الحركة الكردية: الإسلاميون والعلمانيون بين الصراع والحوار

عماد قدورة

مراجعة كتاب

عنوان الكتاب: حوار الإسلام والعلمانية في كردستان: دراسة في تلاقي الإسلام والعلمانية المؤلف: عثمان علي وآخرون الناشر: نارين للطباعة والنشر، أربيل سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 608 صفحات

تعدّ الأعمال الأكاديمية التي تدرس البنية الداخلية الأيديولوجية والسياسية في كردستان، على اتساعها وتوزعها بين دول عديدة، ذات أهمية بالغة في الوقت الراهن؛ فهي تساهم في فهم الحراك الداخلي الكردي، وفي إدراك العلاقات بين التيارات الفكرية والفواعل السائدة، وفي التعرّف إلى محاور الاتفاق والخلاف في ما بينها، وتأثير ذلك في تطلعاتها القومية على تنوع اتجاهاتها. ويأتي كتاب حوار بين الإسلام والعلمانية في كردستان من تأليف الدكتور عثمان علي، بشكل أساسي، وبالاشتراك مع آخرين، والصادر حديثًا في أربيل في عام 2015، ليناقش بتوسّع: أهم التوجهات الفكرية والأيديولوجية السائدة في كردستان منذ بداية الحركة الكردية المسماة "كوردايه تي" في منتصف القرن التاسع عشر وحتى الوقت الراهن، ومواطن الخلاف والاتفاق بين التيارين العريضين الإسلامي والعلماني، وانعكاسات الصراعات بينهما على مسيرة الحركة الكردية نفسها، وعلى التطلعات القومية للأكراد، وعلى العلاقات مع دول المنطقة المحيطة بهم. ويتصف الكتاب بالأهمية، بوصفه كتابًا كبيرًا تغطي فصوله معظم الفترة الزمنية لتطور الحركة القومية الكردية، ولأنه مؤلَّفٌ من لدن باحثين أكراد يناقشون مشاغلهم وهمومهم الأساسية وعلاقاتهم الداخلية، ولأنه صادرٌ حديثًا باللغة العربية، فهو يساهم بذلك في تعريف القارئ العربي سواء في العراق وسورية أو في الوطن العربي عامة، بماهية الحركة الكردية كما يراها أصحابها، وأنماط التفكير السائدة فيها، ومدى الصراع والتلاقي بين تياراتها، ومدى تأثير ذلك محليًا وإقليميًا.

يتكون الكتاب من قسمين أساسيين، ويتفرع منهما عددٌ من الفصول. ويمكن ملاحظة أنّ القسم الأول قد خُصِّص كاملً للتعريف نظريًا بالعلمانية والحداثة والديمقراطية وجذورها الأوروبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط، فيما خُصِّص القسم الثاني لتاريخ العلمانية في كردستان وتطوّرها الفكري منذ العهد العثماني الأخير، ثم في عهد الانتداب الأجنبي في الدول القومية في المنطقة، وآراء وتفاعل الطرفين العلماني والإسلامي في كردستان مع هذه التطورات، ونقاط الصدام والحوار بينهما. ونظرًا إلى أنّ القسم الأول يعالج بتوسّع المفاهيم والمصطلحات النظرية حول العلمانية والحداثة ومواقفها من الإسلام والدين بعامة، والتي يمكننا العثور على مصادر عديدة حولها، فإنّ هذه المراجعة سوف تقتصر على الباب الثاني ذي الأهمية الراهنة، بسبب تحليل المؤلفين فيه للتطبيقات العملية لتلك المفاهيم والمصطلحات في واقع مناطق الأكراد واتجاهاتهم الفكرية وانعكاساتها السياسية في المنطقة. يتمحور هدف الكتاب أساسًا حول حلّ الإشكاليات التاريخية والمفاهيمية والسياسية العالقة بين التيارين الأساسيين الإسلامي والعلماني، والبحث عن مساحة مشتركة بينهما؛ إذ يظهر هذا بجلاء في عنوان الكتاب الذي اقتصر على جانب "الحوار والتلاقي" أملً من معظم مؤلفيه في تفادي علاقة الصراع التي هيمنت على تاريخ الفصائل الكردية في العصر الحديث. وبحسب مقدمة الكتاب، فإنه على الرغم من تجاوز الكرد منذ بداية القرن الحادي والعشرين ويلات الحروب الأهلية بين مختلف أجنحة الحركة الكردية في القرن الماضي، والتي تجلت ذروتها بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحركة الإسلامية)1997-1994(، فإنّ فرص وقوع صراعات بين الجناحين العلماني والإسلامي في الوسط الكردي لا تزال قائمة. ويرى الكتاب أن أخطر ما يواجه الكرد في العقود القادمة هو تسلّط رأي أو أيديولوجية بعينها، باسم الدين أو القومية أو الشرعية التاريخية العائلية والحزبية، وإقصاء الآراء والأيديولوجيات الأخرى (ص -16)17. ولذلك، يرى أنّ الحوار هو الركيزة الأساسية والوسيلة المفضلة للتعايش السلمي والتلاقح الفكري وإغناء المشروع الكردي.

"كوردايه تي:" محدّد الانتماء والعمل للشعب الكردي

قبل الشروع في تحديد التيارات الفكرية والأيديولوجية في كردستان بعامة، ينطلق المؤلف من محدد أساسي يتمحور حوله الأكراد؛ وهو مدى الاقتراب أو الابتعاد عن روح الحركة الكردية أو "كوردايه تي"، التي تعني "العمل من أجل المصالح الكردية" (ص 15 و)271؛ إذ يقول الدكتور عثمان علي: منذ بداية القرن العشرين تبحث النخبة الكردية عن عقيدة تؤطر وتوجّه مساعيها لخدمة المصالح الكردية؛ فبدأت "كوردايه تي" من لدن النخبة الإسلامية التقليدية (علماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية) في منتصف القرن التاسع عشر. ولكن مع وصول الاتحاد والترقي إلى الحكم في السلطنة العثمانية عام 1908، بدأ

بعض الكرد من ذوي الفكر القومي العلماني في إسطنبول والسليمانية وبغداد يعملون من جهتهم لتحقيق الأهداف القومية الكردية. ولكن أسلوب تحقيق هذه المصالح دار جدلٌ حوله في القرن العشرين، واتخذ سبلً وأطرًا مختلفة أدّت إلى صراع فكري وسياسي وعسكري بين أجنحة الحركة الكردية الرئيسة، وبخاصة الجناحين العلماني والإسلامي. وفي الوقت نفسه، لم يمنع الصراع من الوصول في فترات مختلفة إلى التعايش السلمي والتلاقح الفكري بين تلك الأجنحة. يعرّف المؤلف "كوردايه تي" بأنها "شعور بالانتماء إلى الشعب الكردي والعمل من أجل مصالحه، وليس هي الفكر القومي الكردي"؛ فذلك الشعور أقدم بكثير من هذا الفكر. ويقول بأن هناك خلطًا في فهم الكرد لظاهرة القومية بصفتها ظاهرة سياسية حديثة وبين "كوردايه تي" التي هي شعور بالانتماء للشعب الكردي الذي سبق ظهور القومية الحديثة. فشعور الانتماء إلى فئة عرقية أو قبيلة أو قرية هو غريزة فطرية في الإنسان، وهو غير مقرون بمرحلة تاريخية معينة. فلم يكن لهذا الانتماء قبل القرن التاسع عشر أثر سياسي. أما الظاهرة القومية فهي مقرونة بالتحولات الاقتصادية والسياسية والفكرية. لقد كانت بداية هذا الشعور بالانتماء والعمل من أجل المصالح الكردية بعد "التنظيمات العثمانية" ثم النزوع نحو التتريك. ومع ذلك، كان هذا الشعور ذا نزعة إصلاحية وليست استقلالية قومية، فعلى الرغم من أنّ حركة مير محمد باشا راوندز، أمير الإمارة السورانية في القرن التاسع عشر، كانت أول حركة إصلاحية كردية في مناطق الأكراد، فإن مير محمد ما فتئ يؤكد بأنه "مخلص للسلطان ولكنه ثار ضد الأوضاع المزرية في كردستان." ومع أنّ الأمير بدرخان عمل على استقلال شؤون إمارة بوتان، ووجد نجاحًا في حكمه، فإنه كان يؤكد دائمًا أنه وفيٌ للسلطان على الرغم من استيائه من الفساد في أوضاع السلطنة العثمانية (ص. 275-276). ولا بد من الإشارة هنا إلى وجود خلاف في وجهات النظر بين تيارات كردية، ففي حين يعتبر تيارٌ حركة الأمير بدرخان مجرد حركة إصلاحية، وهو ما يتفق مع وجهة نظر المؤلف، فإن تيارات قومية كردية ترى أنّ الأمير بدرخان سعى إلى الاستقلال التام "ليتحرر الكرد من نير الاحتلال الأجنبي". ومع أن قسمً من الباحثين في الشؤون الكردية يذهب إلى أن حركة الشيخ عبيد الله النهري)1881-1880(هي أول حركة كردية معاصرة وأن النهري هو أول من دعا إلى وحدة جميع الكرد ضمن كيان موحد، فإن المؤلف يؤكد أنّ النهري هو رائد "كوارديه تي"، ولكنه كان دائمًا يجمع بين الدفاع عن الكرد والإسلام. كان لوصول جماعة الاتحاد والترقي للحكم في السلطنة العثمانية 1908 - 1920 أثر في دفع حركة "كوردايه تي" بشقيها الإسلامي والعلماني في النصف الأول من القرن العشرين؛ فقد انتعشت هذه الحركة نتيجة محاولات الصهر القسري للكرد في الأمة التركية. وتجسدت نشاطات الشق الإسلامي بحركة الشيخ سعيد الحفيد)1911(في السليمانية حيث وقف ضد الاتحاديين الذين وصفهم بالمارقين والم حاادة، وطالب بعدم طاعة الإدارة الطورانية في كردستان. وقاد الشيخ عبد السلام البرزاني النقشبندي حركة مماثلة)1914-1911(، وطالب بتطبيق الشريعة وإبعاد الموظفين الفاسدين من المنطقة الكردية والسماح بالتعليم باللغة الكردية. واستمر التيار الإسلامي الصوفي في الثلاثينيات والأربعينيات في الهيمنة على حركة "كوردايه تي." وتعتبر حركة ملا خليل منكوري في كردستان إيران دفاعًا عن الشريعة والوجود الكردي هناك، وذلك في مواجهة محاولة رضا شاه فرض التغريب والإصلاحات وحظر اللغة الكردية اقتداءً بكمال أتاتورك (ص. 280-281) أما ما يسميه المؤلف بالتيار اللاديني العلماني داخل "كوردايه تي"، فقد ظهر بوضوح في الفترة 1908 - 1920 أيضًا كرد فعلٍ على الطورانية. وتعتبر جريدة "كودرستان" أول عمل منظّم لهذا التيار، فقد كان يصدرها الأخوان مقداد ومدحت بدرخان في أوروبا ثم مصر وتجد دعم الأوساط الأرمنية. وقد تميز خطاب التيار بانبهاره بالغرب في تلك الفترة. وفي عام 1910، قام طلبة كرد بتشكيل منظمة قومية باسم "هيوا" (الأمل) وأصدروا مجلة "روزي كورد" التي هدفت إلى نشر "الثقافة والحضارة الغربية المتطورة" (ص. 282). وتنتقد بعض مقالات المجلة تأثير الإسلام في الكرد، فقد جاء في أحد أعدادها: "كان الشعب الكوردي منذ ما قبل الإسلام، يملك أدبًا غنيًا ولكن بعد دخوله

الإسلام، وبالأخص في فترة الحكم العثماني ونتيجة للتعلّق الشديد بمبادئ الإسلام والانقياد وراء الخلافة، نسي هذا الشعب كثيرًا من ذاتيته." فيما دعت في مقال آخر "إلى الابتعاد عن الحروف العربية وكتابة اللغة الكردية بالحروف اللاتينية"، على الرغم من أن هذه المسألة يرفضها حتى قسم من التيار العلماني (ص. 283) وعلى الرغم من انفصال التيارين العلماني والإسلامي، فقد تلاقيا في "جمعية تعالي وترقي كوردستان"؛ وهي أول تنظيم جمع طرفي حركة "كوردايه تي"، وذلك على يد الشيخ عبد القادر بن عبيد الله النهري ردًا على جماعة الاتحاد والترقي التركية. ولكن يرى المؤلف أنه حدث انشقاق داخل الجمعية على يد الأمير جلادت بدرخان بسبب عدم الرضا عن الميول الإسلامية للشيخ عبد القادر، ويعتقد أن الأرمن كانوا وراء هذا الانشقاق (ص. 286). ويذكر عددًا من محاولات نشاط العلمانيين ضمن الحركة الكردية، مثل جمعية آزادي التي أعلنت الثورة على كمال أتاتورك، والتي تقربت لاحقًا إلى الشيخ سعيد بيران في ثورته عام 1925، وكذلك جمعية "كومه ليى زيانه و ه ي" عام 1943 التي ما لبثت أيضًا أن انضمت إلى إدارة قاضي محمد في مهاباد بإيران، وقد استطاعت بقيادة الأخير تأسيس "جمهورية كوردستان في مهاباد." وفي عام 1946 عمل الشيوعيون والليبراليون في كلٍ من حركتي "هيوا" و"شورش" مع ملا مصطفى البرزاني الذي كان رمزًا إسلاميًا نقشبنديًا قويًا (ص. 290) ومما يمكن ملاحظته مما سبق، أنّ المؤلف قد دافع عن خطاب التيار الإسلامي الصوفي الذي ركز على الإصلاحات وليس الانفصال ضمن حركة "كوردايه تي"، ومع ذلك نجد أنه في الصفحات التالية، يبتعد عن مطالب الإصلاح ويدعو إلى "تقرير مصير الشعب الكردي بالبقاء أو عدم البقاء ضمن الكيانات القومية العلمانية" (ص. 291) الناتجة من اتفاقية سايكس بيكو. ويعيب على شعارات الأحزاب العلمانية المتعلقة بالحكم الذاتي والفيدرالية من دون إقرار حق تقرير المصير، مما يعطي شرعيةً كرديةً للتقسيم الجائر لأرض كردستان وشعبها. ويصف هذه الشعارات بأنها "خطأ إستراتيجي" في الحركة الكردية طوال القرن العشرين، فقد أقنعت الشعوب الأخرى – الترك والعرب والفرس – بأنّ كردستان جزءٌ من أوطانهم. كما يعتبر أنّ تعاون الأحزاب العلمانية ودعمها للدول الحاكمة لكردستان ضد أحزاب وحركات كردية أخرى أجهضت المشروع العلماني في تحقيق وحدة أرض كردستان وشعبها. ومن هنا، يبدو أنّ المطالب الإصلاحية كان مرحبًا بها ضمن "كوردايه تي" إبّان الدولة العثمانية، لكنّها تحولت إلى مطالب بتقرير المصير والاستقلال في ظل وجود الدول القومية في المنطقة.

وينتقل المؤلف إلى النصف الثاني من القرن العشرين حينما انحسر التيار الإسلامي؛ ويبين بعض أسباب هذا التراجع، ومنها: هيمنة الغرب الفكرية والعسكرية على العالم الإسلامي، ودخول الإسلاميين في حالة سبات وانهزام نفسي، والانزواء في التكايا الصوفية المنحرفة، وعمل القيادات الإسلامية في العراق وتركيا بعد الخمسينيات على إقناع الكوادر الإسلامية الكردية بعدم مساندة الحركة الكردية لأن ذلك وفق تصورهم سيضرب وحدة المسلمين في داخل العراق (ص. 295). ثم يشير إلى نهوض تيار الإسلام السياسي الكردي في السبعينيات من القرن العشرين؛ فمع سيطرة الفكر الماركسي على معظم الفصائل الكردية وتهديدها لبعض الرموز الإسلامية، ثم حملات النظام العراقي في كردستان، أدى كل ذلك إلى "استشعار الخطر" فتأسست "الرابطة الإسلامية في كوردستان" عام 1978، وكان أحد منظريها سيد محمد شهروزي، ثم أدى الشيخ محمد نجيب البرزنجي دورًا أساسيًا في تحويلها إلى تنظيم جهادي عسكري. واستطاعت الرابطة كسب جمهور من الشباب والعلماء، وأدت دورًا أساسيًا في تنظيم انتفاضة منطقة شهروز في نيسان/ أبريل 1987 ضد نظام صدام حسين. وفي عام 1988، أسس الإخوان المسلمون تنظيمً إغاثيًا باسم "الرابطة الإسلامية الكردية." وبعد صدور قانون تنظيم الأحزاب في كردستان العراق عام 1994، شكل الإخوان "حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني." أما في إيران، فقد أخفق التيار الإسلامي الكردستاني فيها بقيادة الشيخ مفتي زادة أمير لأنه، حسب المؤلف، واجه الدولة برفض الطائفية التي تبنتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وطالب بإلغاء المذهبية في الدستور وإعطاء أهل السنة حقوقهم. ولاحقًا تعاون التيار الإسلامي مع الرئيس السابق محمد خاتمي لكنه انتكس مع انتكاسة الحركة الإصلاحية في إيران بعده. وفي تركيا، عمل الإسلاميون الكرد مع حزب

الرفاه ثم الفضيلة، وحاليًا مع حزب العدالة والتنمية، وأصبح منهم أعضاء في البرلمان التركي. وينقسم الأكراد في تركيا إلى قسمين، أحدهما يؤمن بالعمل مع حزب العدالة والتنمية بوصفه بدأ عملية سياسية سلمية لإعطاء الأكراد حقوقهم ضمن الدولة التركية، وثانيهما حزب العمل الديمقراطي الذي يعد عمليًا الشق السياسي لحزب العمال الكردستاني الذي يحظى بدعم الجالية الكردية في أوروبا (ص. 304). ويذكر أنه منذ تأسيسه عام 2012، أصبح حزب الشعوب الديمقراطي الممثل الأساسي للأكراد، وبخاصة بعد تجاوزه العتبة البرلمانية في تركيا عام 2015؛ وهو متعاطف مع حزب العمال الكردستاني. أخيرًا، يؤكد المؤلف على ضرورة الحوار والتعاون مع الأحزاب العلمانية الكردية؛ إذ يدعو لدعم المجتمع المدني بما يخدم العمل القومي الكردي عامةً؛ فيقول: "من الضروري الابتعاد عن أسلوب المواجهة مع التيار العلماني وتبني مبدأ الحوار والتواصل والاتفاق على القواسم المشتركة" (ص. 306-307). وهو يمهد بذلك إلى مناقشةٍ أوسع لقضية الحوار الداخلي في المباحث التالية، عبر البحث في نقاط الاختلاف وإمكانية تجاوزها في ظل وجود مساحات مشتركة يمكن تعميقها.

الحوار العلماني – الإسلامي والمساحة المشتركة في كردستان

ثمة قضية محورية في الخلاف بين العلمانيين والإسلاميين في كردستان وهي الاتهامات المتبادلة حول مسؤولية كل طرفٍ عن "مأساة الكرد." ويذهب الأستاذ مسعود عبد الخالق، في بحثه ضمن هذا الكتاب، إلى أنّ تصحيح المفاهيم خير وسيلة للحوار. ويتفق مع المؤلف الأول بأنّ سياسات الاتحاد والترقي 1908 - 1920 هي سبب مأساة الأكراد، فقد ظهرت على يد القوميين العلمانيين الأتراك والأكراد معًا؛ إذ كان "اثنان من المؤسسين الأربعة للاتحاد والترقي من الكرد"، حيث ربط العلمانيون الأكراد آنذاك مستقبل "استقلال كردستان بنهاية الحكم الديني" العثماني (ص. 314). ومع ذلك، يؤكد المؤلف مساهمة العلمانيين الأكراد في مواقف مهمة تجاه القضية الكردية مثل مساهمتهم "في الثورات الجديدة ضد احتلال كردستان" وفي تبني "القرارات والقوانين الدولية لتحرير الأمم وتقرير مصيرهم" (ص. 333). وفي المقابل، يذهب العلمانيون إلى أن "العمل الإسلامي يشكل خطرًا على قضية الكرد وأن الإسلام ظلم الكرد وأن الدول التي تظلم الكرد محسوبة على مجموعة الدول الإسلامية فيما الغرب العلماني هو المنقذ" (ص. 334) وبناء على هذه الفجوة بين الطرفين، يدعو عبد الخالق إلى "بناء الحوار" ويحدّد أسس القواسم المشتركة بينهما في محورين رئيسين: الأول، هو "التحرر الوطني؛ أي تحرر كردستان من الاحتلال بواسطة نضالٍ مشتركٍ للقوى الكردستانية وتحقيقه عبر مراحل: اللامركزية، والحكم الذاتي، والفدرالي، والولايات، والكونفدرالية... وحتى الاستقلالية، وهي آخر أهداف جميع القوى الكردستانية." و الثاني، التحرر الاجتماعي في ما بين الأفراد، ويشمل "العدالة، والأخلاق، والمساواة، وحقوق الإنسان، والمرأة، والفقر." ويذهب إلى أنّ شعارات الأحزاب الكردية متجسدة في هذين المحورين؛ فشعار الحزب الديمقراطي الكردستاني هو الحكم الذاتي لكردستان حاليًا، والفدرالية للعراق، أما الاتحاد الوطني الكردستاني فشعاره حق تقرير المصير لكردستان واتحاد الشعوب المستضعفة، وأما الحزب الشيوعي الكردستاني فشعاره وطن حر وشعب سعيد واتحاد العمال، وأما الأحزاب الإسلامية فشعارها تحرير كردستان وإقامة العدل فيها (ص. 345-346)

ويرى الباحث علي سيريني في بحثه أنّ أسباب تشرذم المكون الكردي واستتباعه للمحيط المجاور له على الصعيد الثقافي هي: تشرذم بنية الكرد القومية وعدم اجتماعهم بصورة متجانسة على الصعيد القومي، وتباعد مناطق كردستان ووعورتها مما استحال على الناس تكوين شبكة علاقات حضرية بين المدن، وبين المدن والأرياف، والتراث المتراكم من خليطٍ تاريخي وجغرافي وثقافي والذي أسّس التفرقة السياسية بين الكيانات الكردية قبل القرن العشرين. ولكن اللافت للانتباه رفض الباحث لأي حوارٍ بين الإسلاميين والعلمانيين في كردستان، وهو يعبِّ بهذا عن وجود آراء متطرفة إزاء

مسألة الحوار وجدواها؛ فهو يرى أنّ "الشعب الكردي عانى ويعاني كوارث كبيرة على يد العلمانيين أزلام الغرب"، ويقول: "عن أي حوار نتحدث؟ وبين من ومن؟ وبشأن ماذا؟ أهو حوار بين الإسلام والتاريخ المسيحي؟ أم هو فراغ ومضيعة للوقت مع من انسلخوا من تاريخ أمتهم؟... إنه حوار مع من يريد إلهاء المسلمين غير قضاياهم الكبرى وإلغاءهم من الوجود جسدًا وروحًا وتاريخًا" (ص. 359-361). ومع أنّ هذا الرأي لا يخدم قضية الحوار التي يهدف إليها الكتاب، فإنّ تضمينه كان مقصودًا أيضًا، فقد أشارت مقدمة الكتاب (ص. 16) إلى أنّ ثمة أهمية لتسليط الضوء على الآراء المتطرفة لدى الطرفين، إدراكًا وتوضيحًا "لخطورتها على المصالح الكردية." ويذهب الباحث سرو قادر في مبحثٍ بعنوان "الإص حاا وضرورة الحوار بين العلمانيين والإسلاميين في كردستان"، إلى ضرورة تخلي الطرفين عن الأفكار والممارسات الإقصائية والإيمان بالديمقراطية الحقيقية والإقرار بالقيم الأساسية الاقتصادية للسوق لبناء نظام اقتصادي متين في مجتمع ديمقراطي. ويوجه نداءه إلى الإسلاميين بقوله: "آن الأوان أن يقرر الإسلاميون أي خيار سيتخذون، هل يقبلون بالديمقراطية ويعملون ضمن الأنساق الديمقراطية كأجنحة محافظة فيها، أم يصرون على مواصلة مسيرتهم الحالية في السعي لبناء أنظمة أيديولوجية؟." وبالمقابل، فإن العلمانيين في كردستان "لم يوفقوا حتى الآن كما ينبغي في بناء الديمقراطية وتأصيلها بصفتها قيمة من القيم في المجتمع، لأن بعضهم لم يتخلص من تأثير الأيديولوجية القومية المتطرفة." ويخلص إلى أن "استقلال كردستان يكمن في وجود وتحقيق الديمقراطية لا في وجود التوجه القومي الضيق" (ص. 396-398) وفي تحديده "المفاصل المشتركة والمختلفة للتيارين الإسلامي والقومي العلماني في كردستان"، يلقي الباحث كامران بابان زادة باللائمة على تياري النخبة العلمانية والإسلامية الكردية في   ما وصلت إليه الحال من مآزق. ويشير إلى أنّ النخبة العلمانية الكردية بخلاف علمانيات الشعوب المجاورة تعتقد بوجود تضادٍ بين مفهومي القومية والإسلامية. ومن هنا، يقول: لا نلاحظ أنّ لديها فهمً علميًا وعمليًا للواقع الكردي، إذ يمكن وصف الحركة القومية الكردية بكونها ردة فعل على مواقف الشعوب التي تحتل كردستان، لذلك فهي ليست مشروعًا حضاريًا، بل إن الفكر القومي الكردي هو صدى وردود فعل لما لحق بالكرد من حملات القمع والصهر القسري أكثر من كونها فلسفة تستند إلى أسس فكرية صلبة. وهناك إشكالية لدى النخبة الكردية في تقديم وصف واضح لمفهومي الانتماء الكردي والانتماء الإسلامي، ولكنها قامت بخلق إشكالية بين المفهومين وحولتهما إلى صراعٍ داخل البيت الكردي (ص. 400-401). أما التيار الإسلامي فيتحمل هو الآخر مسؤولية هذه الأزمة لأنه تقاعس في تشخيص مأساة الكرد، ولم يدخل ساحة النضال والمقاومة ضد محتلي كردستان إلا مؤخرًا، لذلك فقد "تخلف في أداء واجبه ولم نجد في حركة المقاومة المسلحة وجودًا ملموسًا للإسلاميين حتى الثمانينيات من القرن الماضي" (ص. 403-414). ويستنتج المؤلف نقاطًا يتعين أن ينتبه إليها التياران الإسلامي والعلماني وهي: أخذ الكرد للإسلام بعامة بحرية واقتناع راسخ، وعدم الاستغناء عن أيٍ من البعدين الديني والقومي؛ إذ يمكن الاستفادة من الإسلام لبناء كيان كردي قومي. ويرتب هذا على التيار الإسلامي تطوير أطروحته لمفهوم الحركة الكردية وعصرنة الخطاب الإسلامي الكردي كي يكون قوة فاعلة في الساحة الكردية (ص. 426) وتحت عنوان "تعايش العلمانيين والإسلاميين في كردستان ليس خيارًا بل قدر"، يعود المؤلف الرئيس في الكتاب الدكتور عثمان علي ليقدّم بحثًا يتضمن رؤيةً تصالحيةً يعتبرها ضرورة تاريخية لتلاقي التيارين العلماني والإسلامي من أجل مصالح "كوراديه تي" التي بدأ بها هذا الكتاب. ولكي ينجح الحوار من الناحية الواقعية، يطلب التفريق بين المتطرفين والمعتدلين لدى الطرفين الإسلامي والعلماني. ويذهب إلى أنّ العلمانيين المتطرفين ليسوا ضد الإسلام السياسي فحسب، وإنما ضد الإسلام نفسه، وهذا يشكل عنصر عداء وتفرقة بين الكرد. أما المعتدلون العلمانيون فليس لديهم مشكلة مع الجماعات الإسلامية التي تقبل بالديمقراطية، فهم يعتبرون الدين والإسلاميين حالة يمكن التعايش معها. وفي المقابل، يطالب بضرورة قبول شرعية التيار العلماني المعتدل؛ وهو التيار الذي يتحفظ على تطبيق الشريعة الإسلامية ليس لأنه ضدها، ولكن لأنه يحسب أنّ ذلك التطبيق قد يهدد قيمً معينة يدافع عنها مثل الحرية والديمقراطية والمساواة والهوية الكردية، وهو "موقف يتعين فهمه واحترامه" (ص. 499) ويحثّ المؤلف كلً من التيارين في كردستان على تجاوز التفكير النمطي، والاستفادة من تجارب العلمانيين والإسلاميين في المنطقة حولهما. فبالنسبة إلى العلمانيين، يقول: "ليس هناك شك في أن العلمانيات العربية والتركية والإيرانية هي علمانيات أكثر تطورًا من العلمانية الكردية، وتجاوزت إلى حد ما مرحلة الصراع مع الإسلام والإسلاميين بعد أن أدرك الطرفان أن الصراع بين التيارين لن يخدم مصالحهم القومية" (ص. 503). ومن جهة أخرى، يطالب الإسلاميين بتطوير مفاهيمهم، فيثني على رأي الدكتور عادل بإخوان حول أنّ الأحزاب الإسلامية الكردية تجاوزت مرحلة "الإسلامية" التي تميزت بها في السابق والتي كانت مبنية على فكرة الشريعة والشورى والأمير إلى مرحلة يسميها "الإسلام الديمقراطي" القابل للتعايش مع العلمانية من

الناحية السياسية؛ إذ سبق أن حدث هذا التحول في أوروبا وتجسّد في ظهور الأحزاب الديمقراطية المسيحية. ويقول بأنّ تلك الحركات تقبل بفكرة التداول السلمي للسلطة والتعايش مع العلمانية ضمن نظام ديمقراطي، وما حدث في تركيا وتونس هو تبلور جديد لوجه الإسلام السياسي، ويؤكد أنّ تأثيرها سينتقل إلى كردستان حتمً (ص. 508). كما يؤكد المؤلف على رأي الباحث سلام عبد الكريم، المتخصص بالإسلام السياسي في كردستان، من حيث حتمية انتقال تأثير حزب العدالة والتنمية التركي إلى المناطق الكردية، وأنّ التغيير في تصور الأحزاب الإسلامية الكردية نحو قبول ما يسميه "الإسلام الليبرالي" قد تجسّد على أرض الواقع عندما "وقف ممثلو التيار الإسلامي الليبرالي جنبًا إلى جنب مع العلمانيين من الماركسيين والليبراليين الكرد يهتفون بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية" في أحداث سراي أزادي في السليمانية عام 2011 (ص. 509). ويذهب إلى أنّ هذا الموقف ليس مؤقتًا، بل هو موقف يجسّد الجهد الكبير الذي يقوم به كثير من الجماعات والأفراد داخل التيار الإسلامي من أجل التحوّل الديمقراطي.

ملاحظات أخيرة

لا شك أنّ الكتاب يتميز بالأهمية بوصفه يعرّف بأهم المحطات التاريخية في مسيرة الحركة الكردية وتطلعاتها وتياراتها، ويضيف جديدًا للمكتبة العربية في   ما يتعلق بالقضايا الفكرية والسياسية التي تشغل النخب الكردية وطرق تفكيرها ونقاط اختلافها واتفاقها ورؤاها المستقبلية. ومع ذلك، ثمة ملاحظات مهمة تؤخذ على الكتاب من حيث مدى التوازن في عرض أفكار الطرفين المعنيين الإسلامي والعلماني وآرائهما، وكذلك خلوه تقريبًا من معالجة إشكالية الأكراد في سورية، ويمكن توضيح الملاحظتين بالآتي: أولً، مع أنّ هدف الكتاب هو عرض الآراء المختلفة للطرفين العلماني والإسلامي في كردستان وقضاياها القومية من أجل توفير سبل التلاقي بينهما، فقد غلب عليه عرض آراء التيار الإسلامي بصورة أكبر. ومع أنّ المؤلفين عرضوا آراء للتيار العلماني، فإنّ الكتاب لم يتضمن فصولً كاملة كتبها علمانيون بأنفسهم كي تتبيّ آراؤهم بوضوح ويتحقّق التوازن في عرض أفكار الطرفين كما هي، وهو ما قد يساعد أكثر على التعرّف إلى مختلف الآراء.

ثانيًا، حظيت مناقشة التيارات الفكرية والحالة السياسية في إقليم كردستان العراق وفي تركيا بنصيبٍ وافرٍ في الكتاب، فيما لم تحظ الحركة الكردية وتطلعاتها في سورية بدراسة مماثلة. ويبدو أنّ تطور الحركة الكردية إلى حراكات سياسية وعسكرية ناشطة في العقود الثلاثة الماضية في كلٍ من تركيا والعراق، وبخاصة مع تطور الحكم الذاتي إلى درجةٍ متقدمةٍ في إقليم كردستان العراق، قد أمدّت مؤلفي الكتاب بمادة غنية وجعلتهم يعولون عليها في إمكانية تحقيق نموذج للتطلعات الكردية على أرض الواقع. وقد يكون الحجم الكبير للوجود الكردي في البلدين ونسبته المعقولة إلى إجمالي السكان (الخُمس تقريبًا) سببٌ آخر لهذا التركيز. ولكنّ الكتاب كان سيحظى بأهميةٍ أكبر ويحقق أسبقيةً لو أنه ركز أيضًا على أكراد سورية من حيث توجهاتهم الفكرية والسياسية وتياراتهم وطبيعة تطلعاتهم المستقبلية، وبخاصة أنّ الكتاب حديثٌ صدر في عام 2015؛ أي بعد أن أبرزت الثورة السورية دور الأكراد في شمال شرق سورية، وبدأت تتوضح مطالبات بعضهم بصيغ سياسية أكثر تطورًا مثل الفدرالية وغيرها، وبعد أن تم تسليط الضوء عليهم إقليميًا ودوليًا. ومن المؤكد أنّ هذا الحراك الكردي السوري سوف يفرض نفسه على الكتب والدراسات التي تتناول الشأن الكردي من الآن وصاعدًا، وربما يقوم مؤلفو هذا الكتاب في تحديثه وتوسيعه ليشمل ذلك قريبًا.