ورشة مستقبل الثورات في العالم العربي
الدوحة، 15 - 16 كانون الثاني / يناير 2016
تقرير ورشة مستقبل الثورات في العالم العربي الدوحة، 15 - 16 كانون الثاني / يناير 2016 قبل خمسة أعوام، جمع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مجموعة من الناشطين للحديث عما صار ربيعًا عربيًا بفضل جرأتهم وقيادتهم لانتفاضة الجماهير. وقتها بدوا ثوّارا حالمين؛ لكن بعد مرور هذه المدة، وخلال يومي 15 و 16 كانون الثاني / يناير شاركوا في ندوة لناشطي الربيع، بدوا جدّ مختلفين؛ فوعي هؤلاء الشباب قد انتقل من الحالة الرومانسية من الانتشاء بإسقاط المستبدين العرب، إلى حالة جديدة تنمّ عن قدر عال من النضج الحركي والفكري، صنعتها المعاناة والتعثرات، وانتجت إدراكًا واقعيًا لحقيقة تعقد المعركة من أجل الحرية وسعتها. لكنّ الثابت بين التاريخين أنّ الأمل في الحرية وإمكان تحصيلها كان متّقدًا في قلوبهم. استهدف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من دعوته إلى هذه الورشة، الربط بين الناشطية الثورية والفكر المعضّ د للديمقراطية. وهو في ذلك يستكمل دورًا طليعيًا له، يدعم تطلّعات الشعوب العربية، عبر المساهمة في إثراء الفكر العربي والمكتبة الأكاديمية بطروحات ورؤى ودراسات الديمقراطية وسبل التخلص من الاستبداد. يحفزه في هذا إصرار على ألّ تفلت اللحظة الثورية، وألّ يرتد الفكر السياسي والجهد البحثي إلى تخوم ما قبل.2011 انطلقت الجلسة الافتتاحية بكلمة للدكتور عزمي بشارة مدير عام المركز، وجه فيها النظر إلى أهمية استعادة موضوع الثورات الديمقراطية لأجندة البحث والخطاب، بعدما دفعته الثورة المضادة بعيدًا، وأحلت محله حديثًا مقطوع السياق عن الإرهاب، ومقتضيات استعادة الاستقرار. ونبه إلى المراوغة التي تقوم بها النظم في هذا السياق، بتلبيسها على الثورات، واتهامها بما اقترفته هي من عنف وإثارة للفوضى، فضلً عن تعنتها وإعاقتها أي إمكانية للتوصل إلى حلول وسط خلال مراحل الانتقال. خطاب النظم المطنطن بالاستقرار غايته وأد الثورات، يكشف ذلك حقيقة أنّ هذه النظم تتجاهل تمامًا حقيقة أنّ العنف والإرهاب إنّ ا هما بعض من عوارض أعمالها الاستبدادية وسياساتها الطائفية، وبسبب من تهميشها جموع المواطنين وممارستها العدوان على حقوقهم. وبيّ بشارة أنّ أسئلة الثورة لم تزل مطروحة، وأسئلة الحركة لأجلها وعلى رأسها سؤال العمل، وكيفية مواصلة الحراك الديمقراطي في المستقبل، وهل هو ممكن من دون طرح بدائل مفكر فيها ومدروسة جيّدًا؟ هل إنّ ما بدأناه في 2011 لم يزل صالحًا لنضالات المستقبل؟ وهل هناك إمكانية لرأب الصدع وجمع الصف الثوري، ولو بأن نتفق على ماهية ما لا نريد أولً؟ فيم نرسم الحد الأدنى من الاتفاق على ما نريده؟ وهل يمكن إقناع الجماهير بالعودة إلى ساحات الثورات دونما طرح لبديل فاعل؟ وأضاف بشارة أنّ طرح البدائل مهمة أساسية للناشطين والباحثين. واستدرك، بأنّ ما تطرح بعض القوى من المطالبة بالبديل قد يكون مراوغًا؛ ضاربًا المثل بالحالة السورية، حيث يصدي صوت الدول الغربية سائلًالشعب السوري: "ما هو بديلكم؟" وعدّ ذلك محاولة للتغطية على المأزق الأخلاقي الذي تورط فيه العالم، بعدما تجاهل كل البدائل التي طرحتها الثورة السورية. ورأى الورشة التي تجمع هذا الطيف من الناشطين وممثلي القوى الثورية، تمهيدًا جيّدًا لهذه الاستعادة المأمولة، عبر تقديم نقد ذاتي موضوعي يقوم به الناشطون ممن صنعوا هذه الثورات، وتبادل خبراتهم حول السنوات التي مضت، خصوصًا لحظة التعثر وصعود الثورة المضادة. وقد دارت الورشة عبر سبع جلسات، غطت "دور الشباب وطبيعة المأزق الثوري الراهن"، و"موقع الإسلام السياسي من الثورات"، و"مسألة العنف"؛ وهي عناوين الجلسات التي شغلت اليوم الأول، فيما انخرط المشاركون في اليوم الثاني في ثلاث ورش تفصيلية، عن "قضايا الوضع الإقليمي والدولي"، و"الإعلام"، و"القضية الفلسطينية."
مأزق الثورات العربية ومآلاتها من منظور الشباب وخبرته
رأس الجلسة الأولى في اليوم الأول الدكتور سيف عبد الفتاح، وأكّد أنّ الانتقال في سياق الثورات هو أمر أبعد من مجرد انتقال سياسي. ولإتمام حالة الثورة، كان يجب أن تؤطر عملية الانتقال ضمن خطة إستراتيجية، تربط الانتقال السياسي بالمجتمعي، وتعنى بكل ما يتعلق بالإطار المعنوي في مجتمعات الثورة. ثمّ طرحت المتحدثة الأولى، الناشطة اليمنية توكل كرمان سؤالً، عم إذا كان الانعتاق والتحرر يستحقان كل هذا الثمن؟ وكانت إجابتها هي أنه من دون شك يستحق، فالخلاص من دولة الفرد والجهة والعائلة والقبيلة، تلك التي تستحوذ على كل شيء فيما لا تمنح الشعوب إلّ الفتات، ضرورة تحررية إنسانية. ثمّ سألت سؤال الضد: هل إنّ انتصار الثورات المضادة نهاية الثورات؟ وكانت الإجابة: لا،
فذلك انتصار زائف وعارض، بتعبيرها، "سرعان ما ستبدده نضالات شعوبنا"، مؤكدة أنّ "ربيعنا باقٍ وثابت كالرواسي. وطالما بقيت مسببات الربيع، فستكون هناك جولات وجولات." وبيّنت كرمان أن التاريخ يخفّف من إحباطنا حين يقول إنّ مسار الثورات المتعرج ليس حكرًا علينا. واستهل خالد السيد، الناشط الاشتراكي المصري، مداخلته بالتشديد على احتياجنا لتحليل اجتماعي أكثر عمقًا، يبيّ أسباب الثورة المصرية وتعثّ مساراتها، تلك الثورة التي جاءت تعبيرًا عن احتضار الأنظمة بعدما بلغت من الشيخوخة والتردي درجة غير مسبوقة. "كانوا يتساءلون: أتريدون السياسة أم الثورة؟ وكان الشباب يقول: نريد الثورة. كانت إجابة واضحة وحاسمة، لكنها كذلك لم تجب عن الإستراتيجية التي بمقتضاها يمكن لنا أن نستكمل إزاحة النظام واستبداله بسلطة ثورية." وأكد السيد أنّ الثورة جاءت نتاجًا لتراكم نضالي خاضته المعارضة المصرية طوال عقد كامل. والأمر ليس تاريخًا فحسب، فلا بد من رؤية تلك الانتصارات الجزئية التي أتت بخروج هادر خلعت به الجماهير مبارك، على نحو يفهمنا كيف أنّ الصدامات والتعثرات التي أنهكت ماكينة حكم قبل أكثر من نصف قرن قد تعددت، وظلت تصدم المواطن، وحتى مكوناتها ومؤسساتها ذاتها ظلت تتصادم. وهي ماكينة ما زلنا نسعى لتفكيكها. ونوّه السيد إلى بعض المراوغات التي استخدمتها قوى الثورة المضادة، ومنها استخدام وصف "ثورة الشباب" فقد استثمروه، وهو المتاح لديهم من قبل الثورة المضادة لاقتناص مساحة للمكسب، بتمرير معركة جيلية مفتعلة. حراك يناير على النقيض كان جماهيريًّا وواسعًا. وألمحت عهد زرزور الناشطة السورية إلى خصوصية الوضع في سورية، حيث الثورة ما زالت في نطاق مرحلة الانتفاض الأول لإسقاط الديكتاتور، ولم تدخل بعد الحالة الانتقالية. وبيّنت كيف أنّ السنوات الخمس الماضية أعادت تشكيل مفاهيم الشباب السوري حول الحراك وطبيعته، وأدوارهم فيه. وبيّنت زرزور ارتكاز دور الشباب مع اندلاع الثورة على إنشاء التنسيقيات، وجلهم من أبناء جيل التسعينيات، لم ينشأوا على الخوف من النظام. مع دفع النظام الثورة لمسار عنيف تشكل الجيش الحر، للرد على هذه الإستراتيجية. في هذا الطريق برزت الانقسامات بين شباب الثورة، فقد اتجهت مجموعة كبيرة منهم إلى العمل العسكري، فيما آثرت أخرى العمل اللاعنفي. وأكدت أنّ تنسيقيات الأمس تمأسست، وتخطى عددها 750 مؤسسة مستقلة، أغلبها يعمل من دول الجوار. استعرضت الناشطة التونسية ولاء القاسمي دور التكنولوجيا الفاعل في صناعة الثورة في تونس. ثمّ بيّنت المشكلات التي تعترض حراك الشباب، مُلمحة إلى عجزهم الراهن عن الاضطلاع بدور محوري في المرحلة الانتقالية بسبب ما سمته "التصحر السياسي الممنهج" الذي أسس له النظام السابق، من نحو منع إنشاء تنظيمات سياسية. وقالت: "حتى هذه اللحظة لو طُلِبَ منّا أن نرشح شبابًا ليكونوا جزءًا من القيادات الحكومية، لما وجدنا، وتساءلت عن أسباب تفرق الشباب والعجز عن خلق تنظيم موحد."
مأزق الثورات العربية
الجلسة الثانية رأسها الدكتور برهان غليون، الباحث والسياسي السوري، والذي افتتح الجلسة بطرح أسئلتها الرئيسة: ما هي المشكلات التي واجهتها الثورات، على أصعدة السياسة والفكر والإعلام، وغيرها من الأصعدة؟ وما هي المراجعات التي يتوجب علينا أن نقوم بها؟ رأى غليون أنّ الغاية هي أن نصل إلى حصيلة مشتركة من التصورات والخبرات والتجارب، ربما توفر لنا ولأجيال تأتي زخم من الدروس المستفادة، وتنبه لما صح من فعلنا وما لم يوافقنا فيه الصواب. وأكد غليون ضرورة أن نصل لمنطلق جديد للعمل الثوري، في إطار الصراع الراهن، يحمل رؤية نظرية، وإمكانية تحليلية، ومساحة حركية. وشدد غليون على أننا نعيش حقبة ثورية، تضم سلسلة موجات، وقد تطول ربما لنصف قرن، أي أنّ ما مررنا به ربّ ا يكون مجرد "البروفة" لما سيأتي. وبيّ غليون أنّ غياب فاعل ديمقراطي منظّم، يوجّه حركة تاريخية ضخمة على هذه الشاكلة هو تحد، فهل يمكن لنا تأسيسه، تحصيل من دروس ما جرى؟ كان الناشط المصري محمد عفان هو المتحدث الأول، وقد بدأ مداخلته بالحديث عن غياب ثقافة ديمقراطية ومناخ داعم لها. وأفرد ثلاث نقاط أساسية في ورقته: الأولى هي انتماء الثورات العربية إلى ما يعرف بالثورات المتسلسلة revolutions cascade، تلك التي تقع في دول ذات خصائص متقاربة، وعبر موجات من التحول تتسم بالسرعة والتعاقب، وعادة ما تكون نتائجها هشة، فحراكها يجري لاحقًا استيعابه بعودة النظم القديمة أو تشكل نظم هجينة. وفي الثانية عرض عفان أربعة أنماط من الثورات أو الموجات الثورية، منها ربيع أوروبا، وثورات الانتقال من الشيوعية، والثورات الملونة وأخيرًا ثورات الربيع العربي. وأخيرًا، استعرض ديناميكية الثورات وحالة
الجزر الاستبدادي التي تكتنفها سريعًا. وبيّ أنّ دينامية الثورة يحركها فاعلان: مجموعة ثورية عفوية شكّلت جسد الحراك، وقوى للثورة المضادة تشكّلت بدعم على المستوى الإقليمي، من قوى معادية للثورات، تخشى التطور الديمقراطي. وبنى على رأي روجر أوين القائل إنّ مفهوم النظام والحكومة لا يمكن فصلهما فصلً حقيقيًا في نظم الشرق الأوسط. وتساءل: هل تدفعنا هذه الملاحظة إلى إعادة إنتاج الدولة، بصفتها سلطة سياسية وإدارية؟ وهل إنّ تغيير النظم بهذه الكيفية يدفعنا إلى إعادة إنتاج المجتمع أيضًا؟ وأشار عفان إلى إشكالية تخص معالجتنا لسؤال العمل الثوري، وكيف قاربناه من منظور نظامي، تركيزًا على ممارسات النظام، وتبعيته، وطبيعة انحيازه الاجتماعي... إلخ، فيما أثبتت الثورات أنّ التحدي يتعدى هذا، كونه كامنًا في فواعل من المجتمع ذاته، منها فواعل دون الدولة، كالقبيلة أو الطائفة أو الحزب. ظلت هذه معضلات كامنة تغطيها نظم الاستبداد، وكشفتها الثورة، وبرزت النظم القديمة التي تفجرت الثورات في وجهها تساومنا بأننا لو شرعنا في تجريب نظام آخر غيرها ستنفجر هذه المشكلات في وجوهنا. في حين عرض حمزة المصطفى من سورية نقاطًا خمسًا، رآها تصف المأزق السوري في عمومه: أولها، طبيعة النظام وبنية المجتمع السوري التعددية والطائفية المتسعة. إذ عمد نظام البعث إلى ترسيخ الانتماءات الفرعية، فيما عجزت النخب المعارضة عن تجاوز هذا المأزق، والتآلف حول مشروع وطني شامل يجمع أطياف الشعب السوري؛ ثانيًا، أزمة نخب، يقصر فهمها لطبيعة الشعب، ولم يرها الشعب بديلً. وعزز من ذلك مسالك الانتهازية السياسية والخلافات الشخصية، ولم يجمعها مشروع وطني؛ ثالثًا، المأزق الجيو ستراتيجي النابع من أهمية موقع سورية الدولي. وكذلك التحولات في النظام العالمي التي جعلتها مساحة للمنافسة الأميركية الروسية؛ ورابعًا، المأزق الجهادي الذي دفع جهة تطييف الثورة، وعاون النظام على الدفع نحو عسكرتها، فتغيرت به أجندة العمل الثوري، ما دفع إقليميًا ودوليًا نحو أولوية مكافحة الإرهاب؛ وأخيرًا، مأزق الإطالة الزمنية. فالإحباط يتولد مع ضعف تحصيل منجزات ملموسة من الثورة في سورية، بخلاف غيرها من الثورات العربية، على الرغم مما قدم من تضحيات. أمّا عصام القيسي فبيّ أنّ الحالة في اليمن نتاج أزمات مزمنة وقديمة، وليست وليدة الثورات. والحال الراهن يتمثّل في حالة حرب أهلية مربكة؛ ولم يعد بمقدور التقسيمات الإثنية والحزبية والعشائرية المألوفة أن تفسر هذا المشهد. فما من مفتاح لحل المسألة مباشرة في اليمن. ورأى القيسي أصل المشكل يكمن في التمييز لمصلحة "الهضبة الشمالية." وفيه يكمن الحل كذلك. فالعسكر المتصدرون للمشهد هم من أهلها 70( % من القوات المسلحة تقريبًا من المنتمين إلى الهضبة الشمالية.) وهؤلاء لا يتقبلون أي صيغة تخرج الدولة من أيديهم، ما يجعلهم يغيرون أقنعتهم السياسية، ويدعمون من يرونه يحافظ على بقاء الدولة في حوزتهم. فتارة يؤيدون علي عبد الله صالح، وتارة أخرى تذهب مواقفهم انحيازًا لغيره. يقبلون تغيّ الأقنعة السياسية من دون قبول تغير الأبنية السياسية. يعني فهم الهضبة الشمالية وديناميات سيطرتها فهمً أعمق لمسألة الدولة العميقة وما تقوم به في اليمن. ثم عرّج القيسي على مسألة غياب مناصرين للمشروع الديمقراطي، ينحازون إليه عن حق ويعتقدون في مبادئه الليبرالية. من جهته، كثّف ياسين العياري الناشط التونسي حديثه عن مسائل الإرهاب واستثمار قوى الثورة المضادة في تونس: "كانت الثورة مواجهة مع عائلات متنفذة وطبقة هيمنة تحميها مؤسسة بوليس وبيروقراطية. وحين حصلت انتخابات 23 أكتوبر لم تكن تونس تعرف بؤرًا إرهابية، ولم تشهد حوادث للإرهاب ضخمة. ولما أتى الانفتاح السياسي شعرت نخبة النظام القديم بالتهديد، فرأينا من بعد ذلك الإرهاب، يغتال الجنود، والسياسيين، وغايته كانت الفوضى. الفوضى هي ما يماهي بين الثورة المضادة والإرهاب في تونس." ولذا دفعت قوى الثورة المضادة بسردية كاملة عن وجود الإرهاب ومخاطره. ولسان حالها يقول: يجب أن يرجع النظام كما في الماضي لكي يتراجع هذا الإرهاب. وعادت قوى السيطرة وبيروقراطية الأمن تكرر الحديث عن مكافحة الإرهاب. في صيغة إمّا نحن وإمّا داعش، فيما فشل خيارنا بصفتنا ثوّارًا في طرح ثنائية "إمّا الديمقراطية، وإمّا داعش."
الإسلام السياسي والثورات العربية
الجلسة الثالثة رأسها الدكتور خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا. وقد بدأ بجملة من الأسئلة عن دور القوى الإسلامية في ثورات الربيع ومستقبل بلدانها. في المداخلة الأولى، بيّ عمرو السراج من سورية أنّ التيار الإسلامي كان له دور مع انطلاقة الثورة وتشكّل المجلس الوطني، ولكنّ تغيّبه لأكثر من ثلاثين عامًا عن الوجود الاجتماعي أدّى إلى ضعف أدائه. كان للإخوان المسلمين دور إغاثي واجتماعي، ودعموا الفصائل العسكرية في سورية، ولكن على العموم ظل هناك تباعد بين الإخوان والقاعدة الاجتماعية للثورة، وقد ضمّ التيار الإسلامي الإسلاميين المستقلين، من
ذوي الميل التجديدي، هذا فضلً عن المجموعات العسكرية السلفية الوطنية، كجيش الإسلام. وهؤلاء لديهم قدرة على جلب تمويل من سلفيي الخليج، كما أنّ لديهم شبابًا يتمتع بحماسة وطموحات عالية يفتقدها الإسلامي التقليدي. يعيب هذه التكوينات أنها متناقضة تنفتح على المجتمع الدولي وتنغلق على المجتمع المحلي، وتفرض قضايا كاللباس الشرعي كما فعل جيش الفتح. وفي العموم تيار الإسلام السياسي الجديد وخاصة السلفيين يضطلعون بدور على المستوى العسكري، لكن لا نعرف مدى قدرته على مكافأة قوة العدو ممثلً في روسيا والنظام السوري. وصف الناشط اليمني محمد اللطيفي حزب التجمع اليمني للإصلاح بصفته حزبًا تعدديًا ذا توجه سلفي إخواني، وعلى الرغم من أنه التحق بالثورة منذ بدايتها، فإنّه تاريخيًّا خرج من صلب النظام وعمل في ظله من خلال البرلمان، ناهض اليساريين والقوميين والحزب الاشتراكي في 1994 بوقوفه إلى جانب النظام، وظهرت تناقضات في مواقفه الفكرية منها انقسام حول قضية دور المرأة في المجتمع بين توجه يساري ليبرالي وإسلامي. وعلّق الناشط أسامة الصغير على مسار ثورة تونس باختلافها عن الحالة في سورية ومصر، إذ نشأ مجلس وطني ذو صلاحيات لبناء الجمهورية الثانية، فجاءت ولادة الدستور المؤقت مدخلً ديمقراطيًا لتنظيم المؤسسات (الجمهورية - المجلس التأسيسي.) وشدد الصغير على أنّ حركة النهضة منذ الانتخابات آثرت تولية غيرها، وتوسيع قاعدة المشاركة. لكن تغيرت موازين القوى في تونس فيما بعد بحكم الإعلام والإرهاب. أبدى ياسر فتحي الناشط المصري تحفظًا على مصطلحات القوى الثورية والإسلام السياسي. فيما رأى أنّ الكل عالق داخل كيانه؛ سواء التيارات السياسية الإسلامية كالإخوان، أو الشباب الثائر. ومن ثم طرح ضرورة إقامة حوار، أركانه هي المبادئ لا التنسيق، أي بالاتفاق على مبادئ وإجراء مراجعات متبادلة، وتأسيس تحالف بعيد المدى وليس تكتيكيًّا، على وفق تلك المبادئ، وكذلك إيجاد وجوه جديدة تعبّ عن التنوع الفئوي والمناطقي.
العنف في الثورات العربية
ناقشت الجلسة الرابعة، برئاسة د. محمد المصري، دوافع العنف وصوره المختلفة التي رافقت الثورات العربية، كما فحصت طبيعة القوى المنخرطة فيه، وقيّمت الانعكاسات والنتائج التي يؤدي إليها العنف على المسار الثوري. في البداية طرح الناشط التونسي أمان الله المنصوري مسألة التغيير الثوري، بوصفه نتاجًا لصراع فكري وسياسي، يلونه العنف أحيانًا. وأكد ضرورة الفصل بين الحراك الثوري والشعوب الحاضنة للثورات. وأجمل المنصوري محفزات العنف والصراع في الثورات العربية في ستة: الأيديولوجي المتعلق بنمط الحياة وتصور الدولة فيما بعد الثورة، وفي ذلك تصادم نموذجان هما الإسلامي والعلماني / المدني. وثانيها المحفز الاجتماعي، وفيه اجتمعت رغبة التغيير السريع لحال تردي الاقتصاد، واستعار التفاوت، وعدم قدرة الأحزاب السياسية على تحقيق المطالب المتعلقة بالعيش. ومثل الإعلام محفزًا ثالثًا، من بين الأخطر لتورطه في صناعة الكراهية، وتسريب الإشاعات، وإثارة البلبلة، فضلً عن كونه إحدى إستراتيجيات الجماعات الجهادية للاستقطاب، والتي تُعدّ الوجه الأبرز للعنف. ورابعها المحفز النفسي، ذلك أن الرغبة في الثأر، تقف وراء السلوك العدواني لدى بعض الأفراد وحتى القوى الثورية. وخامسها المحفز الخارجي، وفيه إستراتيجية بعض القوى للهيمنة أدت بها إلى تمويل العنف وتغذيته. وأخيرًا المحفز الديني الذي حوى إسقاطات أحاديث آخر الزمان على الواقع الراهن. وتحدثت رضية المتوكل عن العنف المسلح في اليمن الذي تورطت فيه – بحسب توكيدها - الأطراف اليمنية جميعها، ما يثير السؤال عم إذا كانت ثورة اليمن سلمية أم عنيفة أم مزيجًا بين الاثنين. وعددت الفاعلين في العنف. ومنهم فريق على عبد الله صالح وأحزاب اللقاء والحوثيين وغيرهم، فيما يضمّ طرف السلام شباب الساحات على حداثتهم في العمل السياسي، ومؤسسات المجتمع المدني، وخصوصًا الحقوقية منها. ورأت المتوكل أنّ المقدمات العنفية كانت لافتة، ومنها حرب حي الحصبة في أيار / مايو 2011، بين آل الأحمر وقوات صالح، والحرب بين شركاء الثورة من الحوثي والإصلاح في محافظة الجوف قبل انتهاء الثورة، وقبل مبادرة السلام. وخلصت المتوكل إلى أنّ العنف في اليمن منظّم، وليس فرديًّا. أمّا الناشط السوري طارق العلي، فشدّد على ضرورة التفريق بين الأطراف التي انتهجت العنف لتثبيت سلطتها قبل الثورة وبعدها، ومن التجأ إلى العنف بعد الثورة ردة فعل. وحدد الأطراف في ثلاثة؛ أولها نظام الأسد الذي دفع جهة العنف ليستبق الحراك الثوري، متوجسًا مما حصل في تونس. فقبل أن تعلن أول حالة انشقاق في
الجيش مع حسين هرموش، كان قد قُتل 2000 شخص، ومارس النظام حملات التطهير الأمني في 2011، وارتفع رقم الضحايا إلى 6000 قتيل قبل نهاية سنة 2011. أمّا الطرف الثاني فيضمّ قوى جهادية، بعضها نشأ قبل الثورة، وتمدد بعدها، من قبيل جبهة النصرة، جناح القاعدة، الذي ارتدى مع عسكرة الثورة بيد النظام قناع المقاتل الثوري، ومثلها تنظيم داعش، وأخيرًا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي ترك النظام له ول (وحدات حماية الشعب) مصالح عسكرية وإدارية في الجزيرة وعين عرب، وتقدّم بعد الثورة بصفة واضحة واستثمر عداء النصرة وداعش، ليقدّم نفسه بصفته عضوًا في نادي مكافحة الإرهاب. والطرف الثالث والأخير هو تلك القوى التي تبنت العنف ردة فعل على عنف النظام، كالجيش الحر، والقوات المنشقة عن الجيش، وعنف هؤلاء موجّه ضد الأسد وقواته. وقد كان لهم دور مهم في حماية التظاهرات. وتحولوا في ربيع 2012 إلى العمل العسكري بغرض إسقاط النظام. وقوام هذا الجيش مجموعات متوسطة أو صغيرة غلّبت العمل الميداني وغاب عنها الوعي السياسي، مما مثّل حالة من التشظي والفشل، وعدم الفعالية الكبيرة أمام بقية الأطراف. وتتبعت الناشطة ليلى خليفة جذور العنف في ليبيا مع بداية نظام القذافي آخر الستينيات من القرن الماضي، وهو عنف قاد إلى اللحظة الثورية الأولى في بنغازي في شباط / فبراير 2011، بعد احتجاجات أهالي مذبحة بوسليم، ومطالبتهم بتسلم جثث أبنائهم. فرد النظام بحملة اعتقالات طالت أهالي العائلات ومحاميهم. من بعدها تصاعد الوضع، ودخل السلاح أداة لقمع المتظاهرين وقتلهم. وقام القذافي بإفراغ مخازن السلاح ليوزعه على الناس، ما جعل الجريمة المنظمة وغير المنظمة تسود، ويستشري القتل. فجاء الحراك المسلح في المقابل نوعًا من ردة الفعل الانتقامي، فيما يروّج النظام لفكرة أنّ السبب هو الثورة التي أدت إلى عدم الاستقرار. رأى الناشط المصري محمد شمس أنّ العنف كان مبطنًا في التيارات السياسية، الإسلامية وغيرها. ورأى أنّ حديث الإخوان، في بدايات الثورة، عن حرس ثوري على شاكلة الحالة الإيرانية دليل على ذلك. وهي فكرة راودت حتى البعض من الشباب الثوري من غير الإخوان، للقضاء على بعض عناصر النظام السابق. ويشير شمس إلى محفزات العنف الناشئة من الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين وغيرهم، بداية بقرار الإخوان النزول لتأمين مجلس الشعب، ليبدأ التشابك والاحتكاكات، وتبزغ فكرة حمل السلاح. ثمّ جاءت حوادث الاتحادية وفض الاعتصام بالقوة والعنف المضاد واستخدام السلاح من الطرفين. وضخّم خطاب الحرب على الإرهاب بعد الانقلاب من مكوّن العنف، وهو مبرر بدعم جماهيري. وبعد فضّ اعتصام رابعة ظهرت حركات عنف كثيرة. كان أبرزها أنصار بيت المقدس التي صارت ولاية سيناء. ويشير شمس إلى لجوء النظام إلى القمع اللامحدود خشية تكرار مشهد 25 يناير مرة أخرى. ويرجّح الناشط أنّ أي تغيير سيكون دمويًّا، وأي حل سياسي لن يقضي على العنف. اختتم الجلسة الدكتور عزمي بشارة بمداخلة ناقش فيها تصورات عن العنف، تراه من خارج سياق نشوئه الاجتماعي والسياسي. فمسألة العنف – بحسب بشارة - مثل مسألة القوة، ظاهرة سياسية. وشدد على وجوب مراجعة القول بأنّ كل إستراتيجية الثورة هي إستراتيجية سلمية بالضرورة. وانتقد ذلك مستندًا إلى أنّ الأمر ليس في ميل الإنسان الطبيعي إلى السلم وكرهه العنف. فلا يوجد أحد عاقل يحب الدم. إنّ ا الموضوع يتعلق بحساب جدوى الإستراتيجية السلمية في إحراز الانتصار على النظام. وحاجج بأنه لو كان غاندي حاضرًا في سورية لم يكن ليختار ما اختاره في الهند، لأنّ إستراتيجيته في الهند عملت ضمن سياق اجتماعي وسياسي مختلف. وفي سياقها كانت إستراتيجية صحيحة، إذ كان يوجد شعب قوامه ملايين في مواجهة جنود قلائل لا يجاوزون 40 ألف جندي بريطاني، وكانت الهند دولة فيها رأي عام حقيقي. من يتحدثون عن اللاعنف يستحضرون دائمًا "النموذج الهندي" منزوعًا عن حقائق التجربة. في الحالة المصرية، حيث أمكن فصل الجيش عن النظام بحركة سلمية واسعة، في لحظة إسقاط مبارك، كانت السلمية ناجحة وناجعة. ورأى بشارة أنّ التفكير في مدى الاضطرار إلى مواجهة الجيش المسلح، وهل يمكن وقف أثر قوته بتظاهرات سلمية أم لا، هو ما يحدد هذا القرار. وضرب مثلً على ذلك تظاهرات 17 فبراير في طرابلس، والتي خرجت فيها رشاشات العيارات الكبيرة في مواجهة المتظاهرين العزّل. وتساءل: عن أي تظاهرات سلمية سنتحدث هنا؟ بهذا الاستخدام للسلاح انتهي ما يمكننا تسميته "تظاهرات." إنّ عوامل القدرة على تحييد الجيش، وتنظيم العمل السلمي، ووجود رأي عام قوي، هي عوامل فارقة. أمّا في حالة لم تُحيّد فيها قوى القمع ولم تُشلّ فاعليتها، فمسألة السلمية تصبح نسبية جدًّا. الأمر متوقف على مدى كون العنف إستراتيجية ناجحة، وليس عملً هاويًا ومحاولة لتفريغ الغضب وردة فعل. هذا ما يجب أن يناقشه الثوّار، في رأي بشارة. فالمقاومة ضد الاستعمار مشروعة، ولذلك فأي نظام يتصرف كأنه استعمار، تكون المقاومة ضده مشروعة بالضرورة. والنظام السوري في كل سلوكياته يتصرف كأنه محتل لسورية، ولذلك فحركة الشعب السوري المقاومة مبررة ومشروعة.
تأثيرات الوضع الإقليمي والدولي في مسارات التغيير والثورة
في اليوم الثاني، انضم المشاركون إلى ورش منفصلة، ناقشت كل ورشة موضوعًا أساسيًا من الموضوعات الحافة بتجربة الثورات العربية. تناول فريق الناشطين من مصر مسألة تأثير الأوضاع الإقليمية والدولية في الثورات، ومدى الارتباط بين الداخل والخارج، وإلى أي حد كانت ثورة يناير ساحة لحركة الفاعلين الإقليميين والدوليين، وطبيعة الدور الإقليمي والتغيرات التي طرأت عليه، وكيف ستتعامل معه القوى الثورية. وقد صنف المشاركون الأطراف الخارجية إلى ثلاثة أقسام: الداعمون للثورة؛ والامتدادات الناشئة من الثورة وبعضها في صورة مؤسسات ومبادرات؛ وأخيرًا الأطراف المناهضة للثورة، والتي تحتاج إستراتيجية لرفع تكلفة مناهضة الثورة عليها. ولمس الفريق حاجة ملحة لرسم خريطة للموقف الدولي من الثورة، وتقديم تحليلات حول إمكانات التأثير في الموقف الدولي والأدوات المعتمدة في ذلك. فضلً عن رسم شبكة الكيانات والمجموعات المعبّة عن معسكر الثورة وتمكينها من أن يكون لها صوت واحد مؤثّر. وشدّدوا على ضرورة بناء علاقات وتفاهمات مع الفاعلين من المجتمع المدني، والقادرين على التأثير في حكومات دولهم. وبيّنوا حقيقة أنّ الثورة المضادة سبقت الثورات في العمل الإقليمي، وثمّة حاجة لحلف الشعوب والثورات ليوازن الأقطاب الدولية والإقليمية، والعمل كمنظومة ثورية إقليمية. ورأى الفريق أهمية توازن العلاقة مع الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة، وترشيد مصالحها. وثمة أهمية لفهم خطاب المصالح في الحديث مع القوى الدولية والإقليمية، فلا يوجد بالضرورة تناقض بين المصالح والمبادئ، بل يمكن المزاوجة واستخدام المصالح لدعم المبادئ. وقد أظهر المشاركون أنّ الثورة المضادة لم تبدأ في النشاط إلّ مع خفوت الحراك الجماهيري. وكانت في وقت كمونها تعمل على إنشاء بنية تحتية من مؤسسات وعلاقات واختراق لمعسكر الثورة. وطرح الرأي القائل بأهمية الاستعانة بشركات علاقات عامة محترفة لخدمة مصالح الثورة، وبناء شبكات داعمة لها، كما نجح الانقلاب في مصر بالاعتماد عليها لتجميل صورته والتأثير في صنع القرار الدولي. أمّا فريق اليمن، فقد صنف مراحل الدور الإقليمي والدولي في التأثير في مجريات الأمور باليمن إلى ثلاثة: أولها مرحلة الفعل الثوري، وتمتد من شباط / فبراير 2011 حتى تشرين الثاني / نوفمبر 2011، وفيها تناقضت صور الدعم الإقليمي وشابها الارتباك، وتنوعت بين داعمين للثورات ومنتصبين في وجهها، وشهد ذلك مثلً دعم إيران للحوثي؛ والثانية هي المرحلة الانتقالية الممتدة من تشرين الثاني / نوفمبر 2011 حتى 21 أيلول / سبتمبر 2014، والتي شهدت المبادرة الخليجية، وإجراء الحوار الوطني، وهمشت خلالها قوى الثورة لمصلحة المكونات القبلية؛ وأخيرًا المرحلة الثالثة هي المرحلة الانقلابية، وتمتد من 21 أيلول / سبتمبر 2014 حتى الآن، وقد وسمها التدخل الإيراني غير المباشر عبر الحوثيين واستيلائهم على صنعاء بقوة السلاح، ثمّ التدخل السعودي المباشر. فصارت اليمن ساحة صراع بالوكالة بين الطرف السعودي والطرف الإيراني. أوضح الفريق الليبي أنّ أعنف التهديدات التي تواجه ليبيا اليوم لا تأتي من أطرف دولية أو إقليمية، إنّ ا من الداخل، ومبعثها غياب الدولة الذي يمثّل تهديدًا للمجتمع. وقد عكس عمق الأزمة عجز النخب السياسية، بعد الثورة، عن التوصل إلى اتفاق على الصورة النهائية لمؤسسة الدولة التي تحظى بالشرعية والاح اررم من كل الأطراف، ومن ثمّ فلا بد من تسوية بين جميع الأطراف الليبية، وصوغ اتفاق سياسي يعيد إلى ليبيا حالة الاستقرار السياسي في مسار ديمقراطي. لقد عانت القضية في ليبيا من الإهمال والتدخلات بالغة السلبية. والحال في ليبيا يبدو غير مطمئن ومفتوحًا أمام سيناريوهات أكثر قتامة، ليست أقل سوادًا من أعلام داعش التي أصبحت ترفع كل مرة في منطقة جديدة، وربما ينتهي إلى حال أقرب من جهة كارثيته إلى ما في سورية والعراق، والخوف أن تصير ليبيا جنة داعش القادمة في حال تمّ التضييق عليها وطردها من الشام. والحل الأكثر فاعلية اليوم في ليبيا، بحسب الفريق، هو الدفع بالحوار، عبر فرق العمل التي تشكّلت بقرار من وزراء خارجية الدول العربية، المنعقد بتونس في كانون الثاني / يناير 2015، وكذلك الحوار السياسي الليبي (غدامس 1، غدامس 2، جنيف، وأخيرًا الصخيرات.) وفي كل حال يجب أن يشمل جميع الأطراف المتنازعة في ليبيا، وأن يحظى برعاية إقليمية ودولية، ليتسنى إنهاء حالة غياب الدولة بأسرع ما يمكن. أمّا الفريق السوري، فرأى أنّ الدعم الذي تقدّمه دول مثل روسيا وإيران إلى النظام السوري نابع من مواقف مناهضة للثورات، إذ توخت إيران مصالحها مع النظام السوري، لتوسيع نفوذها ودورها في المنطقة، خصوصًا بعد احتلال العراق. فكان ثمة وجود مباشر لخبرائها وعناصر الحرس الثوري في الحكومة السورية، وأيضًا من خلال فاعلين من غير النظام السوري مثل حزب الله اللبناني، والميليشيات الشيعية العراقية. وسيزيد رفع العقوبات الاقتصادية عن النظام الإيراني، بدخول الاتفاق النووي حيز النفاذ، من توجيه إيران دعم أكبر لدورها في سورية. أمّا التدخل الروسي، فمنطلقه هواجس من أن يكون التغيير في اتجاه ديمقراطي عبارة عن توسعة نفوذ القوة الغربية على حساب روسيا، وربما خوفًا من أن تبتلع إيران وحدها
سورية، فتعجلت موسكو التدخل ماديًّا وعسكريًّا ودبلوماسيًّا. أمّا الموقف التركي، فقد تردد في البداية في دعم الحراك السوري، ثم جاء الدعم مع تدهور الأوضاع بسياسة الأبواب المفتوحة في الشق الإنساني، وبالاحتضان السياسي لقوى المعارضة والثورة السورية، وتسهيل دعم الفصائل المسلحة ولا سيما في الشمال. وتعدّ المسألة الكردية بصفة عامة هي المحرك الأساس للسياسية التركية مؤخّرًا. أمّا دولة الاحتلال الإسرائيلي، فعلى الرغم من صمتها النسبي، فإنّها ثابتة في معاداتها لسورية وشعبها. وتمثّل الضربات الإسرائيلية الجوية لمواقع داخل سورية، والتنسيق الإسرائيلي الروسي المعلن مع التدخل الروسي، والتحفز الإسرائيلي على الحدود، علامات على ذلك. أمّا الموقف السعودي، فلم يكن مع الثورة، ولم يتغيّ حيال سورية، إلّ تحت تأثير تمدد النفوذ الإيراني في المشرق العربي ودول الخليج، ما دفع المملكة للتنسيق لاحقًا مع قطر وتركيا على صعيد الدعم السياسي لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتفعيل الدعم العسكري لفصائل الثورة في الداخل. أخيرًا، كان موقف أميركا والقوى الغربية مترددًا، فأوباما زاهد من حيث المبدأ في التدخل في شؤون الشرق الأوسط، وأفسح الانكفاء الأميركي المجال للنفوذين الإيراني والروسي. رأى الفريق التونسي المواقف الدولية من الثورات تتباين بحسب مقتضيات الجغرافيا والمصالح، فغربيًّا أعلنت الولايات المتحدة مساندتها ثورة الشعب التونسي، وراهنت على أن تكون دمقرطة العالم العربي حلًّ مقبولً يتماشى والطروحات الجديدة، خصوصًا تلك الداعية إلى مواجهة نزعات التطرف الإسلامي، انطلاقًا من دعم الحريات السياسية. أمّا فرنسا، والتي دعمت في البداية بن علي، فقد تراجعت ومالت إلى مراقبة تطور الحوادث عن كثب، وانتظار استقرار الأمور، وتوضّ ح المآلات، لتحديد الموقف النهائي، واختيار نوع التدخل إن اقتضت الأمور. أمّا الجزائر، فقد توجست من امتداد المثال التونسي نحوها، فيما كان الموقف الإماراتي والسعودي ضدّ الثورات في إثر تحرك الشارع البحريني بشعارات الثورة التونسية نفسها. الاستثناء كان الموقف القطري والتركي. لقد تراجع المسار السياسي للثورة بعد الانتخابات، وترك مكانه للمسار السياسي "التأسيسي"، غير أنّ تطور الحوادث المحلية والدولية كان له تأثير كبير في تطور الأوضاع في تونس لوجهة سلبية، خصوصًا مع انقلاب مصر، ودخول فاعلين دوليين للسطو على الثورتين الليبية والسورية بزرع تنظيمات مسلحة، توجهها مخابرات إقليمية ودولية، وما حصل في تونس من اغتيالات سياسية.
القضيّة الفلسطينيّة من منظور الثورات العربيّة
الموضوع الثاني الذي ناقشته الورش المنفصلة هو "نظرة الثورات العربية إلى القضية الفلسطينية." رأى الفريق السوري في تحرر الشعب السوري مدخلً طبيعيًّا إلى القضية الفلسطينية. تلك القضية التي ظلت حاضرة في الوعي الثوري السوري. ليس لكونها المحرك الأساس لسياسات إسرائيل حيال المسألة السورية فحسب، وإنّ ا كذلك لأنّ حضور هذا الوعي في أوساط شباب الثورة كان يساهم في تفنيد خطاب النظام السوري، وادعاءاته بقيادة محور الممانعة. هذا النظام الذي جمّد جبهة الجولان المحتل لعقود، كان يستخدم هذه الدعاية لتغطية النفوذ الإيراني وممارساته الاستبدادية. صحيح تجنبت قوى المعارضة وقوى الثورة السورية بسبب الظرف الإقليمي والدولي المؤقت، صوغ خطابات واضحة ومعلنة لجهة الموقف من إسرائيل. لكن لا يوجد شك في ارتباط القضيتين بوصفهمها سعيًا للتحرر الوطني. وقد كانت المخيمات الفلسطينية منذ بداية الثورة، بيئة حاضنة للحراك، وشارك ناشطون فلسطينيون في التظاهرات، وجهد الإغاثة، ولاحقًا في العمل المسلح ضد نظام الأسد. وعانت مخيمات، مثل مخيم درعا والعائدين والرمل، التنكيل نفسه الذي تعرض له السوريون، فبحسب مراكز التوثيق، قتل النظام أكثر من 3500 فلسطيني بتهم متنوعة تحت عنوان "دعم الحراك الثوري"، وقضى 1000 قتيل تحت التعذيب، فيما بقي أكثر من 7000 فلسطيني معتقلً في سجون النظام. وكان من المؤسف أن اصطفت بعض القوى الفلسطينية إلى جانب النظام، مدفوعة بأوهام "محور الممانعة." أمّا فريق المشاركين من مصر، فاستعرض ملامح الارتباط بالقضية الفلسطينية، بدءًا من كونها أبرز مبشرات الثورة المصرية، مع تظاهرات التحرير في 2003 التي خرجت لدعم الشعب الفلسطيني، وكانت نقطة بداية لحراك واسع أفضى بعد ثماني سنوات إلى الثورة. ولم يكن غريبًا أن رفرفت أعلام فلسطين على ميدان التحرير في أيام الثورة الأولى، حتى أنّ جمعة سميت بجمعة الزحف نظمت مواكبة لذكرى النكبة وخرج فيها عدد ضخم من المتظاهرين. ثمّ يتأكد ذلك بما جرى من اقتحام للسفارة الإسرائيلية في أيلول / سبتمبر 2011، بدعم شعبي واسع. وربما يلفت الأنظار تفاعل المصريين ودعمهم الشعب الفلسطيني من خلال تفجير خطوط الغاز الموصلة لإسرائيل، في أعقاب الثورة مع كونه عملً جهاديًا، لارتباط قضية تصدير الغاز
بالفساد السياسي في عهد مبارك، وانحيازه إلى إسرائيل ليس فقط على حساب الفلسطينيين بل والمصريين أيضًا. وعلى الجانب الآخر، تفاعل الفلسطينيون مع الربيع العربي بتظاهرات (غزة والضفة) لدعم الثورات جرى قمع بعضها، كما خرجت تظاهرات حاشدة للاحتفال بسقوط مبارك في آذار / مارس وأيار / مايو 2011، ونادت في الآن ذاته بإنهاء الاحتلال وحالة الانقسام. وفي ظل مزاج شعبي داعم للقضية، رعت الحكومة اتفاقًا للمصالحة الفلسطينية في القاهرة في نيسان / أبريل 2011 بهدف إنهاء حالة الانقسام. كما كلل جهد المفاوضات بين المقاومة وإسرائيل بصفقة تحرير 1027 أسيرًا فلسطينيًّا، في تشرين الأول / أكتوبر 2011. وظهر ميل لدى ناشطين مصريين لإعلان دعمهم للقضية، وتضامنهم عبر زيارة قطاع غزة، وإن لم يعكس ذلك جهدًا مؤسساتيًا. ورأى الناشطون المصريون أنّ الثورة المضادة اعتمدت سردية تربط بين حماس وحالة الانفلات الأمني والتأزم الاقتصادي في مصر، وصعدت من خطاب إعلامي ديماغوجي غوغائي، دفع بقطاع من الرأي العام إلى التحول عن دعم القضية الفلسطينية، واستغلت في تحضيرها للانقلاب دلائل التنسيق والارتباط الفكري بين الإخوان المسلمين وحركة حماس. واستثمر الانقلاب العسكري فزاعة خطر الإسلاميين، ليعلن الالتزام بأمن إسرائيل للحصول على الدعم الغربي، وتبرير القمع. أكد فريق الناشطين اليمنيين أنّ الشعور اليمني العام ظل مسكونًا بالقضية الفلسطينية بصفتها غاية يجب الوصول إليها، ما يفسر حضور خطابها في الفعاليات التي كانت تقام في ساحات الحريّة اليمنية، وفي أدبيات بعض التكتلات الثورية. واكتسب الشارع اليمني خبرات احتجاجية تراكمت من خلال مشاركته الفاعلة والمستمرة في مناصرة قضية فلسطين. لكن حصل الارتداد مؤخّرًا، مع تسيد خطاب مراوغ، يستخدم شعار العداء لإسرائيل، ويكرسه لأجل تعزيز هدفه في ممارسة العنف ضد الخصوم السياسيين باتهامهم بالعمالة لإسرائيل. وبيّ الفريق اليمني أنّ إسرائيل تستهدف اليمن لموقعه الجغرافي المتميّز، المسيطر على باب المندب، كونه مدخل إسرائيل إلى جنوب العالم وآسيا. وبيّ كيف تستثمر بعض القوى حاجة إسرائيل للأمن في بناء خطاب لاسترضاء الولايات المتحدة وحشد دعمها. يظل الدور الأميركي في اليمن مرتبطًا بأمن إسرائيل، والعمل ضد تنظيم القاعدة. ولا شك في أنّ اليمن ومآلات ثورته تتأثر بإسرائيل ودورها في المنطقة. أمّا فريق ليبيا، فعرض موقع القضيّة الفلسطينيّة من الثورة الليبية مبتدئًا بتوكيد أنّ القضية الفلسطينية تظل بمنزلة الحاضر الغائب في الأجندة السياسية الليبية، وإن كان هذا الحضور قد انحسر نتيجة الانشغال بالأمور الداخلية، والتي تطالب بالتغيير وإقرار العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومع تصاعد العنف في ليبيا، اختفت القضية الفلسطينية ضمن ما اختفى، جراء التشتت الذي تعيشه ليبيا في الوقت الراهن. وبيّ فريق تونس أنّ القضيّة الفلسطينيّة ظلت حاضرة في الثورة التونسيّة. وارتبط دعم التونسيين للقضية بإدانة الاستبداد الذي يحمّلونه مسؤولية خذلانها. فالنظام كان يمالئ مختلف التيارات السياسية والنقابات والحركة الطلابية الداعمة للقضية الفلسطينية متظاهرًا بدعمها، بالانحياز للموقف الفلسطيني الرسمي. وظلت التظاهرات لأجل فلسطين مناسبة لطرح القضايا المحلية تربط رفض التجويع والترويع بالتطبيع، ومن ذلك ما جرى في انتفاضة الحوض المنجمي 2008 من ربط بين حرية التونسيين والفلسطينيين، على وفق شعار "المبادئ لا تتجزأ من الرديف حتى غزة." وإثر هروب بن علي، انضم شعار "الشعب يريد تحرير فلسطين" إلى شعارات الثائرين ضد الفساد والاستبداد، وبدا للثائرين أنهم على نصرة المقاومة قادرون. واتسع نطاق دعم المقاومة وتأسيس الجمعيات المناصرة لها، وتسيير قوافل الإغاثة، وفك الحصار، من تونس مرورًا بليبيا ومصر، ونجحت في العبور، دونما عراقيل رسمية في البوابات كما كان الحال قبل الثورات. كانت أفعال النظام مراوغة ومتحفظة، فعلى الرغم من زيارة أول وزير خارجية تونسي غزة، فإنّه لم يجر تفكير رسمي في إيقاف بعض صور التطبيع الموروث عما قبل الثورة. وعلى الرغم من احتجاج الأطراف المصطفة في المعارضة آنذاك، فقد رفضت أغلب مكونات الترويكا الحاكمة إدراج مسألة تجريم التطبيع في الدستور.
الإعلام والثورات العربية
الموضوع الثالث الذي ناقشه الناشطون هو "الإعلام والثورات العربية." بيّ فريق تونس كيف أنّ الإعلام التونسي ظل قبل الثورة محاصرًا، باستثناء وسائل التواصل الاجتماعي التي استطاعت أن تتجاوز حدود المحظور السياسي والاجتماعي. وأدّت إلى جانب قنوات كالجزيرة دورًا فاعلً في تحشيد الشارع التونسي ضد الاستبداد. وبعد إسقاط بن علي، ساد الارتباك في الإعلام التونسي لارتباطه بالنظام، ومع قوة الشارع فقد توازنه تمامًا ليخضع كليًّا للحراك. لكنه، وبمجرد التقاط الثورة المضادة أنفاسها، اتجه إلى ممارسات غرضها تثبيط الشعب وتشويه ثورته والنيل من الأطراف الثورية. وكان جزء من النقابات الإعلامية متورطًا في هذه المعادلة، فضلً عن بعض المحطات التي عززت هذا
الدور السلبي طوال الانتخابات الرئاسية الأخيرة. لكن بعد الانتخابات، عادت حالة من الهدوء النسبي لتخيّم، كما دشن الدستور هيئة دستورية لمراقبة الإعلام تسعى للاضطلاع بالدور التعديلي. يبقى أن مساعي تكوين إعلام بديل لدعم الثورة انحسرت في نطاق محدود، وترك الأمر "نسبيًّا" للإعلام الالكتروني لسد هذا الفراغ، إذ تؤكد آخر الاحصائيات أنّ حوالى خمسة ملايين تونسي يستعملونه. وصف الفريق المصري حالة الإعلام بالأزمة، فقد تمكن إعلام الثورة المضادة من تزييف الوعي على نطاق واسع، ونشر سرديات مكذوبة عن الثورة وحوادثها وفاعليها كما قام ببث الشائعات، وحرّض على العنف والطائفية. وكان لإهمال معسكر الثورة أدوات كالتلفزيون والراديو لمصلحة مواقع الانترنت سهمً في هذا. الاستهانة بأهمية خطاب الجمهور الرئيس للإعلام جاءت من قناعة بأنّ مشاهدة الشباب العربي للتلفزيون تتراجع بشدة، بينما شريحة كبار السن وربات البيوت، هي التي تقبل عليه. استغل الخطاب الاعلامي للثورة المضادة هذه المساحة، ولعب على تحويل قناعات من سمتهم الثورة ب "حزب الكنبة" وجرى توجيهها سياسيًّا، وكان لحركتهم فضلها في تحويل نصف الأصوات لمصلحة أحمد شفيق في مرحلة الانتخابات الرئاسية الثانية، وحشد ملايين المتظاهرين في 30 حزيران / يونيو. ودعوا إلى تنويع منصات الخطاب الإعلامي المعارض ومحتواه، لئلا يكون توجهه فقط نحو المعارضين دونما محتوى يجتذب غيرهم، كما أكد أهمية توجيه مستويات متعددة ومختلفة من الخطاب وبوسائل مختلفة نحو الشريحة المطلوبة. وحاليًّا يجب منح الأولوية لصناعة "البراند" واكتساب الصدقية لدى المستهدفين قبل التوجيه. وكذلك تكثيف الوسائل الإعلامية لإتاحة الاختيارات المتعددة أمام الجماهير، إذ يجب ألّ توضع المشاريع الإعلامية كلها في سلة واحدة. بيّ الفريق الليبي أنّ الإعلام قبل الثورة كانت تتحكم فيه مخابرات نظام القذافي، وعني بنشر الأكاذيب والترويج للنظام، وعلى الرغم من وجود بعض الإعلام الإلكتروني الفاعل خلال الثورة على القذافي، فقد ظل الإعلام الثوري مفتقرًا لخبرات جيّدة. وعلى الرغم من أنّ عدة قنوات ووسائل إعلامية نشأت بعد سقوط القذافي، فإنّ أغلبها كان جزءًا من الانقسام السياسي، وساهم في تجذير الانقسامات القبلية والجهوية. وهو يفتقر بشدة إلى المهنية. استعرض الفريق اليمني دور الإعلام، خصوصًا استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، لصناعة وعي سياسي يناوئ حكم على عبد الله صالح، وأشار لتميز الحالة اليمنية بالتسجيلات الغنائية الساخرة التي ذاعت وانتشرت، لما فيها من سخرية شديدة من صالح ونظامه. كما أنّ النقل الإعلامي ليوميات الثورة التونسية ثمّ المصرية حفّز الخروج اليمني الأول في إثر هروب بن علي، ثمّ جاء الانفجار الأكبر للثورة اليمنية بعد 11 فبراير مع سقوط نظام مبارك. يتركز الإعلام الموالي للثورة، بحسب ما يقول الناشطون اليمنيون، في بعض كتّاب الصحافة المطبوعة، وعدد من صفحات الوسائط الاجتماعية وقناة يمنية وحيدة، لكنه ساهم في توسعة دائرة الاحتجاج. كانت جمعة الكرامة 18 آذار / مارس مؤشرًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام؛ إذ على الرغم من أنها لم تكن الحدث الأكبر من ناحية إجرام نظام صالح، فإنّ التغطية الإعلامية الكبيرة خلقت تعاطفًا رسميًا في الداخل وحفزت الانضمام للثورة من قادة عسكريين وسياسيين، وزادت أعداد المتظاهرين، وتصاعد دعم دولي للثورة يدين علي عبد الله صالح ويدفعه إلى قبول المبادرة الخليجية. هذا في وقت كان إعلامه مستغرقًا في محاولة تبرير ما حدث، وأمنه منشغلً بقمع الإعلام وطرد مراسلي الجزيرة وقنوات دولية أخرى. وبعد هدوء نسبي في إثر الثورة، تمكّن إعلام صالح من ترتيب أوراقه وخاض حرب الشائعات وتشويه الحوادث، فيما لم يستطع إعلام الثورة مواجهته، وجرى تعبئة عدد كبير من موظفي جهاز الأمن القومي للتشويش على الثورة في وسائل الإعلام. أمّا الإعلام الثوري، فقد انحصر دوره في نقل الحوادث للداخل فقط. واستمر الحال المتدهور حتى فترة الصراع الحالية. أمّا الفريق السوري، فبيّ دور وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات مثل الجزيرة والعربية، وكيف أنّ إعلام الثورة توجّه إلى جمهور الثورة وللقسم الرمادي في الداخل، بغية كسر الحجب التي وضعها النظام على الشعب. وقدمت الثورة السورية نماذج نجاح جيّدة، لكنّ دورها كان محصورًا في توثيق الواقع، وليس تشكيل الوعي وتفكيك معسكر النظام. والأمر، وبحسب الناشطين السوريين، راجع إلى نقص الخبرات والكوادر والطابع الهرمي للإعلام السوري الذي يديره حراس المعلومة. كذلك أثارت أجندات التمويل حالة تشتت إعلامي، وغياب آلية الاستمرارية. وبالعموم لا يزال الإعلام الثوري في مرحلة التجربة، ويمضي في الطريق إلى صوغ هيكلة إعلامية واضحة للوسائل والخطاب.
الخلاصة
تشير اتجاهات النقاش إلى ملاحظات عامة مقتبسة من خبرات ثورات الربيع العربي. وكان من أهم الأفكار التي وردت ضمن هذه الحورات والنقاشات ما يلي:
غابت مفاهيم العمل الجماعي والإدارة الديمقراطية، ذلك أنّه جرى استبطان أساليب الأنظمة الديكتاتورية نفسها في الهياكل وطرق إدارة التنظيمات الشبابية بعد الثورة. يحتاج الشباب خمسة أمور، لتفعيل دورهم في المرحلة الانتقالية، وهي الانتقال من التنسيق إلى التحالف؛ واستدامة الممارسة والحراك؛ واستثمار الخبرة المعرفية؛ والاختراق والانتشار الجغرافي إلى أبعد من العواصم؛ وتجديد المكون الشبابي ورموزه. ليس مطلوبًا من الشباب أن يبقى موحدًا، كما كان عليه الحال خلال أيام الثورة الأولى، فلا سبيل لأن ينخرط الشباب في العمل السياسي بفاعلية من دون التنوع. افتقر الشباب بعد إسقاط الديكتاتور لمشروع واضح، والانصهار في تنظيم حقيقي يعبّ عن الثورة، فيما تقول الضرورة إنّ الثائر ينبغي له أن يحكم إذا ابتغى إتمام الثورة. الاستقطاب الإسلامي العلماني خلقته النخب السياسية الأسيرة لتاريخها المسكون بالتصادم في السبعينيات، خلافًا للشباب الذي تجاوز هذه الاستقطابات الأيديولوجية. تمثّل إخفاق الثوّار بالنكوص عن إنشاء مؤسسات تستوعب عموم الناس. كان الوقوع في أسر المال السياسي أحد المظاهر السلبية، بسبب تنافس من لهم أجندة خاصة لا تتوافق مع مصالح الثورة. يجب ألّ نفْرط في التفاؤل أو التشاؤم، بغض النظر عن التعثّات التي تعاني منها الثورات الآن، وينصح الشباب بألّ يُعلنوا أبدًا الهزيمة، طالما أنّ المعركة قائمة. تمثّل مأزق الثورات بالتداخل بين شرعيتين: شرعية الثورة، وشرعية الصندوق الانتخابي، ما أوجد صعوبة في تشكيل صيغة توافق بين الشرعيتين. يضع استمرار وجود المستبد والقاتل شعبه الجميعَ في مأزق. وتركيبة النظام ظلت تجعل منه صمام أمان لمصالح المنضوين في حكمه ووجودهم. وبتنا نرى إقرارًا بذلك في المفاوضات، وانزوى التساؤل عن إيجاد بديل حقيقي يدفع بالمستبد خارج مشهد المستقبل. تتمثل الأزمة الأساسية بمدى اتساقنا القيمي، ودفاعنا الحقيقي عن العدالة والحرية والكرامة على مستوى الحركة. انصبّ تركيز بعض الثورات على المطالب السياسية، فيما جرى إهمال المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي رفعتها الحاضنة الشعبية للثورة. ونجحت الثورة المضادة التي توسلت إعلامًا قوامه التهويل والتخويف والإغواء من جانبها في جذب قطاعات شعبية واسعة. رمى مأزق الانقسام الهوياتي بظلاله على المعارضة، وباتت تسعى لإيجاد تمثيلات طائفية بداخلها، استشعارًا منها أنه لم يعد مقبولً ألّ يمثّل كردي كرديًّا. وهو مأزق تنظيمي تكرر في بلدان الربيع بصورة أو بأخرى. ومن المهم التفكير في تجاوزه عبر طبعة توافقية لتعريف هذه الهويات، وإيجاد صيغة تتكامل من خلالها هذه الهويات تفاعلً لا تنافسًا. لم تتبنَّ ثورات الربيع إجراءات جذرية للتغيير، بل خضعت لحركة تكيّف أعادت تعريفها. وخفّ لونها من الحمراء إلى الثورات البرتقالية وأخيرًا الثورات البيضاء، ومن حركة عنيفة إلى مخملية. وهنا يطرح السؤال التالي بشدة: لماذا لا تجسد الثورات وبعض قواها الأساسية نفسها سياسيًا في المجتمع وتطرح تغييرًا جذريًّا؟ جاء دور الشباب بعيدًا عن الأحزاب، ونشأ في التنسيقيات والإع ماا الموازي على يد التنظيمات الشابة، فيما لم تنسق المعارضة التقليدية ولم تدعم الشباب بل نافستهم. الثورة أداة من بين عدة أدوات أخرى، وليست مبرّأة من الخطأ. وأنّ الفشل في جولة منها لا يعني استحالة التغيير واستئناف الحالة الثورية. شهدت الميادين في بعض الثورات انتهاكات، وتطايرت داخلها تصورات تجعل منها ثورة ضد شخص أو مجموعة، من دون أن تكون ثورة لأجل قيم بعينها. كما لم يكن لديها هدف يمكّنها من تملّك أداة للمراجعة الأخلاقية، ممّ حملها ببعض أسباب الفشل. من الواجب أن يطرح الشباب الثوري البديل الذي يريد، بما يتواءم مع اللحظة التاريخية، والتي يُعدّ عدم وجود بدائل من أكبر مآزقها. مأزق الثورات هو العجز عن الاتفاق على المستقبل، وأي مجتمع نريد. وجاء التدخل الخارجي ليعبث بإجابتنا عن هذا السؤال، ومعه تغولات واستقطابات بين قوى حداثية وأخرى إسلامية. عجزت بعض القوى الثورية عن أن تتحول عن قناعاتها الجامدة. وافتقرت للقدرة على إيجاد "المسار والخيار الوسط" بين طرح
الاستبداد وعودته وطرح الفوضى المسلحة. كما لم تصل قوى الثورة إلى قواسم مشتركة وتعريفات محددة لما نريد. كان ثمّة خلط بين هدف إسقاط الديكتاتور، وهدف الوصول إلى السلطة، واستبدال الديكتاتور بآخر ثوري أفضل. كان المطلوب طرح بديل أفضل لحكم البلاد، لكننا اكتفينا فقط باستبدال رأس السلطة، فيما التغيير الحقيقي الجذري لم يقع، وبقى واقع التهميش وتدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كان من الضروري ممارسة مدخل الحزب الثوري، وانطلقنا بدل من ذلك إلى دولة الأحزاب التقليدية. للإسلاميين أخطاؤهم، لكنّ العلمانيين كذلك تورطوا في شق الثورة، وك رر وحدتها، بشحن ال اررع مع الإسلاميين إلى مستويات رهيبة. عندما انتقلت الحركة من الائتلافات الشبابية إلى الأحزاب، ومن الشباب إلى القادة السياسيين الشيوخ، برز المأزق، إذ تراجع الشباب واحتل الأكبر سنًّا المجال السياسي. كيف نواجه آلات القمع، ونكسرها؟ وكيف نتجذر ثوريًّا في كل شبر من البلاد؟ كيف نعزز قيادة فاعلة؟ تظل جميعها أسئلة مهمة في العمليات التي تتعلق بإحياء الثورات. انتقل العامل الدولي من عامل خارجي إلى عامل داخلي مؤثّر، بعمل بعض القوى الداخلية لمصلحة الخارج، وفرض اعتباراته على حركة الثورات. لا يمكن الحديث عن مأزق الثورة من دون التدخلات الدولية، داعمة وغير داعمة. لماذا كبر تنظيم داعش؟ ولماذا توارى خيار إخراج الأسد؟ العالم مسؤول عن هذين الأمرين، فقد روّج لهما وشرعن أسباب وجودهما، وتغاضى عنهما، وضخّمهما. وقعنا في ورطة الارتهان بصفتنا قوى ثورية بعملية سياسية تأسست بشروط النظام. ومنها بدأ ارتداد المشهد الثوري. سؤال ماذا نود فعله، من أهم الأسئلة، إلّ أنّ بعض الخبرات الثورية فشلت في إنتاج سردية حلم أو فكرة ملهمة. وضعت الثورة الإسلاميين في امتحان الدولة، كما وضعت التيارات الحداثية في امتحان الديموقراطية، فكانت النتيجة أن فشل الطرفان في الامتحانين بسبب تمكّن حالة الاستقطاب من الجميع. إنّ إنجاز القوى المختلفة الفاعلة في الثورات كافة مراجعات يكتسي أهمية قصوى، وكذلك ضرورة التطرق إلى قضايا المستقبل وحقوق الإنسان، والتمييز بين متطلبات الثورة ومستلزمات عملية التحول الديمقراطي. المطلوب حالة من ترشيد العنف، والاكتفاء بالمقاومة والدفاع عن النفس. والإجابة عن السؤال المهم: في التمييز بين القوة وتوظيفها بكافة مظاهرها والعنف. فالعنف من القضايا التي يجب التفكير فيها بالعمق اللازم، لأنها قد تجهض الثورات وتعطي المستبد الغطاء لممارسة لا محدودة للعنف، إلّ أنّ مواجهة المنظومة الدولية لعنف الأنظمة أمر واجب لا يحتمل التواطؤ أو النفاق. الابتلاء بثقافة الاستبداد الذي طال الجميع، الإسلاميين والماركسيين والقوميين والتقدميين، أمر لا بد من إيلائه ما يستحق من الاهتمام، للخروج من هذا المأزق الاستبدادي الفكري والثقافي.