عسر التحوّل الديمقراطي ومآلاته" مؤتمر "خمس سنوات على الثورات العربية:

حمزة المصطفى

بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمرًا بعنوان "خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديمقراطي ومآلاته"، وذلك في مقر الجامعة الأميركية في بيروت خلال الفترة الواقعة بين 21 و 23 كانون الثاني/ يناير.2016 وجاء انعقاد هذا المؤتمر انطلاقًا من الأهمية التي يمثّلها اندلاع ثورات الربيع العربي منذ خمس سنوات؛ وهو لا شكّ يعدّ حدثًا مفصليًا في تاريخ المنطقة؛ إذ عبّ فيه المواطنون عبر تظاهراتٍ سلمية عن حقّهم في بناء مجتمعات تقوم على الديمقراطية والعدل والمساواة والمواطنة. لقد أسّست هذه الثورات وما تبعها من تطورات مرحلةً جديدة في المنطقة، وضعت الباحثين والأكاديميين في العلوم الاجتماعية والإنسانية أمام مهمة مناقشة دلالاتها ودراسة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدّت إلى تباين مساراتها. وفي هذا السياق، سعى المؤتمر إلى تقديم أبحاثٍ معمّقةٍ تُعيد القراءة في صيرورة الثورات وتشكّلها، وفي تفكيك بنى الدولة والسلطة في البلدان العربية وتحليلها، وأثر ذلك كلّه في الثورات. كما سعى إلى دراسة العوامل المعوّقة والمثبطة التي حالت دون تحقيق هذه الثورات الأهداف التي رفعتها عام.2011 وجدير بالذكر أنّ المؤتمر لاقى تفاعلً كبيرًا من الباحثين الشبان وأصحاب الخبرات البحثية خلال فترة التحضير له؛ إذ استقبلت اللجنة أكثر من 250 مقترحًا بحثيًا عن طريق البريد الإلكتروني، وأقرّت المقترحات المتميزة منها؛ من أجل تقديمها في أوراق بحثية. كما استقبلت اللجنة أكثر من 110 بحوث جرى إنجازها؛ فخضعت جميعها للتحكيم، وجرت إجازة 57 بحثًا للمشاركة في المؤتمر. افتتح المؤتمر يوم الخميس 21 كانون الثاني / يناير 2016، بكلمتين؛ ألقى الأولى طارق متري عن معهد عصام فارس، وألقى الأخرى محمد المصري عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. أشار متري إلى أهمية نقاش تعريفات التحول الديمقراطي والتباساته وسياقاته في بلدان متميزة، وصفها بأنّها تضفي صفة الموروث على الحديث. كما أوضح سعي المؤتمر إلى تعزيز روح التأمل الهادئ في دوافع التحول والعوائق التي وضعت في طريقه، ولاحظ أنّ الأوراق لم تجازف في الحديث عن المآلات وحاذرت أن تقع في "القراءة القيامية" لاضطرابات لم ينجلِ غبارها، على الرغم من أنّ هذه الأوراق لم تخف انحيازها للثورات. ونبّه متري إلى ما في برنامج المؤتمر من أولوية للداخلي والإقليمي على الدولي، دحضًا للمزاعم بأنّ مصائرنا يصنعها الآخرون، "فمعظم الأوراق ينكبّ على فهم أوضاع بلداننا في جوانب ثلاثة، هي: ما خلّفه الاستبداد من خراب وعنف، والمشكلات البنيوية في بلداننا خصوصًا تأجيج العصبيات دون الوطنية، وإدارة المرحلة الانتقالية نفسها." أمّا المصري فقال إنّ عام 2011 كان تاريخيًا، "إذ أطاح مقولات الركود والاستثناء وعدم انخراط الأجيال الجديدة وسواها الكثير من الموروثات والمسلمات." كما أشار إلى أنّ الثورات العربية أذهلت العالم والمراقبين والسياسيين في رقيّها ونجاح سلميتها - في أكثر من موضع - في إدخال الأنظمة في مأزق وتحقيق أهداف المواطنين، على الرغم من بعض الفشل الناجم عن عنف الأنظمة المفرط. ورأى أنّ عقد المؤتمر يؤكد أنّ مرحلة تاريخية جديدة في طور التأسيس من منطلق الانحياز للإنسان ورقيّه وسيادته، ومن منطلق دولة المواطنة وحق المواطن في الحرية والرفاه والاستقرار. ثم قدّم المصري عرضًا سريعًا عن نتائج المؤشر العربي لعام.2015 وكشف أنّ أغلبية الرأي العالم العربي لا تزال تؤيد الثورة على الرغم من تدنّ نسبة التأييد مع مرور الأعوام، وأنّ الرأي العام العربي يرى أسبابًا متعددة للثورات، بتعدد المستجيبين. ولفت إلى أنّ تدنّ نسبة تأييد الثورة بعد مرور خمس سنوات يتّصف بتركّز هذا التقويم السلبي عند الفئات العمرية المتقدمة، في حين يتركز التقويم الإيجابي بازدياد التعليم وفي الريف قياسًا بالمدن. ولفت أيضًا إلى أنّ هذا التقويم السلبي لم يمنع المواطنين من أن يكونوا متفائلين، ويروا أن الربيع العربي يمرّ بحالة تعثّ، وأنّه سيحقق أهدافه في نهاية المطاف.

الثورات العربية: إعادة قراءة

خصص لهذا المحور جلستان منفصلتان، لإعادة قراءة الثورات العربية س الجلسة الأولى وجيه كوثراني في دول الربيع العربي الرئيسة. ترأ، وقدّم فيها الباحث مولدي الأحمر دراسة بعنوان "الثورة التونسية والتحوّل الآخر: الموارد والاعتبارات والقيم"، ناقش فيها مفهوم "الحالة الانتقالية" أو "التحوّل الديمقراطي" الذي طوّرته بالخصوص النظرية السياسية الأنجلوسكسونية، والأميركية، وسلّط الباحث الضوء على الحالة التونسية بقصد تفحّص جوانب التحول الديمقراطي بصفة عامة وتعميمها على مجمل تجربة ما يسمّى "الربيع العربي"، وخلص إلى أنّ ثمة صراعًا اجتماعيًا ورمزيًا ومعرفيًا محتدمًا على ما يحدد المواقع الاجتماعية - الثقافية المواتية لإنجاز الانتقال الآخر الذي نادى به المتظاهرون أثناء الثورة، وهو إعادة النظر في "قواعد لعبة" الوصول إلى الموارد، وكيفية الحصول على الاعتبارات الاجتماعية،

والحقّ في إعادة الصوغ الأيديولوجي للقيم التي تبرر مضمون هذه "المرحلة الانتقالية" وتؤسس لما سيصبح "عهدًا جديدًا." أمّا الورقة الثانية فهي لِلباحثة دينا الشرنوبي من مصر، بعنوان "ثورة مصر وأثرها في تكوين ذوات شابة جديدة." وعرضت فيها مراحل استيقاظ الشباب على السياسة في مصر، وبداية أوّل حركة شبابية مستقلة في 2008، بينما كانوا قبل ذلك يلتحقون بأحزاب الكهول. ورأت الباحثة أنّ ثورة 2011 شكّلت فاصلً مؤقتًا في تاريخ القمع والركود السياسي للأنظمة التسلطية التي حكمت مصر منذ الاستقلال. وهي ثورة قامت بها فئة الشباب أساسًا، ولها تأثير مهمّ في تصور التغيير الذي طرأ على شخصية الشباب الجديدة، وأسهمت في انبثاق شخصية شبابية جديدة أثّرت في المشاركة السياسية للشباب وفي تصوّرهم للتغيير في الفترة بين عامَي 2011 و.2013 وعرض مصطفى التير من ليبيا في المداخلة الثالثة ورقة بعنوان "الربيع العربي والتحول الديمقراطي: ملاحظات حول التجربة الليبية"، تناول فيها تطورات ما جرى في ليبيا من خروج الشباب ثم الكبار، ورد النظام العنيف على نحوٍ يختلف عن تونس ومصر، مع إشارة إلى أنّ الثورة الليبية لم تكن صناعة ليبية خالصة. ورصد التير الحراك الاجتماعي بعد انتصار الثورة الليبية وبروز موسّع ضمن نشاط غير مسبوق على مستوى المجتمع المدني، والحرية الإعلامية، قبل أن تأخذ هذه الظاهرة منحى نكوصيًا نهاية عام.2014 خاتمة هذه الجلسة كانت مع حمزة المصطفى، بمداخلة عنوانها "الثورة السورية من المدنية إلى النزاع المسلح"، أشار فيها إلى حيرة المراقب في توصيف حصيلة خمس سنوات من الثورة السورية، إذ نجد أنفسنا أمام نظرات عديدة إلى الحدث، وكلٌ له ما يبرره. وتساءل المصطفى: ما العوامل التي أوصلت الثورة إلى هنا وجعلتها ثورة بلا منجز، على الرغم من استمرارها؟ بمعنى آخر، كيف نوصف انتقال الثورة السورية من السلمية إلى المسلحة؟ ودحض المحاولة الأنثروبولوجية التي تجد الثورة السورية ثورة أرياف وفقراء مهمشين، تقطع الطريق على المدينة بالعنف، ما يجعل التمرد سببًا للعنف والسلاح، وعدّ الثورة السورية ثورة مراكز الأطراف التي أطّرها شباب مؤمن بالديمقراطية. وتطرّق إلى إشكالية عنف النظام الذي يماهي بينه وبين الدولة، وبينه وبين فئات من المجتمع، ما يجعل إسقاطه يعني تفكيكًا للمجتمع وإسقاطًا للدولة. أمّا الجلسة الثانية فقد ترأستها مهى يحيى. وتناول فيها حفيظ هروس في مداخلته "سجال الهوية وأثره في عسر الانتقال الديمقراطي في المرحلة الانتقالية - حالتا مصر وتونس: دراسة مقارنة"، مآلات الحراك العربي بعد مرور خمس سنوات على انطلاقه، فوجدها محيِّة، إذ آل بعضها إلى صراعات داخلية أهلية، أو قبلية، أو طائفية، "بينما نجحت التجربة التونسية في تحقيق قدرٍ من الانفراج نحو تحقيق التحول الديمقراطي، وانتهى الوضع في التجربة المصرية إلى الانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة والتقهقر إلى عهد التسلط والاستبداد." وتحدّث هروس عن تأثير التوافق الوطني أو غيابه في نجاح المرحلة الانتقالية أو فشلها من خلال التركيز على قضية سجال الهوية العلماني/ الإسلامي عن طريق المقارنة بين تجربتين مختلفتين، شهدت إحداهما انفراجًا نسبيًا نحو الاستقرار والتحول الديمقراطي، وهي التجربة التونسية، بينما عرفت التجربة الأخرى انتكاسًا مريرًا نحو الاستبداد والتسلط، وهي التجربة المصرية. وقدّمت ليندا مطر ورقة بعنوان "سورية: السياسات الاقتصادية في زمن الصراعات"، رأت فيها أنّ الحرب مزّقت الاقتصاد السوري من دون أيّ بوادر لحلٍ سياسي، مع عدوانية عسكرية متصاعدة. وأدّت المخاطر العالية وعدم اليقين اللذان يرخيان بظلالهما على الاقتصاد السوري إلى صعوبة تنفيذ الحكومة السورية أيّ نشاط أو تعامل اقتصادي بيسر وعلى نحو مجدٍ كما في الظروف الطبيعية. وقالت إنّ النزاع السوري يحتاج إلى تفاهم دولي قبل التفاهم المحلي، وقد أجبرت الحكومة السورية على الاعتماد على التجار المحليين في مجال النفط في العامين الأوّلين، ما أدى إلى ضغط على العملة المحلية مقابل ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية، لا سيما في الأسواق السوداء. وفي مداخلتها التي حملت عنوان "ثورة وولادة جديدة في سورية"، قالت ويندي بيرلمان إنّ التعريفات التقليدية بين الثورة واستبدال الشعب تساوي نظامًا سياسيًا معيّنًا بآخر، لكن هذا المنظور قلّل من قيمة ركائز الهيمنة النفسية والثقافية والعاطفية. وأضافت: "عانى الكثير من السوريين نظامَي حافظ وبشار الأسد مما دفعهم نحو الخوف. وكانت أولى الخطوات التي قام بها المواطنون السوريون هي كسر حاجز الخوف، والمشاركة في التظاهرات جعلت السوريين يشعرون بأنّه لا يمكن كتم أفواههم بعد الآن وتمكنت كلماتهم من نقل أفكار ومشاعر تصف هذه الولادة الجديدة." وحلّلت بيرلمان مقابلات أجريت مع سوريين يصفون التغلّب على الخوف والمشاركة في الاحتجاج بأنّهما نوع من الولادة الجديدة، فترى أنّ الاحتجاج الجماهيري في سورية كان ثوريًا، لأنّه ميّز رفض الشعب أداء دور المواطنين الخانعين الذي روّج له النظام الاستبدادي وطالب به. ويواجه هذا التحليل الإنساني للانتفاضات العربية أولئك الذين

يقيسون نجاحها في المقام الأول بدرجة إرساء الديمقراطية، "فحتى لو استمرت مظاهر الاستبداد، فإنّ توقّعات المواطنين لما يعني أن يُحكموا تغيّ ت جذريًّا، ويجب أن نهتمّ، أثناء إجراء جرد حساب لهذه الثورات، بالتحولات في العنصر المجتمعي للعلاقات بين الدولة والمجتمع"، كما قالت.

احتجاجات في سياق الثورات

عرف الربيع العربي من خلال دوله الرئيسة؛ تونس، ومصر، واليمن، وليبيا. ولكن موجاته لامست مختلف الدول العربية، جمهوريات وملكيات؛ إذ انطلقت حركات احتجاجية بمطالب مختلفة تتواءم وخصوصية كلّ بلد وطبيعة نظامه وأوضاعه السياسية. وقد خصص المؤتمر جلسة لبحث أبرز الموجات الاحتجاجية خارج دول الربيع العربي وتفكيكها. تحدّث حيدر سعيد عن "حركات الاحتجاج في عراق ما بعد الاستبداد: تحدّي الدولتية" متابعًا الموجات الاحتجاجية التي اندلعت في العراق ما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد سنة.2003 وبحسب سعيد، ثمة سمتان أساسيتان لهذه الحركات: قيادة المثقفين والناشطين المدنيين للحركة، وكونها تتزامن مع الاحتجاجات المطلبية التي كانت تستهدف فشل الدولة في أداء الخدمات العامة. وقد كانت شرارة الاحتجاج تأتي، في الغالب، من دوافع مطلبية. ودائمًا ما كانت تتحوّل إلى فضاء يعمل مكوّن المثقفين والمدنيين داخله على قيادة الأهداف المطلبية وتحويلها إلى حركة احتجاج حقوقي وإصلاح ديمقراطي. وفي العادة، بحسب سعيد، تنجح حركاتُ الاحتجاج في إحداث تغيير، أو قطع سياسي، في حال نجح المكوِّنُ السياسي للحركة الذي ينادي عادةً بالحريات السياسية والديمقراطية وتداول السلطة، بدمج المكوّن المطلبي داخله. ونجاح ثورتي تونس ومصر، برأيه، إنّ ا تحقَّق بسبب النجاح في دمج هذين المكوّنين. وهو ما لم ينجح فيه ناشطو المكوِّن السياسي في الحركة الاحتجاجية في العراق، في تجاربها السابقة، فمع انحسار المكوّن المطلبي، لم يستطع المكونُ السياسي الثباتَ وإدامة الحركة. وخلص سعيد إلى أنّ الحركة الاحتجاجية في العراق تنهض في حالات ضعف الدولة عن أداء مهماتها، ضعف رعويتها وحضانتها للمجتمع. إنّها واحدة من تجلّيات الدولتية، ثقافة ونزعة سياسية. وما إن تستعيد الدولة قدراتها، حتى تضعف الحركة الاحتجاجية، وتخمد إمكانية تحويلها إلى مطالب إصلاح ديمقراطي. وفي دراسة "الخوف من التغيير السياسي في الجزائر"، حاول عبد الناصر جابي معرفة الصعوبات التي تواجه التغيير السياسي في الحالة الجزائرية التي عرفت كيف تتجنّب موجات التغيير العربي العاتية سنة 2011، "وهي الصعوبات التي كانت حاضرة كذلك قبل هذا التاريخ بمناسبة أحداث أكتوبر 1988، والتي أنتجت نوعًا من التغيير في واجهة النظام السياسي، من دون المسّ بالدولة العميقة التي بقيت بعيدةً عن تأثير هذه الأحداث التي أنجزت، على الرغم من ذلك، نوعًا من التعددية الحزبية والإعلامية، وفتحت مجال العمل الاقتصادي الحرّ بدل الخيار 'الاش ارركي' الذي كان سائدًا، من دون أن تمس أساسيات قواعد اللعبة السياسية التي بقيت من دون تغيير، ما جعل الحالة الجزائرية تبدو حالة مستعصية مقارنةً مع محيطها المغاربي، حالة لم تفلح معها الأدوات المعروفة للتغيير؛ كالانتخابات والهزّات القوية نسبيًا التي كانت وراءها الحركات الاجتماعية الاحتجاجية." وتناول عبد الهادي العجمي في ورقته "الحراك الكويتي والربيع العربي: ديناميك الإيحاء الجمعي والخروج من البراغماتية"، مدى تأثّر الكويت بالإيحاء الجمعي لحراك دول الربيع العربي، وأسبقية الحراك الكويتي على حالة الربيع العربي. انطلق الباحث من فرضية مفادها أنّ الحراك السياسي في الكويت خسر الكثير على المستوى الفعلي والواقعي، نتيجة لآثار الربيع العربي الإيحائية التي قادت إلى ارتفاع سقف المطالب مدعومة في فترة بالنجاحات التي حقّقها الربيع العربي في بدايته. لكنّها اليوم ومع ما تعانيه دول الربيع، وجدت نفسها في مواجهة أمام ما تملكه من قدرات واقعية؛ فقوة السلطة، وموجة الثورة المضادة للربيع العربي في العالم العربي، أنتجتا مشهدًا بدت فيه المعارضة عاجزة عن خلق واقعٍ جديد أو بديل يعيد إليها ما فقدته. وفي ختام الجلسة، عرّجت كارمن جحا في ورقتها "أخطبوط الطائفية: ديناميكيات التعبئة والشرذمة في نظام تقاسم المحاصصة الطائفية اللبناني"، على التحديات التي تعترض التعبئة الجماهيرية في مواجهة حركات الاحتجاج غير الحزبية؛ أي الحركات التي لا تقودها أو تنظّمها الأحزاب أو الائتلافات السياسية. وبحسب الباحثة، جرت الحالة الأولى عام 2011، واستمرت ثلاثة أيام في شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس، وتبنّت شعار إسقاط النظام الطائفي. وشكّلت الحالة الثانية أحدث محاولات مجموعات المواطنين تنظيم احتجاجات تتذمّر من أزمة القمامة وتطالب بالإصلاح السياسي الفوري، قادتها حركة "طلعت ريحتكن." وقالت جحا إنّ القادة السياسيين في لبنان يستخدمون نظام تقاسم السلطة للحيلولة دون تعبئة الجماهير خارج الأطر الحزبية، وإنّ المؤسسات الرسمية اللبنانية ضعيفة نتيجة غياب سلطة القضاء والمحاسبة وحضور الزعماء القوي.ّ

الإعلام والثورات

سها وليد نويهض خصّص المؤتمر جلسةً ل "الإعلام والثورات"، ترأ، وشارك فيها عمر البزري بمداخلة تحت عنوان "أيّ دور للعلوم والتكنولوجيا والابتكار في بلدان الربيع العربي؟ أيّ ملجأ بعد فشل الخطط القديمة؟"، رأى فيها أنّ السبب الرئيس لسوء أوضاع بلدان المنطقة هو الفشل الفادح في نقل المعارف واستخدامها وتوطينها، خصوصًا المعارف العلمية والتكنولوجية. وبرهن على هذا بأن الاحتجاجات في سورية بدأت في منطقة الجزيرة، بعد الجفاف الشديد على مدى سنوات، والذي رافقته ملوحة الأرض، ما أدّى إلى تعطيل عدد كبير من المشروعات الزراعية، وهجرة أبناء المنطقة إلى حواشي المدن الكبيرة وانهيار شبكة الدعم الاجتماعي، ما أدّى إلى زيادة استعداد الشباب للتسلّح مقابل المال. يكشف هذا، بحسب البزري، صلةً متينة بين المعرفة وما نعانيه اليوم؛ أي تلازم الفقر المعرفي مع تنامي الاقتصاد والثقافة الريعييَن وسياسات التنمية العاجزة عن التماشي مع العولمة، واستشرائها. قدّمت بيلي جين براونلي المداخلة الثانية تحت عنوان "تطور الإعلام حول سورية: الوجه المزدوج للمساعدات الخارجية." تناولت فيها ما يعنيه التطور الإعلامي، وكيف جرت مساعدة التطور الإعلامي في الشرق الأوسط من الخارج، وبنية المعونة الإعلامية التي قدمت في سورية وبخصوصها؛ وذلك في محاولةٍ للإجابة عن أسئلة تتعلق بما جرى في سورية من تحولات، وإذا ما كانت المساعدة الخارجية في المجال الإعلامي ساعدت في صناعة الانتفاضة في سورية. وقدّمت سالي حمارنة مداخلة بعنوان "ظاهرة التواصل الجماهيري في الحواضر العربية: الوسائل والتحديات"، تناولت فيها الربيع العربي بوصفه ظاهرة تواصل جماهيري متبادلة، مثّلها نزول الشباب إلى الشوارع بأعداد كبيرة. وعرضت لدور الإعلام في نحت البيئة المدينية في التاريخ الحديث، خصوصًا دور الصحافة والبثّ في خلق الصالونات والمقاهي وإغناء الحياة الاجتماعية العامة، ونشوء الأيديولوجيات الحضرية، واختطاف الحياة الاجتماعية من خلال ظواهر مثل الأوتوستراد وسواه، تلغي الفراغات في المدينة. وتناولت أيضًا الإنترنت وأثرها في العمران والمدينة، كما وصفت خصائص الحياة الاجتماعية الحديثة في الوطن العربي بوصفها حياة أفراد بجغرافيات منفصلة، إلى درجة أنّ الرصيف يكاد يكون الفراغ الوحيد المتروك بوصفه مكانًا عامًا. وعدّت حمارنة الربيع العربي مرحلة مرتبطة بانتهاء مرحلة سيطرة الإعلام الأحادي الجانب.

ديمقراطية يتيمة

في مساء اليوم الأول من المؤتمر، خُصّصت جلسة لمحاضرة بعنوان "ديمقراطية يتيمة"، قدّمها غسان سلامة الذي لم يتمكن من الحضور، وعُرضت المحاضرة عبر فيديو مصوّر. أشار سلامة إلى أنّ هنالك شعورًا في بلاد العرب بأنّ الديمقراطية يتيمة، تكاد تكون بلا أهل، على الرغم من اتجاههم، فصيلً بعد فصيل، إلى الدعوة إليها وإدخالها في صلب إعلاناتهم، سواء أكانوا شيوعيين أم قوميين أم من الإسلام السياسي. لكنّ قصة الديمقراطية، كما يوضح، ليست قصة تبنٍّ شكلي، بل قصة إقامة مؤسسات ديمقراطية، وليست طريقة وصول إلى السلطة بل هي إصرارٌ على العيش في الشرعية الدستورية وتداول السلطة وضمان الحريات. وبذلك تكون هدفًا لا وسيلة، ويكون أهلها قليلين وهامشيين. أهل الديمقراطية، بحسب سلامة، كانوا أقليّة بخلاف أهل القومية أو الإسلام أو الاشتراكية، فما بالك بأهلها في عهد الجمهوريات الوراثية ونُخبها الجديدة باستحواذها الفئوي على الدولة التي باتت إرثًا خاصًّا يُورَّث، بحسب تعبيره. ويضيف سلامة أنّ الديمقراطية بقيت محلّ خوفٍ من الإسلاميين، ومحلّ إرجاء لها، بدل أن يكون الإلحاح عليها أهمّ من المخاوف التي قد تأتي بالإسلاميين إلى سدّة السلطة. ويرى سلامة أنّ تعثّ الثورات العربية قد لا يكون عسرًا في التحوّل الديمقراطي، بل اختناق دامٍ، له آلاف الأسباب من المال الريعي والطبقة الوسطى وهوية المحتجيّن إلى مسلك النخب. لكن كلّ ما جرى يعزّز تشديد سلامة على أهمية الديمقراطية بمعناها العميق، معنى الهدف لا الوسيلة. ولذلك نراه يقدّم ما يشبه النصائح لإنجاح الديمقراطية وترسيخها واحترامها في سياق ما يجري الآن، خصوصًا بعدم الخلط بين المراحل وعدم سلقها في صوغ الدستور تحديدًا، وفي إطار التمييز بين النظام والدولة، ومن ناحية الإعلاء من شأن أخلاق القادة الانتقاليين نقيضًا للفساد والاستبداد الخاوييَن من الشرعية، الأمر الذي يكرّس الديمقراطية هدفًا لذاته وبذاته.

إسلاميو تونس بين الثورة والدولة

أعقبت محاضرة سلامة محاضرة للشيخ عبد الفتاح مورو، أحد أبرز وجوه الحركة الإسلامية التونسية، وبها اختتم اليوم الأول من المؤتمر. حملت المحاضرة عنوان "من إطاحة الاستبداد إلى حماية التحول الديمقراطي: قراءات في النموذج التونسي"، رأى فيها مورو أن الإسلاميين هم أوّل متّهمٍ بالسعي إلى نقل الحراك الشعبي إلى العالم

العربي بعد الثورة في إيران، لذا عطّل حراكهم، وما حصل في الجزائر في التسعينيات خوّف الناس منهم. وعرّج مورو على حقبة الحبيب بورقيبة في تونس؛ فذكر أنّه هيّأ البلد ليتقدم، "لكن حزبه أصبح فيما بعد حزبًا أحاديًا بعد إقصائه اليساريين، وتضاءل تأثيره بظهور طبقة من الشغيلة والطلبة، أظهرها النظام الرأسمالي." وهنا، بدأت الحركة الإسلامية في تونس - بحسب مورو - تأخذ موقفًا من القضايا الاجتماعية بعيدًا عن الأنماط العقدية فقط، وصارت القوة الأولى في الجامعة التي لم يستطع بورقيبة أن يصدّ أبوابها. وقال مورو: "من إيجابيات حكم بورقيبة أنّه استبعد العسكر من الحكم وهو ما أثّر في قيام الثورة، ومن إيجابياته أنّه استبعد التوريث." وختم محاضرته بصيحة مؤثّرة، قائلً: "يا صنّاع العقول اصنعوا العقول في أمة العرب، فالتطور لا يأتي بالأطباء والمهندسين بل بأصحاب الفكر والعلوم الإنسانية، ولن يغيّ الإسلاميون الواقع بعلوم الشرع بل بعلوم الفكر."

التيارات السياسية والثورات العربية: أدوارٌ واتجاهات

بدأ اليوم الثاني من المؤتمر بجلستين متوازيتين؛ الأولى تحت عنوان "التيارات السياسية والثورات العربية: أدوارٌ واتجاهات" ترأ سها جهاد الزين، وشارك فيها سلامة كيلة الذي قدّم ورقة حملت عنوان "اليسار العربي في الثورات العربية وتطوراتها"، بيّ فيها أنّه كان ثمة تيار قويّ داخل اليسار العربي، قبل الثورات، تحوَّل إلى الليبرالية وتبنّى الديمقراطية. وتناول كيلة أسباب الثورات، وموقع "العامل الاقتصادي" فيها؛ إذ ظهر منذ البدء في تونس أنّ الشعارات المطروحة تتعلق بالعمل والأجر، وبتحقيق الكرامة عبر تحسين الوضع الاقتصادي. والهدف هنا هو الإشارة إلى التفارق بين مسار الواقع الذي كان يطرح التغيير الجذري، أي الذي يتعلق بتغيير النمط الاقتصادي، بينما كان اليسار يركّز على تغيير "شكل السلطة" من سلطة دكتاتورية استبدادية شمولية إلى سلطة "ديمقراطية." ورأى كيلة أنّ هذا اليسار فوجئ بالثورات نظرًا إلى عدم ارتباطه بالبنى المجتمعية. وتحوّلت المفاجأة إلى ارتباك حين توسّعت الثورات. جاءت المداخلة الثانية بعنوان "حركات الإسلام السياسي والعملية الديمقراطية"، ألقتها نجوان الأشول التي تناولت "الجماعة الإسلامية" في مصر، منطلقةً من سؤال: كيف أثّر التفاعل مع المجال السياسي في أيديولوجيا الجماعة الإسلامية وقراراتها وأفعالها؟ وبَنَت الباحثة إجابتها عن هذا السؤال من خلال مقابلات مع أعضاء الجماعة وتحليل بياناتها ووثائقها وبحث مفاهيمها لتكتشف أنّ الجماعة الإسلامية في مصر تطوّرت خلال التاريخ وتنوّعت بسبب تفاعلها مع الواقع؛ ففي سبعينيات القرن العشرين انفصلت عن الإخوان ومرّت بفترة عمل اجتماعي دعوي داخل المجتمع، ثم راحت تعدّ للانقلاب وتخطّط له، ثم جاء اغتيال السادات والبدء في استخدام السلاح في تغيير النظام، ثم الاعتقال والسجون، تلتها درجة كبيرة من العنف بينها وبين النظام، أتت بعدها مرحلة المراجعات ووقف العنف من جانب واحد، ومع ثورة يناير كانت مرحلة العمل السياسي التي تناولت فيها الباحثة مواقف للجماعة من الثورة والانتخابات البرلمانية والرئاسية ومن العلمانيين والمسيحيين. وألقى خليل العناني المداخلة الثالثة بعنوان "محدّدات نجاح الحركات الإسلامية في الثورات العربية"، التي سعى فيها إلى اختبار ردة فعل الإسلاميين العرب تجاه الثورات العربية، وكيف تعاطوا معها سياسيًا وفكريًا وأيديولوجيًا. وتعقد ورقته مقارنةً بين حالتَي جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وحركة "النهضة" في تونس. كما تجادل بأنّ محددات النجاح أو الفشل (أو الصعود، والهبوط) بين الحالتين مرتبطة بثلاثة عوامل أو محددات رئيسة: أوّلها السياق السياسي والثوري والاجتماعي في كلا البلدين. وثانيها، التطور الفكري والأيديولوجي لكلا الحركتين، فضلً عن دور القيادة فى التعاطي مع الثورة. وثالثها، السياقان الإقليمي والدولي ودورهما في رسم مسارات النجاح والفشل في كلا الحالتين. أما الجلسة الموازية فكانت في هذا المحور، وأدارها ريان الأمين. قدّم الورقة الأولى فيها زولتان بال بعنوان "كيف يؤسس سلفيو لبنان سيطرتهم الدينية في مرحلة ما بعد الثورات العربية؟." جاء في الورقة أنّ بعض الدراسات الذي يتناول موضوع الحركة السلفية في سياقات وطنية مختلفة يعلّل نجاح الحركة السلفية في قدرتها على استقطاب أفرادٍ ينتمون إلى فئة شبابية نسبيًا، يواجهون أزمة هوية ترتبط بالحداثة. وأضاف الباحث: "في لبنان، السلفيون يستقطبون السنّة الذين يشعرون بالحرمان والقهر مقارنةً بجماعاتٍ أخرى." وتحدّث أحمد عبد الحميد حسين من مصر عن "التحول الديمقراطي بين الاستقطاب الثنائي وأزمة غياب البديل: دراسة حالة "حزب مصر القوية"، فقال إنّه عند انفجار الثورات العربية، لم يتصدرها أيّ تشكيلات لتنظيمات حزبية أو حركية لتيارات ديمقراطية أو غير ديمقراطية. وتحدّث الباحث عن أزمة تبلور البديل الديمقراطي في الحالة المصرية بعد الثورة، راصدًا التحولات التي مرَّت بالحزب منذ نشأته في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، من خلال تحليل دور التعبئة

للمجموعة والعقبات التي قابلت الحزب بفعل أسباب مختلفة، أهمّها الأزمات التي مرَّ بها مسار التحول الديمقراطي في مصر، خصوصًا حالة الاستقطاب الشديدة التي هيمنت على المجالين السياسي والعام بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013. ورصد الباحث دور النشأة القديمة، وتأثيرها في الخطاب السياسي، وبناء التحالفات والجبهات، وكيفية بناء التنظيم الجديد، والقضايا التي يجري الاهتمام بها دون قضايا أخرى أقلّ أولوية. وعالج في دراسته إشكالية أساسية، وهي تأثير القمع في تطوّر الحزب، وتأثير الإحباط الذي لحق بأفراده نتاج أسباب مختلفة، ما أدّى إلى دخول بعض أفراد المجموعة في حالة انسحاب بدرجات مختلفة. ثم قدّم الباحث محمد علي عدراوي ورقة عن "السياسات الخارجية للحركات الإسلامية"، تشكّلت بنيتها على مجموعة من الأسئلة: كيف تفهم الحركات الإسلامية العلاقات الدولية؟ وكيف تمارسها؟ وإلى أي حدٍ نستطيع أن نعدّ الإسلاميين مختلفين في مناطقهم من العالم عن الأطراف السياسية غير الدينية؟ وهل يشجع الإسلاميون رؤية معينة للعالم من ناحية أجندتهم الخارجية؟ وماذا كتب مثقفوهم وقادتهم عن هذا الموضوع على مرّ السنين؟ وكيف حصروا الحركة الإسلامية في حقل العلاقات الدولية في الدفاع عن "هويتهم الدينية" و"المصلحة الإسلامية والأطر الجيوسياسية الإسلامية" (على سبيل المثال البحث عن الخلافة) كما ورد في الأيديولوجية الإسلامية؟ وكيف وصلت الأحزاب الإسلامية إلى السلطة منفذةً "خصوصيتها" السياسية في حقل الشؤون الخارجية؟ وهل أثّرت الوقائع السياسية في سياستها الحالية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف؟ أخيرًا، هل السياسة الخارجية حقل ملائم لعلماء السياسة الذين يرغبون في دراسة السمات الدائمة للإسلام السياسي، أو لنموّه طوال السنوات القليلة الماضية، لا سيما بعد وصول عدد من ممثّليه إلى السلطة؟

الدولة والثورات: مواجهة واحتواء

أعقبت هاتين الجلستين المتوازيتين جلستان متوازيتان أخريان، عُقدتا تحت عنوان "الدولة والثورات"، ترأ س الأولى بشار حيدر، وألقى فيها مهدي مبروك ورقة بعنوان "الدولة العميقة والتحوّل الديمقراطي في تونس: افتراضات أوليّة"، تناول فيها مصطلح الدولة العميقة، وذلك في طموحٍ إلى كشف الإستراتيجيات الخطابية التي أدّت إلى ولادة هذا المصطلح الذي اختفى الآن بسبب إستراتيجيات أخرى كشفت انتهاء قيمته الدلالية. تتبّع الباحث ظهور هذا المصطلح في تسعينيات القرن الماضي مقولة وصفية بعيدة عن التحليل لوصف النظام السياسي التركي، ثم ظهوره في موجة ثانية من استعماله لوصف الحالة الباكستانية وصولً إلى الموجة الثالثة في دول الربيع العربي، حيث يشير هذا المصطلح إلى أهمية المؤسسة العسكرية في إدارة الحكم من خلال مراكز نفوذ وجملة أجهزة تُ لي القرارات السياسية أو تؤثّر فيها. ورأى الباحث أنّ ثمّة مفارقة في استخدام هذا المصطلح في تونس التي اتّخذ فيها الجيش دور الحياد الإيجابي. ومع ذلك فقد استُخدم المصطلح بمعانٍ متعاقبة؛ فعَنى حكومة الظلّ ثم بقايا النظام القديم ثم قوى الثورة المضادّة إلى أن استقرّ على الدولة العميقة. والمضمون في هذه الاستخدامات كلّها هو حكومة تقف بعيدًا أو في سراديب حكومة الواجهة، ولوبيات مال وأعمال مستترة. بعد ذلك، ألقى ولد باهي بون مداخلة بعنوان "محنة الربيع العربي: الدولة ضد التغيير"، رأى فيها أنّ موجة التغيير اتّسمت بفروقات وتفاوت من دولة إلى أخرى بحسب مستوى قوة الدولة وقدرتها على المقاومة؛ إذ كان ثمّة دول قاومت التغيير وأجهضته، ودولٌ أخرى قامت بإصلاحات، ودول عرفت التغيير واستقرّت بعده أو تراجعت عنه. وبتنا الآن في مرحلة ما بعد الربيع العربي التي يجب التساؤل فيها أين يكمن العطل في هذه التجربة؟ وإلى أيّ حدّ يمكن عدّ الدولة العربية ضدّ التغيير. وناقش الباحث ذلك من خلال عدّة محاور؛ هي أزمة مفهوم الدولة العربية وأزمة نموذجها والخلط بين مفهوم النظام ومفهوم الدولة. وأكّد ثلاثة مسلمّات بعد الربيع العربي؛ هي أنّ الاستثناء العربي لم يعد واردًا، وأنّ الشعوب باتت حاضرة سياسيًا، وأنّ العالم العربي يتغيّ بيد المجتمع. جاءت بعد ذلك مداخلة محمد العجاتي "بنية الدولة العربية والتحول الديمقراطي: نماذج تونس ومصر والمغرب" التي رأى فيها أنّ المطالب في جميع دول الربيع العربي كانت واحدة لكن المسارات اختلفت، ما أدّى إلى اختلاف النهايات. وأشار الباحث إلى أنّ تقييم المسار بعد خمس سنوات يؤكد أنّ هذه الثورات لم تحقّق ما كان مأمولً. وتحدّث عن الشبكات المعوقة للتحوّل، وفي صدارتها بنية الدولة ذاتها؛ إذ يظهر بوضوح أنّ الحالات التي يغيب فيها حارس لبنية الدولة التقليدية مثل الحالة التونسية، فإنّ ذلك ليس مدعاة كما يدّعي البعض إلى هدم الدولة، وإنّ ا فرصة لتطوير هذه البنية لتلائم العصر وتفتح أفقًا للمواطنين لإعادة صوغ بنية الدولة العربية المتكلسة، لتكون أكثر قابلية لنموذج ديمقراطي يحكمه عقد اجتماعي، وليس عقد الإذعان المفروض على دولنا منذ نشأة الدولة الحديثة فيها.

وألقت مليكة الزخنيني المداخلة الأخيرة في هذه الجلسة، والتي حملت عنوان "أزمة الدولة الوطنية ومآزق الديمقراطية في تجارب ما بعد الحراك: الدول المغاربية نموذجًا"، انطلقت فيها من فرضية مفادها أنّ الحراك الشعبي عرّى واقع الدول الوطنية المأزوم، وأن هذا العجز وليد اختلالات في بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال؛ بحيث نجد تجاذبات تفسّ العجز أو التعثّ في بناء الدولة الوطنية، كالتجاذب بين الديني والعلماني، والتجاذب بين المدني والعسكري، والتجاذب بين الدولي والإقليمي، فضلً عن البنية الاستعمارية التي تتميّز بالعجز عن بناء الديمقراطية. ترأّست منى حرب الجلسة الموازية. وبدأها مايكل هدسون الذي قدّم ورقة بعنوان "هل تصمد الدولة العربية بعد الثورات؟ بحث في أزمة الدولة"، قال فيها إنّ انتفاضات 2011 كشفت بصورة دراماتيكية ضعف الدولة العربية. ولا يزال الزلزال والهزات الارتدادية التي أعقبتها مستمرةً، وتزعزع استقرار الدولة والنخب الحاكمة، حتى في الدول التي لم تشهد احتجاجات شديدة. لكن النتائج التي أسفرت عن تلك الاحتجاجات، كشفت أيضًا عن ضعف المجتمعات العربية. وفشلت المعارضة، في جميع الحالات تقريبًا، في تحقيق تماسك فعّال. ثمّ نجد ورقة لكليمنت هنري تحت عنوان "الدولة الراسخة والثورة في العالم العربي"، قدّمها محمد علي عدراوي بدلً منه، بسبب عدم تمكّنه من الحضور. ربط الباحث بين تعاليم لينين في كتابه "الدولة والثورة" والانتفاضات العربية. وخلص في الورقة إلى أنّ القطاع الخاص في الدول العربية كان محرك الثورات والدعوات إلى التحول الاجتماعي. وتكلّم محمد الشيوي عن "مصر والتحول من داخل الاستبداد"، رادًا على الادعاء بأنّ تنفيذ العدالة الانتقالية يساعد بالفعل في تطوير المؤسسات الديمقراطية. ورأى الباحث أنّ العدالة الانتقالية فشلت في معالجة التحولات وتوقّع تطوراتها ضمن هياكل الدولة الاستبدادية، ويفضّ ل بدلً من ذلك مفهوم "التحولّات الفاشلة"، لأن العدالة الانتقالية برأيه تعيد إنتاج أنظمة توتاليتارية، كما أنّها لا تحل القضايا الكبيرة. وختم دانييل براون الجلسة بورقة تحت عنوان: "إلى أيّ حدٍ تستطيع الملكيات العربية النأي بنفسها عن الثورات؟"، رأى فيها أنّ الرؤساء لا يبنون علاقات مع المواطنين، وأنّ البعض يظن أنّ الأنظمة الملكية أفضل من أنظمة أخرى؛ فالأردنيون يفضلون بقاء الملكية على أن تتحول بلادهم إلى سورية جديدة. وقال إنّ النظامين الجمهوري والملكي يكشفان عن نماذج متشابهة من آليات التعبئة الشعبية، أو المؤسسية أو الثقافية، والنموذج الذي تبيّ لنا على عجل هو أن العمل الجماعي المشاكس في الأردن، على الرغم من أنّه لم يؤدّ إلى تغيير النظام، فإنّه أكثر استدامةً، ويستند إلى شبكات ناشطين أكثر كثافةً ممّ كانت عليه الحال في عامَي 2010 و 2011 في تونس.

الجيش والثورات: إعادة رسم الأدوار

تناولت الجلسة اللاحقة موضوع "الجيش والثورات." وقد رأسها سامر فرنجية. قدّم الورقة الأولى فيها هاني عواد، وجاءت بعنوان "التطور التاريخي ل 'اللاسياسية' في مصر"، تناول فيها خصوصية البيروقراطية المصرية التي تكمن، بحسب الباحث، في أنَّ تشكّلها التاريخي جعلها غير قادرة على استيعاب الشراكة مع الكيانات الجمعية pluralist groups الخارجة عنها، فالبيروقراطية المصريّة تشكّلت تاريخيًا على هيئة "جماعة سياسية" ترى في نفسها بديلً عن الأحزاب السياسية ولا تقبل احتواء كيانات جمعية أو إدماجها، والتي من شأنها – إن دُمجت - أن تؤدي إلى انهيار المنطق الذي تعمل أجهزة الدولة بموجبه. وقد صُمّمت البيروقراطية المصريّة سياسيًا واجتماعيًا على هيئة الجماعة التي تعزل نفسها عن المجتمع وتطالب الوافد إليها بولاء أشبه بولاء الأفراد لحزب سياسي. وألمح عواد إلى أنَّ صيرورة العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر أفضت إلى نتيجة تعقّد مسألة توسيع المشاركة السياسية في المشهد السياسي المعاصر، فوجود قطاعات شعبية واسعة من المهمّشين تتأثّر يوميًا بسياسات الدولة ولكنّها في الآن نفسه عازفة عن الانخراط في أُطرٍ سياسية تمثّلها، يعطي ائتلاف الحاكمين في مصر هامشًا أوسع لتجنّب الانتقال نحو الديمقراطية، ويعطي الدولة العميقة أيضًا جميع الذرائع لمحاصرة المعارضة السياسية التي غالبًا ما تجد نفسها بلا ظهير سياسي ولا حاضنة اجتماعية تحتمي بها. وقدّم حسن الحاج علي أحمد ورقة بعنوان "تأثير المهنية العسكرية الجديدة في الثورات العربية"، منطلقًا من فرضية تباين تعامل المؤسسة العسكرية من بلد إلى بلد؛ إذ قارن بين المهنية القديمة (حين كان الدور المحوري للجيوش هو الصراع العربي الإسرائيلي) والمهنية الجديدة (حين تحوّل اهتمام هذه المؤسسات إلى الداخل بعد السلام وباتت المؤسسة العسكرية تتولى أعمالً أمنية وسياسية واقتصادية أكبر بالقياس إلى القديمة.) وهكذا بتنا أمام مجمّع عسكري أمني في مصر، وجيش عقائدي في سورية، ومجمّع عسكري تجاري قبلي في اليمن.

تلا ذلك مداخلة قدّمتها كارلا عيسى بعنوان "الإخوان المسلمون والجيش المصري: تاريخ من العنف من عام 1954 حتى اليوم"، حاولت فيها أن تبيّ كيف أعاقت الدولة العميقة في مصر والعنف المفرط الذي يمارسه النظام عمليةَ الانتقال الديمقراطي التي أطلقتها ثورة يناير. وبتنا أمام تهديد يواجه النظام الحالي من جهتين، على الرغم من حملاته القمعية العسكرية: شبكات الإرهاب المتنامية، والاحتجاجات المتواصلة. وجاءت المداخلة الأخيرة في هذه الجلسة بعنوان "سلطة الدولة ما بين التحوّل والاستمرار: أمننة الديمقراطية في مصر وتونس" ألقاها أرنود كورز، وتناول فيها مسألة تعزيز إستراتيجيات الأمن القومي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مواجهة التهديدات المتزايدة لتنظيم الدولة الإسلامية. وحلل الباحث العلاقات بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الربيع العربي، انطلاقًا من دراسات عيانية في تونس ومصر؛ حيث يخضع المجتمع المدني في كلا البلدين لتشريعات قمعية باسم الأمن القومي، الأمر الذي يطرح السؤال التالي: لماذا تمثّل إستراتيجية أمننة عمليات الانتقال الديمقراطي ضررًا على تعزيز الاستقرار والسلام المستدام؟ يناقش الكاتب بالإحالة إلى مفهوم المرونة؛ أي مفهوم التعافي السريع من الصعوبات، لا سيما المستخدم في دراسات التنمية المرتبطة بالكوارث الطبيعية، عواقب السياسات القمعية التي تمارسها الحكومات التونسية والمصرية على المجتمع المدني. وبناءً على تحليل المحتوى الإخباري لوسائل الإعلام الإلكترونية الذي يتناول سردية الانتقال الرسمية في مصر وتونس، يتوصّل الباحث إلى أنّه على الرغم من كون تلك السياسات تهدف إلى السيطرة على المجتمع عن طريق زرع الخوف داخله، فإنّها تشكّل أيضًا عامل استقطاب للفعاليات الاجتماعية المختلفة.

التحول الديمقراطي: مقاربات وأسئلة

ناقشت الجلسة اللاحقة "التحول الديمقراطي: مقاربات وأسئلة"، ورأسها باسل صلوخ. قدّم محمد باسك منار الورقة الأولى فيها بعنوان "قراءة في التجربة الدستورية والسياسية في المغرب: بعد خمس سنوات على الثورات العربية." تناول فيها الباحث التجربة الدستورية والسياسية في المغرب بعد الثورات، وبحث ما عرفه المغرب من أحداث دستورية وسياسية بعد احتجاجات حركة 20 فبراير، وقال إن التغيير البنيوي يغيّ القواعد الرئيسة في النسق، ما يؤدي إلى تغيير في النسق، أو تغيير النسق نفسه. لكن الحراك المغربي لم يصل إلى حد التغيير البنيوي، وما تحقق لا يخرج عن دائرة التغيير في التوازنات الذي قد يتضمن بعض التحولات في مواقع الفاعلين من دون المساس بالقواعد الجوهرية لاشتغال النسق، ما يصب في نهاية المطاف في استمرار النسق وتجدّده. ثم قدّم سيدي مولاي أحمد عيلال ورقة تحت عنوان "العملية الديمقراطية في المغرب وإشكالية الفاعلية: حركة شباب 20 فبراير نموذجًا"، قال فيها: " لقد تطلّب التحقيق السوسيولوجي للحركة الاحتجاجية الموسومة: حركة شباب 20 فبراير التمييز بين أربع مراحل؛ انطلقت الأولى من "مرحلة المجهولية" التي اتسمت ببروز أسماء مستعارة في صفحات فيسبوكية جذبت فئة الشباب للتوقيع على جدرانها بين مؤيدٍ ومعارض، وانتقلت من ثم إلى "مرحلة الانتشارية" التي دعمت الحركة بأتباعٍ مؤيدين من مختلف فئات المجتمع المغربي وتوجهاته السياسية، تمهيدًا لمحاولات الاحتضان والتضامن، بل وحتى الاستغلال في بعض الأحيان. أدّت هذه الجدلية إلى "مرحلة انقسامية" ظهرت فيها حركات متعددة الأبعاد والانتماءات فضل عن الحركة الأصل التي لم تتوقف عن المرور إلى "مرحلة المواقف والمواقف المضادة." وتحدّث جورج فهمي عن "الأزهر ودعم الديمقراطية في مصر 2015-2011(") ساعيًا إلى الإجابة عن سؤال: "هل يتوافق الإسلام والديمقراطية"، من خلال التركيز على مؤسسة الأزهر الأعرق في مصر للتعليم الديني، وتحليل مواقف الأزهر من الديمقراطية. ختم هذه الجلسة أنطونيو مارتين بوراس-غوميز بورقة عنوانها "القانون الدستوري للانتفاضة العربية"، قال فيها إنّ الثورات العربية نجحت في إطلاق عملية تغيير الدساتير وإصلاحها، على الرغم من أن ذلك استغرق وقتًا طويلا، ملاحظًا تشابهًا كبيرًا في العديد من بنود دساتير مصر وتونس والمغرب، ما يعني أنّ استلهامًا حصل ما بين تلك الدول. وحاول الباحث توضيح مدى تأثير المواقف الأيديولوجية السائدة والقوى التاريخية في صوغ فقرات دستورية محددة (مثل الاعتراف بدستورية دولة الرفاه الاجتماعي، أو إعلان الإسلام بوصفه أحد المكونات البارزة للهوية الوطنية والمصدر الأول للتشريع.) كما ألمح إلى الخصائص الإقليمية التي تشير إلى إمكانية قيام نموذج توجّه دستوري عربي لما بعد الثورات.

تجارب النشطاء

في مساء اليوم الثاني، وعلى هامش أعمال المؤتمر، وبخلاف باقي الجلسات، شهد المؤتمر جلسة ضمّت نشطاء شاركوا في الثورات العربية في دول الربيع العربي المختلفة، قدّموا تجاربهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. وقد أدار الجلسة فواز طرابلسي. بدأ عبد الرحمن منصور من مصر الذي قال إنّه شارك في الثورة لأنّ ذلك كان لا بد منه وكانت هناك فرصة تاريخية وحاسمة للخروج على نظام مبارك، ورأى أن الثورة نجحت في إدخال مواطنين عاديين غير فاعلين وفئات مهمشة إلى المعادلة السياسية، ومع الوقت سيُنتج ذلك حركة ديمقراطية. أمّا الناشط التونسي الأمين بوعزيزي، فلم يوافق على القول إنّ الثورة كانت ثورة شباب، بل الفئة الأكبر على الأرض كانت من الشباب، والمدينة التي انطلقت منها الثورة هي مدينة فلاحين، وحرق البوعزيزي نفسه لم يكن معجزة، إنّ ا كان هناك مشهد سياسي شبه محطم ينظّم عشرات الاعتصامات في الولايات والمحافظات، وكانت أجهزة الأمن لا تتحرك لأنّها تعرف أنّ هناك احتقانًا. وقال الناشط السوري الوليد يحيى الذي كان صحفيًا في العراق، إنّ الشعارات بدأت مطلبية وكان صوغها راقيًا جدًا، وتسيست بالتدريج تحت وطأة عنف النظام الذي أسهم في تحويلها إلى مسلّحة. أمّا الناشط اليمني جمال المليكي فلم يسمع بشعبٍ مكث أكثر من عام يطالب بالحرية والكرامة والعيش الكريم وبطريقة سلمية كما فعل الشعب اليمني. وروَت مجد الشربجي تجربة اعتقالها في سورية، وتعرّضها للتعذيب من دون استجواب، وأكّدت أنّ السلطة في المعتقل تخاف الناشطين السلميين أكثر بكثير من الناشطين المسلحين. بينما قال الناشط المصري محمد شمس إنّ الثورة في مصر لم يكن فيها إستراتيجية عنفية أو تفكير في العنف على الرغم من وجود بعض العنف على هامش حوادث الثورة. في المقابل، قالت الناشطة والصحافية السورية ديما ونوس إنّه يجب تفكيك أجهزة النظام السوري بالكامل بما فيها الجيش والمخابرات، وليس الأسد فقط.

هل يمكن إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟

كان ختام اليوم الثاني من المؤتمر مع جلبير الأشقر الذي قدّم محاضرة بعنوان: "هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟ تأمل في المعضلة الرئيسة للانتفاضة العربية"، استعاد فيها التمييز الفيبري بين الدولة الميراثية والدولة الحديثة، ورأى أنّ هذه الأخيرة تفصل بين الأجهزة والأشخاص الذين يمارسون السلطة في حين تعد الأولى ملكًا خاصًا للحكام. وأشار الأشقر إلى أنّ في منطقتنا من العالم أكبر تركّز للدول الميراثية سواء في الملكيات أو في الجمهوريات التي تحوّلت إلى "جملكيّات." وميزة الدولة الميراثية هي بناء أجهزة موالية ولاء كاملً، ما يجعل أيّ محاولة لإسقاط النظام تؤدي إلى صدام دموي. وأشار الأشقر إلى أنّ الانتفاضات لم تنطلق في هذا النوع من البلدان، بل في مصر وتونس، وميزتاهما أنّهما بلَدان "نيو ميراثيين" يقعان في منزلة بين المنزلتين، فلا هما دولتان ميراثيتان، ولا هما حديثتان بالمعنى القانوني والديمقراطي، لكنّهما تتميزان عن سورية وليبيا بأن لجهاز الدولة استمرارية، ولم يقم الحكام بإعادة تركيبه عن بكرة أبيه كما حدث في سورية وليبيا. وهذا ما سمح في مصر وتونس بإسقاط النظام وبتمييز هذا النظام عن الدولة، الأمر الذي لم يكن ممكنًا في سورية وليبيا بطريقة سلمية. ولإسقاط النظام من دون انهيار الدولة، اقترح الأشقر إستراتيجية تقوم على الهيمنة المضادة من داخل جهاز الدولة بهدف تغيير النظام من دون انهيار الدولة. وهو يرى أنّ هذا يتطلّب تشخيصًا دقيقًا للنظام، وتكنيسًا للأوهام، وتشخيصًا لآليات النظام وأدواته داخل الدولة، وتوحيد القاعدة الاجتماعية من أجل عدم ذهاب القوى المرشحة للثورة إلى الطائفية والقبلية.

تحديات الربيع

بدأ اليوم الثالث بمحاضرتين عامتين؛ ألقى الأولى الناشط المصري خالد العلي من مصر، وحملت محاضرته عنوان "التحديات التي تواجه الربيع العربي"، وقال فيها إنّ المنطقة تمرّ بوضع إنساني عبثي ومرعب ليس له ما يبرره، "فأطراف الصراع انجروا إلى ما أنتج موجة من اللجوء علينا البحث في حلول جذرية لها، ومعالجة تداعياتها." وأكّد العلي انحيازه إلى الرأي القائل إنّ الثورات لم تتوقف، وإنّ التحركات الجماهرية ستنفجر ثانية. وقال العلي إنّ تسمية "المرحلة الانتقالية" خاطئة لأنّها مرحلة تأسيسية تنقل البلاد من مرحلة الثورة إلى مرحلة تثبيت الشعارات، بينما رأيناها مرحلة وأد لشعارات الثورة. أمّا المحاضرة الثانية فقدّمها أحمد دلال، بعنوان "اللاهوت السياسي لتنظيم داعش"، بدأها بالقول إنّ الخوف حلّ محلّ الأمل في ثورات الربيع العربي، وإنَّ داعش جسّد هذا الخوف بوصفه قوة ثورة مضادة، وتطرّق إلى عدم دقة ترجمة "ثيولوجيا" ب "لاهوت" في السياق الإسلامي. ورأى أنّ لدى داعش سردياته الثيولوجية السياسية

التي تبني وتشكّل تدخلاته في العالم. وتناول دلّ ل بعد ذلك إسلامية داعش وأشار إلى أنّه لا يمكن إنكارها، مبيّنًا في الوقت ذاته أنّ الانتماء إلى الإسلام هو أمرٌ محلّ جدال ونزاع، وأنّ إسلام داعش يجسّده مسلمون محدّدون لا يشاركهم جميع المسلمين قِيَمهم وفهمهم. والتفت الباحث بعد ذلك إلى الطرائق والمفاهيم التي يستخدمها داعش: ممارساته النوعية أيديولوجيًا وسياسيًا وعسكريًا، واقتصاداته، وعلاقاته مع المجموعات الأخرى، واستخدامه التقنية ومنتجات الحداثة، واستخدامه العنف. وحاول أن يستشف مشروع داعش من مرجعياته وإصداراته مثل أعمال أبي مصعب السوري ولسان حاله "دابق"، وكتب مثل "إدارة التوحش" و"المذكرة الإستراتيجية." وتوصّل في النهاية إلى أنّ لداعش مشروعًا، نقده ليس يسيرًا، إذ لا يكفي نقد العنف والقسوة، ولا بدّ من تبيّ الثيولوجيا السياسية التي أقامتها ولوَتها باتجاه معي.

مأزق التحول الديمقراطي

أعقب هاتين المحاضرتين جلستان متوازيتان؛ عُقدت أولاهما تحت عنوان "من الثورة إلى مأزق التحوّل الديمقراطي"، وترأ سها سعود المولى. قدّم ريموند هينيبوش الورقة الأولى فيها، وكانت بعنوان "في تفسير المسارات والتطورات المتباينة للانتفاضات العربية وفهمها في سورية ومصر وتونس." وقد حاول فيها الباحث مقاربة التنوّع ما بعد الثورات العربية سوسيولوجيًا تاريخيًا، حيث قال إنّ الانتفاضات العربية تمخضت عن مسارات متباينة. ويمكن للمرء، من حيث المبدأ، تمييز الدول وفقًا لبعدين: 1. مستوى تماسك الدولة، وقد أدّت الانتفاضات في هذا المنحى إلى إضعاف دولٍ عديدة، أسفرت في حالات عدة منها عن "دولة فاشلة" (ليبيا، واليمن، وسورية.) 2. يمكن تمييز الدول المتماسكة وفقًا للحكم، والذي بدوره يختلف وفقًا لبعدين: مستوى نزاع النخبة، ومستوى اندماج الجماهير، مع وجود أربعة نماذج ممكنة لنظام الحكم: مستوى متدنٍ من نزاع النخبة والاندماج الجماهيري (استبدادي)؛ ومستوى عالٍ في كليهما (حكم تعددي)؛ وحالتين هجينتين: تماسك شديد للنخبة وتدنّ الاندماج الجماهيري (حكم أقلية ليبرالية)؛ وتماسك ضعيف للنخبة وارتفاع الاندماج الجماهيري (استبدادي تعددي.) وقد أدّت الانتفاضة في تونس فقط إلى حكمٍ تعددي. واتّبعت مصر صيغة هجينة لكن في مسارٍ متغير،ٍ فاتجهت أولً نحو حكم تعددي، لكنّها عكست الاتجاه في استعادة كبيرة للنظام القديم في ظل نظام السيسي ترافقت مع تقلّص النزاع (وزيادة القمع مقارنة حتى بفترة مبارك)، متضمنًا ذلك جزءًا كبيرًا من الشعبية في قاعدة مؤيديه. وعليه، تمثّلت المسارات المختلفة الثلاثة في كلٍ من سورية (دولة فاشلة)، ومصر (نظام هجين)، وتونس (حكم تعددي.) جاءت المداخلة الثانية لمراد المهني، وحملت عنوان "القوى الثورية في مواجهة التحوّل الديمقراطي: قراءة سوسيو - سياسية للمثال التونسي"، تتبّع فيها تطوّر الثورة التونسية ولحظاتها البارزة. وتبيَّ أن التحوّل الديمقراطي كان شكليًّا مقتصرًا على الدستور والبرلمان جرّاء توافقات جرت على حساب الثورة. ألقى بعده أحمد إدعلي من المغرب مداخلة بعنوان "التحول الديمقراطي في اليمن وليبيا: بحثٌ في أسباب الإعاقة"، رأى فيها أنّ في البلدين مسيرة متعثّة لم تؤسس لمرحلة جديدة أفقها الحرية. وأخيرًا ألقى محمد عزت رحيّم من مصر مداخلة عنوانها "خمس سنوات على الثورة: مجالٌ عامّ جديد في مصر؟"، تساءل فيها أين نقف الآن من النقطة التي بدأت منها الثورة؟ وقد حاول الباحث الإجابة من خلال أربعة موضوعات: علاقة الدولة - المجتمع قبل الثورة وبعدها وانتقالها من دولة فوق المجتمع إلى الحرية التامة والسيولة البالغة طيلة 2011، ثم العودة إلى محاولة السيطرة على المجتمع والرجوع إلى البداية؛ والمجال العام في فترات التحول والثورات الذي يحدث فيه الصراع بين الدولة والمجتمع ويختلف باختلاف الأنظمة السياسية سلطويّةً كانت أو شموليّةً أو ديمقراطية؛ ورمزية البعد المكاني وعلاقة المكان بالهوية؛ والمجال العام الافتراضي وتجلّياته وأثره، خصوصًا الإنترنت بوصفها وسيلة للحشد والتعبئة ومصدرًا للأخبار وفضاءً للنقاش وتبادل الخبرات. ترأ س حازم الأمين الجلسة الموازية، وكانت المداخلة الأولى فيها لكل من ليلى قبلان وعمرو قطب اللذين قدّما ورقة مشتركة حملت عنوان "التحالف بين القوى العلمانية والإسلامية في مرحلة ما بعد الثورة: حالتا مصر وتونس"، وحاولا فيها التعرّف إلى التعاون والتفاعل بين قوى المعارضة العلمانية والإسلامية، في كلٍ من مصر وتونس في مرحلة الثورة وما بعدها، وإجراء مقارنات ومفاضلات بينهما. وخلص تقييم الباحثيَن للخيارات التي اعتمدها الإخوان المسلمون في مصر والنهضة في تونس إلى أنّها كانت مرتبطة ارتباطًا عميقًا بعوامل تاريخية واجتماعية وسياسية وفروق دقيقة في المشهد السياسي لكلا البلدين. وبيّ نموذج التحالفات بين هاتين المجموعتين أنّها تتوقف على علاقتهما السابقة مع الدولة العميقة والتهديد المحسوس من

زمر مختلفة، والهوية الاجتماعية والسياسية لكلا البلدين. ولقد أمْلت هذه العوامل عملية انتقالية لتونس أعطت طابعًا مؤسسيًا لمستنقعات المعارضة من خلال تعددية ميّالة إلى الصراع، على العكس من مصر التي لم تُ نح الخلافات فيها أيّ فرصة للتعبير الدستوري، ما أدّى إلى الأزمة السياسية التي ما زلنا نشهدها اليوم. ثم قدّم عبد الوهاب الأفندي ورقة بعنوان "حالة مناعة مرتدّة: تجليات المرض العربي في تنازعات ما بعد الربيع العربي"، قال فيها إنّه مع اندلاع ثورات الربيع العربي، لم تكن الضحية هي الأنظمة المتداعية وحدها التي انهارت مثل بيوت العنكبوت، بل كذلك كثير من النظريات السياسية التي قدّمت لتفسير الواقع السياسي العربي، بخاصة "التفسير الثقافي" للتخلف الديمقراطي الذي ارتفعت أسهم المروّجين له بعد سقوط جدار برلين. وقد خلف هذا التفسير التعليل التنموي الذي ساد في إطار نظرية التحديث ومشتقاتها في الفترات السابقة، وكان أكثر من روّج له المستشرقون، وتابعهم في ذلك مفكرون عربٌ كثر، فسّ وا التخلّف الديمقراطي العربي بالدين، أو في أضعف الإيمان ب "الثقافة السياسية العربية" المشبعة عند البعض ب "الأبوية" أو "القبلية." وسعى الأفندي إلى تقديم إجابة أولية عن هذا السؤال؛ بطرح فرضية إصابة الجسم السياسي العربي بمرض "المناعة المرتدة." وقدّم الحسن بن النجيم "قراءة حول عسر التغيير داخل الفضاء العربي"، تضمنت تأملات نقدية – تاريخية في عسر التحوّل داخل الفضاء العربي. وقف الباحث على طبيعة العلاقة الرابطة بين الآمال المعلّقة على هذا الحراك والواقع التاريخي الذي فرض تمثلّاته على الأفراد والجماعات، بعد خمس سنوات من انطلاق الحراك، وناقش أهمّ العراقيل التي تقف أمام التغيير والتحوّل. وهي عوامل تاريخية، في رأيه، تتلخص في ما يسمّيه "إشكالية الفهم التاريخي"؛ انطلاقًا من الإشكالية المركزية التالية: كيف انعكس سوء الفهم والإدراك العقلي للثورة على جغرافية العقل العربي؟ عالج الباحث هذه الإشكالية بمقاربة تاريخانية ومن أربعة محاور رئيسة ومتكاملة؛ الأوّل قدّم من خلاله أوليات الفهم التاريخي للفضاء العربي. والثاني توقّف من خلاله على تمثلّات الثورة في الثقافة العربية - الإسلامية بحيث ناقش المفهوم وتطوّره، ثم كيف استوعبت الذهنية العربية مفهوم الثورة. وفي المحور الثالث، حلّل الواقع العربي من خلال منطقين: أيديولوجية الثورة، وآفاق التغيير. وانتقل في المحور الرابع والأخير لمناقشة مسألة الطائفية بوصفها أيديولوجيا للراهن العربي مع إرهاصاتها التاريخية. ثم قدّم جوهر الجموسي ورقة بعنوان "العنف السياسي الممنهج عبر الشبكات الإلكترونية ومعوقات التحول الديمقراطي في بلدان الثورات العربية"، ضمّنها التساؤلات التالية: هل يشكِّل العنف المجتمعي المندلع في إطار العنف السياسي خاصية بنيوية من خصائص المُعاد الأهلي الإرثي، ولا سيمّا في المجتمعات العربية المركَّبة الهويّة؟ وما أ ثر الاستقطاب العلماني - الإسلامي في عسر عملية التحول الديمقراطي، وتعزيز ديناميات التفكك الاجتماعي، وتمييع الوفاق الاجتماعي العام في مراحل التحول؟ وأيّ علمانية أو أيّ علمانيين وإسلاميين يكمنون في هذا الاستقطاب؟ وما آثار وسائل التواصل الاجتماعي وحدودها؟ وهل هناك مبالغة مفرطة في أدوار هذه الوسائل بحيث غدت كأنّها بديل من العوامل الاجتماعية - السياسية الحقيقية في اندلاع حركات الاحتجاج والثورات؟ أم أنّ دورها تقني تكميلي في تبادل الأفكار وتواصلها وتسهيل عمليات التجمّع؛ بالمعنى السياسي للتجمع؟ وهل يتخطّى هذا الدور حدود الوساطة التقنية؟

البنى التقليدية والتحول الديمقراطي

لاحقًا، انعقدت جلستان متوازيتان أخريان، تحت عنوان "البنى التقليدية والتحول الديمقراطي"؛ ترأ س الأولى ناصر ياسين. وقدّمت هبة رؤوف عزت الورقة الأولى فيها، وكانت بعنوان "بين صحوة القبيلة وسطوة المدينة: قراءة في مشهد القرون الوسطى الجديدة"، رصدت فيها التحولات التي قادت إليها إخفاقات الدولة في العالم العربي، وعجزها عن تحقيق مشروع الاستقلال، وكيف أدى عجز الدولة عن الوفاء لمنطقها وتحقيق السيادة الحقيقية على مناطقها، إلى ديمومة منطق القبيلة حتى داخل مؤسساتها، بل وداخل التنظيمات التي نشأت لمعارضة الدولة ذاتها، حتى في الدول التي لا تعرف ظاهرة القبلية السافرة. وبحسب عزت، فإنّ منطق القبيلة تسلل إلى المؤسسات التي نوت الدولة بناءها على المسؤولية واللا شخصنة. ثم قدّم مازيار غيابي ورقة بعنوان "دول بلا شعوب: الحرب الأهلية ونزوح السكان في الشرق الأوسط"، درس فيها الحرب الأهلية بوصفها نماذج للحكم، محاولً إضافة مجموعة جديدة من نماذج التحليل إلى ميدان أدبيات ما بعد الربيع العربي التي تستهدف إعادة ترتيب التفاصيل في قاعدة البيانات العلمية، بدلً من إضافتها. وقدّمت ريهام خفاجي ورقة بعنوان "الهويات الفرعية في المجتمعات العربية، الغياب المتوهم والحضور المؤلم"، رأت فيها أنّ ميلاد الدولة العربية على يد الاستعمار جلب واقعًا مشوهًا وسياسات كسيحة.

وحلّت محلّها تحولات حالية عسيرة يمكن الانطلاق منها نحو تغييرات عميقة في كنه العلاقة بين الهوية والدولة العربية. ولا تكاد تتعدد السيناريوهات المتاحة للعلاقة المرتبكة والمركّبة بين الطرفين؛ فإمّا التشظي/ الانهيار أو التغيير/ الديمقراطية. ويعني سيناريو التشظي/ الانهيار سيطرة الهويات الفرعية على مساحات سيادة الدول، واختراق حدودها باتجاه إعادة ترسيم قائمة على السردية الهوياتية. وبقدر ما تفكك دولً، فمن المشكوك فيه إقامة بناء سليم على أنقاضها. فالهويات بصورتها الحالية إقصائية، ولا ترنو نحو تعايش بنّاء مع محيطها الخارجي أو الداخلي. كما أنّ سيطرة الدولة "المتوحشة" على جماعاتها المحلية تصبّ في السيناريو ذاته؛ فالنتيجة استقرار هش، وربما حرب بلا غالب، كما ذكرت أنّ سيناريو التغيير باتجاه ديمقراطية تشاركية هو وحده الذي يقدّم محاولة لرأب صدع العلاقة التاريخية بين الهويات الفرعية والدولة. ترأّس الجلسة الأخرى شارل حرب. وشارك فيها نعيم شلغوم بورقة حملت عنوان "تأثير السياق الاجتماعي في مسار التحول الديمقراطي في ظلّ تحولات الحراك العربي الراهن: قراءة سوسيولوجية في واقع التجربة الجزائرية"، تساءل فيها عن الأسباب التي أبقت الجزائر استثناءً لم يمسّه الربيع العربي، إذ أوضح أنّ عسر التحوّل الديمقراطي في الجزائر في ظل فشل الربيع العربي في إحداثه، له تفسيرات سوسيولوجية؛ منها أنّ هذا الربيع لم يصل إلى درجة المطالبة بالانتقال الديمقراطي، بحسب الباحث. وهذا ما يظهر في طغيان الطابع المطلبي وغياب الشعارات والرموز السياسية عنه، ما أدّى إلى سهولة احتوائه من جانب النظام السياسي منتهجًا بذلك سياسة شراء السلم الاجتماعي، وباعتماده خطابًا زاوج بين الشعبوية والتخويف، قام من خلاله بتقديم صورة نمطية حول سلبية التغيير والتحول الديمقراطي الذي لا ينتج إلا الفوضى وعدم الاستقرار، ما جعل المجتمع يتخوف من اللجوء إلى التغيير خشية تكرار سيناريو العشرية السوداء. قدّم عصام الخفاجي الورقة الثانية تحت عنوان "مدن وبلدات ومهمّشون في السباق إلى دمشق." وقد حاول فيها الخفاجي تجاوز ثنائية سنّي - علوي، وكذلك التفسير الطبقوي، ليسلط الضوء على الطريقة التي تفاعلت بها الجماعات الاجتماعية/ المحلية المختلفة داخل سورية مع الثورة. ورأى الباحث أنّه مع تزايد عسكرة الحرب اضطلعت مجموعة قوية بدورٍ قيادي في الصراع، وهي الطبقات المهمّشة والمهجّرون الجدد الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة على أطراف المدن الكبرى. وتتميز كلّ واحدة من هذه الجماعات بدينامياتها وتصوراتها الخاصة عن الأزمة، ولدى كلٍ منها أهدافها المميزة، ما يعني أن يكون لها دورٌ حاسم في تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي في سورية ما بعد الصراع. بعد ذلك، قدّمت رباب المهدي ورقة بعنوان "الانتقال الديمقراطي وخواص الطبقة الوسطى العربية"، رأت فيها أنّ المهمّشين هم الذين حوّلوا الحراك إلى ثورة، وأنّ "التحوّل الديمقراطي" ليس سوى منظور ضيّق خَطّي يتصوّر أنّ المجتمعات تنشد الديمقراطية غاية تمرّ إليها بمراحل محدّدة. وتشبّه الباحثة، في نقدٍ لفكرة التحول الديمقراطي، هذا الأخير بأنّه، حين يُتَّخذ منظورًا يُنظر منه إلى الثورات العربية، أشبه بخرم إبرة ننظر منه إلى زلزال كبير. فالتحوّل الديمقراطي لم يكن هدف الثورات، ومن خرجوا يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة كانت الديمقراطية بوصفها نظامًا بالنسبة إليهم أداة وليست غاية. قدّم عادل الشرجبي الورقة الأخ ةرر في هذه الجلسة، وحملت "التكوينات الاجتماعية وتداعياتها على الثورة اليمنية عنوان: القبيلة والطائفة."

الربيع العربي والاستقطاب الإقليمي والدولي

كانت الجلسة الأخيرة للمؤتمر تحت عنوان "مسارات الثورات العربية: الاستقطابات الإقليمية والدولية"، وترأ سها رامي خوري. قدّم ياسر جزائرلي الورقة الأولى فيها بعنوان "احتواء الثورات العربية والحفاظ على النظام الدولي"، تحدّث فيها عن سياسة الاحتواء التي تبنّاها بعض القوى الدولية تجاه الثورات العربية، والتي كثيرًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية؛ بحسب الباحث الذي رأى أنّ سياسة الاحتواء قادت إلى إفشال الثورات العربية، غير أنّ هذه السياسة ولّدت فراغًا استغلّه داعش ليؤسس كيانًا يمثّل خطرًا على الجميع. ثم قدّمت فيليسيا براتو وفؤاد بوزين الدين مداخلة مشتركة بعنوان "التهديدات الخارجية للانتفاضات العربية: مفارقات بين رؤى العالم المستقر وغير المستقر"، قاما فيها بدراسة الأوضاع الاجتماعية والسياسية الموضوعية للدول العربية، ثم ناقشا على ضوئها المعتقدات والمواقف السياسية للجماهير العربية. وباستخدام المؤشرات الوطنية لتوضيح النقاط المطروحة، اتفق الباحثان على أنّ الدول الهشّة هي ظاهرة معقدة، تترافق مع وجود العديد من الجهات السياسية الفاعلة في مستويات عدة، وتقيّد محدود بالقانون والممارسات الرسمية، وفرص اقتصادية ضحلة، وبنية تحتية غير مؤهلة، وتدخّل خارجي واسع

النطاق. وتؤدي هذه العوامل إلى انعدام الثقة النفسية والشعور بالتهديد وعدم اليقين والنفور من التدخّل الخارجي ونشوء مشاعر معقدة حيال الانتفاضات العربية، أوضحت عن طريق البيانات المستمدة من عدة مسوحات أجريت مؤخرًا في بعض الدول العربية. أتت بعد ذلك مداخلة مورييل أوزبورغ "الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: المتفرّج العاجز والدور غير الفعّال في نشر الديمقراطية أو تحقيق الاستقرار" التي رأى فيها أنّه في عام 2011 تبنّى سياسيون ودبلوماسيون ووسائل إعلام ورأي عام في أوروبا بحماس ما سمّي بالربيع العربي. وتعهّد الاتحاد الأوروبي بدعمٍ سخي لعمليات التحول التي بدأت في المنطقة عبر نهج ثلاثي الأبعاد يجمع بين الدعم المالي، وقابلية الوصول إلى الأسواق، وتزايد في سهولة الحركة، ومن خلال تفعيل سياسة الجوار الأوروبية أيضًا. ومع ذلك، فإنّ الأوروبيين، مثل أطراف أخرى، لم يرقوا إلى مستوى وعودهم. فعلى خلفية انحدار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى مستويات غير مسبوقة من الفوضى والعنف، تضاءل دور الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى حدّ أن تصبح متفرجة، متعاملة مع أعراض الأزمات بدل من التأثير في مسار التطورات، فضلً عن تشكيلها. أمّا المداخلة الأخيرة في الجلسة وفي المؤتمر، فكانت لناتاليا برنكوفا، تحت عنوان "المقاربة الروسية للفاعلين غير الحكوميين في المشرق العربي خلال الربيع العربي"، قالت فيها إنّه على الرغم من الشكوك الأولية تجاه الربيع العربي في بداية الانتفاضات، فإنّ روسيا لم تر أيّ تهديد لمصالحها، بيد أنّ سياستها في ذلك الوقت كانت منفعلة أكثر منها فاعلة. ومع ذلك، فإنّ تخوّف روسيا من إمكانية تكرار السيناريو الليبي في جميع أنحاء العالم العربي وضعها في طرف الإبقاء على الوضع الراهن على الساحة الدولية. وتناولت الباحثة نهج روسيا حيال منظمات غير دولتية، مثل حزب الله وحماس، وتغيّ سياسة روسيا في الشرق الأوسط وموقفها من الربيع العربي، مع الإشارة إلى أنّ موسكو تُبدي ارتياحًا أكبر عند التعامل مع الدول والحكومات.