تنمية أم كارثة؟ أحلام مصر في استصلاح الصحراء:
مراجعة كتاب:
Egypt’s Desert Dreams: Development Or Disaster ? عنوان الكتاب بالإنكليزية: المؤلف: ديفيد سيمز. الناشر: الجامعة الأميركية، القاهرة،.4201 عدد الصفحات: 401 صفحة.
يُعدّ هذا الكتاب أشملَ مساهمةٍ بحثية - وأحدثها أيضًا - تتناول بالنقد والتحليل والتأريخ غزو الدولة للصحاري المصرية منذ عام 1952، وخصوصًا ما يُعرف في تاريخ مصر ب "ظاهرة المُدن الجديدة." وتنبع أهمية هذا العمل من جانبين؛ أحدهما أنه يعالج موضوعًا نَدرت معالجته من ناحيةٍ بحثية وعلمية. فباستثناء بضع أوراقٍ ذات طابعٍ سياساتي، وبضع دراساتٍ تناولت مشاريع عمرانية محدّدة في صحاري مصر، نكون إزاء العمل الأوّل من نوعه الذي يتخصص بقراءة نزعة الدولة المصرية ونُخبها للتعمير الصحراوي وإقامة المُدن السكنية والصناعية والسياحية الجديدة، بعيدًا عن وادي النيل. أمّا الجانب الثاني، فهو متمثّل بأنّ أهمية هذا العمل تنبع من جدية مؤلِّفه، ديفيد سيمز، صاحب كتاب فَهْم القاهرة: منطق مدينة خارج السيطرة1، ويُعدّ هذا الكتاب أهمّ مرجع لفهم صيرورة تطوّر القاهرة الكبرى بسُكّانها ومجتمعاتها المختلفة والمتنوّعة وأنماطها الديموغرافية. وقد أمضى سيمز، كما يقول تيموثي ميتشل في تقديمه للكتاب، أكثر من نصف عُمره في دراسة العاصمة المصرية وتتبّع مسارات تطوّرها الديموغرافية والعمرانية، ليساهم في الحقيقة في تصحيح العديد من الصور النمطية والتصوّرات المشوّهة عن أحد أكبر التجمّعات البشرية العملاقة في العالم.
ويمكن اختصار الأطروحة الأساسية للكتاب على النحو التالي: على الرغم من أنّ الأراضي الصحراوية في مصر تُعدّ أهمّ الأصول والمصادر الطبيعية لدى الدولة، حيث تشكّل الأغلبية العُظمى من الجغرافيا المصرية، فإنّها لطالما كانت إحدى اللعنات الاقتصادية والتنموية العظيمة بالنسبة إلى تاريخ مسيرة التنمية والتطوير التي قادتها النُخب الحاكمة، منذ حركة الضبّاط الأحرار في تموز/ يوليو.1952 وطوال فصول الكتاب المختلفة، يبيّ سيمز أنّ هوس النخبة المصرية الحاكمة بضرورة تخفيف الضغط السكّاني من منطقة وادي النيل والدلتا التي تشكّل أقلّ من 5 % من المساحة الإجمالية للبلاد، لم يؤدِّ إلى إهدار مبالغ خيالية من ميزانية الدولة على امتداد عقودٍ فحسب، بل أدّى أيضًا إلى إهمالِ المدن الأصلية وإفقارها من ناحية الخدمات والبنية التحتية، كما رسّخ عملية التعمير غير الرسمي المعروف في مصر ب "العشوائيات"، إضافةً إلى تعزيز شبكات الفساد البيروقراطي والرأسمالية الطفيلية.
هيكل الكتاب
يضمّ كتاب أحلام صحراء مصر مقدّمةً وعشرة فصول. يتناول الفصل الأوّل نبذةً تاريخيةً وجغرافيةً عن صحاري مصر (الصحراء الغربية، والصحراء الشرقية، وشبه جزيرة سيناء)، لافتًا النظر، في إيجازٍ شديد، إلى أنّ مسيرة التوسّع نحو الصحراء بدأت في حقبة أسرة محمد علي أساسًا، لتوسيع رقعة الأرض القابلة للزراعة (ص 33 - )34. أمّا الفصل الثاني، فهو يقدّم خريطةً عامّةً للرحلة التاريخية في ما يتعلّق بفكرة استصلاح الصحراء وعَدّها هدفًا قوميًا يعكس مشروعية الدولة وصورتها أمام المجتمع. فمن مشروع مديرية التحرير ومشروع الوادي الجديد في عهد عبد الناصر، إلى برنامج المُدن الجديدة الذي دشنّه السادات في أواسط السبعينيات، مرورًا بمشاريع مبارك العملاقة لاستصلاح الأراضي وإقامة المناطق الصناعية والسياحية، وانتهاءً بالإعلانات المتتالية التي أعلنتها كلّ من حكومات الإخوان المسلمين والحكم العسكري، يوضّ ح سيمز مدى ضبابية البيانات الحكومية وتناقضها والفجوة ما بين المُعلن عنه والمنجز فعليًا من جهة، وعدم قابلية الأجهزة الحكومية للتعلّم من الأخطاء وعدم تكرارها. وتعرض الفصول الأربعة التالية زبدة الكتاب التي تتناول بالتفصيل والخرائط، والصور أيضًا، خطط الدولة للتوسّع نحو الصحراء من الفصل الثالث خلال مخططات الاستصلاح الزراعي ()، وخطط المدن الفصل الرابع الجديدة ()، والقرى والمنتجعات السياحية (الفصل الخامس) الفصل السادس، والمناطق الصناعية والتعدينية ()، مبينةً أنّ الحكومة المصرية نادرًا ما حققت نجاحًا في أغلب تلك المشاريع سواء كان ذلك من ناحية جذب السكّان، أو خلق فرص عملٍ، أو حتى من ناحية رفد خزينة الدولة بالمال. وأخيرًا، فإنّ المؤلف يحاول في الفصول الأربعة الأخيرة عرض إطارٍ تفسيريٍّ يحلّل السلوك الديموغرافي للنموّ السكّاني الذي يناقض، من
الفصل السابع ناحية المبدأ، الرؤية الدولتية للتوسّع العمراني ()، متوخيًا إجمالَ مختلف الأسباب التي أدّت إلى الإخفاق الذريع والمتكرر لخطط الدولة في إدارة الأراضي العامّة، ودوافع النخبة الحاكمة للاستمرار على النهج ذاته، على الرغم من الإخفاق (الفصل الثامن والتاسع)، منتهيًا بكتابة خطّة مبادئ توصيةٍ لإعادة النظر في أحلام مصر الصحراوية التي لن تؤدّي بأيّ حالٍ من الأحوال إلى جذب الفصل العاشر المصريين إلى الصحراء (.)
ماذا حققت مشاريع تطوير الصحراء؟
إنّ أهم ما يُحسب لهذا الكتاب هو القدرة والصبر، منذ السبعينيات، على تتبّع الإعلانات الحكومية المصرية التي وعدت باستصلاح الأراضي الصحراوية حول القاهرة والمدن المصرية الأخرى، وتحويلها إلى مدنٍ جديدة، أو مشاريع زراعية، أو صناعية، أو سياحية. ويبين سيمز بلغةٍ لا تخلو من التعجّب و"السخرية" أنّ أغلب المشاريع الجديدة التي أعلنتها حكومة مبارك، بدءًا من الألفية الجديدة حتى جميع الحكومات التي أتت بعد ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير، إنما كانت تكرارًا لإعلاناتٍ وخططٍ سابقة تمّ الإعلان عنها واختفت أخبارها، أغلب الأحيان، بسبب إخفاقها.
أحلام الاستصلاح الزراعي
من ناحية الاستصلاح الزراعي والمشاريع العملاقة لتحويل الصحراء إلى أرضٍ قابلةٍ للزراعة، يشير سيمز إلى التناقض وانعدام الشفافية الطاغييَن على أغلب البيانات المُعلن عنها. ففي حين أعلنت الهيئة التعمير العامة والتنمية الزراعية أنّ عدد لمشروعات الفدادين المُستصلحة بلغ 2.7 مليون فدان منذ عام 1952 حتى عام 1997، أشارت نشرات أخرى للجهاز نفسه إلى أنّ العدد لا يتجاوز 815 ألف فدان، موضّ حةً أنّ الحكومة المصرية ظلّت تقوم بما يسمّيه سيمز "لعبة الفدّان"؛ ذلك أنّ أرقام الفدادين الضخمة التي يتمّ الإعلان عنها ك "إنجازات" للاستصلاح، تشير عادةً إلى ما ترغب الدولة في استصلاحه، ولا تشير إلى ما يجري زراعته فعليًا. فالحكومة تُعلن عن خططها وأحلامها على أنّها إنجازات فعلية (ص 104 - )105. ومن بين الأمثلة العديدة التي يسردها الكاتب "مشروع توشكى" العملاق الذي جرى الإعلان عنه مرّاتٍ عديدةً منذ عام 1997 من جهة الحكومات المصرية المتعاقبة، والذي هدف إلى استصلاح ما يزيد عن نصف مليون فدّان وريّها من فيض خزّان مياه أسوان بثلاث قنواتٍ مائية، ليتضّ ح في عام 2004 أنّ ما يقارب ال 1500 فدّان هي تحت الزراعة الفعلية، وأنّ قناةً مائيةً واحدةً قد تمّ إكمالها بالفعل (ص. 107) وحتّى الادعاءات الحكومية التي جرى من خلالها التبشير بأنّ مشاريع الاستصلاح الزراعي سوف تَفي بملايين فُرص العمل، وسوف تساهم في امتصاص مئات آلاف المتخرّجين في الجامعات سنويًا، كانت ماا." فأكثر من محض "أح 75 % من مشاريع الاستصلاح الزراعي التي اشتغلت بالفعل في العقدين الماضيين، استندت إلى مستثمرين وشركات من القطاع الخاص تعتمد، كما هو معروف، على الاستثمار المكثّف لرأس المال، وتجتنب توظيف عدد كبير من الأيدي العاملة، كما أنّ أغلبيتها يعمل على نظام الريّ بالرشّ الذي يمتاز بقلّة استخدامه للعمالة. وأخيرًا، فإنّ نحو نصف هذه المشاريع، بحسب قول المؤلّف، تركّز في زراعة البساتين (في صدارتها التفّاح والبرتقال والزيتون)، ممثلً لهذا النمط بنجاح بشأن بساتين الزيتون في غربيّ الدلتا التي يحتاج كل 15 فدانًا منها عاملً واحدًا فقط؛ إذ يشمل عمله جهد المعالجة والتعبئة (ص 111 - .)112 وهكذا، فإنّ برنامج الأراضي الزراعية الجديدة الذي تمّ الاستثمار فيه ما يزيد على عقدين، لم يؤدِّ إلى توليد فُرص عملٍ ولا إلى نقل السُكّان من الحواضر المُكتظة، وباستثناء العمالة الموسمية في الأراضي الجديدة التي تستغلّ النساء والأطفال، فإنّ برنامج المليون فدّان زراعيّ في عشرين سنةً لا يكاد يولّد إلّ ما بين 30 و 40 ألف وظيفة، وأغلب هؤلاء لم ينتقلوا بعائلاتهم إلى المناطق الجديدة، بل تجنّبوا تكاليف الانتقال وعَدّوا أعمالهم وظائف موقّتةً يسافرون إليها إمّا يوميًا، وإمّا يقطنون غرفًا خاصّةً بالعمّ ل (ص. 112) ومن المفارقة أنّ المشاريع الوحيدة التي نجحت في تحويل أراضٍ من الصحراء إلى حقولٍ زراعية هي تلك الناتجة من ظاهرة "وضع اليد" غير الرسمية التي يقوم الفلّ ح من خلالها بالاستحواذ على قطعة
أرضٍ ملاصقةٍ لقريته أو بلدته ويقوم بزراعتها بجهده وبتمويلٍ ذاتي، ليصل عدد الفدادين التي دخلت خط الإنتاج الزراعي عبر وضع اليد، بحسب تصريحاتٍ لوزير الزراعة عام 2006، إلى 1.3 مليون فدّان، وإلى ما لا يقلّ عن 2 مليون فدّان بحسب أرقامٍ أخرى نشُرت عام 2010، وهو ما يعني أنّ المبادرة الذاتية التي يقوم بها الفلّ حون تضاهي ما يساوي نصف جميع الجهد الحكومي منذ عام 1952 (ص. 103)؛ ما يعكس "الثقة التامّة لقدرة الفلّ ح المصري المستقلّة لجعل الصحراء خضراء" التي تمّ تجاهلها من أغلب أجهزة الدولة الرئيسية طوال عقود (ص. 101)
غير أنّ سيمز يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أنّ أيّ محاولة مُستقبلية لاستصلاح الأراضي من أجل زراعتها سوف يكون محكومًا عليها بالإخفاق. ففضلً عن أنّ جميع المحاولات التي جرت في العقود الماضية أثبتت إخفاقها، سواء من جهةِ جذب السكّان خارج الحواضر المُكتظّة، أو توليد فرص عملٍ جديدة، وحتى من جهة تحقيق مداخيل مالية ترفد خزينة الدولة، فإنّ فكرة استصلاح الأراضي الصحراوية البعيدة تناقض من حيث الأساس "معادلة مصر المائية." فخلافًا لأراضي وادي النيل والدلتا التي تشتمل على خزاناتٍ من المياه الجوفية (تمتصّ مياه الري من النيل ويُعاد استخدامها مرةً أخرى)، فإنّ المياه المستخدمة لريّ الأراضي الصحراوية الجديدة ضائعة إلى الأبد ولا يمكن تعويضها، ومن ثمّ، فإنّ سقايتها سوف تكون لا محالة على حساب الأراضي القديمة وإنتاجها الزراعي (ص. 282). وهكذا يقفل سيمز أسطورة الاستصلاح الزراعي الذي مازالت تُبشّ به الحكومات المصرية المتعاقبة بوصفها حلمً لتحقيق الأمن الغذائي.
أحلام المدن الجديدة
على خُطى البارون إدوارد إمبان، التاجر البلجيكي الذي شرع في تشييد ضاحية هليوبوليس والترويجِ لها في بداية القرن العشرين، على مسافةِ ثمانية كيلو مترات من مركز مدينة القاهرة و 3.5 كيلومترات من حي العبّاسية، عَدّت الحكومات المصرية، حتى وقتنا هذا، بناء ضواحٍ ومستوطنات ومدنٍ جديدة في الصحراء هدفًا وطنيًا، بوصفه الملجأ الوحيد لتخفيف ازدحام القاهرة والمدن المصرية الكبرى (ص. 120). ومنذ ذلك الوقت، كما يقول الكاتب، لم تكن حكومة مصرية تفاخر بالإعلان عن مشروعٍ لبناء مدينة جديدةٍ في الصحراء، حتى تعقبها حكومة أخرى بإعلانٍ آخر عن مدينة أخرى، من دون تقييمٍ للنتائج، ومن دون أيّ حسابٍ للمكسب أو الخسارة الناجمة عن استثمار نسبةٍ كبيرةٍ من الإنفاق الدولتي. وعلى الرغم من أنّ الاتجاه نحو تطوير المدن الصحراوية بدأ في العهد الناصري، فإنّ الانطلاقة الأساسية لهذه الإستراتيجية كانت مع ورقة أكتوبر التي أطلقها الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في عقب حرب عبور القناة التي أحالت على ضرورة خلق "خريطة جديدةً لمصر" ولمّحت إلى ضرورة الخروج من الوادي الضيق وتوسيع مساحة رقعة عيش المصريين من خلال غزو الصحراء (ص 121 - )122، وهو ما عُدّ آنذاك إعلانًا ذهبيًا للمطوّرين والمخططين والمعماريين. يقول سيمز: ليس هنالك ما يضاهي ورقةً بيضاءَ فارغةً لإثارة حماسة مخططٍ حضري، إنّها فرصةٌ لفعل الأمر الصائب. فليس هنالك بلدات فوضوية ولا مساكن خاصّة للتعامل معها، وبدلً من ذلك، فإنّ كلّ مقدّسات التخطيط الحديث والعالمي يمكن أن تنّفذ: فصلٌ صارمٌ لاستعمالات الأراضي، مناطق سكنية منخفضة الكثافة السكّانية، شوارع واسعة ومزينة بالأشجار، أحزمة خضراء، سلاسل تجارية، ملاعب ومنتزهات، مناطق صناعية منفصلة، ومناطق عازلة رحبة لحماية عُذرية المدن الجديدة من أيّ تطفّلٍ مستقبلي (ص. 123) وقد أ ريد لتلك المُدن أن تكون مستقلةًاقتصاديًا بالكامل وبعيدةً عن تأثيرات المدن الأصلية، حيث قُصد من ذلك جعْل هذه المناطق بديلةً لجذب السكّان من وادي النيل المزدحم، في حين لم يتعرّض هذا التصوّر لأيّ انتقادٍ أو حتى إشارة إلى مشكلات اعترت هذا المنطق العمراني في بلادٍ أخرى (الصفحة السابقة.) بناءً على ذلك، بدأت الموجة الأولى من موجات المدن الجديدة بحلول منتصف عام 1976، إذ جرى تنفيذ مدينة العاشر من رمضان، ثمَّ إتباعها بمدينة السادات؛ ذلك أنّ مخططات كلتا المدينتين هدفت إلى إسكان مليون مصري، كما تمّ الإعلان بعد ذلك عن مدينة الخامس عشر من مايو التي كانت استثناءً، كما يقول المؤلف، لأنّها لم تكن سوى امتدادٍ لمدينة حلوان؛ أي إنّها غير مستقلة اقتصاديًا ولا جغرافيًا. أمّا المدينة الرابعة، فكانت السادس من أكتوبر التي قُدّم مشروعها في
عام 1979، وكان الهدف هو أن تُؤويَ ما بين 350 و 500 ألف مصري، على الرغم من أنّ العدد جرى رفعه عدة مرّات في فتراتٍ لاحقة.، أُوخلال الفترة 1979 – 1982 علنت موجة ثانية شملت مخططاتِ ستّ مدنٍ جديدة (برج العرب الجديدة، ودمياط الجديدة، والعبور، والأمل، والبدر، والصالحية) حول القاهرة والمدن المصرية التي أخفقت لاحقًا، كما يقول سيمز، في جذب حتى نسبةٍ صغيرةٍ من السُكّان (ص 123 - )126. وفي الواقع كان منطق الجهات التخطيطية المختلفة، كما يوضّ ح المؤلّف، يتلّخص في ما قاله أحد مسؤولي هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عام 1990 "نحن علينا إكمال مخططاتنا. لا نستطيع انتظار الناس إن أتوا أو لم يأتوا. سوف يأتون" (ص. 126) وعلى الرغم من توصيات المؤسسات الدولية مع بداية الثمانينيات بعدم الجدوى الاقتصادية أو واقعية كومة المدن الجديدة، فإنّ الحكومات المصرية واصلت إعلان المزيد منها، وكأنّ المدن السابقة لا تكفي، ليعلن وزير الإسكان آنذاك حسب الله الكفراوي عن موجةٍ ثالثة شملت مخططات تسع مدنٍ جديدة، كلّ واحدة تستهدف ربع مليون مصري بهدف تخفيف الضغط عن القاهرة الكبرى. ولكن لم يتحقّق من هذه المدن سوى خمس منها، سرعان ما تمّ دمجها في التسعينيات في مدينتين؛ الأولى في شرق القاهرة، وهي تُعرف الآن ب "القاهرة الجديدة" والثانية في غربها، وهي تُعرف ب "مدينة الشيخ زايد" (ص. 127) في بداية التسعينيات، ومع تبنّي مصر التوجّهات النيوليبرالية وبرنامج التكيف الهيكلي، طرأ تغيّ جوهري على مفهوم المدن الجديدة. فبعد أن كان مفهوم المدينة مُعدًّا قبل ذلك من أجل استيعاب الشرائح العمّ لية والمهنية من خلال إنشاء مشاريع إسكانية مدعومة من الدولة، تحوّل بعد ذلك ليأخذ طابعًا سياحيًا تأخذ فيه رأسمالية الدولة دورًا طليعيًا، مع الخلوّ في الوقت نفسه من أيّ مرافق صناعية. ومنذ ذلك الوقت بدأت بيروقراطية الدولة شراكتها مع مقاولين ورجال أعمال كبار ليتمّ بيع مساحات واسعة من الأراضي بأسعارٍ رمزية، حوّلوا أجزاءً منها إلى مجتمعاتٍ مغلقة communities Gated، وقد ارتبطت في أذهان الناس بملاعب الجولف الكبيرة ووسائل الترفيه المختلفة، ليُعلن عام 1995 عن إنشاء مدينتي الشيخ زايد غربيّ القاهرة والشروق في شرقها، قصد جذْب كلّ واحدةٍ منها نصف مليون ساكن؛ وذلك على الرغم من الانتقادات الواسعة التي صاحبت مثل هذه الإعلانات. ولكنّ عدّة جهات، بما فيها جهات من داخل الدولة، رأت في مثل هذه المشاريع ضربًا لمشاريع المُدن السابقة. وقد نتج من هذا التحوّل الإعلان الأضخم من نوعه الذي كان من نصيب مدينة القاهرة الجديدة وهي التي شمل مخططها ثلاث مدنٍ من المدن السابقة التي عرفت الإخفاق، وحصل تحوّل في مساحتها المفترضة، لتصبح نحو نصف القاهرة الأصلية (ص 127 - .)128
استمرّت الحكومات المصرية على إعلانِ موجات من مشاريع مدن جديدة، حتى وصل عددها عشية الثورة إلى 21 مدينةً، موزّعةً على أجهزة حكومية نافس بعضُ ها الآخرَ في الشراكة مع المقاولين. وفي وقت كان فيه الهدف الأساسي من هذه المدن هو جذب أكثر من عشرين مليون ساكن وتخفيف الضغط عن المدن المصرية، فإنّ عشرات المدن التي تكون مساحتها المفترضة أكبر من المدن الأصلية لم تُسفر إلا عن جذب نحو 800 ألف مواطن بحسب بيانات الإحصاء المركزي عام 2006؛ أي ما نسبته 3.8 % من الأعداد التي حلم بها المخططون، وهو ما يوازي 1 % من سكّان مصر آنذاك (ص. 141)؛ ما يعني أنّ نسبةً كبيرةً من الإنفاق العامّ على هذه المشاريع، على حدّ قول سيمز، كان في الحقيقة هباءً منثورًا، أو في خدمة مجموعاتٍ من المقاولين تحديدًا "(رأسمالية المحاسيب)" حصلت على الأراضي بأسعارٍ شبه مجانية وأعادت بيعها بأسعارٍ باهظة جدًّا، أو استخدمت أجزاء صغيرةً منها لبناء عددٍ كبير من الشقق الفارغة، إضافةً إلى ما يعرف ب "المجتمعات المغلقة." وقد راوحت الخسارة الكبيرة ما بين 10 % في الثمانينيات، و 25 % من الإنفاق العامّ عشية ثورة يناير 2011. وفي الحقيقة، لم يمكّن مثل هذا التوجّه الذي حكم المخططات المصرية طوال عقود إلا إهمال المدن الأصلية وإفقارها من ناحية الخدمات والبنية التحتية. ومن النتائج المفارقة أيضًا، تعزيز البناء غير الرسمي؛ إذ أصبحت، هي أيضًا، ملجأ (العشوائيات) ومسكنًا لأغلبية المصريين في المدن 147(ص - .)162
أحلام المدن الصناعية
يركّز الفصلان الخامس والسادس من هذا الكتاب في جهد الدولة المصرية في تطوير المدن السياحية على الشواطئ، وفي تطوير المناطق الصناعية، بوصفهما جزءًا من أحلام النخب المصرية الحاكمة بغزوِ الصحراء. ويشكّك المؤلّف، في الفصل الخامس، في التصوّر المتبنَّى على نحوٍ واسع النطاق على المستويين الرسمي والأكاديمي، المبنيّ على المبالغة في دور القطاعِ السياحي، سواءً برفد خزينة الدولة بالعملة الصعبة، أو حتى بتوليد فرص العمل. فعلى الرغم من أنّ عدد السياح القاصدين مصر للاستجمامِ على شواطئها أو زيارة آثارها قد تضاعف على نحوٍ دراماتيكي بدايةً من عام 1990، خصوصًا بعد مشاريع تطوير منتجعاتٍ سياحية على شواطئ البحر الأحمر وجنوب سيناء (ص. 178)، فإنّ الإستراتيجية الحكومية المتمثّلة بالاستمرار على بيع الأراضي بأسعارٍ رمزية من جهة، والتوسّع في بناء الشواطئ إلى أقصى حدّ من جهة أخرى، زادَا التنافس الحادّ زيادةً غيرَ مسبوقة، وأدّى إلى إفلاس عشرات المشاريع السياحية سنويًا، علاوةً على التدمير الكبير الذي لحق الشواطئ المرجانية والطوبوغرافيا الصحراوية التي يأتي السياح، عن قصدٍ، لزيارتها (ص 182، ص 199 - .)200 كما يفنّد سيمز أيضًا ادعاءات تقوم على دور السياحة في توليد فرص العمل وجذب السكّان نحو الصحراء. فإذا سلّمنا بالبيانات العامّة التي تصدرها الحكومة بطريقة دورية، وجدنا أنّ القطاع السياحي خلال العقدين الماضيين لم يستوعب سوى نصف مليون عاملٍ، وهو عددٌ لا يُذكر إذا أخذنا في الحسبان أن 750 ألف شاب يدخل سوق العمل سنويًا (ص. 197)، كما أنّ الأغلبية العُظمى من المُشتغلين في القطاع السياحي لا تنتقل بعائلاتها إلى السكن في المناطق السياحية، بل تعمل على نظام المُناوبة وتعود لقضاء عطلها مع عائلاتها في مدنها الأصلية (ص 200 - .)204 أمّا بخصوص أحلام مصر الصناعية، فإنّ الفصل السادس يناقش باستفاضةٍ شديدة إخفاق الجهد الدولاتي منذ السبعينيات في جعل المناطق الصحراوية جنّةً صناعيةً وتعدينيةً، سواء من خلال التسهيلات الضريبية، أو إقامة المناطق التجارية الحرّة، أو مراكز التكنلوجيا، أو حتى جهد تنمية محافظات القناة. كما يُلقي سيمز ضوءًا على جهد التعدين والتنقيب عن الثروات الطبيعية في المناطق الصحراوية البعيدة، وعلى محاولة ربطها بخطوط المُواصلات. ويرى المؤلّف أنّ الحكومات المصرية المتعاقبة استمرّت طوال عقود على تجاهل حقيقة مفادها أن 95 % من القطاع الصناعي المصري مكوّنٌ، أساسًا، من مشاريع صغيرة أو متوسطة الحجم، وأنها تستوعب في حدّ ذاتها أكثر من 80 % من القوى العاملة الصناعية، وأنها ركّزت، بدلً من ذلك، في دعم المشاريع الصناعية الكبيرة والعملاقة التي أخفقت إخفاقًا ذريعًا في اجتذاب المُستثمرين، كما أنّها – بسبب بعدها عن المدن الأصلية - أخفقت أيضًا في اجتذاب المُصنّعين الصغار الذين تعتمد أعمالهم أساسًا على المناطق السكنية التي يعيشون فيها. فهم لا يستطيعون تحمّل الانتقال إلى خارج المُدن؛ لأنّ مداخيلهم بالغة الانخفاض (ص 227 - .)230 وفي الواقع، لم يكن ذلك الجهد، بحسب رأي سيمز، فاشلً فحسب، بل كانت له أيضًا آثارٌ وخيمة في القطاع الصناعي إجمالً. ففضلً عن الإنفاق الحكومي الضخم في البنية التحتية التي تُعدّ بمنزلة رأسمالٍ ميتٍ، أسفرت مثل هذه المشاريع عن بروز شريحةٍ جديدة من رجال الأعمال الفاسدين الذي حظوا برعاية الدولة فترةً طويلةً، وبرز منهم على سبيل المثال رجل الأعمال أحمد عزّ الذي استفاد أساسًا من الدعم الحكومي المجاني، ليصل إلى دوائر السياسة والحُكم قبل أن تكبح جماحه ثورة 25 يناير 2011 (ص 222 -.)224
لماذا لا ينتقل المصريون إلى الصحراء؟
يقدّم سيمز في الفصول الثلاثة الأخيرة من هذا الكتاب نموذجًا تفسيريًا لأسباب إخفاق أحلام غزو الصحراء المصرية. وفي الواقع، فإنّ النصف الثاني من هذا العمل يشكّل دعوةً للمسؤولين المصريين إلى الكفِّ عن تخيُّل شعبٍ مصري مُفصلمَّلً طبقًا لأحلامهم. فالناس يهاجروا إلى الصحراء، ولن يهاجروا إليها، وقد آن الأوان لأن تعيَ الدولة المصرية أنّ أحلامها في رحيل الناس عن مُدنهم الأصلية إلى مُدنٍ جديدة في الصحراء لن تكون نتائجها سوى مزيدٍ من إهدارِ المال العامّ، وترسيخٍ لشبكات الفساد، وتعزيزٍ للجوء الناس إلى التعمير غير الرسمي في مدنهم الأصلية وإلى العمل في القنوات التي يُتيحها اقتصاد الظلّ، كما آن الأوان أيضًا للتعاملِ مع الأراضي العامّة بوصفها ملكًا عامًّا للشعب المصري يجب الحفاظ عليه وإدارته بكفاءة الفصل العاشر.)(بالنسبة إلى سيمز، لا ينتقل الناس إلى الصحراء لأنّها تفتقد إلى الرأسمال الاجتماعي. فالأغلبية العُظمى من المصريين تعيش على دخل شهري متوسطه 1600 جنيه مصري، وهي تعتمد في حياتها
المعيشية وفي أساليب رزقها على مجتمعاتها المحلّية التي تُتيح لها شبكات أمانٍ عائلية كانت أو مجتمعيةً. وفي أغلب الأحيان، يستطيع المواطنون المصريون تدبّر أمورهم من خلال العمل في أكثر من عملٍ أو وظيفة، سواء كان ذلك بطريقة رسميةً أو غير رسمية، وهو أمرٌ لا يمكن أن يتحقّق لهم إلّ في حال بقائهم في مدنهم، أو حتى أحيائهم؛ إذ يُتيح لهم التماسك الاجتماعي المحلّ، بمختلفِ أشكاله، شبكةً من المعلومات تمكّن العاملين من تحيّ فُرص العمل المختلفة، ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يتوافر في المدن الجديدة المُصمّمة أساسًا لتوزيع ساكنيها (ص 257 - .)259
يوضّ ح الكاتب كذلك أنّ المصريين، من جهة سلوكهم الديموغرافي، كما وضحته مختلف بيانات الإحصاء المركزي خلال الفترة 1986 يفضّ لون البقاء في أماكنهم - 2006 ولا، يفكّرون في الهجرة الداخلية إلّ إذا توافرت فرصة يرشّحها لهم الأقرباء أو الأصدقاء. فالهجرة الريفية - المدينية في مصر، منذ عقود، منخفضة جدًا. وهي في الواقع أقلّ من المعدّل الداخلي عالميًا، وأقلّ كثيرًا من الهجرة في دولٍ أخرى (المغرب أو الهند.. إلخ). وحتى تلك النسبة المتناهية الصغر لا ترحل إلى الصحراء بل تفضّ ل الرحيل إلى مناطق قريبة من وادي النيل والاستقرار فيها (ص 250 - .)252 يرر، نن على عكسِ ما يتخيل مخطِّطو بعبارة أخرى، إنّ الم الدولة، لا يبحثون عن مناطق قليلة الكثافة السكّانية، أو شبه فارغة، بل إنهم يفضّ لون المناطق الأكثر ازدحامًا؛ لأنّها تُتيح لهم شبكة أمانٍ سوف يفتقدونها في حال سفرهم بعيدًا إلى الصحراء، فضلً عن أنّ مداخيلهم الشهرية التي لا تكاد تكفيهم لا تستطيع تحمّل تكاليف انتقالهم إلى أماكن إن سكنوها فسيكونون فيها غرباء (ص. 255) على الرغم من ذلك، يقول سيمز إنّ لدى الدولة المصرية، في ما يبدو، مناعةً ضدّ تعلّم دروس الماضي أو أخطائه، في حين تساهم عوامل أخرى في الاستمرار على إعلانِ مزيدٍ من هذه المشاريع؛ مثل تشظّي مؤسسات الدولة وهيئاتها المسؤولة عن التعمير وضعف التواصل في ما بينها، وغياب الشفافية في ما يتعلّق بالإنجاز، ورغبة الدولة في استخدام مثل هذه المشاريع، وخصوصًا توزيع الأراضي توزيعًا شبهَ مجانيّ على أتباعها وشرائحها الاجتماعية، في ظلِّ ضُ عف الإيرادات الريعية والمصادر المالية التي يمكن أن تضطلع بهذا الأمر، ومثل النزعة النيوليبرالية التي تعوّل على تحويل المصادر العامة، بما فيها الأرض، إلى سلع قابلةٍ للتداول، وهو ما يناقشه سيمز على نحوٍ موجزٍ في الفصل التاسع. ولكنْ ما هو مهمّ أيضًا، بحسب سيمز، النزعةُ الحكومية نحو التحديث العالي High-modernism، وفق مصطلح جيمس سكوت. وهذه النزعة تنتج هوَسًا بالتصاميم والتفاصيل المعمارية والدقّة الهندسية، إضافةً إلى صرامة التنظيم، من دون الأخذ في الحسبان على الإطلاق البيئة المحلّية، والمعقولية الاقتصادية، وحتى الطرف الذي سيموّل بناء المستوطنات الجديدة، أو حتى من سيعيش فيها؛ إذ يغدو كلّ ذلك ثانويًا في التخطيط الحضري الإستراتيجي بالنسبة إلى الدولة المصرية (ص. 296) صدر هذا الكتاب عام 2014؛ ما يعني أنّه سبق الإعلانات الأخرى التي أصدرتها حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي بخصوص العاصمة الجديدة، ومشروع المليون وحدة سكنية، ومشروع استصلاح مليون فدان، وهي مشاريع تؤكد استمرار أحلام النخبة المصرية الحاكمة نحو الصحراء التي لا ينتج منها سوى تهميش المدن الأصلية وتعزيز اغترابها؛ وذلك على الرغم من كلّ الفضائح التي طوَت هذه النزعة. لهذا السبب سيبقى هذا العمل راهنيًّا ومهمًّ بالنسبة إلى الذين يهتمّون بدراسة سياسات مصر الحضرية منذ منتصف القرن العشرين.