سياسة إسرائيل تجاه الأقصى

محمود محارب

الملخّص

حدثت في العقود الثلاثة الماضية تغييرات مهمة للغاية في الموقف الإسرائيلي، حكومة ومجتمعًا، بشأن كل ما يتعلق بالحرم القدسي الشريف ومسألة دخول اليهود إليه والصلاة فيه وبناء الهيكل الثالث. تتابع هذه الدراسة الموقف الديني اليهودي التقليدي الذي حرّم دخول اليهود إلى الحرم الشريف، وتقف على بدايات التغيير في هذا الموقف، سواء في صفوف التيار الديني اليهودي أو الصهيوني العلماني. وتسل ط الدراسة الضوء على محاولات الجماعات اليهودية الإرهابية تدمير مسجديْ الأقصى وقبّة الصخرة، وتتابع الحركات والجمعيات اليهودية التي تأسّ ست في إسرائيل لا سيما منذ منتصف عقد الثمانينيات التي وضعت نصب عينيها هدف بناء الهيكل الثالث في الحرم الشريف من جهة، وإزالة مسجديْ الأقصى وقبّة الصخرة وكل ما يمتّ للإس ماا بصلة من الحرم الشريف من جهة أخرى. ثمّ تقف الدراسة على التآكل والتغيير التدريجي الذي أحدثته إسرائيل في الوضع القائم في الحرم الشريف.

مقدمة

تحرّم الشريعة اليهودية دخول اليهود إلى الحرم الشريف الذي يطلقون عليه "جبل الهيكل"، وتعدّ دخولهم إليه مخالفة دينية خطيرة عقوبتها الموت. ويعود ذلك إلى وجوب الحفاظ على طهارة المكان الذي كان فيه الهيكل وفق زعمهم وعدم تنجيسه بدخول اليهود إليه من دون التطهر من النجاسة. ووفق الشريعة اليهودية، فإنّ أهمّ مصادر النجاسة هي لمس الموتى أو لمس أناس وجدوا في مكان فيه موتى أو المكوث مع أناس وجدوا في مكان فيه موتى. وتنتشر هذه النجاسة وتنتقل بسرعة من شخص إلى آخر بمجرد أن يلمس المصاب بها شخصًا آخر أو يجلس معه. وكانت عملية التطهر من النجاسة تتمّ في الزمن الغابر وفق الموروث الديني اليهودي بواسطة لمس رماد بقرة حمراء مخلوط بالماء. وبعد انقراض البقرة الحمراء وخراب الهيكل، الذي يدّعي اليهود أنّه كان موجودًا في الحرم الشريف، باتت عملية التطهر من النجاسة متعذّرة، لذلك حرّم حاخامات اليهود طوال العصور الماضية دخول اليهود إلى الحرم الشريف لأنّهم يعدّون نجسين وفق الشريعة اليهودية1. وتحرّم الشريعة اليهودية دخول اليهود إلى مجمل مساحة الحرم الشريف التي تبلغ 144 دونمًا وليس فقط إلى مساحة المكان الذي يُدّعى أنّ الهيكل كان موجودًا فيه، وذلك لعدم معرفة مكان وجود الهيكل بدقّة وعدم معرفة مقاييسه الدقيقة ومكان وجود الجزء الأكثر أهمية فيه الذي يُطلق عليه "قدس الأقداس"، وهو مسكن الرب يهوه وفق الموروث الديني اليهودي، وكان يحفظ فيه تابوت العهد ولا يدخله أحد إلا الكاهن الأكبر الذي يدخله مرة واحدة في السنة في يوم الغفران2. وعلى مرّ العصور، أصدر كثير من الحاخامات الذين احتلّوا مكانةً مرموقةً للغاية في اليهودية، أمثال موسى بن ميمون (رامبام) وموشيه بن نحمان (رامبان) وشلومو يتسحاكي (راشي)، فتاوى حرّمت دخول اليهود إلى الحرم الشريف وحرّمت كذلك صلاتهم فيه. وأكّدت هذه الفتاوى أيضًا أنّ بناء الهيكل لن يتمّ بواسطة البشر وإنّ ا بواسطة المسيح (المشياح) المُنتظر عند مجيئه عند اقتراب الخلاص النهائي. ووفق الموروث الديني اليهودي فرض الرب على اليهود منذ خراب الهيكل الثاني العيش خارج فلسطين في شتّى أصقاع الأرض إلى أن يظهر المسيح (المشياح) المخلّص عند اقتراب الساعة والخلاص النهائي. وإلى أن يأتي المسيح المخلّص (المشياح)، وهو كائن حيٌّ من لحم ودم ويرافق مجيئه حدوث معجزات وأعجوبات، حرّم الرب على اليهود ثلاثة أمور أساسية وهي: أو لً، الثورة أو التمرّد على الشعوب والدول التي يعيشون بين ظهرانيها. ثانيًا، تعجيل الخلاص أو إجراء حسابات عن الزمن المتبقّي لمجيئه. ثالثًا، الهجرة إلى فلسطين بشكل جماعيّ3. وعلى الرغم من ذلك، يكاد لا يخلو عصر إلا أعلن أحد اليهود عن نفسه، لأسباب مختلفة، أنّه هو المسيح المخلّص. وكان أشهر هؤلاء شبتاي تسفي)1676–1629(الذي يكنّى ب "مشياح الكذب"، المولود في إزمير والذي ادّعى أنّه المسيح المخلّص، وأخذ ينشر دعوته في صفوف اليهود في الإمبراطورية العثمانية وأوروبا في عامي 1666–1665، معلنًا أنّ ساعة الخلاص قد أزفت. واستجاب لشبتاي تسفي عدد لا بأس به من اليهود. وعندما وصل إلى إسطنبول اشتكاه أحد حاخامات اليهود في المدينة إلى السلطات العثمانية فقامت هذه السلطات بإلقاء القبض عليه وتخييره بين اعتناق الإسلام أو الموت، ففضّ ل الخيار الأوّل وأسلم وأصبح اسمه بعد إسلامه عزيز محمد أفندي؛ وأسلم معه أيضًا عدد من أتباعه. وفي العصر الحديث، أعلن أتباع الراب مناحم شنيئرسون ميلافوفيتش زعيم حركة "حباد" أنّه هو المسيح المنتظر، وظلّ أتباعه متمسّكين بهذا الموقف حتى بعد موته في عام 1994، وعدّوا موته ما هو إلا غيبة قصيرة ليعود ثانية ليقود عملية خلاص اليهود4.

حدّد سيفي رخلفسكي في كتابه "حمار المسيح" ثلاثة توجّهات رئيسة ظهرت كردّة فعل بين صفوف اليهود الدينيين على الصهيونية. أو لً، الرد الحريدي وعدّ الصهيونية خطيئة ومعصية للرب لأنّها تخرج على المحرمات التي فرضها الرب على اليهود بدفعها تعجيل النهاية والهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين. ثانيًا، التيار الصهيوني الديني الذي تمثّل في حركة مزراحي (مركز روحاني) بقيادة الراب يتسحاك ريينس)1915-1839(. وأيّد هذا التيار الحركة الصهيونية وعدّها

  1. موطي عنبري، الأصولية اليهودية وجبل الهيكل (القدس: دار النشر ماغنس للجامعة
  2. نداف شرجاي، جبل النزاع: الصراع على جبل الهيكل (القدس: منشورات كيتر،)1995،
  3. العبرية،)2008، ص.2
  4. ص.28 أفيعيزر رافيتسكي، 3 النهاية المكشوفة ودولة اليهود: مسيائية وصهيونية ورديكالية دينية في إسرائيل (تل أبيب: عام عوفيد،)1993، ص 89 - .93 4 سيفي رخلفسكي، حمار المسيح (تل أبيب: يديعوت أحرونوت،)1998، ص 132 - .133

حلًّ عمليًّا للمشكلة اليهودية في أوروبا لسعيها إلى إيجاد ملجأ آمن لليهود. وأيّد الراب يتسحاك ريينس من هذا المنطلق مشروع إنشاء دولة يهودية في أوغندا الذي أقرّته المنظّمة الصهيونية العالمية في مؤتمرها السادس في عام 1903. ثالثًا، توجّه الراب أبراهام يتسحاك هكوهين كوك)1935-1865(الذي سعى إلى إقامة حركة دينية يهودية روحانية موازية للحركة الصهيونية، وأطلق عليها "ديغل يروشلايم" (علم القدس.) ووفق رؤية الراب أبراهام كوك فإنّ الحركة الصهيونية العلمانية تقوم بإنشاء البنية التحتية المادية للدولة اليهودية في حين تنشئ حركة "ديغل يروشلايم" الدولة من الناحية الدينية الروحانية. وعندما تتمّ العملية المادية في بناء الدولة يأتي دور "ديغل يروشلايم" لتقيم مملكة إسرائيل التي تستند إلى الشريعة اليهودية وقيمها النافية للقيم الغربية، ولتحلّ الروحانية مكان المادية وأحكام الشريعة اليهودية مكان النظام الديمقراطي المستند إلى القيم الغربية.

أعطى الراب أبراهام كوك للحركة الصهيونية ولسعيها إنشاء دولة يهودية بُعدًا مسيائيًّا خلاصيًّا وعدّ أنّ الصهيونية تشكّل "بداية الخلاص"، وذلك على الرغم من إدراكه أنّها ليست حركة دينية وأنّها علمانية يهيمن الإلحاد على قطاعات واسعة منها. وارتبطت رؤية الراب أبراهام كوك لاقتراب الخلاص مع اقتناعه بضرورة التحضير لبناء الهيكل وبالاستعداد أيضًا لتجديد ممارسة الفرائض اليهودية المرتبطة بالهيكل عند بنائه. وفي هذا السياق أسّس الراب أبراهام كوك في عام 1921 "يشيفات توراة كوهنيم" في البلدة القديمة في القدس بالقرب من الحرم الشريف بغرض دراسة تجديد ممارسة طقوس الفرائض الدينية اليهودية المرتبطة بالهيكل لا سيما طقوس فرائض تقديم القرابين في الهيكل، تمهيدًا لقدوم الخلاص وبناء الهيكل في الزمن الراهن5. فقد اعتقد أبراهام كوك أنّ عملية "الإحياء القومي اليهودي" التي تقوم بها الصهيونية ستقود عاجلً وفي الزمن الراهن إلى العودة للدين وإلى الخلاص الذي سيُتوّج ببناء الهيكل الثالث في الحرم الشريف6. لقد بلور الراب أبراهام كوك مواقف أصولية مسيائيّة متطرّفة تركت بصماتها لاحقًا على الصهيونية الدينية لا سيما في ما يخصّ إقامة الدولة اليهودية في كل أرض فلسطين، وتطبيق الشريعة اليهودية والفرائض الدينية فيها، وبناء الهيكل، وكذلك في ما يخص الموقف من الأغيار الذين اعتبرهم دون البشر، إذ كتب "إنّ الفرق بين الروح اليهودية في جوهرها ورغباتها الداخلية وصفاتها ومواقفها، وروح كل الأغيار بمختلف أنواعهم، هو أكبر وأعمق من الفرق بين روح الإنسان وروح الحيوان"7. وفي كتابه "سلاح ذو حدّين بيدهم: الفاعلية العسكرية في فكر الصهيونية الدينية"، تابع إيلي هولتسر وحلّل موقف الصهيونية الدينية من القوة العسكرية ومدى تأثير هذه القوة العسكرية اليهودية منذ أواخر الثلاثينيات ولا سيما منذ إنشاء إسرائيل في عام 1948، في فكر الحاخام تسفي كوك – ابن الراب أفراهام كوك وخليفته - بشكل خاص، وفي الصهيونية الدينية بشكل عام. ووقف إيلي هولتسر على العلاقة المتينة للغاية بين تعزّز قوة إسرائيل العسكرية وبين اتّخاذ الراب تسفي كوك والصهيونية الدينية مواقف أصولية توسّعية وعدوانية متطرّفة قبل حرب 1967 ووصولها إلى أوجها بعد هذه الحرب، لا سيما في السبعينيات عند تأسيس التيار الصهيوني الديني بزعامة تسفي كوك في عام 1974 حركة "غوش إيمونيم" (كتلة الإيمان) الاستيطانية8. وقد رأى حاخامات غوش إيمونيم أنّ الأهداف التي يسعون لتحقيقها هي مثل الهرم الذي رأسه بناء الهيكل الثالث وقاعدته وجوفه بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بغرض تهويدها. ففي الوقت الذي ركّزت فيه حركة غوش إيمونيم على الاستيطان وأعطته الأولوية القصوى في نشاطها، فإنّها عدّت الاستيطان جزءًا من سعيها لتحقيق الخلاص الكامل الذي يتوّج في بناء الهيكل الثالث في الزمن الراهن. ووضع التيار الصهيوني الديني وفي مقدمته حركة غوش إيمونيم، الاستيطان اليهودي في القدس

  1. عنبري، ص.3
  2. المرجع نفسه، ص.16
  3. رخلفسكي، ص.104
  4. إيلي هولتسر، 8 سلاح ذو حدين بيدهم: الفاعلية العسكرية في فكر الصهيونية الدينية (القدس: منشورات كيتر،)2009. وانطلاقًا من موقفه الديني الأصولي المتطرف واستنادًا إلى القوة العسكرية الإسرائيلية أيّد تسفي كوك سعي التنظيم السري اليهودي "جال" و"المحتيرت اليهودية" في تفجير قبة الصخرة تمهيدًا لبناء الهيكل كما سنرى لاحقًا.

الشرقية المحتلة لا سيما في البلدة القديمة والمناطق المحيطة بالحرم الشريف، في قمة أولوياته. وغلفت حركة غوش إيمونيم وإسرائيل سياستها التوسعية الساعية إلى تهويد القدس والمناطق الفلسطينية المحتلة بخطاب ديني مستند إلى الأساطير9. وفي عقد الثمانينيات ازداد اهتمام حركة غوش إيمونيم بمسألة الهيكل، وكان مدخلها في هذا التحوّل سعيها لفرض السيادة اليهودية لً ومن ثمّ مطالبتها في عقد الإسرائيلية على الحرم الشريف أو التسعينيات بدخول اليهود للحرم الشريف بغرض الصلاة فيه10.

إلى جانب ذلك، شرع قطاع من اليهود الحرديم في العقود الأخيرة لا سيما أتباع حركة حباد بقيادة الراب يتسحاك غينزبورغ في تبنّي أيديولوجية دينية أصولية متطرّفة شدّدت على أنّ ساعة الخلاص قد أزفت. وقد دعا غينزبورغ إلى الالتزام بتطبيق ثلاث فرائض دينية يهودية وهي تنصيب ملك، وإبادة ذُريّة عماليق، وبناء الهيكل. وربط غينزبورغ بين تحقيق هذه الفرائض الدينية الثلاث وبين تحقيق الكمال لثلاثية الشعب والأرض والتوراة التي تبقى منقوصة ما لم يتمّ تحقيق هذه الفرائض الثلاث. فإقامة المملكة اليهودية وتنصيب الملك يحققان وحدة "الشعب اليهودي وكماله"، وإبادة ذُريّة عماليق (الفلسطينيون وفق غينزبورغ) يحقّق "أرض إسرائيل" الكاملة، وبناء الهيكل يحقّق "كمال التوراة"؛ لأنّ بناء الهيكل يجعل تأدية جميع الفرائض اليهودية ممكنًا بما في ذلك تقديم القرابين في الهيكل التي لا يمكن تقديمها إلا بعد بنائه. وربط غينزبورغ بين اقتراب الخلاص وبناء الهيكل وبين إزالة الأقصى وقبّة الصخرة والمساجد الأخرى في الحرم الشريف والتخلّص كليًّا من الفلسطينيين من خلال اجتثاثهم من فلسطين والقضاء عليهم. وادّعى غينزبورغ أنّ وجود العرب في فلسطين يفسد روح اليهود ويشكّل حاجزًا نوعيًّا في علاقة اليهود مع إلههم، وأنّ أيّ علاقة بين العرب واليهود في فلسطين تنقض العهد بين اليهود وإلههم، لذلك ينبغي اجتثاثهم والقضاء عليهم11. وشرع قطاع من الحرديم "القوميين" في عقد السبعينيات في تبنّي أيديولوجية دينية عنصرية متطرّفة بقيادة حركة كاخ التي دعت إلى طرد الفلسطينيين وبناء الهيكل الثالث. فاللقاء بين الصهيونية الدينية والحريدية المتطرّفة في إسرائيل التي لا يوجد فيها فصل بين الدولة والدين ولا بين القومية والدين12، قاد إلى مزيد من التطرّف العنصري القابل للانفجار. وقد احتلّ بناء الهيكل الثالث مكانًا مُهمًّ في حركة كاخ التي طالبت ببنائه في أقرب وقت في الزمن الراهن وعدم "انتظار نزوله من السماء" و"بمحو المساجد من جبل الهيكل"13. وخرج من بين صفوف هذه الحركة ومن صفوف التيار الصهيوني الديني العديد من الحاخامات الذين سعوا لتفجير مسجديْ الأقصى وقبّة الصخرة.

محاولات تدمير مسجدي الأقصى وقبّة الصخرة

بعد وقوع فلسطين تحت الاحتلال البريطاني وتعزّز المشروع الصهيوني في فلسطين تحت الانتداب البريطاني، بدأ يظهر خدش في الإجماع اليهودي بشأن الهيكل، بادر إليه في البداية غلاة المتطرّفين الصهيونيين العلمانيين بالذات. فقد دعت "عصبة الأشداء" اليهودية الفاشية التي تأسّست في عام 1931 بقيادة آبا أحيمئير والشاعر أوري تسفي غرينبيرغ، والتي استقطبت العناصر الأكثر تطرّفًا في الحركة الصهيونية التصحيحية، إلى بناء الهيكل الثالث. كذلك دعت منظّمة ليحي (المحاربون من أجل حرية إسرائيل) الإرهابية في عام 1940 في برنامجها السياسي إلى إقامة مملكة يهودية وفق الحدود التوراتية وطرد العرب منها وبناء الهيكل الثالث في الحرم الشريف كتعبير عن الخلاص اليهودي الكامل14.

  1. للمزيد عن استثمار إسرائيل للأساطير الدينية بشأن القدس والهيكل لتبرير سيساتها
  2. للمزيد انظر شرجاي، ص.82 - 79
  3. للمزيد انظر: يتسحاك غينزبورغ، مملكة إسرائيل، مجلدان (رحوفوت: جال عيني،)1999؛ ويتسحاك غينزبورغ، تصحيح الدولة: برنامج عملي لتصحيح دولة إسرائيل وفق الكبلاه والحسيدوت (كفار حباد: جال عيني،.)2005
  4. للمزيد عن هذا الموضوع انظر دراسة عزمي بشارة، "التوتر بين الدين والسياسة نظرية ونقد (صيف في سياق الشرق الأوسط"، مجلة)1991، ص 141-105؛ وعزمي بشارة، من يهودية الدولة إلى شارون (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية ""مواطن،.)2005 13 شرجاي، ص.89
  5. الجزيرة نت الاستيطانية، انظر: عزمي بشارة، "حول القدس بإيجاز شديد"،، 2009/12/17، في: http://bit.ly/1LctqG9
  6. يعقوب بناي، جنود مجهولون (حياليم ألمونيم)، (تل أبيب: إصدار مجموعة أصدقاء،)1958، ص 61 - .62

ولم تكتف منظّمة ليحي الإرهابية بذلك، وحاولت أثناء حرب 1948 تدمير المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة والمساجد الأخرى في الحرم الشريف. فقد وضعت منظمتا الإتسل وليحي15 خطّة عسكرية لاحتلال القدس القديمة قبل يوم واحد من دخول اتّفاقية وقف إطلاق النار بين إسرائيل والدول العربية حيّز التنفيذ. وفي هذا السياق وضع قائد منظّمة ليحي في منطقة القدس يهوشواع زوطلر خطّة عسكرية لتفجير المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة والمساجد الأخرى في الحرم الشريف عند احتلاله. وجهّزت منظّمة ليحي إحدى مجموعاتها العسكرية بعشرين حقيبة عسكرية مليئة بالمواد شديدة الانفجار لتدمير المسجد الأقصى وقبّة الصخرة والمساجد الأخرى في الحرم الشريف. بيد أنّ فشل الهجوم العسكري الذي شنّته القوات العسكرية الصهيونية في احتلال القدس القديمة في 16 تموز/ يوليو 1948 حال دون تنفيذ ليحي لمخطّطها16.

وبعد وقوعه تحت الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967 تعرّض المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات ومحاولات الحرق والنسف. وكان من أبرز هذه الاعتداءات قيام مايكل روهان في 21 آب/ أغسطس 1969 بإضرام النار في المسجد الأقصى ما أدّى إلى اشتعال النيران فيه وحرق أجزاء واسعة ومهمّة منه تعود إلى مئات السنين، كان من بينها منبر صلاح الدين الأيوبي، وإطلاق الجندي الإسرائيلي ألن غودمان، النار من بندقيته الرشاشة على المصلين المسلمين في الحرم الشريف في 11 نيسان/ أبريل 1982 ما أدّى إلى قتل وجرح العديد من المصلين المسلمين، وإطلاق الشرطة الإسرائيلية النار على المصلين في الحرم الشريف في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 1990، عند احتجاجهم على محاولة حركة "أمناء جبل الهيكل" وضع حجر الأساس لبناء الهيكل في الحرم الشريف، ما أسفر عن مقتل 17 مصلّيًا مسلمً وجرح كثيرين. إلى جانب هذه الاعتداءات الإسرائيلية جرت كثير من المحاولات اليهودية الإسرائيلية لنسف المسجد الأقصى وقبّة الصخرة. فقد نشطت العديد من الحركات اليهودية السرية التي وضعت لها هدفًا محدّدًا وهو نسف المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة وتدميرهما مقدّمةً لبناء الهيكل. ومن أبرز هذه الحركات السرية، التنظيم الإرهابي الذي عرف باسم "جال"، والتنظيم الإرهابي السري اليهودي الذي عرف باسم "همحتيرت هيهوديت"، والتنظيم الإرهابي الذي عرف باسم "عصابة لفتا."

التنظيم الإرهابي "جال"

تأسّس التنظيم الإرهابي "جال"17 (الخلاص لإسرائيل) في أواسط السبعينيات. وقد خطّط هذا التنظيم الإرهابي للقيام بثلاث عشرة عملية عسكرية يتمّ تنفيذها خلال مدّة محدّدة لا تتجاوز أربعين يومًا، وكان أخطر هذه العمليات العسكرية التي جرى التخطيط لها بدقّة هي عملية تفجير المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة18. أسّس هذا التنظيم يوئيل ليرنر)2014-1941(، الذي ولد في الولايات المتحدة وعاش حياة علمانية مع عائلته التي كانت تتنقل بين الولايات المتحدة ودولة جنوب أفريقيا التي تلقّى تعليمه للثانوية العامة فيها. وعندما بلغ التاسعة عشر هاجر إلى إسرائيل واستوطن فيها وتعلّم في الجامعة العبرية، وشرع في الوقت نفسه في التدين وانضم إلى حزب الديني القومي (المفدال)، ثمّ انخرط في صفوف "عصبة الدفاع اليهودية" بقيادة مئير كهانا ولاحقًا إلى حركة "كاخ" الفاشية وبات من أهمّ وأبرز منظّريها. وعند توقيع إسرائيل ومصر اتفاق فصل القوات بينهما وعقد مؤتمر جنيف للشرق الأوسط، صعّد ليرنر من نشاطه من أجل إفشال إمكانية التوصل إلى سلام بين إسرائيل ومصر، فقام بحرق عدد من المؤسّسات المسيحية في القدس، ما أدّى إلى اعتقاله. ووجدت الشرطة الإسرائيلية عند اعتقاله وتفتيش منزله خطّة مكتوبة وضعها ليرنر لتفجير مسجد قبّة الصخرة من أجل إفشال إمكانية التوصل إلى سلام بين مصر وإسرائيل، وحكمت عليه محكمة إسرائيلية بالسجن لمدة عامين وشهرين19. وخلال وجوده في السجن استمر ليرنر في التفكير في كيفية نسف قبّة الصخرة وشرع يخطّط لتأسيس تنظيم

  1. وفق الاتفاق الذي جرى بين يسرائيل غليلي ومناحم بيغن رئيس منظمة إتسل حلت منظمة إتسل نفسها كمنظمة عسكرية في بداية حزيران/ يونيو 1948 وانضم أعضاؤها للجيش الإسرائيلي، وكذلك فعلت ليحي. ولكن بقي لمنظمتي إتسل وليحي وجود عسكري مستقل في القطاع اليهودي من القدس الغربية، والذي انتهى في 20 أيلول/ سبتمبر 1948 في
  2. 19 المرجع نفسه، ص.87
  3. جال" هذا الاسم هو الحرفين الأولين من اسم هذه الحركة وهو "جؤولاه ليسرائيل " أي الخلاص لإسرائيل. 18 شرجاي، ص.85
  4. أعقاب اغتيال منظمة ليحي الكونت برنادوت.
  5. 16 شرجاي، ص.16

يهودي سري إرهابي من أجل القيام بتدمير مسجدي الأقصى وقبّة الصخرة. واستغل ليرنر سماح سلطات السجن له بالخروج من السجن لزيارة عائلته، بقيامه بزيارة الراب تسفي يهودا كوك رئيس "يشيفات مركز الراب"، الذي يعدّ أهمّ حاخام في التيار الصهيوني الديني. وبعد خروجه من السجن واصل ليرنر اتصاله مع الراب تسفي كوك. وبعد أن فارق الراب تسفي كوك الحياة بسنوات طويلة، كشف يوئيل ليرنر النقاب عن دور الراب تسفي يهودا كوك في تأسيس التنظيم الإرهابي اليهودي "جال." فقد ذكر ليرنر أنّه تشاور مع الراب تسفي كوك بشأن تفجير قبّة الصخرة وإقامة تنظيم سري يهودي من أجل تنفيذ ذلك، وأكد أنّ دور الراب تسفي كوك لم يقتصر على التشاور فحسب، وإنّ ا قام بربطه "مع الأشخاص المركزيين في هذا الأمر"، وأنّ الراب تسفي كوك كان شريكًا فعليًّا في تأسيس التنظيم، وأنّه عرف عن العملية المخطّطة لنسف مسجد قبّة الصخرة، وأنّه "كانت هناك خطط وعمليات مرتبطة بالسلاح وبالمواد المتفجرة التي عرف عنها الراب كوك، وفي بعض الأحيان غيّ الراب كوك شيئًا هنا وشيئًا هناك ولكن ليس في الأمور المهمة." وشمل تنظيم "جال" السري الإرهابي وفق ما كشف النقاب عنه ليرنر عددًا من أعضاء الكنيست المتدينين، ووزيرًا في الحكومة الإسرائيلية20. وتشكّل تنظيم "جال" من ثلاث دوائر من الناشطين، وعملت كل دائرة بمعزل عن الدائرة الأخرى، وشملت الدائرة الأولى القيادة في حين كان دور الأعضاء في الدائرتين الأخريين القيام بتنفيذ العمليات التي تناط بهم. وكان أعضاء إحدى هاتين الدائرتين يتمتّعون بقدرات عسكرية وتنظيمية عالية في حين لم يكن أعضاء الدائرة الأخرى ناضجين بما فيه الكفاية. وقد قامت السلطات الإسرائيلية في عام 1977 باعتقال أعضاء الدائرة التي لم تكن ناضجة بعد وبلغ عدد أفرادها ثمانية عناصر. ففي ذلك العام أبلغ أحد العناصر ليرنر بأنّه حصل على قنبلة يدوية، وأنّه يخطط لإلقائها على الطلاب العرب الذين كانوا يتظاهرون في الجامعة العبرية في تلك الفترة. وقد خشي ليرنر أن يؤدّي القيام بالعملية ضد الطلاب العرب إلى الكشف عن التنظيم السري. ويبدو أنّه على خلفية ذلك، جرى الكشف عن التنظيم السري. فبعد فترة وجيزة أعلنت السلطات الإسرائيلية عن إلقائها القبض على تنظيم "غال" السري قبل شروعه بتنفيذ العملية التي استهدفت نسف مسجد قبّة الصخرة. ولم تتمكّن السلطات الإسرائيلية من معرفة جميع أعضاء "غال" السري وظلّ أعضاء الدائرتين غير معروفين حتى الآن21.

التنظيم اليهودي الإرهابي السري (همحتيرت هيهوديت)

عمّ ال وررر صفوف اليمين واليمين المتطرّف الإسرائيلي لا سيما المستوطنين وحركة "غوش إيمونيم" (كتلة الإيمان)، عند صعود حزب الليكود إلى دفة الحكم لأول مرة في إسرائيل في عام 1977. ولكن بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل في عام 1977 وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر في عام 1979 وقبول إسرائيل الانسحاب من سيناء مقابل سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، ساد السخط صفوف المستوطنين وحركة غوش إيمونيم وغلاة التوسعيين الإسرائيليين. وحاولت حركة غوش إيمونيم و"الحركة لوقف الانسحاب من سيناء" التي تأسّست في تلك الفترة، إفشال الانسحاب الإسرائيلي، وبدأ يدور حديث همسًا في صفوف حركة غوش إيمونيم عن إمكانية حدوث "أعجوبة" لوقف الانسحاب. ولم تكن هذه الأعجوبة أو "المعجزة" سوى القيام بنسف مسجد قبّة الصخرة والمسجد الأقصى وتدميرهما. وفي الوقت نفسه طالبت قيادة حركة غوش إيمونيم في سعيها لوضع العراقيل أمام انسحاب إسرائيل من سيناء بربطه بموافقة مصر والدول العربية بالسماح لليهود بالصلاة في الحرم الشريف بشكل علنيّ ومنظّم. وفي غضون ذلك، كانت مجموعة قيادية صغيرة في حركة غوش إيمونيم ضمّت كل من يهودا عتسيون ومناحم ليفني ويشوعة بن شوشان تعمل لتشكيل تنظيم يهودي سري وتضع خطّة لنسف قبّة الصخرة. وقد رأت هذه المجموعة التي بات يطلق عليها لاحقًا التنظيم السري اليهودي (همحتيرت هيهوديت) أنّ تفجير مسجد قبّة الصخرة يحمل قيمة عُليا بحدّ ذاته؛ لأنّه سيكون مقدمة لبناء الهيكل، وفي الوقت نفسه يقود إلى إحباط انسحاب إسرائيل من سيناء المقرّر استكماله في ربيع 1982. لذلك قرّرت قيادة هذا التنظيم السري الإرهابي تنفيذ مخطّطها لنسف مسجد قبّة الصخرة عشية استكمال إسرائيل للانسحاب من سيناء بهدف إفشاله22. أسّس كل من يهودا عتسيون ومناحم ليفني ويشوعه بن شوشان هذا التنظيم لتحقيق هدف أساسي محدّد وهو تفجير مسجد قبّة الصخرة. وقد نشط هذا التنظيم منذ أواخر السبعينيات وحتى عام 1984 وضمّ في صفوفه 29 عضوًا خدموا في الجيش الإسرائيلي، وانتمت أغلبيتهم العظمى إلى التيار الصهيوني الديني. أولت قيادة التنظيم السري أولوية قصوى لبناء الهيكل الثالث في الحرم الشريف وعدّته واجبًا دينيًّا ينبغي القيام به في الوقت الراهن كجزء من

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص.90 - 89
  3. حجاي سيجل، الأخوة الأعزاء: تاريخ التنظيم السري اليهودي (القدس: منشورات كيتر،)1987، ص 54. مؤلف هذا الكتاب هو العضو القيادي في التنظيم السري اليهودي (همحتيرت هيهوديت)، وقد كتبه عندما كان يقضي محكوميته في السجن بعد انكشاف أمر التنظيم السري.

عملية الخلاص. ومن ناحية أخرى، عدّت قيادة هذا التنظيم أن الحرم الشريف لا سيما المسجد الأقصى وقبّة الصخرة يشكّل قوة دينية وروحانية للشعب الفلسطيني ويعزّز من تطلّعهم للتحرّر من الاحتلال والنهضة. ورأت أنّ تفجير قبّة الصخرة والمسجد الأقصى وإزالة كل ما يمتّ بصلة للإسلام في الحرم الشريف هو واجب ديني يهودي ينبغي أن يحتلّ تنفيذه الأولوية القصوى باعتباره مقدمة ضرورية لبناء الهيكل، وأنّه كان على إسرائيل إزالة كل ذكر للمقدسات الإسلامية في الحرم الشريف فور وقوعه تحت الاحتلال الإسرائيلي. وخلافًا لحركة غوش إيمونيم التي أعطت أولوية قصوى للاستيطان في المناطق المحتلّة وعدّت الأهداف التي كانت تسعى لتحقيقها في تلك الفترة مثل الهرم الذي رأسه الهيكل وقاعدته بناء المستوطنات وتهويد الأراضي الفلسطينية المحتلّة، فإنّ قيادة هذا التنظيم الإرهابي رأت في أولوياتها أن يكون الهرم معكوسًا. ففي البداية يتعين بناء الهيكل والتخلّص كليًّا من المقدسات الإسلامية في الحرم الشريف ومن ثمّ يتمّ تعزيز الاستيطان. إذ رأت أنّ تفجير قبّة الصخرة وبناء الهيكل في الحرم الشريف من شأنه أن يحدث هزّة نوعية في المجتمع الإسرائيلي، ويؤثّر تأثيرًا حاسمً ومهمًّ للغاية فيه، ويعجّل من جلب الخلاص لليهود23.

ومن أجل تنفيذ مخطّطهم ومنحه شرعية دينية يهودية، اتّفق قادة هذا التنظيم الإرهابي، يهودا عتسيون ومناحم ليفني ويشوعه بن شوشان، على السعي للحصول على موافقة ومباركة سلطة دينية عُليا، وكلّفوا يشوعه بن شوشان الحصول على موافقة العديد من الحاخامات المهمين للغاية. وكان أوّل الحاخامات الذين توجّه إليهم يشوعه بن شوشان، الراب تسفي كوك رئيس "يشيفات مركز الراب" الذي يعدّ الزعيم الروحي لحركة غوش إيمونيم وللصهيوينة الدينية، والذي كانت تربطه به علاقات متينة. وزار بن شوشان الراب تسفي كوك وفاتحه في الموضوع وعرض عليه صورًا ملوّنة لقبّة الصخرة، وقال للراب تسفي كوك بصوت منخفض: "لدينا إمكانية لمحو هذه، وأن لا يبقى لها أثر، فما رأيك؟"، فنظر الراب تسفي كوك إلى بن شوشان واستفسر قائلً: "ماذا يعني هذا؟." فأجابه بن شوشان مع إشارة بيديه إنّه يعني محو قبّة الصخرة. فسأله الراب تسفي كوك عن موقف أرئيل شارون من هذا الأمر، الذي كان بن شوشان يتمتّع بعلاقات قوية معه، فتهرّب بن شوشان من الإجابة عن هذا السؤال. ولخّص بن شوشان اجتماعه مع الراب تسفي يهودا كوك بأنّ الراب لم يعارض العملية24. واستشار بن شوشان الكثير من الحاخامات بشأن العملية، وقد أيّده بعضهم مثل الراب شالوم شرعبي والراب مردخاي عطية اللذين كانا يعدّان من أهمّ "المكوباليم" في إسرائيل، وبعضهم تحفّظ وبعضهم الآخر عارض. وكشف مناحم ليفني النقاب بعد اعتقاله في وثيقة أطلق عليها "وثيقة الحاخامات" عن مواقف الحاخامات التي بين التأييد والتحفّظ والمعارضة. ومن الملاحظ أنّه على الرغم من علم كثير من الحاخامات والشخصيات الذين جرت استشارتهم، ووصل عددهم إلى نحو ثمانين حاخامًا وشخصيةً، فإنّ أحدًا منهم لم يحاول إحباط هذا المخطّط ولم يبلغ أحد منهم السلطات الإسرائيلية بما يخطّط التنظيم الإرهابي السري اليهودي القيام به25. ويستشفّ من الحوارات التي أجراها قادة التنظيم السري سواء داخل التنظيم أو خارجه مع الحاخامات ذوي النفوذ الذين جرت استشارتهم، أنّ ردّات الفعل داخل المجتمع الإسرائيلي وردّات فعل الدول العربية والإسلامية والعالم على العملية، كانت تشكل أحد الاعتبارات الأكثر أهمية في الموقف من تأييد العملية أو التحفظ منها أو معارضتها. وكانت دوافع الذين تحفّظوا أو عارضوا القيام بتدمير قبّة الصخرة لا تعود من حيث المبدأ لتنفيذ العملية، وإنّ ا كانت تعود أساسًا إلى أنّ الوقت لم يحن بعد للقيام بتدمير مسجديْ الأقصى وقبّة الصخرة وأنّه يتعين القيام بذلك بعد تحضير المجتمع الإسرائيلي لذلك وبعد أن يصبح الوضع الإقليمي والدولي أكثر ملاءمةً. أمّا قيادة التنظيم الإرهابي اليهودي فقد قلّلت من خطر ردّات الفعل العربية والإسلامية والدولية على إسرائيل وعلى اليهود في العالم. وأكّد يهودا عتسيون منظّر هذا التنظيم وأكثر قادته دعوة وحضًّ ا على هدم مسجديْ قبّة الصخرة والأقصى، أنّ ردّات الفعل العربية

  1. للوقوف على بداية تأسيس التنظيم الإرهابي السري وأهدافه انظر: سيجل، ص
  2. المرجع نفسه، ص.56
  3. شرجاي، ص.116

الإسلامية والدولية لن تتعدّى المستوى الخطابي والإعلامي والقيام بالتظاهرات في الدول العربية والإسلامية في أنحاء العالم، وأنّ الدول العربية والإسلامية لن تشنّ حربًا على إسرائيل بسبب هدم مسجد قبّة الصخرة26.

قاد عملية التخطيط لتفجير مسجد قبّة الصخرة ضابط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي مناحم ليفني، الذي يعد القائد العسكري للتنظيم السري الإرهابي، والذي اكتسب خبرة واسعة خلال خدمته في سلاح الهندسة في الجيش الإسرائيلي. وكان أعضاء هذا التنظيم قد خدموا في الجيش الإسرائيلي وأغلبيتهم خدمت في وحداته المتميّزة. وقام هذا التنظيم السري باستعدادات كثيرة في التحضير لعملية تفجير مسجد قبّة الصخرة، شملت مراقبّة الحراسة على الحرم الشريف بشكل عام وعلى مسجد قبّة الصخرة بشكل خاص في ساعات اليوم المختلفة. وأعدّ التنظيم المتفجّرات شديدة الانفجار وخبّأها في القدس وفي أماكن أخرى قريبة ليتمّ استعمالها في الوقت المحدّد. إلى جانب ذلك، حصل يهودا عتسيون من مكتبة الآثار في الجامعة العبرية في القدس على كتاب متخصّص كتبه عالم آثار فرنسي عن بنية مسجد قبّة الصخرة وعن نوعية جميع أعمدة ودعائم المسجد وسمكها وطول محيطها الدقيق وعن نوعية ومواصفات جدرانه الدقيقة، من أجل وضع الكميات الكافية من المتفجرات حول أعمدة ودعائم مسجد قبّة الصخرة الكفيلة بتفجيره تفجيرًا كاملً وحرقه27. وقد وضعت قيادة التنظيم السري العديد من الخطط والخطط البديلة لكيفية تنفيذ العملية، كانت إحداها دخول عناصر التنظيم السري إلى الحرم الشريف في الزي العسكري للجيش الإسرائيلي تحت غطاء إجراء تمرين عسكري للجيش الإسرائيلي في كيفية إخلاء جميع الموجودين في الحرم الشريف لوجود قنابل فيه. واستمرت الاستعدادات التي قام بها التنظيم السري الإرهابي لتفجير مسجد قبّة الصخرة شهورًا طويلة، وازدادت وتيرة هذه الاستعدادات لتنفيذ العملية مع اقتراب استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في ربيع 1982. بيد أنّ جملة من العوامل أدّت إلى تأجيل تنفيذ العملية كان أهمها موت الراب تسفي كوك قبل شهرين من استكمال إسرائيل انسحابها من سيناء، واقتحام الجندي ألن غودمان، في 11 نيسان/ أبريل 1982 وإطلاقه النار على المصلين المسلمين في الحرم الشريف، كما ذكر آنفًا، وذلك قبل أسبوعين فقط من استكمال الجيش الإسرائيلي انسحابه من سيناء، وقبل فترة وجيزة من الموعد الذي حدّده التنظيم السري لتفجير مسجد قبّة الصخرة. وقد أدّت هذه الجريمة والتي لم تكن لها علاقة مع التنظيم السري الإرهابي، إلى زيادة الحراسة على الحرم الشريف بشكل كبير. وعلى إثر استكمال إسرائيل الانسحاب من سيناء في نيسان/ أبريل 1982 من دون أن يتمكّن التنظيم الإرهابي اليهودي من تفجير مسجد قبّة الصخرة لإفشال الانسحاب، دبّت نقاشات بين أعضاء التنظيم السري اليهودي بشأن أولوياته. إذ رأى بعضهم أنّ على التنظيم الإرهابي إيلاء استهداف الفلسطينيين في المناطق المحتلّة الأولوية، من أجل ردعهم عن مقاومة الاحتلال، في حين طالب آخرون بالتمسّك بالهدف الأصلي للتنظيم الإرهابي وهو نسف مسجد قبّة الصخرة. وكان هذا التنظيم الإرهابي قد استهلّ نشاطه الإرهابي في الثاني من حزيران/ يونيو 1980 بعملية استهدفت قتل قيادة لجنة التوجيه الوطني في الضفة الفلسطينية المحتلّة بوضع ألغام في سيارات رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة، ورئيس بلدية رام الله كريم خلف، ورئيس بلدية البيرة إبراهيم الطويل. وأدّت هذا العملية الإرهابية إلى إصابة بسام الشكعة بجروح بليغة أدّت إلى بتر ساقيه، وإصابة كريم خلف بجروح بليغة أدّت إلى بتر قدمه28. وتمخّض عن هذه النقاشات في صفوف التنظيم اليهودي السري الإرهابي الاتفاق على الاستمرار في التحضير لنسف مسجد قبّة الصخرة وتحيّ الفرصة الملائمة لذلك، وفي الوقت نفسه الاستمرار في العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلّة. وفي 26 تموز/ يوليو 1983 شنّ عدد من عناصر هذا التنظيم هجومًا بالقنابل اليدوية والأسلحة الرشاشة على الكلية الإسلامية في الخليل ما أدّى إلى استشهاد ثلاثة طلاب وجرح العشرات29. وفي 27 نيسان/ أبريل 1984 وضع عدد من عناصر هذا التنظيم عبوات ناسفة شديدة الإنفجار في خمس حافلات فلسطينية في القدس الشرقية المحتلّة بغرض قتل أكبر عدد من الفلسطينيين لإرهابهم30. وقد اكتشفت هذه العبوات الناسفة

  1. 29 سيجل، ص.152
  2. 30 المرجع نفسه، ص.165–161
  3. قدم حجاي سيجل في كتابه الأخوة الأعزاء المذكور أعلاه وصفًا دقيقًا للاستعدادات التي قام بها التنظيم السري اليهودي وكيفية تنفيذه محاولة اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة، ص 73 - .100
  4. 26 سيجل، ص.120 - 108
  5. 27 شرجاي، ص.120 - 118

قبل فترة وجيزة من انفجارها وقامت السلطات الإسرائيلية باعتقال أعضاء هذا التنظيم وقادته البالغ عددهم 29 عضوًا وتقديمهم للمحاكمة. وقد حكمت عليهم بالسجن أحكامًا مختلفة، بيد أنّهم خرجوا منه بعد قضائهم فترة وجيزة فيه، ولم يسجن فعليًّا أيّ منهم أكثر من ست سنوات ونصف السنة.

حركات الهيكل

ظهرت خ لاا العقود الثلاثة ونيف الماضية ع اررت الحركات والجمعيات والمنظمات اليهودية التي تأسّست خصّيصًا لمعالجة موضوع الهيكل أو تلك التي وضعته في قمّة أولوياتها. وتسعى هذا الحركات إلى طرح موضوع الهيكل على الرأي العام الإسرائيلي من أجل حثّ المجتمع الإسرائيلي ودفعه لوضع بناء الهيكل الثالث في قمّة أولوياته. ومع أنّ هدف هذه الحركات النهائي، سواء المعلن أو المبطن، هو بناء الهيكل، فإنّ طروحات هذه الحركات ورؤاها بشأن الهيكل تتعدّد طبقًا لتخصّصاتها. وتدعو كل واحدة من حركات الهيكل إلى تحقيق هدف واحد أو عدّة أهداف أو معظم أو جميع الأهداف التالية: أو لً، دخول اليهود إلى الحرم الشريف. ثانيًا، دخول اليهود إلى الحرم الشريف والصلاة فيه. ثالثًا، منع المسلمين من دخول الحرم الشريف. رابعًا، بناء كنيس يهودي في الحرم الشريف. خامسًا، هدم مسجد قبّة الصخرة وبناء الهيكل مكانه. سادسًا، هدم المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة وجميع المساجد في الحرم الشريف وتدمير كل ما يمتّ للعرب والمسلمين بصلة في الحرم الشريف وبناء الهيكل الثالث. ويمكن تصنيف حركات الهيكل وجمعياته وفق الأهداف التي وضعتها كالتالي: بناء الهيكل بيد البشر: "معهد الهيكل" و"الحركة لبناء الهيكل" و"نساء من أجل الهيكل." جعل الحرم الشريف (جبل الهيكل) مركزًا قوميًّا دينيًّا ثقافيًا: حركة "أمناء جبل الهيكل" وحركة "إلى جبل هامور." السماح لليهود بالصلاة في الحرم الشريف: "حركة حقوق الإنسان في جبل الهيكل." السعي إلى فرض سيطرة اليهود على الحرم الشريف وعدم السماح للمسلمين بدخوله: "حركة جبل الهيكل لنا" و"حركة إنقاذ الشعب والهيكل." التركيز على دراسة طقوس العبادة وتقديم القرابين في الهيكل: "المعهد لدراسة الهيكل في متسبي يريحو" و"يشيفات توراة الهيكل" و"يشيفات جبل الهيكل." التركيز على إعادة إنتاج أدوات العبادة المطلوبة في طقوس العبادة في الهيكل: "معهد الهيكل" و"بيت الفنان العبري" و"معهد أعمال الهيكل." التثقيف ونشر المعلومات والدراسات عن الهيكل: "المعهد لمعرفة الهيكل." وتستعمل حركات الهيكل وجمعياته ومنظماته مجموعة من الذرائع والتبريرات والدوافع لتبرير تحقيق أهدافها وبناء الهيكل، وأبرزها: المسيائية: ترتبط الدعوة لبناء الهيكل ارتباطًا وثيقًا بالمسيائية. فثمّة ادّعاء سائد في أوساط دينية يهودية أنّ بناء الهيكل يشكل خطوة مهمّة وحاسمة في تقديم الخلاص وتعجيله. وقد ربط التنظيم السري الإرهابي اليهودي محاولته تفجير مسجد قبّة الصخرة في بداية عقد الثمانينيات، ربطًا متينًا بتعجيل "الخلاص" وبالتأثير في موقف المجتمع الإسرائيلي من الخلاص وبناء الهيكل، وعدّ التنظيم السري الإرهابي نفسه الطليعة التي تسير أمام المعسكر وتقوده لبناء الهيكل لتحقيق الخلاص. تطبيق الشريعة اليهودية: ثمّة مفهوم ديني أصولي في اليهودية الذي يدعو إلى العودة وممارسة كامل فرائض الشريعة اليهودية، سيما تلك المرتبطة ممارستها بتقديم القرابين في الهيكل، والتي تصل نسبتها إلى نحو ربع مجموع الفرائض الدينية اليهودية. العلاقة الحميمة مع "الرب:" ثمّة ادّعاء ديني يهودي أصولي أنّ بناء الهيكل يمكّن اليهود من إقامة علاقة حميمة مع الرب "يهوه"، فالهيكل هو مسكنه، وعدم وجود الهيكل يشوّش على التدين العميق وعلى إقامة علاقة وطيدة وقوية مع يهوه. القومية: سعت الحركة الصهيونية إلى تحويل الديانة اليهودية إلى قومية وديانة في آن واحد، وإلى تحويل أتباعها إلى أمّة بالمفهوم العصري لمصطلح الأمّة. ويستعمل العديد من حركات الهيكل العامل القومي في تبرير بناء الهيكل في الحرم الشريف. ويرى

العديد من حركات الهيكل أنّ الهيكل الثالث الذي تدعو لبنائه يمثّل "وحدة الأمة"، فهو يشكّل وسيلة مهمّة لتحقيق الوئام والنظام والوحدة، وإلغاء الخلافات الأيديولوجية والاتجاهات الفردية، وجمع اليهود تحت علم واحد وهيكل واحد، وصهر المجتمع اليهودي في جسم عضوي واحد31.

حركة "أمناء جبل الهيكل"

بدأت حركة "أمناء جبل الهيكل" نشاطها في أواخر الستينيات بعد احتلال إسرائيل للحرم الشريف في حرب 1967، وهي أقدم حركات الهيكل. واستقطبت عند تأسيسها ناشطين من أتباع "حركة أرض- إسرائيل الكاملة" وأعضاء سابقين في منظّمتيْ "اتسل" و"ليحي" العسكريتين وكذلك فئات دينية يهودية مسيائية. ودعت هذه الحركة منذ تأسيسها إلى فرض السيادة اليهودية الكاملة على الحرم الشريف ومنع دخول المسلمين إليه وهدم المسجد الأقصى ومسجد قبّة الصخرة وجميع المساجد الأخرى وكل ما يمتّ للإسلام بصلة فيه، وإلى بناء الهيكل في الحرم الشريف32. أولت حركة "أمناء جبل الهيكل" الحرم الشريف أهمّية قصوى في عملية تحقيق الأهداف الصهيونية كاملة، وأكدت أنّ السيادة اليهودية والأهداف الصهيونية تبقى منقوصة ما لم يتمّ تهويد الحرم الشريف بالكامل. وبناء على ذلك دعا رئيس حركة "أمناء جبل الهيكل" إلى جعل الحرم الشريف في أسرع وقت مركزًا ورمزًا قوميًّا ودينيًّا يهوديًّا إسرائيليًّا وإلى بناء الهيكل بعد تدمير كل ما يمتّ للإسلام بصلة في الحرم الشريف، وكذلك إلى بناء المحكمة العُليا الإسرائيلية فيه. ورأى أن تتمّ فيه مراسم تنصيب رئيس الدولة، وأن تفتتح فيه الكنيست أولى جلساتها بعد الانتخابات العامة، وأن يقيم فيه الجيش الإسرائيلي عروضه العسكرية33. أدى غرشون سلمون دورًا مهمًّ في تحديد أهداف حركة "أمناء جبل الهيكل" وسياساتها والتكتيكات التي تتبعها لتحقيق أهدافها. ولد غرشون سلمون في عام 1935، وانخرط منذ صغره في صفوف شبيبة المنظّمة العسكرية القومية (إتسل)، وخدم في الجيش الإسرائيلي حتى عام 1960، ثمّ انضمّ بعد تسريحه من الجيش إلى حركة حيروت، وانتخب في عام 1970 في مجلس بلدية القدس الغربية. وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، استقال سلومون مع آخرين من حزب الليكود وساهم في تأسيس حزب هتحياه (البعث). ادّعى سلومون أنّ الرب تجلّ له أول مرة في سنة 1958 على إثر إصابته بجروح بليغة كادت أن تودي بحياته في اشتباك مع الجيش السوري، وأنّ الرب يظهر له بشكل منتظم منذ احتلال الحرم الشريف ويحضّ ه على دخول اليهود إليه وبناء الهيكل34. وفي سياق دعوته لتحقيق أهداف حركة "أمناء جبل الهيكل" وسعيه لطرح مسألة بناء الهيكل على رأس أجندة المجتمع الإسرائيلي، درج غرشون سلومون على تقديم طلبات إلى الشرطة الإسرائيلية لدخول أعضاء حركته وأنصارها إلى الحرم الشريف للصلاة فيه. وعند رفض الشرطة الإسرائيلية لهذا الطلب نظّمت حركة "أمناء جبل الهيكل" تظاهرات مترافقة بطقوس دينية بغرض الدخول للحرم الشريف، لا سيما في الأعياد اليهودية مثل: رأس السنة العبرية، ويوم الغفران، والعرش، وحنوكاه، والأسابيع، والفصح، والتاسع من آب، ويوم الاستقلال، ويوم القدس.

وقد تمكّنت حركة "أمناء جبل الهيكل" جرّاء نشاطاتها المختلفة التي شملت - علاوة على التظاهرات - إصدارها نشرات مختلفة مثل جريدة "صوت أمناء جبل الهيكل" التي أصدرتها في السبعينيات وجريدة "إلى رأس الجبل" التي أصدرتها في الثمانينيات، في طرح مسألة الهيكل على الرأي العام الإسرائيلي. وساهم نشاط حركة "أمناء جبل الهيكل" وتظاهراتها ومحاولاتها دخول الحرم الشريف للصلاة فيه ودعوتها المستمرة لهدم الأقصى وقبّة الصخرة وتصدّي الفلسطينيين الدائم لها ولمحاولاتها اقتحام الحرم الشريف، إلى تحويل مسألة دخول اليهود إلى الحرم الشريف والصلاة فيه ومسألة بناء الهيكل من قضية يهودية دينية مبتوت بها وفق الشريعة اليهودية، إلى قضية صراع مع الفلسطينيين. ووفق استطلاع أجراه معهد بوري في سنة 1981 أيّد 18 في المئة من اليهود في إسرائيل بناء الهيكل فورًا، في حين عارض ذلك 48 في المئة. وكانت نسبة المؤيّدين لبناء الهيكل في هذا الاستطلاع أعلى بكثير عمّ

  1. يزهار بئر، "علاقة خطيرة: ديناميكية تعاظم حركات الهيكل في إسرائيل ودلالاتها "، موقع عير عميم، أيار/ مايو 2013، ص 17، في: http://bit.ly/1nvF0Rc
  2. عنبري، ص.113
  3. شرجاي، ص.288
  4. المرجع نفسه، ص.292

كانت عليه نسبتهم الضئيلة والهامشية في أواخر الستينيات. وتبيّ أيضًا من هذا الاستطلاع أنّ نسبة المؤيّدين لبناء الهيكل فورًا بين صفوف مؤيّدي حزبي الليكود والمفدال بلغت 25 في المئة35. شكّلت حركة "أمناء جبل الهيكل" منذ تأسيسها وحتى أواسط الثمانينيات إطارًا مركزيًّا لمختلف ناشطي الهيكل ذوي الخلفيات والتوجّهات المختلفة سواء كانت صهيونية أو دينية أو علمانية. وفي عام 1987 تفاقمت الخلافات والصراعات في صفوف حركة "أمناء جبل الهيكل" بسبب مجموعة من العوامل التي تعود إلى أولويات هذه الحركة وإلى شخصية غرشون سلومون "العلمانية" ونمط قيادته الشديدة المركزية. وأدّت هذه الخلافات إلى انشقاق الفئات الدينية من هذه الحركة بقيادة يوسف البويم. فقد رأت هذه الفئات المنشقّة بقيادة يوسف البويم أنّ بناء الهيكل هو أمر ديني صرف وأنّه ينبغي تبعًا لذلك وضع إستراتيجية تتماشى مع هذه الرؤية. وقد أسّس يوسف البويم مع ناشطين آخرين، كان العديد منهم من أتباع حركة كاخ، "الحركة لبناء الهيكل"36. أدّى هذا الانقسام في حركة "أمناء جبل الهيكل" وظهور كثير من حركات الهيكل الأخرى في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، إلى إضعاف حركة "أمناء جبل الهيكل" وإلى التقليل من نفوذها في أوساط المجتمع الإسرائيلي، لا سيما أنّها بدأت منذ التسعينيات بالتوجّه بشكل أساسي إلى الجمهور الأصولي البروتستانتي في الولايات المتحدة. وقد أدّى هذا التحوّل في توجّه الحركة إلى الجمهور البروتستانتي الأصولي الأميركي ومنحه الأولوية في نشاطها، إلى إحداث تغيير في أولويات حركة "أمناء جبل الهيكل" وسياساتها لتلائم نفسها مع جمهورها الجديد. فعزّزت من علاقاتها مع التيار البروتستانتي الأصولي الأميركي، وباتت تتحدّث وفق توجّهها الجديد عن أربع مراحل لخلاص ليس اليهود فقط، وإنّ ا خلاص العالم بأسره، وهي: تأسيس دولة يهودية، وهجرة جميع اليهود من العالم إليها، وتدمير الأقصى وقبّة الصخرة، وكل ما له صلة بالاسلام في الحرم الشريف، وبناء الهيكل، وعودة المشياح المخلّص. وتمشّيًا مع توجّهها الجديد شرعت هذه الحركة بنشر أدبياتها باللغة الإنكليزية، فبدأت منذ سنة 1999 بإصدار نشرة دورية باللغة الإنكليزية، وأسّست لها في العام نفسه موقعًا باللغة الإنكليزية37.

معهد الهيكل

تأسّس معهد الهيكل في عام 1984، وهو يعدّ من أكثر حركات الهيكل نشاطًا وأهمية. ويهدف هذا المعهد إلى طرح مسألة بناء الهيكل على الرأي العام الإسرائيلي من أجل بنائه في أسرع وقت من خلال مجموعة واسعة من النشاطات، يأتي في مقدمتها دراسة الهيكل، وطقوسه، وأدواته، والقرابين التي كانت تقدم فيه. وهو يتكون من ثلاثة أجسام، وهي: "المعهد لدراسة وبحث وبناء الهيكل" و"المعهد لمعرفة الهيكل" و"بيت الفنان العبري"38. أسّس هذا المعهد الراب يسرائيل أرئيل الذي نشأ في التيار الصهيوني الديني وترعرع فيه. وتشكل سيرة يسرائيل أرئيل مثالً للتحوّل الذي أخذ يتبلور شيئًا فشيئًا في الصهيونية الدينية باتّجاه طرح بناء الهيكل قضيةً مركزيةً ينبغي على التيار الصهيوني الديني حمل لوائها. ولد يسرائيل أرئيل في سنة 1939 لعائلة تنتمي للتيار الصهيوني الديني ودرس في يشيفات "مركز الراب"، التي تعد اليشيفاه الأساسية للصهيونية الدينية، ثم خدم في الجيش الإسرائيلي وشارك في احتلال الحرم الشريف في حرب 1967. شغل يسرائيل أرئيل عدّة مناصب عسكرية دينية في الجيش الإسرائيلي كان من بينها منصب الحاخام العسكري للمنطقة الشمالية في حرب تشرين الأول/ أكتوبر.1973

أولى يسرائيل أرئيل أهمية كبيرة لاحتلال إسرائيل للحرم الشريف، وعدّه مرحلة جديدة توجب إجراء مراجعة لأحكام الشريعة اليهودية بشأن الهيكل، وإحداث تعديلات وتأويلات جديدة فيها لكي تتلاءم مع الوضع الجديد، وتسمح لليهود ليس فقط بدخول الحرم الشريف والصلاة فيه وإنّ ا أساسًا بناء الهيكل وتهويد الحرم الشريف كلية. ففي اللحظة التي وطأت أقدام الجيش الإسرائيلي الحرم الشريف كان يتعين وفق يسرائيل أرئيل بناء الهيكل وتدمير الأقصى وقبّة الصخرة

  1. المرجع نفسه، ص.291
  2. عنبري، ص.127
  3. للمزيد عن علاقة حركة "أمناء جبل الهيكل" مع التيار البروتستانتي الأصولي الأميركي انظر إلى: Gershom Gorenberg, The End of Days: Fundamentalism and the Struggle for the Temple Mount (New York: The Press Free, 2000). انظر كذلك إلى موقع حركة "أمناء جبل الهيكل"، في:
  4. http://bit.ly/1TKiKBK 38 عنبري، ص.38

وإزالة كل ما يمتّ للإسلام بصلة من الحرم الشريف، وعدم انتظار "المشياح" المخلّص ليقوم عند مجيئه ببناء الهيكل. وألّف يسرائيل أرئيل الكثير من الكتب التي عالجت الهيكل وأهميته وضرورة بنائه، كان من بينها موسوعة "الهيكل في القدس." وطوّر في كتاباته مصطلح "يد إسرائيل الصارمة"، وادّعى أنّ النصر الذي حقّقه الجيش الإسرائيلي في حرب 1967 يمثّل الإرادة الإلهية وجاء بفضل عنايته، وأنّه يعبر عن نداء من الرب لبناء الهيكل39. وتلاءمت دعوة يسرائيل أرئيل لبناء الهيكل وتهويد الحرم الشريف ومحو مسجد الأقصى وقبّة الصخرة وكل ما يمتّ للإسلام فيه بصلة، مع نظرته الشاملة التي دعت إلى طرد العرب من أرض فلسطين وتأسيس الدولة اليهودية وفق الحدود التوراتية. ونشط يسرائيل أرئيل في السبعينيات والثمانينيات في حركة كاخ وكان من أبرز منظّريها وكان مرشّحها الثاني في قائمتها الانتخابية للكنيست في سنة 1981. وحصل يسرائيل أرئيل في سنة 2008 على جائزة الدولة للثقافة اليهودية التي تقدمها وزارة التربية والتعليم سنويًّا تقديرًا لنشاطاته وإنتاجه الفكري في ما يخصّ الهيكل وبنائه40.

نشاطات معهد الهيكل

قام معهد الهيكل منذ تأسيسه بنشاطات جمّة في جوانب مختلفة متعلّقة بالهيكل والتمهيد لبنائه في أسرع وقت. وشملت هذه النشاطات نشر الكتب والأبحاث بشأن الهيكل وإعادة إنتاج أدوات المعهد وعقد مؤتمر ديني أكاديمي - سياسي سنوي واسع تشارك فيه فئات مختلفة مهتمة بالهيكل. وشملت أيضًا تطوير منهاج تعليمي عن الهيكل للمدارس الإسرائيلية الرسمية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وإدخال هذا الموضوع في امتحانات الثانوية العامة، إلى جانب الاتصالات المتواصلة مع القوى والأحزاب السياسية لا سيما الدينية واليمينية لتقديم بناء الهيكل. واحتلّ مشروع إعادة إنتاج أدوات الهيكل التي كانت تستخدم في الهيكل والبالغ عددها 93 أداة أولوية في نشاطات المعهد. فدأب المعهد منذ تأسيسه على تنفيذ هذا المشروع، ووظّف العديد من الفنانين اليهود كان بعضهم من المهاجرين الروس الجدد من أجل القيام بهذه المهمة، وذلك بغرض الشروع في العبادات والطقوس الدينية فور السماح لليهود بالصلاة في الحرم الشريف وفور بناء الهيكل. وكانت عملية إعادة إنتاج بعض أدوات الهيكل سهلة وغير مكلفة ماديًّا وبعضها الآخر صعبًا ومكلفًا. وكان من أبرز الأدوات التي أنتجها معهد الهيكل الشمعدان الذهبي الذي صمّمه وبناه الفنان اليهودي المهاجر من روسيا حاييم أودم الذي استوطن في مستوطنة عوفراه في الضفة الفلسطينية المحتلّة. وبُني الشمعدان من البرونز المطلي باثنين وأربعين ونصف كيلوغرامًا من الذهب. وعلى خلاف جميع الأدوات الأخرى التي وضعت داخل المعهد في مكان مخصّص لها لعرضها على الزوار الذين يزورون المعهد، وُضع الشمعدان الذهبي في الساحة العامة في مستوطنة "الحي اليهودي" في البلدة القديمة من القدس المحتلّة بالقرب من الحرم الشريف. وكل من يصل إلى الحرم الشريف عن طريق "الحي اليهودي" يرى هذا الشمعدان41.

وفي عام 2013، أتمّ معهد الهيكل بناء "المذبح" الذي يجري فيه تقديم القرابين. وبُني المذبح من الحجارة فقط وبدون إدخال مواد أخرى تقليدًا لمذبح الهيكل، وهو مذبح متحرّك وبالإمكان تحريكه بسهولة ونقله إلى داخل الحرم الشريف فور السماح لليهود بالصلاة فيه من أجل تقديم القرابين وفق التقاليد اليهودية القديمة42. ودأب معهد الهيكل بعد تأسيسه بعدّة سنوات على عقد مؤتمر سنوي لدراسة الهيكل من جوانب مختلفة لتعميق المعرفة بالهيكل وكل ما يتعلق به ونشر ذلك بين صفوف اليهود في إسرائيل والعالم. وتشارك في تمويل عقد هذا المؤتمر السنوي مؤسّسات رسمية إسرائيلية مثل الحاخامية الرئيسة وبلدية القدس الغربية ووزارة الأديان الإسرائيلية. ويشارك في أعماله إلى جانب الباحثين المتخصصين، مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى ويشمل ذلك وزراء وأعضاء كنيست وقادة دينيون من مشارب مختلفة مثل الحاخام الأشكنازي الأكبر يسرائيل لاو والحاخام الشرقي الأكبر الياهو باكشي دورون. وينظّم "المعهد لمعرفة الهيكل" التابع لمعهد الهيكل مشاريع تدريسية وتربوية دينية بشأن الهيكل للمدارس اليهودية الابتدائية والثانوية

  1. المرجع نفسه، ص.46
  2. بئر، علاقة خطيرة، ص.28
  3. المرجع نفسه، ص 26. موّل بناء الشمعدان الذهبي بتكلفة بلغت 5 ملايين شيكل رجل الأعمال اليهودي رئيس مؤتمر يهود أوكرانيا فاديم رابينوفيتش.
  4. المرجع نفسه، ص.27

الرسمية والرسمية الدينية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية التي تقدم له دعمً ماديًّا سخيًّا. وفي عام 1994 ونتيجة لإدخال موضوع الهيكل وطقوسه في متطلّبات امتحان الثانوية العامة (البغروت)، قام معهد الهيكل بوضع خطّة دراسية شاملة للمدارس الثانوية اليهودية في موضوع الهيكل، وشرع بتقديم دروس في المدارس اليهودية الثانوية لمساعدة الطلاب الذين يقدمون امتحانات الثانوية العامة في هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه شرع المعهد بتنظيم دورات تعليمية للمدرسين والمفتشين ومديري المدارس اليهودية بشأن الهيكل43. واهتمّ معهد الهيكل بتلاميذ المدارس اليهودية وأصدر سلسلة كتب وكراسات وألبومات عن الهيكل مخصّصة لطلاب المدارس الابتدائية. وإلى جانب ذلك، أسّس معهد الهيكل فرقة موسيقية للعزف على الكمان بهدف عزف مقطوعات موسيقية يُدّعى أنّها كانت تُعزَف في الهيكل في الزمن الغابر44. وفي عام 1994 أعلن معهد الهيكل عن سعيه لإيجاد بقرة حمراء ذات الصفات الخاصة التي انقرضت منذ فترة بعيدة، وأجرى اتصالات مع وزارة الزراعة الإسرائيلية ومؤسّسات بحثية إسرائيلية في إسرائيل والعالم من أجل هذا الغرض. بيد أنّ محاولات العثور على بقرة حمراء ذات المواصفات الخاصة الصعبة المنال سواء بشكل طبيعي أو بواسطة التخصيب فشلت جميعها45.

الحركة لبناء الهيكل

تأسّست "الحركة لبناء الهيكل" في سنة 1987 عندما انشقّت عن حركة "أمناء جبل الهيكل" مجموعة بقيادة يوسف البويم ويوئيل ليرنر الذي كان قد سجن ثلاث مرات على خلفية مخطّطاته ومحاولاته هدم مسجد قبّة الصخرة46. وقد استقطبت الحركة لبناء الهيكل عند تأسيسها مجموعة من اليهود الحرديم من القدس. وقد عدّت الحركة لبناء الهيكل أنّ بناء الهيكل في الحرم الشريف موضوع ديني يهودي صرف وليس موضوعًا صهيونيًّا أو قوميًّا. وادّعت أنّ ثمّة خطأ أساسيًا في موقف حاخامات كل من اليهود الحرديم والصهيونية الدينية من بناء الهيكل الذين يحرّمون دخول اليهود للحرم الشريف. وأكدت الحركة لبناء الهيكل وفق مفهومها الخاص للشريعة اليهودية أنّ الشريعة اليهودية ليس فقط تسمح لليهود بدخول الحرم الشريف وإنّ ا أيضًا تحضّ هم على دخوله وعلى بناء الهيكل فيه. وينسجم مطلب هذه الحركة لبناء الهيكل وتدمير مسجدي الأقصى وقبّة الصخرة وإزالة كل ما له صلة بالإسلام من الحرم الشريف، مع نظرتها الدينية الأصولية الشاملة التي تدعو فيها إلى تأسيس دولة دينية يهودية تسير وفق التوراة حسب الحدود التوراتية، والتي ترفض القيم الغربية مثل الديمقراطية والحرية والمساواة.

تنطلق الحركة لبناء الهيكل من منطلق أنّ عملية الخلاص وبناء الهيكل تتمّ بيد البشر فقط من دون تدخل الرب إطلاقًا ومن دون ضرورة حدوث معجزات أو أعجوبات. ونادت هذه الحركة بالعمل فعليًّا لبناء الهيكل وتجديد تقديم القرابين فيه. وفي هذا السياق، دعت إلى دخول اليهود إلى الحرم الشريف بشكل منظّم وبمجموعات صغيرة الواحدة تلو الأخرى وبالتنسيق مع الشرطة الإسرائيلية من دون إحداث ضجّة. وأكد مؤسس الحركة يوسف البويم أنّ دخول اليهود إلى الحرم الشريف ووجودهم الجسدي المتواصل فيه أهمّ بكثير من الاجتماعات والتظاهرات التي تصطدم مع الشرطة الإسرائيلية بشأن الهيكل. فاحتلال الحرم وفق مفهوم يوسف البويم هو الوجود اليهودي الدائم فيه حتى ولو كان في البداية من خلال مجموعات صغيرة ولكن دائمة تدخله يوميًّا. لذلك ما انفكّت هذه الحركة منذ تأسيسها في تنظيم المجموعات اليهودية الصغيرة التي تدخل الحرم الشريف بشكل دائم للصلاة فيه حتى لو كانت هذه الصلاة غير علنية47. تكمن أهمية هذه الحركة ليس فقط في أنّ مؤسسها ينتمي للتيار اليهودي الحريدي وإنّ ا أيضًا لأنّها وضعت نصب عينيها هدف اختراق قطاع اليهود الحرديم والعمل لتغيير موقفه من دخول اليهود للحرم الشريف ومن بناء الهيكل. تدرك هذه الحركة أنّ تحقيق هذا الهدف صعب للغاية لأنّ التيار اليهودي الحريدي هو التيار الأكثر تمسّكًا بمعارضة دخول اليهود للحرم الشريف ولبناء الهيكل. بيد أنّها تدرك أيضًا بأنّ اختراقها للقطاع اليهودي الحريدي حتى

  1. للمزيد عن هذا الموضوع انظر: أور كشتي، "خطة تعليمية إلزامية في المنهاج الرسمي هآرتس الديني: إيقاظ التطلع لبناء الهيكل"،، 2015/10/22، في: http://bit.ly/1QL0fXD
  2. بئر، علاقة خطيرة، ص.41
  3. شرجاي، ص.139 - 137
  4. عنبري، ص.127
  5. المرجع نفسه، ص.128

لو جاء ذلك ببطء وبنسبة صغيرة سيؤدّي شيئًا فشيئًا إلى إضعاف المعارضة الدينية اليهودية لدخول اليهود للحرم ولبناء الهيكل فيه. ومنذ تأسيسها نشرت الحركة لبناء الهيكل مجلة شهرية حملت اسم "ليُبنى الهيكل" لنشر أفكارها لا سيما في صفوف اليهود الحرديم. وتشمل هذه المجلة بابًا ثابتًا يعرض تفاصيل دخول اليهود إلى الحرم الشريف في كل شهر ويظهر فيه المئات من اليهود الذين يدخلون الحرم الشريف شهريًّا48.

حركة "إلى جبل هامور"

أسّس حركة "إلى جبل هامور" في عام 1988 تلميذا الراب يتسحاك غينزبورغ، الراب يتسحاك شبيرا والراب يوسي فلاي الحاخامان في يشيفات "لا يزال يوسف حيًّا"، المقامة في مستوطنة يتسهار. وتهدف هذه الحركة إلى "تشجيع النشاطات التي تعزّز العلاقة اليهودية العميقة مع جبل الهيكل وفق الشريعة اليهودية، وتشجيع وزيادة ونشر الوعي اليهودي في هذا الشأن والقيام بالأبحاث والنشر في هذا الموضوع وإقامة معهد لتعميق الصلة بجبل الهيكل"49. ودعا مؤسّسا هذه الحركة في كتابهما "إلى جبل الهيكل" إلى دخول اليهود إلى الحرم الشريف، وإلى التسريع في بناء الهيكل في الحرم الشريف، وتدمير كل ما يمتّ بصلة للإسلام في الحرم الشريف، وإلى منع المسلمين من الدخول إليه. وأنشأت حركة "إلى جبل الهيكل" في عام 2000 منظّمة "حراس الهيكل." وينخرط في صفوف حرّاس الهيكل طلاب من يشيفات "لا يزال يوسف حيًّا" ومن مدارس دينية يهودية أخرى. وتطوّع لمنظّمة "حرّاس الهيكل" في السنوات الثلاث الأولى لتأسيسها نحو 2000 شخص، والتزم كل متطوّع منهم أن يخدم يومًا واحدًا على الأقل خلال السنة في هذه المنظّمة. وتهدف منظّمة "حرّاس الهيكل" إلى: أو لً، الحرص على أن يدخل اليهود إلى الحرم الشريف وفق تعاليم الشريعة اليهودية. ثانيًا، إعادة الرهبة والإجلال إلى "جبل الهيكل" والتذكير بحرّاس الهيكل في فترة "الهيكل الثاني" في الزمن الماضي. ثالثًا، شرح وتوضيح أنّ المكان الأكثر قداسة لليهود هو الحرم الشريف (جبل الهيكل) وليس حائط المبكى، وأنّه بدون الهيكل لا قدسية لحائط المبكى وأنّ زيارة اليهود لحائط المبكى تتمّ فقط للتقرّب إلى الهيكل. رابعًا، يؤكّد حرّاس الهيكل بوجودهم ونشاطهم ضرورة وحتمية سيطرة اليهود على الحرم الشريف وتهويده في أقرب وقت50. وتنظّم حركة "إلى جبل هامور" سويّةً مع حرّاس الهيكل وحركة معهد الهيكل وجماعات يهودية من حركات الهيكل الأخرى ومنظّمة "بني عكيفا" التابعة للتيار الصهيوني الديني، وبدعم واسع من مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الفلسطينية المحتلّة، نشاطًا كبيرًا في مساء اليوم الأوّل من الأشهر العبرية، يطلق عليه "دورة البوابات" (سيفوف شعاريم). وينطلق المشاركون في مسيرة "دورة البوابات"، الذين تتراوح أعدادهم بين عدّة مئات إلى عدّة آلاف، من ساحة المبكى ويطوفون حول الحرم الشريف ويخترقون الحي الإسلامي في البلدة القديمة وهم ينشدون ويرقصون. ويتوقّفون قليلً عند كل باب من بوابات الحرم الشريف ويلقون الخطابات والشعارات التي تدعو إلى بناء الهيكل في الحال وإلى الانتقام من العرب. ويجري تنسيق مسيرة دورة البوابات بالتنسيق مع الشرطة الإسرائيلية التي تقوم بإغلاق المحال التجارية العربية في الشوارع التي تمرّ منها هذه المسيرة51.

حركة "حيّ وقيوم" (حاي فكيّام)

تأسّست حركة "حيّ وقيوم" في العام 1991 في مستوطنة بات عاين القائمة في الضفة الفلسطينية المحتلّة. وقام بتأسيسها يهودا عتسيون بعد فترة وجيزة من خروجه من السجن لدوره القيادي في التنظيم السري اليهودي الذي خطط لتفجير قبّة الصخرة في بداية عقد الثمانينيات. وشارك أيضًا في تأسيسها موطي كاربل أحد أبرز قادة حركة "هذه بلادنا" (زو أرتسينو) وحاييم نتيف ونوعام لفنات وحاييم أودم الذي صمّم شمعدان الهيكل وبناه. ودعم تأسيس هذه الحركة الراب يتسحاك غينزبورغ رئيس يشيفات "لا يزال يوسف حيًّا." وتتشكّل البؤرة الأساسية لهذه الحركة من عشرات الناشطين الذين تجمّع حولهم المئات من الأنصار.

  1. بئر، علاقة خطيرة، ص.31
  2. المرجع نفسه، ص.29
  3. المرجع نفسه، ص.30
  4. عنبري، ص علاقة خطيرة 185، ص. وكذلك، بئر،.30

تدعو الحركة إلى ضرورة بناء الهيكل في الحرم الشريف في الوقت الراهن وتدمير مسجديْ الأقصى وقبّة الصخرة وكل ما يمتّ بصلة للإسلام في الحرم الشريف، وتعمل على طرح ذلك قضيةً مركزيةً ذات أولوية عليا على الرأي العام الإسرائيلي. وإلى أن يتمّ بناء الهيكل ومقدمةً لذلك، تدعو هذه الحركة إلى دخول اليهود إلى الحرم الشريف والصلاة فيه من دون التنسيق مع الشرطة الإسرائيلية52. وكثيرًا ما اصطدم أعضاء هذه الحركة مع حرّاس الحرم الشريف الفلسطينيين ومع الشرطة الإسرائيلية أيضًا لمحاولاتهم المتكرّرة الصلاة في الحرم الشريف. وقد تمكّنت الحركة من خلال اقتحاماتها المتكرّرة للحرم الشريف ونشاطاتها المختلفة بهذا الشأن من طرح مسألة الهيكل على الرأي العام الإسرائيلي لا سيما على التيار الصهيوني الديني، إذ أخذت فئات من هذا التيار تؤيد نشاط "حركة حيّ وقيوم" لبناء الهيكل53.

معهد تسومت

تأسّس معهد تسومت في سنة 1977 في مستوطنة ألون شفوت بالضفة الفلسطينية المحتلّة. ويهدف هذا المعهد إلى إيجاد حلول توراتية لحياة اليهود المعاصرة. ولمعهد تسومت دار نشر تصدر النشرات والكتب التي تعالج متطلبات حياة اليهود في العصر الحديث وفق التوراة. وأولى معهد تسومت لا سيما في العقدين ونيف الماضيين موضوع الهيكل اهتمامًا كبيرًا ونشر مئات المقالات والعديد من الكتب التي عالجت موقف التوراة والشريعة اليهودية من الهيكل. واستقطب المعهد الأقلام الدينية اليهودية لا سيما من التيار الصهيوني الديني التي دعت إلى دخول اليهود للحرم الشريف وبناء الهيكل وإزالة كل ما يمتّ للإسلام بصلة في الحرم الشريف. ويصدر معهد تسوميت نشرة أسبوعية تحمل اسم "شبات بشباتو" الموجهة للمصلين اليهود في الكنس التابعة للصهيونية الدينية. ومنذ سنة 2004 خصّصت هذه النشرة بابًا ثابتًا يعالج مواضيع الهيكل المختلفة ويدعو إلى دخول اليهود إلى الحرم الشريف والصلاة فيه. وفي عام 2002 نشر معهد تسومت كتابًا حمل اسم "انهضوا لنصعد" (كومو فنعليه) خصّصه كليًّا لموضوع الهيكل، احتوى عشرات الدراسات والمقالات بأقلام حاخامات من مشارب مختلفة، والذين عالجوا فيه مسألة الهيكل من جوانب مختلفة ودعوا إلى دخول الحرم الشريف والصلاة فيه وبناء كنيس يهودي في داخل الحرم الشريف. وساهم معهد تسومت بالتعاون مع معهد الهيكل وحركة "إلى جبل هامور" في تنظيم مؤتمر في "يشيفات حائط المبكى" تحت عنوان "نقترب من تقديم القرابين" لدراسة موضوع طقوس تقديم القرابين التي كانت متبعة في الهيكل54.

معهد (كوليل) بيت هبحيراه

تأسّس المعهد الديني اليهودي "كوليل بيت هبحيراه" في سنة 1996 في مستوطنة "كرمي تسور" في الضفة الفلسطينية المحتلّة. ويتخصّص هذا المعهد في دراسة الهيكل ومقدساته وطقوس تقديم القرابين فيه وذلك بغرض الاستعداد للخلاص والتعجيل في استحضاره. وبدأ هذا المعهد في سنة 1999 بإصدار مجلّة توراتية تحمل اسم "معلين بقودش" التي تنشر أساسًا دراسات ومقالات تعالج تقديم القرابين في الهيكل ويشمل كل عدد من هذه المجلة بابًا ثابتًا يعالج مواضيع تتصل بمسألة دخول اليهود إلى الحرم الشريف والصلاه فيه وبناء الهيكل55.

منظ مة أنصار الهيكل

على إثر اندلاع انتفاضة الأقصى في تشرين الثاني/ أكتوبر 2000، منعت السلطات الإسرائيلية اليهود من الدخول إلى الحرم الشريف، واستمرّ هذا المنع إلى عام 2003. خلال هذه المدة، نشطت حركات وجمعيات الهيكل اليهودية من أجل إلغائه والسماح لليهود بدخول الحرم الشريف والصلاة فيه. وفي هذا السياق، بادرت حركات الهيكل وفي مقدمتها معهد الهيكل والحركة لبناء الهيكل وحركة "حيّ وقيوم" وحركة "إلى جبل هامور" وحركة "هذه بلادنا" التي أصبحت لاحقًا

  1. عنبري، ص.83 - 78
  2. أمنون رمون، 53 موقف دولة إسرائيل والمجتمع اليهودي بمختلف ألوانه تجاه جبل
  3. عنبري، ص.33 55 المرجع نفسه، ص.34
  4. الهيكل 1967 -  96 19 (القدس: معهد القدس لبحث إسرائيل، د.ت).، ص.19

تحمل اسم "قيادة يهودية" وحركة "نساء من أجل الهيكل"، بتأسيس "منظّمة أنصار الهيكل." وشملت منظّمة أنصار الهيكل جميع حركات وجمعيات الهيكل باستثناء حركة "أمناء جبل الهيكل" من أجل تعزيز نشاطاتها وزيادتها للتأثير في مواقف المجتمع الإسرائيلي وجذبه لمواقفها بشأن بناء الهيكل. ورأس منظّمة أنصار الهيكل هليل فايس أحد قادة حركة "قيادة يهودية." وقد نظّمت حركة أنصار الهيكل العديد من النشاطات والفعاليات المختلفة وحاولت تأسيس محكمة دينية لشؤون الهيكل من أجل إصدار فتاوى دينية بشأن كل ما يتعلق بالهيكل. ودعت هذه الحركة إلى بناء كنيس يهودي في الحرم الشريف، وكلّفت مهندسًا معماريًّا بتصميم بناء كنيس في الحرم الشريف. وفعلً صمّم المهندس المعماري غدعون حرلاف كنيسًا يهوديًّا يتّسع لألف مصلٍّ يهودي على شكل مدرّج من أجل إقامته في الحرم الشريف مقدمةً لبناء الهيكل. وأكّد المهندس المعماري غدعون حرلاف أنّ أهمية تصميم الكنيس بهذا الشكل تكمن في أنّه يشكّل المرحلة الأولى في بناء الهيكل. وقدّمت منظّمة أنصار الهيكل خطّة بناء هذا الكنيس في حينه إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية أرئيل شارون وإلى لجنة التخطيط في بلدية القدس الغربية وإلى اللجنة اللوائية في منطقة القدس56.

التآكل في "الوضع القائم" وتغييره التدريجي

بعد ثلاثة أيام من احتلال الحرم الشريف في حرب 1967 أصدر مجلس الحاخامية الرئيسة في إسرائيل فتوى دينية أكّد فيها تحريم دخول اليهود إلى الحرم الشريف لأسباب دينية يهودية. وفي غضون الأسابيع الأولى للاحتلال الإسرائيلي فرض وزير الأمن الإسرائيلي موشيه ديان "وضعًا قائمًا" جديدًا بشأن الحرم الشريف تقرّر بموجبه أن يكون حائط البراق - الذي يطلق عليه حائط المبكى - مكانًا لصلاة اليهود، وأن يبقى الحرم الشريف مكانًا لصلاة المسلمين وحدهم وتحت إشراف الوقف الإسلامي. ولكنّه في الوقت نفسه منح اليهود الإسرائيليين حقّ الدخول للحرم الشريف في الساعات المخصّصة لدخول السيّاح الأجانب ولكن من دون دفع رسوم الدخول كما كان متّبعًا بالنسبة للسيّاح. وفي حين أبقى وزير الأمن الإسرائيلي الإشراف الداخلي في الحرم الشريف وعلى أبوابه بيد الوقف الإسلامي، فإنّه أبعد رجال الوقف الإسلامي عن باب المغاربة المقابل لحائط البراق ووضعه تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي57. بيد أنّ جماعات يهودية كثيرة حاولت طوال العقود الماضية اختراق "الوضع القائم" وتغييره، والذي فرضه موشيه ديان من دون أن يكون هناك اتّفاق أو أمر مكتوب. وفي العقدين الأخيرين أخذ هذا "الوضع القائم" يتآكل ويتمّ تغييره شيئًا فشيئًا على أرض الواقع لمصلحة حركات الهيكل. فقد شهدت إسرائيل منذ منتصف عقد الثمانينيات نشاطًا سياسيًّا ودينيًّا وجماهيريًّا وإعلاميًّا متشعّبًا بشأن دخول اليهود إلى الحرم الشريف بغرض الصلاة فيه كمقدمة لبناء الهيكل في الحرم الشريف. وساهمت مجموعة من العوامل في ذلك، كان أبرزها تأسيس كثير من الحركات والجمعيات منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات، والتي حصلت على دعم مالي من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبّة ومن مؤسسات الدولة المختلفة، التي وضعت نصب عينيها هدف تغيير الوضع القائم وبناء الهيكل. وقد مارست هذه الحركات والجمعيات - لا سيما بعد إطلاق سراح يهودا عتسيون في عام 1989 الذي كان آخر سجناء التنظيم السري اليهودي الذي حاول نسف مسجد قبّة الصخرة في بداية الثمانينيات - ضغوطًا جمّة على قيادة التيار الصهيوني الديني من أجل وضع تغيير "الوضع القائم" وبناء الهيكل في قمّة أولوياتها. وفي عام 1990 جرى تأسيس "لجنة حاخامات مجلس المستوطنات" في المناطق الفلسطينية المحتلّة، التي أدت دورًا مهمًّ بعد فترة قصيرة من تأسيسها بشأن تغيير "الوضع القائم" في الحرم الشريف. وفي أعقاب انعقاد مؤتمر مدريد وتوقيع اتّفاق أوسلو في عام 1993 ازدادت الخشية لدى اليمين واليمين المتطرّف الإسرائيلي من أن تؤدّي العملية السلمية إلى انسحاب إسرائيل من أجزاء واسعة من المناطق الفلسطينية المحتلّة وإعادة الحرم الشريف إلى الفلسطينيين. وفي هذه الفترة بالذات قامت حركات الهيكل بنشاط محموم ودعت إلى دخول اليهود إلى الحرم الشريف والصلاة فيه وبناء الهيكل. وفي هذه الأجواء، أصدرت في عام 1996 "لجنة حاخامات مجلس المستوطنات" في المناطق الفلسطينية المحتلّة فتوى دينية أكّدت فيها ليس فقط أنّه من المسموح لليهود دخول الحرم الشريف، وإنّ ا دعت أيضًا كل

  1. المرجع نفسه، ص.31 - 30
  2. للمزيد عن سياسة موشيه ديان وفرض "الوضع القائم" انظر: شرجاي، ص.27 - 18

حاخام إلى دخول الحرم الشريف بنفسه وأن يوجّه كل حاخام أتباعه وتلاميذه ويحثّهم على دخول الحرم الشريف58. وقد شكّلت هذه الدعوة منعطفًا مهمًّ في موقف التيار الصهيوني الديني من دخول اليهود للحرم الشريف. ومنذ صدور هذه الفتوى ازداد عدد الحاخامات المنتمين للتيار الصهيوني الديني الذين دعوا إلى دخول اليهود للحرم الشريف بغرض الصلاة فيه سنة بعد أخرى. وشمل هذا الازدياد كثيرًا من الحاخامات التابعين إلى "يشيفات مركز الراب كوك" مثل حاييم دروكمان ودوف ليؤور وناحوم اليعيزر وكثيرين جدًّا غيرهم. وفي هذا السياق، قال الراب يعقوب مدان رئيس "يشيفات جبل عتسيون" الذي يعدّ "معتدلً "، "إنّ الكل يريد بشدّة أن ينزل الهيكل من السماء، لأنّ ذلك يحرّرنا من الصدام مع العلمانيين"، وأضاف، "علينا نحن الحاخامات التقدم في موضوع بناء الهيكل بطريقتين: الأولى، التأكيد أنّ بناء الهيكل حيويّ. والثانية، التأكيد أنّ بناء الهيكل ممكن وينبغي من أجل تحقيق ذلك الدخول الآن إلى جبل الهيكل للصلاة فيه"59.

وفي السنوات الأخيرة، لا سيما في العامين الأخيرين، ازدادت أعداد اليهود بشكل كبير الذين يدخلون الحرم الشريف بغرض الصلاة فيه وتثبيت السيادة اليهودية عليه، وتثبيت أمر واقع جديد في الحرم الشريف الذي يوجد اليهود فيه بأعداد كبيرة يوميًّا. وخلافًا لما كان الوضع عليه في الماضي، إذ كان متّبعًا ألّ يدخل إلى الحرم الشريف سويّة أكثر من اثنين من اليهود المرافقين بحرس الوقف الإسلامي والشرطة الإسرائيلية لئلّ يقوموا بالصلاة في الحرم، أصبح يدخل إلى الحرم الشريف منذ عامين مجموعات من اليهود يبلغ عدد أفرادها العشرات ترافقهم الشرطة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، أخرج وزير الأمن الإسرائيلي في أيلول/ سبتمير 2015 جمعيتي "المرابطين" و"المرابطات" الفلسطينيتين خارج القانون، اللتين كانتا تقومان بمتابعة المجموعات اليهودية التي تدخل إلى الحرم الشريف ومراقبّتها لمنعها من الصلاة فيه60. إلى جانب تغيير إسرائيل التدريجي المستمر في "الوضع القائم" في الحرم الشريف، حدثت في إسرائيل تغييرات مهمّة للغاية بشأن الموقف بكل ما يتعلّق بالحرم الشريف ودخول اليهود إليه والصلاة فيه وبناء كنيس فيه أو بناء الهيكل. وقد أظهرت العديد من استطلاعات الرأي العام في إسرائيل ازدياد تشدّد المجتمع الإسرائيلي تجاه كل ما يتعلّق بالحرم الشريف. فمثلً، أظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي في عام 2013 وجود أغلبيّة كبيرة في صفوف المجتمع الإسرائيلي التي تؤيّد تغيير الوضع القائم في الحرم الشريف. فقد بيّ الاستطلاع أنّ نسبة 59 في المئة من المجتمع الإسرائيلي تؤيد أن تقوم إسرائيل بفرض تقسيم زمانيّ ومكانيّ في الحرم الشريف بين اليهود والمسلمين، كما كانت قد فرضته في الحرم الإبراهيمي في الخليل. في حين يعارض ذلك 23 في المئة فقط، ولم يعبّ 18 في بالمئة عن موقفهم بهذا الشأن61. وبيّ الاستطلاع أيضًا أنّ ثُلث الإسرائيليين يؤيّد بناء الهيكل الثالث في الحرم الشريف في الوقت الراهن، في حين يعارض ذلك 45 في المئة. وأظهر الاستطلاع أيضًا أن 68 في المئة من الصهيونيين الدينيين يريدون دخول الحرم الشريف مقابل 60 في المئة من العلمانيين و 20 في المئة من الحرديم62. وشهد القضاء الإسرائيلي بدوره تغييرًا في موقفه من الحرم الشريف وجماعات الهيكل. فقد درجت محكمة العدل العُليا الإسرائيلية حتى منتصف عقد الثمانينيات على عدم الاستجابة لطلب جماعات الهيكل بدخول الحرم الشريف بغرض الصلاة فيه ورفضت إصدار الأوامر التي تُلزم الشرطة الإسرائيلية بتطبيق "قانون الأماكن المقدسة" الذي سنّه الكنيست بُعَيد حرب 1967، مستندةً في ذلك إلى عدم وجود أوامر أو أعراف تنظّم صلاة اليهود في الحرم الشريف. بيد أنّ محكمة العدل العُليا الإسرائيلية غيّ ت من توجّهها في عقد الثمانينيات بشأن دخول اليهود إلى الحرم الشريف بغرض الصلاة فيه وأكّدت أنّ من حقّ اليهود دخول الحرم الشريف والصلاة فيه استنادًا إلى "قانون الأماكن المقدسة" وكذلك استنادًا إلى ما دعته الحقوق الدينية والتاريخية لليهود في الحرم الشريف. ولكن محكمة العدل

  1. عنبري، ص.1
  2. 62 المرجع نفسه.
  3. غيلي كوهين، "وزير الأمن أخرج منظمتين فلسطينيتين خارج القانون"، 60 هآرتس، 2015/9/9، في: http://bit.ly/1TrTkbr
  4. ن رر حسون، "استطلاع: ثلث الجمهور اليهودي يؤيد بناء الهيكل"، 61 هآرتس، 2013/7/12، في: http://bit.ly/1QG263s
  5. 59 بئر، علاقة خطيرة، ص.13

العُليا خوّلت في الوقت نفسه الشرطة الإسرائيلية منع اليهود من الدخول للحرم الشريف بغرض الصلاة فيه لأسباب تتعلّق بالحفاظ على سلامة الجمهور والأمن العام. وشدّدت المحكمة العُليا على أنّ هذا المنع يتعين أن يستند إلى قدرة الشرطة الإسرائيلية إثبات في كل حالة أنّ دخول اليهود إلى الحرم الشريف بغرض الصلاة فيه يعرّض سلامة الجمهور والأمن العام للخطر63. وهذا يعني أنّه إذا لم تستطع الشرطة الإسرائيلية إقناع المحكمة الإسرائيلية أنّ دخول اليهود للحرم بغرض الصلاة فيه يعرض سلامة الجمهور والأمن العام للخطر، فإنّها قد تُصدر أمرًا بالسماح لليهود بالدخول للحرم بغرض الصلاة فيه. وشهدت الكنيست بدورها في الأعوام الأخيرة نشاطًا مكثّفًا محمومًا يهدف إلى تغيير "الوضع القائم" في الحرم الشريف والسماح لليهود بالصلاة فيه، بما في ذلك تقسيمه مكانيًّا وزمانيًّا. ففي عامي 2013 و 2014 مثلً، ناقشت لجنة الداخلية في الكنيست 14 مرة موضوع "جبل الهيكل" مقارنة مع أربع مرات فقط ناقشت فيها هذه اللجنة طوال العقد الذي سبق هذين العامين. وقد دعت رئيسة هذه اللجنة ميري ريغف العضو القيادي في حزب الليكود والتي أصبحت وزيرة في حكومة نتنياهو الحالية، إلى تقاسم الحرم الشريف زمانيًّا ومكانيًّا بين اليهود والمسلمين كما فعلت إسرائيل في الحرم الإبراهيمي في الخليل64. وقدّم عضو الكنيست أرييه الداد في تشرين الأول/ أكتوبر 2012، اقتراح قانون للكنيست لتغيير الوضع القائم في الحرم الشريف والسماح لليهود الصلاة في الحرم الشريف وتخصيص ساعات محدّدة لهم لهذا الغرض65. وترافق هذا النشاط مع دعوات العديد من الوزراء عن حزب البيت اليهودي وحزب الليكود للسماح لليهود بالصلاة في الحرم الشريف. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2015 دعت نائبة وزير الخارجية تسيبي حوطوفيلي إلى السماح لليهود بدخول الحرم الشريف بغرض الصلاة فيه وإلى رفع العلم الإسرائيلي فوق الحرم الشريف66.

الخاتمة

في الوقت الذي تتّجه فيه أنظار العالم إلى الحركات الإسلامية الأصولية المتطرّفة الناشطة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم، ظهرت وتعزّزت في إسرائيل في العقود الماضية حركات يهودية دينية أصولية متطرّفة وخطيرة للغاية. وتدعو هذه الحركات إلى تدمير مسجديْ الأقصى وقبّة الصخرة وإزالة كل ما يمتّ للإسلام بصلة من الحرم القدسي الشريف، وبناء الهيكل الثالث. وقد أحدثت هذه الحركات تغييرات مهمّة في موقف المجتمع والحكومة الإسرائيلية في ما يتعلّق بالموقف والسياسة تجاه الحرم الشريف، ومسائل دخول اليهود إليه بغرض الصلاة فيه، وتقسيمه زمانيًّا ومكانيًّا تمهيدًا لبناء الهيكل الثالث. وتستند الحركات الدينية اليهودية الأصولية المتطرّفة في دعوتها إلى بناء الهيكل الثالث إلى ميزان القوى وإلى قوة إسرائيل العسكرية في الأسلحة التقليدية والنووية. وتحاجج هذه الحركات، بنسبة عالية من النجاح، أنّ إسرائيل باتت من القوة التي تمكّنها من بناء الهيكل الثالث وإزالة كل ما يمتّ بصلة للإسلام في الحرم القدسي الشريف، وأنّ الثمن الذي ستدفعه في حال قامت بذلك لن يكون مرتفعًا وبإمكان إسرائيل تحمّله.

ومن الواضح أنّ مقاومة الفلسطينيين لا سيما المقدسيين وتصدّيهم المستمر للاعتداءات الإسرائيلية على الحرم الشريف ودفاعهم الدائم عنه مهمٌّ جدًّا، ولكنّه لا يكفي وحده لحماية الحرم القدسي الشريف. فما لم تضع الدول العربية والإسلامية إستراتيجية واضحة تستند إلى جميع عوامل القوة كتلك التي تمتلكها إسرائيل، والكفيلة بجعلها تدفع ثمنًا لا يمكنها تحمّله بأيّ حال من الأحوال من أجل ردعها فعلً، فسوف تستمر الحركات الدينية اليهودية الأصولية المتطّرفة والمجتمع الإسرائيلي وحكومته في السير نحو تغيير الوضع القائم وتهويد الحرم القدسي الشريف.