فكرة حقوق الإنسان
مراجعة كتاب
عنوان الكتاب: فكرة حقوق الإنسان ترجمة: شوقي جلال عنوان الكتاب بالإنكليزية: The Idea of Human Rights الكاتب: تشارلز بيتر الناشر: الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2015 عدد الصفحات: 306
"فكرة حقوق الإنسان " هو كتاب للباحث الأم كيرر تشارلز بيتر Beitz R. Charles، صدر عام 2009 عن جامعة أوكسفورد، ونقله إلى العربية الباحث شوقي جلال. وبيتز هو أستاذ للعلوم السياسية في جامعة برنستون، وقد سبق له أن عمل في التدريس في العديد من الجامعات، وتركزت اهتماماته في الفلسفة والفكر. وفي هذا الكتاب أثار ما تعنيه حقوق الإنسان وناقشه، وهي حقوق اصطخب الحديث عنها في السنوات الأخيرة، على نحوٍ لافت للانتباه، في المحافل والمؤسسات الأممية، وعلى المستوى المحلي للدول، وخصوصًا مع تصاعد الحوادث والحروب والنزاعات السياسية والعسكرية والثقافية. وتُعدّ هذه الحقوق، على خلاف تأصيلاتها الفلسفية، منظومةً من المبادئ والمؤسسات المعتمدة عالميًا، وهي تجد تجسّداتها في دساتير الدول وتشريعاتها، كما أنّ لها آليةً مشروعيةً من شأنها أن تُوجب التنفيذ بالأصالة محليًا، أو بالوكالة دوليًا.
أراد المؤلف تقديم عرض تحليلي تاريخي ونقدي لفكرة حقوق الإنسان، في ضوء المواثيق والإعلانات الدولية، وقد انخرط على مدى صفحات الكتاب في نقاش علمي تفكيكي مع أصحاب النظريات المختلفة والاتجاهات والرؤى المتباينة، حول فكرة حقوق الإنسان وتطبيقاتها، في مستوى النظريات السياسية والديمقراطية السياسية، ونظرية حقوق الإنسان والنظرية التشريعية.
مقاربة الأطروحة
تنبثق الأطروحة الأساسية الخاصة بحقوق الإنسان في هذا الكتاب من مقاربة نقدية مفادها أنّ حقوق الإنسان المعاصرة، بالنظر إلى دلالاتها السياسية الدولية كما عبّ عنها المبدأ العالمي، بدت كأنها تجاوزت ما يمكن قبوله من ناحية فكرية بوصفه تراثًا لفكر فلسفي مهمّ عن فكرة الحقوق الأساسية، كما بشّ بها الفلاسفة في عصر التنوير وما بعده. ويبرز بوضوح أنّ التفكير في حقوق الإنسان على هذا النحو معناه قبولنا الاقتراح الذي يقول إنّ علينا أن نفهم طبيعتها وشروطها وتطبيقاتها، بناءً على أنها استجابات لأوضاع عالمية تاريخية متغيرة يجب فهم معياريتها تجاه الممارسة والتطبيق، وليس من قبيل التأصيلات الفلسفية والاتجاهات المذهبية المختلفة، وذلك استنادًا إلى أهمية التنوع الأخلاقي ودلالته في ما بين الثقافات ودوره في توجيه الممارسة الدولية لحقوق الإنسان. ترتكز الحجة البنائية، على معطى (يبقى بطبيعة الحال قابلً للرد)ّ يفهم حقوق الإنسان بوصفها عامةً شاملةً، هدفها حماية الأفراد/ الأشخاص من الأخطار التي تهدّد أهم مصالحهم وحياتهم الناجمة عن تصرفاتٍ أو إهمالٍ من حكوماتهم، وليست تعبيرًا لحظيًا عن فكرة فلسفية أو أخرى. ومن ثمّ، يكون إنجاز هذه الغاية من خلال وضع جوانب من السلوك المحلّ للحكومات ضمن نطاق الاهتمام الدولي الشرعي. فبالنسبة إلى لجنة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت مُخوَّلةً مراجعة مسوّدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، نجد أنّها حرصت على إظهار ضرورة أن تحظى حقوق الإنسان باعترافٍ وحمايةٍ دوليَيّن، وأهمية النظر إليها في إطار التعبير القانوني الدولي، وليس استنادًا إلى فكرتي "حكم الطبيعة"، أو "هبة من الخالق" مثلً، بدلالاتهما اللاهوتية أو حتى الفلسفية. وهكذا، أُزيحت المسألة إلى قلب العقل السياسي، والحاضنة الدولاتية السياسية والممارسات الشرعية والقانونية، ومسألة التشريعات المحلية للدول المختلفة، وطبيعة التصرفات أو الممارسات السياسية، وفقًا لهذه التشريعات، وفحص مدى توافقها مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، على النحو الذي أقرته المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان. استهل المؤلف كتابه بإشارة مهمّة، وهي أنّ التفكير في موضوع حقوق الإنسان، لم يكن الموضوع الملائم للفلسفة السياسية، بسبب أنّ القضايا المتنازع فيها بدت، في أغلب الأحيان، مفتعلةً لمصلحة الحرب الباردة. ونظرًا إلى هذه الدلالة السياسية لها فإنها لم تتضمن – ولو ظاهريًا على الأقل - مشكلات فلسفيةً بالغة الأهمية (ص. 10) بيد أنّ مثل هذا التحقق ليس من شأنه أن يلغي دور الحقبة الممجدة للفكر الفلسفي الحقيقي الذي صيّ مشكلة الحقوق الأساسية، ومن ضمنها فكرة حقوق الإنسان كما تبدو الآن في دلالاتها الأخلاقية والقانونية المعيارية، مشكلةً فلسفيةً بامتياز؛ ذلك أنّ العقل السياسي المحكوم بفكرتي "الممارسة والمصلحة" لا يمكنه أن يقدِّم دائمًا طريق
الرشاد والاستنارة بخصوص حقوق الإنسان، ولا سيما عندما تخضع معايير هذه الحقوق لتكييفات المصلحة والقوة والهيمنة، مثلما تتجلى في العلاقات بين الدول.
اقترب المؤلف في تحليله لفكرة حقوق الإنسان كمبدأ عالمي شمولي من عدّة مقاربات تضمنت أطاريح نقديةً لافتةً للانتباه، واقتراحات وجيهةً، بخصوص هذه الحقوق في جانبيها النظري والعملي. ويمكن القول إنّ هذه المقاربات تتلخص في المقاربة السياسية، فالمقاربة القانونية الحقوقية، فالمقاربة البراغماتية العملية، فمقاربة الخبرة والثقافة. والملاحظ أنّ هذه المقاربات مدمجة في بعضها، بالنظر إلى كونها مرتكزةً على فكرتي الممارسة والتطبيق من جهة، والقانون الدولي من جهة ثانية. ويرى المؤلف أنّ أهمّ تراث للحرب العالمية الثانية يتمثّل بانتشار فكرة حقوق الإنسان أو عولمتها على النطاق الأممي، في الأخلاقيات العامة للسياسة العالمية، على أساس "أنّ كلّ شخص هو موضوع اهتمام، كوكبي. ليس مهمًّ الموقع الجغرافي للشخص أو الفصيل السياسي، أو الفريق الاجتماعي الذي ينتمي إليه، إذ كلّ امرئ له حقوق إنسانية وعليه مسؤوليات حماية واحترام هذه الحقوق، الأمر الذي من شأنه أن يتسع ويمتد عبر الحدود السياسية والاجتماعية" (ص. 13) بناءً على ذلك، ينطلق الكتاب - كما بشّ بذلك المؤلف - من مبررين؛ أحدهما أنّ حقوق الإنسان استحالت ممارسةً دوليةً عامّةً شاملة - في الحال التي استُحدثت فيها مؤسسات دولية للتو - صدرت عنها مواثيق وإعلانات لمبادئ حقوق الإنسان، فضلً عن أنشطة المنظمات والشبكات الأهلية والمدنية، ما جعل مسألة ممارسة حقوق الإنسان بعد الحرب الباردة تتّسع في نطاقها لتشمل أرجاء المعمورة. أمّا المبرّر الثاني، فهو متمثّل بأنّ خطاب حقوق الإنسان وممارستها يمكن لهما أن يُثيرا – وهما كذلك بالفعل - نزعة شكّ معوقة (لكنها مبررة أحيانًا) حتى بين المعجبين بأفكارها من جهة طبيعة هذه المعايير التي ينبغي الالتزام بها على نحوٍ أو آخر؛ وذلك استنادًا إلى تعذّر النظر إلى مبدأ حقوق الإنسان المعاصر بوصفها مبدأ عالميًا شاملً للإنسانية جمعاء. هذا فضلً عن التشكّك في التكلفة المحتملة للعمل في اتساقٍ على حماية حقوق الإنسان ضدّ أي انتهاك وتعزيز الالتزام بها. ولا شكّ في أن أهمّ معضلتين إمبريقيتين تبرزان في هذا الشأن تتمثلان بما يلي: أولً، كيفية المواءمة بين المعايير المحلية الخاصة بكلّ دولة (الدينية والأخلاقية والثقافية) والمعايير الدولية التي يجري توصيفها بنزعة سياسية قانونية صريحة. ثانيًا، المعضلة الأخلاقية والقانونية الخاصة بازدواجية المعايير من جهة القوى العالمية المهيمنة في تطبيق ممارسة حقوق الإنسان، أو فرض تطبيقاتها، تجاه الدول التي "تخرق" معايير حقوق الإنسان. وفي هذا الخصوص، فإنّ نزعة الشكّ التي تتجلى لدى بعض المفكرين إزاء حقوق الإنسان، تتأتى من جهة أنّ الحق يجب أن تتوافر له آلية من أجل إنفاذه ووضعه موضع التنفيذ، والحال أنّ ممارسة حقوق الإنسان الدولية تفتقر افتقارًا صريحًا إلى آليات الإنفاذ الضرورية. وفي حال توافر القدرة التنفيذية، فإنه يمكن ملاحظة أنّ التطبيق يجري، بوضوح كبير، وفق حزمة معايير انتقائية تتمّ في أغلب الأحيان وفقًا لأوضاع ومعطيات سياسية، بطرائق تشتمل على نوع من الإكراه والقسر تُجاه الدول التي يُستخدم ضدّها ذلك التطبيق (ص. 16) إنّ من شأن تأثير تباين القوى الماثلة في السياسة العالمية واختلافها، في ما يخص مبدأ حقوق الإنسان وممارسته، تعزيز نزعة الشكّ في هذا المبدأ. فالواضح أنّ الدول القوية (الغربية) تبدو محصنةً جدًّا من أيّ تدخّل سياسي أو عسكري لحماية حقوق الإنسان، هذا إلى جانب أنّ الدول القوية المركزية تعتمد على حقوق الإنسان مبدأً للتدخل، ومسألة اتخاذ إجراءات أهدافها الأولى والأساسية لا علاقة لها بهذه المبررات، بل ربما كانت تتناقض وإيّاها. وفي أغلب الأحيان تكون مسألة حماية حقوق الإنسان لدى هذه الدول موجهةً إلى مناطق لديها فيها مصالح إستراتيجية، في حين أنها تعمد إلى عدم إبداء أيّ اهتمام بالمناطق التي لا مصلحة لها فيها (ص. 20) ومثل هذه الوقائع تدلّ على أنّ تأثير اختلافات القوى السياسية وتبايناتها تشوه كلًّ من محتوى مضمون مبدأ حقوق الإنسان وتطبيقه من خلال خدمة مصالح الدول القوية على حساب الدول الأخرى، والأمثلة من بعدُ كثيرة ومتكررة في النظام العالمي. وإذا عدنا إلى الديباجة الرئيسة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تبينّا أنها
تكشف عن مكونين متمايزين. فالمكوّن الأول مقتضاه أنّ الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان أمرٌ ضروري لحماية الكرامة المتكافئة لجميع الأشخاص. أمّا الثاني، فمقتضاه أنّ احترام حقوق الإنسان شرط لقيام علاقات وديّة بين الدول (ص. 31)
وما كان قد برز جليًّا هو أنّ ديباجة الإعلان المذكور، لم تسعَ، لتأكيد الطابع العالمي/ الأُممي، أو أهمية قيمة الكرامة الإنسانية المتكافئة، أو بالأحرى لم تهدف إلى ذلك؛ عبر ديباجات التفكير الفلسفي الخاصة بالطبيعة البشرية أو بفكرة الهبة الإلهية، بل عبر النظر إلى هذه الأهمية بوصفها قيمةً أساسيةً في ذاتها. وبمعنى أوضح النظر إلى الإنسان من ناحية هذه الحقوق، من حيث هو شخص بشري يجب أن يحظى بفكرة الحقوق بوصفه إنسانًا، بيد أنه لم يغب عن المسؤولين عن صَوْغ هذا الإعلان، وهم يمثلون بلدانًا مختلفةً، أنهم يمثلون أنواعًا متعدّدةً لتراث فلسفيّ ودينيّ وثقافيّ مختلف، فضلً عن مواقف سياسية متعددة. والواقع أنّ الحكومات التي أَبدت قبولها بمبدأ الاهتمام الدولي لحقوق الإنسان، كانت تعتقد أنّ الأمم المتحدة سوف تحترم التشريع المحلّ للدول. ومن ثمّ، يترتّب على ذلك إحجامها عن التدخل في شؤونها الداخلية. وفي هذا الشأن، يمكن النظر إلى الإعلان العالمي بوصفه يمثل صيغةً توافقيةً بين قيم متناقضة لحقوق الإنسان على المستوى العالمي (ص. 33) يتعلّق السؤال الذي يبرز في هذا السياق بالأُفق المعياري الذي يحدّد طبيعة الممارسة لحقوق الإنسان، ومن ثمّ استجابة الحكومات والدول للمعايير المُتفق عليها بخصوص هذه الحقوق أو عدم استجابتها، فضلً عن تغاير الشروط المؤسسية لمعاييرها الجوهرية، وغياب أيّ نظرة مرجعية بشأن قواعد هذه المعايير والطابع الدينامي لمحتوى الممارسة المعياري. وهكذا فإنّ "النطاق المعياري الرحب للمبدأ المعاصر قرين خصوصيته الحداثية يعني أنّ حقوق الإنسان لن تكون على الأرجح مُحايدةً بين المفاهيم الأخلاقية الرئيسة الموجودة في مختلف المجتمعات والثقافات في العالم" (ص. 56)
حقوق الإنسان ونظريات المذهب الطبيعي
يخصّ هذا التحليل الجانب التأصيلي لفكرة حقوق الإنسان؛ بمعنى آخر فرضية المنبع الطبيعي المحتمل لفكرة الحقّ الإنساني، وهذا ما تحيل عليه نظريات المذهب الطبيعي. وتتمثل نقطة الخلاف المحتملة في هذا الأمر بين نظريات المذهب الطبيعي في التحقق، بطريقة ميسورة، من كيفية عثورنا على نحوٍ صحيح على الحدّ الفاصل بين حقوق الإنسان الأصلية والقيم الأخرى التي تزعم أنّ لها المكانة نفسها. يعرض المؤلف، في هذا السياق، لدعاوى النظرية الطبيعية لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من الحقيقة المتمثّلة بأنه يهيب بالتعريف الذي يقدّمه جون سيمونز للحقوق الطبيعية، فإنه سرعان ما يتجاوزه، موضحًا طبيعة المشكلات والمعضلات التي يتضمنها هذا الإعلان الطبيعي لفكرة الحقوق؛ بسبب أنّ المؤلف يصدر، كما جرت الإشارة سابقًا، عن مقاربة مستندة إلى الممارسة والتطبيق، عبر عامل الخبرة، وعامل القانون الدولي الذي يشكّل توافقات أُمميةً وليدةً للأوضاع العالمية التاريخية المتغيرة. وبذلك، فإنّ من شأن الواقعية التي تتجلى بها تحليلات الكاتب أن تنظر إلى فكرة الحقوق الطبيعية نظرةً نقديةً تجاوزيةً. فنظرة المؤلف أحرى أن تكون تاريخيةً وبراغماتيةً؛ وذلك من حيث ربط الحقوق وتطبيقها بالممارسة والخبرة وباللحظة التاريخية التي تجسّدها علاقات القوى السياسية العالمية. وإذا عدنا إلى تعريف سيمونز، وجدنا أنه يرى أنّ الحقوق الطبيعية "هي تلك الحقوق التي يمكن أن يحوزها الأشخاص في الحالة الطبيعية (أي مستقلةً عن أيّ مؤسسة قانونية أو سياسية أو عن اعتراف بها أو عن فرضها بالقوة)... وحقوق الإنسان هي تلك الحقوق الطبيعية التي هي حقوق فطرية ولا يمكن لها أن تضيع (أي لا يمكن التخلي عنها أو مصادرتها أو إسقاطها). معنى هذا أنّ حقوق الإنسان سوف تتوافر لها خصائص الطابع الكلّ والشمولي والاستقلال (عن الاعتراف الاجتماعي أو القانوني)، وكذا الخاصية الطبيعية، وعدم قابليتها للتصرف، وعدم قابليتها للمصادرة أو الانتهاك" (ص 58 -.)59
ومقتضى هذه الفكرة أنّ حقوق الإنسان هي حقوق يمتلكها جميع البشر في كلّ زمان ومكان، من حيث هم كذلك؛ أي بوصفهم بشرًا، في دلالة إنسانيتهم فحسب، وهذا ينطوي على استنتاجين، هما: إنّ حقوق الإنسان (الطبيعية)، متمايزة عن الحقوق المعترف بها في مجتمع ما أو تسنها القوانين، فهي تصدر عن معايير أخلاقية فقط، يمكن أن يصار إلى الاحتجاج بها في انتقاد قوانين قائمة، وفي انتقاد ممارسات اجتماعية.
تخصّ حقوق الإنسان البشر من حيث هم بشر "فقط بسبب فهي، إذن، حقوق مورثة على نحو ما، إنسانيتهم." وفي طبيعة كلّ شخص بشري، مثلما أنها حقوق سابقة على وجود المؤسسات بالمعنى المنطقي والفرضي، وليس التاريخي، أو أنها حقوق للإنسان في الحالة الطبيعية قبل السياسية، أو الحالة الدولاتية (ص 64 - )65. وهذا يعني أنّ شروطها ثابتة على مرّ الزمان واختلاف المكان. ولكن بالفحص الخاص بحقوق الإنسان الدولية، يلُاحظ أنها ليست لازمانيةً على أيّ نحوٍ من الأنحاء؛ لكونها تخص مؤسسات المجتمعات الحديثة أو الآخذة بأسباب الحداثة، والمنظمة كدول سياسية تتعايش معًا، حيث إنّ البشر يواجهون سلسلةً من الأخطار. والواقع أنّ حقوق الإنسان في المعاير الدولية قد جرى تفسيرها في ضوء طبيعة هذه الأخطار وتحدياتها. يمكن الاقتناع بوجاهة النقد الذي يُوجّه إلى فرضية الحقوق الطبيعية، من جهة أنها فرضية ذات تقاليد فلسفية أكثر من أنها تاريخية. فمن المعلوم أنّ مفاهيم الحقوق الطبيعية نفسها تغيّ ت على مرّ الزمن. لذا، فإنّ التحفظ الرئيس عنها يُوجّه من ناحية ضرورة إدراكٍ أو فهمٍ تطبيقي لحقوق الإنسان. وفضلً عن ذلك، فإنّ فكرة الحقوق الطبيعية يمكن النظر إليها بوصفها شروطًا، وأنّ قوتها ليست مرتهنةً بالمواضعات الأخلاقية والقوانين الوضعية لمجتمعها، فهي معايير نقدية للقواعد التقليدية والتشريعية لمجتمع ما. ما برز في الوقت الراهن بالنسبة إلى مسار الجهد الرامي إلى تأطير مبادئ حقوق الإنسان الحديثة، هو التمييز بين مشروع حقوق الإنسان الدولي ومشروع الحقوق الطبيعية، وبدا هذا التمييز ضروريًا من أجل الحفاظ على المبدأ الدولي من ضيق الأُفق الفلسفي الذي من شأنه أن يحدّ من جاذبيته ويضيّق نطاقه المعياري؛ إذ يجب التطلع بجدية دائمًا إلى مسألة مبدأ معياري يناسب الحياة الدولية لقبول وجهات نظر معقولة ومتباينة (ص المعاصرة، ويكون مهيَّأ.)77 لا شكّ في أنّ المآخذ المتعلّقة بمثل هذا المبدأ المعياري، لا تقلّ عن المآخذ التي تُوجّه إلى نظرية حقوق الإنسان الطبيعية. فمبادئ حقوق الإنسان في المبدأ المعياري الدولي، هي حاصل اتفاق توافقي تاريخي في زمن مخصوص بين القوى الدولاتية العالمية، بمعنى أنّ هذا المبدأ يظلّ خاضعًا للمساومات والمصالح الأيديولوجية، كما أنّ المعيارية التي يتصف بها في حقل الممارسة والتطبيق الدوليين هي معادل أو مكافئ موضوعي لأيديولوجيا المصلحة التي تتيح لبعض الدول القوية، في أوقات كثيرة، تفسير كلّ من "المعيارية" و"التطبيق" بطريقة تخدم مصالحها، أو من أجل فرض إكراهاتها، أو شروطها السياسية على دول أُخرى أضعف قوةً، بذريعة خرق معيارية تطبيق حقوق الإنسان فيها.
حقوق الإنسان في نظريات الاتفاق
تنظر هذه النظريات إلى حقوق الإنسان بوصفها معايير، يمكن لها أن تمثّل موضوعات اتفاقٍ بين أبناء مجتمعات ثقافات مختلفة لا تتماثل فيها المعنوية والسياسية في مجالات مختلفة. لذا، فإنّ هذه النظريات تنبثق من تأمّل التنوع التشريعي والاجتماعي. ومع ملاحظة وجود صلة قربى، على نحوٍ من الأنحاء، بين فكرة حقوق الإنسان بوصفها موضوع اتفاق بين الثقافات وتلك المؤسسة بحسب فرضية المذهب الطبيعي، من زاوية التفكير في أنّ حقوق الإنسان هي بمنزلة حماية المصالح المشتركة بين جميع البشر من حيث الجوانب المشتركة بطبائعهم، بالنظر إلى أنّ جميع القوانين الأخلاقية والاجتماعية تقرّها وتؤكدها، ينبغي مُقاومة محاولات دمج المفاهيم المؤسسة على المذهب الطبيعي في مفاهيم نظريات
الاتفاق؛ إذ إنها تعبّ عن آراء مختلفة جذريًا بشأن السلطة المعيارية لحقوق الإنسان (ص 83 - .)84
تظهر حقوق الإنسان ضمن نظريات الاتفاق بوصفها ذات سمة امتيازية في المقاربة التي يقدّمها جون رولز، في هذا السياق، كما وردت في كتابه " قانون الشعوب." فرولز يعتمد فهمً خاصًّا لحقوق الإنسان، بوصفها أحد أهم عناصر العقل العامّ الذي "جرت صياغته لمجتمع دولي مؤلف من شعوب – ليبرالية –ديمقراطية، مهذبة وانتظمت سياسيًا في صورة دول. وتميزت الشعوب المهذبة بأن يتوافر لديها مفهوم عن العدالة الذي يجسّد فكرة الصالح المشترك" (ص. 108) ويرتبط هذا المفهوم بإجراء توافقي حواري خاص بالتشريع. وتؤلف الشعوب الليبرالية المهذبة معًا "مجتمعات الشعوب" التي ينظم شؤونها "قانون الشعوب" الذي يحدّد محتوى العقل العامّ لهذا المجتمع، ويعمل كقاعدة مشتركة لتبرير العمل السياسي الدولي (ص. 108) وهكذا، فإنّ الملاحظة المتعلّقة بهذا الرأي متمثّلة بأنّ قانون الشعوب الذي تقترحه مقاربة رولز لا تقصد إلى استخلاص حقوق الإنسان من مصادرة لاهوتية أو فلسفية، أو فهم أخلاقي لطبيعة الفرد. فحقوق الإنسان داخلة في إطار اتفاق بين مجتمعات ليبرالية مهذبة، وتسعى لإيجاد قاعدة مشتركة من التسويغ السياسي، كما أنه يمكن لكلّ مجتمع مشارك أن يتوقع، بناءً على هذه القاعدة، تعاونًا إراديًا من الآخرين (ص. 111) لكنّ المؤلف يقدّم ملاحظات بشأن تحديد رولز لوظائف حقوق الإنسان، فهو يجدها أضيق من الفهم الذي نلاحظه في التطبيق الدولي الراهن؛ ذلك أنّ هدفنا ليس بناء فهم عن حقوق الإنسان من أجل نظام عالمي مثالي يضم مجتمعات ليبراليةً ومهذبةً، بل إدراك مفاهيم الحق الإنساني كما يجري في تطبيق هذه الحقوق على المستوى الدولي. ومن ثمّ تتضح أهمية العناصر أو المواد الأساسية لبناء فهمٍ عن حقوق الإنسان من جهة أنّ الفهم التطبيقي يستوعب مسائل متعلّقةً بطبيعة هذه الحقوق ومحتواها، ليدلّ على موضوعات من النوع المسمى "حقوق الإنسان" في الممارسات الدولية. والمنهجية، في هذا السياق، واضحة؛ إذ إنها تنطلق من أخذ الدور الوظيفي لحقوق الإنسان في الخطاب الدولي حولها، إلى جانب عَدّ الممارسة الدولية تجاه هذه الحقوق قاعدةً أساسيةً لفهم طبيعة حقوق الإنسان. يتضح من خلال المحاجّات السابقة أنّ المؤلف يقبل بمعيارية فكرة حقوق الإنسان، ويرفضها في الوقت نفسه، ولكن ذلك ليس من دون تسويغ أو تبرير مقنع. فمفهوم المعيارية لديه ينطوي على مستويين من الفهم. وهذا ما حاول، بالفعل، أن يبرزه في الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب؛ وذلك من خلال مستوى أوّل يستند إلى فكرة معيارية ممارسة وتطبيق تلتزم بهما الدول وفق مبادئ واضحة، ولكنها تبقى مشروطةً بتاريخية حداثية تحكمها توافقات من العلاقات السياسية الدولية. ثمّ مستوى ثانٍ لا يقبله المؤلف، مستندًا إلى فكرة الحقوق الطبيعية التي تعني تماثلية معايير حقوق الإنسان في كلّ زمان ومكان؛ لأنها تخصّ الإنسان من حيث هو إنسان. والواضح أنّ هذه المستوى من الإدراك لفكرة حقوق الإنسان يُبعدها عن حقل العقل السياسي وتلاعباته وإستراتيجياته، وأخصها إستراتيجية المصلحة والسلطة. لكنه من جانب ثانٍ يبعدها عن موضوع الخبرة والممارسة والتطبيق، كما تتجلى في النظام الدولي المعاصر. وهكذا، يمكن فهم حقوق الإنسان الدولية من جهة أنها تؤلف فئةً من المعايير التطبيقية. فهي ليست مبادئ للأفراد من النوع الذي يمكن القول إنها تنظّم السلوك في غيبة المؤسسات؛ لأنها تبدو مسألةً تخص الشأن الدولي. لذا، فإنّ مثل هذه المعايير، من ناحية تاريخية، صيغت لموقف من بين مواقف كثيرة ومحتملة، وهي تعمل داخل نظام عالمي؛ ذلك أنّ السلطة السياسية قائمة أساسًا في شكل دول إقليمية.
ملاحظات ختامية
من منظور تحقّقي وتاريخي، من الممكن القول إنّ فكرة حقوق الإنسان بمصادرها التاريخية والفلسفية والسياسية، تعكس التطور التاريخي لتجربة الحداثة الغربية في العصر الحديث، وهي في البداية تُعدّ تعبيرًا عن طبيعة الحقوق السياسية والاجتماعية للفرد الأوروبي وأوضاعه، مجسّدةً في الأنظمة الدستورية والقانونية في نطاق الدولة القومية (الدولة – الأمة)، وفي الواقع الاجتماعي والسياسي لهذه المجتمعات. وهذه الحقوق حتى مع عَدّها لصيقةً بالشخص البشري بمطلق مفهوم الشخصية الإنسانية، فإنّها استندت إلى تطور فلسفي وسياسي
وقانوني، يتمثّل بتخلق فضاء أنسني يسمح بوجود هوامش بين الفرد والسلطة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الفرد والمجتمع والسلطة، اعتمد أساسًا التجربة الغربية التي أخذت تصطنع هيكليًا مجتمعًا مدنيًا متبلورًا وناشطًا يمتلك أفرادًا ومؤسسات حيويةً.
فضلً عن ذلك، ثمّة ملاحظة ثانية تتصل بفكرة عالمية حقوق الإنسان في ما يتعلّق باحتجاجية اختلاف الأنماط الثقافية والقومية العالمية، ومن ثمّ الاعتراف بالخصوصية. ويذكر في هذا الخصوص ما جاء في إعلان بانكوك، في نيسان/ أبريل 1993، الصادر عن المجموعة الآسيوية، وقد شكّل اعتراضًا، على نحوٍ ما، على الطابع الغربي لحقوق الإنسان؛ إذ نص الإعلان على القول إنه "يجب أن نبقي في الأذهان أهمية الخصائص القومية والإقليمية، وأيضًا الخلفيات العديدة التاريخية والثقافية والدينية"، وهو ما يؤكد الإصرار على جعل فكرة العالمية نسبيةً، وإعطاء الأولوية للخصائص المحلّية والإقليمية. أمّا الأمر الآخر الذي يبرز بشأن فكرة حقوق الإنسان وتطبيقاتها، فهو نزعة الشكّ عند الكثيرين. فبعضهم يعتقد أنّ حقوق الإنسان تمثل أداة تفكيك وقهر للثقافات غير الغربية. بمعنى آخر، تهدف السياسات المرافقة لها من جهة الدول الكبرى إلى تنميط القيم والثقافة في صورتها الغربية. وأمّا الأمر الختامي، فهو يتعلّق بما يمكن أن يسمّى "الانتقائية وازدواجية المعايير"، في ممارسة تطبيقات مبادئ حقوق الإنسان في مناطق العالم؛ إذ إنّ الدول العظمى (الغربية منها على وجه الخصوص) تمارس في سلوكها السياسي مثل هذه الانتقائية والازدواجية، وليس أدلّ على ذلك ممّ يجري في فلسطين، وممارسات إسرائيل الخارقة لكلّ المواثيق والمبادئ الدولية في حقّ الفلسطينيين، وما يقابل ذلك من إسناد بمختلف أشكال الدعم لهذا الكيان الذي يُعدّ بقاؤه حتى الوقت الراهن، بوصفه من مخلفات الكولونيالية الاستعمارية القديمة، فضيحةً أخلاقيةً وإنسانيةً عالميةً، وما من شك في أنّ القوى المهيمنة التي فرضت شروطها في ديباجات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هي المسؤولة، على نحوٍ، كبير عن ديمومة هذه الكولونيالية التي تخرق الناحية الأخلاقية لمبادئ حقوق الإنسان.