكمة، ثم جاء القانون رقم 48 لسنة 1979 ليمنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رئيس المحكمة، وقدرًا كبيرًا من النفوذ على العضوية العامة للمحكمة. وعلى الرغم من أن الرئيس رشح دائمًا العضو الأكبر في المحكمة ليكون رئيس المحكمة، جرى عكس هذه الممارسة بعد أن أصبحت آراء المحكمة في مسائل السياسة تعارض على نحو متزايد وجهة نظر الرئيس نفسه، ليعود رئيس الجمهورية فيؤكد على حقه القانوني في تعيين شخص من اختياره لشغل منصب رئيس المحكمة، وذلك عن طريق اختيار شخص معروف بولائه لإدارته؛ ما قوَّض استقلال المحكمة وصدقيتها13. ولم يفعل دستور 2012 شيئًا يُذكر لحل هذه المسألة؛ إذ أحال القضية إلى تشريعات في المستقبل فحسب. أما دستور 2014 فمضى عكس هذا الاتجاه، عبر إعادة ترسيخ المحكمة بوصفها مستقلة تمامًا عن جميع الهيئات الحكومية الأخرى، مع نص دستوري واضح لحمايتها من أي تعديات محتملة في المستقبل، ونصّ على أن الجمعية العامة للمحكمة مسؤولة حصريًا عن اختيار رئيس المحكمة ونوابه (المادة 193.) وفي هذه المقاربة نوع من الصعوبة، إذ لا توجد أية آلية يمكن من خلالها لأيٍّ من الفروع الأخرى للحكومة، أو الجمهور العام فعليًا، ممارسة أي رقابة أو
تأثير في المحكمة إطلاقًا، وقد يخلق توترًا ملحوظًا، ولا سيما إذا لم تتفق قرارات المحكمة في المستقبل مع الرأي العام المصري، أو مع اتجاهات سياسية ناشئة ومتطورة. ولم تكن الدساتير الأخرى التي صيغت في أعقاب الربيع العربي مفيدة نوعيًا لتكون أنموذجًا لتونس، فدستور المغرب لعام 2011 محابٍ لرئيس الدولة في هذه المسألة بشكل غير منصف، فهو ينص على أنه من بين 12 عضوًا للمحكمة الجديدة، يعيّ الملك 6، ومجلس النواب (المنتخب مباشرة) 3، ومجلس المستشارين (المنتخب بشكل غير مباشر) 3 (الفصل 130.) أما دستور الأردن لعام 1952، الذي عُدِّل في عام 2011، فهو أكثر انحيازًا في هذا الصدد؛ إذ ينص على أن الأعضاء التسعة للمحكمة الجديدة ينبغي أن يعينهم الملك حصرًا (المادة /58 1.) أما الدستور السوري لعام 2012 فهو صامت تمامًا، عدا القول إن رئيس المحكمة العليا يسميه الرئيس بمرسوم (المادة)14114.
في البداية، طوّر واضعو مسودة الدستور التونسيون آلية معقدة للتعيين، مكونة من خطوتين، أ درجت في المسودة الثالثة للدستور المؤرخة في حزيران/ يونيو 2013 (الفصل 115.) في الخطوة الأولى، يُطلب من الرئيس، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، والمجلس الأعلى للقضاء، إعداد قوائم منفصلة للمرشحين. وهذا الأمر يشجع الاستثمار السياسي في المحكمة من جهة مجموعة واسعة من الفاعلين السياسيين والمؤسسات السياسية. وتتطلب الخطوة الأخرى من مجلس النواب انتخاب ثلاثة قضاة من كل قائمة مكونة من ستة مرشحين. وهذا يضمن لكل جهة سياسية فاعلة مُكِّنت من اقتراح مرشحين أن تؤدي دورًا في تشكيل المحكمة. وذكرت المسودة، كذلك، أن القضاة يجب أن تنتخبهم أغلبية عظمى مكونة من ثلثي أعضاء مجلس النواب. وعلى الرغم من أن هذا الشرط صُمِّم لتشجيع الأطراف على تقديم تنازلات بشأن المرشحين، فقد كان من المحتمل أيضًا أن يؤدي هذا إلى جمود خطير في الحدث المرجّح والمتمثل بعدم الوصول إلى أغلبية عظمى. وفي نهاية المطاف، اعتمدت المسودة النهائية نسخة مبسطة من تلك العملية، وذكرت أن على كلّ من الرئيس والبرلمان والمجلس الأعلى للقضاء أن يكون مسؤولً عن تسمية أربعة قضاة (الفصل 118.) يتمثل الأساس المنطقي لهذه القاعدة في: منع أي مؤسسة من أن تهيمن على المحكمة لوحدها، وضمان أن جميع الفروع الرئيسة للحكومة سيكون لها حصة في نجاح المحكمة، ومن ثم، منح المحكمة الدستورية نفسها قدرًا كبيرًا من الشرعية. هذا فضل عن أن هذه الصيغة تزيل إمكانية الجمود، التي كانت في المسودة الثالثة، وهذا في حد ذاته تطور إيجابي. وبموجب هذه الآلية، سيصبح دور المجلس الأعلى للقضاء حاسم، بالنظر إلى أن أعضاءه هم الوحيدون الذين لن يعينوا من طرف جهة سياسية. هناك عدد متزايد من البلدان في جميع أنحاء العالم (بما في ذلك المنطقة العربية) لديها مجالس قضاء تكون مسؤولة عادة عن إدارة الأعمال الداخلية للسلطة القضائية. ولكل بلد قواعد مختلفة لكيفية تشكيل مجلس القضاء وكيفية عمله. وثمة عدد متزايد من الدساتير التي تورد تفاصيل مهمة لضمان عدم العبث بالمجالس بواسطة تشريع قانوني لاحق. في تونس قبل 2011، كان المجلس الأعلى للقضاء مسؤولً عن إدارة السلطة القضائية. وترأس الرئيس السابق هذه الهيئةَ، وسيطر فيها عدد من كبار المسؤولين في الحكومة، بينهم وزير العدل. وقد افتقر المجلس للصدقية، وعُد - على نطاق واسع - أداة بيد السلطة التنفيذية للسيطرة على المحاكم15. أما الدستور العراقي للعام 2005، فلا يبدو أن واضعيه تعلموا شيئًا من تلك التجربة. ولذلك، تركوا للقانون سائرَ الجوانب المتعلقة بمجلس القضاء الأعلى المؤسس حديثًا، بما في ذلك تشكيله وحتى ولايته (المادة 87.) ويشبه الدستور المغربي الجديد الترتيب
الذي كان ساريًا في دستور تونس لعام 1959، فالملك هو الذي يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يتكون من عدد من كبار القضاة، منهم 3 بحكم مناصبهم، و 5 يعينهم الملك (الفصل 115.) الابتكار الوحيد الذي جاء به الدستور المغربي هو شرط أن يُنتخب 6 أعضاء من المجلس من بين قضاة محاكم أول درجة تحديدًا (أي من طرف قضاة المحاكم الابتدائية.) ويميل هذا الشرط لمصلحة تمثيل أكبر للقضاة الأصغر سنًا، ولكنْ في سياق أن الأغلبية العظمى من أعضاء هذا المجلس القضائي ستكون دائمًا تقريبًا موالية لرئيس الدولة. كان التحدي في تونس يتمثل في التأكد من أن المجلس الأعلى للقضاء الجديد سيكون مستقلً بما يكفي لضمان ألا تخضع المحاكم لضغوط السلطة التنفيذية. وفي هذا الصدد، يحوي الدستور الجديد عددًا من الثغرات التي ولّدت قلقًا بالغًا، فعلى سبيل المثال، ينص الفصل 112 على أن أغلبية أعضاء المجلس منتخبون، ولكنه لا يقول من ينتخبهم. ويذكر أيضًا أن ثلث أعضاء المجلس يجب أن يكونوا "من غير القضاة من المستقلين من ذوي الاختصاص"، لكنه لا يقول شيئًا عن المعايير التي يجب تطبيقها لاختيار هؤلاء الأفراد. وينص الفصل نفسه على أن جميع هذه القضايا يضبطها تشريع قانوني، ما يعني أنه سيتم تمكين العملية السياسية العادية من تحديد المسائل ذات الأهمية الحاسمة التي يمكن أن تؤثر في قدرة الإطار بأكمله على العمل. وأخيرًا، لا يشير الفصل 118 إلى كيفية اختيار المجلس الأعلى للقضاء من يعيّنهم في المحكمة الدستورية؛ هل من خلال عملية انتخابية داخلية، أم أن رئيس المجلس يؤدي دورًا مهيمنًا في عملية الاختيار؟ ترك الدستور هذه القضايا كلها مفتوحة، وهذا هو ما يولد قلقًا كبيرًا. أخيرًا، مُرِّر قانون جديد، في أيار/ مايو 2015، يضيف بعض التفاصيل التي أغفلها الدستور. وبالتوافق مع الفصل 112 من الدستور، نصت المادة 8 من القانون الجديد على أن المجلس يتكون من أربعة هياكل، هي: مجلس القضاء العدلي، ومجلس القضاء الإداري، ومجلس القضاء المالي، والجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاثة. وتنص المواد 9 و 10 و 11 على أن الهيئات الثلاث الأولى ينبغي أن تتألف من 15 عضوًا لكل منها، منهم 4 أعضاء بحكم مناصبهم (يُختارون من المراتب العليا في السلطة القضائية)، و 6 منهم قضاة ينتخبهم زملاؤهم، و 5 من غير القضاة (بما في ذلك المحامون والأكاديميون)، ينتخبهم زملاؤهم أيضًا. والنتيجة هي أنه من بين مجموع 45 عضوًا، يُنتخب 18 قاضيًا فقط، وهو ما يعني أقلية واضحة من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء. ولذلك، حاجج بعض المحللين وجماعات الضغط بأنه لحماية استقلال القضاء ينبغي - في الأقل - لعدد القضاة المنتخبين أن يكون أغلبية أعضاء المجلس16. ومع ذلك، ليس ثمة أدلة كثيرة على أن نسبة الأغلبية سوف تُحدث فارقًا حقيقيًا ملموسًا في أداء المجلس17. إن حقيقة كون 15 عضوًا يجب اختيارهم من خارج سلك القضاء سوف تسمح للمجتمع المدني بأن يؤدي دورًا أكبر في تحديد أعمال القضاء. ولكنْ ثمة قلق من الأعضاء الذين يعينون بحكم مناصبهم، وجميعهم يُنتقون من كبار أعضاء السلطة القضائية (ومنهم المدعي العام للقضاء العسكري)، فقد عانت تونس طويلً، حالها حال العديد من البلدان في المنطقة، تعديات السلطة التنفيذية وتدخلها في الشؤون القضائية. وبسبب ذلك، كثيرًا ما تلطخت سمعة كبار القضاة. وهذا يعني أن أي ترتيب يقتضي تعيين كبار القضاة تلقائيًا في المجلس الأعلى للقضاء سوف يشمل، بالضرورة، أشخاصًا يميلون عمومًا إلى مصلحة السلطة التنفيذية ويبتعدون عن حقوق الأفراد.
في أعقاب انتفاضات 2011، كانت ثمة فرصة مهمة في العديد من البلدان لعكس هذا الاتجاه، ولا سيما إذا تمّ ابتكار وسائل لتنشيط الثقافة القضائية، فعلى سبيل المثال، كان يمكن لواضعي مسودة الدستور التونسي الاعتماد على بعض الجوانب الإيجابية للترتيبات الدستورية المغربية وفرض انتخاب قضاة أصغر سنًا إلى مجلس القضاء، وكان بإمكانهم أيضًا أن يستمدوا الإلهام من تجربة جنوب أفريقيا (حيث أنشأت السلطات الحاكمة الجديدة، بعد انتهاء حقبة الفصل العنصري، محكمة دستورية جديدة تقدمية، لتكون نموذجًا لبقية هياكل القضاء)، أو من دستور كينيا الجديد (الذي نصّ على إنشاء لجنة تدقيق قضائية تكون مسؤولة عن التحقيق في شؤون جميع
القضاة لأغراض قطع الطريق على الفساد وعدم الكفاءة.) ولكن، مع أن التونسيين خصصوا جهدًا كبيرًا للقضاء، فقد كان تركيزهم محصورًا بإنشاء المؤسسات بدلً من تجديد الثقافة القضائية. وفي الوقت نفسه، تنص المادة 12 من قانون المحكمة الدستورية الجديد (الذي وافق عليه البرلمان التونسي في كانون الأول/ ديسمبر 2015) على أن المجلس الأعلى للقضاء يجب أن ينتخب أعضاء المحكمة الدستورية بأغلبية الثلثين، من دون أي تدبير احتياطي بشأن ما ينبغي القيام به في حال لم يتحقق هذا المستوى من الموافقة. ولذلك، فإن الترتيب الدستوري المختار ليس له القدرة على تقويض استقلال القضاء فقط، بل يمكنه، أيضًا وببساطة، أن يؤدي إلى طريق مسدود.
الدين والجندر
ثمة تناقضات في علاقة تونس بالدين وبالأحزاب السياسية الدينية وتأثيراتها. وقد عكست أحكام الدستور الجديد عن هذه المسألة الخاصة هذا التعقيد. يرى العديد من المراقبين أنه لا يمكن التوفيق بين أحكام الدستور عن طبيعة الدولة وعن علاقتها بالدين، وأن ذلك قد يؤدي إلى خلافات كبيرة في المستقبل، فالعديد من الأحكام ذات الصلة بهذه المسألة كانت وضعت لأول مرة في دستور عام 1959، وقد حافظت عليها ببساطة الجمعية التأسيسية في عام 2014، على سبيل التوافق. تنص هذه الأحكام على أن الإسلام هو دين تونس (الفصل 1)، وتنص - أيضًا - على أن الشعب هو مصدر السلطات (الفصل 3.) وكذلك، يورد الدستور الجديد عددًا من العناصر الجديدة التي تحافظ على التوازن الدقيق نفسه بين جانبي هذه القضية الحساسة، فالفصل 6 ينص على أن الدولة هي "راعية للدين"، وينص أيضًا على أن الدولة "كافلة لحرية الضمير والمعتقد وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي." وتنتهي تلك الفقرة نفسها بالقول: "تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها." ومع أن مجموعة من هذه الأحكام قد تكون بطبيعتها متناقضة، يبدو أن الجانبين المتفاوضين لم يكن مرجحًا أن يكونا قادرين على التوصل إلى ترتيب أفضل في هذه الظروف، ولا سيما مع اختلاف الآراء بينهما. وغالبًا ما يسعى واضعو الدساتير في جميع أنحاء العالم لتسوية الخلافات من هذا النوع، التي لا يمكن حلها، عبر الاستفادة من "الغموض البناء"، الذي يُرجئ حل هذه المسألة إلى موعد لاحق، بينما يتيح في الوقت نفسه مواصلة المناقشات الدستورية على قضايا أخرى. وكان هذا بالتأكيد هو مقصد الجمعية التأسيسية هنا: يكاد يكون من المؤكد تقريبًا أن حل الجدل بين الإسلاميين وغير الإسلاميين لن يكون ممكنًا إذا بُذلت محاولة للتوصل إلى نتيجة. ولذلك، ثمة فائدة كبيرة من الحفاظ دخلت لأول مرة عام على النمط نفسه من الصيغ الغامضة التي أ 1959، وأقلّ ذلك السماح لعملية صوغ الدستور أن تبلغ نهايتها، ويتم إحراز تقدم في قضايا أخرى، في الوقت نفسه. أحدُ العناصر التي يمكن انتقادها هو إدراج منع دعوات التكفير في. وقد أ الفصل 6 درجت تلك الصيغة المحددة في أواخر عملية كتابة الدستور، وذلك عقب حادث بين اثنين من أعضاء الجمعية. وكان القصد منها منع الإسلاميين من اتهام خصومهم العلمانيين بالإلحاد، ومن ثم تعريضهم للتهديد بالعنف. وعلى الرغم من أن واضعي هذه الصيغة حثتهم أفضل النيات، فقد يكون ثمة نتائج مهمة سلبية وغير متوقعة؛ فمن بين أمور أخرى، قد تؤدي هذه الصيغة إلى تقليص إضافي للمساحة المتاحة للساسة العلمانيين للمشاركة المفتوحة في العملية السياسية، فمنع دعوات التكفير قد ينتهي إلى منع أي مناقشة للمشاعر الدينية لدى سائر الموظفين العموميين، ومن ثم إزالة هذه القضية تمامًا من المناقشة العامة. وتلك ستكون نتيجة مؤسفة في حد ذاتها، نظرًا لأن المناقشة المفتوحة لهذه المسألة قد تكون أفضل طريقة لإثبات أن الساسة العلمانيين ليسوا أقل حماسًا لخدمة المصلحة العامة من أي مكون آخر للمجتمع. يجب أن يقتصر الفصل 6 على منع دعوات التحريض على العنف والكراهية، وهذا هو الذي كان العامل المحفز الحقيقي وراء هذه الفقرة الدستورية.
وكذلك، كانت قضية المساواة بين الجنسين مشحونة جدًا منذ بداية عملية صوغ الدستور. وكانت خطوط الخلاف قابلة للتوقع؛ فالإسلاميون يرغبون في رؤية نظرتهم المحافظة إلى الحياة العائلية التقليدية معممة
على جميع أنحاء الدولة والمجتمع، في حين يرغب العلمانيون والليبراليون في حماية كل الحقوق المكتسبة في ظل النظام السابق أو الامتداد بها إلى أبعد من ذلك. وفي هذا الصدد، أثار مشروع الدستور الأول، الذي صدر في أواخر عام 2012، استهجانًا كبيرًا في إشارته إلى المرأة بأنها "مكملة" للرجل. صرخ العديد من التقدميين مشمئزين آنذاك، ومارسوا ضغطًا متواصلً في هذا الموضوع خلال ما تبقى من عملية صوغ الدستور. ومع ذلك، يقدم الدستور عددًا من العناصر التي ستكون حاسمة من أجل حقوق المرأة في المستقبل، ففي المقام الأول، يطرح الفصل 46 مفهوم "الحقوق المكتسبة" التي يجب على الدولة الآن العمل على "دعمها وتطويرها." وبعبارة أخرى، تعد حقوق المرأة، كما هي عليه اليوم، الحد الأدنى الذي لا يمكن للدولة أن تتراجع عنه، وليس باستطاعتها سوى العمل على تحسينها. يأخذ الدستور التونسي، أيضًا، بالمبادرة التي قُدِّمت في الدستور المصري الجديد، والتي تعترف - لأول مرة - بمشكلة التمييز والعنف ضد المرأة. ولكن، في حين كان الدستور المصري غامضًا من حيث الأهداف التي من المفترض تحقيقها، ينص الفصل 46 تحديدًا من الدستور التونسي الجديد، على أن الدولة يجب أن تعمل على تحقيق "التناصف بين الرجل والمرأة في المجالس المنتخبة." هذا مع أن هذه الصيغة تجعل من غير الواضح إن كان هذا هو التزام فعلي للدولة أم مجرد طموح ينبغي لها أن تسعى نحوه. ولعلّ الدستور التونسي الجديد هو الأول من نوعه في المنطقة الذي يقدِّم صيغ تراعي الحساسيات الجندرية في ما يتعلق بالقضايا الرئيسة، فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن معظم الدساتير العربية تنص على الحق في العمل، غالبًا ما تأتي صيغ الأحكام ذات الصلة بذلك بطريقة توحي بأن هذا الحق محجوز فقط للرجال. أمّا الفصل 40 من الدستور التونسي الجديد، فنصّ على أن العمل هو "حق لكل مواطن ومواطنة". وكذلك، تستخدم الصيغة الحساسة جندريًا (لكل مواطن ومواطنة) في الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل، والحق في الترشح للانتخابات. ولعل الأهم هو أنّ الفصل 74 نص على أن " لكل ناخبة أو ناخب تونسي" الحق في الترشح لمنصب الرئيس. وهذه الصيغة هي، بالتأكيد، الأولى في المنطقة العربية. ومع أن هذه الأحكام هي، على الأرجح، الأكثر تقدمًا في المنطقة العربية من حيث حقوق الجنسين، لا بد من القول إنها لا ترقى إلى المساواة الواقعية، فما تكرسه هو مطلب أن تعامل الدولةُ الرجال والنساء على قدم المساواة في تطبيق القانون، ولكن هذا الالتزام لا ولن يتطلب أن يكون للرجال والنساء حقوق متساوية تمامًا في جميع الظروف، ولا سيما في تلك المجالات التي نصّت فيها الشريعة الإسلامية على أن الرجال والنساء يجب أن لا يكونوا متساوين (من قبيل قواعد الميراث، وحضانة الأطفال، وما إلى ذلك.)
فقرة الضوابط
كما هو متوقع، تضمن الدستور الجديد قائمة طويلة من الحقوق والحريات، بما في ذلك الحقوق المعتادة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. والعديد من هذه الحقوق مألوف (بما في ذلك الحق في حرية التعبير، والتجمع، وتكوين الجمعيات، والعمل، والتعليم، والصحة، وغير ذلك)، وثمة حقوق أخرى أكثر ابتكارًا، كالإشارات العديدة إلى الحق في بيئة نظيفة (الفصل 45)، وإنشاء هيئة التنمية المستدامة (الفصل.)129 يعبر الدستور عن أغلبية هذه الحقوق ببضع كلمات فحسب لكل منها، ويذكر القليل جدًا عن كيفية ممارسة هذه الحقوق أو ما هي أنواع الاستثناءات التي قد توضع بشأنها. في كثير من الدول النامية، تضع الدساتير بضعة أسطر عن كل حق لتوجيه المواطنين والدولة حول المدى الذي يصل إليه كل حق. وبدلً من ذلك يُدخ ل الدستورُ التونسي الجديد فقرة للضوابط هي الأكثر تفصيلً في المنطقة العربية (الفصل 49)، وقد صُمِّمت لمنع البرلمانات من الحدّ التعسفي أو غير المنصف أو غير العادل من حقوق المواطنين. وكانت ألمانيا أول دولة تُدخل مفهوم (الضوابط)، وذلك عبر استخدام ما يعرف باسم "التناسبية"، فعلى وفق هذا المبدأ، يجب أن يكون أي إجراء حكومي خاص للحدّ من حق دستوري (مثل حرية التعبير) متناسبًا مع الهدف الذي تسعى الحكومة لتلبيته، فإذا حكمت المحاكم على وسائل الحكومة بأنها غير متناسبة (وهو ما يعني أن وسائلها تعد مفرطة عندما تُقارن بالهدف)، فإن المحاكم تُ كَّن من وقف هذا الإجراء الحكومي الخاص. وقد تعلمت عشرات الدول من تجربة ألمانيا، منذ الخمسينيات، وأدخلت التناسبية في النظم الدستورية الخاصة بها. ومع مرور الوقت، تعلمت بلدان من جميع أنحاء العالم، بعضها من بعض (ولا سيما من خلال إنشاء شبكات دولية من الفقهاء القانونيين مخصصة للدراسة المقارنة للتناسبية)، وأصبحت فقرات الضوابط أكثر حذقًا. وحاليًا تعدّ فقرات الضوابط عنصرًا أساسيًا، وربما المكوّن الأكثر أهمية، في حماية الحقوق في
الممارسة العملية المقارنة اليوم18.وكان أحدث تجلياتها في كينيا التي اعتمدت على تجربة جنوب أفريقيا19(، من ضمن تجارب أخرى20. أصبحت الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت المنطقة العربية، منذ استقلالها الاسمي في الخمسينيات، خبيرة في منح الحقوق الأساسية، سخية في دساتيرها، وبعد ذلك، إزالة مضمون هذه الحقوق عبر التشريعات؛ ففي تونس، ومصر، والأردن، والعراق، وغيرها من البلدان، تقيِّد التشريعاتُ الحقوق، مثل حرية التعبير، إلى حد يمكن القول معه إن هذه الحقوق لا وجود لها بتاتًا. حصل هذا على الرغم من أن بعض الدساتير السابقة في المنطقة العربية، بما في ذلك الدستور التونسي لعام 1959، شملت صيغًا أقدم وأقل حذقًا لفقرات الضوابط21. وبناء على تلك التجربة، وعلى التطورات المهمة التي حدثت في جميع أنحاء العالم في هذا المجال نفسه، كان من الطبيعي أن نتوقع للمنطقة العربية الاتكال على هذه التطورات واعتماد فقرات ضوابط حاذقة خاصة بها. كانت عملية صوغ الدستور التونسي الجديد صعبة، لأن أعضاء الجمعية التأسيسية لم يكونوا على ألفة مع مفهوم فقرات الضوابط بأي شكل من الأشكال في بداية هذه العملية. وعندما فهموا، أخيرًا، ما تنطوي عليه، كانوا حذرين جدًا من نوع الأثر الذي يمكن أن تتركه على قدرة أحزابهم المستقبلية على التشريع. ومع ذلك، ونتيجة لضغط كبير من جميع الجهات، نص (الفصل 49) من الدستور على أن التشريع الذي يحدّ من الحقوق لا يمكن تمريره إلاّ "لضرورة تقتضيها دولة مدنية وديمقراطية،" وعلى أنّ طبيعة الضوابط التي يتصورها التشريع يجب أن تكون "متناسبة" مع موجباتها من الأهداف التي يسعى التشريع إلى تحقيقها22. وإذا كان لا يمكننا أن نبالغ في تقدير التأثير المحتمل للفصل 49 عن حماية الحقوق في تونس، وإمكانية أن يكون أنموذجًا في سائر المنطقة، فإن واقع الحال أن هذا الفصل، منذ أن نشُر وجرى تداوله، استمد كل من اليمن وليبيا الإلهام من تونس، وأدرج كل منهما نسخًا منه في مسودتي دستوريهما أيضًا23.
إن حقيقة كون الدستور هشًّا جدًا في مجال الحقوق، وأنه - في الوقت نفسه - يحتوي على فقرة ضوابط مفصلة، ستزيد بشكل كبير من العبء على المحاكم في الإطار الدستوري التونسي الجديد، فإذا خذلت العملية السياسية الشعب وأنتجت برلمانًا مطواعًا وسلطة تنفيذية طاغية عازمة على الحد من الحقوق، فسيكون اعتماد الدستور بشكل كبير على المراجعة القضائية باعتبارها الآلية الوحيدة للحد من تجاوزات فروع الحكم المنتخبة وذلك عبر تطبيق الفصل 49 24.
اللامركزية
ربما كان أكبر تحدٍ غير معلن في عملية صوغ الدستور هو عكس اتجاه التفاوتات البالغة الأهمية في الثروة بين المناطق الساحلية وبقية أنحاء البلاد. فخلافًا للانتفاضة المصرية، التي أ طلقت عمدًا من ميدان التحرير في وسط القاهرة، كانت الثورة التونسية غيرَ مخطط لها، اندلعت في سيدي بوزيد، البلدة الفقيرة في الوسط المهمَّش للبلاد، هناك حيث طالما سُحق السكان بفعل ما يعدونه معاملة تمييزية وغير عادلة من طرف السلطات الحكومية المركزية. تقليديًا، كانت الدول العربية من بين الدول الأكثر مركزية في العالم، فكل شيء تقرره في العاصمة حفنةٌ من كبار المسؤولين غير القابلين للمساءلة، ومعظم الاستثمارات العامة تتركز في عدد قليل من المناطق (المزدهرة نسبيًا.) وكانت الدساتير العربية تقليديًا إما صامتة تمامًا عن كيفية تنظيم الحكومة المحلية، أو تتناول هذا الشأن في بضعة تعبيرات عامة، في حين رسّخ القانون نظامًا من شأنه أن يضمن بقاء سلطة اتخاذ القرار محصورة بيد عدد قليل من الأفراد الموجودين في العاصمة. وكان يتحقق هذا الأمر، عادة، عبر النص على أن الحكومات المحلية ينبغي أن تعينها الحكومة المركزية، أو عبر تجويع السلطات المحلية ماليًا، أو ضمان أن القرارات والسياسات المحلية يمكن أن تُسقطها الحكومة المركزية في أي لحظة25. وكانت النتيجة أنه في كل بلد في المنطقة العربية تقريبًا كان ثمة عدد قليل من المدن (عادة، العاصمة وعدد قليل غيرها) التي تستفيد من خدمات جيدة نسبيًا، في حين تتجاهل السلطاتُ الحكومة المركزية سائر البلاد. وليست تونس استثناء من ذلك؛ فقد احتوى دستور 1959 فصل واحدًا فقط عن هذه المسألة، نصّت على ما يأتي: "تمارس المجالس المحلية والمجالس الجهوية والهياكل التي يمنحها القانون صفة الجماعة المحلية المصالحَ المحلية حسبما يضبطه القانون" (الفصل 71.) وقد سُنَّت سلسلة من القوانين، عبر عقود من الزمن، ضمنت بشكل فعال ألا يكون للأفراد والمجتمعات المحلية أي تأثير في تشكيل السياسات على المستوى المحلي. كان دستور 2014 فرصة مهمة لتصحيح هذا الوضع. وبالفعل، خُصِّصت إحدى لجان الموضوعات في الجمعية التأسيسية لهذه المسألة تحديدًا. وفي النتيجة، خصّص الدستور، في صيغته النهائية 11 فصلً للامركزية، وضعت عددًا من المبادئ المهمة في هذا المجال، بما في ذلك أن للجماعات المحلية "مواردها الذاتية" وموارد محالة إليها من السلطة المركزية، وتكون هذه الموارد ملائمة للصلاحيات المسندة إليها قانونًا (الفصل 135)؛ وأنّ الغرض من اللامركزية ينبغي أن يكون بلوغ "التكافؤ بين الموارد والأعباء المحلية" (الفصل 136)؛ وأن الجماعات المحلية يجب أن تكون مستقلة ماليًا بحيث تكون حرة التصرف في مواردها بالطريقة التي تراها ملائمة (الفصل 137)؛ وأن الجماعات المحلية سوف تعتمد "آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني" (الفصل 139)؛ وأنه يتعيّ إنشاء مجلس أعلى للجماعات المحلية، يكون منبرًا مهمً لمناقشة القضايا المحلية (الفصل 141)، وهذا كان مفقودًا في سائر البلدان العربية26. وحقيقة، إذا ما جرى تطبيق هذه الأحكام، فسوف تمثل خطوة كبيرة إلى الأمام، مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عام.2011 ولكن، في الوقت نفسه، ي كرر الدستور كثًا من القضايا مفتوحة بطريقة يمكن أن تجعل الب داا تندم لاحقًا، فالدستور يصمت تماما عن مه -اا مث -تاا السلطات المحلية وعن ماذا ستكون مسؤولة، هل ستكون مسؤولة عن وضع السياسة الصحية ع ىىالمستوى المح؟يي وهل ستكون مسؤولة عن صيانة الطرق، وجمع النفايات، وإعادة التدوير؟ لا يورد
الدستور أي إشارة ع ىىالإط قاا. وبدلً من ذلك، هو ينص فقط ع ىىما يأتي: "تتمتع الجماعات المحلية بصلاحيات ذاتية وصلاحيات مش كررة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها. توزع الصلاحيات المش كررة والصلاحيات المنقولة استنادًا إلى مبدأ التفريع. تتمتع الجماعات المحلية بسلطة ترتيبية في مجال ممارسة صلاحياتها، وتُن ررقراراتها الترتيبية في جريدة رسمية للجماعات المحلية" (المادة 134.) وكذلك، لا يقول هذا الحكم شيئًا إن كانت السلطاتُ المحلية حرة بالكامل في وضع سياسات من تلقاء نفسها، أم أن السلطات المركزية سيكون لديها حق النقض في نهاية المطاف. تُركت جميع التفاصيل للقانون. وفي الواقع، سيفتح هذا الوضع، المؤسف وغير الضروري، الباب أمام إمكانية ألا تُ نح السلطات المحلية أي مسؤوليات مهمة على الإطلاق، وأن تكون جميع القرارات المهمة عن السياسات محصورة، مرة أخرى، بيد السلطات المركزية27. وثمة سابقة، مهمة وخطيرة، في هذا الاحتمال، وهي أن الدستور العراقي لعام 2005، مع أنه نص على أن جميع المحافظات يجب أن يكون لها مجالس محافظات منتخبة، فقد جرّد "قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم" لعام 2008 المحافظات من أي سلطات على الإطلاق. وفي الخلاصة، هذه المسألة في غاية الأهمية، ليس فقط لأن الثورة التونسية بدأت - إلى حد كبير - بسبب التفاوتات بين مختلف مناطق البلاد، ولكن يبدو أن تلك التفاوتات تفاقمت منذ عام 2011 28. ومع ذلك، لا يزال بإمكان قانون اللامركزية الجديد للبلاد معالجة هذه القضايا، ولكن المحبط أن يترك دستور 2014 كثيرًا من الأسئلة الحيوية من دون إجابة في المقام الأول.
خلاصة
يتفق معظم التونسيات والتونسيين على أن الدستور الجديد خطوة متقدمة، على الرغم من الثغرات، وعلى أن الأهم هو ما سيتحقق في مرحلة التنفيذ. وهذا هو ما يشعرهم بالاطمئنان. لقد أثبت الشعب التونسي مرارًا أنه أكثر وعيًا من السياسيين بالاتجاهات التي ينبغي للبلاد أن تسير فيها، فمن بداية الثورة، كانت التونسيات والتونسيون في حالة تأهب قصوى، صرخوا في وجه أي محاولة لإساءة استعمال السلطة من طبقة السياسيين الجديدة في البلاد. إنّ الروح الديمقراطية الجديدة للشعب هي ما سيجعل تونس تنجح. وهذا هو ما سيجعلها مصدرَ إلهام للمنطقة العربية بأكملها.