الإنتاج المعرفي الإسرائيلي عن الربيع العربي
الملخّص
يهدف هذا البحث إلى عرض الإنتاج المعرفي الإسرائيليّ حول الربيع العربي وتحليله؛ إذ يعرض عيّنات من الإنتاج البحثي الأكاديمي والسياساتي أو الذي تم إنتاجه في الجامعات ومراكز الأبحاث والسياسات ويناقشه. ومع ذلك، لن يتمكن هذا البحث من عرض جميع ما ك تب، إسرائيليًا، حول الربيع العربي، وإنما يتناول عيّنة لا بأس بها مما ك تب، وهي ت عبر عن التوجهات البحثية العامة في إسرائيل. يزعم البحث أنّ الإنتاج البحثي الإسرائيلي حول الربيع العربي يُمثل ردّة معرفيّة عن التوجهات النقدية التي نشأت في العقدين الماضيين داخل المؤسسة الأكاديميّة الإسرائيلية، والتي حاولت تحدي بعض الأسس الاستشراقية والجمهورانية للإنتاج البحثيّ الإسرائيليّ حول المنطقة العربية وتفكيكها. وتمثلت هذه الردّة في التماهي الكامل بين الإنتاج البحثي وبين مواقف السُ لطة السياسيّة، المُ عادية لكل تحول ديمقراطي في المنطقة العربية، وقراءاتها الأمنية الضيقة للتغييرات في المجتمعات العربية. يزعم هذا البحث أنّ الربيع العربي كشف عن هشاشة الأطر المعرفية الإبستمولوجية التي استند إليها الإنتاج المعرفي الإسرائيلي حول العالم العربي قبل الربيع العربي.
بين التوجه الأيديولوجي والأداة الاستشراقية
مقدمة
أفضت الردة المعرفية من جهة، والتماهي مع السلطة السياسية من جهة أخرى، في إسرائيل، إلى قراءات بحثية ذات طابع أيديولوجي دوغمائي وسطحي للربيع العربي، وذلك بين أظهر نخبٍ أكاديمية تتصدر المشهد الأكاديمي في القضايا العربية والقضايا الإستراتيجية، فضلً عن النخب الإعلامية وهو ليس موضوع هذا البحث. علاوة على ذلك، يزعم البحث أنّ الربيع العربي كشف عن هشاشة الأطر المعرفية – الإبستمولوجية التي استند إليها الإنتاج المعرفي الإسرائيلي حول العالم العربي قبل الربيع العربي.
وعلى الرغم من هذه الردة المعرفية، فإنّ الأحادية والانسجام لا تعدان الصفة التي تميز الإنتاج المعرفي عن الربيع العربي، فهنالك باحثون تبنوا مواقف داعمة للتحول الديمقراطي في المجتمعات العربية، وخلت كتاباتهم من الدوغمائية البسيطة والقراءات الأيديولوجية، ووجهوا انتقادات للسلطة السياسية لمقاربتها الربيع العربي أمنيًا واستشراقيًا، ودعمها للسلطوية العربية1. إلا أنّ التوجه المُهيّمن هو توجه التيار المركزي الذي يتبنى كثيرًا من التصورات الاستشراقية في التعاطي مع المجتمعات العربية. ويتميّز هذا التيار بالأحادية، فيما يتميّز إنتاجه المعرفي بغياب المقاربة المقارنة، والتاريخية، والالتصاق بالتفسيرات الثقافية النمطية، والتعميم غير المبني على دراسات إمبريقية وأطر نظرية موجودة في الأدبيات الأكاديمية. كما يزعم البحث أنّ التيار المركزي في الإنتاج البحثي الإسرائيلي حول الربيع العربي ينطلق من توجهات أمنية و/ أو يمينية محافظة، ويأتي جزءٌ منها بتأثير من السلطة السياسية القائمة في إسرائيل، والجزء الآخر بتأثير وجهات أيديولوجية. تتخذ السلطة السياسية الإسرائيلية وباحثون توجهات معادية للتحولات الديمقراطية في المنطقة العربية، حتى من دون علاقة للانعكاسات الأمنية والإستراتيجية لهذه التحولات على مكانة إسرائيل والمشروع الصهيوني. وتعد هذه التوجهات استعلائية واستعمارية في جوهرها الأيديولوجي، واستشراقية في أداتها الإبستمولوجية. ويشير الباحث الإسرائيلي عميخاي ماغين إلى أنّ رد الفعل الإسرائيلي على الربيع العربي كان محافظًا، ودفاعيًا، وغير مثالي، وتابعًا للتفكير العسكري2. ويعمل البحث على عرض التوجهات العامة في الإنتاج المعرفي الإسرائيلي وليس كل ما نشر، ومن ثمّ إعطاء أمثلة تعبر عن هذه التوجهات. ولا شك أنّ الأمر يحتاج إلى مراجعة معرفية شاملة للإنتاج البحثي والأكاديمي الإسرائيلي حول الربيع العربي، يأخذ في الحسبان كل الجوانب التي تم التطرق إليها في الأدبيات الإسرائيلية.
إسرائيل والربيع العربي: ثلاث مراحل
يهدف هذا المبحث إلى عرض التعاطي الإسرائيلي العام مع الربيع العربي وتحليله. في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ثلاث مراحل مر بها التصور الإسرائيلي للربيع العربي: الصدمة، والتكيف التكتيكي، واستعادة التوازن الإستراتيجي. ومن الصعوبة الإقرار في هذا البحث، إن كانت هذه المراحل التي تعكس التعاطي السياسي الإسرائيلي مع الأحداث، هي نتاج التحولات في الإنتاج المعرفيّ في إسرائيل حول الربيع العربي، أو أنّ الإنتاج المعرفيّ تأثر من التعاطي السياسي للأحداث. وأزعم، والأمر يحتاج إلى بحث إمبريقي آخر، أنّ هذه المراحل هي نتاج تفاعل مُتبادل ومشترك بين المعرفة والسياسة في إسرائيل، والتي كانت دائمًا متداخلة ومتقاطعة بعضها ببعض، وخاصة في مراكز الأبحاث والسياسات، وبدرجة أقل عن الماضي، في الجامعات. بناء عليه، يمكن تصنيف الإنتاج البحثي الإسرائيلي بناء على هذه المراحل في التصور الإسرائيلي العام، إلى ثلاث مراحل بحثية، مع التأكيد أنّ التقسيم لا تفرضه لحظة تاريخية محددة، ولا تنفي حضور أجندات بحثية سابقة على المرحلة الجديدة، وإنما يتعلق بهيمنة أجندة معينة على أخرى. ففي مرحلة الصدمة، ركزت الأبحاث الإسرائيلية على محاولة لفهم الأسباب، واستعادة مقولات قديمة حول الإسلام السياسي، وتميزت الأبحاث الإسرائيلية، في هذه المرحلة، بالدوغمائية، مثل: التمييز بين
أنظمة الحكم الجمهورية وبين النظم الملكية في الربيع العربي، معتبرة أنّ الأولى تهاوت أو تصدّعت أمام الثورات، بينما صمدت الثانية أمامها لأسباب تتعلق ببنيتها الاقتصادية، ومصادر شرعيتها السياسية وتركيبتها الاجتماعية. وكذلك التمييز بين الإسلام السياسي والتيار الليبرالي، باعتبار الأول ينبذ الديمقراطية والثاني ينادي بها، كما أنّ الأول منظم سياسيًا والثاني ضعيف سياسيًا على الرغم من حضوره الكبير في الثورات. أما في مرحلة التكيف التكتيكي، فقد ركزت الأبحاث والدراسات على انعكاسات الثورات العربية على البيئة الأمنية والإستراتيجية لإسرائيل. بينما ذهبت الأبحاث في مرحلة استعادة التوازن الإستراتيجي إلى دراسة نتائج الربيع العربي على المنطقة العربية، وسميت في الأدبيات الإسرائيلية "ما بعد الربيع العربي" معلنة انتهاء الثورات الديمقراطية وبدء مرحلة الفوضى السياسية وانهيار الدول القطرية.
مرحلة الصدمة: محاولة لفهم ما حدث
سأبدأ هذا المبحث بافتتاحية مؤتمر عقد في آذار/ مارس 2010، في مركز "موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية وأفريقيا"، وهو مركز تابع لكلية تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة تل أبيب، ويعد أهم مركز أبحاث إسرائيلي في الدراسات العربية والإسلامية؛ إذ بدأ كمركز له علاقة مباشرة بالاستخبارات الإسرائيلية، ثم استقل وأصبح مركزًا أكاديميًا. كان عنوان المؤتمر: "التمرد والثورة في الشرق الأوسط." وجاء في افتتاحيته: "افتتحت بليبيا... لأنه بعد أكثر من أربعين عامًا، لا يزال الحاكم الأكثر قدمًا في العالم يحكم بحزم، ويُ ثل حكمه مثالً لما نشعر به كلنا تجاه الشرق الأوسط. فمن جهة، هنالك استقرار نموذجي غير مسبوق في كل دولة من الدول التي سنتحدث عنها، استقرار غير مسبوق في مصر والتي يحكمها حاكم يمسك بزمام السلطة أطول من كل حاكم في تاريخ مصر المعاصر منذ محمد علي، أطول بكثير من السادات ومن ناصر. وفي سورية هنالك نظام عائلي يحكم منذ أربعين عامًا؛ استقرار غير مسبوق"3. تمثل هذه الافتتاحية عشية اندلاع الربيع العربي، المنظومة المعرفية التي سارت عليها الدراسات والأبحاث الإسرائيلية في دراسة المنطقة العربية، لذلك صدمها الربيع العربي وضربها في مقتل. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فهو يطرح سؤالً آخر حول مهمة البحث الأكاديمي عمومًا والتاريخي خصوصًا، هل من مهمته وأهدافه التنبؤ بالمستقبل؟ يعمل المؤرخ على دراسة التاريخ وليس التنبؤ بالمستقبل، ويقدم قراءات تحليلية للأحداث التاريخية بناء على مرجعيات معرفية يراها مناسبة في دراساته. ليست من مهمة المؤرخ بناء أطر نظرية بهدف التعميم العلمي، هذه مهمة العلوم الاجتماعية؛ أي دراسة حالات بحثية واستنباط أطر نظرية، بهدف التنبؤ وقراءة ظواهر سياسية واجتماعية أخرى. فالتعميم غاية العلوم الاجتماعية ولكنه ليس جوهر الدراسات التاريخية. في الحالة الإسرائيلية، وفي مجمل التنظير في العلوم الاجتماعية عمومًا، فإنها أخفقت في التنبؤ بالربيع العربي، بل انغمس التنظير في العقدين الماضيين في دراسة استدامة النظم السلطوية العربية، وتم التنظير لتفسيرات كثيرة حول النظام السياسي العربي، لذلك فإخفاق العلوم الاجتماعية في هذا السياق هو أكبر من إخفاق العلوم التاريخية؛ لأن جزءًا من مهماتها هو التنبؤ والتعميم، وهي ليست مهمة التاريخ. على الرغم من هذا التمييز بين مهمة العلوم التاريخية والعلوم الاجتماعية، فإنّ سجالً دار في إسرائيل حول فشل الاستشراق الإسرائيلي في التنبؤ بأحداث الربيع العربي. وهذا يعود إلى عاملين، الأول العلاقة المباشرة والضمنيّة بين الاستشراق البحثي الخالص وبين السُلطة السياسية، وخاصة أذرعها الاستخباراتية، إذ تتمحور مهمة الأخيرة في التنبؤ بديناميكية الأحداث الصغيرة والكبيرة. وكان فشل الاستشراق البحثي في التنبؤ بالربيع العربي ولو بشكل أولي، صدمة بحثية معرفية في هذا الصدد، لأنه أضر بقدرات التنبؤ في الأجهزة الاستخباراتية التي تضم أيضًا مستشرقين بين ظهرانيها4، كما أن استعلائية المستشرق الإسرائيلي سوّلت له أن بمقدوره التنبؤ وفهم العرب أكثر من ذاتهم. أما العامل الثاني، فهو الثقة الاستعمارية بالنفس لدى المؤسسة الاستشراقية الإسرائيلية، وبمدى أقل لدى العلوم الاجتماعية. تعتبر هذه المؤسسة نفسها، بأنها الوحيدة في كليات الاستشراق وتاريخ الشرق الأوسط
وأفريقيا في الغرب، القادرة على فهم المجتمعات، والعقلية والثقافة العربية. بينما "تتساهل" الكليات الغربية في التعاطي مع الثقافة والمجتمعات العربية، بعد ظهور تيار نقد الاستشراق، الذي أسسه إدوارد سعيد وغيره في نهاية السبعينيات. لذلك مثل إخفاقها في فهم ديناميكية الثورات العربية ضربة لمكانتها ولمدرستها الاستشراقية. حتى اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011، لم تلق إسرائيل بال للأحداث التونسية، فتونس بعيدة جغرافيًا عن إسرائيل، ولا تؤثر فيها سياسيًا وإستراتيجيًا، خاصة بعد اتفاق أوسلو، وانتقال مركز قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلً عن أن تونس ليست موضوعًا جاذبًا للتخصص الأكاديمي في إسرائيل، بالمقارنة مع مصر أو دول المشرق العربي. علاوة على ذلك، لم تتوقع دوائر البحث والاستخبارات العسكرية أن تكون الأحداث التونسية بداية سلسلة من الأحداث على المستوى الإستراتيجي في المنطقة. في هذا الصدد، يشير افرايم عنبار، وهو مدير مركز بيغن-سادات للدراسات الإستراتيجية، إلى المفاجأة التي أصابت الدوائر البحثية السياسية والاستخباراتية من الربيع العربي "خلال سنوات شيّدت إسرائيل منظومة استخباراتية كبيرة ومُحكمة، ولكنها مرة أخرى تفاجأت من الأحداث في الشرق الأوسط، في السنوات الأخيرة، عندما بدأ مبارك يشيخ واندلعت حرب الورثة على حكمه، وظهرت أصوات بين أظهر البيروقراطية الإسرائيلية المرموقة تزعم أن مصر تتحول إلى إيران مجاورة لنا. إلا أن هذه التكهنات لم تنظر بعيدًا، فقد تنبأت الاستخبارات الإسرائيلية والخبراء الأكاديميون أن عملية توريث الحكم في مصر ستتم بسلاسة ويسُر، كما فشلت إسرائيل في التنبؤ بقوة المعارضة السورية، علينا أن نفكر بعمق أن السيناريوهات غير المعقولة، هي تلك التي يمكن أن تحدث فعلا"5. جاءت الثورة المصرية صادمة لإسرائيل، فلم تتوقع حدوثها، كما أنها لم تتوقع نتائجها حتى اللحظة الأخيرة. وزعم أكاديميون وسياسيون أن النظام المصري ليس النظام التونسي، وأن حدثًا شبيهًا بالحالة التونسية غير وارد بالحسبان. تعود الصدمة الإسرائيلية ليس للمفاجأة التي أصابت الأوساط الإسرائيلية فحسب، بل أيضًا بسبب غياب الخطط البديلة للتعامل مع الأحداث بما تحمل من سرعة وعمق تغيير6. وأشارت الباحثة الإسرائيلية كارميت فيلنسي، أن البحث الأكاديمي الإسرائيلي حول المنطقة يحتاج إلى تحول تاريخي، ففشله في توقع التحولات في العالم العربي ينبع من اعتماده على أطر تحليلية قديمة ومحافظة، مثل: رأي عام غير مبال، ونظم سياسية مستقرة، وجيوش قوية7. وفي الموضوع نفسه، يشير المؤرخ الإسرائيلي شؤول مشعال إلى أهمية تغيير المنظومة التحليلية والمعرفية الإسرائيلية بعد الربيع العربي، فيقول في هذا الصدد: "الإطار العلمي الذي سيطر على الخطاب الأكاديمي والسياسي في الفترة التي سبقت الربيع العربي، والذي اعتمد على واقع سياسي فيه سلطوية سياسية من دون حدود ومركزية إدارية بلا قيود وقمع للمعارضة من الداخل والخارج، يتعرض لخطر وجودي، في ظل الفراغ الذي تركته المنظومة القديمة. هنالك تشكلٌ لإطارٍ معرفي جديد لا تتضح معالمه بعد"8. لم تكن الصدمة الإسرائيلية من الربيع العربي نابعة من إعجاب المُحب عندما يفاجئه بعمل لا يتوقعه، بل من تشاؤم الذي يرى كل تغيير خارج عن سيطرته تهديدًا مباشرًا له9.
التكيّف التكتيكي: مقاربة الربيع العربي أمنيًا
أعقبت الصدمة الإسرائيلية جراء اندلاع الأحداث في مصر، وانتشار الثورات، والحراكات غير الثورية المطالبة بالإصلاح في دول المنطقة، مرحلة التكيف التكتيكي؛ أي محاول فهم ما يحدث في المنطقة العربية ومآلات الثورات العربية. في هذا السياق، يقول المؤرخان الإسرائيليان النقديان ايلي بوديه ونمرود غورن، أنه في الوقت الذي تعامل الغرب مع الثورات العربية وحركات الإص حاا بخطاب من الأمل ودعم
الثورات الديمقراطية، فإن إسرائيل تعاملت معها على أنها تهديد لأمنها القومي10. طغى الخطاب الأمني على التعاطي الإسرائيلي مع الأحداث في العالم العربي، واعتبرت أن الرد الإسرائيلي على التحولات الدراماتيكية في المنطقة يجب أن يكون من خلال زيادة الميزانية العسكرية والأمنية11. يعدّد افرايم عنبار التحولات التي أسفر عنها الربيع العربي، والتي قد تهدد الأمن القومي الإسرائيلي، وهي: ضعف الدول العربية وزيادة الضبابية السياسية، وتحولات في ميزان القوى الإقليمي وصعود قوى إقليمية جديدة مثل إيران وتركيا، وتراجع تأثير الولايات المتحدة الأميركية. كما يعدّد التأثيرات الإستراتيجية للربيع العربي في إسرائيل من عدة نواحٍ: عزلة إقليمية، وتآكل قوة الردع الإسرائيلية، وأخطار أمنية جديدة وأخرى قائمة آخذة بالتصعيد، وتهديد الممرات المائية في حوض البحر الأبيض المتوسط، والغفلة عن المشروع النووي الإيراني12. الأفق الآخذ بالابتعاد في كتابه، يقدم المؤرخ والدبلوماسي الإسرائيلي المعروف، ايتمار رافينوفيتش، قراءة في الكتاب للربيع العربي، ويعتبر أن اتفاق سلام بين إسرائيل وسورية في سنوات التسعينيات، كان سيجنب سورية الأحداث الحالية13. ولا يعالج الكتاب الربيع العربي، بل يقدم، كمؤرخ متقاعد، قراءة تاريخية عامة للصراع الإسرائيلي العربي منذ عام 1948 وحتى عام 2012، ويتطرق في نهاية الكتاب للربيع العربي. وعلى الرغم من المكانة المعرفية للكاتب في الأكاديمية الإسرائيلية، فإنه يبقى في الجانب الأمني من تحليل الربيع العربي وانعكاساته على المشهد الإقليمي والأمن الإسرائيلي ينظر بتشاؤم بطبيعة الحال. وأشار في كتابه إلى أن الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية اعتمدت على أسس تقليدية في المنطقة؛ السلام مع مصر والأردن. وقد هدم الربيع العربي هذه الأسس، ويقترح على إسرائيل البحث عن منظومة تفكير إستراتيجي جديدة تتلاءم مع التحولات في العالم العربي. يعبر هذا الكتاب الذي صدر عام 2012 عن الرؤية الأمنية في التعاطي مع الربيع العربي حتى من شخص يعتبر من المؤرخين المرموقين في إسرائيل. إن جزءًا من قراءات رافينوفيتش حول المشهد السوري، وهو تخصصه الأكاديمي الأساسي، كان دقيقًا، فقد توقع انتشار العنف من سورية إلى دول الجوار وخاصة في العراق ولبنان، وأشار أن الأزمة السورية سوف تتبعها أزمة لاجئين كبيرة، إلا أنه أخفق في توقع سرعة سقوط بشار الأسد، فقد اعتمد في قراءته على سقوطه السريع، باعتبار أن شرعية أبيه حافظت على نفسها بعد أحداث حماة عام 1981، لكن شرعتيه انتهت بعد الثورة. وعلى الرغم من أن منطق تفكيره صحيح، فإن النتيجة لم تكن دقيقة. ظهرت المقاربة الأمنية للربيع العربي بعد تعقد الأزمة السورية. فصدر أول كتاب عن الثورة السورية في مركز "موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية وشمال أفريقيا" في جامعة تل أبيب، ومؤلفه هو إيال زيسر، المتخصص في سورية، وهو أيضًا أحد خريجي وحدة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي قبل التحاقه بالأكاديمية الإسرائيلية. يعكس عنوان الكتاب المراحل التي مرت بها الثورة السورية، فجاء عنوان سورية: احتجاج، ثورة، حرب أهلية الكتاب:. فهو يشير في كتابه إلى أن الأحداث الحالية في سورية بدأت كاحتجاج محلي محدود على مطالب اجتماعية - اقتصادية، ثم تحولت إلى ثورة بسبب عنف النظام تهدف إلى إسقاطه، وقد انتهت بحرب أهلية14. وفي مقال سابق له في مجلة "الشرق الجديد"، التي تهتم بدراسة قضايا شرق أوسطية، نشر زيسر مقالً بعنوان "ربيع في دمشق: الصراع المتجدد على سورية"، ويحاول بواسطته العودة إلى الجذور التاريخية للثورة السورية، وأنها مثلت مرحلة جديدة في تاريخ سورية أنهت مرحلة حكم استمرت أربعين عامًا، وتميزت باستقرار سياسي في البلاد، بحكم مركزي صلب، ودور إقليمي مهم. ويعتقد أن الثورة السورية هي عودة إلى السنوات الأولى لتأسيسها التي تميزت بضعف الاستقرار سياسي وغيابه، وتغييرات سريعة في السلطة وتدخل أجنبي في شؤونها15. ظهرت مقاربات أمنية للربيع العربي في مقالات علمية حاولت فهم النظام الدولي بعد الحرب الباردة وتصوراته للربيع العربي، ففي مقال لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة حيفا، بيني ميلر، فإنه يميز بين ثلاثة توجهات في العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، ويحاول أن يحلل موقفها من الربيع العربي: التوجه التشاؤمي الذي توقع نشوء أنماط جديدة من الصراعات، والتوجه التفاؤلي الذي اعتبر أن النظام الدولي بعد الحرب الباردة يتجه نحو تعزيز الاستقرار والسلام العالمي، والتوجه الواقعي الذي يتشكك بكل تغيير (للجيد أو السيء) في النظام الدولي، حتى يدرك كُنهه ومآلاته16. يشير ميلر إلى أن التوجه التشاؤمي ينطلق
من أن الربيع العربي سيخلص إلى "شتاء إسلامي"، يعوق التحولات الديمقراطية، وينتهي بفشل الدولة العربية، ويركز على الانعكاسات الأمنية للربيع العربي على استقرار المنطقة والعالم، وطبعًا على إسرائيل (تشكّل هذا التوجه بتأثير تنظيرات، صامويل هنتنغتون، وروبرت كابلان، وبرنارد لويس وغيرهم من المحافظين الجدد في اليمين الأميركي.) ويعتبر الكاتب أن إسرائيل تنتمي إلى هذا التوجه في مقاربتها للربيع العربي. في هذه النقطة تحديدًا، اعتبر الكاتب أن الموقف الإسرائيلي نابع من تصورات عقلانية أمنية فحسب، فيما اعتقد أن التشاؤم الإسرائيلي هو موقف أيديولوجي معادٍ لكل تحول ديمقراطي جوهري وحقيقي في المنطقة العربية، فضلً عن كونه مقاربة أمنية تنتمي إلى التوجه التشاؤمي العلمي. أما التوجه التفاؤلي فهو يرى في الربيع العربي جزءًا من "نهاية التاريخ" التي نظّر لها فرانسيس فوكوياما ويتجلى فيه انتصار القيم الليبرالية والديمقراطية في العالم بعد الحرب الباردة. ويسلك التوجه الواقعي مسارًا براغماتيًا في مقاربته للربيع العربي، فهو يدرس التحولات والتغييرات الحاصلة ويتخذ موقفًا منها بناء على المصالح التي يتبناها التوجه الواقعي. وتجلى ذلك، على سبيل المثال، في قنوات الحوار التي أدارتها الولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين بعد الثورة المصرية، وبعد الانتخابات الرئاسية الأولى. يمثل كتاب المستشرق الإسرائيلي رفائيل يسرائيلي، بعنوان من الربيع العربي إلى الشتاء الإسلامي17، أحد تعبيرات التصور الإسرائيلي اليميني المحافظ تجاه الثورات العربية؛ فرؤيته للإسلام والحركات الإسلامية هي أحادية تصل إلى درجة العنصرية السطحية. ويدعي يسرائيلي، أن الربيع العربي أنتج نظمً إسلامية، وحيّد الأنظمة السلطوية التي لجمت الحركات الإسلامية، ويصل إلى نتيجة أن هذه الحركات لن تكتفي بتطبيق الشريعة الإسلامية في البلدان التي تحكمها، بل ستعمل على التحريض وإعلان الجهاد ضد الغرب. ونؤكد في هذا السياق، أن الباحث أنجز كتابه، كما يتبين من شكره لمن عاونوه على إصداره عام 2012، وصدر في عام 2013، وهذا يدل أنه يقصد بمصطلح الحركات الإسلامية حركات مثل الإخوان المسلمين في مصر، والنهضة في تونس، وحتى العدالة والتنمية في تركيا. ويقرر، بشكل اتضح أنه غير صحيح، أن النظم الإسلامية هي البديل الوحيد الذي أفرزته الثورات العربية، وأن العرب أمام خيارين فقط إما البقاء مع الأنظمة التسلطية وإما الانتقال نحو نظم دينية18. وتدل هذه الخلاصات العمومية والدوغمائية التي يطلقها الباحث في بداية كتابه على توجهه الأيديولوجي الواضح المُسبق، وبعد مطالعة الكتاب يتضح أكثر أنه يتوجه نحو إثبات موقف أيديولوجي معادٍ للإسلام، والحركات الإسلامية المعتدلة، والتحول الديمقراطي في العالم العربي. فضلً عن قصور الكتابة وضعفها من الناحية العلمية والميثودولوجية. ظهرت المقاربات الأمنية للربيع العربي في الإنتاج البحثي الإسرائيلي في الحالة المصرية تحديدًا، وذلك يعود للمكانة الخاصة لمصر في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي؛ فالأبحاث التي تناولت الثورة المصرية تطرقت بالأساس، من حيث الكم، إلى التداعيات الأمنية والسياسية للثورة المصرية على الأمن القومي الإسرائيلي، أو دراسة الأبعاد الأمنية للثورة المصرية. وحتى تلك الأبحاث التي تناولت الثورة المصرية بالتحليل والدراسة ومحاولة الفهم، لم تُغيّب البعد الإسرائيلي في تعاطيها مع الثورة المصرية. فمثلً تناولت أبحاث أكاديمية التحديات الأمنية المترتبة على الثورة، مثل الاستقرار الأمني في شبه جزيرة سيناء، والعلاقة مع قطاع غزة، والعلاقة مع إسرائيل، وسباق التسلح بينهما، وهو ما شغل مراكز الأبحاث الإسرائيلية قبل الثورة. والأهم من ذلك كله، الاهتمام البحثي الأكاديمي بمكانة المؤسسة العسكرية والجيش المصري بعد الثورة، ولا تخفي هذه الأبحاث تأثير هذه المكانة سلبيًا وإيجابيًا في إسرائيل، حسب موقع الجيش من التحول الديمقراطي، علاوة على أن هذه الفترة شهدت أبحاثًا أكاديمية إسرائيلية تهتم بالعلاقة بين السياسي والعسكري في الثورات العربية وأثرها في الأمن القومي الإسرائيلي، ومستقبل التحول الديمقراطي19.
مرحلة استعادة التوازن الإستراتيجي: إقرار انتهاء الربيع العربي
ارتبطت هذه المرحلة بتعثّ الربيع العربي في مصر بعد الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013، وتعقّد المسألة السورية عبر دخول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" إلى الأزمة، وتعثر التحولات السياسية في ليبيا واليمن ووقوف الموجة الثورية العربية نتيجة كل هذه الأحداث، التي أعادت خطاب الاستقرار والأمن إلى الأجندة العربية من جديد. أصاب إسرائيل في هذه المرحلة ضربًا من الثقة المهووسة بالذات. فمن جهة، أثبتت للغرب، بأنها الدولة الوحيدة
التي تفهم العقلية العربية وأن الأمل أو الواقع المتخيل المستقبلي الذي زرعه الربيع العربي في نفوس كثيرٍ من الدوائر الغربية، كان مجرد وهم، ت بذلك إسرائيل منذ البداية في السر والعلن. ومن جهة أخرى كما بشّ، تعيش إسرائيل زهوًا إستراتيجيًا غير مسبوق في تاريخ صراعها مع العرب، فالدول تنهار، وجيوشها تتفكك، والصراعات الأهلية والبينية الإقليمية تزداد، والتناقضات الإستراتيجية بين دول المنطقة تصب لمصلحة إسرائيل. وأصبحت القضية الفلسطينية هامشية في الأجندة العربية، لذلك لم تتوان إسرائيل عن إفشال كل تسوية للحل من دون رادع، وزيادة سيطرتها الكولونيالية الاستيطانية على فلسطين، وشن حرب مدمرة على قطاع غزة استمرت أكثر من خمسين يومًا، ووصلت ذروة ذلك في الخطاب الكولونيالي التقليدي الذي يتبناه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في اعتبار إسرائيل رأس الحربة للعالم الغربي في مواجهة "الإرهاب الإسلامي."
ركزت الأبحاث الإسرائيلية في هذه المرحلة على دراسة العالم العربي "ما بعد الربيع العربي"، واعتبرت أن مرحلة الربيع العربي انتهت، أي الثورات من أجل الديمقراطية في العالم العربي؛ فركزت على دراسة مرحلة الربيع العربي وتقييمها، وبحثت انعكاساتها على المنطقة، والتي تتمثل أساسًا في انهيار الدولة القُطرية، وصعود تنظيم داعش. وكما فاجأ الربيع العربي المنظومة الأكاديمية والاستخباراتية الإسرائيلية، فإنّ صعود داعش وسيطرته على مساحات كبيرة من الأرض فاجأتهم مرة أخرى. ولم يكن التشاؤم الإسرائيلي من الربيع العربي من صعود الإسلاميين إلى الحكم وأسلمة الثورات، يشير أو يتوقع ظهور داعش، بل كان يقصد الحركات الإسلامية المركزية في الدول العربية، وخاصة حركة الإخوان المسلمين في مصر. وفي دراسة صعود تنظيم داعش، يمكن التمييز بين الإنتاج البحثي في مراكز الأبحاث التي ركزت على أسباب صعوده وتمدده ومصادر قوته، وهي أبحاث ذات وفرة تقريرية وضمور تحليلي وغياب مقاربات نظرية، وهمها الأساسي هو الهم الأمني، وبين أبحاث أكاديمية حاولت فهم الظاهرة بصورة معمقة من خلال قوالب نظرية للعلوم الاجتماعية. بات تنظيم داعش محل اهتمام البحث الإسرائيلي، ليس في سياقات فهمه فحسب، بل أيضًا في بحث انعكاساته على مكانة إسرائيل وأمنها في المنطقة. واعتبرت الأبحاث الإسرائيلية أن صعود داعش هو نقطة نهاية الربيع العربي20. والمثير للسخرية في الإنتاج المعرفي الإسرائيلي، أنها المرة الثالثة أو الرابعة التي تعلن فيها أبحاث في إسرائيل عن نهاية الربيع العربي، فهنالك أبحاث أشارت إلى أن صعود الإخوان المسلمين بمدارسهم المختلفة إلى الحكم هو نهاية الربيع العربي21. وهنالك من دشن لحظة نهاية الربيع العربي بتعقيد الأزمة السورية22، وهنالك من اعتبر أن لحظة النهاية كانت في الانقلاب العسكري في مصر، والآن يظهر داعش كلحظة تاريخية سهلة للإعلان على موت الربيع العربي في البحث الإسرائيلي. نشُرت خلال هذه الفترة أبحاثٌ تحاول دراسة الربيع العربي بنوع من الهدوء المعرفي الذي يعقب مرور فترة زمنية على الحدث، فمثلً ظهرت مقاربات نظرية حول الأمة والقومية والدولة الوطنية. ونشر الباحث الإسرائيلي في جامعة تل أبيب، اوريال ابولوف، الذي حاول مقاربة الربيع العربي من خلال التمييز بين القومية السلبية وبين القومية الإيجابية، معتبرًا أن القومية الإيجابية التي تعتبر أن الشعب هو مصدر الشرعية هي التي شكلت الأرضية الفكرية للربيع العربي، بينما تنحصر القومية السلبية في معارضة الحكم الأجنبي. ويعتبر ابولوف أن الثورة الحقيقية للربيع العربي هي نشوء القومية الإيجابية التي أعادت مكانة الناس كمصدر للشرعية، وتتحدى هذه القومية النظام والوحدات السياسية معًا23. وهناك مقاربة نظرية أخرى للربيع العربي قام بها باحثان إسرائيليان حول دور المدينة في الاحتجاج الاجتماعي، وقد درسا الدور الذي أداه الحيز المديني في الحراك الشعبي والسياسي في الربيع العربي مؤسسًا للمدينة المتمردة، وقد استحضر الباحثان حضور المدينة
في الثورات العربية وحضورها في الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل في صيف 2011، والذي كان شعاره "الشعب يريد عدالة اجتماعية" على غرار شعار الثورات العربية "الشعب يريد إسقاط النظام"24. كما ظهرت خلال هذه الفترة أبحاث أكثر جدية في محاولةٍ لدراسة أسباب اندلاع الربيع العربي. ولا تختلف الأدبيات الإسرائيلية الأكاديمية والبحثية كثيرًا عن باقي الأدبيات في مقاربتها لأسباب اندلاع الثورات العربية. فمثلً، يشير المستشرق الإسرائيلي، اون فينكلر، المتخصص بدراسة التحولات الاقتصادية والديموغرافية في المنطقة العربية، أنّ أسبابًا تتعلق بالمبنى الاقتصادي للدول العربية أدت إلى اندلاع الثورات العربية، وهو يفرق بين الدول النفطية والدول غير النفطية. ويعتبر أن التحولات المركزية تحدث، منذ الخمسينيات، وحتى اندلاع الثورات العربية في الدولة غير النفطية مستثنيًا الحالتين الأردنية والمغربية، ويرجع ذلك إلى العلاقة بين المبنى الاقتصادي وعلاقيته بالمبنى الاجتماعي والسياسي25. أما الباحث الإسرائيلي، حاييم آسا، فإنه يقوم بكتابه عندما التقى ماركس مع نيتشه في ميدان التحرير، بمقاربة فلسفية للمجال الإلكتروني ودوره في اندلاع الثورات العربية، ويعتقد أن الثورة الإلكترونية تشبه ثورة الطباعة في القرن السادس عشر، ويزعم في كتابه أن الثورة ليست حدثًا مفاجئًا، بل هي صيرورة تنضح في وعي الناس، فإلى جانب الغربة التي يعيشها الناس (وهو مصطلح ماركسي أخذه الكاتب من ماركس)، فهنالك حاجة إلى مركبين لاندلاع الثورة، الثقة بين المعارضين، وإيمانهم بقدرتهم على إحداث تغيير. ومن دون هذين المركبين فستكون الثورة مجرد حدث احتجاجي محدود. إن الثقة والإيمان بالانتصار أمام جيوش وأنظمة عاتية، يغذي أحدهما الآخر، وهذا بدوره ينتج صيرورة ديالكتيكية تدمج بين العقلاني المبني على حسابات القوة أمام النظام، وغير العقلاني المعتمد على الشعور بالقوة والقدرة على التغيير26. اهتم باحثون إسرائيليون وخاصة من كليات الإعلام والإعلام السياسي بدور شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني كأحد أسباب انطلاقة الثورات العربية. ولم تنطلق هذه الأبحاث من ادعاء أن شبكات التواصل الاجتماعي كانت أداة للثورة، بل كانت أحد أسباب الثورة. فمثلً، في أحد المقالات، حاول باحثون إسرائيليون مقاربة الربيع العربي كفعل جماعي بواسطة الأطر النظرية للإعلام الاجتماعي الإلكتروني27.
مراكز الأبحاث: بين توجهات بحثية حذرة ومحافظة ومستبشرة
سنعرض في هذا المبحث ثلاثة كتب بحثية إسرائيلية تلخص الربيع العربي بعد عام أو عامين من اندلاع الثورات العربية. وهي الكتب الوحيدة التي صدرت بالعبرية حتى عام 2013، وتحاول تلخيص التحولات في المنطقة العربية وتقييمها وقراءتها. وصدرت الكتب الثلاثة عن مراكز أبحاث مختلفة في إسرائيل من حيث التوجه الأيديولوجي والأهداف. في ذكرى مرور عام على اندلاع الثورات العربية، أصدر معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب كتابًا بحثيًا، بعنوان: عام على الربيع العربي: الانعكاسات الإقليمية والدولية، وقد اختار المركز أن تكون صورة الغلاف لامرأة مصرية مُنقبة، وهو يوحي بمصير الربيع العربي، حسب رأي المركز، حتى قبل أن يباشر الشخص قراءة الكتاب؛ أي سيطرة الإسلام السياسي على الربيع العربي28. في المقابل، أصدر مركز بيغن-سادات
للدراسات الإستراتيجية، كتابًا يلخص عامين من أحداث الربيع العربي، ونشر أبحاثه في دار نشر عالمية أكاديمية29. أما الكتاب الثالث فهو صادر عن مركز أبحاث جديد تأسس عام 2011، وهو "المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية"30. تُ ثل المراكز الثلاثة توجهات مختلفة في مقاربة الثورات العربية. فمركز بيغن-سادات هو مركز يميني محافظ يتبنى توجهات دوغمائية-قاطعة من الربيع العربي، يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، ومع ذلك فهو يعتبر أحد المراكز المهمة في إسرائيل، لأنه يعبر عن النظام السياسي الإسرائيلي الراهن، وهو يُ ثل اللامنطوق السياسي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي ألقى "خطاب بار إيلان" عام 2009 في المركز الموجود في جامعة بار إيلان الدينية الصهيونية. أما مركز دراسات الأمن القومي، فإن مقارباته للربيع العربي هي مقاربات أمنية وإستراتيجية، وأقل أيديولوجية. أما معهد السياسات الخارجية، فإن قراءته للربيع العربي هي قراءة تفاؤلية تعتقد أن فيه الكثير من الفرص لإسرائيل، ليس من الناحية الأمنية والاستراتيجية فحسب، بل في قدرته على بناء نظام سياسي مستقر من خلال الانتقال إلى الديمقراطية. وفي قراءة لمجمل الكتابات والدراسات والأوراق البحثية التي صدرت عن المركزين الأولين في السنوات الخمس الأخيرة، نجد أن مركز بيغن-سادات تبنى موقفًا أيديولوجيًا مُعاديًا للربيع العربي ومتشائمًا من مستقبله، ومعتمدًا على توجهات استشراقية وتفسيرات ثقافية نمطية للمجتمعات العربية. وبغض النظر عن أن بعض التوقعات العمومية التي أطلقها المركز قد تحققت أو لا، فإنها لم تصدر بناء على أبحاث علمية رصينة أو دراسات أكاديمية تطبيقية، بل كانت مجرد أحكام مسبقة صدقت في بعضها وخابت في بعضها الآخر. فعلى سبيل المثال، كجزء من توجهه لنفيّ الصفة الديمقراطية عن جوهر الربيع العربي، كان توجه المركز دائمًا عبر كتاباته أن الربيع العربي سيؤدي إلى أسلمة الدول العربية، وسيطرة حركات الإسلام السياسي على مقاليد الحكم. يحمل هذا التوجه رؤية ضيقة وجاهلة في الوقت نفسه؛ ضيقة، لأنه لا يرى ديناميكيات الحراك الثوري العربي، لذلك فإن أسهل تحليل هو القول بسيطرة حركات الإسلام السياسي على الربيع العربي. أما جاهلة، فلأنه يفترض بشكل استشراقي ونمطي، أن هنالك تناقضًا بين صعود الحركات الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين للحكم وبين التحول الديمقراطي31. ومع أن هذا الحكم الأيديولوجي المُسبق تحقق مؤقتًا في مصر وتونس والمغرب، فإنه بعد الانقلاب العسكري في مصر استبدل به المركز تحليلً حول صعود داعش كنتاج للربيع العربي وحالة الفوضى32، وليس كنتاج لتعثر الربيع العربي. في كتاب مركز دراسات الأمن القومي، الذي اشترك في كتابته سبعة عشر باحثًا، كان الموضوع الأساسي للكتاب بعد عام على الربيع العربي، هو الانعكاسات الإستراتيجية للثورات على البيئة الإسرائيلية والإقليمية والدولية. ومن المهم التطرق إلى الخلاصة التنفيذية للكتاب، والتي كتبها رئيس المركز، عاموس يدلين، وقد شغل سابقًا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي. تدل مقاربة يدلين للربيع العربي بعد عامين، على أنها مقاربة أمنية إستراتيجية بالأساس، ولا تخلو من مقولات فرضتها آنية الحدث، من دون فهم كُنهها ومستقبلها. فهو يحاول أن يحدد من الفائز والخاسر من الربيع العربي، وهي معادلة دوغمائية تتعامل مع الصراعات السياسية العربية في مرحلة الانتقال الديمقراطي المرحلي (أي بعد عامين) كمعادلة صفرية. ويُحدد يدلين أن الفائز المركزي هو الإسلام السياسي. أما الخاسرون، فهم الأقليات الدينية، والنساء، وإسرائيل، والسعودية، والولايات المتحدة الأميركية. كما يقرر يدلين، من جهة، أن التوجه السني في صعود بينما التوجه الشيعي يتراجع، ويعتبر في مكان آخر إيران من الرابحين من الربيع العربي33. إن قراءة الربيع العربي من خلال معادلة الفائز والخاسر بمطلقه الصفري هي قراءة أمنية، تنطلق من إطار المصالح الإسرائيلية فحسب. في باقي الفصول، لا يقدم الكتاب مقاربات جديدة تختلف عن المقاربات التي ظهرت في الإنتاج المعرفي الإسرائيلي عمومًا، مثل التمييز بين الدول الملكية والدول الجمهورية، وبين الإسلام السياسي والعلمانيين، ومواقف القوى الإقليمية وغيرها. في كتاب معهد السياسات الإقليمية، نجد توجهًا بحثيًا مختلفًا عن التوجهين السابقين، شارك في كتابة فصوله أحد عشر باحثًا تبنوا مواقف داعمة للتحول الديمقراطي في العالم العربي وحرية الشعوب. وحاولوا عرض الفرص السانحة لإسرائيل في حل الصراع مع الفلسطينيين، واستقرار المنطقة في خضم الربيع العربي. فمثلً في فصل للمؤرخ الإسرائيلي المعروف موشيه معوز من الجامعة العبرية، أشار إلى أن الربيع العربي
سوف ينتج حركات إسلامية براغماتية ومعتدلة34. وفي مقدمة الكتاب يشير المؤرخ ايلي بوديه، من الجامعة العبرية إلى أن الربيع العربي يفتح فرصًا للاستقرار والسلام والرفاهية لشعوب المنطقة، ويجب التعامل معه ليس كخطر بل كفرصة تاريخية للتغيير نحو الأفضل35.
خاتمة ونقاش
تناول الربيع العربي بالبحث والدراسة، بالأساس، الباحثون والمحاضرون في كليات تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجامعات الإسرائيلية، ومراكز الأبحاث التي تختص بالدراسات الشرق أوسطية، والقضايا الإستراتيجية والأمن القومي. وفي الدرجة الثانية، تناوله باحثون ومحاضرون في العلوم السياسية. ونتطرق هنا إلى بعدين حول الإنتاج المعرفي الإسرائيلي في ما يتعلق بالربيع العربي: منهجي-ميثودولوجي، ومعرفي-إبستمولوجي. في المجمل، فرض النسق الأكاديمي المعرفي نفسه على الزاوية التي اشتبك بها الباحث الإسرائيلي مع الربيع العربي. وجاءت الأبحاث الإسرائيلية حول الربيع العربي من خلال النسق المعرفي المحدد الذي ينتمي له الباحث، وليس من خلال مقاربات معرفية متعددة الأنساق، وهذا يشكل قصورًا كبيرًا في التعمق بديناميكيات الربيع العربي، ومدخلً لاستحضار الأيديولوجيا في البحث العلمي. فالمؤرخ الإسرائيلي الذي بحث في الربيع العربي بقي أسيرًا للمنطقة العربية، وحتى للدولة العربية التي تخصص فيها، ولم يدرك بالنسق المقارن والقالب النظري ديناميكيات شبيهة حدثت لثورات عبر التاريخ وفي مناطق أخرى خارج المنطقة العربية. هنالك مستشرقون يجهلون ذلك، فيعتقدون أن العرب هم ظاهرة فريدة في التحولات الاجتماعية والسياسية، وهنالك مستشرقون مؤدلجون يخصون العرب بظواهر تاريخية، وهم عدائيون تجاه كل تحول ديمقراطي في المنطقة العربية، وهم معروفون في المشهد الأكاديمي الإسرائيلي، فقسم منهم متدينون ويهاجمون المجتمعات العربية على تدينها، ويعتبرون الدين والتدين في المنطقة العربية مناقضًا للتحول الديمقراطي، وهم أنفسهم يدعمون أحزابًا وتيارات سياسية ذات توجهات دينية في إسرائيل، ومعادية حتى للديمقراطية الإسرائيلية الهشّة. أما الباحث القادم من العلوم الاجتماعية، فهو يحاول دراسة الربيع العربي من خلال قوالب نظرية جاهزة حول التحول الديمقراطي والثورات، من دون معرفة أولية بتاريخ المنطقة وتشكل الدول العربية وأنظمتها السياسية. ويهدف هذا الباحث إلى استنباط نماذج نظرية تعميمية من أطر نظرية قائمة، وهو يخفق في ذلك لأن هذه الأطر لا تمده بالمعرفة العميقة عن المنطقة العربية. واللحظة الراهنة، موضوع البحث، غير مقطوعة عن التاريخ العربي الحديث والمعاصر. فيصل إلى خلاصات دراماتيكية في وصف اللحظة الراهنة، مع أن هنالك لحظات في التاريخ العربي لا تقل دراماتيكية عن الراهن. يتبين من مراجعة الإنتاج المعرفي الإسرائيلي، أن الأبحاث الذي انطلقت من أنساق معرفية محددة في العلوم الاجتماعية تعاملت مع الربيع العربي كظاهرة بحثية تُؤسس لأجندات بحثية جديدة في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية، وطغى على أبحاثها المقاربات النظرية بهدف التجديد المعرفي، وخاصة في العلوم السياسية. بينما ذهبت الدراسات التطبيقية الأكاديمية لفهم الربيع العربي وتفكيكه معرفيًا وفهم أسبابه. وظهرت الدراسات التطبيقية في الأبحاث الإعلامية والاقتصاد وبعض الدراسات التاريخية. في المقابل، ظهرت الأبحاث التي انطلقت من مراكز البحث والدراسات الشرق أوسطية والإستراتيجية، وخاصة التاريخ، كدراسات تقريرية، منكفئة على ذاتها؛ بمعنى أنها اهتمت بدراسة انعكاسات الربيع العربي على الاستقرار الإستراتيجي الإقليمي والأمن القومي الإسرائيلي. كما أنها لا تنطلق من دراسة متعددة الأنساق، ولم تُنظّر حتى من داخل نسقها الخاص، ولم تقدم رؤى مقارنة التي عادة تقوم على كبح جماح التفكير الاستشراقي من خلال المقارنات التاريخية خارج المنطقة العربية. وأعلنت الدراسات الاستشراقية بعد عامين فقط أن الثقافة والمجتمعات العربية والإسلامية لا تقبل الديمقراطية، بسبب تعثر الربيع العربي، وكان يمتزج مع هذه الخلاصات، فرحة الأيديولوجي بانتصاره على خصومه، من دون أن يبذل عناء المؤرخ ليجري مقاربات تاريخية (ليست نظرية) مع أحداث شبيهة لدى شعوب أخرى.