المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة:

نوري دريس

الملخّص

تقوم فكرة المجتمع المدني في هذه الدراسة على مبدأ استقلالية المجتمع الاقتصادي عن المجتمع السياسي بوصفه شرط ا تاريخيًا أساسيًا لتقليص الطابع الافتراسي للسلطة السياسية والحدّ من تغوّلها على المجتمع. وتتساءل الدراسة عن الأسباب التي تعيق تحقق المجتمع المدني   في الجزائر المعاصرة على الرغم من إقرار التعددية الحزبية والليبرالية الاقتصادية منذ دستور 1989. نفترض أنّ استمرار الطابع الريعي للاقتصاد في الجزائر سمح للنظام بامتلاك أدوات إبطال مفعول التعددية السياسية، واحتواء الآثار السياسية لليبرالية الاقتصادية، وذلك من خلال استخدام الموارد الريعية لاستزلام النخب وإحكام القبضة عليها ومن ورائها المجتمع. كما نحاول رسم الاقتصاد السياسي لتجربة الانتقال الديمقراطي غير المكتملة في الجزائر عبر البحث في أسباب عدم قدرة رأس المال الخاص على القيام بدور تاريخي في تحقق المجتمع المدني ودمقرطة الحقل السياسي على غرار ما قامت به البورجوازية في فجر الحداثة الأولى في أوروبا الغربية.

اقتصاد سياسي لتجربة انتقال ديمقراطي غير مكتملة

كلمات مفتاحية:

المجتمع المدني، المجتمع السياسي، المجتمع الاقتصادي، الزبونية السياسية، الاقتصاد الريعي، البورجوازية.

البناء الإشكالي

لم تبق الجزائر ساكنة أمام موجة التغيير التي اجتاحت دول المعسكر الاشتراكي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي؛ فبعد ثلاثة عقود من الأحادية الحزبية وهيمنة الدولة على الحقل الاقتصادي، جاءت أحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988 لتمثّل نقطة انطلاق سلسلة من "الإصلاحات" في المجالين السياسي والاقتصادي. في خضم ذلك، جاء دستور 23 شباط/ فبراير 1989 ليضع حدًّا للأحادية الحزبية والاشتراكية الاقتصادية، بإقرار التعددية السياسية والإعلامية وحرية المبادرة الاقتصادية. وفي جو هذه الإصلاحات، بدأ مفهوم "المجتمع المدني" يروج في الخطاب الرسمي للدولة بدلالاتٍ ومضامينَ متناقضة أحيانًا، ولا تشير إلى المحتوى نفسه ولا تحمل الرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية نفسها.

خلافًا للأدبيات الغربية التي أعادت إحياء مفهوم المجتمع المدني بعد غياب طويل في النظرية السياسية المعاصرة، لم يجْر استدعاء هذا المفهوم في الخطاب السياسي الجزائري - ولا في الخطاب الأكاديمي في مرحلةٍ لاحقة - لاستعماله في مواجهة الدولة التسلطية القمعية، على غرار ما حدث في بولندا، بل أحياه خطاب النظام السياسي ذاته وروَّج له عبر إطلاق تسمية "المجتمع المدني" على الحركة الجمعوية التي لا تنشط في السياسة. وبدل أن يوجَّه المجتمع المدني ضد شمولية الدولة واستبدادها، قام خطاب السلطة التي سرعان ما تراجعت عن فتح المجال السياسي بسبب انزلاق العملية السياسية إلى العنف وإعلان حالة الطوارئ1، بشحنه بدلالاتٍ ومضامينَ لا تختلف في شيء عن الدلالات التي تحملها الحركة الجمعوية أو المنظمات الأهلية التي تنشط خارج إطار اللعبة السياسية. والتقط الخطاب الأكاديمي مقولة "المجتمع المدني" بالدلالات والمضامين عينها التي شحنته بها السلطة: لا حاجة إلى شحن مفهوم المجتمع المدني بدلالات نضالية سياسية ما دامت الدولة ذاتها لم تَعُد مستبدة ولا شمولية، شكليًا ونظريًا على الأقل، ما بقي الفضاء الإعلامي والسياسي والاقتصادي مفتوحًا ومتعددًا. بتعبير آخر، لا حاجة إلى ذلك كلّه ما دامت الدولة قد اختزلت طريق النضال السياسي على المجتمع، و"دمقرطت" بإرادتها الحقل السياسي، وحررت النشاط الاقتصادي. ضمن هذا السياق الذي شهد أزمة اقتصادية خانقة وضعف الدولة حيال واجب تأمين أبسط الخدمات اليومية في الأرياف والمدن، حُوّلت سهام المجتمع المدني أيضًا نحو العمل الخيري من دون الإشارة إلى أيّ وظيفة سياسية لهذا "المجتمع"، ما عدا التشديد في أحسن الأحوال على إمكانية مساهمته في تقوية المشاركة السياسية في مختلف العروض الانتخابية التي تطرحها السلطة دوريًا وبانتظام. بعد ربع قرن من إقرار التعددية السياسية والإعلامية والنقابية، وتحرير الاقتصاد من قبضة الدولة تدريجيًا، يمكن أن نسجّل الملاحظات التالية: اقتصاديًا: على الرغم من فتح حرية المبادرة الاقتصادية للقطاع الخاص، وانتشار الآلاف من الشركات الخاصة في مختلف القطاعات الاقتصادية، فإنّ اقتصاد الجزائر لا يزال مرتبطًا بصادرات المحروقات بنسبةٍ تفوق ال 97 في المئة؛ أي إنّ القطاع الخاص لم يساهم في تقليص التبعية للمحروقات، ولم يغير شيئًا في الطابع الريعي للاقتصاد الوطني. سياسيًا: سرعان ما انزلقت العملية السياسية التي أُطلقت بعد إقرار دستور 23 شباط/ فبراير 1989 نحو العنف، وتسبّب توقيف المسار الانتخابي في إعلان حالة طوارئ لمدة 23 سنة، قيّدت فيها السلطة السياسية الحريات الأساسية، وغلقت المجال الإعلامي، مع الحفاظ على تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية في مواعيدها المحددة منذ سنة 1995. ولا يزال الحزب الذي حكم جزائر الأحادية، هو من يسيطر على أغلبية المقاعد في البرلمان، وبالتركيبة البشرية

  1. أُعلنت حالة الطوارئ عن طريق المرسوم الرئاسي رقم 92 - 44 مؤرخ في 9 شباط/فبراير 1992، ولم تُرفع إلا في 24 شباط/فبراير.2011

نفسها تقريبًا والمنتمية إلى جيل ثورة التحرير. لم يستطع أيّ حزب معارض خلال هذه المرحلة أن يصل إلى السلطة، بل تراجع العمل الحزبي وتميّعت الساحة السياسية بانتشار طفيلي للأحزاب التي يصعب أحيانًا التمييز بينها، حتى في التسميات التي تحملها. تدفعنا هذان الملاحظتان إلى التساؤل عن مضمون التعددية السياسية والليبرالية الاقتصادية التي أقرّها النظام السياسي منذ ربع قرن: لماذا لم تحدث تغيرات عميقة في بنية النظام السياسي وطبيعة النظام الاقتصادي الجزائري؟ هذا التساؤل الذي يؤكد استمرار النظام السياسي الجزائري حتى بعد إقرار التعددية، مطروح للتشكيك في شرعية استعمال مفهوم المجتمع المدني بالشكل نفسه الجاهز والمعلّب والمختزل في الحركة الجمعوية التي حلّت محلّ المنظمات الجماهيرية2. إنّ الحجج التي يقدّمها مختزلو المجتمع المدني في العمل الجمعوي الواقع خارج السياسة حجج مقْنعة فقط من وجهة النظر الشكلية (تعددية حزبية، وإعلامية، ونقابية، وليبرالية اقتصادية)، في نظرهم، ولا حاجة إلى الرجوع بالمجتمع المدني إلى المرحلة التي جُنّد فيها ضد الدولة من أجل دمقرطتها؛ فالديمقراطية في الجزائر حدثت من دون المجتمع المدني.

إذا كانت هذه الحجج مقبولة من وجهة النظر الشكلية، فإنّه يجب تأكيد أنّ التحليل السوسيولوجي لا يأخذ بالطابع الشكلي بقدر ما يذهب إلى تفكيك آليات إعادة الإنتاج الاقتصادي والسياسي في المجتمع: هل هي آليات ديمقراطية شفافة أم أنّها غامضة وشمولية؟ ثم قبل طرح هذا التساؤل كان يجب التساؤل أولً عن مصير الثلاثين سنة من الممارسات السياسية الأحادية الشمولية، والممارسات الريعية الاقتصادية: هل تمّ تجاوزها بقرار سياسي بسيط؟ وماذا عن انعكاساتها على عملية تراكم رأس المال الخاص في جزائر اليوم؟ إنّ تاريخ تطور مفهوم المجتمع المدني هو في الواقع تاريخ تطور دولة القانون والديمقراطية نفسيهما، على حدّ تعبير المفكر العربي عزمي بشارة. والمراحل التي مر بها هذا المفهوم هي أيضًا مراحل تطور دولة القانون والحداثة السياسية في الغرب. والحداثة السياسية سيرورة تاريخية تشكّلت خلال فترة طويلة من الزمن، تفاعل خلالها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتاريخي، وحتى الجغرافي. وكان المجتمع المدني في كلّ مرحلة من مراحل تطور هذه الأبنية حاضرًا حضورًا مختلفًا عن المرحلة التي سبقته والمرحلة التي أتت بعده: كان في كلّ مرحلة يحمل دلالات ومعانيَ تتغير بتطور درجة البناء الدولتي State-Building وتمايز الحقول بعضها عن بعض. أمّا الشكل الأخير الذي استقر عليه هذا المفهوم في الغرب، فهو الشكل المتوافق مع اكتمال سيرورة بناء الدولة - الأمة، حيث يسود الحقل السياسي السلم والمواطَنة المكتملة البناء. لهذه الأسباب كلّها، سيكون من غير المشروع استعمال المجتمع المدني مفهومًا جاهزًا لا أكثر، وإسقاطه على مجتمعات لا تزال تعيش وضعًا استبداديًا وتداخلً رهيبًا للحقول في ما بينها، واقتصادًا ريعيًا توزيعيًا. في مجتمع لا يزال الطابع الريعي يطغى على اقتصاده بصورة مطلقة، على الرغم من طابعه الشكلي الليبرالي منذ 25 سنة، وحيث قواعد اللعبة السياسية في التنافس على السلطة غير واضحة ولا مستقرة ولا ممَ سسة، وحيث الأشخاص الذين حكموا خلال الأحادية الحزبية لا يزالون يحكمون في "عهد التعددية"، سيكون من التعسف إطلاق صفة النظام الديمقراطي على النظام السياسي الجزائري. بهذا الاستنتاج الأولّي، نقرّ برفضنا اختزال الديمقراطية والليبرالية في تمظهراتها الشكلية: إقرار التعددية الحزبية والإعلامية والليبرالية الاقتصادية في الدستور؛ فالديمقراطية لا يمكنها أن تعيش إلّ في دولة القانون. وفي حين أنّ هذه الأخيرة سيرورة تاريخية طويلة، فإنّ من غير الممكن أن تكون نتيجةَ قرار سياسي، وعليه، من غير الممكن أيضًا الحديث عن "مجتمع مدني" في جماعة سياسية politique Collectivité يسودها نظام شمولي واقتصاد ريعي توزيعي. تنطلق إشكالية هذه الدراسة من التسليم بأنّ المجتمع المدني لمّا يتأسسْ في الجزائر، لأنّ المستوى الذي بلغه البناء الدولتي فيها يجعل اختزاله في العمل الجمعوي - التطوعي إفراغًا لرهانات المفهوم الحقيقية ودفعًا له إلى زوايا لا تسائل النظام السياسي عن جوهر الديمقراطية وعلاقة الدولة بالمجتمع. إنّ نقطة انطلاق دينامية الحداثة هي

  1. كان النظام الحاكم يؤطر المجتمع ويراقبه عبر منظمات جماهيرية تنشط في مختلف الميادين، ولا تزال قائمة ونشطة إلى اليوم، ونخص بالذكر هنا: الاتحاد العام للعمال الجزائريين، والاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، والمنظمة الوطنية للطلبة الجزائريين، والاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين، والمنظمة الوطنية للمجاهدين، والمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء...

استقلالية الاقتصادي l'économiqueعن السياسي politique le من أجل السماح بتحرر المجتمع الاقتصادي عن المجتمع السياسي، وتقلُّص اعتماد المجتمع على الدولة في إعادة إنتاج نفسه (بقاء الأفراد على قيد الحياة)؛ فالفرد لا يمكنه أن يكون مستقلً وحرًا في ظل ارتباط المجتمع بما توزعه الدولة عليه من موارد (أجور، وتشغيل، ودعم للمواد الاستهلاكية)...، لأنّ عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي والمادي للمجتمع مرتبطة بالسلطة السياسية التي تحتكر مؤسسات الدولة. والحداثة انطلقت حينما تمايزت هذه الحقول، وانفصلت السلطات السياسية بعضها عن بعض، وأصبحت عملية اختيار المسؤولين في أجهزة الدولة في يد الشعب، في حين يبقى الحقل الاقتصادي خاضعًا لقوى السوق التي تحميها قوانين الدولة المتفق عليها. إنّ للسلطة السياسية طابعًا افتراسيًا، وأهم أدوات تقليص هذا الطابع هي استقلالية الاقتصادي عن السياسي، أي تحقق المجتمع المدني، فما هي الشروط التاريخية لاستقلالية الاقتصادي عن السياسي؟ وإذا أردنا قلب العملة ورؤية وجهها الآخر، سنجد التساؤل مطروحًا بالشكل التالي: ما هي الشروط التاريخية التي تمنع استقلالية الاقتصادي عن السياسي؟ والسؤالان هما في واقع الأمر وجهان لسؤالٍ واحد أشمل: ما هي شروط تحقق المجتمع المدني والعوامل التي تحول دون ذلك؟

بما أنّ مقولة المجتمع المدني مؤسسة حول مصفوفة matrice ثلاثية الأبعاد (البعد السياسي، والبعد الاقتصادي، والبعد الأخلاقي - القانوني)، فإنّ دراسة واقعه في المجتمع الجزائري تتطلب تحليلً دقيقًا لعلاقة السياسي بالاقتصادي، وعلاقة المجتمع بالدولة. ويمرّ هذا التحليل، طبعًا، عبر تحليل نمط اشتغال النظام السياسي والموارد المادية والرمزية التي يعتمد عليها في استمراره، إضافةً إلى تحليل الأسس التي تعتمد عليها عملية إعادة الإنتاج الاقتصادي ونمط اشتغال "الاقتصادي" في مجتمعٍ لا يزال يعيش مرحلة ما قبل تمايز الحقول. إذا كنّا قد أكدنا أعلاه أنّ النظام السياسي الجزائري لا يزال هو نفسه النظام القائم منذ الاستقلال، سواء في طريقة اشتغاله أو في تركيبته البشرية والسوسيولوجية3، فإنّ من الأهمية بمكان أن نتساءل عن طبيعة الموارد التي يرتكز عليها لضمان استمراره، بما أنّ تغييرات مؤسساتية مهمة حدثت منذ نهاية الثمانينيات إلى اليوم. في الواقع لا يمكن أيّ نظام سياسي أن يستمر باللجوء فقط إلى العنف والقهر المادي، بل هو في حاجة ملحّة إلى شرعية، أو إلى شرعيات تسمح بأن ينخرط فيه جزء مهمّ من الطبقات والفئات الاجتماعية التي تسمح له على الأقل بمراقبة الطبقات والفئات الأخرى التي تبدي رفضًا ومقاومة لاستمراره في ظل "التعددية والليبرالية." عند هذا الحد تواجهنا التساؤلات التالية: • ما هي الآثار السياسية التي تتركها الممارسات الاقتصادية للدولة الريعية في تحقق المجتمع المدني في الجزائر بعد إقرار التعددية السياسية والليبرالية الاقتصادية؟ • ما هي انعكاسات الطابع الريعي للاقتصاد الجزائري على تشكّل رأس المال الخاص في الجزائر؟ • ما هي الآليات التي يستخدمها النظام السياسي لاستقطاب النخب السياسية والاقتصادية ولمراقبة المجتمع؟

فرضيات الدراسة

تتغذى الفرضيات التي تنطلق منها هذه الدراسة من الأدبيات السوسيولوجية التي تناولت موضوع المجتمع المدني في البلدان ذات الاقتصاد الريعي؛ أي تلك الأدبيات التي تفترض وجود علاقة قوية بين ما يسمّيه لهواري عدي "الممارسات الاقتصادية للدولة الريعية" واستمرار الشمولية والاستبداد. وسنحاول اختبار صحة الفرضية القائلة إنّ الممارسات الريعية للدولة الوطنية أدت إلى نشأة برجوازية طفيلية لا يمكن أن يعوَّل عليها في أداء دور تاريخي مثلما فعلت البرجوازية الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ونحن نفترض أنّ عدم تحقق المجتمع المدني في جزائر اليوم يعود إلى ثلاثة

  1. للمزيد بشأن طريقة اشتغال النظام السياسي الجزائري، انظر: ناصر جابي 3، لماذا تأخر الربيع الجزائري؟ (الجزائر: منشورات الشهاب،)2012؛ أو إلى كتابات عدي لهواري Addi Lahouari التي سنشير إليها لاحقًا.

أوّلها أنّ الاقتصاد الريعي يمنع تحقق المجتمع المدني في الجزائر أمور:، لأنّه يشجع على الممارسات الريعية ويخنق الممارسات الإنتاجية من خلال التشجيع على انتشار الزبونية السياسية واستقطاب النخب والفئات الاجتماعية على قواعد الولاء الشخصي والمنفعة الشخصية المتبادلة، و ثانيها إلحاق المجتمع الاقتصادي بالمجتمع السياسي، و ثالثها منع استقلالية المجتمع عن الدولة ماديًا. لاختبار فرضيات هذه الدراسة، سنعود أولً إلى دراسة تاريخية لمفهوم المجتمع المدني، استنادًا إلى أطروحة عزمي بشارة ولهواري عدي. وحينما نبين كيفية استعمالنا له في هذه الدراسة، سنقوم بعدها باختبار تلك المعوقات التي نفترض أنّها تمنع تشكّله في سياقٍ تاريخي محدد: الجزائر المعاصرة.

المجتمع المدني: تاريخ المفهوم وتطوره

يبقى مفهوم المجتمع المدني من المفاهيم التي تعترض تعامل الباحث معه صعوبات وأخطار منهجية ونظرية كبيرة. ورواجه في الخطاب الإعلامي والسياسي والأكاديمي في عالم اليوم يجعله مثيرًا بالنسبة إلى الباحثين المشتغلين في قضايا الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان ودولة القانون، وليس الباحث العربي مستثنى في هذا المجال. أ نجزت مئات البحوث والأطروحات، وعُقدت عشرات الندوات بشأن هذا المولود الجديد مباشرة بعد انهيار المعسكر الشرقي وعودة الحديث عن دمقرطة دول أوروبا الشرقية ودول العالم الثالث ولبرلتها. وبادر مركز دراسات الوحدة العربية في فترة مبكرة إلى عقد ندوة ضخمة حول المجتمع المدني، جمعت باحثين من مختلف التخصصات المعرفية، وخرجت بمفهوم إجرائي يشير إلى أنّ المقصود بالمجتمع المدني هو المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة، باستقلالٍ عن سلطة الدولة، لتحقيق أغراض متعددة، منها أغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستويين الوطني والقومي، وأغراض نقابية كالدفاع عن مصالح أعضائها، كما في اتحادات الكتاب والجمعيات الثقافية، وأغراض اجتماعية للإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية4. على الرغم من إشارة هذا التعريف الإجرائي إلى عناصر مهمة في مقولة المجتمع المدني، كالاستقلال عن الدولة وإمكانية نشاطه في السياسة، فإنّه لم يستطع الإفلات من الوقوع في فخ البحث عن تعريف إجرائي عملي يبحث في تحديد ما يمكن أن يسمّى مجتمعًا مدنيًا في العالم العربي، وهو التحديد الذي سيؤدي إلى إعادة استهلاك المفهوم بالمضامين نفسها التي راج ضمنها في الغرب في العقدين الأخيرين، وقد أُخذ بالجانب الشكلي للمفهوم أكثر ممّ أُخذ بفلسفته وجوهره5. إنّ تعريفًا للمجتمع المدني قائمًا على هذا النحو يخفيه من الواقع ويبرره أكثر ممّ يسائله ويحاول إسقاط أقنعته: في نهاية المطاف، إذا انطلقنا من تعريف كهذا، فأين هو الفرق في وظيفة المجتمع المدني، بوصفه مفهومًا سوسيولوجيًا تحليليًا نقديًا، وواقعًا سياسيًا واجتماعيًا، في دولة مثل فرنسا وإنكلترا، أو في دولة ما من دول العالم العربي؟ إنّ اختلاف السياقات التاريخية والاقتصادية ودرجة البناء الدولتي يفرض على المشتغل بشأن مفردة المجتمع المدني البحث عن اللحظة التاريخية التي يتوافق فيها تحديد معيّ للمفهوم مع درجة البناء الدولتي: البناء السياسي - القانوني للمجتمع الذي سيستعمل فيه، لأنّ هذا المفهوم ظهر، مثلما أشار عزمي بشارة، بمفاهيم تاريخية مختلفة، وبعد كلّ تحقق له كان يظهر من جديد بمعنى جديد، أو بوصفه حاملً مطالب جديدة، أي إنّه وليد فرز جديد كلّ مرة، أو وليد تمفصل جديد للوحدة الاجتماعية والسياسية السائدة6.

كلمّا تطورت عملية تمايز الحقول الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مجتمع ما، تغيّ مضمون المجتمع المدني؛ فتاريخ دلالاته عند مفكري الحداثة هو في الواقع تأريخ دقيق لعملية تطور/ تمايز الحقول، أي

  1. 6 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2012، ص.23
  2. بالنسبة إلى لهواري عدي، المجتمع المدني هو بناء مجرد يعبّ عن استقلالية المجتمع الاقتصادي عن المجتمع السياسي، هذه هي الفكرة الأساسية التي تؤطر فهمنا وتصورنا ومناقشتنا للمجتمع المدني، بخصوص هذه الفكرة انظر: Lahouari Addi, "Problématique de la société civile en Algérie: Quelques éléments théoriques et historiques," Le Quotidien d'Oran , 10-12/9/2007.
  3. سعيد بنسعيد العلوي [وآخرون]، 4 المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1992

عملية بناء الدولة الحديثة. لهذه المبررات، نعتقد اليوم أنّ أيّ تعريف للمجتمع المدني لا يتوافق مع رهاناته السياسية التي ظهر بها وتطور فيها – وليس التي بلغها اليوم في تجلّيه النهائي في دولة القانون – ولا يأخذ في الحسبان درجة تمايز الحقول، هو تعريف يريد أن يفرغه من رهاناته ويقدّمه على طبق من ذهب إلى خطاب السلطة التبريري التجنيدي، أي التلاعب به واستغلاله سياسيًا وأيديولوجيًا. تتفق الصياغات الفكرية لمفهوم المجتمع المدني في معظمها على أنّه بناء تجريدي مؤسَّس حول استقلالية المجتمع السياسي عن المجتمع الاقتصادي، وما ينبثق عن هذه الاستقلالية من انعكاسات على الوضعية القانونية السياسية للفرد داخل المجتمع، وعلى العلاقة بين المجتمع والدولة. وكان هذا المجتمع "يناضل" طوال فترة تطوره في النظرية السياسية والسوسيولوجية المعاصرة من أجل توسيع هامش الحرية الفردية والمواطنة من جهة، والحدّ من الطابع الافتراسي للسلطة السياسية من جهة أخرى. وقد وجد في مراحل ظهوره الأولى في "الاقتصادي" عاملً حاسمً في بناء المواطنة ومقاومة تغوّل السلطة السياسية على باقي الحقول الاجتماعية الأخرى. ولهذا صاغ المفكرون الإسكتلنديون تصوراتهم للمجتمع المدني حول السوق ودورها في خلق التوازن السياسي من جهة وازدهار المجتمع وتلبية حاجاته من جهة أخرى. ولا تقِلّ تلك المفاهيم التي صيغت في ما بعد أهميةً عن التصور الإسكتلندي، ولكنّها تبقى مكملة لروح الفكرة وجوهرها: بناء دولة القانون والمواطنة. وقد استُعملت مقولة المجتمع المدني لبناء تصور مثالي حول الحياة الاجتماعية والسياسية في مجتمعات أوروبا الغربية منذ القرن السادس عشر. وفي كتابه Léviathan le عدّ هوبز هذا المجتمع سلطةَ الدولة المطلقة التي يجب أن تفرض النظام داخل مجتمع مزّقته الفوضى والحروب. وحينما تحققت فكرة الدولة المطلقة وانحرفت نحو الاستبداد المطلق، جاء آخرون بعده ليؤكدوا أنّ المجتمع المدني لا يمكن أن يتحقق تحت السلطة اللامحدودة للدولة، لأنّها سوف تقوّض الأمن الذي صُممت لحمايته أصلً، وبذلك تجعل قيام المجتمع المدني أمرًا مستحيل7. قال لوك: "إنه بقدر ما تبدو الدولة بالغة القوة، إلا أنّها لا تستطيع أن توفر أساسًا قويًا كفاية للمجتمع المدني"8. إذًا، سرعان ما تراجع الإعجاب الكبير بالدولة عند المفكرين الذين أتوا بعد هوبز، لأنّهم اكتشفوا أنّ السلطة المطلقة لا يمكن أن تحمي المجتمع ولا ملكيته الخاصة، بل غالبًا ما تحول دون أن يطور الأفراد مصالحهم الخاصة داخل فضائهم الخاص. وقد فُتحت ثغرة مهمة في تاريخ الفكر البشري سمحت باستيعاب دور النشاط الاقتصادي وقدرته العظيمة على تنظيم المجتمع وحمايته، ليس من الفوضى والاقتتال فقط، بل أيضًا من تغوّل السلطة السياسية المطلقة، سواء أكانت ملكية أم تيوقراطية.

في هذا السياق التاريخي الذي تميز أيضًا بصعود المد البرجوازي، صاغ الإسكتلندي آدم سميث في شأن الاقتصاد السياسي فكرته التي تبلور ضمنها مفهومه الخاص للمجتمع المدني. وقد اكتشف هذا الاقتصادي أنّ الدولة المتحالفة مع المركنتالية التجارية تعيق ازدهار الاقتصاد الداخلي للمجتمع الإنكليزي، فدعا إلى ضرورة تحرير النشاط الاقتصادي عامةً من قبضة الدولة بجميع مؤسساتها. وفي مرحلةٍ بدأت فيها السوق تتغلغل بقوة وفي كلّ مكان، أصبحت المصلحة الخاصة مقولة مركزية في الفكر الاقتصادي والسياسي الأوروبي: "'إذا كانت الملْكية الخاصة حقًا طبيعيًا وشرط الاستقرار الخلقي، [فإنه] يترتب على ذلك أن الحرية الاقتصادية ترتكز على صميم أي تنظيم اجتماعي مناسب، وأن الدولة يجب أن تكفل أقصى مستوى من الحرية لجميع الأفراد الذين هم مالكون أحرار، ومعنيون بمصالحهم الشخصية"9. كانت مقولة المجتمع المدني في ترحال مستمر من ميدان اجتماعي إلى آخر. وفي كلّ مرحلة تاريخية يصاب فيها المجتمع بارتجاجات عنيفة بسبب التطرف في السلطة السياسية أو في الحرية الاقتصادية، يظهر تصورٌ جديد للعلاقة الاجتماعية والرابطة السياسية والأسس التي يجب أن تنبني عليها. وبذلك، إذا كان في الإمكان أن ننظر إلى تاريخ المقولة بأثر رجعي، فإنّنا سنكتشف أنّ هذه المقولة هي بمنزلة عملية مخبرية، تختبر فيها الحقول الاجتماعية لبناء تصور لمجتمع

  1. انظر: جون اهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، علي حاكم صالح وحسن ناظم(مترجمان)، فالح عبد الجبار(مراجع)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،)2008، ص.171
  2. المرجع نفسه، ص.171
  3. المرجع نفسه، ص.180

منظم يسوده السلم الاجتماعي والحد الأدنى من العدالة الاجتماعية والحرية. لا غرابة إذًا أن يظهر بعد آدم سميث هجومٌ قوي على الحرية الاقتصادية، لأنّها لم تحقق الآمال الموعودة بالحرية والرفاهية للجميع بقدر ما زادت من سيطرة البرجوازية على الدولة والحياة الاجتماعية ككلّ. يمثّل كانط الذي يتوسط تاريخيًا آدم سميث وكارل ماركس، المفكر الذي رأى في الحرية الاقتصادية والأخلاق الفطرية عناصر غير كافية لبناء المجتمع المدني، وتدخّله تاريخيًا، كان في فترة متقدمة من تطور مؤسسات الدولة وآليات اقتصاد السوق. فهو اكتشف أنّ الدولة القوية المنظمة وحدها واقتصاد السوق وآلياته لا يمكنهما ضمان الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية. ولا يمكن الحديث عن المجتمع المدني ما لم يتوسط المجتمع والدولة فضاء عمومي أخلاقي- سياسي، يحمي الفرد من أنياب السوق وقهر الدولة. بالنسبة إلى كانط "يستلزم وجود المجتمع المدني فضاءً عامًا ليبراليًا، يوفق بين الفردية والكلية، وبين التناحر والانتماء عبر مؤسسات جمهورية يحكمها القانون"10.

حينما تدخّل ماركس بفكره النقدي الراديكالي وماديته التاريخية في المجتمع الأوروبي، كانت الدولة الحديثة قد قطعت في مسارها شوطًا بعيدًا على الرغم من أنّها شهدت في عصره انتكاسات اجتماعية واقتصادية شديدة. أمّا التمفصلات والتمايزات التي نضجت إلى حدٍ كبير في عصر ماركس (سواء التمفصلات التي تقع داخل حدود الدولة: الفصل بين السلطات، أو تلك التي تخترق المجتمع بصفة عامة: فصل الدين عن السياسة وفصل الاقتصاد عن السياسة وتوسط الفضاء العمومي للعلاقة بين الفرد والمجتمع)، فإنّها لم تتجاوز بعدُ مرحلة إفراز الآثار العنيفة لأيّ عملية فرز بين الحقول، و"هذا ما جعل من تصور ماركس للمجتمع المدني تصورًا يفرغه من مجموعة الفضائل التي شحن بها عند سابقيه. إنّه ميدان الاستغلال، وهو العالِم الاقتصادي الذي يخضعه فيه الفرد لسيطرة علاقات الاستغلال الاقتصادية"11. من هنا جاء رفض ماركس فلسفة هيغل وتمييزه بين المجتمع والدولة، وربما من هنا أيضًا جاءت الاشتراكية السوفياتية، وبعدها العالم - ثالثية التي التهمت فيها الدولة مجتمعاتها وألغت الحدود بين الاقتصادي والسياسي، وبين العام والخاص. في الوقت الذي سارعت فيه التجربة السوفياتية إلى التهام المجتمع باسم الماركسية العالمية وحقوق البروليتاريا، تطوّر الغرب الرأسمالي أكثر فأكثر. وكانت الولايات المتحدة تشهد انتشارًا طفيليًا لنماذج جديدة من التنظيم الاجتماعي المدني؛ فانتشرت تنظيمات طوعية مستقلة تساعد الفرد في التغلّب على اغترابه في الحياة المدنية المعاصرة، وتمكّن عبرها المجتمع من إيجاد مكان له وسط السوق والبيروقراطية المتشعبة للدولة. وتوسّع هامش حرية المجتمع في التحرك ضد السلطة السياسية والبيروقراطية وهيمنة آليات السوق في الغرب الرأسمالي، في حين التهمت الدولة الاشتراكية ما تبقّى من المجتمع الذي يقع خارجها عبر المنظمات الجماهيرية التي كانت الأنظمة السياسية الحاكمة تموّلها. وأصبح للمجتمع المدني في الدول الرأسمالية تجليات ملموسة، في حين فرضت الدولة الاشتراكية فكرة عدم الحاجة إلى المجتمع المدني الذي يقع خارج الدولة. بصفة عامة، هذا هو المناخ السائد عشية انهيار المعسكر الاش ارركي في نهاية الثمانينيات.

المجتمع المدني بعد انهيار الاشتراكية في دول الجنوب

يتضح ممّ سبق أنّ تاريخ المجتمع المدني هو تاريخ الديمقراطية ودولة القانون؛ إذ لا وجود لدولة قانون بلا مجتمع مدني، ولا يمكن الحديث عن مجتمع مدني إلا داخل دولة قانون. ولكنّ التساؤل الذي يُطرح هنا هو: كيف تسلل المفهوم النهائي للمجتمع المدني إلى الخطاب الأكاديمي والسياسي العربي الذي لم يخض أيّ معركة من المعارك التي خاضها في الغرب؟ تعامل الخطاب الأكاديمي مع التاريخ النقدي لفكرة المجتمع المدني بكثير من الاستخفاف؛ إذ اكتفى بما هو مروَّج له في وسائل الإعلام العربية والغربية، وكانت النتيجة إفراغ المفردة من جميع الرهانات السياسية التي حملتها منذ نشأتها، وتحويلها إلى "منظمات جماهيرية" بتسمية جديدة تبدو أكثر عصرية.

  1. المرجع نفسه، ص.22
  2. بشارة، ص.182

فلنأخذ مثل ا النموذج الجزائري

يعود تداول مفهوم المجتمع المدني ورواجه في الخطاب السياسي والإعلامي والأكاديمي إلى عشية إقرار التعددية الحزبية في دستور 23 شباط/ فبراير 1989، بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988. إنّ اعتراف الدستور الجزائري بتعدد الأحزاب أول مرة في تاريخه وتحويل السلطة إلى موضوع للتنافس السياسي جعلا كثيرين من المهتمين يرون أنّهما بمنزلة توقيع الدولة عقد ميلاد المجتمع المدني الجزائري، لا لأنّه أقرّ الليبرالية الاقتصادية وحرية المبادرة فحسب، بل لكونه فتح المجال أيضًا أمام المجتمع ليزاول النشاط في الحركة الجمعوية. من هنا، بدأ النظر إلى العمل الجمعوي والجمعيات على أنّها المجتمع المدني، وأصبح للجزائر مجتمعها المدني بين عشيةٍ وضحاها. في الواقع، يمكن الحركة الجمعوية أن تكون المجتمع المدني في سياق تاريخي واقتصادي، ويمكن ألّ تكون كذلك في سياق آخر. يقول عزمي بشارة في كتابه المجتمع المدني: دراسة نقدية إنّ الواقع الاجتماعي الذي ينطبق عليه مفهوم المجتمع المدني فيفسره هو واقع اجتماعي ينضوي المفهوم إليه (وليس هو تحت المفهوم بوصفه تعريفًا عامًا مفروضًا عليه). والمجتمعات التي ينطبق عليها المفهوم هي مجتمعات مرّت بتفتيت الوحدة العضوية بين الفرد والجماعة (البنى الجمعية) أو تجزئتها أو تجاوزها من جهة أولى، وتمييز بين الدولة والمجتمع من جهة ثانية، وهو تمييز لا يؤدي إلى الانفصال الكلّ لنصبح أمام فرد بذاته أو مجتمع مدني بذاته، بل تعيد إنتاج الواحدة على أساس توسّطها - أي توسط عناصرها المتميزة – فهنالك علاقات تجمع الفرد والمجتمع والدولة في وحدة واحدة، عن طريق تنظيم العلاقة بينهما بوصفها علاقة حقوقية، وهي وحدة مركّبة من عناصر متمايزة، وليس وحدة طبيعية كالجماعة الأهلية. هذه هي الشروط النظرية والتاريخية في آن واحد لاستخدام مفهوم المجتمع المدني12. في مجتمعٍ تأسست فيه الدولة منذ أقل من ثلاثين سنة (الحديث هنا عن بداية التسعينيات)، كانت للدولة وبيروقراطيتها الهيمنة على جميع الحقول الاجتماعية، حيث لا وجود للفرد إلّ داخل الجماعة الأولية التي ينتمي إليها. ولكن بعد ثلاثين سنة من الممارسات الاقتصادية الريعية، كيف أمكن أن يحدث كلّ هذه التمايزات والتمفصلات داخل الجسم الاجتماعي الجزائري بين عشيةٍ وضحاها؟ وكيف أمكن استخدام مفهوم المجتمع المدني بمضامينه المتأخرة جدًا؟ يبدو أنّ "الباحث لا يكلف نفسه عناء خوض النقاش حول نظرية وتاريخ المفهوم، بل يكتفي بسرد بعض التعريفات الغربية بالسرعة الممكنة واختبار ما يلائمه منها بصيغة: المجتمع المدني هو... ثم يبدأ بمحاولة المزاوجة بين هذه الصيغة وبين الظواهر الاجتماعية التي يختارها"13. إنّ الفكرة الجوهرية التي تأسس المجتمع المدني عليها وتطورت إلى أن أصبحت ديمقراطية ودولة قانون، ثم دولة - أمة، هي استقلالية المجتمع الاقتصادي عن المجتمع السياسي. وما كان لجميع التمايزات والتمفصلات تلك لتحدث في سيرورة تشكُّل الدولة الحديثة لولا انهيار النظام الإقطاعي في أوروبا، وفقدان النبلاء والإقطاعيين هيمنتهم على القواعد المادية التي يعيد المجتمع إنتاج نفسه بناءً عليها. لقد تحررت دينامية الحداثة في أوروبا الغربية حينما بدأت الطبقة البرجوازية توسّع نطاق حرية نشاطها الإنتاجي، وفرضت على الدولة حينها (الأرستقراطية والملْكية) الانسحاب من مراقبة النشاط الاقتصادي وتركه لِيَد آدم سميث الخفية لكي يسيّ نفسه بنفسه. ولكن سرعان ما تحوّل الاقتصادي إلى قاعدة للتسوية السياسية في المجتمع ككلّ، لكونه أكثر العناصر حيادية والأقل إثارة للمشاعر والأحاسيس والنعرات في المجتمع.

إنّ الدولة الحديثة، بمجتمعها المدني، تشكّلت من الصراع الداخلي بين التناقضات الاجتماعية المختلفة. ومكّن انتقال نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي الصناعي (زوال الريوع الإقطاعية) من تراجع نفوذ الأرستقراطية والملكية الحاكمة في مقابل تصاعد نفوذ الطبقة البرجوازية التي بدأت تشعر بأنّ علاقات القوة في المجتمع أصبحت في مصلحتها، وهنا طالبت الدولةَ برفع يدها عن الاقتصاد وتركه يشتغل وفقًا لمنطق السوق الذي صاغه الاقتصاديون الإسكتلنديون. لقد صاحب المد البرجوازي حركة فكرية شاملة حررت الإنسان من النظرة الدونية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، وجعلت منه محور العلاقات الاجتماعية وموضوع قانون. واستطاعت حركة التنوير

  1. المرجع نفسه، ص.25
  2. المرجع نفسه، ص.40

والكفاح البروليتاري أن تقضي على الطابع الاستغلالي للطبقة البرجوازية من خلال إقرار الحريات النقابية، وتأسس بذلك حيزٌ عمومي تناقش فيه القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية من دون إكراهات الدولة ورقابتها. وفقًا لهذه المعادلة التاريخية، تراجع الطابع الافتراسي للدولة ولجهازها البيروقراطي، والطابع الاستغلالي للطبقة البرجوازية أيضًا، ولم تعد السلطة السياسية (المنصب السياسي) هدفًا في حد ذاتها بقدر ما هي هدف أيديولوجي معنوي ورمزي، ونحن نعتقد أنّ هذا هو النموذج النظري المنهجي الذي تأسست من خلاله الدولة الحديثة ونشأت. إنّ الدولة الحديثة (دولة القانون) تؤمّن الحماية القانونية للفرد والمجتمع، ولآليات المجتمع المدني (الروابط، والجمعيات، والتنظيمات المستقلة)، ولكنّها لا تمتلك الإطار القانوني الذي يسمح لها بتوجيهها واستغلالها سياسيًا. إنّ معظم هذه الآليات يتلقى تمويلً من خارج الدولة، من المقاولين والبرجوازيين، وهذا يجعلها تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية السياسية تجاه السلطة. أما بالنسبة إلى تحرر المجتمع ككلّ، فإنّ هذا المجتمع يستمد استقلاليته من كون الأفراد "لا يشتغلون عند الدولة"، بل عند القطاع الاقتصادي الخاص، لكن تحت حماية القانون والفضاء العمومي والعدالة المستقلة. والأفراد غير مجبرين على إبداء الولاء والطاعة للحاكم لأنّهم لا يشتغلون عنده ولا يتحكم هو في مصير قُوتهم اليومي، بل يحصلون على أجرهم المرتفع غالبًا من رب العمل الذي لا يمارس السياسة، لأنّه في غنى عنها ليستمر في تطوير نشاطه الاقتصادي. واستمرار الفرد في منصب عمله مرهون بقدرته على بيع قوة عمله لرب العمل، وهو يعرف جيدًا أنّ عقد العمل الذي يربطه مع مستخدمه تحميه السلطة القضائية المستقلة. إنّ العوامل التي سمحت بوجود هذه المعادلة واستمرارها في الغرب هي كون القاعدة التي يعاد عليها الإنتاج المادي للمجتمع قاعدة إنتاجية تعتمد على المنافسة وإحداث فائض في القيمة؛ فهي لا تعتمد على وفرة ريوع طاقوية ومنجمية من شأنها أن تتيح الموارد المالية الضرورية لشراء السلع والحاجات الغذائية من السوق العالمية، ويعاد توزيعها بين أفراد المجتمع بصيغٍ وطرق متعددة، وفقًا لحساباتٍ غالبًا ما تكون غير اقتصادية وغير عقلانية، وتتحكم فيها الدولة التي تسيّ عملية استخراج هذه الموارد الريعية وبيعها. وقد أثبتت التجربة الغربية أنّ الاقتصاد القائم على الإنتاج والمنافسة وفقًا لقواعد السوق هو الذي حرر دينامية بناء المجتمع المدني ودولة القانون، مثلما أظهر أيضًا أنّ هذا الاقتصاد يقلّص انتشار الفساد الاقتصادي والزبونية السياسية وعملية احتواء المجتمع، لأنّ الاقتصاد القائم على تكوين الثروة في ظل سلطة سياسية شرعية، ليس في حاجة إلى الفساد والنهب من أجل تحقيق الأرباح، ولا هو في حاجة إلى التموقع سياسيًا بوصفه زبونًا أو وليَّ نعمة، من أجل الاستفادة من الأرباح. نادرًا ما أشارت النقاشات الدائرة حول المجتمع المدني في الدول العربية إلى أهمية الحقل الاقتصادي في ظهور الدولة الحديثة والمجتمع المدني. صحيح أنّ بعض الباحثين أشار إلى دور الريع في استمرار الأنظمة الشمولية التسلطية، إلا أنّه لم يعط الاقتصادي حقّه في نشأة الدولة الحديثة، ولهذا غالبًا ما يختفي الخطاب النقدي العربي للأنظمة الشمولية وراء التفسيرات الثقافوية أو التاريخانية الضيقة، ويحمّلون الثقافة العربية وجهاز الدولة المسؤولية كلّها في خنق وصول المجتمع المدني، ولكن من دون الإشارة إلى "أنّه قد يستحيل" بناء الدولة الحديثة في ظل الاقتصاد الريعي التوزيعي14. وقد بقي الاقتصاد السياسي مغيَّبًا عن جميع النقاشات المتعلقة بالديمقراطية والمجتمع المدني ودولة القانون، على الرغم من أنّ القراءة العميقة للتاريخ النقدي لهذه المفردات تكشف أنّها مفردات ذات منبع اقتصادي. سنحاول إذًا مناقشة إشكالية عدم وصول المجتمع المدني في الجزائر المعاصرة بالاعتماد على مفردات الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي؛ بحيث نفترض وجود علاقة قوية بين الطبيعة الريعية للاقتصاد الجزائري وخنق المجتمع المدني والالتفاف على التعددية السياسية والليبرالية الاقتصادية؛ فبدلً من أن تؤدي التعددية الحزبية والليبرالية الاقتصادية إلى تحرر المجتمع الاقتصادي من المجتمع السياسي، أدّت إلى انتشار الزبونية السياسية على المستويات كافة، وخنقت جميع أشكال التعبير المجتمعي المستقل. ولكن لن يكون في وسعنا استيعاب الأوضاع التاريخية التي انتشرت فيها الممارسات الريعية للدولة الوطنية والزبونية السياسية من دون العودة إلى الأوضاع التي نشأت فيها الدولة الوطنية الجزائرية.

الدولة الوطنية الجزائرية: الظروف السوسيو - تاريخية لنشأتها

إذا كانت الدولة الحديثة في الغرب ظهرت نتيجة صراع بين التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع الأوروبي، ونشأت بوصفها بناء سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا تحلّ فيه هذه

  1. هذه هي الملاحظة التي توصّل إليها الاقتصادي اللبناني جورج قرم بشأن الفكر السياسي العربي المعاصر، إنّه فكر نادرًا ما اهتم بالريع ودوره في إعادة إنتاج الاستبداد والشمولية والتخلف، انظر: جورج قرم، في نقد الاقتصاد الريعي العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)2011، سلسلة أوراق عربية.3

التناقضات بطريقة سلمية، فإنّ نشأة الدولة الوطنية في الجزائر لم تكن نتيجة صراع بين التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بل تأسست في ظروف دولية تخللتها سيطرة القوى الاستعمارية الغربية على الكثير من دول العالم الواقعة في الجنوب. وبناءً عليه، فإنّ الدولة في هذه المجتمعات هي نتيجة لصراع بين الأهالي والأنظمة الاستعمارية، وحدث الصراع بين هذه المجتمعات (بتناقضاتها التي وحّدتها الشعبوية) وتناقضات النظام الدولي القائم على استغلال المجتمعات الضعيفة اقتصاديًا والممزقة سياسيًا15. حينما نشأت الدولة الجزائرية في صيف 1962، وبعد ميثاق طرابلس الذي وضعت فيه الأسس الأيديولوجية للنظام السياسي الجزائري الأحادي الحزب، كان المجتمع الجزائري لا يزال نهب تناقضات وصراعات وخلافات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. كما أنّ إشكالية السلطة، بوصفها جوهر الدولة، لم تُحلّ بطرق ديمقراطية يوافق عليها الجميع. واللحظة التاريخية التي نشأت فيها الدولة، لم يصاحبها بناء مؤسسات سياسية قانونية لحلّ التناقضات التي تهدد السلم الاجتماعي. والمؤسسات البيروقراطية التي أُقيمت آنذاك لم يشارك الشعب في وضعها، ولم تكن هنالك أدوات تمكّنه من ذلك. وقد أوجد واضعو ميثاق طرابلس نسقًا أيديولوجيًا يبررون به حديثهم باسم الفلاحين وإقصاءهم الطبقات الاجتماعية الأخرى باسم المشاركة الضعيفة في الثورة. عملت النخب الحاكمة على الحفاظ على مصالحها الاقتصادية بالاعتماد على خيار اقتصادي اشتراكي قائم على الأيديولوجيا الشعبوية، والأحادية الحزبية والشرعية الثورية، والدولة المركزية "القوية" التي بناها هواري بومدين 1965-()1978 لتجسيد شعارات شعبوية طموحة، سرعان ما انحرفت لتتحول إلى ما يسمّيه علماء الاجتماع السياسي بالدولة النيوباترمونيالية patrimonial néo- Etat التي تتلاشى فيها الحدود بين الأملاك العامة وأملاك الحاكم. وقد رفضت جميع أشكال التداول على السلطة والتعددية الحزبية تحت شعارات شعبوية تنفي وجود أيّ خلافات أيديولوجية أو اقتصادية أو سياسية بين مكوّنات النظام الحاكم وأفراد الشعب. على هذا الأساس الأيديولوجي، جرى تغييب أشكال الرقابة على المسؤولين في الأجهزة الإدارية للدولة، فكان أول الانعكاسات ظهور طبقة من الأغنياء استطاعت جمع ثروات طائلة من خلال استغلالها نفوذها داخل الإدارة وشبكة العلاقات التي نسجتها داخل السلطة، ثم قيامها في فترة لاحقة باحتكار أهم القنوات التجارية المربحة التي بدأ يُسمح للقطاع الخاص الاستثمار فيها منذ بداية الثمانينيات16؛ إنّها الممارسات الاقتصادية للدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

الممارسات الاقتصادية للدولة الريعية

انطلاقًا من فكرة أنّ الشرط التاريخي الأول لبناء المجتمع المدني هو استقلالية المجتمع الاقتصادي عن المجتمع السياسي، وما ينتجه ذلك من تحولات عميقة في العلاقة بين المجتمع والدولة، وفي الرابطة الاجتماعية والسياسية في مجتمع ما، فإنّ اللحظة التاريخية التي يجب البحث فيها اليوم عن أسباب عدم تحقق المجتمع المدني في الجزائر هي لحظة البحث في الأسباب التي تمنع هذه الاستقلالية على الرغم من الطابع الليبرالي الشكلي للاقتصاد الجزائري منذ.23 سنة يفرض هذا الأمر علينا العودة إلى الظروف التي نشأ فيها رأس المال الخاص في الجزائر، أو ما يُطلق عليه، ربما تعسفًا، البرجوازية الوطنية؛ وبالتالي، ينبغي البحث في أصولها الاجتماعية ومساراتها السياسية والشخصية في مرحلة أولى، ثم البحث لاحقًا عن المناخ الاقتصادي والسياسي الذي تشتغل فيه اليوم.

في أصول رأس المال الخاص الجزائري (البرجوازية الوطنية)

يتفق معظم وجهات النظر الدارسة لعملية تراكم رأس المال الخاص في الجزائر على أهمية الدور الذي أدّاه ما يسمّيه لهواري عدي "الممارسات الاقتصادية للدولة الجزائرية" في نشأة البورجوازية الوطنية. وقد استعمل لهواري عدي هذا المفهوم لوصف المتناقضات التي حملها المشروع التحديثي للنظام السياسي الذي أنتجه الاستقلال، وتحليل هذه المتناقضات. حاول النظام السياسي في عهد بومدين بناء مشروع اقتصادي لا يخضع لمنطق السوق (المنافسة، والصراع، والربح، والخسارة)؛

  1. بخصوص هذا الموضوع، انظر: Lahouari Addi, Etat et pouvoir: Approche méthodologique et sociologique (Alger: Office des publications universitaires, 1990).
  2. ظهر بعد وفاة هواري بومدين سنة 1978 مباشرة اقتناعٌ لدى النظام السياسي الجزائري بضرورة الانفتاح الاقتصادي على القطاع الخاص، وبدأ منذ تلك المرحلة السماح للخواص بالنشاط في القطاعات غير الإستراتيجية، للمزيد انظر: Djillali Liabès, "Sur la bourgeoisie privée," in: Mohamed Benguerna & Daho Djerbal (dirs.), La Quête de la rigueur: Hommage à Djillali Liabès (Alger: Casbah editions, 2006), pp. 17 - 48.

وذلك من خلال بناء قاعدة اقتصادية تسيَّ بإدارة مركزية قوية. وكان بومدين يعتقد أنّه يكفي تسيير الاقتصاد، على الصعد كافة، مركزيًا وبقرارات سياسية حتى يتمكن من تجنب ظهور الآثار السلبية لمنطق السوق، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا؛ كالفروق الاجتماعية والطبقية، ومحاصرة الطبقة البرجوازية وإقصائها من الحقل الاقتصادي منذ الميثاق الوطني لسنة 1976، والاستغلال السياسي للخلافات والصراعات الاقتصادية داخل المؤسسات الاقتصادية العمومية. وبيّ لهواري عدي في كثير من مؤلفاته أنّ وظيفة الممارسات الاقتصادية للدولة الجزائرية بعد الاستقلال لم تكن اقتصادية (تكوين الثروة والقيمة المضافة) بقدر ما كانت تشغل وظيفة سياسية تتمثّل بشراء السلم الاجتماعي، وكسب الحلفاء داخل المجتمع، وسقي الشبكات الزبونية المنتشرة على المستويات الإدارية كافة17. وسرعان ما أدت الممارسات التي كانت تهدف إلى منع استغلال المشكلات والخلافات الاقتصادية سياسيًا إلى شلّ المؤسسات الإنتاجية وإفقادها قدرتها على الاستمرار. يكتب عدي في هذا الصدد قائلً: "المؤسسة الاقتصادية العمومية، وبسبب تحولها إلى فضاء للتفاوض والمحافظة على المصالح السياسية للنظام الحاكم، أصبحت لا تمتلك أية وسيلة للضغط على العمال قصد تحسين الإنتاجية. فالمؤسسة مجبرة على احترام توصيات الوزارة التي تنص على ضرورة تجنب الصراعات التي يمكن أن تستغل سياسيًا"18. في ظل هذه الأوضاع، يقول عدي، لا يمكن المؤسسة إلا أن تكون عاجزة ومفلسة. ولتفادي غلقها، تلجأ الدولة إلى عملية تُ سح فيما تطهيرها ماليًا دوريًا من خلال منحها قروضًا بنكية بعد ولا تُسترد19. لم تُ نَ الإستراتيجية الاقتصادية بالفشل والانهيار فحسب، بل انتشرت أيضًا التأثيرات "السلبية" للسوق التي عمل النظام السياسي على عدم ظهورها، بسرعة وحدّة. وقد استغل رجال الإدارة والمسؤولون المتنفذون مناصبهم ومواقعهم وعلاقاتهم داخل جهاز الدولة لجمع ثروات هائلة، سواء عن طريق تحويل المال العام إلى حساباتهم الشخصية، أو من خلال احتكار النشاط في بعض القطاعات المصنَّفة غير إستراتيجية، وهو الاحتكار الذي سمح للقطاع الخاص بالنشاط فيها منذ بداية الثمانينيات. يقول الاقتصادي الجزائري نور الدين غريم في كتابه المقاولون الجزائريون: السلطة، الدولة والمجتمع: "لقد سمحت الامتيازات الممنوحة لأكثر من 3500 ناشط خلال المرحلة الاشتراكية بجمع أموال طائلة من خلال استغلال السوق، جمعوا فيها ريوعًا مهمة استثمروها بعد إقرار قانون الاستثمار الجديد"20. أمّا لهواري عدي، فأشار في هذا الصدد إلى أنّه "لم تكن هنالك أية ثروة يمكن جمعها خارج جهاز الدولة بمختلف تفرعاته"21. من الواضح إذًا، أن السياسة الاقتصادية للدولة هي التي أنتجت ما سمّي "البورجوازية الوطنية" من خلال المركزية الإدارية في التسيير والاستثمارات العمومية الضخمة وسياسة الأسعار المدعمة وسياسة الأجور وأنماط توزيع الريع داخل المجتمع. ولكن، تحقق هذا كلّه في تفاعل قوي مع الأيديولوجيا الشعبوية التي كانت تنفي وجود الصراع السياسي داخل السلطة والمجتمع، وتستعمل الاقتصاد موردًا سياسيًا، وتنفي الحاجة إلى قوانين التسوية السوقية، ومؤسسات سياسية لإعادة توزيع السلطة ومراقبته. بغياب أيّ تصور لبديل آخر في السلطة، كانت السلطة غاية في حد ذاتها، وبهذا، فإنّ ما سيميز المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في جزائر:1989 هو - انتشار قاعدة صناعية عاجزة ومفلسة، تلتهم أغلفة مالية ضخمة من دون أن يكون لها أيّ مساهمة في تكوين الثروة الوطنية، وتنتظر حلً لها وللعمال الذين يشتغلون فيها. - اتساع هوة الفروق الاجتماعية، وانتشار البطالة والفقر. - وجود "برجوازية وطنية" تنتظر الفرصة السانحة لاستثمار أموالها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستقوم هذه "البرجوازية الوطنية" بالدور التاريخي نفسه الذي قامت به البرجوازية الأوروبية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر؟ أم أن أصولها ومساراتها

  1. انظر مثلً، الأعمال التالية: Lahouari Addi, L'Impasse du populisme: L'Algérie, collectivité politique et État en construction (Alger: Entreprise nationale du livre, 1990); "Néo- patrimonialisme et économie en Algérie," in: Michel Camau (dir.), Changements politiques au Maghreb , études de l'annuaire de l'Afrique du Nord (Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1991).
  2. Addi, "Néo-patrimonialisme".
  3. لا تزال الدولة إلى اليوم تعتمد على هذه الممارسات. قبل الانتخابات الرئاسية لسنة 2009، والتي ترشح فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة ثالثة، بعد تغيير عاجل للدستور، قام الرئيس بوتفليقة قبل أيام من بدء الحملة الانتخابية بمسح ديون الفلاحين الجزائريين المقدَّرة ب 41 مليار دينار. كما جرى سنة)2013(، وفي خضم التوترات التي عرفها الجنوب الجزائري، منح فئة الشباب قروضًا بنكية من دون فوائد. وفي الواقع، يعتقد كثير من الشبان الذين تحدثنا إليهم وتقدموا إلى البنوك للحصول على قروض، أنّ الدولة ستقوم بمسحها في
  4. Nordine Grim, Entrepreneurs, pouvoir et soci é t é en Alg é rie (Alger: Casbah édition, 2012), p. 91. 21  Addi, L'Impasse du populisme, p. 14.
  5. مواعيد انتخابية تالية.

والمناخ الذي ستشتغل فيه من الآن فصاعدًا، سيحولها كلّ ذلك إلى طبقة أوليغارشية تعيد إنتاج النظام القائم والفاقد الشرعية، على أسس وقواعدَ جديدة: زبننة المجتمع؟

البرجوازية الوطنية بعد إقرار الليبرالية الاقتصادية

في الواقع، لا نحتاج إلى كثير من الجهد لتأكيد أنّ القطاع الخاص في الجزائر عجز عن إخراج الاقتصاد الوطني من مستنقع التبعية المطلقة للمحروقات؛ فخطاب السلطة نفسه لا يزال يؤكد ذلك في كلّ مناسبة. ولكن ما يهمنا هنا هو الدور التاريخي الذي يمكن أن تؤديه البرجوازية (القطاع الخاص) في دمقرطة الحقل السياسي. فهل يمكن الحديث عن هذا الدور في جزائر اليوم؟ وهل يمكن أن تكون لبنة لتحقق المجتمع المدني؟ وإذا ما أردنا استعارة تساؤل إيريك جوب في مقالة له حول "القطاع الخاص والسلطة السياسية في مصر"، فيمكن أن نسأل: إلى أي مدى استطاع نمو القطاع الخاص أن يغير نمط اشتغال النظام السياسي القائم؟ سرعان ما يجيب إيريك جوب عن سؤاله، منطلقًا من التجربة المصرية ومعم مً على باقي الدول العربية: "لم يلاحَظ في جميع التجارب التي عرفتها البلدان العربية أنّ التحولات والإصلاحات الاقتصادية أدت إلى بروز فاعلين اقتصاديين مستقلين ينتمون إلى القطاع الخاص، وقادرين على التأثير في أنظمة الحكم ودفعها إلى الدمقرطة"22. بالفعل، سرعان ما خاب الظن في قدرة هذه الطبقة الصاعدة على دمقرطة الأنظمة السياسية، سواء في مصر أو المغرب أو تونس أو الجزائر. ولم يقم القطاع الخاص إلّ بإعادة احتلال الأدوار التي كانت تقوم بها الدولة: إعادة توزيع الريع بصيغ مختلفة وبشكل أكثر رداءة وفسادًا ممّ كانت تقوم به الدولة. تنبّأ جيلالي اليابس منذ الثمانينيات بدور البرجوازية الوطنية "السيء" على الصعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي على حدٍ سواء، بعد إقرار عملية الانفتاح، لأنّه كان منذ تلك الفترة يدرك أنّ الانفتاح شُع فيه خفيةً وأنّه آتٍ لا محالة، فكتب في هذا الصدد يقول: "ليس ثمة ما يشير إلى أن البرجوازية والبرجوازية الصغيرة تحمل وتطور مشروعًا ديمقراطيًا[...]لا يمكنها إطلاقًا حل مشكلات مجتمع متخلف ومرتبط بالسوق العالمية"23. بالنسبة إلى اليابس، "جزائر 1989 ليست بإنكلترا الرأسمالية (إنكلترا القرنين السادس عشر والسابع عشر")24. إنّها ملاحظة جوهرية تفسر لنا بقوة لماذا يجب ألّ يُعوَّل على هذه الطبقة الصاعدة في دمقرطة الأنظمة السياسية وفي تحقيق المجتمع المدني. إنّ سوسيولوجية هذه الطبقة تبين لنا أنّها تتشكل من شخصيات انتمت ولا تزال تنتمي إلى جهاز الدولة، ومعظمها من شخصيات كانت في مواقع المسؤولية في الحزب الواحد والجمارك والجيش والضرائب والحكومة... واستغلت مناخ الثمانينيات لجمع ثروة وإنشاء شركات مناولة بأسمائها أو بأسماء أفراد من عائلاتها، تقدّم خدمات إلى الدولة في مقابل الحصول على جزء من الريع. وعشية إقرار التعددية الحزبية والليبرالية الاقتصادية في دستور 1989، كانت هي الجماعة الوحيدة القادرة على اقتحام السوق، بوصفها المالك الوحيد لرؤوس الأموال وشبكة العلاقات داخل السلطة للحصول على القروض والتسهيلات البنكية. ولم تؤدِّ محاولة النظام السياسي الجزائري في عهد الأحادية الحزبية والاشتراكية الاقتصادية خنق القطاع الخاص ومنع ظهور طبقة برجوازية، إلّ إلى ظهور البرجوازية بأسوأ صورها التاريخية المعهودة: إنّها البرجوازية الطفيلية التي تجمع ثروتها من الفساد وفي الخفاء، بالاعتماد على مؤسسات الدولة ذاتها أو التحالف مع برجوازية الكومبرادور، بما أنّ جمع الثروة في النشاط المنتج قد منع بقوة القانون منذ الميثاق الوطني لسنة.1976 لمعرفة واقع هذه الجماعة اليوم، يجب تقديم صورة واضحة عن فضاءات نشاطها وآليات إعادة إنتاج نفسها.

فضاءات النشاط وآليات إعادة الإنتاج الذاتي

لم يكن المناخ السياسي والاقتصادي الذي ساد جزائر 1989 ليسمح إلا بنموّ برجوازية طفيلية لا تعيش على الإنتاج وتكوين الثروة والقيمة المضافة، وإنما على "تدوير" الأموال التي حصلت عليها

  1. Eric Gobe, "Secteur privé et pouvoir politique en Egypte: Entre réformes économiques, logiques rentières et autoritarisme néo-patrimonial," in: Gérard D. Khoury & Nadine Méouchy (dir.), États et sociétés de l'Orient arabe: En quête d'avenir, 1945-2005: Actes de la Semaine internationale d'études sur le Moyen-Orient arabe, MMSH, Aix-en-Provence, juin 2005. II,
  2. Liabès, p. 18. 24  Ibid., p 33.
  3. Dynamique et enjeux (Paris: Geuthner, 2007), pp. 253 - 265.

من سنوات الاشتراكية والاقتصاد الموجَّه، و"إعادة تدويرها." إنّها تقوم بتدوير أموالها داخل حلقة توزيع الريع الذي تضخّه الدولة في القطاعات المختلفة: الأشغال العمومية والتجارة الخارجية وتمويل المؤسسات العمومية وخدمات وصفقات مناولة. وقد منح انزلاق العملية السياسية وتجربة الدمقرطة نحو العنف دعمً إضافيًا للنظام السياسي الجزائري الذي كان يبحث عن الاستمرار في ظل المناخ القانوني الجديد (التعددية الحزبية، والليبرالية الاقتصادية). كان هذا الهوس بالاستمرار في السلطة يمرّ، أولً عبر إحكام القبضة على "الحقل الاقتصادي" وزبننة النخب السياسية قدر المستطاع. ونحن نعتقد أنّ هذا هو السبب الرئيس الذي جعل رأس المال الجزائري الخاص قطاعًا طفيليًا غير منتج، همّه الوحيد والأساسي هو العمل على التموقع جيدًا داخل السلطة لمراقبة قنوات توزيع الريع وتسهيل الوصول إليها. وثمّة مقارنة بسيطة بين البرجوازي الإنكليزي في القرنين السادس عشر والسابع عشر والبورجوازي الجزائري غداة الانفتاح الاقتصادي، تساهم في توضيح الفكرة أكثر: البرجوازي الإنكليزي لم يكن في السلطة في يوم من الأيام، بل بدأ العمل حرفيًا في المنزل ثم طور عمله إلى أن أصبح مالكًا رأس مال كبيرًا. أما البرجوازي الجزائري، فجمع ثروته من خلال استغلال نفوذه السياسي داخل مؤسسات الدولة والعلاقات التي نسجها فيها؛ والإنكليزي لا يدين لأحد في جمع ثروته، في حين يدين الجزائري لأولياء النعمة الذين ضمنوا له الحماية القانونية وفتحوا له الطرق الإدارية لافتراس المال العام، أي إنّه مدين سياسيًا واجتماعيًا؛ البرجوازي الإنكليزي يحرص على تأمين المناخ الداخلي الملائم لكي يضاعف الإنتاجية ويحسّن المردودية والقدرة التنافسية لسلعته، بينما يحرص البرجوازي الجزائري على تأمين المناخ الخارجي لكي تستمر "مؤسسته التدويرية" في الوجود من خلال نسج علاقات مع مستوردين كبار، ومع نافذين في الإدارة الجمركية والضرائب، وعبر تقديم عمولات، أو علاقات مصاهرة، أو زبونية سياسية. من الواضح أنّ المستثمر الذي ينشط في مناخ اقتصادي إنتاجي لا يحتاج إلى تحالفات مع أشخاص داخل الإدارة؛ لأنّ هذه الإدارة لا تمتلك أصلً أدوات التدخل في نشاطه المستقل نظريًا وعمليًا عن جميع أشكال العرقلة والتبعية. أمّا الشخص الذي ينشط في مناخ سياسي انتقالي (نتحدث هنا عن مرحلة التسعينيات التي عرفت فيها الجزائر مرحلة انتقالية أوكلت مهمة تسيير الدولة فيها إلى المجلس الأعلى للدولة الذي أنشئ عقب وقف المسار الانتخابي في 12 كانون الثاني/ يناير)1992، حيث تكاد الحدود بين الحقل السياسي والحقل الاقتصادي تكون غامضة، وكذلك في مناخ اقتصادي ريعي يعتمد على التوزيع بدل الإنتاج، فإنّ نجاح "النشاط التدويري الافتراسي"25 لديه يتطلب احتراف مجموعة من المهارات، غير اقتصادية بالطبع، بل مهارات معقدة قائمة على القدرة على نسج الخيوط داخل الشبكات النافذة، وداخل الكارتلات التي تحتكر السوق والتجارة الخارجية، وإتقان قواعد التفاوض الزبوني مع أولياء النعمة في كلّ قطاع. ولا يسمح النظام السياسي الجزائري إلا بنشاط الشركات الإنتاجية (أي الشركات التي لا تشتغل بأنشطة التدوير والمناولة) التي يعرف أصحابها جيدًا: يعرف مواقفهم السياسية وأصولهم الاجتماعية، ويستطيع توقّع هذه المواقف في حالة حدوث أيّ طارئ داخل العصبة الحاكمة. يجب أن يكون متأكدًا من قدرته على توجيه مواقفهم واستغلالها سياسيًا كلما اقتضى الأمر ذلك. فالشرعية الثورية التي كان النظام السياسي الجزائري يرتكز عليها انهارت عشية إقرار التعددية أمام ضربات الأزمة الاقتصادية وخيبة الأمل الكبيرة التي أصيب بها المجتمع.

إنّ إقرار شرعية انتخابية جديدة في دستور 23 شباط/ فبراير 1989 يقتضي من النظام السياسي إتقان التلاعب بها باحترافية عالية؛ فهو يدرك أن ليس بمقدوره الاستمرار بالاعتماد على الأيديولوجيا

  1. نستخدم هنا تعبير "النشاط التدويري" لوصف نوع من الممارسات السائدة اليوم في أوساط النخب الاقتصادية الجزائرية، وهو تعبير يُستعمل بقوة في اللغة اليومية الجزائرية (ندور الصْوارد: أقوم بتدوير أموالي). يقوم النشاط التدويري على إدخال رأس مال في نشاط تجاري، ضمن جماعات الاستيراد، أو من خلال صفقات تبُرم مع مؤسسات الدولة، لإنجاز مشاريع أو تمويلها بالتجهيزات. المال الذي يقحم في هذا النشاط سرعان ما يتضخم، وكأنّه يدور حول الريع البترولي، بحيث إنّه كلما قام بدورة سلخ جزءًا من الريع ليزيد في حجمه. ولا يكوّن النشاط التدويري أيّ ثروة، ولا تعترضه أيّ مخاطر كالتي تعترض الاستثمارات المنتجة. إنّه يستفيد من مناخ الفساد والمضاربة والندرة المفتعلة، والصفقات المشبوهة، والفواتير المضخمة... وكلّها تسمح له بالتضخم بسرعة هائلة من دون أن يفقد شيئًا من قيمته الأولية، فهو كقطعة إسفنج تمتص حجمً من الماء كلما سحبت من الإناء. عادةً ما ينضم الأفراد إلى الشبكات المتحكمة في السوق من أجل وضع رأس مال فيها والتمتع بجميع الامتيازات التي يمنحها هذا الانضمام: الحماية من المنافسة، والحماية من المتابعة القضائية، والحماية من مصالح الضرائب، وفسح الطريق في الميناء...

الشعبوية وحدها ولا على العنف والقهر البوليسي. إنّه في حاجة إلى "زبائن" داخل الفضاءات الاجتماعية كلّها، خصوصًا تلك التي يرتكز عليها المجتمع في إعادة إنتاج نفسه. باختصار، إنّه في حاجة إلى خنق ظهور المجتمع المدني ومنع وصول نخب اقتصادية مستقلة لا تدين له بشيء، ولا تحتاج إلى التحالف معه كي تستمر. يفسّ لنا منطق النظام السياسي هذا توجّه رأس المال الخاص منذ السنوات الأولى من الانفتاح - بل قبل الانفتاح بكثير - إلى النشاط في القطاعات التجارية ذات المضاربة والربحية العاليتين وغير المحتاجتين إلى مهارات تكنولوجية أو إدارية، بل تحتاجان إلى شبكات تحالفات قوية داخل أجهزة السلطة المختلفة: الجمارك، والضرائب، والقضاء، والجيش... ومن هنا كان أوّل القطاعات الأكثر جاذبية له هو قطاع التجارة الخارجية الذي شهد بعد تحريره في سنة 1994 انتشارًا طفيليًا لشركات "الاستيراد والتصدير" التي تعود ملْكية معظمها إلى شخصيات نافذة في السلطة، ولو تحت تسميات أشخاص مجهولين.

لقد جعل الشلل الاقتصادي الذي أصاب دواليب الدولة خلال التسعينيات، والقيود التي فرضها صندوق النقد الدولي على الاستثمارات العمومية للدولة، نشاط رأس المال الخاص يقتصر (على الرغم من التحفيزات المهمة التي جاءت بها إصلاحات حكومة مولود حمروش) على التجارة الخارجية والتجارة الداخلية. وتراكمت ثروات هائلة خلال هذه المرحلة بين جماعات صغيرة احتكرت هذا القطاع، وتوجهت لاستثمارها في مرحلة لاحقة في شراء المؤسسات الاقتصادية العمومية التي قررت الدولة بيعها للخواص تحت مسمى "الخوصصة" [أو الخصخصة]، وأحيانًا بأسعار رمزية لا تساوي حتى ثمن العقار الذي أقيمت عليه. وعرفت مرحلة التسعينيات تشكُّل كارتلات قوية تتحكم في استيراد معظم السلع الأساسية من السوق الدولية باسم الاستثمار، مثل: السكر، والزيت، والقهوة، والفواكه الاستوائية، ومواد البناء، والأدوية...

بعد سنة 2000

إذا كانت تشريعيات حزيران/ يونيو 1997 تمثّل انتخابات التراجع عن الانفتاح السياسي الذي اكتوى النظام بنيرانه، فإنّ وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية سنة 1999 يمكن عدّه بداية مرحلة التراجع عن الإصلاحات الاقتصادية التي وضعها فريق الإصلاحيين بقيادة مولود حمروش وغازي حيدوسي في بداية التسعينيات. بعد أن أحكم النظام السياسي القبضة على اللعبة السياسية، وأبطل مفعولها نهائيًا منذ دستور 1996، جاءت الممارسات الاقتصادية لحكومات بوتفليقة لتكرّس "خوف" السلطة من وصول أيّ جماعة اقتصادية منتجة مستقلة عن محيطها. وكان تلاشي الخوف من إفلاس الدولة، والذي يعود فضله إلى ارتفاع قياسي للدخول الناتجة بدورها من ارتفاع أسعار المحروقات في السوق العالمية، قد شجع السلطة على العودة إلى ممارساتها الشعبوية، اقتصاديًا وسياسيًا. ثم عادت الشعبوية من بابها الواسع بعدما ظن الجميع أنّها دُحضت تمامًا بعد تجربة الفشل الاقتصادي والسياسي خلال عهد الأحادية الحزبية. وحتى لو بدا من خطاب السلطة أنّها تريد جلب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع المبادرات الخاصة، فإنّ ممارساتها الميدانية والحصون البيروقراطية التي لا يمكن لأيٍ كان اختراقها من دون امتلاك "أكتاف" (واسطة) قوية داخل الإدارة، تؤكد رغبتها في حشر رأس المال الخاص الذي سبق أن استعرضنا مساره وسوسيولوجيته، في زوايا ضيقة لا تفضي في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في موازين القوى داخل المجتمع، ولا تحوّل المؤسسة الاقتصادية الخاصة إلى مؤسسات مواطنة، تحمل مشروعًا مجتمعيًا ديمقراطيًا. حينما تعذّرت العودة دستوريًا إلى زمن الأحادية الحزبية والاشتراكية الاقتصادية، لجأت السلطة إلى إفراغ التعددية والليبرالية من مضامينها، وذلك بإنتاج نموذج اقتصادي ذي ملامح غير واضحة؛ فلا هو يشبه الاقتصاد الاشتراكي الذي ساد منذ الاستقلال إلى غاية نهاية الثمانينيات، ولا هو اقتصاد ذو ملامح ليبرالية شبيه بالاقتصاديات السائدة هنا وهناك؛ فمن جهة، تحاول السلطة جلب رؤوس الأموال الأجنبية بجميع الطرق، وتضخّ من جهة أخرى أموالً طائلة في جسد المؤسسات العمومية المفلسة من أجل إعادة إحياء القطاع العام، إذ بلغ حجم هذه الأموال إلى غاية سنة 2012 حوالى 10 مليارات دولار من دون تحقيق أيّ نتيجة ملموسة، باعتراف السلطة ذاتها. كما أنّ محاولة استثمار أموال في شركة إنتاجية خاصة أضحت نوعًا من

المغامرة والمقامرة الحقيقيتين، بسبب الضبابية في التشريعات وتغي القوانين كلّ مرة والتأويلات الكثيرة التي يتضمنها القانون. منذ مطلع الألفية، ضخّت الدولة أكثر من 600 مليار دولار في مشاريع الإنعاش الاقتصادي، ودعم الإنعاش الاقتصادي والمخطط الخماسي الأخير الذي سُمّي برنامج رئيس الجمهورية، وكانت في معظمها موجَهة إلى البنى التحتية: الري، والأشغال العمومية، والطرقات، والسكن، والصحة، والتعليم العالي... هذا الحجم الهائل من الأموال سرعان ما أثار شهية الشبكات المترصدة للإنفاق الحكومي العمومي، فازدهرت المقاولات الخاصة الناشطة في مجال البناء والأشغال العمومية والري، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالمناولة. وكان المقاولون الخواص في حاجة ماسة إلى موطئ قدم داخل الجماعات المتحكمة في توزيع الصفقات، ولهذا كان من الضروري منذ البداية أن يتحلى من يريد النشاط في هذه القطاعات بمَلكة إتقان التفاوض وطرق التعامل غير الرسمية. لم يكن ازدهار هذ النوع من المقاولات الخاصة يتطور من دون أن يؤثّر في القطاعات الأخرى؛ فكلمّا ازداد عدد هذه الشركات الخاصة، تقلّص في المقابل عدد الشركات الناشطة في القطاعات الإنتاجية، بسرعة جنونية؛ ففقدت الجزائر في أقل من أربع سنوات أكثر من 50 ألف شركة منتجة صغيرة ومتوسطة، في حين انتقل عدد الشركات الناشطة في القطاعات التفاوضية التدويرية من 12 ألف شركة سنة 2003 إلى 40 ألف شركة سنة 2012 26. وكان للعراقيل البيروقراطية التي وضعتها السلطة هنا وهناك دورٌ مهم في موت هذه الشركات الإنتاجية، وتحوّل الكثير من المنتجين إلى النشاط في مجال التجارة الخارجية أو الصفقات العمومية التي لا تحتوي على أيّ مخاطر إن أتقن المقاول قواعد اللعب المعروفة عند الجميع. وسرعان ما فهم رأس المال الجزائري الخاص الدور الذي تريد السلطة أن يؤديه داخل الحلقة الاقتصادية: النشاط في القطاعات التي لا تضر بتجارة الكارتلات المتحكمة في رقاب الجزائريين، والابتعاد قدر الإمكان عن إنتاج السلع التي تحتكر هذه الكارتلات استيرادها من السوق العالمية. بل من المستحب التوجه نحو الدخول في شبكات التوزيع والمناولة التي تحتاج إلى "أكتاف" وحماية من داخل السلطة ذاتها، وسرعان ما بدأ تعلّم قوانين الاغتناء في الجزائر وقواعده؛ فإذا ما أراد رب مؤسسة النجاح في عمله، فعليه العمل يوميًا على إيجاد من يدافع عنه، ويتكلم باسمه، ويحميه في حالة مخالفته القانون... كثيرًا ما لجأت السلطة إلى إشهار "سيف الحجاج" على رجال الأعمال الذين لا يقفون في صفّها متى قرب موعد إعادة إنتاج النظام، جزئيًا أو كليًا، محليًا أو وطنيًا. لقد شاهد الجميع كيف جرى - وبسرعة عجيبة - تفكيك الكثير من المجمعات الاقتصادية باللجوء إلى تطبيق القانون. وربما تمثّل قضية الخليفة وقضية شركة "تونيك" Tonic نموذجين لإصرار النظام - ولنقُل العصبة القوية في النظام - على استعمال القانون ضد معارضيه. لقد استخلص القطاع الخاص الكثير من الدروس من ممارسات الدولة، ولهذا يبُرز الاقتصادي نور الدين غريم27 خصائص هؤلاء المقاولين في ما يلي: • لا يزال كثيرون من المقاولين الجزائريين يُبدون خوفًا شديدًا من أن يكونوا هدفًا للسلطات العمومية، ولهذا يلاحَظ إبداؤهم الولاء المطلق من خلال إظهار الدعم في الانتخابات المختلفة، والوقوف ضد الحركات الاحتجاجية. • فهم عدد كبير من الذين يريدون الاستقلالية والمرور بسرعة أنّ سلوكهم هذا حرمهم الكثير من وسائل الدعم وعناصر "إفساح الطريق" أمامهم، وكان يمكن أن يستفيدوا منها لو أنّهم انخرطوا داخل شبكات زبونية. • حتى بعد مرور أكثر من 25 سنة على إقرار الدستور حق المبادرة الخاصة، لا يزال المقاولون الجزائريون يبحثون، بدافع الخوف أو بدافع العادة، عن حماية يؤمّنها لهم مسؤولون متموقعون جيدًا داخل هرم السلطة. • إنّ رجال الأعمال في الجزائر هم اليوم، باستثناء عدد قليل منهم، أعضاء في شبكات زبونية من أجل التمتع بالمزايا والامتيازات، وضمان الحماية عن طريق رجال نافذين في السلطة. • كلمّا احترم المقاولون الخواص قواعد السير الحسن غير المكتوبة في القانون، والمعروفة ضمنيًا فحسب، توافرت فرص أكبر لنشاطهم لكي ينمو ويستمر. وكلمّا كان سيف القانون رحيمً بهم، تُحمى حصتهم من السوق، وكلمّا وجدت تسهيلات جمركية، وتساهلت معهم البنوك في منحهم القروض، قلّت زيارة أجهزة تحصيل الضرائب مرافق أنشطتهم. • يمكن أن يحدث "تسامح مفرط" أو "ضرب بيد من حديد" للمقاولين الخواص، بحسب الأوضاع السياسية السائدة، وذلك بتفعيل الأدوات القمعية والرقابة وتسليطها عليهم، وعليه، يصبح مقاولٌ ذو سمعة ومكانة، منحرفًا في أروقة العدالة.

  1. Grim, p. 87.
  2. Ibid., p 64.

بهذه الطريقة استطاع النظام السياسي الحاكم أن يتجنب الآثار السياسية لِلبْ لَة الاقتصاد: منع ظهور مقاولين اقتصاديين مستقلين يستطيعون تأمين ما يحتاج المجتمع إليه من سلع استهلاكية، وامتصاص البطالة. وهنا نذكّر بأنّ إحدى الأدوات الأساسية التي راقب بها النظام المجتمع وشدّد سيطرته عليه هي إحكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الاستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق التوظيف والعمل. ويشعر المجتمع الجزائري اليوم بأنّه تحت رحمة دولته التي تبيع النفط وتشتري له من السوق العالمية ما يحتاج إليه من سلع لبقائه، بل يرى فيها المنْفذ الوحيد للنجاة من البطالة بما أنّ القطاع الخاص استغلالي وغير مأمون الجانب. لهذا، يجب الاستمرار في إبداء الولاء، طوعًا أو كرهًا، والبحث عن منافذ إلى متاهات صنّاع القرار وأصحاب النفوذ، للتمتع بالامتيازات والاستفادة من الخيرات. نشير إلى أنّ الرابطة الاجتماعية انقطعت، وبدا الأمر كما لو أنّ استفادة فرد ما من حقّه في مسكن أو وظيفة في الإدارة هي سرقه من آخرين عن طريق نفوذه و"أكتافه" ومعارفه. تتقطع هذه الرابطة الاجتماعية أفقيًا، ويزداد الارتباط بالدولة الراعية - والسخية على من يعرف طرق الوصول إليها شدة وقوة. وفي الوقت الذي يبحث فيه الفرد البسيط عن منفذ إلى حزب أو جمعية مساندة أو شبكة نفوذ... يتحول اهتمام رجال الأعمال إلى البحث عن منفذ إلى قلب الدولة، لاحتلال مراكز صنع القرار، أو التقرب منها على الأقل. وقد تجلى هذا بوضوح في الانتخابات التشريعية لسنة)2012(التي استطاع فيها أصحاب المال شراء المراتب الأولى في قوائم الأحزاب التي أملوا أنّها ستمنحهم مقاعد في البرلمان؛ فالظفر بمقعد في البرلمان يعني أن تكون قريبًا من شبكات النفوذ ومراكز توزيع الريع. ولهذا، وعبر جملة من الآليات الزبونية، يتحول النائب الفائز عن منطقته إلى وسيط زبوني فعلي بين أولياء النعمة الذين سيغدقون عليه، والسكان المستعدّين لتأييده في مقابل الوعود الفردية والجماعية، وهذا ما أوضحه محمد حشماوي28 بدقة حين تحدّث عن تحوّل النائب الجزائري إلى وسيط بين دولة ناهبة ومنهوبة في الآن نفسه. إنّها (الدولة) أداة لنهب المال والخيرات العامة من خلال احتكار مؤسساتها، وهي في الآن نفسه موضوع لنَهب كلّ من استطاع إلى ذلك سبيلً. والنائب الذي لا يؤدي أيّ دور سياسي داخل البرلمان يؤدي دور الوساطة بين النظام والشبكات الزبونية والمجتمعات المحلية، ويضمن بذلك تدفق الخيرات من الأعلى إلى الأسفل، وتجميع الولاءات المبعثرة هنا وهناك من الأسفل إلى الأعلى. إنّه أداة فعالة في مراقبة الوضع، وإسكات الجماعات السكانية الناقمة بالكذب الاجتماعي عادةً، والوساطة الزبونية في بعض الأحيان.

عمدت الدولة، من دون أن تتراجع عن المظاهر الشكلية للديمقراطية والتعددية، إلى إغراق الحقل الاجتماعي والسياسي بآلاف الجمعيات التي تستخدمها في كلّ مرة تحتاج فيها إلى إشاعة جوٍ من الإجماع المفتعَل حول برامجها وعروضها. وهذا طبعًا لقاء تسهيلات لأصحابها في الوصول إلى مصادر الأرزاق. في المقابل، وبعد أكثر من 12 سنة من غلق الساحة السياسية أمام اعتماد أحزاب جديدة، أدّت الأحداث التي شهدتها دول الجوار (ليبيا، وتونس).. إلى إغراق السلطة الساحة الحزبية بعشرات الأحزاب التي لا يمتلك بعضها حتى مقرات ثابتة، ويقود عددًا كبيرًا منها أشخاص نافذون ومقربون من دوائر صنع القرار، ويستخدمون أحزابهم أدواتٍ للوساطة الزبونية في مختلف العروض الانتخابية التي تطرحها السلطة.

المجتمع المدني والدولة: استطراد مقارن

إذا كان من الضروري إجراء مقارنة بين تجربة الانتقال الديمقراطي في الجزائر مع تجارب أخرى مماثلة في أوروبا الشرقية، فإنّه من السهولة بمكان أن نحكم على تجربتنا (الجزائرية) بالفشل في تحقيق ما حققته أوروبا الشرقية؛ فالنظام النيوباترمونيالي استطاع أن يستمر ويتعايش مع التعددية السياسية والليبرالية الاقتصادية. واستطاع أيضًا أن يثبت قدميه بقوة فيها، وباستثناء هامش ضيّق من الحريات – هو بدوره في تراجع مستمر – فإنّه لا يلاحَظ أيّ تراجع ذي أهمية للطابع الافتراسي للسلطة السياسية، بل إنّ انحراف التجربة الديمقراطية نحو العنف مَنح النظام السياسي (الدولة) فرصة للانقضاض على المجتمع. ولكن، على الرغم من كلّ هذا، هنالك من يتحدث عن مجتمعٍ مدني قائم.

  1. محمد حشماوي، "التمثيل السياسي في الجزائر: بين علاقات الزبونية والنهب نقد 1997 - 2002(الجزائر،")، العددان 19 - 20 (خريف- شتاء)2004، ص 11 - .87

أمّا في أوروبا الشرقية فإنّه لا يخفى على أحد تراجع الطابع الافتراسي للسلطة السياسية، وبداية بروز استقلالية فعلية للمجتمع عن الدولة، بما يسمح ببناء مؤسسات سياسية شرعية وتمثيلية. إنّ تجربة الانتقال في الحالتين موضوع المقارنة مختلفة، ولم تأخذ المسار نفسه؛ ففي حين ساد إجماعٌ واضح حول السلطة السياسية في الجزائر إلى غاية نهاية الثمانينيات، لوحظ في أوروبا الشرقية وجود محاولات لفكّ الارتباط بين المجتمع والدولة منذ السبعينيات من القرن الماضي، وهو فكّ ارتباط لا يمكن الحديث من دونه عن انتقال ديمقراطي أو مواطنة أو مجتمع مدني. لقد فهمت النخب في أوروبا الشرقية أنّه ما من بديل لتحقيق الديمقراطية من دون العودة إلى إحياء الشكل التاريخي الأول للمجتمع المدني الذي أسّس لدولة القانون والحداثة. هذا، في حين فضّ لت النخب في الجزائر الاكتفاء ب "الديمقراطية" التي أنجزتها الدولة دون الحاجة إلى المجتمع المدني. فلم تطرح مسألة استقلالية المجتمع عن الدولة في قضية الانتقال الديمقراطي، واختزلت المسألة برمّتها في السماح بتشكيل الأحزاب السياسية وفتح المجال أمام التعددية الإعلامية وانتظار إعانات الدولة الموسمية لها. ولم تكن الأسس الاقتصادية والمادية للنظام الشمولي يومًا موضوعًا للنقاش. وكان الاعتقاد السائد في جزائر نهاية الثمانينيات أنّ الاستبداد يعود إلى عوامل نشأة النظام السياسي الجزائري عشية الاستقلال، حينما قامت جماعة جيش الحدود بالاستيلاء على السلطة والانقلاب على الحكومة الجزائرية الموقّتة، أو أنّه نتيجة طبيعية لانحراف المسؤولين في الدولة عن تعاليم الإسلام الصحيحة (الإسلامويون). لم يكن هنالك وعي بوجود فرق بين لحظة نشوء الاستبداد والمرتكزات التي يستند إليها في إعادة إنتاج نفسه. ساد هذان التصوران على الرغم من أنّ توجّه النظام نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي لم يكن تحت ضغط الشارع، بل كان تحت ضغط الأزمة الاقتصادية التي خلّفها انهيار أسعار المحروقات في منتصف الثمانينيات؛ إذ اعتقد النظام أنّ الانفتاح هو السبيل الوحيد الذي سيمكّنه من تخفيف الضغط الاجتماعي عليه والخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فهل يعبّ استمرار هذا التصور عن محدودية النخب السياسية؟ أم عن تجذّر الثقافة الشعبوية في المخيال الاجتماعي والسياسي؟ لكن تجربة الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية كان لها تصوّرٌ مغاير تمامًا لفكرة المجتمع المدني. لقد أدركوا مبكرًا أنّه إذا ما لم يتمّ "مهاجمة" الأسس الاقتصادية للنظام الشمولي، فإنّ عملية الدمقرطة لن تتقدم قيد أنملة. في حين أراد النظام الاش ارركي دمقرطة المجتمع المدني باستعمال الدولة، حاولت النظرية الليبرالية دمقرطة الدولة من خلال المجتمع المدني. والفرق واضح وشاسع. ويكمن في اتجاه النزعتين: الديمقراطية هي "هبة من النظام" الاشتراكي في الجزائر وحصلت دون الحاجة إلى المجتمع المدني، في حين أنّ الحرية الاقتصادية والملكية الخاصة هما اللتان تنتجان المجتمع المدني الذي ينتج بدوره الديمقراطية. استُوعبت الديمقراطية في السياق الجزائري على أنّها مسألة اجتماعية، في حين أنّها مسألة سياسية/ اقتصادية في السياق الليبرالي. وهي مسألة سياسية بالدرجة الأولى. وقد انعكس ذلك التصور للديمقراطية على تصوّر مقولة المجتمع المدني ووظائفه وغاياته. بما أنّ الديمقراطية هي مسألة اجتماعية يرتبط نجاحها وقيامها بمدى ديمقراطية النخب والأفراد في المجتمع، فإنّ وظيفة المجتمع المدني وفقًا لهذا التصور هي تنموية وتربوية وخيرية؛ أي إنّها وظائف الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية نفسها. وحين يسود تصورٌ للديمقراطية على أنّها دولة القانون، وأنّها معركة سياسية تتعلق بالتداول السلمي على السلطة قبل كلّ شيء آخر، فإنّ تصورات المجتمع المدني ستنبثق من هذا التصور أيضًا؛ أي بالإجابة عن التساؤلين التاليين: كيف يمكن القضاء على الطابع الافتراسي للسلطة السياسية؟ وكيف يمكن بناء دولة القانون والمؤسسات؟ سرعان ما أدركت النخب في أوروبا الشرقية أنّ التنظيم الطوعي، حتى وإن كان في استقلالية عن الدولة، غير كافٍ لبناء الديمقراطية ودولة القانون. فتمكّن هذه التنظيمات الطوعية من افتكاك استقلالية قانونية عن الدولة في نشأتها الأولى، في ظلّ استمرار الهيمنة الدولتية على الحقل الاقتصادي، سيؤدي في نهاية المطاف إلى نشوء نوع من العقد الضمني العرفي بين الطرفين (الدولة، والمنظمات الطوعية)، وستتعلم الجمعيات والروابط من تلقاء نفسها الحدود التي يجب عدم اختراقها، إذا ما أرادت الحفاظ على استمرارها في النشاط. في حين يتعلم النظام أيضًا إلى أيّ مدى يجب الصبر على هذه الروابط والجمعيات، ومتى يجب التساهل معها، وفي أيّ الأوضاع يجب الضرب بيدٍ من حديد. وفهمَ النظام الشمولي أيضًا أنّ أفضل طريقة للاستمرار في السلطة لا تتمثّل بإلغاء الديمقراطية (الانتخابات) والتعددية الشكلية، بل بالالتفاف عليها، والتلاعب بها، وإفراغها من رهانها السياسي: التداول على السلطة السياسية. فالإرهاب والقمع المنظم ليسا مجدييْ.َ في ظل الأوضاع الدولية المعولمة بالنسبة إلى الأزمة البولندية، يقول جون اهرنبرغ: "كان المجتمع البولندي في البداية لا يتحدى الدولة مباشرةً، بل حاول تنظيم

نفسه باستقلالية عنها، لكنه سرعان ما اكتشف أنّه من غير الممكن تجنب المواجهة مع الدولة الفاقدة للشرعية باطّراد، لأنّ مؤسساتها وممارساتها تمنع هذا التنظيم"29.

لا يفهم من هذه العبارة أنّ معركة المجتمع المدني السياسية تعني مواجهة الدولة عسكريًا للحلول محلّ النظام القائم في السلطة؛ فحتى الجبهة الإسلامية للإنقاذ قامت بهذا الأمر عقب إلغاء المسار الانتخابي في التسعينيات؛ لأنّها مواجهة كانت رهاناتها السلطة، السلطة السياسية فحسب، وهو رهان لم يتضمن أيّ إشارة إلى المجتمع المدني30. إنّ معركة المجتمع المدني ليست معركة مسلّحة، ولا يمكن لها أن تكون كذلك. ولكن إذا تراكمت عوامل تحوّل معركة السلطة في مجتمع إلى معركة مسلّحة، فإنّها ستحدث لا محالة، وسيكون من العبث أن نختزلها في مؤامرة أجنبية على غرار ما يحدث اليوم في سورية وليبيا واليمن. لسوء الحظ، غالبًا ما تدفع الأنظمة الشمولية المجتمع إلى الدخول في حرب أهلية، وفي أحسن الأحوال إلى تمرد مسلّح ضدها، لأنّها لا تترك في ممارساتها السلطوية أيّ فضاء للمجتمع يمكنه أن يتحرك فيه ضدها بسلمية. لا تمتلك النظم الشمولية وعيًا بمصيرها ومصير المجتمع الذي تحكمه بقبضة من حديد؛ فعدم تصور بديل آخر في السلطة غالبًا ما يدفعها عن غير وعيٍ منها، وربما عن غير إرادة، إلى مواجهة كلّ مطلب بالمشاركة في السلطة بالحديد والنار، معتقدةً أنّ قمع الصفوف الأولى من المحتجين سيثني البقية عن هذا المطلب. لكنّ التاريخ يعلمنا أنّ قابلية الأفراد للتمرد تكون أكبر، إذا شعروا بأنّه لم يبق لهم ما يخسرونه. إنّ ما قامت به النخب في أوروبا الشرقية هو التركيز على ضرورة استعادة الاقتصادي من الدولة، لأنّ الدولة المستقلة اقتصاديًا عن المجتمع لا يمكن مواجهتها أو تغيير آليات اشتغالها. والدولة الاشتراكية التي يهيمن فيها رجال الحزب الواحد على كلّ المناصب السياسية والإدارية والاقتصادية لا يمكن لها أن تكون إلا دولة شمولية، أي دولة نيوباترمونيالية بتعبير أيزنستاند. هل اكتشفت أوروبا الشرقية أنّ الماركسية هي أيديولوجية شمولية؟ من المرجح أن نجيب ب"نعم" لأنّ الأحداث والتاريخ أثبتا صحة هذا الادعاء. يقول فاسلاف هافل Havel Vacleve "الاشتراكية هي شعاراتية فارغة، وتوسع متخشب للمقولات السياسية إلى ميادين لا تنتمي إليها أصلا بضآلة الحرية من السياسيين الفضوليين وبيروقراطيتهم المتطفلة...31." لقد نشأ وعيٌ بأنّ الاشتراكية لم تعد خيارًا اقتصاديا فحسب، أو بالأحرى لم تكن خيارا اقتصاديا تمامًا، بل هي مبرر اقتصادي للهيمنة السياسية للحزب الواحد على كلّ مفاصل المجتمع. يقول اهرنبرغ "أدرك قادة أوروبا الشرقية أنّ الطريقة الوحيدة لحماية المجتمع وصيانة الاستقلالية الفردية والحدّ من توجّه الحزب الواحد إلى تسييس كلّ شيء هي هجر الماركسية وإعادة تأكيد الفصل الليبرالي بين الدولة والمجتمع...32." صحيح أنّ ما حدث في الجزائر هو تخلٍ رسمي عن التوجه الاشتراكي وإقرار المبادئ الأساسية للملكية الخاصة وحرية المبادرة. ولكن الانطلاق من إقرار كهذا لنحكم على مستقبل تجربة الانتقال الديمقراطي، هو الخطأ بعينه لأنّه يعدّ تجاهلً واختزالا للواقع في قرار سياسي رسمي. لقد استمر الواقع الاقتصادي على ما هو عليه وإلى غاية اليوم. بل زادت التبعية للمحروقات حدةً، لتصل نسبة 98 % من دخول الجزائر متأتية من تصدير النفط والغاز؛ أي إنّ الدولة (التعددية) حافظت على استقلاليتها المالية من المجتمع، بخاصة بعد عودة أسعار المحروقات إلى الارتفاع، إذ سمحت للنظام بالتراجع عن التنازلات الاقتصادية التي كان قد منحها للقطاع الخاص، والتراجع أيضًا عن الكثير من العناصر الأساسية التي أقرّها دستور شباط/ فبراير 1989، والمؤسسة للتعددية. ربما كان هذا العامل هو العامل الموضوعي الذي صنع الفرق في مسار تجربتَي الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية والجزائر. فالقطاع العام التابع للدولة كان يهيمن على دول أوروبا الشرقية. ولكن لم تكن اقتصاداتها كلّها ريعية بالصورة الفاضحة والفاحشة التي كانت عليها – ولا تزال - اقتصاديات الدول العربية ومن بينها الجزائر. سيكون التحرر من قبضة الدولة غير الريعية أسهل، حتى وإن كان الاقتصاد تابعًا للدولة.

  1. اهرنبرغ، ص 361،.362
  2. هذا ما أكّده عبد الناصر جابي، إذ لاحظ أنّ الإسلام السياسي لا يستعمل هذه المفردة،
  3. انظر: اهرنبرغ، ص.354 32 المرجع نفسه، ص.365
  4. انظر: جابي.

كانت دول أوروبا الشرقية تتمتع بقطاعٍ عمومي صناعي قوي نسبيًا وغير مرتبط بالموارد الريعية الخارجية؛ أي إنّ الدولة في كلّ الأحوال كانت في حاجة إلى اليد العاملة ليشتغل قطاعها العمومي، عكس ما يلاحَظ في الدول الريعية حيث لا تحتاج الدولة إلا إلى فئة قليلة ممّن سيشتغلون في القطاع النفطي بأجور وامتيازات عالية، ونظام عمل شبه عسكري يمنعهم من التفكير في الإضرابات. إنّ دول أوروبا الشرقية تحتاج إلى المجتمع لضمان اشتغال القطاع العمومي وتحقيق أرباح وموارد مالية لتسديد نفقات الجهاز البيروقراطي والجيش والشرطة والتعليم... أي إنّ ارتباط المجتمع بالدولة هو ارتباط سياسي ظرفي تاريخي، يمكن أن يتغير بوصول منطق القطاع العام إلى حدوده القصوى حيث يصاب بالانهيار والعجز عن تحقيق القيمة المضافة والأرباح. سيكون كافيًا نسبيًا تغيير ملكية وسائل الإنتاج لتتغير العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبإفلاس القطاع العام، بسبب المنطق الذي يشتغل به، ستبدأ كمّ شات النظام الشمولي في التراجع والانحلال. وبانهيار القطاع العام - يكون المجتمع مصدر خلق الثروة - ينفكّ الارتباط السياسي الحاصل ويفرض المجتمع نفسه على الدولة بوصفه مصدرًا للسيادة. تظهر هذه الفكرة كما لو أنّ التاريخ يثبت صحة نقيض الفكرة الماركسية. في الوقت الذي تنادي فيه الماركسية بضرورة القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لإحلال الازدهار في المجتمع، اكتشفت أوروبا الشرقية، وبعد عقود من الممارسات الاشتراكية للدولة، أنّ الماركسية لم تقدّم إلا أيديولوجية إنسانية للنظم الشمولية، تبرّر هيمنة فئة قليلة من السياسيين والبيروقراطيين على ثروة المجتمع باسم الملكية العامة لوسائل الإنتاج. إنّ إلحاق المجتمع بالدولة، عن طريق الاشتراكية، هو الشرّ المطلق بعينه، وما من خير دون استقلالية المجتمع والفرد اقتصاديًا عن الدولة، وتحديدًا عن سلطة الحزب الواحد. تبدو العودة إلى الفكرة الأولى لنشأة المجتمع المدني ضرورية؛ أي العودة إلى اللحظة التي أسست لاستقلالية الاقتصادي عن السياسي وتحوّلت فيها الجماعة السياسية القابعة تحت سلطة الدولة المطلقة إلى مجتمع مدني متميز ومستقل عن الدولة. لم تعرف البشرية إلى غاية اللحظة سبيلً آخر لتحقيق هذه الاستقلالية النسبية عدا النموذج الليبرالي الذي وضع أسسه آدم سميث وكينز وريكاردو، بخاصة بعد فشل الشيوعية والاشتراكية والماركسية في تحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية. لهذا السبب، جاءت مفاهيم نخب مجتمعات أوروبا الشرقية ليبرالية تهاجم اشتراكية الدولة. نقرأ في كتاب حول المجتمع المدني والتحول الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي لمجموعة من الباحثين ما يلي: "لمصطلح المجتمع المدني تاريخ طويل، ولكنه برز في النقاشات الحديثة لأوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي حول مستقبل الحكومات الاشتراكية. فهو طريقة للإعراب ضمنًا عن انفصال علاقات اجتماعية معينة، لا سيما تلك التي تشتمل على التبادل من تلك العلاقات التي تسمّى سياسية. ومستخدمو هذا المصطلح متفقون على أنّ الحياة الاجتماعية يجب أن تنقسم إلى ميادين منفصلة"...33. تصرّ الاشتراكية والماركسية على أنّ الملكية الخاصة هي الشر المطلق. ولكن التاريخ أثبت أنّ الملكية الخاصة ليست هي كلّ الشر المطلق على الأقل، بل هي أساس الحرية السياسية بوصفها أساس الاستقلالية المادية الفردية. نقرأ أيضًا في الكتاب الجماعي نفسه: "ما من شيء مؤكد بصدد العلاقة بين الملكية الخاصة والحريات السياسية، فالملكية الخاصة تقدّم الأساس ال وررري – ولكن غير الكافي – للحريات السياسية. الشيء الوحيد المؤكد هو أن محاولة تحطيم الملكية الخاصة والسوق هي مقدمة لضياع الحريات السياسية وانحطاط مستوى العيش...34." تقوم الاشتراكية بخصخصة ما يفترض أنّه عامّ (السلطة السياسية)، وتعميم ما يفترض أنّه خاص (العمل، والملكية)، ولهذا يصرّ مؤلّفو الكتاب على أنّ "نجاح الحريات السياسية في الاتحاد السوفياتي يتوقف على إحياء المجتمع المدني وإعادة تأهيله، وبالنتيجة خلق قوى منافسة وموازنة لسلطة الدولة. ويتوقف هذا في الحقيقة على إرساء الملكية الخاصة واستعادة السوق بما في ذلك سوق السلع الرأسمالية35. ما من سببٍ واضح وأكيد يفسّ عدم اهتمام الطبقة السياسية الناشئة بعد دستور شباط/ فبراير 1989 بالحريات الاقتصادية، على الرغم من تقديم نفسها بوصفها "قوى ديمقراطية" تعمل على دمقرطة المجتمع. بل غالبًا ما لاحظنا دفاع بعض الأحزاب باستماتة عن الاشتراكية والهيمنة الدولتية على الاقتصاد (حزب جبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال)، والمطالبة في الوقت نفسه بتوسيع هامش الحريات السياسية. تقدّم النخب السياسية التي تسمي نفسها مجتمعًا مدنيا، في صورةٍ كاريكاتورية مثيرة للسخرية؛ إنّها ترى في الديمقراطية ودولة القانون مطلبًا يوجّه من المجتمع إلى الدولة، وبتعبير أدق من الأحزاب السياسية إلى السلطة القائمة فقط. إنّها عملية مطلبية على غرار مطالبة سكان قرية ما بالكهرباء والغاز؛ إذ يكفي الخروج إلى الشارع

  1. Chandran Kukathas & David W. Lovel & William, the transition from socialism: State and civil society in the USSR (Melbourne: Longman Cheshire, 1991), introduction, pp 2 - 3.
  2. Ibid., p 6.
  3. Ibid., p 12.

وتنظيم تظاهرة أو مسيرة لدفع النظام إلى إقرار مزيد من الحريات لهذه النخب، فهي لم تطالب يومًا السلطة السياسية بالانسحاب من القطاع الاقتصادي تدريجيًا، أو على الأقل فسح المجال للقطاع الخاص لينشط إلى جانب القطاع العام. ما عدا بعض التلميحات المحتشمة من بعض الأحزاب؛ إذ لم نسمع يومًا دعوة صريحة لتحرير الاقتصاد سياسيًا من قبضة الدولة كما لو أنّ الحرية السياسية تتحقق من دون حرية واستقلالية اقتصادية. يبدو أنّ هذه النخب الجديدة المنتظمة في أحزاب سياسية قد تحوّلت إلى سياسيين محترفين، همّهم الوحيد هو الوصول إلى السلطة ليحلّوا مكان رجال الحزب الواحد الذين احتكروا منافع المنصب وخيراته، عن طريق التسيير السياسي الزبوني للقطاع العام. إنّها نخبة تريد مناصبَ سياسية تسمح لها بأخذ حصة من الريع المتدفق من النفط والغاز. إذا كان الأمر بهذا البؤس، فمن حقّنا أن نتساءل عن الفرق بين الأحزاب السياسية غير الإسلامية والجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة التي كانت تنادي بضرورة استبدال رجال جبهة التحرير الوطني برجال الجبهة الإسلامية للإنقاذ؛ إذ إنّ المشكلات الاجتماعية في تصوّرها ليست سياسية ولا اقتصادية، بل هي انحراف رجال السلطة عن تعاليم الإسلام الصحيحة فقط36. وفقًا لهذا المنطق، ليس هنالك فرق ذو أهمية بين رجال الحزب الواحد والأحزاب الجديدة من جهة، وبين الأحزاب الإسلاموية وغير الإسلاموية من جهة أخرى. بل إنّه لا فرق بين تصورات هذه النخب مجتمعة لمستقبل الجزائر السياسي والاقتصادي والاجتماعي. إنّ إعادة إحياء مفهوم المجتمع المدني ضمن جهود الطبقة المثقفة "لدمقرطة الاشتراكية القائمة37" أو "لإحلال الليبرالية الشكلية القابعة تحت دهاليز الاقتصاد الريعي" والدولة النيوباترمونيالية، وإذا تركَّز كلّ الجهود ضد احتكار جبهة التحرير الوطني (وبعض الأحزاب الموالية لها بعد الانفتاح) النشاط السياسي، فإنّ هذا لن يؤدّي إلّ إلى إعادة إنتاج الوضع القائم بأشكال أكثر سوءًا ممّ كانت عليه قبل الانفتاح. إنّ عدم الاهتمام بمواجهة البنى الريعية منذ الانفتاح الاقتصادي والسياسي كان عاملً حاسمً في إرساء النظام الشمولي الباترمونيالي لقواعده مجددًا بعدما كان يلوح انهيارها بعد أزمة 1986. كما أنّ الاكتفاء بتصورٍ اختزالي للديمقراطية السياسية والمجتمع المدني المختزل بدوره في الجمعيات والروابط الأهلية سوف يؤدي إلى إعادة اكتساح النظام القائم الفضاءات الضيقة التي كان قد انسحب منها بعد إقرار التعددية. بعودة أسعار النفط إلى الارتفاع، وتجاوز الأزمة الأمنية، عاد النظام إلى ممارساته الاستزلامية de pratiques clientélisation للمجتمع بآلياتٍ جديدة انبثقت عن التعددية السياسية المجهضة: اختراق الأحزاب، وتشكيل أحزاب موالية، وتمييع الساحة الحزبية والإعلامية، والتضييق على الجمعيات، ونسج شبكات جمعوية موالية، وصناعة الأعيان، وصناعة رجال أعمال متحالفين... فما إن عادت أسعار المحروقات إلى الارتفاع، بخاصة بعد سنة 2000، حتى تحوّل النظام مجددًا إلى مركزٍ لاستقطاب جميع الفئات الاجتماعية الباحثة عن تحسين مكانتها الاجتماعية وحالتها المادية. ستكون الأحزاب القريبة من السلطة، أو صاحبة السلطة أكثر جذبًا واستقطابًا للفئات الاجتماعية الناشئة (جيل الشباب)، لأنّ الانضمام إليها يمنح فرصًا أكبر للاقتراب من قلب الدولة. أمّا اقتصاديًا، فقد عادت الدولة إلى ممارساتها الشعبوية منذ مطلع الألفية الجديدة، معتمدةً في ذلك على البحبوحة المالية التي توجد فيها. وسرعان ما تراجعت عن تلك التسهيلات التي منحتها للقطاع الخاص، وعملت على حشره في الأنشطة الاقتصادية التبادلية، التوزيعية والتجارية، أو في أحسن الأحوال في بعض الأنشطة الإنتاجية البسيطة.

استنتاجات

يبدو أنّ الخوض في نقاش يدور حول موضوعة المجتمع المدني في بلدان العالم العربي عامة، ليس سهلً؛ إذ تراكمت وتكلّست مسلمات لا يمكن حصر مصادرها وجذورها، فجعلت عملية إعادة نظر جذرية في ما هو متداول حول الموضوع أمرًا في غاية الصعوبة، ويواجَه بمقاومة شرسة من هنا وهنالك. لقد انتشر المفهوم وتغلغل إعلاميًا وسياسيًا وأكاديميًا وحتى اجتماعيًا. ويبدو أنّ المستفيدين المباشرين من وجوده، تحت هذا الشكل طبعًا، كثر ويترصدون جميع الفرص للترويج له في مختلف المحافل والمناسبات. لكن على الرغم من ذلك، فإنّ السير مع هذا التيار لن يؤدي إلا إلى إتاحة المزيد من الأغطية الأكاديمية للتلاعب به

  1. انظر: Lahouari Addi, l'Algérie et la démocratie: pouvoir et crise du politique dans l'Algérie contemporaine (France: La découverte, 1994), pp 80 - 91.
  2. غالبًا ما يشير مفهوم الديمقراطية عند الجزائري إلى توسيع المشاركة والولوج للفئات الاجتماعية بأكملها، فدمقرطة التعليم تعني حق الجميع في التعليم مجانًا، ودمقرطة الإنترنت والهاتف، تعني دعم الدولة ماديًا لأسعارهما ليكونا في متناول جميع الشرائح الاجتماعية. الخوف هو أن يكون هذا هو المضمون الحقيقي لتصورات النخب السياسية لمفهوم دمقرطة الاشتراكية، والتي ستعني بذلك حق جميع الفاعلين السياسيين في الوصول إلى مناصب سياسية واقتصادية وإدارية لتسيير الاقتصاد الاشتراكي لفترة محددة، يستغل المسيّ معظمها في جمع ثروة شخصية. بل إنّ المسؤول الفاسد في اللغة اليومية للجزائري هو ذاك الذي يقضي عهدته الانتخابية في النهب دون إنجازات اجتماعية وتنموية، فنسمع مثلً عبارة "لكان غير خدم شوي وسرق شوي."... يضفي هذا التصور نوعًا من المشروعية الاجتماعية على ممارسة بعض المسؤولين النهب، ويؤكد فكرة تصور الديمقراطية على أنّها حق الجميع في الوصول إلى منصب لأخذ حصة من الريع.

واستغلاله وتوظيفه لخدمة مصالح الجماعات الحاكمة، من خلال تزييف واقع مشوّه، جوهره استبداد مطلق وزبونية فاحشة، وظاهره ديمقراطية شكلية، ليبرالية اقتصادية و"مجتمع مدني نشيط." لمّا كانت الوظيفة الأساسية للعلوم الاجتماعية - وأخص هنا علم الاجتماع السياسي - هي وظيفة نقدية بامتياز، وجبت علينا إعادة قراءة الواقع بأدوات تحليلية ومنهجية أكثر عمقًا وشمولً. إنّها دراسة للمجتمع المدني تتجاوز تلك المقاربات التي يروّج لها هنا وهناك المثقفون التقنيون والخبراء الموظفون والمحللون السياسيون الذين لا يترددون في التحذلق في شأن الموضوعات كافة، حتى وإن انتمت إلى أطر معرفية تقع خارج التخصص الذي يشتغلون فيه. من دون أن نبادر إلى تقديم وصفة جاهزة تُعنى بالمجتمع المدني (واقعه، وسبل تطويره، ودوره في المجتمع)... مثلما تفعل الأطروحات التقنية في أغلب الأحيان، حاولنا في هذه الدراسة استرجاع النقاش وإعادة استدراجه إلى حقول معرفية غير التي تعوّد الكثيرون مناقشته فيها. وغالبًا ما كان المجتمع المدني موضوع بحث للعلوم السياسية بدل علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا السياسية والاقتصاد السياسي. إنّنا نعدّ هذا العمل نتاجًا للآفاق النظرية التي فتحها كتاب عزمي بشارة بخصوص المجتمع المدني، من خلال إعادة شحنه بالقدرة التحليلية والتفسيرية الهائلة للواقع السياسي والاجتماعي. ولا حاجة إلى تفصيل الفرق الشاسع بين أن يكون الموضوع مطروحًا في هذا التخصص أو ذاك. طبعًا، لا يرتبط ذلك بذاتية الباحث ولا بتخصصه، بقدر ما يرتبط بدرجة العلمنة والتمايز الاجتماعي ودرجة البناء الدولتي في ميدان الدراسة (مجتمع الدراسة.) إنّ طرح موضوع المجتمع المدني ضمن الأطر النظرية والمنهجية لعلم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا السياسية والاقتصاد السياسي (أي بمقاربة متعددة التخصصات) قد سمح لنا ببناء فرضيات - وأؤكد أنّها لا تزال فرضيات - تنتظر المزيد من التحقيق في الأسباب التي تعيق تشكّل المجتمع المدني في العالم العربي عامة والجزائر بصفة خاصة، من دون الوقوع في فخ التفسيرات الثقافوية الضيقة التي لا تختلف جوهريًا عن الإثنومركزية الغربية التي تكاد تنفي امتلاك المجتمعات العربية الإسلامية القدرة على بناء دولة القانون؛ فالثقافة العربية والعقل العربي والدين الإسلامي بوصفه دين الأغلبية في العالم العربي، ليست عوامل تقف عائقًا أمام الدمقرطة وتحقيق المجتمع المدني وبناء دولة القانون. ثمة ظروف موضوعية، لم يجرِ تجاوزها بعدُ، تعيق هذا التطور وتمنع دينامية الحداثة من التسارع، ويبدو أنّها الأوضاع نفسها التي مرت بها المجتمعات الأوروبية في فترةٍ تاريخية سابقة، لكن مع إضافة عامل الاستعمار بالنسبة إلى دول العالم العربي؛ فالاستعمار بعد أن أحدث خللً تاريخيًا في صيرورة نشأة الدولة والطبقات الاجتماعية، كانت له آثاره وانعكاساته التي تلاقت مع الطبيعة الريعية لاقتصاديات الدول الوطنية، وهو ما أدى إلى بروز أنظمة شمولية بيروقراطية تتحكم فيها جماعات محدودة تراقب الريع والمجتمع على حدٍ سواء؛ أي تحتكر جهاز الدولة وتستعمله للبقاء في السلطة. وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ستنتج من ممارسات اقتصادية ريعية وأيديولوجية شعبوية، ستكون فترة "خنق" المجتمع المدني طويلة نسبيًا، ودينامية تحرُّره بطيئة ومؤلمة في غالب الأحيان. في الجزائر، وعلى الرغم من الآمال الكبيرة التي عُلقت على دستور شباط/ فبراير 1989 لوضع حدٍ للاستبداد والشمولية والباترمونيالية Patrimonialisme، فإنّه سرعان ما تبين أنّ النظام السياسي الحاكم "أفعى برؤوس متعددة"، يمتلك جميع الموارد التي تسمح له بالاستمرار في جميع المناخات: مناخ الأحادية الحزبية والاشتراكية الاقتصادية، ومناخ التعددية الحزبية والليبرالية الاقتصادية. والأخطر من ذلك أنّ مساوئ النظام الشمولي القمعي تتجلى أكثر، كما تبين، حينما يقوم ب "فتح" المجالين السياسي والاقتصادي أكثر مما هما عليه في زمن الأحادية والاشتراكية، خصوصًا حينما يفقد هذا النظام الأسس الشرعية التي تحظى بأكبر قدر من الإجماع، والتي يحتاج إليها لممارسة السلطة واحتكارها. إنّ تحليل الممارسات الاقتصادية للدولة الريعية سمح لنا برسم مسار سوسيولوجي لرأس المال الخاص في الجزائر. ومن خلال تحليل فضاءات نشاطه وآليات إعادة إنتاج نفسه، تجلّ أنّه لا يقوم بأيّ دور تاريخي في دمقرطة النظام السياسي الجزائري، وفي تحقق المجتمع المدني. بل على العكس، إنّه الأداة الأساسية التي يستعملها النظام السياسي الجزائري في إعادة إنتاج نفسه، وفي مراقبة المجتمع وزبننته، من خلال إدخاله في حلقات إعادة توزيع الريع وتدويره في المجتمع. والمجتمع الجزائري اليوم لا يمكنه أن يعتمد على قطاع اقتصادي طفيلي غير إنتاجي في إعادة إنتاج نفسه، لذلك، لا يمكن تحقّق المجتمع المدني في ظل تراكم دخول ريعية هائلة سمحت للنظام السياسي بتلبية الطلبات الاجتماعية في حدها الأدنى من جهة، وبنسج الشبكات الزبونية التي تسانده ويراقب بها النخب من جهة أخرى. وقد تبين أنّ وفرة الريوع البترولية يمكن أن تُستعمل في استدراك ذلك العجز في الشرعية الذي يعانيه النظام منذ تزعزُع الشرعية الثورية في نهاية الثمانينيات؛ إذ إنّ هذه الموارد الريعية الضخمة تمكّنه من:

تلبية حاجات المجتمع المادية، من سلع وخدمات وتجهيزات، عبر استيرادها من السوق العالمية وإعادة توزيعها في السوق الداخلية وفقًا لمنطق غير اقتصادي في غالب الأحيان، ويتغير بتغيّ الأوضاع. الاستجابة للطلبات الاجتماعية الموجهة إليه في مختلف المجالات. شراء السلم الاجتماعي، باللجوء إلى إجراءات سياسية كلمّا كانت هنالك احتجاجات وحالات تذمر في أوساط المجتمع. خنق القطاع الخاص والمبادرات الخاصة المستقلة في القطاعات الإنتاجية كلمّا اقتضت الأوضاع السياسية ذلك، وكلمّا شُعر بأنّ مصالح الشبكات الزبونية للنظام مهدَّدة بمنافسة داخلية، فيلجأ النظام هنا إلى تسليط أدوات الرقابة عليه، أو إلى إغراق السوق بالسلع المستوردة الرديئة التي لا يمكن منافستها داخليًا. تدعيم الآلة القمعية لمواجهة التوترات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تظهر هنا وهناك. سقي الشبكات الزبونية وجماعات الولاء، وشراء المتحالفين محليًا ووطنيًا، ونسج لوبيات [مجموعات ضغط] على الصعد كافة، بما فيها لوبيات تضمن الدعم في المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية. تقديم الرشاوى للنخب السياسية والأكاديمية، ودفعها إلى الانخراط في شبكات النظام المنتشرة في جميع الحقول الاجتماعية. صناعة رأيٍ عام مزيف من خلال إنشاء شبكات إعلامية تروّج لمشاريع النظام، وتعمل على تلميع صورته، من خلال البروباغندا والدعاية المغرضة ضد الخصوم. توزيع الامتيازات وحماية الزبائن بوصفهم وسطاء بينه وبين المجتمع. هذه هي بعض الأدوات التي يستخدمها النظام السياسي الجزائري منذ الاستقلال، لكي يستمر في السلطة، على الرغم من الطابع الشكلي الديمقراطي والليبرالي للمناخ السياسي والاقتصادي منذ 23 سنة. وكما لاحظنا، تساهم أطروحة الدولة الريعية في تفسير الكثير من جوانب المسألة، مع أنّها - ومثلما أشرنا إلى ذلك سابقًا - لا تفسر كلّ شيء، ولا يمكن أن تختزل كلّ النِّقم في الريع بشكله الخام، ولكننا نعتمد في الآن نفسه على كثير من خصائصها لتفسير أسباب عدم تحقق المجتمع المدني في جزائر اليوم. ليس الريع نقمةً في حدّ ذاته، ولكن ربما يتحول، مثلما يذهب إلى ذلك لويس مارتيناز،38 إلى نقمة حينما يقع بين أيدي الأنظمة الشمولية التسلطية؛ فطريقة استخدام الأنظمة الحاكمة الريع هي التي تحوّله من مورد اقتصادي إلى مورد سياسي يُستعمل في إحكام القبضة على المجتمع ومفاصل الدولة ومؤسساتها، ومنع تحرر المجتمع الاقتصادي من قبضة المجتمع السياسي، وباختصار تحويله إلى أداة لضمان البقاء في السلطة. إنّ الممارسات الريعية للدولة الوطنية منذ الاستقلال إلى اليوم هي التي أدّت إلى نشوء هذا التحالف بين الريع والاستبداد. ولأنّ للسلطة طابعًا افتراسيًا، فإنّ غياب سلطة مضادة تراقبها وتكبح جماحها وتحاسبها وتسحب منها الشرعية، جعل مساندة فكرة إمكانية استخدام الريع لبناء قاعدة اقتصادية إنتاجية مثلما يذهب إليه بعض الأطروحات الاقتصادوية، أمرًا صعبًا.

أخيرًا، سنجد أنفسنا أمام التساؤل المؤرق: أين هي النخب القادرة على إجبار السلطة على الكفّ عن تبذير الموارد الريعية بإجراءات سياسية وهدرها باستعمالها موارد سياسية للاستمرار في السلطة، واستثمارها بدل ذلك كلّه في بناء قواعد اقتصادية إنتاجية؟ لقد تغوّل النظام السياسي الباترمونيالي، وأصبحت السلطة غاية في حد ذاتها، الأمر الذي يجعل عملية التغيير في المجتمع باهظة الثمن. إنّ الأنظمة السياسية الباترمونيالية التي تستعمل الدولة أداة للاغتناء والبقاء، ستستميت في الدفاع عن استمرارها في حالة مواجهتها بمطالب سياسية داخلية تنادي برحيلها. والتجربة الجزائرية في التسعينيات، وما حدث في ليبيا وما يحدث اليوم في سورية، أمثلة حية لاستخلاص الدروس.