العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية في الجزائر: بين حكم الواقع وتحديات نزع الطابع العسكري
الملخّص
يعدّ تدخ ل الجيش في الحياة السياسية مسألة لصيقة بمختلف الأنظمة الأفريقية والعربية ودول العالم الثالث عامة، حيث تتورط المؤسسة العسكرية بصورة أو بأخرى لتشغل حيز ا معتبرًا في الحياة السياسية. وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين "زرع المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية." وفي هذا الإطار، تظهر الجزائر دولة حديثة الاستقلال (1962)، قام فيها الجيش بدور حاسم في تحديد معالم العملية السياسية طوال الفترة الممتدة من الاستقلال إلى غاية حكم عبد العزيز بوتفليقة الذي مازال في السلطة إلى غاية يومنا هذا (1999 - 2015.) وعليه، ستناقش هذه الدراسة دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في الجزائر من جهة، وعلاقتها بمؤسسة الرئاسة من جهة أخرى، من خ لاا التطرق لمرحلة الاستقلال إلى غاية مطلع التسعينيات التي شهدت تدخ لا مباشرًا للجيش في السياسة، وصولا إلى تشريح مرحلة عبد العزيز بوتفليقة، وذلك على مرحلتين: (1999 / 2008 - 2014)، وهي المرحلة التي وصفت بتحييد الجيش وتقييد أدواره دستوريًا، كما باتت تطرح نقاش ا كبيرًا بخاصة في ظل ترش ح بوتفليقة لولايةٍ رابعة على الرغم من متاعبه الصحية وعلاقة الملخص ذلك بالجيش وجهاز المخابرات. وهي التداخ تاا التي ترسم بوضوح مستقبل الجزائر السياسي.
كلمات مفتاحية:
الجزائر- بوتفليقة - الجيش والسلطة – المؤسسة العسكرية
مقدمة
تنصّ نظرية الديمقراطية على أنّه ينبغي للجيش أو المؤسسة العسكرية، الخضوع لرقابة ممثلي الشعب الذين يحملون السلطة العليا بحكم انتخابهم. ومع ذلك، نجد كثيرًا من الدول تمنح الجيش - بحكم الأمر الواقع أو بحكم القانون - عددًا من الامتيازات وهامشًا من الاستقلالية؛ وبوصفه مؤسسة يجوز لها استخدام القوة، لدى الجيش الوسائل اللازمة للاستيلاء على السلطة السياسية - أو على الأقل ممارسة نفوذٍ طاغٍ على هذه السلطة - دون أن يتمّ ذلك عن طريق الاقتراع الشعبي. وعليه، فإنّ تدخّل الجيش في السياسة يمثّل تحديًا كبيرًا أمام إقامة أنظمة ديمقراطية. وفي هذا السياق، فإنّ موضوع العلاقات المدنية - العسكرية، وكيفية تنظيمها من خلال النصوص الأساسية، يستحق اهتمامًا خاصًا؛ ذلك أنّ عملية وضع الدستور والنصوص القانونية الناتجة من ذلك، هي عوامل حاسمة في الانتقال نحو الديمقراطية وتعزيزها.
يكتسي موضوع العلاقات المدنية - العسكرية أهمية خاصة في الأدبيات الكلاسيكية العالمية المعاصرة، والتي تناولت دراسة دور العسكر في بناء الدولة، وفي صناعة القرار السياسي. وقد شكّل هذه الأدبيات كثير من الدراسات النظرية والتحليلات المقارنة. وقد برز في ذلك كلٌ من: صموئيل هنتغتون، وعاموس بيرلموتر، وستاسلاف أندريسكي، وموريس جانوفيتس، وجون جونسون، وغايتانو موسكا، وجاك فان دورن، وآخرون. غالبًا ما تمحورت الدراسات السابقة حول موضوع العلاقات المدنية العسكرية على افتراض معياري، يقود إلى نتيجة أنّ السيطرة المدنية في تسيير شؤون الدولة أفضل من السيطرة العسكرية. بيد أنّه غالبًا ما واجهت هذه الدراسات إشكالً في تفسير كيفية تأسيس هذه السيطرة المدنية والحفاظ عليها من الناحية الإمبريقية. وهو ما أشار إليه جيمس بيرك Burk James في دراسته المعنونة ب"نظريات العلاقات المدنية العسكرية الديمقراطية" Civil- Democratic of Theories.Military Relations يعدّ موضوع علاقة الجيش بالسلطة السياسية في العالم الثالث عامة،ً وفي أفريقيا والعالم العربي بخاصة، من المواضيع التي تطرح نقاشاتٍ نظرية كبيرة، وقد حظيت بدراسات عديدة حاولت تفسير أسبابها ونتائجها. ويظهر ذلك جليًا على المستوى الواقعي أيضًا في بروز النخبة العسكرية التي قادت ثورات التحرير ضد المستعمر الأجنبي، واكتسبت شرعية الحكم فيما بعد. وهو ما اصطدم بالمشروع السياسي المدني وبناء الدولة المدنية وطموحات النخب العسكرية وتكوينها. وعند الحديث عن الجزائر، فإنّ هذا الموضوع لقي اهتمامًا أكاديميًا بخاصة بعد الأزمة السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد مع إلغاء المسار الانتخابي سنة 1991. غير أنّ هذا الموضوع لم ينل حقّه من البحث والتحليل في حدود اطلّاعنا، عدا بعض الكتابات المتفرقة؛ بحيث لم نصادف إنتاجًا علميًا أصيلً يشرح هذه العلاقة، إلّ ما جاء على شكل مقالات علمية متفرقة أو أجزاء من كتب، أو تقارير تتحدث في مجملها عن الأزمة السياسية الجزائرية. وهو الأمر الذي يعزى لخصوصية الأنظمة السياسية في العالم العربي، والطابع الأمني الذي يغلب عليها. وفي هذا السياق، كتب الأستاذ هيوغ روبرت Roberts Hugh دراسة تحت عنوان "نزع الطابع العسكري عن الجزائر" Demilitarizing Algeria، صدرت في أوراق كارنيغي سنة 2007، والتي تناول فيها دور المؤسسة العسكرية في الجزائر منذ الاستقلال إلى غاية تولية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مقاليد الحكم، وكيف حاول هذا الأخير تقوية قبضة السلطة السياسية المدنية على تسيير شؤون الدولة، وذلك بقيادته. ويمكن الإشارة في هذا الإطار، إلى دراسة محمد حشماوي Mohammed Hachemaoui التي وردت تحت عنوان "الاستمرارية في اللعبة السياسية في الجزائر Permanences du jeu politique en Algérie " والتي صدرت عام 2009 في مجلة السياسة الخارجية politique étrangère، ناقش فيها الباحث مسألة العلاقات المدنية - العسكرية في الجزائر منذ استقلالها، مجادلً أنّ العسكريين الذين أشار إليهم بمصطلح البريتوريين، هم من يتولون تسيير شؤون البلاد بحسب ما يخدم مصالحهم، مشيرًا إلى الفساد المستفحل في المؤسسات وعمليات تصفية الحسابات، وعدم التوزيع العادل للسلطة والثروة في البلاد.
لقد كان حضور الجيش في النظام السياسي الجزائري قويًا في جميع آليات السلطة. وبدا ذلك واضحًا من خلال الدستور الأوّل الذي اعتمد عام 1963، والذي منح الجيش – فضلً عن دوره الدفاعي - صلاحيات المشاركة في الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إطار حزب جبهة التحرير الوطني (المادة)8، حزب الطليعة الوحيد (المادة)23 الذي يحدد سياسة الأمة ويسيطر على عمل الحكومة (المادة)24. إنّ البحث في هذا الموضوع سيهدف إلى تحليل الخصائص الرئيسة للعلاقات المدنية - العسكرية في الحياة السياسية في الجزائر، من خلال إبراز الظروف المحيطة بتدخّل الجيش في السياسة، ومتى يصبح الدستور مصلحة للجيش؟ وكيف؟ فضلً عن تناول الإجراءات الرئيسة المستخدمة لمأسسة الدور السياسي للجيش، ومدى تأثير هذه الإجراءات في التحوّل الديمقراطي وتعزيز الديمقراطية. بشكلٍ عام، تؤكّد هذه الورقة غموض النص الدستوري، بوصفه الإطار العام الذي يحكم تدخّل الجيش في السياسة؛ فالدستور قد يسمح إمّا بإضفاء الطابع المؤسسي على دور الجيش في السياسة، أو يمنح ضمانات لخروج هذا الجيش من الحياة السياسية، بحيث خضعت الدساتير الجزائرية منذ الاستقلال لتعديلات متتالية. غير أنّ دور الجيش في الحياة السياسية ومكانته ظلّ محفوظين طوال التجربة الدستورية في الجزائر. ولعلّ ذلك راجع إلى الظروف التي وضعت فيها؛ إذ فرضت الأزمات التي واجهتها الجزائر في فترات متفرقة من تاريخها صوغ نصوص دستورية، إمّا للتكيّف مع الأوضاع التي واجهتها البلاد، أو محاولة لتجاوزها. وفي هذا الإطار، سنحاول من خلال هذه الورقة تناول التجربة الدستورية في الجزائر، انطلاقًا من الإجابة عن الإشكالية التالية: إلى أيّ حد نجحت التجربة السياسية في الجزائر في نزع الطابع العسكري عن نظامها السياسي؟ وسيكون ذلك بالتعرض للعلاقة بين السلطة والجيش من الاستقلال إلى غاية بداية سنوات العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر، وهي الفترة التي شهدت وجود سلطة سياسية عسكرية بحكم الواقع؛ لننتقل لاحقًا إلى تحليل مرحلة حكم عبد العزيز بوتفليقة والجهود التي بذلها لنزع الطابع العسكري عن النظام الجزائري، سعيًا منه لاستعادة مكانة الرئاسة في الدولة، لنختم بالمشهد السياسي الجزائري بعد 2008، ونستظهر العلاقة بين الجيش ومؤسسة الرئاسة في عهد عبد العزيز بوتفليقة.
الجيش والسلطة في الجزائر من 1962 إلى 1992
للجيش الجزائري علاقة وطيدة بالسلطة الجزائرية، بل هو يمثّل المحرّك الرئيس وصاحب السلطة الحقيقية، بوصفه البنية المنظمة الوحيدة ذات الوزن الذي يتيح لها التحكّم الفعلي في السلطة. وسواء تدخّلت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الساحة السياسية، فذلك لا يغيّ من طبيعة السلطة في الجزائر، والتي تبقى عسكرية. وتوقيف دليل على ذلك1المسار الانتخابي في سنة 1991.
إنّ نضال الجزائريين لنيل الاستقلال كان صعبًا ومحفوفًا بالعوائق والمطبّات. ولم يكن من المستغرب أن تنشأ – في مسيرة الاستقلال - توترات وخلافات وتصفية حسابات، وتمرّد داخل معظم حركات التحرير الوطني. ومع ذلك، فإنّه تحت قيادة عبان رمضان، احتشدت الأحزاب السياسية الجزائرية حول قضية الاستقلال الوطني، تحت راية، أو في إطار جبهة التحرير الوطني التي أصبحت تجسّد آمال الشعب الجزائري في النضال. بيد أنّ هذه التسوية التاريخية بين جميع الأحزاب وتيارات الحركة الوطنية الجزائرية من أجل الاستقلال، لم تعنِ تخلّيهم عن مشاريعهم الخاصة؛ فعلى الرغم من اتفاق الجميع على السعي إلى تحقيق الاستقلال الوطني، لكن كان لدى كلّ طرف وجهة نظر مختلفة لتحقيق ذلك. ولم يكن الميل نحو الخيار الحربي داخل جبهة التحرير الوطني غائبًا، ومن هنا، فإنّ تهديد عسكرة السلطة كان قائمًا منذئذ. إنّ الأصول الاجتماعية لجيش التحرير الوطني المتكوّن من طبقة الفلاحين والبرجوازية الصغيرة، وطبيعة التجنيد فيها الجهوي أو حتى العرقي، فضلً عن افتقاره إلى التأطير، كلّ ذلك جعل السلطة السياسية لجبهة التحرير الوطني ضعيفة أمامه. وكان من الطبيعي
أن تندلع حالات العصيان وتتصاعد الفوضى. وجرى تشكيل الفصائل والتكتلات، وقد هدد ذلك وحدة الثورة2. وكان توضيح الموقف سواء أكان سياسيًا أم عسكريًا، شرطًا أساسيًا لضمان نجاح الثورة. وهي المهمة التي تكفّل بها مؤتمر الصومام المنعقد في خضم الحرب في شهر آب / أغسطس من سنة 1956، والذي منح ولأول مرة، الثورة الجزائرية التي شهدت تطورًا مذهلً "دستور الحرب"، كما أنشأ هيكلين رئيسين على رأس جبهة التحرير (المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ولجنة التنسيق والتنفيذ)، محاولً وضع حدٍ للخلاف القائم بين السلطات وأدوار الشخصيات آنذاك. وكانت نتيجة المؤتمر أن خرج بمبدأين: أولوية الكفاح السياسي على العسكري. وأولوية الداخل على الخارج. لكن مباشرةً بعد ذلك، أصبحت قرارات مؤتمر الصومام باطلة. ولقد أجبر القمع الاستعماري الذي حصل في معركة الجزائر سنة 1957، القيادة السياسية التي نشأت بعد المؤتمر على مغادرة البلاد واللجوء إلى الخارج، ليعقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية اجتماعًا ثانيًا في مصر في شهر آب / أغسطس سنة 1957، انضمّ فيه مجموعة من العقداء، أربعة منهم أصبحوا أعضاء في لجنة التنسيق والتنفيذ لينكسر حلم عبان رمضان في تزويد الثورة الجزائرية بقيادة سياسية مدنية، وينتهي به المطاف باغتياله على أيدي إخوته في السلاح. وبموت عبان رمضان، أصبح واضحًا أنّ صاحب السلطة على الواقع ليس جبهة التحرير الوطني وإنّ ا جيش التحرير الوطني3؛ إذ أخذ بزمام الأمور كلٌ من العقيد كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف ولخضر بن طوبال، لقيادة الثورة الجزائرية باسم الجيش ابتداءً من تموز / يوليو.19594 بتحقيق الاستقلال، كان من المفروض أنّ المهمة التاريخية لحزب جبهة التحرير الوطني قد انتهت، وكان ينبغي حلّ الحزب للسماح لمختلف التيارات السياسية فيه بتكوين أحزاب مستقلة. أمّا بالنسبة إلى الجيش فمكانه في الثكنات، حتى يتمكّن الشعب الجزائري من اختيار ممثليه بكلّ ديمقراطية. لكن، مباشرة بعد الاستقلال بدأ الخلاف والسباق على السلطة. وكان أول اجتماع للمجلس الوطني للثورة الجزائرية، بعد الاستقلال، والمنعقد في طرابلس سنة 1962، اجتماعًا لتصفية الحسابات. وقد جرى فيه تبنّي النظام الاشتراكي.5
استولى أحمد بن بلة بعد ذلك على السلطة بترؤّسه الحكومة الجزائرية، ليعيّ العقيد هواري بومدين وزيرًا للدفاع الوطني، في حين ع يّ أحمد مدغري وزيرًا للداخلية، وعبد العزيز بوتفليقة وزيرًا للشباب ليخلف محمد خميستي في 1963 بعد اغتياله. وكوّن هؤلاء الثلاثة، إضافةً إلى شريف بلقاسم "عشيرة وجدة" d'Oujda clan التي جعلت جيش التحرير الوطني تحت خدمتها. ولقد منح دستور 1963 صلاحيات مفرطة للسلطة التنفيذية؛ بحيث خوّلت (المادة)59 لرئيس الدولة كامل السلطات لاتخاذ إجراءات استثنائية في حالة تهديد خطير. ولم ينتظر بن بلة الكثير ليستغل هذه المادة في 3 تشرين الأول / أكتوبر 1963 مستغلًالنزاع الحدودي مع المغرب. غير أنّ الصلاحيات الكاملة التي منحتها له (المادة)59 بقيت نظرية ولم تكن عملية على الواقع؛ فقد تمركز الجيش في جميع المواقع الأساسية للدولة، وكان الوقت قد فات لمّا أراد بن بلة عزل "عشيرة وجدة"، ليقوم هواري بومدين يوم 19 حزيران / يونيو 1965 بانقلاب عسكري على بن بلة باسم الشعب. وجرى إنشاء "مجلس الثورة" ليتولى حكم البلاد برئاسة هواري بومدين الذي قام بعزل حزب جبهة التحرير الوطني عن المشاركة في الحياة السياسية؛ ذلك لأنّ جزءًا مهمً من أعضاء الجبهة كان مواليًا لبن بلة، كما أنّ الجيش أراد قهر أيّ قوة سياسية تقف أمامه. ليصبح حزب جبهة التحرير الوطني امتدادًا سياسيًا للجيش الذي أصبح يتخذ القرارات بقيادة هواري بومدين6. قام بومدين بدسترة نظامه ابتداءً من سنة 1976. ولم يكن ذلك ممكنًا إلّ بعدما ضمن الجيش أنّه يتحكّم في زمام الأمور. وبعد مرض
بومدين، طُرح مشكل من سيخلفه. ولم يكن أمام جبهة التحرير الوطني سوى تثمين خيار الجيش الذي قام بتنصيب العقيد الشاذلي بن جديد رئيسًا. وبدوره استولى الرئيس الجديد على كامل السلطة. ومثل سلفه بن بلة وبومدين، كان يشغل منصب كلٍ من رئيس الدولة ووزير الدفاع والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، يُدخل ويُخرج من مكتبه السياسي من يشاء. وقد أصبحت الجزائر في عهده دولة مستهلكة بفضل ارتفاع أسعار البترول؛ بحيث توقفت جهود التصنيع المبذولة في عهد هواري بومدين. وتحت ذريعة الضخامة، صدر مرسوم يقتضي إعادة هيكلة المؤسسات. وهو ما مثّل في واقع الأمر انهيارًا متعمدًا للاقتصاد الجزائري، ليصبح عهد الرئيس بن جديد مرادفًا للإثراء غير المشروع والفساد واستغلال الوضع قدر الإمكان. وذلك كان سيؤدي لا محالة إلى استنكار شعبوي. ليحلّ الخطاب الديني تدريجيًا محلّ الاشتراكي7.
وفي ظل النزاع حول توزيع السلطة والثروة، استغل البريتوريون8 توزيع موارد الدولة لتحقيق هدف ملحّ ومهمّ، وهو شراء صمت – إن لم نقل تواطؤ - الفاعلين السابقين في حرب الاستقلال؛ ذلك أنّ تأميم المصالح الأجنبية وعقارات المستعمرين مثّل غنائم حرب ذات قيمة لدى البريتوريين، الأمر الذي سمح بالتحويل الأول لثروة الجزائر المستقلة. وتواصلت عملية توزيع المكاسب إلى غاية بداية السبعينيات، تحت سيطرة الأمن العسكري. وشكّل الزبائن الذين تحصّلوا على حقوق الحيازة وتنازلات أخرى بأدنى الأسعار، النواة الأولى للقطاع الخاص التي تكوّنت من قادة المجاهدين السابقين، وأمراء الحرب، وتجار الأسلحة و/أو أقربائهم. في حين جرى منح شركات وطنية وسفارات تعويضًا لإطارات أخرى شاركت في الحرب، لعدم إشراكها في السلطة بعد الاستقلال. هذا النوع من الفساد هو الذي خلق منه النظام آليةً لإدارة الصراع على السلطة، وجعل منه بديلً لعدم المشاركة في الحياة السياسية، من خلال التعويض الاقتصادي للاستبعاد عن السلطة، ومن ثم، جهازًا للتحكّم السياسي لتلطيف صورة النظام البريتوري، بمكافأة الأوفياء وإفساد المعارضين9. أمّا القرار في السلطة السيادية، فيُتّخذ وفقًا لثلاثة مستويات: الأوّل يُعيِّ المناصب الإستراتيجية (وزراء، وكبار المدراء التنفيذيين للشركات الوطنية الكبرى، وولاة عواصم الدولة، والمسؤولين عن التجارة الخارجية، والمسؤولين عن الوساطة المالية)، ويسيطر على المعاملات التجارية والمالية الخارجية الكبرى. وكان العقيد هواري بومدين – رئيس مجلس الثورة، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع - يتحكم في هذا المستوى من القرارات الرئيسة بواسطة الأمن العسكري التابع له. ويتصل المستوى الثاني مباشرةً بنموذج النظام، ما يسمّى بوسطاء الخفاء، أو اليد الخفية للنظام التي تجني أرباحًا ضخمة بتضخيم الفواتير والعمولات. أمّا المستوى الثالث من القرار، فيتعلق بتخصيص الاعتمادات ومنح العقود والامتيازات، والسيطرة على التوظيف، وهو مستوى تحت إشراف مستمر من الإدارات ذات السيادة (وزارة الداخلية، ومحافظات الشرطة، ومديريات الرقابة المالية) التي تعمل تحت إشراف الأجهزة الأمنية. هذا في ما يخص عهد الرئيس هواري بومدين. أمّا في ما يخص خلفه الشاذلي بن جديد، فقد اتجهت السلطة الجديدة نحو خيار الدولة الريعية الموزّعة، مقسمةً كذلك جهاز اتخاذ القرارات إلى ثلاثة مستويات: تتركز الدائرة الأولى من القرار على المستوى الوزاري، وذلك منذ تمكّن بن جديد من تدعيم نظامه بالعسكريين، وهو المستوى الذي يمارس السلطة الحقيقية، بحكمه للهيئات الإستراتيجية (الدفاع، والأمن، والتجارة الخارجية، وتوظيف المدراء التنفيذيين للمناصب المفتاحية في الدولة). ويتصل المستوى الثاني من جهاز اتخاذ القرار مباشرة بمكتب الرئاسة، ويتعلق – كما هي الحال في عهد بومدين - بالوسطاء المؤسسين، وكبار أرباب العمل الخواص، والقريبين من السلطة الجديدة. أمّا المستوى الثالث، فتسيطر عليه الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الوزارات والإدارات الولائية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، معززة من جانب الحزب والنقابة10. انتُخب الشاذلي بن جديد رئيسًا يوم 7 شباط / فبراير 1979 بمباركةٍ من الجيش الوطني الشعبي، ليجد نفسه على رأس المكتب السياسي
لحزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يتكون من 17 عضوًا، ثمانية منهم كانوا منتمين إلى مجلس الثورة الذي جرى إلغاؤه في كانون الثاني / يناير 1979. غير أنّ الحزب كان مشلولً بسبب المعارضة، ما بين الليبراليين أمثال عبد العزيز بوتفليقة وأنصار تعميق الاشتراكية أمثال يحياوي11. وقد شهدت جزائر الشاذلي بن جديد مجموعة من الأحداث، نذكر منها الربيع القبائلي والمطالبة بترقية اللغة الأمازيغية لغة وطنية، فضلً عن عملية تعريب المؤسسات التعليمية، في حين أصبح حزب جبهة التحرير الوطني يقوم بدور الواجهة للسلطة الحاكمة12. في نهاية سنة 1977، جرى تعيين العقيد يحياوي رئيسًا لحزب جبهة التحرير الوطني، في مهمة تهدف إلى تنشيطه، الأمر الذي سهّل ظهور المستعربين على رأس الإدارة والحزب، وعناصر ماركسية على رأس الاتحاد العام للعمال الجزائريين UGTA والاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية.UNJA
وبعد تعيين العقيد الشاذلي بن جديد لرئاسة الجمهورية في أوائل سنة 1979، أصبح محمد بن أحمد عبد الغني رئيسًا للوزراء ووزيرًا للداخلية، وحلّ بن يحيى بدل بوتفليقة في وزارة الخارجية، في حين ترك عبد السلام الحكومة، وفي واقع الأمر فإنّه لم يجْر استبعاد أيّ شخص أو مجموعة، وجرى تقسيم المسؤوليات داخل الحكومة والحزب؛ فقد كان بوتفليقة عضوًا في المكتب السياسي، وظل وزيرًا مستشارًا لدى رئيس الجمهورية، وتولّ عبد السلام لجنة الشؤون الاقتصادية لجبهة التحرير الوطني، سعيًا منه إلى جعله مركز تأثير، إضافةً إلى ذلك، فإنّه باستثناء عبد الغني وبوتفليقة، فإنّ أعضاء مجلس الثورة سابقًا ممّن لم يجْر استوزارهم، ينتمون كلّهم إلى المكتب السياسي. ومع ذلك، فإنّ تغييرات سنة 1980 بدت وكأنّها مفروضة من جانب الرئيس، بحيث ظل عبد الغني رئيسًا للوزراء بعدما جرى تعيينه في 15 تموز / يوليو 1980، في حين حلّ محلّه بن حمودة على رأس وزارة الداخلية منذ 13 كانون الثاني / يناير 1980، ولم يعد ينتمي إلى المكتب السياسي الذي تحوّل عدد أعضائه من 17 عضوًا إلى سبعة فقط. في الوقت نفسه، تنحّى بوتفليقة عن منصبه مستشارًا، لكنّه ظل في المكتب السياسي إلى جانب يحياوي، وبقي الشاذلي بن جديد وزيرًا للدفاع بمساعدة نائبيه، كلّ من العقيد بلحوشات الذي كان عضوًا في المكتب السياسي ومرباح الذي تركه13. إنّ الخطاب السياسي لسنوات السبعينيات، والذي كان يطابق برامج)1973-1970(و)1977-1974(كان يشير إلى أنّ الدول الرأسمالية المتطورة تسعى إلى تكريس تبعية الجزائر لها من ناحية التخلف التكنولوجي؛ إذ حثّت هذه الدول الجزائر على أن تهتمّ بالزراعة أكثر من الصناعة، وأن تعتمد على الصناعات التي تتطلّب يدًا عاملة كبيرة غير مؤهلة. ولقد بدأت حدود هذه الإستراتيجية الصناعية تظهر قبل بداية فترة 1977 - 1980، المسمّ ة بفترة التفكير والمراجعة، بالنظر إلى ثغرات التصنيع، والتكاليف الإضافية للمشاريع مع التأخّر في إنجازها، فضلً عن الاستخدام الضعيف للمعدات، وارتفاع تكلفة الفنيين الأجانب، ومشاكل الصيانة المستمرة للمعدات الأساسية... إلخ. وعليه، بدل أن تؤدي هذه الإستراتيجية إلى استقلالية اقتصاد البلاد، عمّقت تبعيتها التكنولوجية. وفي ظل هذه الأوضاع، فإنّ التعديلات التي ظهرت في خطة 1980 - 1984 باتت ضرورية؛ من ذلك الحرص على الاحتياطيات المحلية من النفط والغاز، والحفاظ على المخزون الإستراتيجي الوطني، والاهتمام بالزراعة بهدف تأمين الغذاء للسكان، وخلق فرص عمل، وتلبية الاحتياجات السكنية، وتحسين ظروف المعيشة. ومع ذلك فإنّ التطبيق العملي لهذه الأهداف ظل حساسًا من الناحية السياسية؛ فقد تطلّب ذلك إعادة هيكلة مؤسسات وطنية أو تفكيكها، أو تنفيذ عقوبات على مسؤولين في أجهزة الدولة مثلما وقع في أواخر 1980 14. هذا، ولقد كشف انخفاض عائدات النفط سنة 1986، الفوضى التي سببتها الإدارة العشوائية للاقتصاد الجزائري، لتندلع بعد ذلك اضطرابات تشرين الأول / أكتوبر 1988 التي رفعت الحجاب عن فشل النظام بحدّ ذاته. وهكذا انتهى عصر الريع النفطي الذي أتاح التحكّم في سخط الشعب، وظهرت طبيعة النظام الشمولية واضحةً
أمام المتظاهرين، مُحْدثة شرخًا بين السلطة والمجتمع المدني، لتنقسم الجزائر إلى جبهتين: جزائر السلطة الرسمية والأثرياء، والجزائر الحقيقية للّذين جرى تركهم في المؤخرة15. وأمام ضخامة الأحداث، شارف نظام الحزب الواحد على نهايته، وبدأ المجتمع المدني يتعلم ممارسة حرية لطالما رُفضت له. لكن دوام ذلك كان غير ممكن، في مقابل أولئك العازمين على البقاء في السلطة مهما كلّف ذلك من ثمن؛ فعلى الرغم من أنّ دستور 1989 سمح بالتعددية، فهو لم يشكك أبدًا في صدقية النظام، وفسح له قيادة العملية الديمقراطية بحسب مصالحه، ليستمر حكم الحزب الواحد. غير أنّ فوز حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات البلدية لشهر حزيران / يونيو 1990 مثّل صدمة لأولئك الذين استغلوا السلطة لمدة ثلاثين عامًا، ولم يتقبلوا حقيقة أنّ الجزائريين قد يفضّ لون ممثلين غيرهم. وفسّوا خسارة حزب جبهة التحرير في الانتخابات على أنّها أمر مدبر، ليتمّ تأجيل الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في أواخر حزيران / يونيو 1991، وحلّ سيد أحمد غزالي محلّ مولود حمروش رئيسًا للحكومة الانتقالية، والذي وعد بمواصلة المسار الديمقراطي وتنظيم انتخابات نزيهة وشريفة في غضون أربعة أشهر16. وفي ظل هذا الجوّ من الخوف والتوتر، استقال الرئيس الشاذلي بن جديد، ليظهر الجيش الجزائري من جديد في الواجهة، ويقوم باستدعاء محمد بوضياف الذي لطالما وقف في صف المعارضة، والذي عاش في المنفى لمدة 28 عامًا، ليترأس اللجنة العليا للدولة المكوَّنة من خمسة أشخاص. غير أنّ مشكل شرعية النظام بقي مطروحًا. وشرع بوضياف في تطبيق سياسته القمعية للقضاء على الإسلامويين، سياسة ألقت الجزائر في دوامة من الرعب، لتتوالى العمليات الإرهابية التي تبنّتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي أدّت إلى انعدام الأمن في الجزائر. من ناحية أخرى، فإنّ محاولات بوضياف في تشكيل le Rassemblement Patriotique حزب (حزب التجمع الوطني)National تحت شعار "الجزائر قبل أي شيء"، قد باءت بالفشل. وكان اغتياله في 29 حزيران / يونيو 1992 على أيدي عناصر من الأمن العسكري المسؤولة عن حمايته، دليلً على أنّ المتحكمين في مقاليد السلطة لم يصلوا إلى اتفاق جامع على الرجل، الأمر الذي أدى ببوضياف إلى دفع حياته ثمنًا لتدخّله في عالم السياسة، حيث تكمن القاعدة الأساسية للّعبة في غياب القواعد ذاتها، بمعنى آخر، حيث القوة توازن القانون17.
مساعي عبد العزيز بوتفليقة
لتمدين السلطة التنفيذية للدولة
واستعادة مكانة الرئاسة
بعد تعرّض محمد بوضياف للاغتيال، قام الجيش وطبقة البريتوريين باختيار العقيد ليمين زروال بديلً. غير أنّ رحيل زروال كان مبكرًا، ممّ أظهر فشل رئيس الدولة في ممارسة صلاحياته الدستورية، ومن جديد تدخّل البريتوريون لاختيار رئيس الجمهورية. وبعد ضغوطٍ مكثفة نجح الجنرال العربي بلخير في إقناع أقرانه بالمصلحة الإستراتيجية في تعيين عبد العزيز بوتفليقة؛ ففي ظل معاناة السلطة العسكرية الجزائرية الضغوط الدولية بخصوص مذابح خريف 1997، فإنّ تعيين مدني معروف بميله للقطاع الخاص، وتجربته في الدبلوماسية، وصداقاته مع أمراء الخليج، له مزايا عديدة18. تعود علاقة المؤسسة العسكرية بعبد العزيز بوتفليقة في ظل الأزمة السياسية والأمنية إلى سنة 1994، وبالتحديد من خلال مجريات التحضير لندوة الوفاق الوطني الأولى المنعقدة بتاريخ 26 - 25 كانون الثاني / يناير من السنة نفسها، حيث تقدّمت قيادة الجيش بعرضها على بوتفليقة تولّ الحكم وإنهاء محنة الجزائر. وأمام هذا المشهد، اشترط عبد العزيز بوتفليقة لتولّ المنصب أن توضع جميع السلطات بيديه على خلاف ما كان سائدًا من قبل19.
ومع استمرارية الوضع الأمني وانسداد الحل السياسي، تأزّمت الوضعية الجزائرية أكثر، وبذلك ازدادت المطالبة الخارجية بإيجاد لجنة تحقيق دولية في المجازر المرتكبة. وأحسّ الجزائريون بأنّ خطر التدخّل الأجنبي أصبح قائمًا، عندما حلّت بالجزائر بعثة الأمم المتحدة للإعلام والتقصي عام 1998، فضلً عن تحرّك عديد المنظمات الحكومية وغير الحكومية
للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والمجازر المرتكبة في الجزائر، وتوجيهها أصابع الاتهام للمؤسسة العسكرية وتحميلها مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، مطالبةً في الوقت نفسه بمثول بعض قياداتها أمام المحكمة الجنائية الدولية. وهو الأمر الذي جعل قيادة الجيش ترضخ لمطلب بوتفليقة الذي جرى ذكره سابقًا. يستلم بوتفليقة الحكم ولم يخف أنّه مرشّح الجيش حاملً شعار "عفا الله عمّ سلف." لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل العلاقة بين الجيش والرئاسة في الجزائر20.
لقد رفض بوتفليقة أن يكون واجهة؛ فقد كان شعاره في ذلك: "لا أريد أن أكون ثلاثة أرباع رئيس." وأكّد التزامه قيادة النظام بأكمله. وبوصفه بريتوريًا سابقًا ومهندسًا للنظام نفسه، قام بمهاجمة ثلاث دعائم من هذا النظام: سونطراك، وبنك الجزائر، والإدارة، مواجهًا بذلك صناع القرار، مهددًا بالاستقالة مرتين. غير أنّ القواعد غير الرسمية لا تتغير فجأة بالمراسيم الرئاسية؛ فالبريتوريون لن يسمحوا لمن نصّبوه رئيسًا بسلبهم السلطة الفعلية، لذلك عارضوا تعيين نور الدين يزيد زرهوني – الذراع اليمنى لبوتفليقة - على رأس وزارة الدفاع. وتواصلت لعبة الشطرنج هذه، لترى الحكومة الأولى لعبد العزيز بوتفليقة النور، تسعة أشهر بعد انتخابه، استطاع بوتفليقة من خلالها الحصول على مناصب مفتاحية في الحكومة، بما في ذلك وزارتي الداخلية والطاقة. وجدير بالذكر أنّ لوزراء الرئيس قاسمً مشتركًا، وهو أنّهم كلّهم من منطقة ندرومة في تلمسان. وحتى إن قام عبد العزيز بوتفليقة بتغيير رئيس الحكومة ستّ مرات في مدة عشر سنوات، مع العديد من التعديلات الوزارية، فإنّه حافظ – على الرغم من ضغوطات البريتوريين - على وزيرين، وهما يزيد زرهوني في وزارة الداخلية، وشكيب خليل على رأس وزارة الطاقة؛ الأوّل للحدّ من تأثير الخدمات، والثاني لنسج علاقات إستراتيجية مع الإدارة الأميركية21. منذ تولّيه الرئاسة سنة 1999، حقّق عبد العزيز بوتفليقة نجاحًا كبيرًا حيث أخفق سلفه؛ وذلك في عدة مجالات؛ فقد قام بحلّ / أو القضاء وإلى حدّ كبير على المنظمة الرئيسة التي قادت تمرّد التسعينيات – الجماعة الإسلامية للإنقاذ - وجرت استعادة الأمن في معظم أرجاء البلاد. وبعد كسر العزلة التي كانت الجزائر تعانيها منذ 1994، قاد بوتفليقة عودتها إلى الساحة الدولية، بتجديد العلاقات بباريس وواشنطن، كما استردّت الجزائر تأثيرها السابق في الشؤون الأفريقية. ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001، أصبحت الإدارة الأميركية ترى في الجزائر الحليف الإستراتيجي في إطار "الحرب العالمية على الإرهاب." أمّا بالنسبة إلى الوضع المالي للدولة، فقد تمكّنت الجزائر من سداد ديونها، وحيازة احتياطي وافر لم يسبق له مثيل22. في ما يخص الإصلاح الداخلي، فإنّ هناك بعض الغموض المثير للجدل؛ فقد جرى الحفاظ على نظام التعددية الحزبية منذ 1989 وعلى مدى التسعينيات تحت هيمنة النظام العسكري، إلى غاية يومنا هذا. كما تمّ إجراء الانتخابات على فترات منتظمة، في الأعوام 1995، و 1999، و 2004، و 2009، و 2014 بالنسبة إلى الرئاسيات. وفي الأعوام 1997، و 2002، و 2007، و 2012 بالنسبة إلى الانتخابات البلدية والتشريعية. وقد اختار عبد العزيز بوتفليقة التعايش في ظل نظام التعددية، مع الإشارة أنّ بعض الأحزاب ذات التوجه الإسلاموي ممثلة في البرلمان بصفة قانونية، لكن لا قدرة لها على تقديم البديل عن النظام. في الوقت نفسه، فإنّ تصميم بوتفليقة على استعادة سلطة الرئاسة، أدّى إلى كبح جماح الصحافة؛ إذ جرى سجن عدد من الصحفيين درسًا علنت في البلاد منذ شباط لآخرين، كما أنّ حالة الطوارئ التي أ / فبراير 1992، يجري تجديدها بصورة روتينية23. وتَ ثّل الهدف الرئيس لعبد العزيز بوتفليقة، باستعادة تماسك السلطة التنفيذية للدولة، من خلال ترسيخ مكانة الرئاسة بوصفها حك مً أعلى في كلّ النقاشات والنزاعات السياسية ذات المصالح، بدل القيادة العليا للجيش. وبناءً على ذلك، سعى بوتفليقة إلى إخراج شلة من كبار الجنرالات الذين كانوا يسنّون القوانين في التسعينيات، خارج اللعبة السياسية. لكن السؤال الذي يُطرح هو إذا ما كان مسعى بوتفليقة في هذه القضية سيدوم، وعليه، يتيح إمكانية نزع الطابع العسكري عن النظام الجزائري بصورة تدريجية ونهائية، أو إذا ما كان الأمر سيكون مؤقتًا وحسب24.
لقد حقق بوتفليقة مراده عندما اضطر محمد العماري وأنصاره في الجيش إلى التقاعد في صيف عام 2004، بعد إعادة انتخاب بوتفليقة لعهدة ثانية بالأغلبية الساحقة، ليتمّ استبدال العماري برئيس هيئة الأركان أحمد قايد صالح، الأمر الذي سمح لبوتفليقة باستعادة سلطة وزارة الدفاع، من خلال تعيينه اللواء المتقاعد عبد المالك قنايزية في منصبٍ أنشئ حديثًا، وهو "وزير الدفاع المنتدب." لكن هذا لا يعني أنّ بوتفليقة قام بتأمين كلّ السلطة على المؤسسة العسكرية، ذلك أنّ سلطته في الواقع، لم تمتدّ إلى جهاز الاستخبارات25. إنّ التوافق الذي كان موجودًا بين صنّاع القرار لدى انتخاب عبد العزيز بوتفليقة في سنة 1999، كان يدور حول نقطتين أساسيتين: الأولى هي الحاجة الملحّة إلى إخراج الجزائر من العزلة التي فرضتها عليها مواقف شركائها الغربيين الأساسيين، لا سيما فرنسا منذ 1992، وبصورة خاصة منذ اختطاف الطائرة الفرنسية Airbus من مطار الجزائر سنة 1994. ومن هذا الجانب، فإنّ تنصيب بوتفليقة رئيسًا للجمهورية، يتلاءم مع التقاليد العسكرية المتمثلة باستخدام المدنيين واجهةً بالنسبة إليهم، وبوصفه وزيرَ خارجية سابقًا والأكثر فعالية، شكّل بوتفليقة الخيار المثالي26. وعلى الرغم من أنّ بوتفليقة تمكّن من تسجيل نجاحات مبكرة كما ذكرنا سابقًا، ذلك أنّ مشاكل الجزائر الداخلية كانت ذات أبعاد هائلة، وكان من الضروري الحدّ من العنف بصورة ملموسة، حتى يُنظر للدولة الجزائرية بوصفها شريكًا شرعيًا مرة أخرى. وهو ما مثّل النقطة الثانية التي اتفق عليها صناع القرار، وذلك كان يعني ضمان الإطار السياسي والقانوني للاتفاق الذي جرى مبدئيًا بين الجيش الشعبي الوطني والجيش الإسلامي للإنقاذ، وعدد من الجماعات المسلّحة الصغيرة التي وافقت على وقف إطلاق النار منذ سنة 1997. وهكذا منح قادة الجيش عبد العزيز بوتفليقة حرية التصرف في الداخل والخارج، من خلال تأمين مرور قانون الوئام المدني في تموز / يوليو 1999، مما شجع أعضاء الجماعات المسلحة على تسليم أنفسهم مقابل بعض الضمانات، وذلك بإصدار مرسوم كانون الثاني / يناير 2000 الذي ينصّ على العفو عن الجيش الإسلامي للإنقاذ والجماعات المرتبطة به، مقابل حلّه27. إنّ طبيعة هذه التدابير المثيرة للجدل، كانت في مصلحة بوتفليقة، بعدما توجّه إلى الشعب الجزائري ككلّ لاستشارته بدعوته إلى استفتاء أيلول / سبتمبر 1999، وإبداء رأيه بالموافقة على نهج الرئيس أو رفضه. وكان التصويت ب "نعم" للأغلبية الساحقة، ضمانةً لقانون الوئام المدني ومرسوم العفو لاحقًا. وبتأييد الشعب سياسته، قام بوتفليقة بتعويض انتخابه المثير للجدل في نيسان / أبريل.1999
وفي حين قامت هذه التدابير بتقوية يد بوتفليقة، بيد أنّه لم يتمكن من تشكيل حكومته بحسب رغبته، حكومة تشكّلت في كانون الأول / ديسمبر 1999، أي تسعة أشهر بعد انتخابه رئيسًا28، تسعة شهور من المساومات؛ فقد اعترض قادة الجيش على اختياره نور الدين زرهوني وزيرًا للدفاع، وألزموا بوتفليقة بالاحتفاظ بمحفظة وزارة الدفاع لنفسه وتنصيب زرهوني وزيرًا للداخلية، وأصرّوا على أنّ الحكومة الجديدة ينبغي أن تعكس تركيبة الأحزاب السياسية في مجلس الأمة، مادام قادة الجيش يسيطرون بفعالية على قيادات الأحزاب السياسية، وليس بالنسبة إلى جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحسب، ولكن حزب التجمع الدستوري الديمقراطي RCD أيضًا، وحركة مجتمع السلم MSP ذات التوجه الإسلاموي. وبذلك سعى قادة الجيش إلى تقييد الرئيس ودعم سلطتهم من خلال استغلال نظام التعددية السياسية، ولقد ذكر عبد العزيز بوتفليقة حقيقة هذا الأمر بوضوح، عندما أعلن بمناسبة تشكيل الحكومة الجديدة: "أجد نفسي مجبرا على قبول هذه الفسيفساء التي لا تناسبني"29.
وفي هذا الإطار من المناورة السياسية، سعى بوتفليقة طوال فترة عهدته الأولى إلى جعل "المصالحة الوطنية" أولوية في جدول أعماله لتعزيز الدعم الشعبي في الداخل، في حين سعى إلى الحصول على التأييد والشرعية في الخارج، لا سيما من جانب باريس وواشنطن، من خلال عمله على عودة الجزائر إلى الساحة الدولية، ودعمه جدول أعمال الليبرالية الجديدة في الإصلاحات الاقتصادية. وفي الوقت ذاته، قدّم نفسه إلى الجيش كالبطل والمدافع الرئيس، إن لم يكن الوحيد الذي يضمن لقادته عدم محاسبتهم على "الحرب القذرة" – كما نعتها الإعلام الغربي - التي جرت قيادتها ضد تمرد الإسلامويين. ومع استمرار الضغوط الدولية بخصوص هذه النقطة، مدعومة بسلسلة من كشف حقائق مثيرة، تمكّن عبد العزيز بوتفليقة من المساومة مع قادة الجيش. وفي مقابل ضمانه الحماية للجيش، سعى بوتفليقة للحصول على انسحابه – أي الجيش - من الساحة السياسية، وتعديل القيادة العليا، دافعًا الجنرالات المسؤولين عن انقلاب 1992 ونتائجه الدموية، إلى التقاعد. من الجانب الآخر، فإنّ هؤلاء الجنرالات المعنيين لم يكن لديهم أيّ استعداد للتنازل بهدوء، وتحرّكوا باستمرار ضد الرئيس، معارضين تمديد تدابير العفو المتعلقة بالمصالحة الوطنية، إلى الجماعات المسلحة التي لا تزال نشطة، بخاصة "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" GSPC، مستغلين الحرب العالمية على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، لتطوير علاقاتهم الخاصة مع الشركاء الخارجيين، بحثًا عن مصادر الدعم والشرعية في البنتاغون وحلف شمال الأطلسي، مثيرين أعمال شغب في منطقة القبائل في ربيع عام 2001 وصيْفه، موجّهين هذه الحركة الاحتجاجية الضخمة في المنطقة لمهاجمة الرئاسة، مشجعين هجمات لاذعة للغاية على بوتفليقة في الصحافة، لا سيما جريدة Matin le، وأخيرًا من خلال تشجيع الأمين العام الجديد لجبهة التحرير الوطني، علي بن فليس، على خوض سباق الانتخابات ضد عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لشهر نيسان / أبريل 2004 30. من خلال هذا التصرف، سعى قادة الجيش والعماري وهيئة الأركان العامة على وجه الخصوص، إلى الحفاظ على قيادة السلطة السياسية التي اكتسبوها منذ إقالة الشاذلي بن جديد في 1992، عاقدين العزم على منع بوتفليقة من تأمين عهدة ثانية، ليعزز موقفه على حسابهم. ولفشلهم في مسعاهم أهمية تاريخية؛ فنجاح عبد العزيز بوتفليقة من خلال إعادة انتخابه في نيسان / أبريل 2004 – وهو الرئيس الجزائري الأول الذي أنهى فترة ولايته الأولى ليباشر الثانية منذ حقّق الشاذلي بن جديد ذلك في كانون الأول / ديسمبر 1983 - مثّل لحظة حاسمة في استعادة الرئاسة قمة هرم هيكل السلطة الجزائرية على الواقع وليس رسميًا وحسب. وأدّى ذلك مباشرة إلى تقاعد العماري ومؤيديه المقرّبين في الجيش، ما يعني ترويض الهيئة العامة للجيش الشعبي الوطني، على الأقل في ذلك الوقت، غير أنّ الائتلاف الذي جمعه بوتفليقة حوله لدعم إعادة انتخابه كان مختلف العناصر، مما ترتّب عنه آثار وتداعيات. وتمثّل العائق الأساسي أمام بوتفليقة، بافتقاره إلى دعم سياسي حزبي موثوق لمواقفه يمكنه الاعتماد عليه؛ إذ كان الحزبان الواجهة التي ترعاها الدولة – أي جبهة التحرير الوطني، وحزب التجمع الديمقراطي - ائتلافًا يمثّل جميع الفصائل الرئيسة في هيكل السلطة، غير أنّها كانت تقبع في نهاية المطاف، تحت سيطرة قادة الجيش، من خلال جهاز استخبارات الجنرال محمد مدين31.
كان كلٌ من حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلاموي لمحفوظ نحناح، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لسعيد سعدي، من أحزاب المعارضة على سبيل الشهرة، يميلان إلى اتخاذ توجهاتهما من صناع القرار العسكريين. في حين أنّ الأحزاب الأكثر استقلالً، جبهة القوى الاشتراكية لحسين آيت أحمد، وحركة الإصلاح الوطني لعبد الله جاب الله، وحزب العمال للويزة حنون، كانت داعمة بصورة عامة جدول المصالحة الوطنية لعبد العزيز بوتفليقة. لكنّها كانت من بين أشد منتقديه في قضايا أخرى، ولم تكن على استعداد لدعمه في مواجهته مع قادة الجيش، ولا كان باستطاعتها ذلك. ولحشد الدعم الانتخابي، اضطر بوتفليقة إلى الاعتماد على قواتٍ من خارج النظام الحزبي: التلفزيون الذي تسيطر عليه الدولة والإذاعة، والجمعيات التطوعية المختلفة، والجماعات الصوفية التي تودَّد بوتفليقة إليها علنًا من خلال حملة إعادة انتخابه. كما لجأ إلى الحدّ من جماح التعددية بدلً من تشجيعها في المجال السياسي الرسمي.
ولقد ترتّب عن أجندة "المصالحة الوطنية" لعبد العزيز بوتفليقة، إستراتيجية لانتقاء جناحَي النظام الإسلاموي والأمازيغي، وذلك من خلال الإبقاء على حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلاموي داخل الحكومات المتعاقبة، والاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية جري في نيسان في التعديل الدستوري الذي أ / أبريل 2002. ولقد ذهبت التدابير المتخذة في إطار المصالحة الوطنية إلى حدّ تجريم سلوك الجيش أثناء ما عُرف ب "الحرب القذرة." ولقد ضمنت هذه الإستراتيجية استعادة حزب جبهة التحرير الوطني مركزه القديم، بوصفه الحزب الرئيس في البلاد، وذلك من خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002، وكان من النتائج الطبيعية لذلك، عداوة النظام ضد أحزاب المعارضة المتمثلة بكلٍ من جبهة القوى الاشتراكية لآيت أحمد، وحركة الإصلاح الوطني لجاب الله. ولقد أدى قلق النظام في استعادة منطقة القبائل إلى دعم جبهة التحرير الوطني هناك على حساب جبهة القوى الاشتراكية. وكجزء من حملة بوتفليقة لاستمالة التيار الإسلاموي، فقد سهّلت وزارة الداخلية عملية السيطرة على حركة الإصلاح الوطني، من خلال فصيل معارض لجاب الله، والذي أبدى استعداده للرضوخ لاستقطاب النظام32. ولقد انعكس إخراج المعارضة من المحيط السياسي الحزبي على الصحافة؛ إذ مع نهاية المواجهة بين الرئاسة وهيئة الأركان العامة، لم يعد بإمكان الصحفيين إهانة رئيس الجمهورية والإفلات من العقاب. وجاء تطبيق ذلك بوضوح في شهر حزيران / يونيو 2004، عندما تمّ سجن رئيس تحرير جريدة le Matin محمد بن شيكو الذي هاجم عبد العزيز بوتفليقة بصورة حادة جدًا لدى حملة الانتخابات سنة 2004. ولقد حُكم عليه بالسجن لمدة عامين، ما أدى إلى إغلاق الجريدة. وتعرّض في وقت لاحق العديد من الصحفيين الآخرين إمّا للسجن أو لأشكال أخرى من المضايقات (لا سيما الدعاوى القضائية)، بخاصة أولئك الذين يتجرؤون على نشر مقالات أو حتى كاريكاتور ينتقد أصحاب المناصب33.
المشهد السياسي الجزائري بعد 2008: الجيش والرئاسة أيّ علاقة؟
مثّلت سنة 2008 نقطة حاسمة في تاريخ النظام السياسي الجزائري، وفي مستقبل الديمقراطية في الجزائر؛ فعلى عكس الدساتير السابقة لم يجر عرض هذا التعديل الدستوري)2008(للاستفتاء الشعبي، بل أقرّه البرلمان الجزائري بغرفتيه، وقد أملته ضرورة أساسية وهي فسح المجال أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للترشح لفترة رئاسية ثالثة بعدما كانت المادة)74(قبل التعديل تقتصر فترات تولّ الرئاسة على فترتين رئاسيتين فقط، مدة كلّ واحدة 5 سنوات، فما عدا المادة)74(المتعلقة بعدد الفترات الرئاسية فإنّ هذا التعديل الدستوري شمل 11 مادة من الدستور السابق. وأضاف مادة جديدة تتعلق بدعم الحقوق السياسية للمرأة بما يوسّع مشاركتها في المجالس المحلية والمنتخبة. وقد استند المجلس الدستوري في موافقته على هذا التعديل إلى أنّ فتح المجال لانتخاب رئيس الجمهورية "يدعم قاعدة حرية الشعب في اختيار ممثليه، ويعزز السير العادي للنظام الديمقراطي الذي يقتضي أنّ الحائز على عهدة رئاسية ملزم بأن يعيدها عند انقضائها إلى الشعب الذي يملك دون سواه سلطة التقدير بكل سيادة، أي كيفية تأدية هذه العهدة ويقرر بكل حرية تجديد الثقة برئيس الجمهورية أو سحبها منه"34. لقد قرر عبد العزيز بوتفليقة البقاء في السلطة والاحتفاظ بكرسي الرئاسة، وذلك بترشّحه لعهدة ثالثة، بعدما قام بتعديل المادة)74(من الدستور سنة 2008 بغرض فتح العهدات الرئاسية دون تحديد عددها35، ولقد أخذت حالة الجمود في النظام الجزائري، تبدو أكثر وضوحًا في بداية خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة باللغة العربية، والموجّه إلى الجزائريين بمناسبة الذكرى ال 54 لثورة الفاتح من تشرين الثاني / نوفمبر 1954، إذ جاء فيه36: "إنّ شهر نوفمبر يرصّع تاريخنا، كنجمة قطبية لامعة، تنير الكون وتوجه حركة الأجرام السماوية إلى مصائرها، إن قلوبنا وعقولنا تتوجه كل عام نحو هذه المئذنة التي يرتفع منها صوت العدالة، وتنطلق بدايات الحرية لتطهير الأرض من دنس التبعية والعبودية، وتحفيز الرجال والنساء الذين تسلحوا بالإيمان والعزيمة، وحملوا السلاح لتحويل صفحات ملطخة بوصمة الاستعمار الذي زرع الرعب، الموت والجهل، ناشرا كل أشكال الخزي والعار، من خلال احتلال استعماري أدى إلى تعطيل أمة لأكثر من ثلاث عشرة عشرية." حتى خطابات الرئيس هواري بومدين في وقت الحزب الواحد لم تكن تصل إلى هذا الحد من البلاغة الخطابية، وربما وجبت العودة إلى
نظام كوريا الشمالية لإيجاد ما يعادل ذلك. في حين أنّ بقية الرسالة توضح استنزاف مرجعية الفاتح من تشرين الثاني / نوفمبر 1954 أساسًا ومبررًا للنظام، وعدم قدرة الجزائر الحالية على ضمان مستقبل. وفي ظل هذه الأوضاع، كان من الطبيعي أن يعتمد خمس مئة عضو في مجلس الأمة يوم 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2008، التعديل الدستوري الذي سمح لرئيس الجمهورية بالترشح لعهدة ثالثة على التوالي، أثناء الانتخابات الرئاسية في ربيع عام.2009 أجريت الانتخابات في 09 نيسان / أبريل 2009، وأسفرت عن فوز الرئيس بوتفليقة بالمرتبة الأولى وبعهدة ثالثة بنسبة 90.33 %. ويبدو أنّه مدعوم دائمًا من جانب المؤسسة العسكرية على الرغم من توتر العلاقة بينهما بداية من سنة 2005، لتأتي الانتخابات التشريعية الجزائرية لسنة 2012 مفاجِئة غالبية الأطراف والمتتبعين كونها جاءت في فترة حسّاسة، وفي سياق عربي مضطرب بتداعيات ما عُرف ب"الربيع العربي"، بحيث كان متوقعًا فوز الأحزاب الإسلامية التي كانت تتوقع السيطرة على القرار في البرلمان على غرار ما حدث في تونس ومصر. وعليه، كان ذلك تحديًا كبيرًا أمام النظام السياسي في الجزائر من أجل الحفاظ على تماسكه. وهو ما يفسر بقاء حزب جبهة التحرير الوطني محتفظًا بأغلبية المقاعد في البرلمان، بحيث لا يعقل أن تسمح السلطة الفعلية في الجزائر - المتمثّلة بالمخابرات العسكريّة والدوائر التي تدور حولها - لقوى سياسية أخرى غير التي تنتمي إلى التيار الوطني المتمثّل بجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، بأن تسيطر على البرلمان الجديد نظرًا للخبرة السابقة مع الإسلاميين في الجزائر37. أدّى نقل الرئيس على عجل إلى باريس للعلاج في أواخر نيسان / أبريل 2013 إلى فتح النقاش مجددًا حول المرحلة المقبلة، وإلى وضع النظام السياسي أمام سؤال مرحلة ما بعد بوتفليقة، وعدّ ترشّحه لولاية رابعة أمرًا مستبعدًا، بيد أنّ المقربين منه والذين تتقاطع مصالحهم مع بقاء الرئيس ظلوا يروّجون للعهدة الرابعة، بخاصة وأنّ هذه المرحلة تختلف عن سابقتها في سنة 2008، والتي استوجبت تعديلا دستوريًا. في المقابل، يرى الفريق المعارض وجوب مناقشة مدى أهلية الرئيس منذ مرضه الأوّل سنة 2005، ساعيًا لإجهاض إعادة انتخابه مجددًا، بل إلى أبعد من ذلك في ما يخص أهليته الدستورية ومدى قدرته على إكمال العهدة الثالثة داعين إلى ضرورة تفعيل المادة)88(من الدستور الجزائري38 المتعلقة بأنّه في حال استحالة ممارسة الرئيس مهماته بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع البرلمان للتصريح بثبوت المانع، وفي حال استمرار المانع لمدة 45 يومًا يستقيل الرئيس، ويتولى رئيس الغرفة العليا للبرلمان مهامّ الرئيس لمدة 60 يومًا تنظَّم خلالها انتخابات رئاسية39. لقد عرف المشهد السياسي الجزائري قبل الانتخابات الرئاسية يوم 17 نيسان / أبريل 2014، حركية تشير إلى تفاعلات من شأنها تحديد المستقبل السياسي للجزائر، ومن بينها ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة، وهو ما جعل الكثير يطرح التساؤل نفسه: هل يريد الخلود في كرسي الرئاسة؟ لأنّه كان قد صرّح في خطاب ألقاه في ولاية سطيف يوم 8 أيار / مايو40 2012، بأنّ جيله قد ولّ، وقالها بتعبير آخر (طاب جناني)41، ولأنّ وضعه الصحي لا يؤهله للترشح لولاية رابعة وإدارة شؤون بلد يواجه تحديات داخلية وخارجية هذا من جهة، ومن جهة أخرى عدم تفعيل الدستور، إذ تنص المادة)88(على تنحّي الرئيس لأسباب صحية قاهرة42. وفي هذا السياق، يبدو أنّ جهاز المخابرات كان من أشد معارضي ترشح بوتفليقة لولاية رابعة، وكان في وقت سابق قد كشف عن قضايا الفساد التي تعلّقت بشخصيات مقرّبة من الرئيس على غرار وزير الداخلية يزيد زرهوني، ووزير الطاقة شكيب خليل، ووزير الاستثمارات عبد الحميد تمار، فضلً عن فتح عدد من التحقيقات في قضايا الرشوة ونهب المال العام مسّت قطاعات حيوية كالطاقة
والأشغال العمومية، إضافةً إلى قضية الخليفة، وهي قضايا الفساد التي لم تحدّ من نفوذ مؤسسة الرئاسة، بحيث تخلّ بوتفليقة عن هؤلاء الوزراء دون أن تتمّ المحاسبة الفعلية43.
وأمام هذا الضغط وخلافًا لما كان متوقعًا لدى الطبقة السياسية في الجزائر بعدم ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة، قام هذا الأخير بإجراء تغييرات على مستوى المخابرات العسكرية الجزائرية DRS، وذلك من خلال التحالف الذي عقده مع قائد أركان الجيش الفريق قايد صالح بإحالة عدد من الجنرالات على التقاعد، وتعيين آخرين يسبحون في فلك الرئاسة، فضلً عن أنّه أقدم على حلّ جهاز الشرطة القضائية التابع لجهاز الاستخبارات، والذي كان مكلّفًا بمتابعة قضايا الفساد التي تمّت الإشارة إليها، وإلحاق مديرية الاتصال التابعة لهذا الجهاز بقيادة أركان الجيش، ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، فقد عيّ بوتفليقة الفريق قايد صالح نائبًا لوزير الدفاع (نائبه) خلفًا للّواء عبد المالك قنايزية، إضافةً إلى ذلك أوكل إليه مهمة الإشراف على الهيئة العسكرية العليا44، وهي المؤشرات التي أكّدت بوضوح التحالف القائم بين قيادة أركان الجيش والرئاسة على حساب جهاز المخابرات. وعلى مستوى حزب جبهة التحرير الوطني، جرى فرض عمار سعيداني على رأس الحزب45، والذي خاض حملة شرسة ضد أشخاص من داخل جهاز المخابرات. وترشّح مع بوتفليقة في هذا الموعد الانتخابي كلٌ من عبد العزيز بلعيد، ولويزة حنون، وعلي فوزي رباعين، وموسى تواتي، وعلي بن فليس الذي دخل في منافسة شديدة قبيل الانتخابات مع الرئيس بوتفليقة في مشهد متكرر لرئاسيات سنة 2004، حيث كان بن فليس مرشح النجاح المعارض لبوتفليقة والمدعوم من المخابرات العسكرية، وهو المشهد الذي تكرر في رئاسيات سنة 2014، بحيث يمكن القول إنّ بن فليس كان مرشح الجناح المعارض لبوتفليقة من داخل المخابرات العسكرية، وهو الأمر الذي بيّ بوضوح حجم الشرخ الموجود بين قيادة أركان الجيش والمخابرات من جهة، وبين جهاز المخابرات والرئاسة من جهة أخرى. على الرغم من المخاض السياسي الذي تشهده الساحة السياسية في الجزائر على ضوء إعادة انتخاب بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة وفوزه بها بأغلبية ساحقة فيما بعد، فإنّ الجيش في الجزائر لم يتدخل على الرغم من مطالبة بعض الأطراف بتدخّله حمايةً للديمقراطية في الجزائر. ويعزى ذلك إلى عاملين أساسيين: يتعلق الأول بالتحول الكبير في فلسفة الجيش الجزائري بابتعاده التدريجي عن الحياة السياسية وتدخّله غير المباشر فيها على الأقل. ويتعلق الثاني أساسًا بالإصلاحات الهيكلية التي باشرها الجيش الجزائري في ما يخص احترافية الجيش وإعادة بناء العلاقات المدنية - العسكرية46. في المقابل، فإنّ الجيش الجزائري يواجه ضغوطات إقليمية؛ فالسياق الدولي والإقليمي المتعلق أساسًا بالحراك العربي 2011 والأزمة في الساحل الأفريقي 2012 وإفرازاتهما الأمنية، لا يسمح للجيش الجزائري بالتفرغ أكثر للمسائل الداخلية في محاولة منه لاحتواء هذه التهديدات حفاظًا على الأمن القومي الجزائري في ظل اتساع الحدود وميوعتها، ومن جهة أخرى فإنّه وبصفة دقيقة، راهنت المؤسسة العسكرية الجزائرية للتخلص من حكم بوتفليقة، في إطار صراع الأجنحة داخل النظام السياسي الجزائري، على مدى قدرة الحراك السياسي المتعلق بالنقاش والجدل حول مرض بوتفليقة وعزله بصفة دستورية دون حاجة الجيش إلى التدخل لعوامل دولية متعلقة بصورة الجزائر خارجيًا، بخاصة وأنّه قد يكيَّف على أنّه تعدٍّ على الشرعية وانقلاب على الحكم، أضف إلى ذلك الدعم الذي يحظى به بوتفليقة لدى الدوائر الغربية، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية، إلّ أنّ هذا الدور يكمن في المخابرات العسكرية بالتحديد، والتي لديها نفوذ حتى الآن في مفاصل الدولة وفي القرار السياسي47. وإجابة عن سؤال لماذا وافق قادة الجيش والمخابرات العسكرية الجزائرية DRS على السماح لعبد العزيز بوتفليقة بالترشح لعهدة
رابعة؟ فإنّ الإجابة تتمثّل أولً بأنّه الرئيس المثالي، فهو مريض، فاقد صدقيته، لم يعد يخرج من قصر المرادية. وثانيًا، لأنّه في ظل نظام قائم على الخيار السرّي، والذي يُدعم فيما بعد بالتأييد الشعبي عن طريق الانتخابات، ليس هناك من يستطيع الحلول مكان الرئيس الحالي. وأخيرًا، لأنّ تجديد عهدة الرئيس بوتفليقة يمثّل عدم حصول أيّ تغيير سياسي، فمهما كانت حالته الصحية، فإنّه من المرجّح أن يظل عبد العزيز بوتفليقة في المرادية، طالما سيطرت عائدات النفط على السخط الشعبي، حتى لا يهدد ذلك استقرار النظام، وليست إعادة ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة وانتخابه سوى أبرز دليل على ذلك، على الرغم من تدهور صحته بصورة واضحة، علمً وأنّه من المرتقب العودة إلى تحديد العهدات بعهدتين من جديد في التعديل الدستوري المقبل49.
الخاتمة
تعدّ الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية، أحد المقومات الأساسية للنظم الديمقراطية. لكن هذه الرقابة قد تواجه تحديات تعيق تطبيقها تلقائيًا في أثناء المراحل الانتقالية. لا سيما إذا ما أخذنا في الحسبان المعوقات التأسيسية التي فرضتها الموروثات السلطوية، ومنها تأثير السلطة العسكرية التابع والمتواصل في الحكومات الديمقراطية الناشئة. وما لم تجْر معالجة هذه المشكلة معالجة صحيحة في الدول العربية بخاصة، فإنّ العلاقات المدنية العسكرية ستتواصل في التفاعل ضمن حدود غير محددة، دون تبعية أو سلطة واضحة، باستغلال ميزانيات خيالية، وهو ما يمثّل عائقًا بل العائق أمام انتقال الدول العربية إلى النظام الديمقراطي وتحقيق التنمية والتقدم في جميع المجالات والتوصل إلى الاستقرار السياسي. وتمثّل التجربة الجزائرية مرجعية مهمة عندما يتعلق الأمر بدراسة الدور السياسي للجيش، والعلاقات المدنية - العسكرية، فلطالما كان للمؤسسة العسكرية في الجزائر علاقة وطيدة بالسلطة السياسية، بل إنّها تمثّل المحرك الرئيس وصاحبة السلطة الحقيقية، بوصفها المؤسسة المنظمة الوحيدة ذات الوزن الذي يتيح لها التحكّم الفعلي في السلطة، وذلك منذ استقلال البلاد. وعلى الرغم من أنّ تراجع دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية أصبح ظاهرة عالمية بامتياز، لا بدّ من أن تنعكس على النظم العربية، بعد أن بات نجاح التجارب السياسية يقاس بمدى قدرة السلطة المدنية المنتخبة على الأخذ بزمام الأمور وتسيير شؤون البلاد، ونجاحها في إبقاء المؤسسة العسكرية على الحياد، وهو ما يضمن الحفاظ على مهنيتها وحرفيتها بحسب هنتغتون Huntington P. Samuel. غير أنّه، وبناءً على ما تقدّم دراسته في هذه الورقة، فإنّنا نستنتج أنّ نزع الطابع العسكري عن النظام السياسي الجزائري لا يزال يشكّل عائقًا أمام وضع دستور مستقر، يسير على هديه نظام الحكم، وتُكفل فيه الحقوق والحريات، فأغلب التعديلات الدستورية كانت تتّسم بالطابع الاستعجالي. وهذا ما يجعلنا نستخلص أنّ التعديل الدستوري المرتقب لن يتماشى مع التحولات التي يعرفها المجتمع الجزائري. ولن يكرّس النظام الديمقراطي إلّ في ظل فصلٍ تام بين السلطات، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التدخّل في السياسة.