"النفط بين السياسات والأوهام"
مراجعة كتاب
الكاتب: فاضل الجلبي. London: I. B. Tauris, 2010 الناشر: عدد الصفحات: 311 صفحة. Oil Policies, Oil myths: Analysis and Memoirs of an OPEC Insider عنوان الكتاب بالإنكليزية:
أولا: مقدمة (((،1
يحتوي هذا الكتاب على وصف وتحليل وانطباعات وذكريات لرجل له سعة اطلّاع وخبرة رصينة في مجال النفط اكتسبها خلال أكثر من أربعة عقود؛ ابتدأها في وزارة النفط العراقية)1976-1967(، ومن ثم انتقل إلى منظمة الدول المصدرة للنفط، أوبك)1989-1978(، وأخيرًا 2مديرًا لمركز دراسات الطاقة في لندن CGES)-1989(. ولعلّ الكاتب في طليعة من يستطيع تغطية هذه الفترة بتعقيداتها الجيوسياسية الإقليمية والدولية والاقتصادية؛ فمعرفته بتفاصيلها واتجاهاتها غنية وشاملة. بعد قراءة الكتاب، يخرج القارئ بأنّه تعلّم الكثير من تحليلٍ كان يظهر في بعض الأحيان في وسائل الإعلام سريعًا وفي أحيان كثيرة مجتزأ. ولا شك في أنّ المجلات المهنية والأكاديمية والدراسات والكتب النفطية المتخصصة والمتابعة غطت الموضوعات التي يتناولها الكتاب بجدية واقتدار؛ فعلى سبيل المثال، الكتاب الشامل الغنيّ بالمعرفة "الجائزة" Prize The الذي صدر سنة 1992 ونُقّح سنة 2009 3. غير أنّ للكاتب ميزة مهمة بيَّنها عنوان فرعي للكتاب، وهي أنّه كان شخصًا من داخل الأوبك insider تابع مداولات المنظمة وقراراتها وأسهم فيها، في فترة بالغة الأهمية جرى خلالها تحوّل القرار في إنتاج النفط وتصديره وتسعيره من كارتل الشركات الكبرى إلى الدول المنتجة للنفط الأعضاء في المنظمة. ومما يثير الإعجاب أنّ الكتاب صدر والكاتب في الثمانين من عمره، والذي يتبين منه أنّه لا يزال على جانب كبير من حدة الذكاء والتذكّر. هناك دائمًا محطات "استراحة" في الكتاب بذكريات شخصية وفنية واستطلاعية ممتعة تريح القارئ من عناء متابعة القضايا الاقتصادية والسياسية والتقنية العويصة. يتعرض الكتاب لقضايا كثيرة؛ من هيكل الصناعة النفطية، إلى تحديد الأسعار، وحصة النفط في استهلاك الطاقة، والصراع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، وسياسات الأعضاء واتفاقهم واختلافهم داخل المنظمة وخارجها، إلخ. هذا، إضافةً إلى لمحاتٍ ثقافية وفكرية. وفي كلٍ من القضايا المهنية يعرض الكاتب رأيه في تطورها بدرايةٍ وخبرة. وعليه، من الصعب التطرّق لجميع هذه المواضيع. لذلك آثرت في هذه المراجعة عرض جوانب أساسية، في اعتقادي، ومناقشتها، وهي لا تغني عن قراءة هذا الكتاب الممتع والمفيد في آنٍ واحد. وفي كتابٍ كهذا لا بد أن تتداخل القضايا، مما أدى إلى تكرارٍ في بعض الأحيان، وتقطّعٍ وعدم وضوح في التحليل في أحيان أخرى. سيتمّ عرض أهم القضايا التي يطرحها الكتاب في شكل فقرات متتابعة في هذه المراجعة. وفي القضايا أو النقاط المطروحة التي اتفق عليها أو اختلف فيها، أو في حالة نتائج ترد في الكتاب من دون إسناد رقمي أو تحليل كافٍ، فسنبين ذلك من خلال ملاحظات أو تعقيبات أو إضافات تحليلية أو رقمية يستند بعضها إلى مصادر مبينة في هوامش هذه المراجعة.
ثانيًا: مسائل أساسية
يؤكد الكتاب مسائلَ أساسية يتكرر معظمها في فصوله: لقد تمكّنت الشركات النفطية الكبرى "(الأخوات السبع:" برتش بتروليوم BP وشل Shell وخمس شركات أميركية4، زائد شركة فرنسية CFP) خلال النصف الأول من القرن العشرين من تكوين كارتل لتنظيم الصناعة النفطية خارج الولايات المتحدة من خلال تكامل أفقي (ملكيات مشتركة في امتيازات دول الخليج العربي: العراق، والسعودية، والكويت، وأبو ظبي، وإيران، ص)38 في عمليات استخراج النفط الخام operations upstream وتكامل عمودي امتد إلى العمليات اللاحقة حتى توزيع المنتجات النفطية والغاز للمستهلكين operations downstream. ولقد
حافظ هذا الكارتل على استقرار الصناعة النفطية من خلال تخطيط العرض بما يتلاءم مع الطلب على النفط الخام المشتق من الطلب على المنتجات النفطية والبتروكيماوية. فمن ضمن هذا الكارتل تقوم الشركات بإنتاج النفط الخام، وتشبع عجز بعضها من فائض البعض الآخر، باستخدام أسعار "داخلية"، وصولً إلى تكريره في المصافي وبيعه للمستهلكين. وكانت الأسعار الداخلية (التي كانت أساس الأسعار "المعلنة"، posted prices، بعد اتفاقات مناصفة الأرباح في أوائل الخمسينيات) هي أقرب إلى كلفة إنتاج النفط الخام منها إلى السعر المشتق من الطلب على منتجاته (ما أصبح يعرف فيما بعد سعر الصافي - المرجع)net-back. ولقد كان ذلك ممكنًا بسبب السيطرة شبه الكاملة لهذا الكارتل على إنتاج النفط الخام (خارج الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي) ونقله وتكريره وتوزيع مشتقاته، ما نجم عنه عدم وجود سوق عالمية مستقلة لتبادل النفط الخام (خارج الولايات المتحدة) حتى ظهور بداياتها في أوائل سبعينيات القرن الماضي. ولقد أخذت هذه المنظومة المحكمة للإنتاج والتسعير الداخلي للنفط الخام تتعرّض للتخلخل في الستينيات؛ أولً، من خلال دخول ما يسمى بالشركات المستقلة (عن الشركات الكبرى) أميركية وأوروبية (على سبيل المثال، أيني ENIالإيطالية وأوكسيدنتال Occidental الأميركية) والنفط الروسي لمجال الإنتاج/ التصدير والتسعير في سوق النفط. وثانيًا، تكوين منظمة الأوبك في بغداد في 1960 من أربع دول خليجية (العراق، والمملكة العربية السعودية، والكويت، وإيران) وفنزويلا.، "الإع يمثّل قرار الأوبك رقم 90 في 1968 ناا عن السياسة النفطية في الدول الأعضاء"، منعطفًا تاريخيًا حيث تضمّن القرار مسؤولية دول الأوبك عن تسعير النفط المنتج فيها وحق هذه الدول في ملكية الامتيازات النفطية أو المشاركة فيها وتعديلها وتطوير الثروة الهايدركربونية عمومًا فيها. تنامَى دور الأوبك وتأثيرها بعد توسيع عضويتها وتَبدُل الأوضاع، منذ أواخر الستينيات. ويمثّل التملك الوطني للعمليات والمنشآت النفطية)1975-1972(، تمشيًا مع القرار 90، من خلال التأميم في العراق وفعليًا بالاتفاق مع الشركات النفطية في الكويت والسعودية وقطر (والملكية الكاملة الفعلية في إيران منذ زمن مصدق وما بعده) والمشاركات في دول نفطية أخرى، إحدى الوسائل الرئيسة لتنامي هذا الدور والتأثير. ولقد أدى، فعليًا، إلى كسر التكامل الأفقي في إنتاج النفط والتكامل العمودي مع العمليات اللاحقة مما قاد لتعريض الصناعة النفطية إلى تبعات تقلبات السوق. بعبارة أخرى، بينما تمكّن كارتل الشركات الكبرى من مواءمة إنتاج النفط الخام/ الغاز مع حاجات الاستهلاك وتقرير مستوى الإنتاج للدول المنتجة بما يحقق التوازن والنمو في الصناعة النفطية ككلّ، فإنّ ملكية الدول المنتجة عَرَّضت الصناعة النفطية للتقلّب. بعد سيطرتها على الإنتاج وتأثيرها في التسعير، فإنّ إستراتيجية تعظيم أسعار النفط من جانب دول الأوبك وبخاصة الجزائر وإيران وفنزويلا، وفي بعض الأحيان العراق، أضرّت إضرارًا كبيرًا بحصة النفط في استهلاك الطاقة العالمية وبحصة دول الأوبك في استهلاك النفط. ولقد حصل انخفاض الحصتين، في الدول المتقدمة OECD ابتداءً، من خلال تشجيع ترشيد استهلاك الطاقة وكفاءتها عمومًا وإحلال البدائل محلّ النفط والتوجّه نحو مناطق منتجة للنفط خارج الأوبك. ولقد كانت نتيجة تبنّي دول الأوبك مسؤولية زيادة الأسعار، تحمّلها مسؤولية الزيادة ورفع عبئها عن الشركات النفطية الكبرى في الوقت الذي استفادت هذه الشركات بصورة كبيرة من خلال تضخم أرباحها نتيجة لارتفاع الأسعار. يركز الكتاب على ضعف التماسك/ الانسجام في السياسات النفطية لأغلب دول الأوبك، وبالذات تغليب العوامل الأيديولوجية والسياسية على الاقتصادية (ص. 59). ومن خلال عرض الكتاب يُستشف أنّ ما يُطلق عليه ضعف التماسك ينصرف إلى نوعين من السياسات؛ يتمثّل الأول بمواقف الدول الأعضاء من سياسات الأوبك وإستراتيجياتها بوصفها "كارتل." ويتعلق الثاني بالسياسات النفطية الوطنية لهذه الدول. ففي مجال سياسات بعض الدول الأعضاء ضمن الأوبك فإنّ عدم التماسك - في نظر الكاتب - ينبع من عدم التزامها الهدف الأساس للأوبك بوصفها "كارتل" وهو، في رأيه، الحفاظ على حصة النفط في استهلاك الطاقة العالمية. وهي تلك الدول التي كانت تطالب بأسعار عالية وتعظيم العوائد القصيرة المدى في الوقت الذي كان تبنِّي سعر أكثر اعتدالً يسهم في تحقيق الهدف الأساس "لكارتل" الأوبك. وفي هذا المجال يبرز شاه إيران والجزائر وفنزويلا وليبيا. وعلى الرغم من أنّ إيران ذات الاحتياطي النفطي العالي كان من مصلحتها إطالة أمد استهلاك النفط، من خلال تبنّي سعرٍ معتدل، فاتّباع هذه السياسة، بحسب
رأي الكاتب، من بين عوامل أخرى سيتمّ التطرق إليها في القسم الثالث من المراجعة، كان نتيجة لرغبة الشاه في التسلح لتحقيق دور مهيمن لإيران في الخليج. أما الدول الثلاث الأخرى فموقفها نابع، بحسب رأي الكاتب، من صغر حجم احتياطاتها. ولكني أعتقد أنّ من الصعب قبول رأي الكاتب بعدم تماسك السياسات للدول الثلاث الأخيرة داخل الأوبك ما دامت مدفوعة، بجانب من سياساتها، بصغر حجم احتياطاتها النفطية. أما النوع الثاني، في تغليب العوامل الأيديولوجية والسياسية فأغلب الظن أنّ الكاتب يقصد به العراق بعد 1958. وهذا ما سنتناوله في القسم الخامس من المراجعة.
ثًالث ا: الأوهام في المشهد النفطي
الكارتل الوهمي
لعلّ من أهم المواضيع التي تتكرر في ثنايا الكتاب وتحدد موقفه من دور الأوبك منذ إنشائها (وتمّ تلخيصه في الفصل)14 هو اقتناع الكاتب أنّ إطلاق صفة "كارتل" على منظمة الأوبك هو أسطورة أو وهم شائع، myth. وقبل عرض وجهة نظره والتعليق عليها، من الملائم أن نذكر أنّ الكارتل cartel، بشكل عام، هو اتفاق بين مجموعة منتجين حول سعر البيع أو كمية الإنتاج أو حصة السوق. والهدف منه هو تحقيق مجموع أرباح لأعضائه أعلى من ذلك الذي يتحقق إذا تنافس الأعضاء في السوق. وبحسب معضلة السجناء prisoners dilemma في نظرية اللعبة theory game، فإنّه في حالة عدم وجود آلية داخل الكارتل لمراقبة إنتاج الأعضاء وإلزامهم بحدود حصصهم المتفق عليها، يتّسم الكارتل بعدم الفاعلية في تحقيق الهدف من تكوينه ممّ يسهم في عدم استقراره؛ إذ يؤدي غياب الرقابة والإلزام إلى تخطي الأعضاء حصصهم الإنتاجية (عندما يكون الاتفاق هو تحديد الإنتاج لتحقيق سعرٍ أعلى من سعر المنافسة)، وبالنتيجة ينخفض سعر البيع وينخفض مجموع الأرباح مقارنةً مع حالة الالتزام بالحصص. وهي حال عدة دول أعضاء في الأوبك، في بعض الأحيان، كما يتبين ذلك من الكتاب وبالذات في الفصل)13(منه؛ بخاصة في إشارته إلى عدم ثقة سكرتارية الأوبك بأرقام الإنتاج الفعلية التي يجهّزها بعض الدول الأعضاء واعتمادها بدلً من ذلك على ما يرد من أرقام في "الصحافة المتخصصة" التي كانت تبين تخطّيها الحصص المقرّرة. ولم تكن المنظمة قادرة على إلزامهم بها. ولكني أعتقد أنّ الأوبك كانت تملك الوسيلة لالتزام برنامجها الإنتاجي الكلي عندما تقبل السعودية (أساسًا، وغيرها من الدول الخليجية بدرجة أقل) بتحمّل دور المنتج المتبقي. هذا إضافةً إلى انخفاض إنتاج العراق لفترات طويلة.
وفي هذا المجال، ينصبّ عرض الكتاب على تحليل ما كان يمكن أن تحقّقه المنظمة بوصفها "كارتل" حقيقيًا، يسيطر على أغلب احتياطي النفط الدولي، لو تبنّت هدف الحفاظ على حصةٍ مهيمنة في سوق النفط الدولية، والذي في تحقيقه تكمن مصلحة الكارتل في الأمد البعيد. ولكن المنظمة فشلت في تبنّي هذا الهدف أو تحقيقه؛ فبعد سيطرة أعضائها على إنتاج النفط فيها خلال سبعينيات القرن الماضي، عزلت هذه الدول نفسها (عدَا عددٍ قليل منها) عن المراحل اللاحقة لإنتاج النفط الخام وتصديره downstream (التكرير والتوزيع) في الدول المستهلكة، ما أدى إلى إضعاف التكامل العمودي. ونتيجة لضعف التعاون بين أعضائها وعدم التزام التنسيق بخصوص الأمور المرتبطة بإنتاج النفط upstream، ضَ عُف التكامل الأفقي فيما بينهم. وبذلك لم تستطع المنظمة، بوصفها "كارتل"، أن تقوم بالدور المنظم للصناعة النفطية في مجال النفط الخام والمراحل اللاحقة، وهو الدور الذي كان "كارتل" الشركات الكبرى يقوم به بكفاءة5. ومنذ 1973 وحتى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، لم تستخدم المنظمة وسيلة تغيير مستوى الإنتاج لتحقيق الاستقرار في السوق من خلال تحقيق أسعار "معتدلة" وإنما استخدمته غالبًا، للحفاظ على أسعار عالية. وبما أنّ ظروف السوق لم تساند الأسعار العالية في أحيان عديدة، كما أنّ المنظمة لجأت إلى زيادة الإنتاج لتخفيض الأسعار أحيانًا، فإنّها
ساهمت، بوصفها "كارتل"، في تقلّب الأسعار. وفي اتباع سياسة تعظيم الأسعار/ العوائد كان العبء، بخاصة خلال 1988/1987-1973، أشدّ على دول الخليج (من ضمنها العراق) لمصلحة غيرها من الدول، عند تطبيق أسلوب الحصص الإنتاجية. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ عبء التخفيض في مجموع إنتاج أعضاء المنظمة، تحمّلته هذه الدول، وبالذات السعودية، بوصفها منتجًا متبقيًا لتعوّض عن تخطّي الأعضاء الآخرين حصصهم الإنتاجية. لكلّ هذه الأسباب يعتقد الكاتب أنّ إطلاق صفة "كارتل" على المنظمة هو واحد من الأوهام الشائعة. وفي هذا السياق أقدّم ملاحظاتي التالية: في حالة القبول بمعيار الحفاظ على حصة السوق بوصفه أهم هدف للأوبك، فإنّ أتفق مع النتيجة الواردة في الكتاب في أنّ المنظمة فشلت في تحقيق هذا الهدف كما يدلّ عليه انخفاض مجموع حصص أعضائها من السوق النفطية؛ إذ انخفض مجموع حصص الأعضاء في التصدير العالمي للنفط الخام الذي لا يشمل سوائل الغاز NGLs، من 86 % خلال الفترة الواقعة بين 1969 - 1973 إلى 65 % خلال الفترة الواقعة بين 1980 - 1984، وإلى 57 % خلال الفترة الواقعة بين 2010 - 2014 6. ولكن الكتاب نفسه يشير إلى أنّ المنظمة كان لها تأثير حاسم في رفع الأسعار (وتخفيضها) خلال الفترة 1988/1987-1973، وفي استمرار تأثيرها حتى 2010 (تاريخ صدور الكتاب). وبناءً عليه، يمكن القول إنّه خلال النصف قرن الماضي كان لإجراءات الأوبك وسياساتها بوصفها "كارتل" (أو بوصفها قائدًا سعريًا)7 دورٌ ملموس في المجال السعري (مع أنّه اتّسم بالتناقص نتيجةً لانخفاض حصة الأوبك من السوق)، بخاصة من خلال تطبيق الحصص الإنتاجية ودور السعودية بوصفها منتجًا متبقيًا. صحيح، عند مقارنته بكارتل الشركات الكبرى لم يستطع "كارتل" الأوبك الحفاظ على حصته في السوق، ولكنّه استمر (بالطبع بدرجة متناقصة) في التأثير في الأسعار. فهو إذن "وهمي" إذا أخذنا الحفاظ على حصة السوق معيارًا للحكم، ولكنّه كان "غير وهمي" بمعيار التأثير في الأسعار، بخاصة خلال الفترة الواقعة بين 1988/1987-1973. وعلى الرغم من أنّ السعر بعد ذلك، خلال الفترة 1987 / 1988 - 2010، أصبح يتقرر بصورة متزايدة في السوق الدولية بتفاعل الطلب والعرض العالمييَن على النفط، في ظل تنامي العرض من خارج دول الأوبك، وبتأثير أساسيات الصناعة النفطية والتوقعات والعوامل الجيوسياسية، ولكن الأوبك استمرت بوصفها عاملً أساسًا في التأثير في هذه السوق8. أما خلال الفترة الواقعة بين نهاية 2010 ومنتصف 2014، فلم يكن للمنظمة دورٌ أساس في مستوى السعر العالي الذي تحقق خلالها؛ إذ كان مردّ أهم أسباب تخطّي السعر ل 100 دولار، على الرغم من الارتفاع الدرامي لإنتاج النفط المحصور tight oil في الولايات المتحدة، هو انخفاضات في الإنتاج الليبي والإيراني والنيجيري والروسي والسوري، إلخ؛ بحيث وازنت هذه الانخفاضات، خلال هذه الفترة، الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط المحصور. هذا، إضافةً إلى تنامي الطلب العالمي، بخاصة الأميركي والصيني/ الآسيوي. بعد ذلك أدّت زيادة العرض وضعف نمو الطلب العالمي إلى التدهور الحالي الشديد في الأسعار بين منتصف 2014 وأوائل 2016 9. لذلك، فإنّ إطلاق صفة "كارتل وهمي" مبالغ فيه. فهو ولا شك ليس كارتلً قويًا بخاصة بعد تناقص حصته في التصدير العالمي للنفط. ولكنّه يبقى مجموعة منظمة من المنتجين الكبار. وإذا اتّبعت سياسات معتدلة في التسعير، ستحافظ هذه المجموعة على تأثير مهمّ في سوق النفط مستقبلً. والمقصود بالسياسات المعتدلة هو تلك التي تحقق تسوية مقبولة بين هدف الحفاظ على حصة ملائمة في السوق وهدف الحصول على حدٍ أدنى من العوائد النفطية لأعضاء المنظمة؛ فالأعضاء مختلفو المصالح والإمكانات النفطية، ولا يمكن التركيز على هدفٍ واحد للمنظمة، وإلّ انفرط عقدها. وما يمنح تأثيرًا مضافًا للأوبك في السوق النفطية هو أنّ "الفكرة الشائعة" عنها بوصفها "كارتل" أثّرت ولا تزال تؤثّر في توقعات السوق، ومن ثم في سعر النفط. ولا أدَلّ على ذلك من تأثير قرار الأوبك بعدم تخفيض حصص أعضائها
الإنتاجية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 وتأكيد ذلك في كانون الأول/ ديسمبر 2015 في زيادة حدة انخفاض أسعار النفط. إنّ انخفاض حصة استهلاك النفط لمصلحة أشكالٍ أخرى من الطاقة وانخفاض حصة استهلاك نفط الشرق الأوسط لمصلحة مصادر نفطية أخرى عالية الكلفة، كان نتيجة محصلة متغيرات وعوامل متعددة وليس فقط بسبب ارتفاع أسعار النفط10؛ فلا شكّ في أنّ ارتفاع أسعار النفط منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي قاد إلى سياسات، في الدول المستهلكة بخاصة المتقدمة، لترشيد استهلاك النفط وزيادة كفاءة استخدامه، والذي نتج منه انخفاض كثافة استعماله11. ولكن، خلال العقدين والنصف الأخيرين أخذت العوامل البيئية تؤثّر تأثيرًا متزايدًا في أشكال الطاقة المستخدمة؛ بحيث ازداد استهلاك الطاقة المتجددة على حساب النفط (والوقود الأحفوري fuel fossil عمومًا) مما ساهم أيضًا في انخفاض هذه الكثافة. كما ساهم عاملٌ آخر في انخفاض كثافة استعمال النفط والطاقة عمومًا في الدول المتقدمة OECD (ومن المتوقع تنامي مساهمته في الصين) وهو التغير في الهيكل الإنتاجي فيها من خلال زيادة الأهمية النسبية للخدمات (الاتصالات، والصحة، والتعليم، والترفيه، والسياحة، إلخ) على حساب الصناعة؛ فقطاعات الخدمات في الاقتصاد هي أقلّ كثافةً في استعمال الطاقة من قطاعات الصناعة. لذلك يلاحظ، على سبيل المثال في الدول المتقدمة، أنّ أثر محصلة هذه العوامل في تخفيض استهلاك النفط تغلّب على أثر نمو الناتج المحلي الإجمالي في زيادة استهلاك النفط، بحيث انخفض استهلاكه في هذه الدول، خلال العشر سنوات الأخيرة12. أمّا تعويض نفط الشرق الأوسط بخامات نفطية عالية الكلفة، فلم يكن، ابتداء se per، نتيجة لارتفاع الأسعار وإنما كان لعوامل جيوسياسية تتعلق بتهديد أمان الإمدادات النفطية نتيجة الأوضاع الجيوسياسية المضطربة في الشرق الأوسط؛ فحرب أكتوبر 1973، وما نتج منها من "مقاطعة نفطية"، والحرب العراقية - الإيرانية كان لهما تأثيرٌ حاسم في تهديد أمان الإمدادات النفطية ومن ثم إيجاد الدافع لتطوير مصادر أخرى عالية الكلفة للنفط. أما تأثير الأسعار المرتفعة للنفط فإنّه كان باتجاه إتاحة المبرر لذلك. ولابد أنّ جميع هذه العوامل قد أسهم في الانخفاض الحاد في حصة الأوبك من تصدير النفط العالمي من 86 % إلى 65 % خلال عقدٍ واحد، 1984/1980-1973/1969، مقارنةً بالانخفاض الأقلّ حدة، من 65 % إلى 57 %، خلال ثلاثة عقود لاحقة.2014/2010-1984/1980
وفي تبرير إستراتيجية الحفاظ على حصة السوق من خلال تبنّي سعر معتدل غير مبالغ فيه، يتكرر تطرّق الكتاب إلى أنّ هذه الإستراتيجية ملائمة على المدى الطويل لأنّ أثر انخفاض السعر في عوائد تصدير النفط يتخطاه أثر زيادة الكمية المطلوبة؛ بحيث تكون محصلة انخفاض السعر وارتفاع الكمية المطلوبة زيادة العوائد لمجموع دول الأوبك. ومن الواضح أنّ هذا التبرير يفترض أنّ مرونة الطلب السعرية على النفط هي أكبر من الواحد. ولكن التقديرات الفعلية المتوافرة للمرونة تبين حقيقتين: الأولى، هي أنّ مرونة الطلب السعرية طويلة الأمد للنفط الخام (وللمنتجات النفطية المفردة، عمومًا) في معظم دول العالم هي أقلّ بكثير من الواحد (مع أنّها أخفض في الدول المتقدمة أكثر منها في الدول النامية والصاعدة). أمّا الحقيقة الثانية فهي أنّ هذه المرونة في انخفاض مستمر حتى إنّها وصلت الآن إلى مستويات متدنية مقارنة بالسابق13. وفي ضوء ذلك، فإنّ انخفاض السعر (على الرغم من حفاظه على حصة السوق) يؤدي إلى انخفاض العوائد من بيع النفط وليس
ارتفاعها. ويعود ذلك إلى أنّ الارتفاع النسبي للكمية المطلوبة يكون أقل من الانخفاض النسبي للسعر. لذلك، فإنّ أعتقد أنّ من الأفضل تبرير هذه الإستراتيجية ليس على أساس تعويض زيادة الكمية لانخفاض السعر في تأثيرها في مجموع العوائد وإنما على الأساس التالي: إنّ اعتدال السعر يسهم في إطالة فترة استخدام النفط بحيث تكون القيمة الحالية للعوائد النفطية على مدى فترة الاستخدام الأطول في ظل سعر معتدل أعلى من القيمة الحالية على مدى فترة الاستخدام الأقصر في ظل سعرٍ مبالغ فيه. هذا، على افتراض إطالة فترة الاستخدام فوق أمد يتقرر في ضوء سعر حرج، بحيث تلتزم الأوبك (بموافقة أعضائها) تحديد سعرها "المعتدل" بأقل من السعر الحرج.
وهم الأوبك قوة اقتصادية تواجه الغرب
أمّا الوهم الآخر الذي يتعرض له الكتاب، فهو وهم أنّ الأوبك قوة اقتصادية من العالم الثالث لمجابهة الغرب (والذي دفع إلى تأسيس وكالة الطاقة الدولية، من قبل الدول المستهلكة المتقدمة في 1974، بوصفها قوة مجابهة مقابلة، ص)117. أمّا حقيقة الأمر، من وجهة نظر الكاتب، فهي أنّ تكوين الأوبك وسياساتها في اقتسام الأرباح أثناء الستينيات ثم التأميمات والمشاركات في امتيازات النفط وأخيرًا تبنّي أسعار عالية، خلال السبعينيات والثمانينيات، كلّها تمّت بعدم معارضة شركات النفط الكبرى وحكومة الولايات المتحدة، وربما بتشجيع غير مباشر منها. وسأبين الشرح المتعلق بهذا "الوهم" كما ورد في الكتاب، عمومًا. في خلال الستينيات، أخذ القادمون الجدد (المنتجون المستقلون، والاتحاد السوفياتي) في بيع النفط بأسعار تمثّل خصومات على الأسعار المعلنة لكارتل الشركات الكبرى. ولقد منحهم ذلك ميزة تنافسية في تصريف خاماتهم ومن ثم زيادة إنتاجهم، ما أدّى إلى انخفاض حصة كارتل الشركات في الإنتاج العالمي، خارج الولايات المتحدة وكندا والاتحاد السوفياتي والصين (من 85 % في 1950 إلى 72 % في)1960، (ص. 41). ولكنّ اختيار الأوبك الأسعار المعلنة لاحتساب الضريبة (في مقاسمة الأرباح) بدلً من الأسعار الأقلّ التي منحها القادمون الجدد أدّى إلى تحديد أرضية لسعر النفط، حتى للاتفاقات مع القادمين الجدد، ما أزالَ ميزة تنافسية عنهم. ولقد قاد ذلك إلى وقف تدهور حصة الكارتل في الإنتاج بل زيادته (إلى 76 % في)1966، (ص. 44). أما خلال السبعينيات/ الثمانينيات، فإنّ سياسات تعظيم الأسعار/ العوائد التي تبنّتها المنظمة أدت إلى زيادة أرباح الشركات الكبرى بصورة كبيرة، ما أتاح تمويلً كافيًا للاستثمار في مناطق عالية الكلفة للنفط. من ناحية أخرى، ساعد توجيه البترودولار إلى المراكز المالية العالمية على إنعاش الصناعات الغربية (هكذا وردت، ص)250/249. هذا إضافةً إلى أنّ استمرار تسعير النفط بالدولار أسهم في استمرار استخدام الدولار بوصفه العملة الأولى في احتياطات العملة الأجنبية في العالم. وبذلك أسهم بالتعويض عن إزالة أساس الذهب الذي اتخذ قراره الرئيس نيكسون في أوائل سبعينيات القرن الماضي. يتوصل الكاتب إلى نتيجة تتمثّل بأنّ مقولة الأوبك قوة اقتصادية لمجابهة الغرب هي وهم آخر؛ فالأوبك خدمت مصالح الغرب متمثلةً بالشركات النفطية الكبرى والاقتصادات الغربية. وفي الحقيقة، فإنّ هذه وجهة نظر قائمة على استنتاج الكاتب من عدد من الشواهد التي يوردها كما يلي، بدرجات متباينة من الإقناع: أولً، اعتمد الكاتب في استنتاجه بالنسبة إلى الستينيات، كما يذكر هو، على تحليل الاقتصادية البريطانية الرصينة Penrose E. في كتابها الممتاز حول الشركات النفطية في الدول النامية14. ثانيًا، استنتاج الكاتب أنّ شركات النفط الكبرى أرادت التخلي عن التسعير وإدارة الإنتاج في منطقة الشرق الأوسط والتحوّل إلى مستلم للنفط lifters oil. فعند تأميم النفط في العراق)1972-1975(وبخلاف موقفها المتشدد من القانون 80 لسنة 1960 الذي سيرد ذكره لاحقًا، يبين الكاتب أنّ موقف الشركات اتسم باللامبالاة من عمليات التأميم (ص. 93). من ناحية أخرى، بينما كانت الشركات مستعدة للتوصل إلى تسوية مع الدول المنتجة في مفاوضات طهران (شباط/ فبراير 1971، ص)61 فإنّها لم تستجب لطلب الأوبك للمفاوضة في تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وكأنّها كانت راغبة في التخلي عن مسؤولية التسعير وإدارة الإنتاج ومستعدة لقبول القرارات التي تتّخذها الأوبك. ويستنتج الكاتب ذلك من موقف اللامبالاة لممثل الشركات Piercy G. رئيس شركة Exxon ومكالمته التلفونية مع أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي، والتي فهم منها عدم اعتراض الشركات على القرارات التي يمكن أن تتّخذها المنظمة بخصوص الأسعار والإنتاج (ص. 106). ثالثًا، شواهد غير مباشرة؛ على سبيل المثال، إشارة الكاتب إلى مقالة ظهرت في نيسان/ أبريل 1973 في مجلة Affairs Foreign (الصادرة عن "مجلس العلاقات الخارجية" المؤثّر) لرئيس قسم الشؤون النفطية في وزارة الخارجية الأميركية Akins J. بعنوان ’The Oil Crisis: this Time the Wolf is Here‘ يبرر فيها الدعوة لزيادة أسعار النفط. وكذلك ما ورد في الكتاب عن بعض أسباب مطالبة شاه إيران بتعظيم أسعار النفط الخام خلال أو أنّه أُالسبعينيات لأنّه يعتقد (أي الشاه)خبر أنّ حكومة الولايات المتحدة تؤيد ذلك (ص. 114). رابعًا، شواهد ارتفاع أرباح الشركات الكبرى واستمرار تسعير النفط بالدولار والتدوير الفعلي لعوائد النفط (البترودولار) من الدول المصدرة للنفط إلى المراكز المالية العالمية.
رابعًا: مسائل اقتصادية متصلة
يتعرض الكتاب لمسائل اقتصادية عديدة أثَّرت في قرارات الأوبك وتَأثَّرت بها، خلال السبعينيات والثمانينيات، اخترت منها ما يلي: أسعار النفط: خلال الفترة التي يغطيها الكتاب جرى التحول من نظام نفطي احتكاري كانت الأسعار فيه يقررها كارتل الشركات الكبرى حتى أوائل السبعينيات، إلى نظام تتقرر فيه الأسعار في السوق كما هي الحال الآن، ولكن بتأثير من الأوبك. غير أنّ هذا التحول مرّ بفترة انتقالية امتدت من أوائل السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات؛ ففي أواخر سنة 1973 بعد أن رفضت الشركات التفاوض بشأن التسعير وتعديل عقود الامتيازات، اتخذت الأوبك قرارًا بالتسعير من خلال تثبيت سعر النفط السعودي الخفيف 34oAPI كسعر إشارة، والذي تتحدد أسعار باقي خامات الأوبك على أساسه (باختلاف الكثافة، والنوعية، والموقع الجغرافي). وأصبح هذا السعر هو أساس الأسعار "المعلنة" للأوبك التي حلّت محل الأسعار المعلنة للشركات الكبرى ولكن بمستوى أعلى (ص. 105). ولكن بحلول منتصف 1985، أدّى التزام السعودية سعر الإشارة، مع كونها المنتج المتبقي، في الوقت الذي كان فيه أعضاء آخرون يمنحون الخصومات على أسعارهم، إلى هبوط حصتها في السوق، مما أدى إلى اتخاذها قرارًا بالتخلي عن تحديد سعر نفط الإشارة من خلال الأوبك وتبنّت بدله أساس الصافي - المرجع net-back. ويساوي الصافي - المرجع سعر برميل المنتجات في الساحل الشرقي للولايات المتحدة أو روتردام أو سنغافورة ناقصًا تكاليف التكرير والنقل منها إلى راس تنورة في الخليج. وفي سنة 1988 جرى التخلّ عن نفط الإشارة السعودي واستبداله بأسعار خامات برنت وخام تكساس المتوسط WTI كأسعار إشارة لخامات الأوبك. ومن الجدير أن يذكر أنّه مع مهارة الكاتب في العرض يبقى هناك عدم يقين من مسألة التسعير خلال الفترة الانتقالية كما يعرضها الكتاب. على سبيل المثال، مع أنّه انتقد أسس تحديد سعر الإشارة السعودي من خلال الأوبك بوصفها أسسًا غير اقتصادية (ص. 135)، ولكنّه لم يشرح تفاصيل هذا التحديد أو أسسه. توحيد الأسس الضريبية وفرض الإتاوة: منذ إنشائها وحتى أواخر الستينيات، اقتصر عمل الأوبك على نشاطات تنسيقية وتنظيمية، ومنها توحيد القوانين والتطبيقات الضريبية تجاه الشركات النفطية، وبالذات في اقتسام الأرباح. إضافةً إلى ذلك، استطاعت المنظمة زيادة عوائد أعضائها من خلال الاتفاق مع الشركات على فرض إتاوة/ ريع royalty بمقدار 12.5 % من قيمة الإنتاج. غير أنّ الشركات النفطية اشترطت أن تُعَدّ هذه المدفوعات جزءًا من تكاليف الشركات عند احتساب الأرباح واقتسامها بين الشركات والدول المنتجة. ولقد أصبح ذلك يعرف في حينه "تنفيق" الإتاوة/ الريع royalty of expensing. بذلك ازدادت عوائد الدول المنتجة بمقدار 6.25 % من قيمة الإنتاج مقارنةً بعوائدها قبل فرض الإتاوة. ويمكن بيان ذلك، من خلال مقارنة العوائد قبل فرض الإتاوة وبعدها، كما يلي: حصة الدولة قبل فرض الإتاوة = 50 % × الأرباح = 50 % × (قيمة الإنتاج - التكاليف.) حصة الدولة بعد فرض الإتاوة = 12.5 % × قيمة الإنتاج + 50 % × (قيمة الإنتاج - 12.5 % × قيمة الإنتاج - التكاليف)= 6.25 % × قيمة الإنتاج + 50 % × (قيمة الإنتاج - التكاليف =) 6.25 % × قيمة الإنتاج + عوائد الدولة قبل فرض الإتاوة. ولا تزال الطريقة ذاتها في الاحتساب تُستخدم في اتفاقات المشاركة في الإنتاج؛ فعلى سبيل المثال، في مشاركات الإنتاج في ليبيا حتى 2009 بلغت الإتاوة 16.7 % والضريبة 65 %15. ومن المفروض أنّ الطريقة ذاتها تستخدم في اتفاقات المشاركة في كردستان العراق حيث تبلغ الإتاوة 10 % والضريبة 35 .% نفط الذروة peak-oil: لقد أثار استخدام الاحتياطات النفطية المثبتة proven reserves معيارًا لتقرير الحصص الإنتاجية للدول الأعضاء في الأوبك خلال الثمانينيات مسألة صدقية أرقام الاحتياطات كما تقدّمها هذه الدول، بخاصة عندما تكون الأرقام والزيادة فيها غير مرتبطة بنشاط استكشافي وتطويري واضح. ذلك أنّ الحصول على حصةٍ أعلى من الإنتاج كان يقدم الدافع إلى تضخيم هذه الاحتياطات. ولقد تزامن ذلك مع تسارع الطلب العالمي على النفط وتباطؤ النمو في إنتاج المناطق خارج الأوبك وتباطؤ نمو الاستثمار النفطي في منطقة الأوبك. وفي ضوء التشكيك في أرقام الاحتياطات النفطية لدول الأوبك، فلقد ولّد ذلك خشية عالمية من أنّ إنتاج النفط قد وصل مداه في الزيادة، أي وصل ذروته peak وليس هناك احتياطات كافية لإدامته. وبالنتيجة، فإنّ استمرار نمو الطلب بخطاه التاريخية
السريعة مع عدم مجاراة العرض سيخلق أزمة نفط oil crisis crunch or. وتزامن ذلك أيضًا مع النقاش الدائر حول نفادية exhaustibility الموارد الطبيعية عمومًا، بما في ذلك احتمال نفاد النفط قبل إيجاد بدائل له. أصبح كلّ ذلك يُعرف بمسألة نفط - الذروة peak-oil والتي من نتائجها توقّع الارتفاع المستمر في أسعار النفط نتيجة لتزايد درجة محدوديته واتجاهه نحو النفاد. ويقدّم الكاتب نقاطًا مقنعة عمومًا (في الفصل)12 لانتقاد طروحات مسألة نفط – الذروة، كما يلي: إنّ مجموع احتياطات النفط لمجموع دول الأوبك أكبر بكثير مم هو منشور، بخاصة بالنسبة إلى العراق وإيران (حتى مع الأخذ في الحسبان بعض مبالغات الدول، كفنزويلا والإمارات.) بينت الفترات اللاحقة للثمانينيات أنّ النمو في الطلب على النفط لم يكن عاليًا كما كان متوقعًا في الثمانينيات، وإنما تباطأ بصورة ملحوظة بعد ذلك. إحلال أنواع أخرى من الوقود محل النفط في استخداماتٍ عديدة. التقدم التكنولوجي في زيادة استخلاص النفط من احتياطاته.
ومن نافلة القول إنّ الزيادة الدرامية في إنتاج النفط المحصور في الولايات المتحدة التي حدثت خلال الفترة الواقعة بين 2008 - 2014 لم تكن واضحة المعالم وقت صدور الكتاب، لذلك لم تبَ ز فيه، في هذا المجال. من ناحية أخرى، يأخذ الكاتب على المناقشات التي دارت أو تأثرت بمقولة وصول إنتاج النفط إلى ذروته والتقارير الاستشرافية التي قامت بها عدة جهات (كإدارة معلومات النفط الأميركية، ووكالة الطاقة الدولية، وشركة أكسون، وإدارة البحوث في الكونغرس الأميركي، إلخ) في أواخر السبعينيات، والتي تحذّر من الأزمة المقبلة، حجم المبالغات غير المبررة التي وقعت فيها. كما أنّه يشير إلى أنّ تنبؤاتها جميعًا أثبتت خطأها الواضح بحلول 1985 (ص. 170)، وهذا صحيح بالطبع. غير أنّ من الملائم ملاحظة أنّ هذه التقارير الاستشرافية والنقاشات الأخرى حَفَّزت الدول، بخاصة المتقدمة، لترشيد استهلاك النفط وتشجيع إحلال أنواع أخرى من الوقود وتسريع خطى التقدّم التكنولوجي، إضافةً إلى تقدّم أساليب البحث عن النفط وتقدير احتياطاته. بعبارة أخرى، قد تكون تبعات الصورة "القاتمة" التي قدّمتها هذه التقارير والتحليلات قد أسهمت في اتخاذ الإجراءات وتطبيق السياسات التي أدّت إلى عدم تحقق تنبؤاتها؛ فهذا النوع من التقارير ليس إسقاطات أو تنبؤات "محايدة" وإنما يمثّل معظمها برامجَ أو مناهج سياسات وتوصيات لمتخذي القرار؛ فهي تقوم بالإسقاطات/ التنبؤات. وفي ضوء استمرار التوجهات غير المرغوب فيها، توصي بالسياسات المطلوبة لتجنّب تحقق هذه الإسقاطات. ولعلّ "تقرير آفاق الطاقة العالمية 2015" الذي صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، عن وكالة الطاقة الدولية، مثالٌ جيد على ذلك16؛ فهو يعرض عدة سيناريوهات لتطور الطلب العالمي على الطاقة والعرض منها ومن ضمنها النفط حتى 2040، ولكنّه يركز على السيناريو الذي يهدف إلى تقليل أنواع الوقود المضرة بالبيئة بشكل معتدل (سيناريو السياسات الجديدة) وآخر بشكل صارم (سيناريو الذي يلتزم أهداف اتفاقية المناخ العالمية التي أُ)450 علنت في باريس في كانون الأول/ ديسمبر.2015
خامسًا: العراق بين عهدين
يخص الكتاب العراق بفصلين 4(و)15؛ يتعلق معظم الفصل الأول بالفترة التي أعقبت سنة 1958، ويهتم الفصل الثاني بالفترة منذ سنة 2003. وهو يركز على الأهمية الكبرى لحجم احتياطات العراق النفطية. ويلاحظ ابتداءً في الفصل)4(أنّ نشاطات الاستكشاف والتطوير كانت محدودة في العراق منذ بدء الإنتاج في سنة 1928؛ فبعد تطوير حقل كركوك العملاق في عشرينيات القرن الماضي كان لدى كارتل الشركات النفطية الكبرى ما يكفيه من النفط من العراق ومناطق الامتيازات الأخرى في الخليج؛ بحيث أُهمل النشاط الاستكشافي والتطويري في العراق خلال الثلاثينيات والأربعينيات. بعد ذلك، نتيجةً لعدم الاستقرار، فإنّ فترات الاستكشاف فيه اقتصرت على فترتين قصيرتين؛ الأولى: 1952 - 1960 (وتوقفت بعد صدور القانون)80، والتي اكتُشف خلالها حقل الرميلة العملاق وحقول أخرى
أصغر. والثانية: 1973 - 1980 (وتوقفت بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية) التي اكتُشف خلالها حقول عملاقة مثل: غرب القرنة، ومجنون، وحلفاية، ونهر عمر، وغيرها، والتي قادت إلى إضافة 45 مليار برميل للاحتياطي المثبت (الصفحتان 73،)219. ولا شك في أنّ استكشافًا أوسع كان سيقود إلى إضافة احتياطات مثبتة أكبر. لذلك، فإنّ أرقام العراق المنشورة عن الاحتياطات المثبتة هي أقل من الحقيقة. ولقد تبيّ ذلك من دراسةٍ جرت تحت إشراف المركز الدولي للطاقة في لندن الذي يديره الكاتب (ص. 73). ويلاحظ الكاتب أنّ العراق كان يتجنب نشر معلوماتٍ عن احتياطاته خلال السبعينيات/ أوائل الثمانينيات نتيجةً لسرية المعلومات التي كانت معلمً من معالم الحُكم في ذلك الوقت. ولم ينشر المعلومات إلّ حين أصبح حجم الاحتياطي المثبت معيارًا مهمً لتقرير حصص الإنتاج في الأوبك في الثمانينيات. أمّا في سياسات العراق النفطية، فيلاحظ الكاتب عمومًا أنّ السياسات الرسمية النفطية كانت تتأثّر بمواقف الطبقة السياسية والحركات الشعبية في العراق، والتي كانت ذات أساس أيديولوجي. ويعتقد أنّها لا تزال نابعة تاريخيًا من مواقف الحركات السياسية ضد الاستعمار البريطاني، والذي كانت الشركات النفطية الأجنبية رمزًا له. وقد لازمها هذا الشعور بشكل غير موضوعي، من وجهة نظر الكاتب، حتى بعد الاستقلال وإزالة النظام الملكي. كما أنّه ينبع أيضًا من تبعات القانون 80 لسنة 1960 الذي صادر 99.5 % من مساحة الامتيازات concessions التي لم تستغلّها الشركات النفطية، والذي واجهته هذه الشركات بتجميد نمو الإنتاج العراقي لمصلحة المناطق الأخرى بين السنوات 1960 و 1970. لذلك أصبح موقف الحركات السياسية (بمساندة من يسميهم الكاتب "أشباه" الخبراء، ص)259 معارضًا أيّ تعاونٍ مع الشركات الأجنبية. ولقد ظهر ذلك في المعارضة الشديدة لمشروع اتفاقية مع الشركات النفطية في 1965، والذي بموجبه اقتُ ح تأسيس "شركة بغداد" بمساهمة الشركات النفطية التي قلّص القانون مساحة امتيازاتها، وشركة النفط الوطنية التي أُ80 سست حديثًا (ص 79 -)80. وفي حال الموافقة على تأسيس شركة بغداد، كانت الشركات النفطية المساهمة فيها مستعدة لقبول القانون 80 وقبول شركة النفط الوطنية مشاركًا في شركة بغداد (بحصة ابتدائية قدرها 33.3 % مع زيادتها تدريجيًا)، مقابل منح شركة بغداد حق استثمار حقل الرميلة العملاق. ومع اعتقاد الكاتب أنّ شركة بغداد كان يمكن أن تزيد عوائد العراق زيادة ملموسة في ظل تصاعد الطلب العالمي في تلك الفترة، إلا أنّ الدواعي الأيديولوجية كانت هي الغالبة في داخل الحكومة وخارجها؛ بحيث رُفض مشروع الاتفاقية.
وامتد هذا التوجه السياسي العام إلى تهيئة الجو الملائم لإسناد تأميم الشركات النفطية خلال السنوات 1972 - 1975. ولقد أعقب التأميمَ نشاطٌ نفطي كبير من خلال الإدارة الوطنية المباشرة (شركة النفط الوطنية) لعمليات الاستخراج والتطوير والاستكشاف، بالاستعانة بعقود مقاولات فرعية مع الشركات النفطية، بخاصة الروسية والفرنسية. وكانت نتيجة هذا النشاط توسيع الطاقة الإنتاجية؛ بحيث ارتفع إنتاج النفط الخام من 1.5 م-ب-ي في 1970 إلى 3.5 م-ب-ي في 1979 17. وبعد ذلك، استمر الإنتاج النفطي بمستوى منخفض، أثناء الحروب والعقوبات، ولكنّه كان يرتفع في أوقات "الهدوء" التي امتدت من 1988 حتى غزو الكويت في 1990 وكذلك بعد تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء خلال الفترة 1997 - 2002. ولكن نتيجة لتدهور القدرة المالية والفنية، أبرم العراق في 1995 عقدًا للمشاركة في الإنتاج Production-Sharing Agreement, PSA مع شركتَي Lukoil الروسية و China National Oil Corporation, CNOC الصينية لاستثمار حقل غرب القرنة العملاق، وجرت مفاوضات مشاركة - إنتاج مع شركتين فرنسيتين Totalو Elf لتطوير حقلَ مجنون ونهر عمر. ولكن ظروف العقوبات الدولية منعت تنفيذ الاتفاق مع الشركتين الروسية والصينية، وحالت دون إبرام عقد مع الشركتين الفرنسيتين (ص. 256-257) أمّا بعد سنة 2003، فيعتقد الكاتب أنّ معارضة أسلوب المشاركة في الإنتاج واللجوء بدلها إلى أسلوب عقود الخدمة الفنية Technical Service Contacts, TSCs كانَا أيضًا بسبب
معارضة أيديولوجية لأسلوب المشاركة غير المبنية على أسس اقتصادية (الفصل)15. وإضافةً إلى ملاحظة غياب إطار قانوني لتنظيم الصناعة النفطية نتيجة لعدم إقرار "مشروع قانون النفط والغاز"، ينتقد الكاتب ارتفاع حجم الطاقة الإنتاجية لحقول الجولتين الأولى والثانية لتراخيص عقود الخدمة الفنية (أي إنتاج الذروة plateau، ويبلغ 11.7 م-ب-ي). ولعل أهم الأسباب التي يقدّمها يكمن في أنّ الطلب العالمي المتوقع على النفط لا يستوعب هذا الحجم (إضافةً إلى إنتاج الحقول خارج هذَين الجولتين)، كما أنّه يصعب استيعابها ضمن حصص الأوبك الإنتاجية من خلال تخفيض حصص دول أعضاء آخرين18. ويرى الكاتب أنّ الطلب العالمي المتوقع ودور العراق ضمن الأوبك يمكن أن يبرر إنتاجًا بحدود 6 م-ب-ي بحلول 2020 لمجموع العراق. ومن الجدير أن يذكر في هذا المجال أنّ مستويات إنتاج الذروة للحقول في عقود الخدمة تمّ تعديلها في نهاية 2014، لينخفض مجموعها من 11.7 م-ب-ي إلى 8.1-7.7 م-ب-ي19. غير أنّ الكاتب لا يقدّم مبررات اقتصادية مقنعة لعَدّ أسلوب المشاركة في الإنتاج أفضل (أي أكثر عائدًا) من أسلوب عقود الخدمة. ولكن في المقابل، تبين الدراسات المتاحة أنّ عقود الخدمة تحقق للعراق عوائدَ أعلى من عقودٍ مماثلة تقوم على المشاركة في الإنتاج، حتى بعد الأخذ في الحسبان تعديل العقود الذي جرى في 2014 21/22، وهذا بالطبع على افتراض أنّ هذه العقود تطبَّق بشفافية وتحت إدارة عراقية مقتدرة أثبتت الوقائع ضعفها. غير أنّ ذلك يسري على عقود الخدمة وعقود المشاركة سويّة. ولكن، ظهر عاملٌ آخر ربما يبرر أسلوبًا آخر كلً أو جزءًا، في حال استمراره لفترة طويلة، وهو انخفاض قابلية الدولة للتمويل نتيجة لانخفاض أسعار النفط. ولكن، طالما كانت الشركات المقاولة في عقود الخدمة مستعدة للقيام بالإنفاق الرأسمالي والتشغيلي واستعادته من خلال النفط المنتج يمكن أن يستمر العمل في أسلوب عقود الخدمة.
سادسًا: مسائل أخرى ذات أهمية وردت في الكتاب
بعد انهيار سعر النفط ووصوله إلى 9.4 دولارات/ برميل (برنت) في تموز/ يوليو 1986 قام نائب الرئيس الأميركي حينئذ، جورج بوش الأب (والذي كان يدرك الأثر السلبي لسعرٍ منخفض في منتجي النفط في الولايات المتحدة)، وممثلون من دول الأوبك بزيارة ملك السعودية ودعَوه للعمل لرفع سعر النفط. كما دعت رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر للعمل في الاتجاه ذاته بسبب تأثّر الإنتاج في بحر الشمال سلبيًا بانخفاض السعر. وتقرَّر في حينه أنّ السعر "العادل" ينبغي أن يكون 18 دولارًا/ برميل. في هذا الوقت، تقرَّر رحيل أحمد زكي يماني من منصبه وحلّ محله هشام ناظر. ففي أوائل 1986 ساند يماني سياسة زيادة حصة السعودية في السوق النفطية من خلال التنافس فيها وقام بتفعيلها (أي عدم التزام دور المنتج المتبقي)، ما ساهم بقوة في انهيار سعر النفط (ص. 209)
كان علي خليفة الصباح، وزير النفط الكويتي عندئذ، أوّل من اقترح تحديد إنتاج الأوبك في منتصف سنة 1982، للتأثير في سعر النفط. وكان هذا مقدمة لتبنّي أسلوب الحصص الإنتاجية، والذي طُبّق في اجتماع في لندن في آذار/ مارس 1983. ويتغير التحديد بحسب السوق في ضوء قيام الأوبك بدور المنتج المتبقي؛ أي قيامها بإشباع المتبقي من الطلب العالمي بعد البداية بإشباعه أولً من مصادر غير الأوبك. وكانت آلية الحساب كما يلي: يتمّ تقدير الطلب العالمي المتوقع وتقدير العرض المتوقع من خارج الأوبك. والفرق يمثّل المتبقي الذي ينبغي أن تشبعه دول الأوبك. وفي داخل الأوبك تنتج كلّ دولة
بحسب طاقتها الإنتاجية والمتبقي هو حصة السعودية. أي إن السعودية تحمّلت حينئذ الوزر الأكبر بعد انخفاض المتبقي (الطلب العالمي ناقصًا عرض النفط من الدول الأخرى)؛ بحيث بلغ إنتاجها في 1985 حوالى 2.5 م-ب-ي في الوقت الذي بلغت طاقتها الإنتاجية 10 م-ب-ي (ص. 192)23. إنّ النفط المصدّر، والذي خضع فعلً للسعر المحتسب من جانب الأوبك (من أوائل السبعينيات إلى أواسط الثمانينيات)، لم يكن يمثّل أكثر من ٪30 من مجموع صادرات الأعضاء النفطية. إضافةً إلى الخصومات التي كانت تمنحها الدول الأعضاء، يعود ذلك إلى تصدير المنتجات النفطية الذي لم يكن يخضع للسعر المحتسب (بخاصة في فنزويلا التي تؤلّف المنتجات نسبةً كبيرة من صادراتها النفطية)، وحالة مقايضة النفط مقابل سلع وخدمات (ص. 200)
اتسم الدور الجزائري في الأوبك بالنشاط والفاعلية في العمل على تحقيق مصالحها، بحسب رأي الكاتب، بالدعوة لتعظيم الأرباح من خلال زيادة الأسعار لتعوّض بذلك عن انخفاض طاقتها الإنتاجية، ولرغبتها أيضًا في الحصول على أسعار غازٍ أعلى، نتيجة لارتباط تسعير الغاز بتسعير النفط. ولقد كان وزنها في قرارات الأوبك عائدًا إلى شخصيات وفودها القوية "(الثورية)" والمنزلة السياسية للرئيس هواري بومدين (الفصول 3، و 5، و.)6 لقد مُنحت الامتيازات في ليبيا "مباشرة" إلى الشركات الأجنبية، والتي كانت خليطًا من شركات مستقلة (على سبيل المثال شركتي أوكسيدنتال وايني) وشركات أميركية كبرى كأكسون. وبالمقارنة، فإنّ الامتيازات النفطية في منطقة الخليج مُنحت بصورة غير مباشرة للشركات الكبرى، من خلال منحها شركات تمثّل "واجهة" للشركات الكبرى. وبغية تقوية قدرتها بوصفها كارتلً نفطيًا دخلت الشركات الكبرى فيما بينها، من خلال شركات الواجهة، بملكيات مشتركة في مناطق الامتيازات للدول الخليجية (من ضمنها العراق). وكانت شركات الواجهة شركات غير ربحية تتلقّى أسعار النفط الخام (لغرض حساب أرباح الدول المضيفة) من الشركات الكبرى الأم. ولقد نتج من ذلك وضعٌ فريدٌ مَنح الخيار لكارتل الشركات الكبرى إمكانية تقرير التوسع والتقليص في إنتاج دول الخليج، بحسب مصلحة الكارتل وتكامله الأفقي والعمودي. في المقابل، فإنّ اعتماد شركات مستقلة في ليبيا، على النفط الليبي من دون وجود بديل ملائم، أتاح للحكومة الليبية بعد سنة 1969 "الاستفراد" بشركة أوكسيدنتال المستقلة ما مكّنها بعد التفاوض، من موقع قوة، من التوصّل إلى اتفاقية محابية الجانب الليبي في سنتَي 1969 / 1970. ولقد طُبّق بعض بنود هذه الاتفاقية على باقي الشركات في ليبيا وباقي الدول النفطية. ولقد منح ذلك ليبيا، لفترة معيّنة منزلة قوية في قرارات الأوبك (ص. 52). ومن الجدير أن نذكر، أنّه إضافةً إلى استعراض العوامل التي أدّت إلى الاتفاقية، فلقد ورد في الفصل ال 26 من كتاب "الجائزة" أنّ وزير النفط السعودي الأسبق عبد الله الطريقي كان يقدّم الاستشارة للجانب الليبي أثناء التفاوض مع أوكسيدنتال24. لقد كان قرار تأسيس الأوابك AOPEC في كانون الثاني/ يناير 1968 ردًا على الخطاب الثوري الناصري في مؤتمرات الجامعة العربية بخصوص النفط، مع ملاحظة أنّها منظمة ليس لها تأثير في التطورات النفطية في العالم.