مؤتمر "الشيعة العرب: المواطنة والهوية العربية"

الدوحة 27 29 شباط/ فبراير 2016

مع سقوط الأنظمة التسلطية، واجهت المجتمعات العربية انقسامات بنيوية وتوظيفًا غير مسبوق لسياسات الهويّة، تقوم به قوى محليّة وأطراف خارجية؛ بحيث باتت النبرة الطائفية القائمة على تعميمات وأحكام مسبقة ومعيارية حاضرة ومن دون تحفّظ ليس في وسائل الإعلام فحسب، بل في الكتابات الأكاديمية العربيّة والغربيّة. وإذا كانت الانقسامات عرضًا شبه حتمي في مراحل التحولات، فإنّها تبرهن على نزوع أنظمة الاستبداد العربية خلال العقود الماضية إلى اعتماد أسلوب "إدارة التنوع المجتمعي"، بدلً من بناء هوية وطنية جامعة، كان من المفترض أن تشكّل سدًا منيعًا أمام المساعي الرامية لاستحضار الهويات الفرعية أو إعادة إنتاجها في الدولة الحديثة. وهكذا، تسيّدت قضيةُ الانقسام المجتمعي الحاد وصعود هويات ما قبل أو "ما دون" القومية المشهد. لقد تكرست هذه الانقسامات مع مساعي تحويل الغبن والمظلومية السياسية إلى مظلومية دينية أو طائفية "أقلياتية" تخلق وعيًا جديدا يضع الطائفة "المنظمة" مقابل "الدولة." وإلى جانب انزلاق الصراع الاجتماعي السياسي إلى اكتساب أبعاد صراع هوياتي، جرت محاولات منهجية لتطييف الصراعات الإقليمية. وهذا استمرار للإرهاصات الأولى للتطييف الطائفي إبان الصراع العثماني الصفوي.

وفي مسعى لتفكيك إشكالية يختلط فيها السياسي والطائفي بالخطاب الديماغوجي والتحريض والتحريض المضاد، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمرا في 27 – 29 شباط/ فبراير 2016 في الدوحة، شارك فيه باحثون وأكاديميون ومختصون، ناقش موضوع "الشيعة العرب"، من جوانب مختلفة؛ المواطنة، والهوية العربية، والتمييز والتهميش، والوضع الإقليمي للشيعة، ومحاولات إظهارهم وكأنّهم جماعة يربطها شكل من أشكال التضامن العابر للحدود الوطنية وتربطها علاقةٌ ما خاصة بإيران الجار الإقليمي الكبير والقويّ والنافذ، بوصفها مصدر التشيّع السياسي في المنطقة.

الشيعة العرب: إشكالية المفهوم في السياق التاريخي

انطلقت جلسات المؤتمر بمداخلة افتتاحية قدّمها عزمي بشارة، وتطرّق فيها إلى المقولات الراسبة في العلوم الاجتماعية من تجربة الحروب المذهبية الأوروبية التي أسهمت في تعميم التمذهب وبناء الكنائس العقيدية وتمايز طقوسها، والتي تحوّلت سريعا من حروب دينية إلى حروبٍ طائفية بعد أن أصبح أتباعُ المذاهب طوائف اجتماعية - سياسية تشقّ المجتمعات. ونوّه بشارة إلى أنّ القوميات المبكرة مثل الإنكليزية والهولندية والفرنسية لم تَخل من الأساطير المؤسسة والطقوس التي تعيد إنتاجها، وذلك بخلاف القوميات المتأخرة التي جاءت أكثر أيديولوجيةً (وحتى أكثر حزبية) وعوّضت غياب وحدة الدولة بتأكيد المكوّن الثقافي من جهة، والبرنامج السياسي المعبّ عن التوق إلى بناء دولة الوحدة القومية من جهة أخرى. وفي السياق العربي أشار بشارة إلى أنّ فكرة العروبة حملت في داخلها نزعةً ميّزت العلمانيين العرب، هي مناهضة الطائفية أكثر ممّ ميّزهم مطلب تحييد الدولة في الشأن الديني. كما حملت في الوقت ذاته نزعةً أيديولوجية وحدوية تنطوي على اندماجية اجتماعية - سياسية شاملة سَهُلَ تحويلها لاحقًا إلى أيديولوجية لأنظمةٍ سلطوية. وقد فشلت هذه الأنظمة ذاتها في مهمة الوحدة من ناحية، وفي تأسيس الانتماء للدولة على المواطنة، من ناحية أخرى، وراحت تبحث عن هويات وولاءات ما قبل دولتية، وقد سمح هذا النكوص إلى الولاءات العشائرية والجهوية للمتضررين الكثر من النظام بتفسيره كطائفية مقنعة حزبيا، متدثّرة بالقوميّة كما في حالة النظر إلى النظام السوري بوصفه نظامًا علويًا، وإلى النظام العراقي السابق بوصفه نظامًا سنيًا. على النقيض من ذلك، رأى بشارة أنّ الأقلية المؤلفة لم تحكم من أتباع مذهب بعينه أيَّ بلد عربي، كما لم تحكمه الأغلبية من أتباع مذهب آخر. ومن خداع سياسات الهوية وسحرها الذي تتمتع الطائفية السياسية بمقادير وافرة منه، إيهامُ المنتمي إليها بأنّه عضو في جماعة الحاكمين حتى حين يكون محكوما، وذلك لاطمئنانه أنّ من يحكم يفعل ذلك باسم هويته الطائفية، حتى وهو يقمعه ويضطهده. وأوضح بشارة أنّه لا يرى أيّ مبرر لاستخدام مصطلح "الشيعة العرب" يفوق في وجاهته تبرير مصطلح "السنّة العرب." فالمصطلحان يعبّ ان عن طوائفَ متخيلة. وفي رأيه لا يجوز تجاهل المشترك العربي، فشيعةُ العراق في غالبيتهم الساحقة عربٌ ينتمون إلى الثقافة والتاريخ العربييَن، وقد فاخر الشيعة العرب بعروبتهم في مقابل سهولة تتريك النخب السنّية المدينية في نهاية العصر العثماني. وبناءً عليه، لا أساس

للتشكيك في عروبة الشيعة العرب. فإذا كان للبويهيين والصفويين دورٌ في مذهبة الشيعية، أو تحويلها من تيارٍ اجتماعي سياسي يناصر علي إلى مذهبٍ ديني، فإنّ للأتراك والمماليك دورًا في مذهبة السنّة العرب، ويمكن حتى القول إنّ السنّة أصبحوا أكثريةً في بلاد الشام في العصر المملوكي فقط؛ وذلك عبر موجات إحياء السنّة. تلت الكلمة الافتتاحية مباشرة جلسة ترأّسها سيف الدين عبد الفتاح، وناقشت المسألة الطائفية وعتبات ولادة التشيّع العربي الحديث. وتطرّق محمد جمال باروت في أولى مداخلاتها إلى "آثار تطييف الصراع العثماني -الصفوي وسياقاته في شمالي بلاد الشام" معرّجًا على دور عملية التطييف في تحويل الشيعية السائدة بمعنى الفرق الشيعية المختلفة في المناطق الريفية الحضرية الشمالية والشمالية الشرقية والغربية الشامية بصفة خاصة من أغلبية مذهبية متداخلة نسبيًا مع الأكثرية الشيعية في هضبة الأناضول إلى أقلية، الأمر الذي وازاه بالنسبة إلى السلطنة الصفوية منذ قيامها في عام 1501 تشييع الأكثرية الجماعاتية السنية في إيران. وقدّم الطاهر بن يحيى المداخلة الثانية تحت عنوان "تعدد الهويات النصية والأصول البعيدة للصراع السني الشيعي"، والتي تطرّق فيها إلى وجاهة ما يردده الكثير من الناس في كون جوهر الصراع الطائفي بين السنة والشيعة يعود إلى أسباب سياسية كان لها دورها في تحويل الصراع من صراع فكري أو أيديولوجي إلى أن يكون صراعا مسلّحا. أمّا الباحث سيار الجميل فجاءت مداخلته تحت عنوان "مؤتمر النجف عام 1156، الأسبقيات والتداعيات: دراسة في أول حوار فكري بين التشيع الصفوي والمدافعين عن التشيع العربي." وعرّج فيها على العوامل التي ساهمت في انعقاد مؤتمر النجف بعد فشل نادر شاه في حصار الموصل سنة 1743 واحتدام الصراع الطائفي بين الصفويين والعثمانيين، إذ دعا نادر شاه إلى عقد مؤتمر للتفاهم بين السنة والشيعة، وطلب من والي بغداد الوزير أحمد باشا انتداب العلّ مة السني السيد عبد الله السويدي لهذه المهمة. وقد كتب السويدي في ذلك رسالة تاريخية مهمة. عقد المؤتمر بحضور مستشار نادر شاه الملا باشي علي أكبر ومعه 70 عالمًا من إيران معهم سنّي واحد هو مفتي أردلان، واستحضر الجميل مقولة محب الدين الخطيب عن المؤتمر بأنّه "أعظم مؤتمر عقد في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة." أمّا الباحث نهار محمد نوري فجاءت مداخلته تحت عنوان "إشكالية السرديات العثمانية والغربية عن الشيعة العرب: الهندسة الاجتماعية وسياسة التدامج والفصل في العراق العثماني المتأخر"، أشار فيها إلى إشكالية العلاقة والنظرة للشيعة العرب في العراق خلال الحقبة العثمانية الأخيرة تحديدًا؛ إذ قامت إستراتيجية التخطيط الاجتماعي التي اتبعتها الدولة العثمانية على منهج تنظيم المجتمع العثماني بغية إزالة ما اعتقد أنّه مشكلات وتناقضات فيه وربطه بالمحصلة النهائية بالأيديولوجية السائدة أو بمعنى أكثر دقةً ربط المجتمع العثماني عقائديًا بالأيديولوجية الحاكمة الممثّلة بالمذهب السني الرسمي. ولهذا تكرست سياستان مهمتان هما: التدامج، والفصل. وقد أدى هذا الوضع المعقّد إلى جعل الهوية الدينية للشيعة العرب في موضع شك وأفضى إلى خلق أطر تقسيمية.

العراقيون الشيعة: التنازع والتكامل مع الهوية الوطنية

خُصّصت جلستان لهذا المحور؛ ترأ س الأولى إبراهيم فريحات، وقدّم فيها عقيل عباس مداخلة بعنوان "التشيع العراقي بين المعرفة الطهرانية والوطنية العراقية"، ناقش فيها آليات صناعة المعرفة ضمن المؤسسة الدينية الشيعية تاريخيًا وعلاقتها بمفهوم المواطنة في السياق العراقي. وذكر عباس أنّ هذه الآليات تقوم على افتراضات طهرانية تُقسم العالم إلى حيزين متناقضين ومتصارعين هما "الطاهر" و"المدنس." وسلّط الباحث الضوء على ما يسمى "المنظومة الطهرانية الشيعية" وتمحورها البنيوي والنفسي على مفهوم "أهل البيت" والصفات المعرفية والأخلاقية التي تشكّلت حولهم بوصفهم أشخاصًا استثنائيين يلتقي فيهم السماوي بالأرضي. أمّا حارث حسن فناقش في ورقته "الرابطة الشيعية فوق - الوطنية والدولة - الوطنية في العراق"، العلاقة بين التحالفات الشيعية فوق - الوطنية والدولة - الوطنية في العراق بالتركيز على الديناميات التي نتجت من سقوط نظام صدام حسين عام 2003. وجادل حسن بأن التشيع، كأغلب العقائد الدينية، هو هوية فوق -وطنية. كما أنّه ونظرًا لكونه هوية أقلياتية في العالم الإسلامي، ولطبيعته المؤسساتية القائمة على وجود مرجعية دينية هرمية في تفاعل دائم مع مجتمعها الديني، شهد بناء شبكات دينية فوق - وطنية وتطورها، بطريقة أدّت إلى أن يمثّل ظهور الدولة - الوطنية تحديًا كبيرًا للهوية الشيعية، نتيجة التباين بين حدود المجتمع السياسي وحدود المجتمع الديني. واستنتج الباحث أنّ ثنائية الوطني وفوق - الوطني ظلّت تؤثّر في العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة، إمّا بسبب سعي الدولة إلى احتكار التعامل مع العالم الخارجي والسيطرة على التبادلات فوق -

الوطنية التي تقوم بها المؤسسة الدينية، أو بسبب سعي تيارات في المؤسسة الدينية أو قريبة منها إلى التأثير في الواقع السياسي. ضمن هذا السياق، رأى حارث حسن في الظاهرة السيستانية بعد عام 2003 محاولة للمزاوجة بين وجود الدولة - الوطنية والطابع فوق - الوطني للتشيع. من جهته سعى حيدر سعيد في ورقته "شيعة العراق وضغط الهوية الدينية" إلى استكشاف الديناميكيات التي عملت على إعادة تعريف الجماعة الشيعية في العراق بوصفها جماعة دينية، وما استتبع هذا من إعادة اكتشاف الروابط المذهبية العابرة للحدود، ومن ثم، وضع الجماعة الشيعية العراقية في نسيج التكوينات المذهبية في سائر المنطقة، لتتبلور تدريجيًا، عقدة جوهرية حكمت شيعة العراق، وهي عقدة "الأغلبية بحسّ أقلّوي." ورأى سعيد أنّ التحوّل السابق حدث مع نشوء الإسلام السياسي الشيعي في الخمسينيات من القرن الماضي، والذي كانت نشأته تعبيرا عن فشل الفئات الثلاث للنخب الشيعية التقليدية (الزعماء العشائريين، والنخب المدنية من كبار التجار والمثقفين وأبناء الطبقة الوسطى، وكبار المراجع) في تحقيق مطالب الشيعة، وأنّ هذه النخبة الجديدة وُلدت من داخل دائرة المرجعية الدينية، فقد تزعّمها أبناء مراجع ورجال دين شبان. الأمر الذي كرّس مركزية المؤسسة الدينية في الفاعلية السياسية الشيعية. وقد تزامن هذا مع التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد ٨٥٩١ (نشوء دولة شمولية، وسيطرة العسكر على المجال السياسي.) ترأ س الجلسة الأخرى ضمن هذا المحور عبد الوهاب القصاب، وقدّم فيها مؤيد الونداوي ورقة بعنوان "الدور الوطني والقومي للشيعة العرب في العراق للمدة 1945 - 1958 استنادًا للوثائق البريطانية"، بيّ فيها دور المكوّن الشيعي في بناء الدولة العراقية. وخلص الونداوي، بعد مراجعة الوثائق البريطانية، إلى أنّ الزعماء والمثقفين الشيعة تصرّفوا بوصفهم وطنيين وعروبيين، وأنّ طبقة رجال الدين من الشيعة تراجع دورها في صنع الأحداث بعد 1945، بينما استمر دور قادة العشائر من الشيعة يتماشى مع رغبات البلاط ونوري السعيد. تلا ذلك ورقة أعدّها أحمد العيساوي بعنوان "شيعة العراق: الجماهير والنخب وإشكالية الهوية الوطنية" حاول فيها تفكيك الجدل والصراع على الهوية الوطنية في العراق بالتوازي مع الجدل والصراع الطائفي الذي خلق إشكاليات عدة تتعلق بتعجيم التشيع والشيعة. وخلص العيساوي إلى أنّ عملية بناء الهوية الوطنية العراقية يجب أن تنطلق من ثابت مركزي، يتمثّل بعراقية العراق من خلال وحدته وتنوّع مكوناته وأطيافه الدينية والعرقية، فكما أنّ التاريخ يؤكّد عراقة وحدة العراق واستمراريتها، يؤكّد أيضًا عراقة التنوع العرقي والديني على أرض العراق. ويتمثّل الشرط الأولّي لعملية بناء الهوية الوطنية بوجود نخب وطنية معبّة عن إرادة المجتمع الحرة وتطلعات جماهيره التي ألفت هذا التنوع في أطياف الهوية العراقية، وهي لا تعاني أزمة هوية، بالشكل الذي تعانيه نخبه اليوم، من زعماء الطوائف والعوائل والأعراق.

واختتم هذا المحور بمحاضرة عصام العامري "هوية شيعة العراق في ظل صعود (القومية الطائفية) في الشرق الأوسط"، والتي ركّز فيها على الصراع الراهن في منطقة الشرق الأوسط والانقسامات الدينية، وبروز ما سمّ ه "القومية الدينية" التي باتت تفرض تأثيراتها في صعد مختلفة؛ داخلية، وإقليمية، ودولية. ورأى العامري أنّ الصراع الهوياتي العنيف الذي تنامى بعد الربيع العربي قاد إلى تشوهات في انتماء مكونات وجماعات عديدة في المنطقة، كان من بينها الشيعة العرب، وبالأخص شيعة العراق.

عن المسألة الشيعية في الخليج: إشكاليات وهواجس

ترأّس هذه الجلسة سمير سعيفان، واستهل بدر الإبراهيم تقديم المداخلة الأولى فيها بورقة تحت عنوان "المسألة الشيعية في الخليج: سطوة البنى التقليدية والتسييس المذهبي"، سعى من خلالها لفهم أسباب نشوء "مسألة شيعية" في الخليج العربي عبر فحص علاقة المكوّن الشيعي بالدولة، وبخاصة في السعودية، والبحرين بدرجة أقل. وتطرّق الإبراهيم إلى ما سمّ ه "التحديث المنقوص" في الدولة العربية عموما، والخليجية تحديدا، حيث جرى الاعتماد على هويات ما قبل حديثة في تكوين هوية الدولة ما جعل البنى التقليدية خيار الأفراد

الوحيد للتعبير في المجال العام، وهو ما أنتج حلقة مفرغة تعيد إنتاج الطائفية في المجتمع بينما تقوم النزاعات الإقليمية بتضخيم هذه الحالة الطائفية وتوتير الأجواء أكثر بين المكونات الاجتماعية المختلفة. أمّا المداخلة الثانية وعنوانها "الشيعة والمشاركة السياسية في الكويت" فكانت للباحثيَن الكويتيين حسن عبد الله جوهر وحامد حافظ العبد الله، وقد تطرّقا فيها إلى الحالة السياسية الشيعية في الكويت في إطار مفهوم الدولة المدنية وهوية المواطنة، وذلك في سياق تاريخي واكب نشأة الكيان الكويتي في النصف الأول من القرن السابع عشر. وسعى الباحثان إلى تحليل البعد الطائفي في علاقة المكوّن الشيعي مع بقية المكونات الكويتية الأخرى من جهة، وعلاقته بالسلطة السياسية من جهة أخرى إضافةً إلى العوامل الداخلية والخارجية التي تتحكّم أو توجّه طبيعة هذه العلاقات التي شهدت محطات متباينة بين المد والجزر الطائفي. وسلّط الباحثان الضوء على المشاركة السياسية للشيعة في الحياة العامة وبالتحديد في الانتخابات التشريعية بصفتها سلوكًا اجتماعيا سياسيا يعكس الحالة الطائفية في البلاد خصوصًا في الأزمات السياسية التي شهدها الكويت، لا سيما في السنوات الأخيرة. وناقشت ورقة أخرى أعدّها عبد الله الشمري، وحملت عنوان "العامل الشيعي في العلاقات السعودية - العراقية ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003" كيف أثّر المحدد الطائفي سلبيًا في العلاقات السعودية العراقية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، بخاصة في فترة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي حيث أصبح مسار علاقات الجانبين محكوما بمحدد الطائفية السياسية في العراق، وعلاقته مع إيران.

الشيعية السياسية في لبنان: أحوالها التاريخية والراهنة

خطّت محاضرات الجلسة الخامسة التي ترأ سها خليل العناني أعمال اليوم الثاني من المؤتمر، وتضمنت محاضرتين افتتاحيتين قدّمهما وجيه كوثراني، ورغيد الصلح. ناقش كوثراني أحوال الشيعة في لبنان وتحولاتها من "الشيعية العاملية" إلى "الشيعية السياسية." وبرأيه فإنّ البحث في كيفية انتقال شيعة لبنان من حالة ثقافية أو اجتماعية إلى هوية سياسية يتطلب معالجة ثلاثة سياقات تاريخية؛ الزمن التاريخي البعيد: زمن الشيعية العاملية، والزمن التاريخي القريب زمن الإصلاحية الشيعية في زمن تكوّن الدولة اللبنانية الميثاقية، والزمن الراهن: زمن أحزاب الطوائف المغلقة والعمل السياسي المسلّح (زمن حزب الله.) من جهته توقّف رغيد الصلح في مداخلته "الشيعة في لبنان ونظام الديمقراطية التوافقية" على المتغيرات التي شهدها لبنان خلال السبعينيات والثمانينيات وأنتجت ما عُرف ب "الديمقراطية التوافقية" التي كانت حاضنة للانقسامات وعلّة وجودها أكثر ممّ مثّلت علاجًا لها، وتطرّق إلى تصور حزب الله وفريق 8 آذار لتطبيق الديمقراطية التوافقية والتي، برأيه، سوف تصطدم بنقطتين حساستين هما: مسألة الإدارة الديمقراطية للقضايا المصيرية، والتي تنطبق على علاقة الدولة اللبنانية ومؤسساتها العامة بالقوات المسلحة اللبنانية، والهوية الجماعية للمقاومة بوصفها هوية مذهبية بالدرجة الأولى. وخلص الصلح إلى ضرورة إلغاء الطائفية السياسية والعمل على تعزيز الدولة اللبنانية، وبخاصة تطبيق سياسة الدفاع الوطني الشامل.

وضمن العنوان العام ذاته جاءت مداخلات الجلسة السادسة التي ابتدأها سهيل القش بورقة عنوانها "خريف البطريرك أو: بؤس الخضوع لولاية الفقيه"، استعرض فيها السياق التاريخي لتشكّل الطوائف الدينية في لبنان، مع إشارته إلى ضرورة الأخذ في الحسبان الروايات ووجهات النظر التاريخية المتعددة والمتناقضة عند البحث بشكل نقدي في هذا الموضوع تحاشيًا للوقوع في أيٍ من الأحكام الأيديولوجية المسبقة. وخلال استعراضه تشكّل الطوائف سياسيًا في لبنان، أشار القش إلى أنّ تشكّل الطائفة الشيعية بوصفها طائفة سياسية جاء بدعم من الوصاية السوريّة على لبنان، في حين أنّ الدعم الإيراني في بداية القرن الحالي مكّن الممثلين السياسيين للطائفة الشيعية في لبنان من الاستيلاء على الحكم. وفي المداخلة الثانية، قدّم خليل فضل عثمان استعراضًا تاريخيًا لدور موسى الصدر في يقظة الوعي بالهويّة الشيعية في لبنان. وأكّد بدايةً

أنّ الهوية بأشكالها، ليست معطى ثابتًا بالولادة بل من خلال جدلية متواصلة من التغيير والتحوّل؛ إذ تراوح بين الخمول والنشاط. وبنى الباحث دراسته على توظيف نظرية كارل وولفغانغ دويتش -1912()1992 في "التعبئة الاجتماعية." وأشار الباحث إلى أنّ الصدر ركّز على مواجهة المؤسسة الشيعية التقليدية التي لم تكن ناشطة سياسيًا في لبنان، واعتمد في مواجهتها على قراءة حركية للتشيع ربط من خلالها الدور الدنيوي بالديني لإضفاء مشروعية دينية على حراكه. واختتم الباحث بالإشارة إلى أنّه في الفترة التي اختفى فيها الصدر في ليبيا، كانت حركته في ضمور ولم تستطع أن تحقق نجاحًا واسعًا آنذاك، لكن في الثمانينيات استطاعت الحركة أن تتحول من طاقة كامنة إلى انفجار ورقم صعب في المعادلة اللبنانية في ضوء عدد من التحولات مكّنها من التأثير في السياسة اللبنانية. اختتمت الجلسة السادسة بعرض ورقة لقمان سليم بعنوان "الاستنجاد بالعروبة على محكّ الهواجس اللبنانية: الهوية الشيعية العربية في لبنان، هوية أصيلة أم هوية غبّ الطلب؟"، استعرض فيها تاريخ نشوء مصطلح "الشيعة العرب"، وأشار تاريخيًّا إلى أنّ بداية التشكيك في عروبة الشيعة كانت أثناء ثورة العشرين في العراق. وفي تعريفه الشيعة العرب، أشار سليم إلى أنّ مصطلح "الشيعة العرب"، بالمعنى السياسي، هو مصطلح محدث لا يزال يبحث عن شرعيته بين الشيعة العرب أنفسهم من جهة، والعرب (أي السُّنة العرب) من جهة أخرى. وأرجع الباحث أسباب ظهور حاجة لدى الشيعة العرب لإثبات عروبيتهم إلى فشل الكيانات الوطنية في معظمها في التحوّل إلى أوطان وإنشاء هويات وطنية جامعة لمختلف مكوناتها تتخطّى الهويات الفئوية في تلك المجتمعات، وبالتالي فإنّ مطلب تشجيع الشيعة على الاندماج في مجتمعاتهم الوطنية أصبح صعبًا في ظل فشل هذه الكيانات الوطنية في تحقيق مشروع جامع ظهرت فيه انتماءات فئوية أخرى لدى جماعاتٍ من غير الشيعة أيضًا. وناقش الباحث موضوع توسّع مصطلح "الشيعة العرب" اليوم في ظل ما يراه عدد من المراقبين والمحللين من مختلف الأيديولوجيات سقوط عدد من العواصم العربية (بيروت، ودمشق، وبغداد) عسكريًا أو سياسيًّا تحت النفوذ الإيراني. وشدد على أنّ الخطورة تكمن في الأسباب التي أفضت إلى هذا السقوط الذي أرجعه الباحث إلى أواخر السبعينيات من توسعة أفقية وعمودية لمسمّى "العرب الشيعة"، بحيث تسعى إيران إلى تأكيد الخصوصية الشيعية في المنطقة العربية على حساب كلٍ من الهوية الإسلامية والوطنية، ليصبح المسمى فضفاضًا تحت "الشيعة" فقط. وحذّر الباحث من أنّه في ظل نجاح السياسة الإيرانية خلال العقود السابقة في توسعة هذا المفهوم وربط الجماعات الشيعية في مختلف المناطق العربية وغيرها هناك احتمالية لإنشاء جماعة جديدة سمّ ها ب "النيو شيعة"، سيكون مركزها في طهران.

التشيع السياسي في اليمن والمغرب العربي

ترأّس الجلسة السابعة محمد المصباحي، وجاءت تحت عنوان "التشيع السياسي: اليمن والمغرب العربي." استهل عبد الله جنوف تقديم المداخلة الأولى بعنوان "هوية التشيع في تونس"، أرجع من خلالها التشيع الإثني عشري في تونس إلى سبعينيات القرن العشرين، حيث كان المتشيعون التونسيون الأوائل ينشرون مذهبهم بين أقاربهم وأصحابهم ويوطّدون علاقتهم بالمرجعية العراقية. ولمّا قامت الثورة الإيرانية أيّدها الإسلاميون في تونس واستوعب نشاطهم في الجامعة تيارٌ يتشيع لها سياسيًا، واستمر أوائل المتشيعين في نشر مذهبهم بصمت ولم تلتقطهم آلة الاستبداد، ثم قامت الثورة التونسية وأصبح للشيعة أحزابٌ سياسية وجمعيات حقوقية ونشاط صحفي وعمل أكاديمي، وهنا برزت الهويات الجزئية وبدا أنّ المجتمع التونسي مقبلٌ على الانقسام. أمّا المداخلة الثانية فقدّمها الباحث يحيى بوزيدي وحملت عنوان "البحث عن الذات: المتشيعون في الجزائر وأزمة الهوية"، وعالج من خلالها موضوع التشيع في الجزائر. وتوقّف بوزيدي عند جدلية التشيع الديني والتشيع السياسي مستحضرًا الفوارق العقدية بين السنة والشيعة في القرون السابقة، وإسقاطه على التشيع السياسي في المجتمعات السنية والجزائر من بينها. وناقش الباحث تأثيرات الانتفاضات الشعبية العربية في الظاهرة من منطلق اقترانها بصعود إيران في المنطقة ومحور "الممانعة" الذي كانت تتزعمه ودور حزب الله اللبناني من هذه الناحية، والتغييرات التي طرأت على مواقف هذه الأطراف مع الثورة السورية. وجاءت المداخلة الثالثة تحت عنوان "التشيع السياسي في اليمن: الحالة الحوثية نموذجا" للباحثة أمل عالم لتناقش أسباب التشيع السياسي في اليمن، والذي يمكن ردّه إلى جملة من العوامل لعلّ أبرزها؛ التقاء المصالح بين الزيدية السياسية وإيران، وإعادة إنتاج الهوية الزيدية بحلّة شيعية إثني عشرية. وخلصت الباحثة إلى أنّه ترتّب على اختراق

التشيع الهوية اليمنية تداعيات تهدد استقرار المجتمع وتضعف النسيج الاجتماعي، مثل الحروب الأهلية والطائفية والتطرف.

الشيعة العرب في إيران: الواقع/ الموقع/ المخيال

ناقشت أعمال الجلسة الثامنة هذا الموضوع، واستهلها حميد دباشي بالتطرّق إلى واقع الشيعة العرب وموقعهم وعلاقتهم بالمواطنة والهوية الوطنية في بلدانهم في قلب المرحلة الانتقالية الكبرى التي يشهدها التاريخ العربي والإسلامي، في أعقاب الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 والثورات العربية سنة 2011. بعد ذلك ركّز دباشي على الشيعة العرب الإيرانيين، محاولً فحص وعيهم السياسي التعددي الذي نما بعد الاصطدام بالحداثة الاستعمارية المسلحة. وأكّد دباشي ضرورة عدم التركيز على الوعي الطائفي والتعامل معه بوصفه مكافئًا على قدم المساواة مع السياسات العنصرية المتصاعدة في هذه المرحلة. أمّا ورقة فاطمة الصمادي "الشيعة العرب في إيران: أزمة الهوية القومية وحقوق المواطنة"، فناقشت واقع حياة الشيعة العرب في إيران، من خلال عدد من التقارير التنموية الإيرانية التي تصنّف مناطقهم ضمن المناطق المحرومة، وذلك على الرغم من أنّها مناطق تتركز فيها الثروة النفطية؛ إذ تسجّل مناطقهم معدلات دنيا في التنمية الاقتصادية، في ظل سياسات حكومية تنتهج التضييق والتشدد؛ الأمر الذي يدفعهم جهة مسارات يتخذ بعضها شكل المواجهة دفاعًا عن الهوية. وانتهت الورقة إلى أنّ اندماج الشيعة العرب ضمن الهوية الوطنية الإيرانية مشروط بتعظيم العناصر المشتركة، والاستجابة للحاجات والمطالب السياسية والاقتصادية والثقافية. وذلك لا يمكن أن يتحقق وفقًا لتعريف للهوية الوطنية يستند إلى العناصر الثقافية لقومية بعينها. وفي السياق ذاته ناقشت ورقة إلهام لطيفي ما سمّته "تعريفًا جديدًا" للهوية العربية الأهوازية في إيران، فبحسب الباحثة تتمتع إيران بأعلى نسبة للتنوع الإثني بين بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويشكّل العرب الشيعة (الأهوازيون) 3 في المئة من إجمالي المجتمع الإيراني، ويتركزون في ولاية خوزستان (المحاذية للعراق)، تحديدًا، في الجنوب الغربي من إيران. وقد كان للعرب دورٌ مفصلي في تاريخ إيران الاقتصادي والثقافي واللغوي. وإذا كان هؤلاء عربًا، لغةً وثقافة وتاريخًا وهوية، ولهم قواسم مشتركة مع سائر العرب، فإنّهم من الناحية السياسية، يتماهون مع إيران، بوصفهم مواطنين إيرانيين، مرتبطين بالكيان الإيراني قانونيًا وسياسيًا، ويتمتعون بالحقوق كافة، وعليهم جميع الواجبات المترتبة على تلك المواطنة. ورصدت لطيفي زيادة الجدال في الآونة الأخيرة على الهوية الثقافية لعرب إيران في المحافل الإقليمية والعالمية وتأثيراته في محاولة الشيعة العرب الأهوازيين التوازن بين صون مواطنتهم الإيرانية من جهة، وسعيهم لتقوية الهوية الثقافية العربية من جهة أخرى. وانتهت أعمال هذه الجلسة بورقة نصير الكعبي التي حملت عنوان "الشيعة العرب في المخيال الشعبي الإيراني: فحص في رحلات الحج الفارسية"، وحاول فيها تجاوز تخوم المروية الرسمية الإيرانية في صورها النمطية والمركزية المشكّلة عن الآخر العربي الشيعي، إلى فضاء مسكوت عنه، وهو رواية "المهشمين/ الحجيج"، عندما يجتازون ذهابًا وإيابًا بأقدامهم عالم الشيعة العربي بمحطاته الرئيسة (النجف، وكربلاء، وبغداد)، ثم إلى مقصدها الرئيس حيث المدينة، ومكة، وذلك لاستخراج ملامح صورة "العربي الشيعي"، مقابل "الإيراني الشيعي"، بعيدًا عن "المركز" ودوغمائيته، فالفروقات التي يبلورها "الإيراني/ الفارسي/ الشيعي" بإزاء الآخر المماثل مذهبيًا "العربي/ الشيعي."

المؤسسة الدينية الشيعية العربية ودورها الاجتماعي والسياسي

خصصت لهذا المحور جلستان (التاسعة والعاشرة)، ابتُدئ بهما اليوم الثالث، ترأّس الأولى منهما عبد الوهاب الأفندي، وحاضَ في بدايتها هشام داود عن "الفضاء المقدس وإعادة إنتاج الهوية: النجف نموذجا"، حيث أشار إلى أنّ الهوية الشيعية العربية من الممكن أن تكون متضاربة أو متكاملة ومتراصّة، وأنّها تحتاج إلى مخيال ورموز ومكان (فضاء) ينتجها من خلال المقدس الذي يقوم على إبقاء الرمز الديني في إنشاء الهوية وتكوينها. وتمثّل النجف بما تنطوي عليه من بعد تاريخي، هذا الفضاء المقدس؛ فهي بابلية قديمة، ومسيحية قديمة، واستقبلت مجموعة الأنبياء بما جعلها ذات قيمة رمزية أساسية منذ زمن يسبق المعتقد الشيعي، حافظ على قدسية المكان وأضحت النجف مقدسة ليس فقط في ما يتعلق بالزيارات والأضاحي، بل أصبحت منطقة إعداد أئمة رجال دين الحوزة الشيعية. وأكّد داود

أنّ قدسية المكان تعدّ مسألة مركزية في الهوية الشيعية العربية العابرة للحدود، وهي ترتبط عادةً بشخصيات دينية تأتي من مكان آخر وتستقر في هذا المكان المقدس، مثل السيستاني.

تلا ذلك محاضرة علي طاهر الحمود بعنوان "تقابل الدولة المدنية – ولاية الفقيه: قراءة في توجهات حوزة النجف الدينية"، أشار فيها إلى أنّ التجربة الإسلامية الإيرانية مثّلت تحديًا أساسيًا للشيعة في العالم، ولا سيما العرب الشيعة في العراق. ويبدو أنّ التحدي الأكبر واجهه علماء الشيعة في النجف بعد 2003، إذ اضطروا إلى التعامل مع واقعين متناقضين؛ الأول هو تاريخ مليء بالرفض والنفور من السلطة، ورافض أيضًا الخوض في تفاصيل السياسة، خلافًا لمعتنقي نظرية ولاية الفقيه في إيران من جهة، ويتمثل الواقع الآخر بالحاضر الذي وَضَ عَهم في صدارة المسؤولية لبناء الدولة والأمة في العراق، من جهة أخرى. وبحسب الباحث، تتلخص رؤية الخميني في أن تكون أوامر الولي الفقيه ملزمة إلزاما دينيًا، وهي تستلزم قيمومة شاملة على المجتمع تنفيذًا وتشريعا، دون أن يكون للأمة دور حتى على مستوى الشراكة في السلطة. ولا أدلّ على ذلك من عِلوية توجيهات الولي الفقيه في إيران، على قرارات الحكومة، وقوانين البرلمان، وأحكام القضاء، فضلً عن إرادة المجتمع. وعلى العكس من هذا، يدعو علماء الشيعة في النجف، وعلى رأسهم السيستاني، إلى جعل الدولة أمرًا يخص أبناء الأمة، بعيدا عن التدخّل المباشر للفقه أو الفقهاء، مبعدًا إياهم عن التصدي المباشر للشأن العام، كما عند الخميني. وتدعو حوزة النجف الدينية، خلافا لنظيرتها في قم، إلى المبادئ الأساسية في بناء الدولة والأمة، والمتمثلة بإقرار التعددية والتداول السلمي للسلطة والعدالة والمساواة بين أبناء البلد في الحقوق والواجبات.، والتي ترأّوفي ثاني جلسات هذا المحور (العاشرة)سها النور حمد، قدّمت أربع مداخلات؛ جاءت الأولى تحت عنوان "عقل الدولة وعقل الحوزة، أيّ علاقة؟ بحث في الهوية والمواطنة في العراق المعاصر"، طرح من خلالها الباحث علي الصالح مُولى سؤالا مركزيًا، هو: ما مجالات التقاطع والافتراق بين عقل الدولة وعقل الحوزة في العراق المعاصر؟ واستقدم الباحث مادة تاريخية امتدت على قرابة ثمانين سنة كان منطلقها الأساسي الوقائع الخاصة باستفتاء 1918 - 1919 وتتبّع، عبر آليتَي التحليل والتفكيك، الخطاب والسلوك الحوزوييَن من ناحية والرسمي من ناحية ثانية قصد الانتباه إلى الاتجاهات؛ إذ كان الطرفان يبنيان أطروحتهما عن هوية الدولة والوظائف المنجزة لتأمين ذلك الصوغ الهوياتي. وتمكّن الباحث في هذه المداخلة في حدود الممكن المعرفي، من بلورة التصورات الكبرى التي تحكّمت في العقلين الحوزوي والدولتي، ورأى أنّ تحويل المذهب الشيعي الموجود وجودًا موضوعيا في العراق إلى مذهب طائفة أولً، وإلى حالة طائفية ثانيا كان عاملا صناعيا حادثا في تاريخ العراق المعاصر والآنيّ. كما أوضح الباحث أنّ الاستبداد كان يشتغل على المضامين الطائفية وإذكاء ثقافة الفتنة والتقسيم لضمان دوام سلطانه من دون أن يكون هو نفسه على مذهب معيّ أو صنيعة طائفة معينة. أمّا المداخلة الثانية فحملت عنوان "المرجعية الدينية في النجف ووسائل التواصل والتأثير"، قدّمها مجيد الخليفة، وناقشت التحولات العقائدية والفكرية للطائفة الشيعية التي حدثت في عهد الدولة الصفوية وأثّرت جذريًا في بنية المرجعية الدينية في النجف ومنهجها من خلال رجال الدين من الإيرانيين الذين هاجروا إليها حاملين معهم تلك الأسس التي ترسّخت فيها مع رجحان الاتجاه الأصولي في الاستنباط الفقهي، وذلك وفقًا لفلسفة البحث والاستقراء القائم على أساس نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم. وأشار الباحث إلى أنّه بحلول القرن الثامن عشر الميلادي برزت المرجعية الدينية في النجف مؤسسة مؤثّرة في الساحة العراقية متخذةً لها موقعًا من الحوادث الجارية، بخاصة مع محاولة المجتهدين الإيرانيين الحصول على موارد مالية محلّية تكون بديلة عن الهبات الإيرانية؛ إذ لجأ بعض رجال الدين والوعاظ الشيعة إلى العشائر العربية في وسط العراق وجنوبه في حملات تبشيرية منظمة ساهمت على المدى الطويل في تشيّع هذه العشائر ومثّلت بديلا إستراتيجيًا للمرجعية الدينية الصاعدة في النجف. وقدّم الباحث خالد حنتوش المداخلة الأخيرة في هذه الجلسة تحت عنوان "اتجاهات شيعة العراق نحو الدور السياسي لحوزة النجف: دراسة سوسيولوجية"، حاول فيها الباحث فهم العلاقة الجدلية بين الشيعة بصفة عامة، وشيعة العراق بصفة خاصة مع مرجعيتهم الدينية في النجف، والتي تعدّ المؤسسة الدينية الأقوى تأثيرا في عالمنا

الإسلامي في اتّباعها، إذ يصفها البعض بأنّها دولة داخل دولة. كما تطرّق الباحث إلى البنية الداخلية للمرجعية وكيف تدير نفسها وبخاصة استقلالها الاقتصادي الذي أتاح لها استقلالً في قراراتها خلال الألف سنة الماضية. ورأى حنتوش أنّ الحوزة النجفية قامت بدور سياسي في العراق على مرّ التاريخ، لكن هذا الدور كان ضئيلً في الكثير من الأحيان، وكان يتوسع فقط حين تضعف المؤسسة السياسية الرسمية، وأرجع ذلك إلى أنّ رجالات الحوزة وغالبيتهم من العراقيين لا يفضّ لون النموذج الإيراني الخاص بالولاية العامة.

الشيعة في الحكم: العراق نموذجًا

سلّطت آخر جلسات المؤتمر، وهي الجلسة الحادية عشرة، الضوء على التجربة العراقية بوصفها أبرز التجليات السياسية لوصول قوى سياسية شيعية إلى سدة الحكم. وقد ترأّس هذه الجلسة سلطان بركات، واستهل أولى محاضراتها سليم زخور بورقة تحت عنوان "الشيعة في الحكم: حالة العراق بعد 2003، من الإقصاء إلى الهيمنة"، استعرض فيها نشأة النظام العراقي الجديد من خلال تسوية بين الشيعة والأكراد في ظل استبعاد "نسبي" للسنّة. ورأى الباحث أنّ الشيعة أرادوا الإمساك بالحكم على قاعدة تشكيلهم الأكثرية، وأسلمة النظام قدر المستطاع، فكان لهم ما أرادوا في حدّه الأدنى الذي أرضاهم. في المقابل، سعى الأكراد إلى تعزيز استقلالهم الذاتي وضمانه من خلال المشاركة في السلطات الاتحادية، فكانت الفدرالية التي أمّنت أيضا حدًا أدنى من أهداف الأكراد. وأشار زخور إلى أنّ تجربة حكم الشيعة في العراق كانت فاشلة إلى حدٍ ما بسبب عدم القدرة على تولّ المسؤولية التاريخية التي وقعت على الأكثرية الشيعية للحفاظ على عراقٍ موحّد لكلّ مكوناته. وخلص الباحث إلى أنّ مسؤولية بناء العراق الموحّد هي مسؤولية الشيعة بالدرجة الأولى، فهم الأكثرية، وعليهم يقع عاتق جمع المكونات الأخرى، ضمن مؤسسات وآليات واضحة للحكم تضمن الثقة وتعززها وتسمح بخلق مساحات مشتركة تضمن المشاركة والتوازن لكلّ المكونات نحو عقدٍ اجتماعي جديد يرعى مصالح المواطن العراقي. وفي سياق قريب، عرض رافد جبوري في ورقته "ملامح الخطاب والسياسات الشيعية في العراق منذ سقوط الموصل" مواقف القوى والجهات الشيعية   العراقية الرئيسة المؤثّرة وكيف تبلور خطابها وموقفها بعد سقوط مدينة الموصل وبلدات ومناطق أخرى ذات غالبية سنية في حزيران/ يونيو ٤١٠٢، وذلك من خلال منهجية تعتمد متابعة مضمون الخطاب وتحليل إشارات ونماذج نوعية منتخبة لأصوات ومصادر شيعية مهمة في العراق ووضعها في سياقها التاريخي والسياسي. وتوقّف الباحث في ورقته عند طرائق تواصل القوى الشيعية مع جماهيرها مثل صلاة الجمعة وخطبتها التي اكتسبت أهمية متزايدة منذ عام 2003، وكيف حوّلت الحوزة التي يتزعمها آية الله السيستاني رسائلها وتواصلها مع الجمهور إلى فعل سياسي عند تشكيل الحشد الشعبي.

أمّا بشرى الراوي فقد ناقشت في ورقتها "توظيف الطقوس الحسينية للمجال العام" كيف يتحوّل إحياء ذكرى الإمام الحسين إلى تظاهرة سياسية للشيعة ضد الواقع الذي يعيشونه أو لتقوية الواقع السياسي، إذ أضحت عاشوراء تمثّل مظهرًا لطريقة فهم الواقع الشيعي في بعض عناصر قوّته كما في بعض اختلالاته. وانتهت الباحثة إلى أنّ قضية الحسين وثورته تحوّلت في السنوات الأخ ةرر إلى شعارات سياسية لا تهدف إلى استقطاب الأتباع وإثبات الوجود، بخاصة بعد أن جرى استغلالها وتحويلها إلى قصة أسطورية تتجسد في طقوس سنوية تعدّ طريقًا إلى تحقيق الكثير من المكاسب المادية والسياسية والقومية.