استجابة البحوث للسياسات: حالة بحوث الهجرة القسرية في السودان

خالد محمد دفع الله

الملخّص

تشهد سورية والعراق تدفقات هائلة للاجئين مذكرة بالمأساة في فلسطين، ما يجعل مراجعة التجربة العربية في المجال أمرًا حيويًا يفرضه واجب الوقت والحال، ويشكل البحث قاعدة انط قاا للمهتمين بالمجال. إذ حاول إسقاط نتائج الحالة السودانية على الراهن، بحيث يُسهِل تشخيص الأوضاع الماثلة وتعميم النتائج التي توصل إليها. يتحسس البحث استجابة البحوث التي اهتمت بظاهرة اللاجئين للسلوك السياسي- العدواني لحركات اللاجئين، والتي استضافها السودان، وأن يجد منطق ا له مرتبط ا ببيئة الظاهرة نفسها وسياقها. ومن ثمّ فإنّ مشكلة البحث على وجهين: أولّا معالجة العلاقة بين المرجعية البحثية القائمة على الفكرة Paradigm ومدى مساهمتها في تقوية معالجة تفاصيل قضايا اللاجئين أو ضعفها، ثانيًا بيان مدى ارتباط السياسات بمطلوبات الفلسفة التي تتحدث به الدولة عن نفسها كونها تقوم تعبيرًا عن قيم المجتمع في ما يتصل باللاجئين. أظهر البحث فرصا لتوظيف الاندماج المحلي بصفته ح متفق ا عليه دوليا لمشكلة اللاجئين في ردم ثغرات بنيوية في المجتمعات العربية. من أهم ما يترتب على البحث وعي الفاعلين، حكومات داعمة وحركات مدعومة وعامة مجتمع اللاجئين، بتبعات التفاعل بين الأطراف الفاعلة في الميدان بعد العودة التطوعية للاجئين لبلدانهم. تستوجب الطبيعة الإستراتيجية للظاهرة إيلاء طول أمدها الزمني اهتمامًا كبيرًا.

الكلمات المفتاحية

السياسات – البحوث - إنتاج المعرفة - ظاهرة اللجوء - السياسة الدولية - السودان

الإطار النظري

في أي تخصص متداخل Interdisciplinary، عادةً ما يصوب الإطار النظري جهده لمعالجة المفاهيم والإطار المفاهيمي التحليلي أو البنية التحليلية للإطار، والذي يؤسس على النظرية التي يعالج من خلالها البحث، كما يهتم بالمنهج والأسلوب الكمي الذي اعتمده سواء في جمع البيانات أو في تحليلها وعرض النتائج1. ولذلك فإنّ التحدي الذي يواجه بناء أي إطار نظري في مجال دراسات الهجرة القسرية هو محاولة وصل ما تناثر من أجزاء بين حقول معرفية مختلفة، ومنحه بنيته الخاصة وفروضه المتماسكة. مع ملاحظة أنه يعالج مستويات شديدة التباين للفاعلين السياسيين، ويصوّب النظر لظاهرة لا تحدها حدود سياسية ووثيقة الارتباط بقضايا المجتمع، مثلما هي وثيقة الارتباط بالأمن القومي والإقليمي، وتتماهى في الوقت نفسه بالاقتصاد السياسي والبنية الإثنية لمجتمع يعاني صدمات نفسية من تلقاء كوارث شديدة التعقيد. على أنّ ما يخفف العبء هنا تمحور سياقنا بمتغيري السياسات والإنتاج المعرفي، ما يجعل نسيج نولنا أكثر اتساقًا، فيُلزِم ببناء فرضيات تصب في منتج يصل بين صانع القرار من جهة، ومنتج المعرفة من جهة أخرى. ويقود ذلك بدوره ليهدي لنظرية ومنهج في الهجرة القسرية متكامل وأقوم. فمن ناحية درجة الهجرة نعالج هجرة قسرية وفيها تحديدًا ظاهرة اللجوء مع إشارات للنزوح متى ما كان السياق مناسبًا لاتصال بين التصنيفين وثيق. ومن جهة القوة الدافعة لها، فالعنف والبحث عن الأمن هو الحافز، وتصنف من نمط الهجرات الجماعية2. وهي خليط بين حضر وريف نخبة وعامة الناس بما في ذلك الرعاة والمزارعين والعمال والموظفين والجند بمختلف الدرجات، فضلً عن التصنيف العمري والجندري. تتباين نظريات الهجرة القسرية؛ فقد صُنف بعضها وفق المستوى التحليلي، وبعضها استخدم النموذج التنموي معاملًاقتصاديًا محفزًا للهجرة. ويصعب القطع بسيادة نظرية معيّنة منها، إلّ أنه من الواضح أنّ بروز نظرية معيّنة يرتبط بمرحلة تاريخية ما من عمر الظاهرة. وإن كان هذا لا يعني انتهاء استخدام النظرية المعيّنة بنهاية المرحلة. وعلى الرغم من جاذبية نظرية النظم في تفسيرها للهجرة القسرية، إذ جعلت البيئة الخارجية التي كونتها من التكنولوجيا والمجتمع والاقتصاد والحكومة، وأن الهجرة تدفعها محفزات من البيئة، فضلً عن تأثيرات المؤسسات الاجتماعية. لكن في تقدير البحث هذه جميعًا مؤثرات لاحقة وليست سابقة، والأمر كذلك نفسه حتى في تجربة الهجرة القسرية الشرق - أوسطية الحالية. أمّا البنيوية فبنيت على دور الرأسمالية والأيديولوجية في تفسير الهجرة القسرية، وهو ما بنى البحث إطاره المفاهيمي عليه3. فالصراع كان محتدمًا في الثمانينيات وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي ووكيله منغستو، والذي بالنسبة إليه هو صراع أيديولوجي كانت أفريقيا جزءًا من ساحته، بينما آليات النظام الرأسمالي في جزء منها استدراج ونهب للموارد يتضمن الحصول على البشر ذوي القدرات العالية Brain-drain. ودخول الصين وروسيا اليوم، ووكيلهما الأسد، تعبير عن إرث تاريخي يُرتجى حسمه في ساحته الجديدة، الشرق الأوسط.

فإذا كانت الظاهرة الإنسانية معقدة ودراسة العلوم السياسية أكثر تعقيدًا بحكم ارتباط الظاهرة السياسية بالاقتصاد والمجتمع والبنية السكانية والنفسية، فإنّ دراسة الحركة البشرية القسرية هي في قمة التعقيد؛ ليس فقط لارتباطها بما سبق جميعًا ولا لكونها تستبطن أبعادًا دولية وصحية وقضايا الطوارئ السياسية والإنسانية المعقدة فحسب، بل لأنها ترسم تطورات علاقة البشر بالأرض من حيث الحركة والسكون أيضًا. واللجوء، من حيث هو ظاهرة بالحجم الذي يشهده العالم في القرن الحالي، كانت أوروبا هي بيئته الجغرافية والحربان

  1. Yosef Jabareen, "Building a Conceptual Framework: Philosophy, Definitions, and Procedure," International Journal of Qualitative Methods , vol. 8, no. 4 (2009), pp. 48 - 51.
  2. راجع تصنيف بيترسون: William Petersen, "A General Typology of Migration," American Sociological Review , vol. 23, no. 3 (1958), pp. 256 - 265
  3. راجع: Michael Burawoy, "the Functions and Reproduction of Migrant Labor: Comparative Material from Southern Africa and the United States," American Journal of Sociology , vol. 81, no. 5 (1976), pp. 1050 - 1087.

العالميتان الأولى والثانية هما سياقه السياسي. إلا أنّ ذلك لا يعني أنها منبتة الجذور، فأصولها موغلة في القدم. وكان لحماية اللاجئ سمة ثابتة، فيها مسحة من قداسة مصدرها أنماط من تدين عتيق على تباين الجغرافية والبيئة والسياق. ففي جزيرة العرب حرمت القبائل قبل الإسلام الاعتداء على اللاجئ وأسمته المستجير، وقدست حمايته تقديسًا شديدًا وأشعار العرب وقصصهم غنية بالأمثلة4. وفي أوروبا ظلت الأديرة في العصور الوسطى ملجأ الباحثين عن الأمان من جبروت السلطان5. لم ترد مفردة لاجئي في القرآن الكريم إلّ أنّ نظام حماية الخائف الفار وردت نصًا وطبقت فلسفةً ونمطَ حياة. فجاء في حَد القرآن "وَإِنْ أ مِن الْمكُكِيِنَ اسْتَجَارََشْ   جِرْهُ حَت هِ لَمَ اللَىٰ يَسْمَعَ كَّفَأ ثُمنَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَهُمَّمْ قَوْ لَ يَعْلَمُون."6 كما أنّ المفهوم نفسه استخدم بطرق مختلفة مثل المستأمن، والهجرة، وابن السبيل إلّ أنّ الأصوب لغةً ومفهومًا هو الإجارة. ذلك لأنّ المجير هو المانع والحامي، أ وقد ورد قوله تعالى "قُلْ إنيِرِّ لَنْ يُجِنِنَ مِ الله حَدٌ."

مفاهيم محورية

ولئن كان نموذج المسلمين الذي ساد متأثرًا بثقافة عرب ما قبل الإسلام وتجربتهم، فإنّ التجربة المعاصرة تأثّرت كثيرًا بالتجربة اليهودية بحكم ما عاشوه في أوروبا، وبحكم وجودهم المنظم في الولايات المتحدة والمنظمات الدولية حيث ظهر ذلك في تعريف مصطلح لاجئي، وفي الأطر العامة التي حكمت برامج منظماتهم الدولية العاملة في مجال الهجرة القسرية وأنشطتها، مثل لجنة توزيع اليهود ومنظمة هياس واللجنة الدولية ضد التمييز واللجنة الدولية للإنقاذ. كما أنّ التعريف ولد نتاج صراع وحرب مدمرة بين الشرق والغرب، وهو يعبّ عن هذا الصراع وناتج من نواتجه. وكان يجري الحديث عن معالجة تبعات الهجرات البشرية من زاوية هذا الصراع. فقد ولد نتاج الاستجابة لتدفقات اللاجئين من الاتحاد السوفياتي إلى أوروبا الغربية بُعيد الحرب العالمية الثانية، والذين شكل اليهود فيهم نسبة مقدرة7. ويرى آخرون أنّ المصطلح ارتبط في مرحلة ظهوره الأولى بالمجاعة التي ضربت أوروبا عام 1933 8. وهكذا، فإنّ التعريف ناتج من تجربة سياقاها الجغرافي والسياسي أوروبي، وعلى الرغم من مسحة المسيحية إلا أنها أشدّ تأثرًا بالثقافة اليهودية9.

ولذلك ظهرت المفارقة عند تطبيق المعايير نفسها التي يشترطها التعريف في بيئة مختلفة، فعند حدوث التدفقات البشرية الهائلة نحو السودان من أثيوبيا وتشاد وإرتريا، بسبب المجاعة التي ضربت دول الساحل في منتصف الثمانينيات، رفضت المنظمة الدولية اعتبارهم لاجئين، إلّ بعد ضغوط رهيبة من حكومة النميري القوية الارتباط بالولايات المتحدة آنذاك، والتفت على القانون الدولي فأسمتهم. 10 People of Concern to UNHCR "أشخاصًا" موضع اهتمام وذلك على النقيض من المفهوم الإسلامي إذ تستوي كل الدوافع لمنح حق اللجوء، بينما تقصر معاهدة جنيف لعام 1951 وبروتوكول 1967 الخاصين بوضع اللاجئين على أسباب معينة11. وأثّر البعد

  1. راجع متن وحواشي شهاب الدين الأندلسي، العقد الفريد، ج 5 (بيروت: دار الهلال،)1987. وأيضًا ديوان زهير بن أبي سلمى.
  2. برهان أمر الله، في اللجوء: دراسة نظرية في نظرية اللجوء، في القانون الدولي (القاهرة: دار النهضة العربية،.)1983
  3. (سورة التوبة، الآية.)6
  4. Charles B. Keely, the Global Refugee Policy: The Case for Developmental Strategy (New York:the Population Council, 1980), p.11.
  5. أحمد عبد الودود كراداوي، "الدراسات والبحوث عن اللاجئين في السودان"، ورقة عمل، معتمدية اللاجئين، الخرطوم، د. ت، ص.2
  6. في التجربة اليهودية في أوروبا وحدها طرد اليهود من في القرن الثالث عشر من انكلترا وطردوا بنهاية القرن الرابع عشر من فرنسا ولم يبدأ القرن السادس عشر إلا وكانوا قد طردهم من إسبانيا أيضًا الكاثوليك. وهو ما يعني أنهم كانوا موضع بغض من كلتا الطائفتين الكبيرتين البروتستانت والكاثوليك. ولما ازدادت الضغوط عليهم اندفعوا في هجرة واسعة إلى العالم الجديد، أميركا. راجع: يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)1990، ص.19
  7. خالد محمد دفع الله، "السياسة الأمريكية تجاه لاجئي القرن الأفريقي"، أطروحة دكتوراه، جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم-السودان، 1998، ص 26. وضعت مفردة أشخاص بين علامتين لأني أريد القارئ أن يتذكر هذه المفردة التي لم تستطع ان تخرج من تعريف الأمم المتحدة المرتبط بفكرة خروج أشخاص وأفراد لاجئين بينما الحالة تتناول ملايين الأشخاص وهذا وثيق الارتباط بفلسفة التعريف نفسه الذي يعالج حالات فردية. وهو أمر غير صحيح وغير دقيق في السياقات التي تلت التطورات الدولية المعاصرة. والتناقض في تعريف الأمم المتحدة أعمق من هذا، فعندما جاءت لتعريف اللاجئ الفلسطيني عرفته بأنه الشخص الذي فقد بيته ومورد رزقه نتيجة حرب 1948، وكان يقيم بفلسطين ما بين عامي 1946 و 1948. مع ملاحظة أنه في التجربة الإسلامية التناقض لا وجود له لاستواء الأسباب والدوافع.
  8. أحمد أبو الوفا، حق اللجوء بين الشريعة والقانون الدولي: دراسة مقارنة (الرياض: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين،)2009، ص 39:. في www.unhcr.org.eg

الثقافي فيما بعد، مضافًا إليه التغيرات التي طرأت في النظام الدولي والمرتبطة بتضاؤل حدود السيادة، في ظهور اتجاهات أسست لقبول منح حق اللجوء وإعادة توطين اللاجئين في الغرب لعوامل من بينها تعرضهم للاضطهاد بسبب انتمائهم إلى فئة اجتماعية معيّنة، مثلً ميولهم الجنسية، أو لممارسات اجتماعية، مثلًالخفاض12. على أنّ هذا كله لا يصرفنا عن جذور المصطلح التي ميزته عن المصطلحات الشبيهة، مثل نزوح وهجرة واغتراب. وعلى الرغم من التشابه بين ظاهرتي النزوح واللجوء للدرجة التي يستعملان بها بمعنى واحد لدى قطاع واسع من غير المتخصصين، فإنهما مختلفان جوهريًا لطبيعة حركة اللاجئين العابرة للحدود الدولية. وهو ما لا يتوافر في حالة النزوح الذي ينحصر داخل حدود الدولة السياسية وخاضع لقوانينها ونظمها، وإن خرج من سلطانها. كما أنه مختلف عن مصطلح طالب اللجوء الذي طرق عليه بشدة في أول التسعينيات ثمّ تضاءل الاهتمام به فيما بعد13. وهذا يردنا إلى تعريف الأمم المتحدة السائد اليوم والمتفق عليه بين دارسي ظاهرة اللجوء، وينص على أنّ اللاجئ هو (كل شخص يوجد، نتيجة أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني / يناير 1951، وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلي فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلي ذلك البلد). "الاضطهاد" هو المفردة المركزية في هذا التعريف. ويظهر ذلك بوضوح إذا رجعنا لأصلها اللاتيني الذي استخرج منه المصطلح الإنكليزي Persecution نجد الفعل اضطهد يتكون من مقطعين هما: per+sequi، ذلك أنّ المقطع per يعني عبر والمقطع sequi يعني تتبع، أي متابعة الإنهاك بشكل مصمم لإحداث الأذى14 وبغض النظر عن دواعي دفاع المنظمات الحقوقية الدولية عن حقوق اللاجئين وبرغم التباينات الكثيرة من مسالة ظاهرة اللاجئين والتدخل في شؤون الدول الداخلية وتداعي مفهوم السيادة التقليدي إلا أنه من الواضح أنّ ذلك انصب بشكل أو آخر في مصلحة حقوقه الإنسانية من حيث توسيع مساحة سلامته من ظلم مصدره دولته أو الدولة التي استظل بحمايتها لاحقًا. فحقوق اللاجئ، على الأقل نظريًا، تجعله ليس فقط بمنأى عن العدوان الجسماني عليه بل تقوي موقفه في مواجهة الدولة كفاعل دولي وتُلزِم المجتمع الدولي بتوفير حاجاته الأساسية من مأوى ومأكل وصحة وتعليم. وذلك نفسه من دواعي التدخل الدولي في الشؤون الداخلية لحماية فئات من مواطني الدولة وهو مصدر محاولات لي عنق المصطلح والسعي لتطبيق آليات اللجوء على ظاهرة النزوح رغم الفوارق بينهما، وهذا مصدر جوهري للتعارض والتصادم بين حق جوهري للدولة في حماية أنفس مواطنيها وحق مفترض للمجتمع الدولي لحماية الأنفس ذاتها. كثيرًا ما يهرع بعض الفاعلين الدوليين بعجلة وجلبة لتطبيقه في حالات بعض الدول "الخارجة" عن ربقته كحالتنا الدراسية هذه، السودان، بينما يتجانف عن ذلك في حالة دول أخرى ربت على عينه. فليس كل الدول سواسية في الخضوع للقانون الدولي للاجئين، فبعض الدول تملك حتى حق رفض منح طالبي اللجوء حقهم لا لشيء سوى كونها قادرة على فعل ذلك. وقد رأينا كيف أنّ حق بعض دول أوروبا في تفسير نص التعريف كان هو المهيمن على ما سواه، بينما عندما تدفق لاجئو الشرق الأوسط نحوها عمدت لمنح نفسها حق تحديد ما ينبغي أن يسود من إجراءات تُلزم اللاجئين لما رأت أنّ تدفقاتهم تُخل بالمعادلات العرقية والثقافية15. على أنّ هذا كله لا يمنح الدول ولا الجماعات حقًا مطلقًا تزهق فيه الأنفس البريئة بتبعات صراع الفاعلين. ولذلك يصل فقهاء القانون الدولي لمرحلة أبعد، فيرى بعضهم أنّ حق حماية اللاجئين مُلزم لجميع الدول، ولو لم تكن أطرافًا في المعاهدات الدولية التي أقرّته16.

مصادر تعقيد الظاهرة

تقع ظاهرة اللاجئين موقع القلب من قضايا السياسة الدولية، ولذلك تبعات معقدة. وتتفاوت مستويات التأثير ودرجاته بين الفاعلين الدوليين في اللاجئين والبحوث التي تجري حولهم. فداخليًا يستتبع وجود اللاجئين في أي بلد انفتاح علاقة الظاهرة بقطاعات أخرى

  1. Kris Anne Basler Moussette, "Female Genital Mutilation and Refugee Status in the United States – a Step in the Right Direction", B.C. Int'l & Comp. L. Rev.,vol. 19,issue. 2 (1996), at http://bit.ly/23m78tD
  2. Stephen Moss, "Mind Your Language: The Semantics of Asylum," Forced Migration Review , no. 11 (October 2001), p. 39, at: https://peoplesthought. files.wordpress.com/2011/08/forced-mogration1.pdf
  3. Ron Moponda, "General Principles of Resettlement, Conceptual Framework", Seminar of Protection and Resettlement, UNHCR Office, 18/10/1992, p. 2.
  4. Elspeth Guild & Jean Monnet, "Current Challenges for International Refugee Law: With A Focus on EU Policies and EU Co-operation With The UNHCR", Directorate-General for External Policies of the Union Directorate Policy, Department Briefing Paper, EXPO/B/DROI/2012/15 December 2013, pp. 10 -11, at: http://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/note/ join/2013/433711/EXPO-DROI_NT(2013)433711_EN.pdf
  5. وليد خالد الربيع، "حق اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي والقانون الدولي: دراسة مقارنة"، ص 1 - 2، في: http://elibrary.mediu.edu.my/books/MAL05157.pdf

كالخدمات المختلفة ومؤسسات إنفاذ القانون. في بيئة السياسة الدولية، تعدّ المنظمات الدولية أحد أهم الفاعلين الدوليين، فبصفتها مؤسسات مانحة تملك قدرة عالية على التأثير في مجتمع اللاجئين بل وتدفقاتهم واتجاه هذه التدفقات17. ومنبع تأثيرها في البحوث هو قدرتها على التأثير في الموضوعات المبحوثة والقضايا التي يتم التعرض إليها، وهذه يتأتى التأثير فيها من التأثير في تمويل البحوث التي تجرى. ولذلك تُصنف بحوث اللاجئين ضمن ما يُعرف ببحوث الطوارئ السياسية والإنسانية المعقدة. إجمالً، نجد أنّ معظم البحوث في مجال اللاجئين تهدف إلى تطوير استجابات أكثر فاعلية للتحديات التي تواجه الفاعلين وزيادة الفاعلية والكفاءة في المجال18. وتعدّ الدراسات والبحوث حول اللاجئين من أنماط الدراسات المتداخلة، وتصنف لعدة أنماط، فهناك بحوث تجريبية وبحوث مفاهيمية وغير ذلك من الأنماط19.

تؤطر إدراك تعقيدات الموضوع ثلاثة أبعاد مهمة. أولً: تتميز بحوث اللاجئين بالتوجه الشديد نحو الممارسة العملية والتمحور حول السياسات. فعلى الرغم من ارتباطها منذ نشأتها بالسياسة الدولية، فإنه حديثًا أخذ ارتباطها بسياسات التنمية يشتد، وخاصةً بالمنظمات التطوعية ومجتمع المانحين20. ويذهب كراداوي إلى أن بحوث اللاجئين تأثرت بشدة بنظام الظاهرة وبنيتها على المستوى الدولي، بسبب وجود فاعلين مؤثرين مثل المنظمات الدولية21. وهذا الارتباط جعلها مجرد استجابة معبّة عن حاجات هذه المؤسسات، لهذا لا توجد مراكمة للمعارف في المجال إلّ بالقدر الذي يحقق تطوير سياسات المانحين وتقويمها. البُعد الثاني متصل بالمُخاطب الذي تستهدفه السياسات، أي لغة الخطاب والمحتوى المعرفي للرسالة المراد إسماعها. وبما أنّ الحالة التي تعالجها مشكلة البحث مرتبطة بلاجئي إرتريا وأثيوبيا وتشاد، فذلك يعني بيئة متعددة القوميات والمعتقدات والثقافات. ويُفترض أن يُعالج الإنتاج المعرفي هذه الجوانب بما يخدم السياسات، ووجود خلل هنا يعني انحسار فرص تحقق شرط "السماع." ثالثًا: سيادة التغيير العالي المستمر لتدفقات أعداد اللاجئين في وسط بيئة غير آمنة، ويرتبط بذلك تحدي الحصول على البيانات. إذ تسيطر المنظمات على إدارة المعسكرات فتحدّ من قدرة الباحث على رؤية أوضاع معسكرات اللاجئين على حقيقتها. فإرسال "مرافق" من إدارة المعسكر "ليساعد" الباحث في إكمال بحثه يعنى بالضرورة إقامة حاجز سميك بينه واللاجئين. ويشكل هذا التعويق خطرًا مباشرًا على صدقية البيانات التي يسعى لها الباحث. ومصدر الخطر الثاني على صدقية البيانات ربط اللاجئين للباحث بالمانحين ولذلك تجدهم مستعدين لقول ما يريده الباحث.

في المنهج

استضاف السودان لاجئي أكثر من 20 دولة. واستمرت استضافة بعضهم لأكثر من خمسين عامًا. قدمت الحكومات السودانية المتتالية مساعدات مختلفة لحركات اللاجئين لدرجة محاولة إيصالها لدست الحكم في بلدانها، واستوت في ذلك جميع الحكومات السودانية. حدث ذلك بوجه خاص للاجئين من تشاد وأثيوبيا وإرتريا وأوغندا وزائير. وباستثناء لاجئي أوغندا وزائير وصلت حركات اللاجئين من الدول الثلاثة الأخرى إلى الحكم. انقلبت الحركات الممثلة لهؤلاء اللاجئين بعد وصولها للحكم لتشن حروبًا ضارية فيما بعد على السودان. ربما يكون هناك العديد من الدوافع لهذا الانقلاب، وقد يكون من بينها سياسات الحكومة نفسها. ويسعى البحث لمعالجة مدى استجابة البحوث التي اهتمت بظاهرة اللاجئين في السودان، لهذا السلوك السياسي – العدواني، وأن يجد منطقًا له مرتبطًا ببيئة الظاهرة نفسها وسياقها. بالنتيجة، فإنّ المشكلة

  1. Megan Bradley, "Refugee Research Agendas: The Influence of Donors and North-South Partnerships," refugee survey quarterly , vol. 26, no. 3 (2007).
  2. Karen Jacobsen & Loren Landau, "Researching Refugees: Some Methodology & Ethical Considerations in Social Science and Forced Migration", UNHCR, Working Paper No. 90, p. 1, at: http://www.unhcr. org/3f13bb967.html
  3. David Turto, "Refugees, Forced Resettlers and other Forced Migrants: Towards a Unitary Study of Forced Migration", Working Paper No. 94, Geneva, UNHCR (Sep 2003), p. 2, at: http://www.unhcr.org/research/ RESEARCH/3f818a4d4.pdf
  4. Stephen Castles, "Towards a Sociology of Forced Migration and Social
  5. Transformation," Sociology , Vol. 37, no. 1 (2003), p. 26, at: http://soc.sagepub. com/content/37/1/13.full.pdf+html 21 أحمد عبد الودود كراداوي، "معتمدية اللاجئين ودراسات اللاجئين في السودان "، معتمدية اللاجئين، المؤتمر التنظيمي الأول، 1989، ص.31

التي يعالجها البحث على وجهين: معالجة العلاقة بين المرجعية البحثية القائمة على الفكرة Paradigm ومدى مساهمتها في تقوية أو ضعف معالجة تفاصيل قضايا اللاجئين. ثانيًا مدى ارتباط سياسات معتمدية اللاجئين بمطلوبات الفلسفة التي تتحدث به الدولة عن نفسها كونها تقوم تعبيرًا عن قيم المجتمع في ما يتصل باللاجئين؟ بحيث أن معالجة كليهما ربما تجد إجابة عن السؤال الجوهري أعلاه. لذلك تصنيف البحوث تحت موضوعات محددة جوهري في تحديد دلالات توجهات المنتج المعرفي تجاه مشكلة البحث. وذلك كله مرتبط بالمعرفة المنتجة عن الظاهرة وتوظيفها. يعالج البحث مشكلته من زاوية ما يعرف ببحوث السياسات، ومن ثمّ يجعل من الإنتاج المعرفي عن اللاجئين بيئة عمله حيث يتقصى الصلة بين هذا الإنتاج والسياسة الرسمية التي ساهمت المعتمدية في وضعها وما تعبر عنه هذه السياسة بالبحث عن القيم والمضامين السياسية التي تحتويها هذه البحوث. ومن جهة ثانية ماهية دلالات وجود هذه القيم أو غيابها. والنقطتان مرتبطتان بالأمن القومي والاستقرار كما سيتبين ذلك في ما بعد.

يستصحب البحث في طرحه الإطار السياسي والسياق الفكري الذي يفترض أنه قد أطّر معتمدية اللاجئين في السودان، بصفتها المؤسسة التنفيذية الأولى المعنية بتدفقات اللاجئين خلال فترة البحث. وتناول السياق السياسي يتسم بأهمية شديدة، لكونه يمثّل العمق الذي ينطلق منه وخلاله صانع السياسة، وعلى أساسه تقوم مشروعية وجوده في دولة تتبنى نظامًا سياسيًا مثل السودان. تقوم فلسفة الحماية في المفوضية السامية على عنصرين، الحماية المادية مثل توفير المأوى والمأكل، والحاجات الأساسية الأخرى بما في ذلك التعليم وباقي الخدمات. والعنصر الثاني حماية معنوية بقدر كاف وملائم لحقوقه من دون أن يخلق ذلك تحديات للبلد المضيف، كالتوترات مع دولة الأصل التي قدم منها اللاجئ. إلا أنه في دولة مثل السودان يفترض أن يحدث تأثير من جهتين، الأولى كونه يُحكم على أسس أيديولوجية، وهكذا ينبغي أن تتأثر فلسفة حماية اللاجئين من حيث التطبيق بصفة واضحة بالبعد القيمي الذي تستند إليه بصفته مشروع حكم. إضافة إلى هذا فإنه من المتفق عليه بين علماء الاجتماع أنّ الثقافة المحلية للمجتمعات لها دور جوهري في الفعل الاجتماعي، وخاصة المضامين السياسية في هذه الثقافة. ويتضمن ذلك الأعراف والقيم، إذ يرغب المواطنون في ما تقوم به الحكومة من أدوار تجاه قضايا معينة، وما لا تقوم به، وكيف تقوم بهذه الأدوار22. في ما يتصل بظاهرة اللجوء في السودان ظهر هذا على المستوى القاعدي، إذ ظلت المجتمعات المحلية باستمرار تبادر باستقبال اللاجئين وتوفير حاجاتهم الأساسية طوال عقود متطاولة، ويتسق ذلك مع القيم الثقافية المحلية من حيث إكرام الغريب وحمايته، بغض النظر عن القبيلة والعرق والدين23. وهي قيم جوهرية تبرز بوضوح في الموروث الثقافي الشعبي من أشعار ودوبيت ومديح وأمثال وحكم وسلوك وفعل اجتماعي تجاه الغرباء. والسؤال هنا إذا كانت المجتمعات المحلية قد عبّ ت عن قيمها الثقافية بنمط معين من الفعل الاجتماعي، فإلى أي حدّ عبّ ت معتمدية اللاجئين عن القيم الثقافية لهذه المجتمعات على مستوى السياسيات؟ ذلك أنّ صناعة السياسات في الأصل وثيقة الارتباط بالمكون الثقافي للمجتمع، إذ يبرز من ثمّ الدور الذي يفرضه هذا المكوّن، وهو من مطلوبات النظام السياسي للدولة. ومعروف أنّ النظام السياسي هو مجموعة من الأنماط المتداخلة والمتشابكة والمتعلقة بعمليات صنع القرار، والتي تترجم أهداف المجتمع وثقافته الناتجة من خلال الجسم العقائدي الذي أضفى صفه الشرعية على القوة السياسية فحولها إلى سلطات مقبولة من الجماعة السياسية تمثّلت بالمؤسسات السياسية24. ولإثبات ذلك، يعرض البحث لقيمة هي الأكثر بروزًا في المطلوبات الثقافية للمجتمع، لنعرف إلى أي درجة عبرت معتمدية اللاجئين بصفتها مؤسسة رسمية عن هذا المجتمع، وهي قيمة "السماع." يُ نح حق اللجوء إنّ ا تقوم وذلك لأنّ تشريع الأمان الذي على أساسه

  1. جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، عامر الكبيسي (مترجم) (الأردن: دار المسيرة للنشر و التوزيع،)2007، ص.46
  2. ربما قد ساهم في ذلك أن التباين الديني يوجد أحيانًا داخل الأسرة الواحدة، فضلً عن التزاوج البين-إثني. وقد شكلت نسبة الوثنيين والمسيحيين على الدوام ما يقل قليلً عن ثلث اللاجئين في السودان.
  3. مها عبد اللطيف الحديثي ومحمد عدنان الخفاجي، النظام السياسي والسياسة العامة: دراسة في دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسة العامة في الدول المتقدمة والنامية (كربلاء: مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية،)2006، ص.17

فلسفته والركن الركين فيه على السماع25. ويتضمّن ذلك بالضرورة عناصر الحماية، وهو أمر مناطة به على المستوى الوطني معتمدية اللاجئين26، ويوازيها ممثلً للمجتمع الدولي بالداخل المفوضية السامية للاجئين UNHCR. ولا نهتم هنا بمعالجة تطبيق مبدأ الإجارة هذا ولا كيفية تطبيقه ومدى صحة هذا التطبيق27، إنّ ا البحث معني فقط بالجزء الثاني من المبدأ وهو "السماع." إذ يُفترض منح اللجوء بناء على توافر شرطي الإسماع وإبلاغ طالب اللجوء لمأمنه بحسب النص.

يمكن قياس درجة متانة العلاقة بين مجتمع منتجي المعرفة ومؤسسة صنع السياسة وتنفيذها، عن طريق تحسس حجم التغير الذي حدث في الظاهرة بسبب التفاعل، لكون البحوث هي أهم الطرق لتحديد السياسة الفعالة التي يمكن تنفيذها28. كما تُ كِننا من تلمس ما أحدثه "السماع" الناتج عن "القول" على المستوى القاعدي والقيادي، بما يكفي لضمان تلبية السياسات لتحقيق مطلوبات المصالح الوطنية على الأقل. وأسلم طريق لذلك، التعرف إلى الموضوعات والمشكلات البحثية التي عالجها الباحثون، وهل ثمة علاقة تربطها بالسياسات؟ وما هي اتجاهات هذا الاهتمام؟ وعلى الرغم اتفاق جميع الحكومات في السياسات العامة تجاه حركات اللاجئين، فإنّ ذلك أثمر في المرحلة الثانية انقلاب اللاجئين على الدولة التي دعمتهم الدعم الأكبر. المشكلة التي يعالجها البحث تفرض منهجًا بحثيًا محددًا، فلكون البحث يغطي فترتين زمنيتين مختلفتين من حيث السياق المحلي والإقليمي والدولي وتغيرات في البيئة الدولية والمحلية، فيلزم اللجوء إلى المقارنة كونها مفيدة في هذا السياق. كما أنه ولأنّ الموضوع ذو طبيعة متجددة وعالمي الصبغة، ولأنّ للاستقرار والتوتر في الشرق الأوسط لحركة اللاجئين اليوم دورًا محوريًا فيه، كحالة السودان في الثمانينيات وبدايات التسعينيات، يُ كِّن منهج دراسة الحالة من إسقاط بعض، إن لم يكن كل نتائج البحث عليه. والبحث وصفي لكونه يعالج أطروحته بوصف محتوى الرسائل الجامعية في الجامعات المختلفة ومدى صلتها بأطروحته. ويهدف البحث إلى التأثير في صانع السياسة والباحث، ومن ثمّ يهتم بكيفية توظيف البحوث لخدمة السياسات من جهة، وكيف تستفيد البحوث من السياسات من جهة أخرى. كما يستكشف القضايا المنهجية والتحديات العملية التي تعوق تأثير البحوث والدراسات في عملية صنع السياسات الخاصة باللاجئين. كما يهدف إلى جذب انتباه مصممي السياسات والباحثين والمهتمين بتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط لتداعيات التدفقات البشرية للاجئين والنازحين، والتي يُنظر إليها غالبًا من الزاوية الإنسانية ولكونها مصدرًا للقلق. كما يسعى لإعمال المعارف المكتسبة وتوظيفها في خدمة السياسات، وأشارت لأهمية ذلك بعض البحوث29. وهذا ينبه لأهمية مراجعة طبيعة العلاقة بين مؤسسة إنتاج المعرفة ومؤسسات توظيفها. تبرز أهمية البحث، لصلته بما يمرّ به العالم العربي اليوم من تدفقات هائلة في أعداد اللاجئين، تتجاوز 7 ملايين لاجئي30، ويرتبط ذلك بعدم استقرار واتجاهات قوية للتغيير31. ويرتبط عامل التغيير والتغير بقوة بحركة الهجرة القسرية، وبصفة أخص بتدفقات اللاجئين، إمّا أن يتغيروا هم، أو يغيروا من حولهم، أو أن يحدث كلاهما. تاريخيًا، ترتبط الهجرات القسرية الهائلة بالتغيرات الكلية، فأعظم التغييرات الكونية التي أحدثها الرسل والمصلحون ارتبطت بشدة بالهجرة القسرية. ومن دون التذكير بالنزيف البشري الفلسطيني المقيم وغير الموظف، وإذ أنّ هناك دولً أخرى مرشحة لمثل هذه

  1. الآية التي يستند إليها المشرع من سورة التوبة "وَإِن أ حَدٌ مِّنَ ٱلمشُرِ كيِنَ ٱستَجَارَك جِرهُ حَتَّىٰ يَسمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أ بلِغهُ مَأمَنَهُ ذَٲلِكَ بِأ نَّہُم قَوم فَأ لَّ يَعلَمُونَ (٦)." ومصطلح "يسمع" مرتبط ارتباطًا جوهريًا بطرف آخر مهمته "القول" فلا سماع بدون قول. طبيعة القول المقصود ومحتواه ومطلوباته والمخاطبين به وكيفيته موضوع كبير ويحتاج لتفاصيل يصعب إيرادها هنا.
  2. ظلت معتمدية اللاجئين تكاد تكون نسخة من المفوضية السامية للاجئين UNHCR في فلسفة التعاطي مع الظاهرة.
  3. 30 لا يفوت على فطنة القارئ أن هناك فرقًا بين النازحين واللاجئين، فقد بلغ عدد النازحين في سورية فقط 10 ملايين، تقارير المفوضية السامية تثبت فقط عدد اللاجئين المسجلين لديها، ويمكن مثلًالرجوع إلى: "2015 UNHCR regional operations profile - Middle East and North Africa (MENA)", at:http://www.unhcr.org/pages/4a02db416.html 31 عادة ما يثبت فقط أعداد اللاجئين المسجلين. انظر: المرجع نفسه.
  4. Julius Court & John Young, "Bridging Research and Policy: Insights from 50 Case Studies", Working Paper 213, Overseas Development Institute,
  5. Ursula Ingie Hovland & Zaza Curran, "Bringing Community-learnt Knowledge into the Policy Debate: The Case of Legal Aid Centers", Working Paper 277, Overseas Development Institute, London (October 2006), p. 19.
  6. 27 يمكن أن يظل الوضع القانوني للاجئي هكذا إلى أكثر من أربعين عامًا ويولد أبناؤه مكتسبين نفس الصفة القانونية لوالدهم الإجارة لا تقول بذلك إذ تحدد أمدًا زمنيًا لتطبيع وضع اللاجئ.
  7. UK, August 2003. p. 7.

الأوضاع، يلزم معالجة تلك التدفقات بسياسات مستندة إلى الماضي ومتفحصةً لمكامن الخلل، مستسشرفة للمستقبل. وذلك لن يتأتى من دون معرفة علمية تستعرض التجارب المتاحة في هذا السياق وكيفية توظيفها. والبحث معني بثلاثة مصطلحات هي: سياسات، وسماع، وقول؛ وذلك لأهميتها لمشكلة البحث. ونعني بمصطلح سياسات البرامج عن الأولويات السياسية بغرض إحداث تغيير الحكومية التي تُعب محدد في فترة زمنية محددة وتعرف بالسياسة العامة. والسياسة العامة هي برنامج عمل مقترح لحكومة في نطاق بيئة محددة لتوضيح الفرص المستهدفة والمحددات المراد تجاوزها لتحقيق غرض مقصود32. ويُقصد بسياسات حكومية تجاه اللاجئين برامج محددة تترجم ما ترغب فيه الحكومة أن يحدث في ما يتصل باللاجئين. أمّا مصطلح السماع فنقصد به عملية التواصل الدائم بين طرفي الفعل على المستوى القاعدي في بيئة اللجوء، وهما مجتمع اللاجئين والدولة المستقبلة. يتضمن ذلك حجم التغيير الذي أحدثه هذا التواصل السماعي بغرض إحداث تغيير طوعي في الاتجاهات والميول والقيم والمفاهيم طوعًا. فبينما الدولة ملزمة نصًا بالإسماع، يملك اللاجئ حق قبول أو عدم قبول "القول" الذي تُسمعه إيّاه المؤسسات المعنية33. والقول هو خطاب مخصوص للاجئين. اعتمد البحث على الأسلوب الكمي في جمع البيانات وتحليلها، والتي تمّ الحصول عليها من مصدرين أساسيين، الأول دليل توثيقي بعناوين البحوث والدراسات وأوراق العمل والتقارير البحثية تناولت الظاهرة في الفترة من عام 1974، وإلى عام 1993. وهو صادر عن جامعة جوبا، والتي كان فيها برنامج لدراسات اللاجئين منذ بداية الثمانينيات، وأعده إبراهيم النور وآخرون34. وتمّ تنظيم معلومات الكتاب وبياناته المتنوعة في جداول تختص فقط بالموضوعات البحثية ذات الصلة بمشكلة البحث. أمّا الثاني فمسح ميداني استهدف إدارة التوثيق والإحصاء بمعتمديه اللاجئين ومكتبات بعض الجامعات، وهي: الخرطوم وأم درمان الإسلامية والنيلين والأحفاد وجامعة أفريقيا والأزهري35. بالطبع يصعب الادعاء أنّ ما ورد هنا هو جماع ما أنتجته كل الجامعات ومراكز البحوث عن ظاهرة الهجرة القسرية بصفة عامة، وبحوث اللاجئين بصفة خاصة منذ ظهورها في السودان. إلّ أنّ منهج جمع البيانات الذي اتبعه البحث عبّ بطريقة أو بأخرى عن مدى حجم ما غطاه36.

اعتمد البحث في اختيار الرسائل والبحوث الجامعية على احتواء عنوان العمل المنتج سواء دبلوم عال أو ماجستير أو دكتوراه على واحدة من ثلاث مفردات، هي: لاجئي ونازح ومهاجر أو تصريفات أي منها. بلغت جملة عناوين الرسائل التي تمّ حصرها 61 عنوانًا، %71 منها رسائل ماجستير و 26 % رسائل دبلوم عال، بينما فقط 3 % هي رسائل دكتوراه. تم استبعاد رسائل أخرى لها علاقة قوية ا من المفردات الثلاثة. أ غفلتًّبالموضوع إلّ أنّ عنوانها لم يتضمن أي بحوث التخرج على الرغم من أنّ لعددٍ منها علاقة مباشرة بموضوعه لفقدانها للنضج اللازم لتكون ذات صلة بالسياسات. كما أُغفل عدد وافر من البحوث في مستويات الدراسات العليا، لأنّ معالجتها للموضوع غير مباشرة، إذ تناولت موضوعات مثل التصحر والاغتراب والتجارة بالبشر والحرب والنزاعات. وأخيرًا لا يبدو أنه ثمة حاجة إلى تبرير اختيار معتمدية اللاجئين نموذجًا لمؤسسة تنفيذية من بين المؤسسات الحكومية الأخرى، لكون دورها محوريًا في ما يتصل بظاهرة اللجوء. هذا بالطبع لا يعنى عدم وجود مؤسسات أخرى تؤدّي دورًا في صناعة سياسة اللجوء، ولكنها هي المؤسسة المحورية والأهم. ومن ثمّ يمكن الاعتماد على سلامة الاختيار من حيث كونها "حالة" يمكن القياس عليها وإسقاط النتائج على غيرها من مؤسسات يمكن أن تكون معنية بالظاهرة على مستوى الشرق الأوسط. وهي ملائمة أكثر من غيرها ليس فقط، بحكم التخصص بل أيضًا بحكم التنوع الهائل في جنسيات اللاجئين الذين رعت شأنهم وأعراقهم ومعتقداتهم ومذاهبهم، وبطول الفترة الزمنية التي استمرت فيها الظاهرة لأكثر من خمسين عامًا، ولاستقرار

  1. اندرسون، ص.15
  2. مصطلح القول في القرآن يحتاج سعة لتناوله. فهو أهم أدوات التواصل مع الآخر مثل، "وَقُولُوا لِلن حُسْ نًا بَّ"، للناس وليس المسلمين أو أهل الكتا اسِ.
  3. Ibrahim Enur Et al. (eds.), "Resource Guide to Refugees Studies in Sudan: An Annotated Bibliography", Displaced Population Study Group, University of juba, Sudan (October 1994).
  4. تابع لجامعة أفريقيا العالمية وهو معهد متخصص يمنح درجتي الدبلوم العالي فوق الجامعي والماجستير وبدأ حديثًا برنامج الدكتوراه.
  5. ساعد في جمع البيانات عدد من طلاب الماجستير والدكتوراه في كل من جامعة الخرطوم، وجامعة السودان وجامعة أم درمان الإسلامية وجامعة النيلين وجامعة أفريقيا العالمية.

المؤسسة المعنية بهم وتطورها التلقائي، وللعدد الكبير الذي أشرفت عليه بصفة مباشرة، إذ ظل في المتوسط على مدى خمسة عقود لا يقل عن 600 ألف لاجئي، ولتطبيقها لكافة مراحل الإشراف الدولي على الظاهرة وأنماط التعامل معها. ولتكامل تجربتها حول الظاهرة ابتداءً بالاستقبال، ومرورًا بتطبيق الحلول الثلاثة المتفق عليها دوليًا، وانتهاءً بما يعرف ببنود الانقطاع.

البحوث والسياسات

كيفية تصور الظاهرة المبحوثة

كيفية تصور الظاهرة جزء جوهري من مقاربة أبعادها، وتقارب التصور بين الفاعلين على مستوى الفعل يعني تماهيًا في الاتجاه. وذلك وثيق الصلة بطرفي الفعل المعنيين هنا، مجتمع الإنتاج المعرفي ومجتمع مصممي السياسات وصانعيها. ذلك لأنّ طبيعة استجابتهما لحاجات بعضهما واتجاهها يُرتجى أن تعالج تحديات تواجه مصممي السياسة ومتخذي القرار، وفي الوقت نفسه تزود التغذية الراجعة الطرف الأول بمطلوبات الثاني، ويُساهم ذلك في تحقيق الأهداف الكلية للدولة والمجتمع. لذلك، من المهم بناء وعي مفاهيمي بالظاهرة. فهل يُنظر إليها ابتداءً بصفتها "أزمة" أو "مشكلة" أو "كارثة" أو "ظاهرة" أو "حالة طوارئ"؟ وهذا التنوع يدل على حجم التعقيدات التي تكتنف هذه الظاهرة. فمن وصفوها بأنها ظاهرة برروا ذلك على أساس تبعاتها وحجم معاناة اللاجئين والبلد المضيف37. وعللت ليندا كريتزر ذلك بتعلق الظاهرة بالتجارب الحياتية الحية والجهد الذي يبذل لفهم طبيعة من مروا بتلك التجربة38. فالتوصيف الصحيح جوهري ليصدر عنه فعل من جهتي الباحث ومصمم السياسة. فإدارة الكارثة غير إدارة الظاهرة أو غيرها من التوصيفات، فلكلِ توصيف تفاعل معيّ. يجب ألا يتمحور الباحثون حول المتطلبات المحدودة لمنظمات العمل التطوعي، وخاصة تلك الأفكار التي تتمحور حول فكرة التقييم المستحوذة على المؤسسات العاملة في المجال كالمفوضية السامية للاجئين. فهذا النمط من البحوث يتمحور حول "فكرة تحقيق الفاعلية في برامج طوارئ ومساعدات اللاجئين"39. هذه الفكرة "الصغيرة " تصلح فقط لطموحات منظمة تطوعية أو مؤسسة عمل مهني، لكنها غير كافية لتلبية آمال أمّة تنحط كل يوم. فبحوث اللاجئين أولى ألّ تكون أسيرة هذا التوجه، ولذلك فإنّ فرضيات على شاكلة "التأثير السالب للاجئين في وفرة السلع وأسعارها" لا يجب أن ينشغل بها الباحثون. إذ يوجد تحديات تتعلق بالأمن القومي العربي والاستقرار والنمو الاقتصادي والتطورات في دول الجوار غير العربي ومعها، وتأثيرات النفط في تدفقات المهاجرين، وكيفية استيعاب المهاجرين في منظومة تنموية واجتماعية وسياسية شاملة ومتكاملة. كما أن هناك أسئلة متعلقة بالخصوبة والاتجاهات الثقافية ومعدلات الاندماج الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المحلي، وتأثيرات ذلك في المجتمع المحلي واللاجئين أنفسهم، وغير ذلك يُنتظر أن تُوجد لها إجابات.

العلاقة بين البحوث والسياسات

الطريقة التقليدية السائدة في العالم العربي في ما يتصل بصناعة السياسة العامة تعتمد على الرأيpolicy Opinion-based. وتساهم البحوث في إحداث الانتقال في صناعة السياسة من حالة الاعتماد على الرأي لحالة الاعتماد على الدليل policy Evidence-based. ويعني الدليل استخدام النتائج الصحيحة المختبرة والتي يمكن الاعتماد عليها40. ويعني ذلك أيضًا القدرة على توفير المنطقية للسياسة، وتقديم مقترحات بحلول وخيارات وبدائل41. وتنمو فكرة الدليل

  1. 40  Philip Davies, "What is Evidence Based Education," British Journal of Education Studies , vol. 47, no. 2 (Jun 1999), pp. 108 -121.
  2. 41  Siobhan Campbell Et al. (eds.), "Analysis for Policy: Evidence-based Policy in Practice", Government Social Research Unit. HM Treasury. UK. 2007. P.6.
  3. B.E. Harrell-Bond, Imposing Aid: Emergency Assistance to Refugees (Oxford: Oxford University Press, 1986), p. 375.
  4. 37 أحمد كراداوي، "حقوق اللاجئين في القوانين الدولية والقومية"، ورقة عمل، المؤتمر القومي للاجئين، الخرطوم 18 - 20 كانون الثاني / ديسمبر 1994، ص.1
  5. 38  Linda Kreitzer, "Reflections on Research among Liberian Refugees," Forced Migration Review , No. 8. Issued by Refugee Studies Center, University of Oxford. UK, p. 15.

جيًّدا عندما يتمّ تعزيز العلاقة المؤسسية في شكل تغذية راجعة Feed-back تتبدى في تحديد مطلوبات عملية شديدة الأهمية بالنسبة إلى منتج المعرفة إذ يجرى تحويلها إلى "مشكلات" بحثية. ذلك أنّه، وكما يقول كراو ويونق، أنّ الأبحاث تنتج المعارف، بينما تهدف السياسات إلى الاستمرارية أو إحداث التغيير42. إذًا، أهمية البحوث للسياسات مما لا خلاف حوله، حتى ذهبت بعض الدراسات إلي القول إنّ البحوث شرط لازم لجودة السياسات43. وقد لاحظ فرنسيس دينق أنّ مهمة الباحث الأساسية في إطار الهجرة القسرية هي الربط بين مصادر المعرفة من جهة ومستويات الاستفادة منها من جهة أخرى. وقال "يمكن الحصول على المعارف بالاتصال بمن يملكون المعرفة والمعلومات أو الذين تمكنهم أوضاعهم وظروفهم ليكونوا كذلك"، ثمّ استطرد....." متى ما تمّ توليد المعارف والحصول عليها تظهر الحاجة إلى نشرها بين من يحتاجون إليها إمّا في المجال الأكاديمي أو وسط صانعي السياسات والمخططين"44.

بحوث ظاهرة اللجوء وسياساتها: التجربة السودانية حالة تاريخية للنظر

البعد المؤسسي

صحيح أنّ سياسات اللاجئين تعبّ عنها رسميًّا معتمدية اللاجئين، إلّ أنّ ذلك لا يعنى بالضرورة تفرّد معتمدية اللاجئين بتصميمها على الرغم من كونها الجسم الرسمي المناط به التعبير عن السياسة الحكومية في هذا السياق، إذ توجد ثلاثة مستويات من الحكم تأثيرها مباشر، هي: رئاسة الجمهورية والبرلمان حيث التشريع، والمستوى الوزاري ونجد فيه معتمدية اللاجئين وهي تابعة لوزارة الداخلية. مستوى المحليات على الرغم من محدودية تأثيره في السياسات العامة، فإنّ غالب العمل التنفيذي له صلة به. وهناك التأثير الحزبي ويبرز من خلال المستويات الأخرى. ولأنّ المعتمدية جهة فنية متخصصة، فدورها أساسي في صنع السياسة وتصميمها، من حيث النصح وإبداء وجهة النظر الفنية في البرامج المقترحة. مع وجود تأثيرات من جهات أخرى كوزارة الخارجية، والتي بحكم طبيعة الظاهرة نفسها لها صلة ببرامج المعتمدية ومدى اتساقها مع السياسة الخارجية. وهذا يجعل من الأمم المتحدة ذات تأثير عميق في هذا الشأن، بحكم حاجة الدولة حينها لرضى المجتمع الدولي، مما يعمّق تأثير ذلك في السياسات، ومن ثمّ في اتجاهات البحث. ولكون معتمدية اللاجئين محورًا لتنفيذ سياسة الحكومة تجاه اللاجئين، فإنّ ذلك يتضمن تنفيذ بعض سياسات الوزارات الأخرى. فمثلً تنفذ برامج لوزارة الصحة تخص اللاجئين المتدفقين إلى داخل البلاد لاحتمالات حملهم أوبئة وأمراضًا تؤثّر في الصحة العامة. وهكذا، فمنح حق اللجوء قد يتأثّر بسياسات وزارة الصحة. وينطبق الأمر نفسه على باقي الوزارات. إلّ أنّ جميع هذه التأثيرات واقعة تحت سلطان المؤثّر الأكبر حينها "السعي لرضى المجتمع الدولي."

السياسات

ظلت سياسة الباب المفتوح هي سياسة السودان الرسمية تجاه اللاجئين، لأكثر من خمسين عامًا. وداومت جميع الأنظمة المتعاقبة على حكم السودان من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مرورًا بالنظم الليبرالية الديمقراطية على الالتزام بها45. فظلّ السماح بتدفقات اللاجئين وحمايتهم وتوفير المأوى والاحتياجات الأخرى بما في ذلك العلاج والتعليم والعمل سياسة ثابتة. وسمحت بالبقاء في

  1. Emma Crewe & John Young, "Bridging Research and Policy: Context, Evidence and Links", Overseas Development Institute, Working Paper 173, UK (September 2002) p. V.
  2. John Bourn, Modern Policy-Making: Ensuring Policies Deliver Value for Money , Report by the Comptroller and Auditor General, HC 289 Session 2001-2002, 1 November 2001(London: The Stationery Office, 2001), p. 1.
  3. Francis M. Deng, "Research Needs & Challenges on Internal Displacement. Internally Displaced Persons", Researching Internal Displacement, NTNU Trondheim 7 - 8 February 2003, p. 1.
  4. توجه سياسة الباب المفتوح policy door Open ثلاثة مبادئ أساسية هي: منح حق اللجوء عملية إنسانية سلمية لا تستعدى دولة، وتوطين اللاجئين بعيدًا عن الحدود الدولية حينما تفشل الحلول المستديمة الملائمة، وأخيرًا تشجيع العودة التطوعية على أن تتم بموافقة ورضاء اللاجئ نفسه.

المعسكرات أو بالتدفق نحو التجمعات الحضرية، من دون قيود مرتبطة بالسياسات عدا الإجراءات التنظيمية التي تطبقها المحافظات المختلفة. كان ذلك عبارة عن استجابة عاطفية تقليدية مُنصاعة لقيم وأعراف وتقاليد قبلية، ينظر بها المجتمع المحلي إلى الضيف والغريب، أكثر من كونها ناتجة عن إرادة وخطة قاصدة نظرت فأدركت، مثلً، عمق الخلل السكاني في بنية المجتمع أو أنّ ثمة حاجات للدولة يمكن توظيف التدفقات البشرية بما يسدها. قبل فترة حكم الإنقاذ كانت معتمدية اللاجئين تفتقر للسند السياسي من السلطات المركزية، وهو ما تمت معالجته بدليل السياسات الخاص باللاجئين، إذ أجازه مجلسا الثورة والوزراء في اجتماع مشترك في آب / أغسطس 1989، وتمّ اعتماده من السلطات العليا وأرسل إلى الأمم المتحدة ووكالاتها والمفوضة السامية للاجئين46. وعولجت بذلك الفجوة بين الجهاز السياسي والسلطة التنفيذية مُمثلة في معتمدية اللاجئين. وبما أنّ هذا الدليل يكاد يكون نسخة من برنامج عمل ومنهج ومطلوبات للمفوضية السامية للاجئين UNHCRفلسنا معنيين به، إذ نبحث عما لم يفعله مصمم السياسات، وليس عما فعله. ذلك لأنّ عقدة البحث هي ما لم يؤبه له ولم يُهتم به. ونستطيع الجزم بأنّ السياسات الحكومية كانت مُلتزمة تمامًا في ما يتصل بظاهرة تدفقات اللاجئين بفلسفة النظام الأممي أكثر من أيديولوجيتها. فقد كانت المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة UNHCR تشارك مباشرة في أغلبية أنشطة معتمدية اللاجئين. وكثمن لهذا الالتزام، وجد السودان التقدير المستمر، وتلقى دعوات المشاركة على أعلى المستوى في كل الأنشطة الأممية والدولية. تقوم عملية منح اللجوء على توافر عنصري الإسماع وإبلاغ اللاجئ مأمنه. غياب عنصر تمكين اللاجئ "المستجير" من سماع كلمة الله يعني اختلال الجزء الجوهري من النسق الذي تقوم عليه هذه الفلسفة، وهو ما يفترض أنه جزء حيوي من فلسفة الإجارة بالنسبة إلى الدولة. حتى إذا ذهبنا نتفحص بنيتها التنظيمية ومهمات الوحدات المكونة لهذه البنية، لا نجد شيئًا من هذا. إذ أنها من يفترض بحكم الاختصاص، والتباين اللغوي والديني للاجئين، أن توفر رسالة مخصوصة، من دونها ينتفي حدوث الإسماع. ومعضلة مصمم السياسة مصدرها التوفيق بين التزامه مطلوبات المجتمع والاتفاقيات الدولية.

البحوث

كأي جسم تنفيذي في العالم العربي، تُتخذ القرارات في معتمدية اللاجئين بالطريقة التقليدية اعتمادًا على التراتبية الوظيفية التي ينظمها الهيكل التنظيمي للمعتمدية. وهكذا، يصعب القول بوجود جسم تنظيمي مهمته إنتاج المعرفة وسيناريوهات يتكأ عليها. هيكليًا، توجد إدارة بمسمّى "الإحصاء والمكتبة والبحوث"، إلّ أنه واقعًا لا تتجاوز وظيفتها الأرشيف إلّ قليلً، وبالنتيجة ما تقوم به لا يتفق ومهمتها المفترضة. في فترة التسعينيات، أسست معتمدية اللاجئين نظامًا للمؤتمرات الدورية، تعرض فيه أوراقًا وبحوثًا، لم يعول البحث عليه لعددها، ثلاثة فقط طوال الفترة من عام 1990 وحتى 2000 لم تباشر معتمدية اللاجئين صلة مؤسسية فعلية بالحقل الأكاديمي إلّ عام 1995، بُعيد تأسيس معهد دراسات الكوارث واللاجئين، فقد ظهر أول اهتمام مؤسسي من هذا النوع. وهو اهتمام لم يتجاوز تمويل خمسة منح سنويًا لموظفي المعتمدية للحصول على درجة علمية عليا في مجال اللاجئين. وهذا نفسه في إطار المحاصصة بين المعهد ومفوضية اللاجئين، ومن دون أجندة بحثية مسبقة. فالأمر هدفه التطوير المهني الفردي ولا علاقة له بالسياسات الكلية أو إنتاج معرفة خادمة لها.

تحليل البيانات والنتائج

تحليل البيانات ومناقشتها

تُغطى الجداول 1(، 2، 3، 5،)6 الفترة بين عامي 1974 و 1994، بينما يغطي الجدولان 4(و)7 الفترة من 1994 إلى 2010، يعرض الجدول)6(الموضوعات التي تمّ التركيز عليها في الفترة المذكورة، من خلال تقارير أنتجتها جهات مختلفة مثل المنظمات. الجدول)7(شديد الأهمية على الرغم من تركيزه على مستوى الماجستير فقط لكن يعرضه في إطار مقارن. فهو لا يقارن الفترتين في الموضوعات المتخصصة باللاجئين فقط، بل يشمل أيضًا موضوعات الهجرة القسرية الداخلية. ومن ثم يُ كِّن من ملاحظة تأثير الاهتمام بالخارج على حساب الداخل، في اتجاهات ترتيب الأولوية البحثية لدى منتجي المعرفة. كانت جملة البحوث ذات الصلة المباشرة بالبحث للفترة الأولى 425 منتجًا، نسبة 24.7 % فقط بحوث جامعية. بينما بلغ عدد بحوث الهجرة القسرية للفترة الثانية في الجامعات المستهدفة 109 بحثًا، جميعها منتجات جامعية، 71 % منها رسائل ماجستير ونسبة 26 % منها دبلوم عال و 3 % فقط رسائل دكتوراه، لاحظ جدول)1(. نسبة 59 % رسالة منها أنتجت في معهد الكوارث واللاجئين. مع ملاحظة أنّ هناك تركيزًا عاليًا على البحوث التي تعالج قضية ما يعرف بالمناطق المتأثّرة بوجود اللاجئين، وهي في الغالب بحوث أكثر ارتباطًا بالأبعاد البيئية.

  1. إسماعيل إبراهيم ومحمد أحمد حسين عبد العليم، "معتمدية اللاجئين وتجربة اللجوء"، ورقة عمل قدمت في المؤتمر القومي للاجئين، الخرطوم، 18 - 20 كانون الثاني/ ديسمبر 1994، ص.2 جدول 1(:) بيانات بحوث ودراسات اللاجئين للحاويات الأكاديمية للفترة (1974 - 1994) المصدر: من إعداد الباحث جدول 5(:)حاويات - شهادات جامعية 1974-()1994 المصدر: من إعداد الباحث
الجملةدكتوراهماجستيربكالوريوسدبلوممستوى المنتج المعرفي
موضوع البحث
%عدد
14.871411اللجوء عمومي (أطفال/ إعلام/ تغذية...إلخ)
4.220011أسباب اللجوء ودوافعه
4.221010الحلول الدولية
6.330210التنمية
1780215المساعدات الدولية
4.221001سياسات اللجوء
4.220110اللجوء والجندر
27.6130454آثار اللجوء /المناطق المتأثرة باللجوء
12.760042خدمات اللاجئين (صحة/تعليم/..إلخ
2.110010أنثربولوجي اللاجئين
2.110010اللاجئون السودانيون
100473131516الجملة
الجملةأخرىنازحينلاجئينالمجال
المستوى
رمقم
النسبة %العددالنسبة %العددالنسبة %العددالنسبة %العدد
%2.83%00% 00% 63الدكتوراه1
%18.119% 11.72% 5.22% 3015ماجستير2
% 12.313% 17.63%5.22% 168دبلوم عال3
% 38.140% 41.17%5019% 2814بكالوريوس4
% 28.530% 29.45% 39.415% 2010دبلوم 3 سنوات5
% 100105% 10017% 10038% 10050الجملة
الجملةالذوبان املثاقفة اإلدماجالتغري االجتامعياإلسامع (تحوالت املفاهيم /
األفكار االتجاهات / القيم)
الالجئني السودانينيأسباب ودوافع اللجوءاألمنأنرثبولوجي الالجئنيخدمات الالجئنياثار اللجوءاللجوء والجندرسياسات اللجوءاملساعدات الدوليةالحامية وقوانني اللجوءالتنميةالحلول الدوليةاللجوء عموميالموضوع
الحاوية
500000102641110012310تقرير
150000001201021332ورقة بحثية
250000000501371215ورقة عمل
2800011105342524721أخرى
145000111318776244211438الجملة
%100% 0% 0% 0% 0.6% 0.6% 0.6% 2% 12% 4.8% 4.8%4.1%16.5%2.7%14.4%9.626.2%النسبة

مصدر البيانات في الجداول 1(، 2، 3، 5،)6 هو الكتاب الذي ذكر سابقًا حيث توجد عناوين البحوث متناثرة تمّ تجميعها وتنظيمها في جداول إحصائية بيانية. بينما اعتمد البحث على العمل الميداني للفترة بين عامي 1994 و 2010. إذ غطى البحث ست جامعات، ذكرت سابقًا. نلاحظ في الفترة الأولى وجود تنوع كبير في أنواع الحاويات المعرفية وإن غاب الاهتمام بقضايا مثل الذوبان والمثاقفة والتغير في الاتجاهات والقيم، وأنّ القضايا البحثية وتركز الاهتمام بقضايا خدمات اللاجئين: الصحة والتعليم والتوظيف، وأسباب ودوافع اللجوء (جدول))2(. ويبُرز ذلك البعد الدعائي للأجندة البحثية. إذ نجد أنّ موضوعي التنمية والمساعدات الدولية حازا ثلث البحوث، أكثر من 30 % من المنتجات المعرفية (جدول))2(. وذلك مفيد في جذب وجلب المزيد من التمويل. ومن حيث الموضوعات والقضايا يلاحظ أن البحوث التي انتجت في معهد دراسات اللاجئين موزعة بصفة شبه متساوية بين جميع قضايا اللاجئين، وهو الأمر الذي عنى أنّ عدد البحوث في قضية كاد ألّ يزيد على واحد عن ثلاثة بحوث. إذ غطت الموضوعات في كلتا الفترتين نفس القضايا تقريبًا، باستثناء محدود في ثلاث قضايا، ما يعني أنّ الأجندة البحثية للفترة الأولى قد حكمت الاهتمامات والأجندة البحثية للفترة الثانية. حدث تغاير بين الفترتين في موضوعات مثل أنثروبولوجي اللاجئين والمنظمات الدولية والتطوعية وقوانين اللجوء وقضايا الأمن القومي واللاجئين السودانيين. وجميعها، باستثناء أنثروبولوجي اللاجئين، لم تكن جزءًا من الأجندة البحثية للفترة الأولى. فلم يجر تناولها، وذلك عكس الفترة الثانية فقد وجدت اهتمامًا من الباحثين، وربما ذلك ناتج من تنامي تفاعل إيجابي بين مجتمع الباحثين وصانعي السياسات. ونتبين بسهولة الغياب التام للبحوث ذات الصلة بموضوع السماع ونواتجه من تغير اجتماعي وغير ذلك من موضوعات. اختلف حجم المادة البحثية المنتجة وعددها بين الفترتين اللتين يستهدفهما البحث، فقد تباينا من حيث نوع الحاوية وطبيعتها كثيرًا. فعدد البحوث التي أنتجت في الفترة الأولى أكبر عددًا وأكثر كثافةً وتنوعًا. ومن مبررات ذلك تأثير الفاعلين الدوليين في سياق الظاهرة في الفترة الأولى. فقد كان للمانحين من دول وفاعلين دون الدول اليد الطولى بحكم حجم المساعدات التي كانت تقدم للاجئين والدول المستقبلة لهم. وهكذا، نستطيع أن نربط بسهولة بين حجم الإنتاج البحثي والمعرفي عامة ومحتوى المنتج البحثي ونوع الحاوية

الجملةأخرىنازحينلاجئينالمجال
نوع الحاوية
رقم
النسبةالعددالنسبة%العددالنسبة%العددالنسبة%العدد
% 28.491% 21.522% 3417% 3152تقارير1
% 24.378% 8.89% 4824% 2745أوراق عمل2
% 47.1151% 69711859% 42.271أخرى3
% 100320% 100102% 10050% 100168الجملة

نفسه يبرز هذه المسالة، بحكم أنّ معظم الإنتاج المعرفي المنشور وغير المنشور كان مرتبطًا باهتمامات المانحين الدوليين كمنظمات الأمم المتحدة47. لم تتجاوز البحوث التي يمنح على أساسها درجة جامعية 24 % من جملة الإنتاج البحثي البالغة 425 عملً (جدول))3(. وحتى هذه نفسها يصعب إثبات أنها جميعها تعبّ عن اهتمامات الطلاب أو الجامعات. لأنه كان من الشائع تمويل بعض المانحين الدوليين للخدمات التعليمية والمنح الدراسية للاجئين قبل إيقافه في التسعينيات48. من دلالات الجدول)7(نلاحظ بسهولة أنّ موضوع المناطق المتأثرة باللاجئين RAA استأثر لوحده بأكثر من 25 % من بحوث الماجستير، لم تمثّل بحوث الفترة الأولى منها سوى 28 % فقط. كما نلاحظ أنّ الاهتمام بالبنية العرقية للاجئين جاء متأخرا جدًّا، فلم يظهر ذلك إلّ في الفترة الثانية، ولم يتجاوز الاهتمام به 1.7 % من جملة بحوث الماجستير على الرغم من ارتباط ذلك بالحركات المسلحة. تكاد بحوث اللاجئين والنزوح تتقاسم بحوث الهجرة القسرية الجامعية في مستوى الماجستير. والمثير للاهتمام أنّ كلتا الفترتين لم توليا موضوعات التغير الاجتماعي والتحولات في القيم والاتجاهات والميول فضلً عن قضايا المثاقفة والاستيعاب أدنى اهتمام (الجدول))7(. والدلالة المهمة هنا أنّ تأثير التطابق في البرامج والسياسات العامة بين معتمدية اللاجئين والمفوضية السامية للاجئين ممثلة الأمم المتحدة هو العامل المؤثّر في ذلك. وهو ما لا يفترض أن يكون كذلك. كما أنه في نهاية الأمر لم يقِ المجتمعات الحدودية من عدوان حركات اللاجئين عندما تمكنت من الحكم في بلدانها. ومقارنة بالفترة الأولى نلاحظ أنّ حجم المُنتج المعرفي في الفترة الثانية انخفض كثيرًا، فهو لم يتجاوز 23.5 % من جملة المنتج المعرفي لكلتا الفترتين (جدول))7(. ويرجع ذلك لعاملين، الأول الانحدار الكبير في حجم الانغماس الدولي في الشأن الداخلي، على الرغم من أنّ قضية اللاجئين في الأصل وثيقة الارتباط بالخارج وفق اتفاقيات الأمم المتحدة والمفوضية السامية للاجئين. إذ تناقص اهتمام المانحين بتمويل خدمات اللاجئين وأنشطتهم في السودان، مما انعكس مباشرة على الاهتمام بالظاهرة، ومن ثمّ توثيق تطوراتها والكتابة عنها. ثانيًا، ونتيجة للتغيير السياسي الذي حدث في كل من أثيوبيا وتشاد، انخفضت أعداد اللاجئين بصفة دراماتيكية وسريعة في السودان بسبب العودة التطوعية لهؤلاء. وهكذا، انخفضت المادة المعرفية حولهم بسبب انحسار الاهتمام بقضيتهم. نلاحظ تناقص الاهتمام بالقوانين المنظمة لوجود اللاجئين وحركتهم، إذ لم يتجاوز 2 % إلا قليلً، وذلك لوجود نظم قانونية راسخة تعالج ذلك. وهذا وثيق الصلة بالاندماج المحلي، ويجب أن يقرأ في ظل غياب قوانين منظمة لحركة اللاجئين ووجودهم في عدد من الدول المستقبلة لهم اليوم: تركيا والعراق. كما يمكن أن يُعزى غياب الاهتمام بقضية اللاجئين السودانيين في الفترة الأولى، لمحدودية أعدادهم، ولأنه بحكم التنظيم الدولي لا يعد جزءًا من الأجندة البحثية القطرية بالنسبة إلى الدولة التي توجد بها الجهات المانحة. وكان ما وجدته من اهتمام في الفترة الثانية على المستوى المحلي دواعيه متعددة مثل ارتفاع

  1. يقصد بالحاوية طبيعة المنتج المعرفي من حيث كونه تقريرًا أو بحثًا منشورًا أو بحثًا جامعيًا...إلخ. لم يكن المانحون الدوليون مهتمين ببحوث الجامعات لأنها تأخذ وقتا طويل، وطبيعة الظاهرة أنها شديدة التغير والتحرك.
  2. تحتم علي طبيعة عملي مستشارًا للتعليم العام، حتى بداية التسعينيات، بمعتمدية اللاجئين أن أكون على صلة بذلك. جدول 3(:) حاويات غير أكاديمية 1974-()1994 المصدر: من إعداد الباحث

الوعي بقضايا اللجوء وآثارها، ولتنامي تأثيرهم في الشأن الداخلي. إذ تناولت أربعة بحوث بصفة مباشرة اللاجئين السودانيين في أوغندا ودول الجوار الأخرى. بينما تناول بحث آخر اللاجئين بصفة عامة في كينيا والذين من بينهم اللاجئون السودانيون. واكب ذلك اهتمام بالظاهرة في عدد من الدول الأفريقية والعربية على الرغم من أنه لا صلة مباشرة لها بالشأن المحلي، وهو تطور يُحمد لهذه الجامعات. مثّلت بحوث الأمن القومي 14.2 % من جملة بحوث الماجستير، ومصدر التنامي هذا عوامل منها الصراعات التي حدثت في ما بين تنظيمات اللاجئين من جهة، وبينها وحكومات الدول التي تنتمي إليها من جهة أخرى، وما رشح من آثار مباشرة على الأمن الوطني جذبت الاهتمام بها. رفع دخول الحكومة في صراعات فيما بعد مع المنظمات الدولية الاهتمام بالبحوث حولها من صفر % في الفترة الأولى إلى 14 % من جملة بحوث الماجستير في الفترة الثانية. وهنا تبعت البحوث السياسات لا العكس. وربما ذلك بسبب الدور المتنامي الذي أخذت تقوم به المنظمات الدولية بصفتها فاعلً سياسيًا دوليًا وإقليميًا، ما غير كثيرًا من النظر إليها واتجاهات الاهتمام بأنشطتها وحتى فعلها السياسي على المستوى المحلي. فإذا أخذنا نموذج التقرير البحثي كأحد المنتجات المعرفية في الفترة الأولى نلاحظ أن 24 % فقط من الموضوعات والقضايا التي تمّ تناولها عن التنمية، ويشمل ذلك قضايا مثل إسكان اللاجئين وإدرار الدخل وكلاهما من أركان الإدماج المحلي، وهو أحد الحلول الثلاثة الدولية والمتفق عليها دوليًا لمشكلة اللاجئين، وهو الحل المرفوض من الحكومة السودانية (جدول))6(. لم يكن الاهتمام بموضوع التنمية ذا بال في أولويات المانحين، إذ نلاحظ ضآلة الفرق بين الاثنين49. بينما وجدت قضايا أخرى مثل البيئة والآثار الناتجة عن تدفقات اللاجئين والتنمية والخدمات والمساعدات الدولية والعودة الطوعية والنوع اهتمامًا محدودًا (جدول))7-4(، نجد بالنسبة إلى مجمل الإنتاج المعرفي في الفترة الثانية غياب الخطاب نحو الآخر من منظور اللغة، فباستثناء بحث واحد باللغة الإنكليزية، أعدت البحوث كلها باللغة العربية50، على الرغم من أنّ ظاهرة اللاجئين ارتباطها وثيق بالبعد الدولي، وكان حريًّا بأن يكون هناك عدد من البحوث بلغة أجنبية واحدة على الأقل الإنكليزية بحيث تعرض الرؤية الوطنية والقومية ومطلوباتها. ذلك أنّ كثيرًا ما حدث تعارض بين الالتزامات والتعهدات الدولية obligation Mandatory والواقع المحلي، ومن ذلك رفض المفوضية السامية للاجئين. نظريًا، يفترض وجود أجندة بحثية، مرتبة وفق أولويات مُحددة مسبقًا لتلبي حاجات صانع السياسة ومتخذ القرار. ومن ثمّ، لا تخرج المشكلات البحثية عما يرغب متخذ القرار وصانع السياسة فيه. فإذا لم تحدد السلطة التنفيذية لنفسها مطلوبات وأولويات بحثية، لا يتوقع أن تلبي البحوث حاجات السياسات إلّ من خلال المبادرة الفردية، والتي هي بالضرورة غير منظمة. وهذه نفسها ربما تعتمد بصفة جوهرية على ما يفترض الباحث أنه "مشكلة." وعلى هذا النسق كانت أغلبية البحوث التي وجدت خلال المسح الميداني. ونلاحظ أنّ أكثر من 27 % من البحوث التي عالجت الفترة الأولى كانت عن أثآر اللجوء والمناطق المتأثرة باللاجئين، تلاها بحوث تناولت قضايا عمومية مثل أطفال اللاجئين وتعليمهم وتغذية اللاجئين....إلخ. بينما قبعت البحوث المهتمة بالتنمية في المرتبة الثالثة وذلك بنسبة 12.7 %. وذلك على العكس من البحوث التي اهتمت بالمساعدات الدولية التي فاقت ثلث البحوث، 34 % (جدول))1(، وهذا منطقي جدًا ويتسق تمامًا مع هذه الفترة. هذا بالنسبة إلى الإنتاج المعرفي على مستوى الأبحاث المتقدمة التي يمنح على أساسها درجات علمية عليا. أما بالنسبة إلى البحوث في الحاويات غير الأكاديمية فنجد المشكلات البحثية عن قضايا اللاجئين العمومية مثل الصحة والتغذية والأطفال وغيرها فقد نالت 26.2 % من البحوث وإذا جمعنا لها البحوث حول خدمات اللاجئين فنجد أن الجملة تصل إلى ما يزيد عن الثلث (جدول.))2(كما يلاحظ تدني الاهتمام باللاجئين الإثيوبيين والتشاديين. بل حتى اللاجئين الإرتريين لم يزد عدد البحوث التي تناولتهم عن أربعة. وهذه مؤشرات ذات دلالة، ومن أهم دلالاتها ليس غيابهم عن بيئة الظاهرة ولكن تغير منطلق النظر إليهم، فلم يعودوا مصدر اهتمام، وذلك بسبب عودتهم الكثيفة لبلادهم (جدول)4. ويتبين ذلك بوضوح إذا ما تمت مقارنة هذه البيانات ببيانات بحوث اللاجئين للفترة ما قبل.1995 الملاحظة الأساسية هنا أنّ مشكلة بحثية مثل الاندماج المحلي لبلد يعاني من خلل سكاني واضح51، بل ويعد أحد مصادر مشاكله الاقتصادية، لم يجد سوى ثلاثة بحوث فقط من بين بحوث الحلول بل إنّ الحلين الآخرين، العودة الطوعية الدولية. Voluntary repatriation وإعادة التوطين Resettlement، لا تمثل جميعها

  1. أدبيات التنمية غنية بالأدبيات التي تعالج هذا الموضوع.
  2. The Status of African Refugees in International Law: عنوانه هو 50
  3. ظل هناك إجماع صامت بين قياديي المعتمدية، على تبايناتهم خلف من بعد خلف، رافض لتطبيق مبدأ الاندماج المحلي للاجئين على الرغم من الترحيب بوجودهم، مع أن السودان نفسه بصفته دولة إنما نتاج هجرات بشرية عربية وزنجية في آن واحد، ولا أدري هل الإحجام عن تناول هذا الموضوع هو من باب تسرب هذا الإجماع لمجتمع الباحثين أم عدم اكتراث؟ * لم يتم تضمين وجمع المعلومات الخاصة بالبحوث عن النزوح ضمن العدد الكلي للبحوث. ** بحوث النزوح لم تجمع مع باقي البحوث وتركت هكذا حتى لا تخل بالمقارنة.
الجملةبأحوث الفترة الثانية 1998- 2010بحوث الفترة
الأولى
1998-1974
موضوع البحثرقم
%العدد)**(الجامعات الأخرىمعهد دراسات
اللاجئين
نزوح)*(لجوء
% 7.146004اللجوء عمومي (أطفال/ إعلام/ تغذية...إلخ)
% 001000أسباب ودوافع اللجوء/نزوح
% 12.572250الحلول الدولية (تتضمن بحوث عمومية)
% 10.762402التنمية (تتضمن بحوثًا عمومية)
% 5.330012المساعدات الدولية
% 000000سياسات اللجوء/نزوح
% 5.333111الجندر اللجوء/ نزوح
% 251412374الآثار/المناطق المتأثرة باللجوء/بالنزوح
% 3.502000الخدمات(عمومي: صحة/تعليم/..الخ لجوء/
نزوح
% 1.701000أنثروبولوجي اللاجئين/ النازحين
% 5.330030اناللاجئون السودانيون
% 5.330120الحماية وقوانين اللجوء (عمومي: حقوق
اللاجئين)
% 10.763510المنظمات الدولية والطوعية
% 14.283620الأمن والأمن القومي
% 000000ااميااإلذوبان/الإدماج/المثاقفة/ الاستيعاب
% 000000الإسماع (تحولات في المفاهيم/ الاتجاهات/
القيم/ الأفكار)
% 003000التغير الاجتماعي والتحولات المجتمعية
% 001000التأثير والآثار الاجتماعية
% 1005639212213الجـــمــلـــــــــــــــــــــــة

سوى 4.2 % في المنتج المعرفي المتقدم، و 6 % في الحاويات البحثية غير الأكاديمية. فالتركيز الأساسي على العودة التطوعية ولا يوجد سوى بحث واحد فقط عن إعادة التوطين وهو ورقة عمل إضافة إلى بحث منشور في مجلة أكاديمية52. وأهم دلالة هنا أن المستقبل لم يكن بحال جزءًا من تفكير مُنتجي المعرفة. على أنه لحسن الحظ حدث تحسن طفيف في المرحلة الثانية وصلت بحوث الدبلوم العالي والماجستير إلى 11 بحثًا في معهد دراسات الكوارث واللاجئين. ما الذي يفترض أن نتوقعه من مشكلات أو مفردات بحثية لموضوع السماع، بصفته أجندة بحثية مهتمة بعنصر مفترض للسياسات؟ يمكن توقع الكثير من العناوين. فمثلً يُتوقع موضوعات تعالج حجم مساهمة المجتمعات المحلية في استضافة اللاجئين وعلاقتها بتغير الاتجاهات. كما يتوقع التفصيل في قضايا ذات صلة بتحمل المجتمعات المحلية لجزء مهم من العبء الدولي على حساب تنميتها.

  1. إلى اليوم لا يوجد سوى عملين أكاديميين منشورين عن برامج إعادة التوطين وبالتالي مسألة "إبلاغ اللاجئ مأمنه وهو الجزء الثاني من آية الإجارة غائب. جدول 7(:) مقارنة بين الموضوعات البحثية للفترتين - نموذج لمستوى الماجستير المصدر: من إعداد الباحث جدول 6(:)بيانات بحوث اللاجئين - الحاويات غير الجامعية-نموذج التقرير مقارنة بغيره من الحاويات 1974(–)1994 المصدر: من إعداد الباحث جدول 4(:) بحوث اللاجئين بمعهد دراسات الكوارث واللاجئين 1995-()2010 المصدر: من إعداد الباحث
الجملةالذوبان املثاقفة االدماجاإلسامع (تحوالت يف املفاهيم /
االتجاهات / القيم / االفكار)
التغري االجتامعياسباب ودوافع اللجوءأنرثوبولوجي الالجئنيخدمات الالجئنياثار اللجوءاللجوء والجندرسياسات اللجوءاملساعدات الدوليةالحامية وقوانني اللجوءالتنميةالحلول الدوليةاللجوء عموميموضوع البحث
5000012641110012310تقرير
% 100% 0% 0% 0% 2% 4% 12% 8% 2% 2% 20% 0% 24% 6% 20
%الجملةماجستيردبلوم عاليموضوع المنتج المعرفي موضوع البحث
% 251156الحلول الدولية
% 9413المنظمات الدولية والطوعية
% 6.7303التنمية وتنمية المجتمع
% 11.3523حماية اللاجئين / قوانين اللجوء
% 2.2110المساعدات الدولية
% 2.2110اللجوء والنوع / الجندر
% 15.9770آثار اللجوء
% 6.8303خدمات اللاجئين
% 11.3523الأمن
% 9431اللاجئين السودانيين
% 0000الذوبان / الإدماج / المثاقفة / الاستيعاب
% 0000الإسماع (تحولات في المفاهيم / الاتجاهات / القيم / الأفكار)
% 0000التغير الاجتماعي والتحولات المجتمعية
% 0000التأثير والأثار الاجتماعية
10044220الجملة

يتوقع أن تعالج مسائل لها علاقة بالاندماج المحلي ملء فراغات تتصل بخلل في البنية السكانية والموارد البشرية وسياسات محددة في هذا السياق. يُتوقع وجود بحوث تتناول ما الذي يحدث للاجئي، وماذا يمكن أن يفيد بلد اللجوء بعد مغادرته له بعد سنوات مديدة قضاها فيه، إمّا لدولة الأصل أو لبلد اللجوء الثاني في ما يعرف ببرامج إعادة التوطين. حتى الموضوعات الخاصة بسياسات اللجوء لم تتجاوز حصتها من الحاويات الأكاديمية 4.2 % ونسبة 4.1 % من الحاويات غير الأكاديمية في الفترة الأولى. على الرغم من أنه ظهر اهتمام أكبر بظاهرة اللجوء، من حيث حجم المنتج المعرفي بصفته أحد مكونات الهجرة القسرية، فإنه حدث تحول إن لم نقل انقلاب لمصلحة الهجرة القسرية الداخلية (النزوح)، إذ يظهر هذا التحول عند مقارنة عدد الإنتاج البحثي بين الفترتين. ويرجع ذلك لسببين، الأول: تنامي اتجاه إعلاء الهمّ الداخلي على الخارجي، وهذا يظهر حدوث نوع من المعادلة بين الموضوعين على الرغم من عمق الصلة بينهما. أمّا الثاني فناتج من الأول، وهو أن الاهتمام باللاجئين لم يدر من حيث السياسات جيًّدًا، فساهم هذا في تطورات إقليميه انعكست آثارها على الولايات الحدودية في حالة من عدم الاستقرار السياسي - الأمني، نتج عنها تنامي الهجرة القسرية الداخلية، وهذا من دلالة الصلة بين الاثنين. فنحن نلاحظ علاقة طردية واضحة بين تنامي مهددات الأمن القومي وانخفاض معدلات البحوث ذات الصلة بالموضوع وارتفاع معدلات هذه البحوث في الفترة الثانية، لتصل إلى ما نسبته 14 % من جملة بحوث الماجستير أي ارتفعت أربعة أضعاف الفترة الأولى (جدول))7(. وشبيه بهذا البحوث حول المنظمات الدولية التي لم تحظ بأي اهتمام، بينما شكّلت أكثر من 10 % جملة بحوث الماجستير عند المقارنة بين الفترتين (جدول.))7(وواضح أنّ اهتمامات الباحثين في الفترة الثانية تركزت حول ثلاثة موضوعات، هي الحلول الدولية وأثآر اللجوء والأمن. ذلك أننا نجد نسبة تزيد على 50 % من البحوث، في معهد متخصص كمعهد دراسات اللاجئين، كانت حول هذه الموضوعات، وهو ما يثبت أنّ اللاجئين أصبحوا مصدر قلق وتوتر حتى لدى منتجي المعرفة. على أنّ هذا له ارتباط بالتغيرات التي حدثت في البيئة الداخلية والتغير في توجهات النخبة.

النتائج

تؤثّر اهتمامات المانحين مباشرة في الإنتاج البحثي والمعرفي عامة ذي الصلة بظاهرة اللجوء، وذلك من حيث وضع الأجندة البحثية وتحديد الموضوعات والمشكلات البحثية وترتيبها من حيث درجة الأهمية، وذلك بمقدار ما تقدمه من مساعدات. ينعكس الخلل في الرؤية والتصور للظاهرة، والذي يصاحب السياسات على اتجاهات استجابة البحوث بصفة عامة، إذ تتبع الدولة رؤية تقليدية مصلحية للظاهرة في غياب استصحابها للأعراف والقيم المحلية المحفزة للفعل القاعدي في استجابته لتدفقات اللاجئين. فبينما كانت استجابة المجتمعات المحلية "طبيعية" متسقة مع قيمها، كانت استجابة منتجي المعرفة ومصممي السياسة متماهية مع العرف الدولي في الاستجابة لتدفقات اللاجئين. حيث، مثلً، نُظر للاجئين دومًا إمّا كونهم مصدرًا للمهددات الأمنية أو عبئًا اقتصاديًا أو عاملً للتردي الاجتماعي أو مستهلكًا للموارد والخدمات. يصعب القول إنّ الحكومة على المستوى الداخلي كانت تملك رؤية معيّنة حكمت طبيعة الإنتاج المعرفي حول الظاهرة ونوعه واتجاهاته. وهذا يمكن ملاحظته بصورة أكثر تحديدًا خلال الفترة الأولى منذ السبعينيات وحتى بداية التسعينيات. ما سبق يقود إلى نتيجة مهمّة مفادها ضعف الصلة بين مجتمعي الإنتاج المعرفي من علماء وباحثين وطلاب ومجتمع النخبة السياسية من متخذي القرار وممارسين. وهذا شديد الارتباط بعدم الاتساق أو عدم التوافق بين الفعل الاجتماعي والفعل المؤسسي الرسمي والمنتج المعرفي. وهذا بدوره مرتبط بعدم الاتساق مع عادات المجتمع وأعرافه وقيمه. يبين البحث أنّ روح المبادرة والاهتمام الفردي والقاعدي من الباحثين هي ما يوجه اتجاهات الإنتاج المعرفي حول الظاهرة لا الأجندة البحثية المؤسسية. وهكذا، تنعدم الصلة العضوية بين طرفي العلاقة بصفة تبيّ مهمة كل طرف ودوره. وهذا ما يثير التساؤل حول كيفية اختيار الباحثين الموضوعات والمشكلات البحثية ذات الصلة، أيساهم في ذلك المشرفون أم عمادة البحث العلمي؟ ألا يمكن أن تكون المعتمدية طرفًا في هذه المسألة؟ من الواضح أنّ تدفقات اللاجئين بمقدورها توفير سياق وبيئة ملائمين لإحداث تغييرات عميقة بنيوية الطابع، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بل وأمنيًا وعسكريًا. إذ توفر البنية البشرية للاجئين، المقتدرة، في حالة خروجها عن موئلها التقليدي ووجودها في موئل جديد، من السياقات ما يكفل إحداث ما ذكر أعلاه. بينما يمكن توفير العديد من التفسيرات لسلوكيات الفاعلين الدوليين والتنبؤ باتجاهاتها، فإنّ الوجود المادي للاجئين يمكنه أن يحدد الأمر الواقع. أنه نظريًا يمكن القول إنّ العلاقة بين البحث والسياسات والباحث وصانع السياسة هي علاقة تبادلية. فبينما يقود ويحرك البحث السياسة أحيانًا يأتي الدور على البحث ليتبع متطلبات السياسة، على

أنه في الواقع قلمً يحدث هذا، على الرغم من أنّ الباحثين في الأصل منتجو معرفة وأفكار. وعلى الرغم من أنّ أوجه الخلل في هذه السياسة كثيرة، فإنها استمرت حتى وقت قريب عندما ظهرت توجهات جديدة نتاجًا لتطورات إقليمية مرتبطة بدول الجوار53. يمكن ملاحظة تأثير الاهتمام بالخارج في حساب الداخل في اتجاهات ترتيب الأولوية البحثية لدى منتجي المعرفة. وهذا يدلل على أنّ تأثير المانحين يحتاج لفترة أطول حتى يزول، كما قد يعني أيضًا أن الاهتمامات ربما تكون متشابهة بين المهتمين من الباحثين لكلتا الفترتين. مع ملاحظة أنّ المانحين في الفترة الأولى تأثيرهم كان مباشرًا مثلما لاحظنا من قبل عن طريق تمويل بعض الموضوعات البحثية، وهو ما غاب في الفترة الثانية. ربما يثير هذا سؤالً حول مبررات غيابهم في المرحلة الثانية، هل كان ذلك لأنّ المعتمدية متسقة في أدائها مع مطلوبات المفوضية السامية فنابت عنها أم لأسباب أخرى؟

تحديات واجهت البحث

واجه المسح في بعض الجامعات صعوبات تتعلق إمّا بوجود عناوين في السجل العام وعدم وجودها ماديًّا في أرفف المكتبة، أو تتعلق بسوء الحفظ للرسائل ممّ عرض بعضها للتلف، أو الاختفاء، أو أنها غير موجودة لأسباب قد تتعلق بعدم تسليمها للمكتبة، أو أنّ أحد المستخدمين لم يعدها. وبالنتيجة ما زال المسح يفتقر إلى الشمولية والإحاطة. ينبغي الإشارة إلى أنّ هناك عددًا كبيرًا من البحوث مما يمكن تصنيفه ضمن بحوث الظاهرة، إلا أنه ليس مرتبطًا بها مباشرةً، ذلك أنّ عنوان المنتج لا يتضمن إحدى مفردات كلمة اللجوء. وهو في صورة تقارير أو أوراق عمل أو مقترحات برامج، إذ يتمحور حول قضايا الكوارث أو البيئة أو الجفاف أو النزاعات أو الأمن الغذائي. وهي موضوعات جميعها ذات ارتباط ما بموضوع اللاجئين أو ظاهرة اللجوء. هذه الموضوعات لم يتضمنها هذا التحليل لكثرتها وصعوبة تصنيفها، كما أنها من جهة أخرى تزيد من حجم البحث.

الخاتمة

نواجه في العالم العربي تحديات جسامًا تتعلق بالنهضة، بل تكاد تكون تحديات متعلقة بالبقاء على وجه البسيطة من حيث نحن كينونات ذات سيادة وخصوصية سياسية وثقافية. لا تتعلق تدفقات اللاجئين فقط بالمهددات السياسية التي يمكن أن تواجهها الدول. ولكنّها يمكن أن تكون "فرصة" صالحة، إذا تمت إدارتها بالأسلوب الذي يطور معادلة توازن ما بين المهددات، أي كان محورها، إذا ارتبطت باللاجئين والتدفقات البشرية مصدرًا، والاستخدام الأمثل للوارد من العقول والبشر لإحداث نهضة حقيقية. من المفيد القول إنّ التعميم على أنّ البحوث هي القول الفصل في صنع السياسة غير صحيح. إذ أنّ البحوث ليس بالضرورة أن تكون من مستوى الجودة نفسها. كما أنّ ما فيها من بيانات ومعلومات تفتقد أحيانًا للدقة بل وحتى الصدقية. ومن المهم أن نشير إلى ضرورة سبق السياسات الخاصة باللاجئين البحوث التي تجرى عنهم أو حولهم، وذلك يُ كِّن من صدور البحوث عن خطة موجهة ورابطة واحدة. فإذا كان ذلك كذلك، نَجحنَا في دَمْج البحثِ التجريبيِ بالتدخّلِ العمليِ في أنشطة برامج اللاجئين، فيصبح دخول باحثين من حقول أكاديمية متباينة ليَتعاملوا مع موضوعِ اللاجئين هو أحد أهم الميكانيزمات التي تدفع به إلى مساحات متقدمة تخدم جميع الأطراف الفاعلة في المجال. إلّ أنه في غياب رؤية محددة للدولة تصبح بحوث اللاجئين عبارة عن جزر منعزلة، ربما تصبح لا لون لها ولا طعم ولا رائحة كما هو حال كثير من البحوث. هل يمكن إسقاط ما توصل إليه البحث على أوضاع أخرى مماثلة؟ وإلى أي درجة يمكن فعل ذلك؟ في الواقع من الصعب إعطاء إجابة تكون حاسمة هنا. إذ يفتح ذلك في حد ذاته الباب أمام أسئلة عديدة تحتاج إلى إجابات في بحوث قائمة بذاتها. وذلك كله يُظهر طول الطريق أمام فرص تحسين نوعية الحياة في مجتمعاتنا، وأنه ما زال يحتاج لمزيد من التعبيد. وربما لأنّ مشكلة اللاجئين بطبيعتها الدولية الشائكة والمعقدة، أو لأنها تتضمن حساسية خاصة مرتبطة بالأمن القومي للدول، كان هذا من أسباب تجنب العديد من الموضوعات. فلا نكاد نجد بحثًا واحدًا

  1. نحاول في البحث إثبات أنّ جزءًا من تلك التطورات ردة فعل على العدوانية التي واجهتها الحكومة من حكومات هذه الدول.

ربط بين فلسفة الحماية وانقلاب دول الأصل، المرسلة للاجئين، على الدولة المستقبلة التي كانت تؤوي اللاجئين وحركاتهم ومنظماتهم. ولهذا من المهم أن يعي طرفا العلاقة، حركات اللاجئين والدول الداعمة لهم، بشكل كاف تبعات هذا الدعم بعد مرحلة الاقتتال. إنّ غياب الموضوعات المرتبطة بالسماع، ترتب عليه غياب البحوث التي تعالج موضوعات مثل التغيير الاجتماعي والمثاقفة Acculturation أو الذوبان Assimilation أو الاندماج Integration أو نقائضهما، فضلً عن السماع والقول الحسن وخطاب أهل الكتاب. لم يجر تفكيك واستنطاق بعد على المستوى العملي لتطبيق آية الإجارة. فمفاهيم مثل السماع وإبلاغ المأمن للاجئين ليست واضحة الأبعاد بما يكفي. في التجربة السودانية ظل الوضع القانوني للنسبة الأكبر من اللاجئين على حاله، إذ يولد اللاجئ ويشب ويهرم على نفس الوضع. نتج هذا من غياب تام لموضوعات تتناول مسألة الإجارة في الإسلام، ومقارنتها مع الواقع. بينما الأمر يفترض وفق التجربة الإسلامية التاريخية محسوم بعدد محدد من السنين. ويرتبط بهذا عدم الاكتراث ببرامج إعادة التوطين، وهو الجزء المكمل لآية الإجارة أي إبلاغ اللاجئ مأمنه. سؤال لم يكن بمقدور البحث الإجابة عنه يتعلق بالجزء الأخير من آية الإجارة ويتصل بإبلاغ اللاجئ مأمنه، إذ يكتنفه عديد من جوانب الخلل. تورد بعض الدراسات أنّ بعض شركات الإنتاج الصيدلاني الكبرى في بعض دول إعادة التوطين استخدمت بعضًا ممن يعرفون بالمجموعات المعرضة في مختبرات الأدوية. وفاقدو الأهلية العقلية جزء من هذه المجموعات المعرضة. فهل إنّ مجرد الموافقة على رغبة اللاجئ في المغادرة إلى دولة لجوء ثالثة أو ما يعرف بإعادة التوطين هو الوضع الأمثل؟ أم الأولى التأكد من أنّ الوجهة النهائية للاجئ آمنة فعلً. على المستوى الإستراتيجي، واستنادًا إلى هذه التجربة، وطبيعة المشكلات البحثية واتجاهاتها يتبين غياب الرؤية المستقبلية عن الموضوعات البحثية في النظر إلى مآلات الظاهرة، بل والتقوقع محليًا في اختيار المشكلات البحثية حتى في اتجاه زاوية النظر في الموضوعات ذات البعد الإقليمي على الرغم من عالمية الظاهرة. ومع ذلك يُرتجى النظر إلى الظاهرة من حيث هى فرصة يجب أن تغتنم، لأنها ربما لن تتكرر، وإن تكررت يكون ذلك تحت سياق وبيئة مختلفة محليًا وإقليميًا ودوليًا، بما لا يتواءم ومتطلبات تصميم السياسات والحاجات البحثية. يمكن القول إنّ طبيعة التحولات الإقليمية والدولية والسعي الحثيث الذي قامت به الحكومة في الفترة من بدايات التسعينيات ليكون لها تأثير ونفوذ على المستوى المحلي على الأقل في تحجيم دور المنظمات الدولية والمانحين وتأثيرهم، الأمر الذي أثّر في حجم المساعدات الدولية، وبالنتيجة تقليص دورها وتأثيرها في الأجندة البحثية واتجاهات الإنتاج المعرفي حول ظاهرة اللجوء على المستوى المحلي. ظلت استجابة الحكومة لتدفقات اللاجئين وسياساتها تجاههم أكثر ارتباطًا بالمصالح القومية من دون مراعاة للأبعاد الثقافية والأعراف المحلية. فمثلً إن شرطي الإسماع وإبلاغ اللاجئ مأمنه لم يشكلا يومًا جزءًا من سياسات الحكومة أو اهتماماتها. كما أنّ البحوث المنتجة لم توجد معالجات بحثية لهذه المعضلة، فضلً عن أنّ مصمم السياسة انصاع لالتزاماته الدولية ضاربًا عرض الحائط بقيم المجتمع وأعرافه، والتي يلزمه الوفاء بها على الأقل إسماع اللاجئ وتعريفه بحقوق المجتمع المحلي عليه، فلربما عصمه ذلك من إلحاق الأذى بهذه المجتمعات بعد تمكنه في بلده.