العولمة والتطرف: نحو استكشاف علاقة ملتبسة

العياشي عنصر | Layachi Anser

الملخّص

تستقطب ظاهرتا "العولمة" و"التطرف" اهتمامًا غير مسبوق، إذ تحتل كل منهما مساحات متزايدة في وسائل الإعلام التقليدية والحديثة لم تبلغها موضوعات أخرى من قبل. وقد صار إلى الربط بينهما بصفة مباشرة أو غير مباشرة، كونهما موضوعا رئيسً ا في البحوث والدراسات الأكاديمية والمؤتمرات والندوات الفكرية والتقارير المتخصصة لمراكز التفكير وصناعة السياسات. تنطلق هذه الدراسة من السؤال التالي: هل توجد صلة بين العولمة والتطرف في عالمنا اليوم؟ وإن وجدت بينهما صلة، وذلك ما تزعمه الورقة، فما طبيعتها؟ وما هي المجالات التي تتجسد فيها؟ تحاول الورقة شرح مفاهيم العولمة وصيرورة ظهورها، والتطرف ومصادره، وتداعياته، فضل ا عن العلاقة الملتبسة بين التطرف والراديكالية، ثمّ تقوم باستكشاف مجالات العلاقة بين العولمة والتطرف، وتوضيح كيف يمكن أن تساهم العولمة في بروز الجماعات المتطرفة، باستعراض مجموعة من المجالات التي تتجسد فيها هذه العلاقة الملتبسة. كلمات مفتاحية: العولمة، التطرف، الراديكالية، الإمبريالية، الهجرة، الاندماج Globalization and extremism or radicalism are two important phenomena attracting unprecedented attention. They conquer an ever expanding space in traditional and modern media outlets today. Moreover, they have become major topics of research, academic studies, scholarly conferences and seminars, and specialized reports in think tank and policy-making circles. This fact raises important questions. Is there any relationship between globalization and radicalism in the world today? And if so, as this paper contends; what is its nature? What are the mechanisms behind it? And how does it manifest itself? These are major questions the paper attempts to answer. But before engaging in that, we need to consider the concepts themselves. What is Globalization and how it has come to be? What is Extremism, and what are its sources and consequences? What is radicalism, and how it relates to extremism? In what fields these two phenomena can be best observed. Keywords: Globalization, Extremism, Radicalism, Imperialism, Immigration, Integration

Globalization and Extremism: Exploring an ambiguous relationship

مقدمة

تحتل وقائع ومفاهيم عديدة صدارة الحوادث في عالمنا اليوم، وتكون محط اهتمام سواء على المستوى الرسمي، أو الشعبي. فهي شاغلة لصناع القرار على مستوى مؤسسات الدولة القومية، أو على مستوى المؤسسات الإقليمية والدولية. ويحضر هذا الانشغال ذاته بقوة في المؤسسات الأكاديمية لدى المشتغلين بالبحوث وصناعة الرأي وصوغ السياسات. في هذا السياق، تحتل قضايا العولمة والتطرف والعلاقة الجدلية بينهما مكانة متميزة. فقد أضحت هذه الظواهر موضوع دراسات وأبحاث عديدة، وتعقد حولها الندوات والمؤتمرات المحلية، والإقليمية، والدولية. وعلى الرغم من أنّ لا العولمة ولا التطرف ظواهر حديثة بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنّ هذا الانشغال بهما قفز إلى السطح بصفة استثنائية خلال العقود الثلاث الأخيرة. وما فتئ ينمو ويتصاعد مع تسارع وتيرة التحولات العميقة التي عرفها العالم منذ نهاية القرن الماضي، وفي مقدمتها تفكك الاتحاد السوفياتي، ثم اتساع رقعة حروب القوميات الصاعدة في أوروبا وأفريقيا، وآسيا، واستكمال بناء البيت الأوروبي الموحد ومحاصرة روسيا على أبوابها، إضافة إلى ترسيخ الصين مكانتها قوة اقتصادية وعسكرية عالمية، فضلً عن ظهور عدد من الدول الصاعدة بقوتها الاقتصادية وأهميتها الاستراتيجية على الساحة الدولية مثل الهند، والبرازيل، والأرجنتين، وكرويا الجنوبية، وأفريقيا الجنوبية... إلخ. كانت هذه الحوادث جميعها جزءًا من صيرورة تحوّل عام لم تخل من حروب أهلية، ونزاعات إقليمية، بل إنّ بعضها اتخذ طابعًا عالميًا، ولو بصفة غير معلنة، بسبب التحالفات التي تشكّلت حولها مثل حرب البلقان، وحرب أفغانستان، وحرب احتلال العراق، ثمّ ما تلاها في السنوات الأخيرة من انتفاضات أو ثورات في العالم العربي، وما تبعها من تفكيك لبعض الدول الوطنية القائمة، وتفتيتها بواسطة حروب أهلية وطائفية. في هذا الإطار، تقدّم التحولات التي آلت إليها انتفاضات ما عُرف "بالربيع العربي" الذي تحول إلى شتاء مظلم نموذجًا مثاليًا للعلاقة الملتبسة بين العولمة والتطرف. ويرجع هذا الأمر إلى التحالفات غير الطبيعية بين قوى داخلية وأخرى خارجية، وتدخلات القوى العالمية الكبرى التي حوّلت العالم العربي إلى حلبة صراع استراتيجي من أجل التوسع والاحتفاظ بامتيازاتها. لقد غذت استراتيجيات هذه القوى الصراعات، وأججت النزاعات، بل أكثر من ذلك وظفتها عن طريق اختراق صفوف القوى الداخلية المتصارعة، ودعمها في حروبها الطائفية الانتحارية. هكذا تلتقي العولمة بالتطرف في علاقة ملتبسة، من خلال السيطرة والهيمنة الأجنبية المباشرة أحيانًا (اقتصادية وعسكرية)، وغير المباشرة أحيانًا أخرى (سياسية، وثقافية)، أو بواسطة تغذية الحروب الطائفية والأهلية، والنزاعات الإقليمية، حروب بالوكالة تقوم بها القوى الكبرى حفاظًا على مصالحها الاستراتيجية كما يحدث الآن في سورية وليبيا واليمن. وفي حال فشلت الأدوات السابقة، تلجأ هذه القوى العظمى المسيطرة بذريعة مكافحة التطرف والإرهاب إلى شن حروب توسعية إمبريالية جديدة كما حدث في أفغانستان، وفي العراق. وهي في كل هذا تؤدّي أدوارًا متعددة ومتناقضة أحيانًا كثيرة، إذ تشكّل قوى متطرفة وتدعمها، أو تشجع ما هو موجود منها بحسب ما يخدم مصالحها الاستراتيجية. أو تحارب وتصفي أعداء متطرفين، كانوا بالأمس القريب حلفاء من صنائعها، عندما ينتهي دورهم في خطتها الاستراتيجية. تمثّل هذه العلاقة الشائكة والملتبسة بين العولمة والتطرف موضوعَ هذه الورقة التي تحاول توصيف تلك العلاقة وتحليلها، وتوضيح الظروف المحيطة بتكوينها والعوامل المساعدة على ظهورها واستمرارها.

العولمة: المفهوم والدلالات

كثر، منذ فترة، حديث العديد من الباحثين عن فكرة العالم الكوني أو النزعة نحو العولمة، لكن لا يبدو أنّ هناك اتفاقًا على تحديد دقيق وواضح لما هو مقصود. ذلك ما يجعل العولمة مفهومًا واسع الانتشار، يلفّه كثير من الغموض واللبس. فالباحثون عادة ما يركزون على عناصر مختلفة عندما يعرّفون العولمة. فهي تكثيف العلاقات الاجتماعية ذات الطبيعة الكونية التي تربط مجتمعات متباعدة بصفة تجعل الوقائع المحلية تتحدد بحوادث تبعد عنها مئات بل آلاف الأميال، والعكس صحيح1، وهي عبارة عن اندماج الاقتصاد العالمي2، أو ربما هي تفكيك الحدود، أو نمو العلاقات المتجاوزة للحدود بين الشعوب3، أو لعلها كما يقول آخرون عملية تركيز أو ضغط الزمان والمكان4. ومع ذلك، نلاحظ شبه اتفاق على فكرة مفادها أنّ مصطلح العولمة يعني صيرورة التحول نحو العالمية على مستوى النطاق أو التطبيق،

  1. Anthony Giddens, The Consequences of Modernity. (Stanford: Stanford University Press, 1990), p. 21.
  2. Robert Gilpin, Global Political Economy: Understanding the International Economic Order (Princeton: Princeton University Press, 2001), p. 364.
  3. Jan Aart Scholte, Globalization: A Critical Introduction (Basingstoke: MacMillan, 2000), p. 46.
  4. Harvey David, The Condition of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change (Cambridge: Blackwell, 1989), pp. 265 - 266.

والترابط المتزايد بين الدول. لكنّ ذلك يبقى تعبيرًا عامًا وغير دقيق لمفهوم العولمة. وهو ما يؤكده يان آرت شولت الذي يرى العولمة موضوعًا مثيرًا للجدل، ومحل خلاف، ليس بسبب غياب تعريف دقيق فحسب، بل أيضًا بسبب تباين الحجج وأساليب القياس، إضافة إلى إشكالية التحديد الزمني والتفسير المقدم لها، وتعارض الأحكام المعيارية في شأنها. يورد شولت خمسة تعريفات متباينة لكلمة "العولمة" بحسب المهتمين والمعلقين والنقاد، ويبدو أنّ هذه التعريفات تركز على محاور رئيسة، أو سمات أساسية في العولمة هي: التدويل، والتحرير (الخصخصة)، والتعميم (العالمية)، والتحديث (،.Deterritorialization 5(التغريب)، وهدم الحدود

يرتبط اختيار تعريف العولمة كذلك باختيار منحى معين لتفسيرها، وطبيعة المعاني التي يراد تبليغها. فعلى سبيل المثال، عند اختيار فكرة التحديث على الطريقة الغربية (التغريب)، فإنّ ذلك يعطي العولمة معنى أنّ الغرب القوي اقتصاديًا وسياسيًا يقوم بتحديث بقية العالم من حوله. بينما تعبّ فكرة "التعميم" أو العالمية" عن موقف يتسم بحيادية أكبر، بسبب اشتقاق جذورها من فعل تحويل الظاهرة نحو الكونية globalise، والتي تفيد أيضًا تعميمها، أي.universalise 6جعلها عالمية على الرغم من ذلك، فإنّ كثيرين يعتقدون أنّ مجموعة صغيرة فقط من البلدان في طريقها لأن تصبح معولمة، بينما الغالبية العظمى تقف على هامش هذه الصيرورة. فالحربان العالميتان الأولى والثانية عُدّتا عالميتين مع أنهما لم تعنيا سوى مجموعة محدودة من البلدان الأوروبية بالأساس. كما يقدم عالم الرياضة مثالً آخر، وهو كأس العالم لكرة القدم، إذ يلاحظ التمثيل المفرط للبلدان الأوروبية، ومع ذلك تسمّى عالمية. وفي الاقتصاد مثلما في التكنولوجيات الحديثة تتركز العولمة في مجموعة صغيرة من البلدان الغنية الموجودة بالأساس في أميركا وأوروبا (هناك مجموعة من الأندية الممثلة للبلدان الغنية مثل؛ نادي باريس، ونادي لندن، ومجموعة السبعة إلخ.)... تقدّم الأدبيات المعنية بالعولمة ثلاثة تصورات كبرى عن هذه الظاهرة هي: التصور الأول يرى العولمة عملية تعزيز المبادلات التجارية الدولية، ورؤوس الأموال، والتكنولوجيا، والقوى العاملة وتوسيع تدفقها. التصور الثاني يشير إلى التغيرات المؤسسية التي تحدث في المجتمع، بسبب ارتفاع تلك المبادلات ونمو الشركات عبر الوطنية. ويجري التركيز هنا على إضعاف الوظيفة الرقابية للدولة الوطنية، بل يوجد تصور متطرف يتوقع زوال الدولة في بعدها الاقتصادي، بينما يتوقع تصور آخر معتدل فقدان الدولة جزءًا مهمًّ من سيادتها في المجال الاقتصادي. التصور الثالث يشير إلى نمو نزعة التجانس في عدد من العمليات والسلوكيات، مثل اعتماد معايير عالمية في مجال إنتاج السلع. لكنّ الفكرة الأساسية في هذا التصور تخص تشابه الطلب على السلع والخدمات، وتجانس التنظيم، والتكنولوجيا، والسلع. تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تبني توجه ليبرالي جديد، وفرض قوانين السوق على البنى والهياكل الاقتصادية القديمة. ذلك ما يضفي مزيدًا من التجانس في المنطلقات العقائدية وآليات التنظيم والسياسات المتبعة7. لعل ما يميز هذه التصورات الثلاث على اختلافها هو تركيزها شبه المطلق على البعد الاقتصادي في تحديد العولمة، وضعف الاهتمام بالأبعاد الأخرى السياسية والثقافية والتكنولوجية. وهذه نزعة سائدة بقوة في كثير من الأعمال حول العولمة، وقد كانت محل انتقاد المتخصصين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بالخصوص8. في هذا الصدد، يرى أنطوني غيدنز أنّ النقاش حول العولمة يتوزع بين فريقين أحدهما راديكالي والآخر مشكك. إذ يرى

  1. Scholte, p. 13.
  2. Ibid.
  3. Andrés Musacchio, “The Concept of Globalisation”, in Alfredo Canavero & Silvia Pizzetti & Lucio Valent (eds.), Globalisation, Regionalisation and the History of International Relations (Milan, 2000), pp. 223 - 224.
  4. Anthony Giddens, Runaway World: How Globalization is Reshaping Our Lives (London: Profile Books, 2002), p. 8.

المشككون "أن الحديث عن العولمة مجرد كلام"، أو هو وهم يُروِّج له أنصار الاقتصاد الليبرالي لدفع الدولة إلى التراجع عن التزاماتها نحو المجتمع، وتعزيز النزعة الليبرالية المتطرفة. في المقابل، يؤكد الراديكاليون الوجود الفعلي للعولمة، ويشيرون إلى آثارها التي تملأ الكون من حولنا9.

كما ينتقد غيدنز النظرة السائدة حول العولمة التي تختزلها في مجرد نظام اقتصادي، مؤكدًا أنها تتجاوز ذلك لتشكّل منظومة سياسية وتكنولوجية وثقافية أيضًا10. لقد غيرت ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وجه العالم، وقضت على عدد هائل من العراقيل والمشكلات والصعوبات. إذ بفضلها صار النقل والاتصال أسرع وأقل ثمنًا. كما أضحى تنقل ملايين البشر، والسلع، والمعلومات بين أطراف متباعدة في المعمورة يتمّ في زمن قياسي. فالأنترنت مثلً، تساعد اليوم على الاتصال المباشر بالصوت والصورة عبر مسافات طويلة، وتنقل المعلومات حول العالم في ثوانٍ معدودات، ما أدى إلى تغير مفاهيم الزمن والفضاء والمسافة، إذ ارتبط تقليص الوقت بتقليص المسافة، وانحسار الفضاء وسقوط الحدود11. إضافة إلى الخلاف حول حقيقة وجود العولمة، تختلف الآراء، وتتعارض المواقف، ويحتد النقاش في شأن الفترة التي ظهرت فيها. في هذا الصدد، تقدم لنا الأدبيات ثلاث وجهات نظر متباينة. يعب عن الموقف الأول أندريه غندر فرانك Frank G. A. الذي يرى أن العولمة سيرورة تاريخية مستمرة على مدى آلاف السنين؛ ما يعني أن التحولات الحديثة التي شهدها العلم ليست هي العولمة، بل إحدى تجلياتها، ممثلة في عملية التغريب. في حين يشدد إيمانويل ولرستاين Wallerstein I. على انتصار النظام الرأسمالي، وكون العولمة تتويجًا لذلك الانتصار الذي رسّخ النظام الرأسمالي الحديث ومنظومته القيمية. وفي المقابل، يعتقد غيدنز أنّ أصحاب هذين الموقفين لم يستوعبوا جيّدًا طبيعة العولمة وتأثيراتها في المجتمعات. إذ غالبًا ما يتمّ الاكتفاء بالنظر إليها من زاوية اقتصادية صرف، على نحو ما تقدم. وهو تصور غير موفق في رأي غيدنز الذي يرى العولمة ظاهرة معاصرة برزت بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها ذات بعدين في الوقت ذاته؛ بعد قديم يتمثّل بتكوين النظام الرأسمالي وتطوره، وبعد حديث يجسده تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة12. لكنّ القول بأنّ العولمة هي إحدى مراحل تطور النظام الرأسمالي العالمي ينطوي على تحيز واضح؛ إذ يعطي للعولمة معنى محددًا بصفتها ثمرة نظام ارتبط وجوده في المخيال الشعبي، وفي الذاكرة الجمعية لسكان البلاد غير الرأسمالية، بالاستغلال والقمع والتخلف. كما يجعلها حاليًا في مصلحة منطقة محددة، أو مجموعة معيّنة من البلدان والمجتمعات، هي المجتمعات الغربية المتقدمة موطن ذلك النظام ذاته. هذا التحيّز يقدم لنا مؤشّ ا أساسيًّا لفهم الشعور السائد في البلاد الأخرى الخاضعة لسيطرة النظام الرأسمالي العالمي، وبخاصة العالم الإسلامي، حيث يسود الشعور بالظلم والتهميش وربما الإذلال. لعل هذا ما يساعد على فهم سيرورة جدلية العولمة والتطرف وتفسيرها. بمعنى كيف أن الحركات الاجتماعية الراديكالية عامة، سواء كانت في المركز أو في تخوم النظام الرأسمالي العالمي، والحركات الدينية المتطرفة بخاصة ومنها الحركات الإسلامية الجهادية، هي نتاج العولمة وخصمها اللدود في الوقت ذاته.

التطرف: الجذور والدلالات

ينحدر لفظ التطرف، لغويًا أو معجميًا، من الفعل "طَرف" و "تطرف" وله دلالات عدة بحسب السياقات التي يرد فيها. من تلك الدلالات؛ التنحي إلى جانب معيّ، أو أخذ موقع على أطراف فضاء محدد، كما يعني نزول الشمس إلى جهة الغروب، أو استحسان الحديث وعدّه "طريفًا"، أي لطيفًا وشائقًا. لكنّ ما يعنينا هنا هو المعنى الأول، أي تجاوز موقع الوسط، أو الاعتدال. وبذلك فالمتطرف هو من يميل إلى أحد الطرفين على خط افتراضي متواصل13.

  1. Giddens, The consequences , p. 8.
  2. Ibid.
  3. Jake Gordon, “Is Globalisation a Myth or a Fact?”, 2001, pp. 1-2, accessed on 15/6/2016, at: http://jakeg.co.uk/essays/globalisation
  4. Giddens, Runaway World.
  5. عدنان عويد، "قراءة منهجية في التطرف"، موقع حراك، 2014/4/25، شوهد في 2015/6/11، في: http://bit.ly/28Vbnlv.

أمّا اصطلاحًا فالتطرف يعني الابتعاد عن الاعتدال أو تجاوز الحدود المعقولة، والغلو في التمسك بالأفكار، أو المواقف السياسة، أو الدينية، أو المذهبية14. يُعرّف التطرف بأنه عبارة عن "أيديولوجيا" (بخاصة في الفكر، والسياسة، والدين) تتموقع بعيدًا عن الاتجاهات الرئيسة السائدة في المجتمع، أو تتعارض مع المعايير الأخلاقية المشتركة بين غالبية الناس. ويمكن أن يأخذ التطرف أشكالً عدة سياسية ودينية واقتصادية... إلخ.

يسود الاعتقاد أنّ التطرف الفكري هو مصدر كل أنواع التطرف الأخرى، وهو ظاهرة إنسانية كونية لا يخلو منها مجتمع. لكن التطرف يبدو أكثر انتشارًا في مجتمعات تتسم بالانغلاق الثقافي، أو تشعر بتهديدات تمس هويتها وكينونتها، فتسعى للحفاظ عليها برفض التعدد والتنوع والتجديد، من خلال التضييق على حرية التفكير والإبداع. وقد تجسد التطرف عبر مراحل طويلة من تطور المجتمعات البشرية من خلال الانغلاق الثقافي، والتعصب الفكري، والتزمت الديني. كما ارتبط بممارسة العنف والاضطهاد ضد المخالفين للتيار العام السائد في المجتمع خلال مراحل زمنية محددة، وصولً إلى حد التصفية الجسدية. ويزخر تاريخ المجتمعات غربًا وشرقًا بأمثلة عديدة على ذلك15. عادة ما تجري في شأن هذا الموضوع المقابلة بين المتطرفين والمعتدلين، وقد ظهرت مثل هذه التوصيفات في المناقشات التي دارت في الغرب حول الإسلام والحركات الإسلامية، إذ شاع التمييز بين المسلمين المعتدلين والمتطرفين. وتجدر الإشارة هنا إلى تقاطع هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى عديدة مستعملة في الحقل السياسي، مثل الراديكالية، والأصولية، والتعصب. كما يستعمل اللفظ لتوصيف مواقف الحركات السياسية وأفكارها سواء كانت على جهة اليسار أو اليمين من طيف المعتقد السياسي. لا بد من الإشارة إلى أنّ لفظ التطرف غالبًا ما يتضمن حمولة دلالية سلبية، أو يُستخدم بقصد الانتقاص من قيمة المعني به سواء أكان موقفًا، فكرة، أم فاعلً، فردًا أم جماعة. غير أنه يمكن توظيف اللفظ أيضًا بصيغة حيادية لتوصيف موقف، أو وجهة نظر غير متطابقة مع المعايير السائدة من دون تضمينه بالضرورة حمولة قيمية سلبية تجعله خطرًا على المجتمع، أو الدولة، أو المعايير العامة السائدة. هذا مع أن الأدبيات تتضمن عددًا من تعريفات التطرف، مثل التعريف القائل: "اتخاذ الفرد موقفًا متشددًا يتسم بالقطيعة في استجابته للمواقف الاجتماعية التي تهمه، والموجودة في بيئته التي يعيش فيها هنا والآن؛ وقد يكون التطرف إيجابيًا في القبول التام، أو سلبيًا في اتجاه الرفض التام، ويقع حد الاعتدال في منتصف المسافة بينهما"16. يشير هذا التعريف إلى حالة القطيعة مع ما هو شائع، والخروج عن المألوف من الأفكار والممارسات والقيم والمعايير التي تؤطر تلك الممارسات، في مقابل تبني أفكار وممارسات تخضع لقيم ومعايير مغايرة تمامًا. كما يلاحظ أنّ التطرف قد يأخذ صورة الانسحاب والعزلة ورفض التعامل مع الواقع كما هو، وقد يكون عكس ذلك تمامًا؛ أي التزام الدفاع عن تلك المعتقدات والقيم إلى درجة استعمال العنف بكل أنواعه، وبأقصى درجاته من أجل تجسيدها في الواقع. وهو ما يعني أنّ العلاقة بين التطرف على مستوى الفكر ونتائجه العملية ليست مباشرة ولا حتمية، بل تخضع لتأثير عوامل وسيطة عديدة. من هذه العوامل ما يتعلق بالقيم التي تشبّع بها الفاعل ذاته في تنشئته، سواء أكان فردًا أم جماعة، ومنها يتعلق بالظروف الموضوعية المحددة للموقف أو السياق العام الذي يوجد فيه الفاعل، بما في ذلك مدى توافر فرص التعامل مع الواقع وتغييره من عدمها. الأمر الذي يعني أنّ التطرف لا يتعلق فقط بالفاعل، بل أيضًا بالموقف ذاته، وبالجهة المقابلة التي يتعامل معها وطريقة تعاملها مع الموضوع محل الخصومة أو النزاع أو عدم التوافق. وهو ما يعني باختصار مدى توافر فرص حقيقية للتوافق والاتفاق بين الفرقاء17.

  1. معجم المعاني الجامع معنى لفظ "التطرف"، موقع، شوهد في 2015/04/21، في: http://bit.ly/29eNh73 موقع السكينة، شوهد؛ في 2015/04/21 في،:.http://www.assakina.com/book/27192.html
  2. موقف الكنسية من مفكري عصر النهضة وعصر التنوير مثل محاكمة غاليلي غاليلو، وفولتير وجان جاك روسو...إلخ. ومحاكم التفتيش والاضطهاد والتصفية التي طالت الفلاسفة العقلانيين المسلمين مثل ابن سينا، وابن طفيل، وابن الهيثم، والحلاج، وابن عربي، وابن المقفع، وابن رشد، وحديثًا ومحمد عبده، وطه حسين، وحسين مروة، وفرج فودة، ونصر حامد أبوزيد، ومحمد أركون... والقائمة طويلة من المفكرين والمبدعين والفنانين. يكفينا مثل هنا التذكير بالتصفيات الجسدية التي طالت المثقفين في الجزائر، على اختلاف تخصصاتهم،
  3. محمد ياسر الخواجة، "التطرف الديني ومظاهره الفكرية والسلوكية"، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 3، شوهد في 2016/6/28، في: http://ow.ly/HR41w 17 انظر التفاصيل والتحليل المستفيض حول هذه القضايا في مقال عزمي بشارة، "في ما سياسات عربية، العدد يسمى التطرف"، مجلة 14 (أيار/ مايو 2015)، ص 5 - .18
  4. خلال العشرية السوداء 2000-1990()، إذ قامت الجماعات الإرهابية المنتمية إلى الحركة الإسلامية بإزهاق أرواح المئات منهم.

يوجد تعريف عام لمفهوم التطرف نعتقد أنه يقدم فكرة واضحة، وهو الذي قدمه كل من بيتر ت. كولمن Coleman T. Peter وأندريا بارتولي Andrea Bartoli: "التطرف ظاهرة معقدة، مع أنّ تعقيدها قد يكون صعب الإدراك أحيانًا. يمكن ببساطة كبيرة تعريفه بصفته نشاطًا (معتقدات، واتجاهات، ومشاعر، وأفعال، واستراتيجيات) ذا طبيعة مخالفة جدًّا للمألوف. ويتمظهر في سياقات الصراع في حال الاشتراك في صراع حاد. لكن وصف النشاط والناس والجماعات بلفظ "التطرف"، وكذلك تحديد ما هو "عادي" في أي سياق، يُعدّ دومًا بمنزلة مسألة ذاتية وسياسية. لهذا ينبغي الحرص عند مناقشة التطرف على توضيح مسائل محددة"18. من المسائل التي ينبغي الانتباه إليها نسبية اللفظ، ذلك أنّ ما يُعد لدى جهة عادلً وأخلاقيًا، قد تراه جهة أخرى غير عادل ولا أخلاقي19. يتحدد ذلك طبعًا بعدد من العوامل منها؛ قيم الملاحظ، وموقفه السياسي والأخلاقي، فضلً عن مجال العلاقة مع الفاعل وطبيعتها، سواء كان الفاعل فردًا أو جماعة. أضف إلى ذلك أنّ المعنى الأخلاقي الذي يمنحه شخص لفعل معيّ يُعدّ متطرفًا من زاوية نظر الآخر (مثل العمل الثوري ضد سلطة الاحتلال)، ليس بالضرورة كذلك من وجهة نظر الفاعل ذاته. ويكون تصور الآخر عرضة للتغير بحسب تغير الظروف (تغير القيادة، وتغير الرأي العام، وحدوث أزمات، وفرص تسوية النزاع... إلخ.) وهذا يعني أن السياقات التاريخية للأفعال ماضيًا، وحاضرًا، ومستقبلً، لها دور حاسم في تحديد معنى التطرف والمتطرف. كما تجدر الإشارة إلى أهمية الاختلافات في موازين القوة عند تحديد التطرف في حالات الصراع؛ إذ غالبًا ما يُنظر إلى أفعال الجماعة "الطرفية" أو الهامشية الأقل قوة على أنها أكثر تطرفًا من أفعال صادرة عن جماعة "محورية" تدافع عن الوضع القائم. أضف إلى ذلك أنه غالبًا ما توصف الأفعال بالتطرف عندما تكون صادرة من الهامش؛ سواء كان أفرادًا أو جماعات يعتقدون أنّ فرص المشاركة في الصراع غير مضمونة، أو منحازة لمصلحة الجهة الأخرى الموسومة عادة بالخصم أو العدو20. قد تلجأ الجماعات المتطرفة إلى العنف، مع أنّها تتباين في تفضيلها الأساليب العنيفة أو غير العنيفة، وتختلف في درجة العنف المستخدم والأهداف المفضلة لأفعالها العنيفة (بدءًا بالبنية التحتية، وصولً إلى قوات الأمن، أو المدنيين، أو الأطفال...إلخ.) عادة ما تكون الجماعات المتطرفة الأقل قوة أميل إلى استخدام أنواع من العنف المباشر وغير المنتظم (مثل العمليات الانتحارية)، بينما تميل الجماعات المسيطرة إلى أنواع العنف الهيكلي أو المؤسساتي21. وأفضل مثال على ذلك استخدام التعذيب في الخفاء، أو التشجيع غير الرسمي للممارسات البوليسية الوحشية، أو حتى العنف الصريح الذي يصل حد الحرب المفتوحة، إذا تعلق الأمر بكيانات كبرى تفرض سيطرتها على كيانات تطمح إلى الاستقلال أو تقرير المصير... إلخ (مثل الاستعمار، والاحتلال، والغزو.) تعدّ النزعة الانغلاقية، المتعصبة والمتحجرة المميزة للكيانات المتطرفة، بمنزلة المشكلة الجوهرية في سلوك المتطرفين، ولعلها أكثر خطرًا من النشاط المتطرف ذاته الذي تمارسه في حالات الصراع المستمر (بما في ذلك التمرد، والاضطرابات، والعنف بأنماطه جميعها.) لأنّ تلك الاتجاهات عصية على التغيير دونما تغير في الظروف الموضوعية التي أنتجتها في المحل الأول، وهي عديدة ومتنوعة مثل؛ الظلم، والتعسف، والإقصاء، والتهميش، والحرمان، وهدم الأبنية الاجتماعية الحاضنة بما فيها الجماعات الأولية التي توفر الطمأنينة والدفء، والشعور بالانتماء الاجتماعي، وتأكيد الهوية22. لا شك في أنّ التطرف والمتطرفين من الألفاظ التي توظف دومًا لتوصيف الآخر، بمعنى أنها يطلقها غير المعنيين بها، ولا يطلقها أفراد الجماعة عليها. إذ يفضّ ل هؤلاء استعمال لفظة راديكاليين مثلً، بدل من تسمية أنفسهم متطرفين. فلا يوجد على الساحة السياسية حزب سياسي يسمّي نفسه "الحزب اليميني المتطرف" أو "الحزب اليساري المتطرف"، كما لا توجد طائفة دينية تسمّي نفسها "متطرفة" أو تصف عقيدتها "بالتطرف."

التطرف والراديكالية

ما العلاقة بين التطرف والراديكالية؟ اشتقت كلمة "راديكالي" من الأصل اللاتيني Radix()وتعني الجذر، ومن ثمّ فمقابل كلمة راديكالية في العربية هي الجذرية. وقد وُظفت

  1. انظر: Peter Thomas Coleman & Andrea Bartoli, Addressing Extremism (New York: The International Center for Cooperation and Conflict Resolution, Teachers College, Colombia University, n.d), pp. 3 - 4.
  2. هذه النسبية في الحكم الأخلاقي هي ما يمنع لفظ التطرف، بحسب عزمي بشارة، من أن يرقى إلى مرتبة المفهوم، بل وحتى مرتبة المصطلح. لذلك يرى أنه من الضروري توفير قاعدة أخلاقية تضمن الحد الأدنى من الاتفاق حول ما يُعدّ وما لا يُعدّ "تطرفًا"، حتى يمكن رفع اللفظ إلى مرتبة المفهوم. انظر: بشارة، ص 5 –.18
  3. Coleman & Bartoli, pp. 3 - 4..انظر كذلك: بشارة
  4. من أمثلة العنف الهيكلي أو المؤسساتي الحروب التي تشنها دول قوية ضد دول ضعيفة، أو ضد حركات تحررية، أو جماعات انفصالية أو مناوئة، لكن هذا عادة ما لا يصنف تحت مسمى التطرف، ومع ذلك يستخدم ضحايا هذا العنف المؤسساتي لفظ إرهاب الدولة أو الإرهاب المنظم للإشارة إلى هذه الحالات مثل حروب إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، أو حرب أميركا على أفغانستان والعراق... إلخ. انظر: بشارة، ص 7 - .8
  5. Coleman & Bartoli, pp. 3-4;.وانظر أيضًا: بشارة، ص 13 - 15

الصفة "راديكالي"، والاسم "راديكالية" في الحقل السياسي لوصف أفعال الأفراد، والجماعات، وبالذات ممارسات الأحزاب السياسية التي تقر بالحاجة إلى التغيير الجذري للأوضاع، أو التغيير الشامل والكلي الذي يطال عمق المجتمع23. وقد ظهرت اللفظة في بريطانيا في القرن الثامن عشر، إذ استعملت لتوصيف حركة سياسية مناصرة "الإصلاح الجذري" للنظام الانتخابي من أجل توسيعه للأفراد الذكور من البرجوازية الصاعدة. بل إنّ الأمر تجاوز ذلك؛ إذ تبنّى بعض الراديكاليين "الفكر الجمهوري" ودعوا إلى إحلاله محل الملَكية، وإلغاء نظام الألقاب المعتمد من الأرستقراطية البريطانية حينئذ24، وإعادة توزيع الثروة، وتحرير الصحافة. ظهرت الحركة الراديكالية نفسها فيما بعد في فرنسا في القرن التاسع عشر مجسدة في الحزب الجمهوري الراديكالي، أو الراديكالي الاشتراكي الذي وصف نفسه بحزب أقصى اليسار، المدافع عن النظام الجمهوري في معارضة واضحة لأحزاب أقصى اليمين المناصرة للملَكية والبُونبارتية في القرن التاسع عشر. هذا الحزب الذي صار فيما بعد أقوى تشكيلة سياسية خلال الجمهورية الثالثة في فرنسا 1871-()194025، لكن مع تطور الرأسمالية، وترسيخ الأيديولوجيا الليبرالية انصهرت الأحزاب الراديكالية ضمن الحركة السياسية الليبرالية عمومًا. بذلك أضحى لفظ الراديكالية يشير إلى الأيديولوجيا الليبرالية التقدمية التي تشكّل التيار الرئيس السائد على الساحة السياسية. إضافة إلى ذلك هناك الأحزاب السياسية على أقصى اليسار، مثل الأحزاب ذات النزعة التروتسكية والماوية، والأحزاب السياسية على أقصى اليمين؛ ممثلة بالأحزاب القومية والوطنية ذات النزعة العنصرية المعتزة بصفائها العرقي، والمعادية للأجانب (بما فيها الحركات النازية والفاشية)، الداعية للانكفاء على الذات وإعطاء الأسبقية للوطن على ما سواه من كيانات إقليمية26. تجدر الملاحظة أنّ هناك اختلافًا دلاليًا واضحًا بين لفظي" التطرف" و"الراديكالية" أو "الجذرية"، لأنّ اللفظ الثاني يعني البحث عن جذور المشكلة أو الظاهرة، ومن ثمّ فهو لا يرتبط بالضرورة بظاهرة التطرف فكرًا أو ممارسة. بمعنى أنه لا ينفي الآخر، ولا يقطع علاقته بالواقع الذي يسعى إلى تغييره، ولا يميل بالضرورة إلى استخدام العنف وسيلة لبلوغ ذلك. فالساحة السياسية الأوروبية اليوم تتضمن أحزابًا وجمعيات عديدة يمكن وصفها بالراديكالية، تقع يسارًا ويمينًا على ما يسمى بالوسط المعتدل، التيار السياسي الرئيس أو السائد الذي تلتف حوله غالبية المجتمع، أو على الأسلم النشطين منه سياسيًا واجتماعيًا. ومع ذلك يستخدم لفظ "متطرف" لوصف أفراد أو جماعات تتبنى مواقف راديكالية، أو جذرية. كما يلاحظ أنّ لفظة الراديكالية ليس لها حمولة دلالية سلبية مثل التطرف، (عدا الولايات المتحدة الأميركية.) لعل ذلك يفسر استخدام الأفراد أو الجماعات لفظ راديكالي لوصف أنفسهم أو العقيدة التي يحملونها من دون حرج، خلافًا للفظ التطرف الذي لا يستخدمه عادة المعنيون لوصف أنفسهم "نحن"، بل يستخدم عادة لوصف الآخر "هم"27.

غالبًا ما يستعمل لفظ التطرف لوصف الذين يمارسون أعمال العنف ضد إرادة المجتمع ومصالحه، وأحيانًا أولئك الذين يدافعون عنه. إذ يستخدم اللفظ أيضًا عند مناصرة اللجوء إلى العنف لفرض إرادة المجتمع ممثلً بالحكومة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية. وعادة ما يرفض الذين يوصفون بالتطرف استخدام هذا اللفظ ضدهم، ويفضلون وصف ما يمارسونه سواء بالمقاومة، أو النضال، أو استخدام القوة. ذلك أنّ لفظ العنف ليس محايدًا أو خاليًا من الحمولة القيمية، لذلك تحاول جميع الأطراف تفاديه. إذ كثيرًا ما تتداخل الأيديولوجيا مع المنهجية عندما يتعلق الأمر بألفاظ مثل التطرف والعنف، وتصبح خطوط التمييز بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، وما هو حقيقة أو واقع، وما هو دعاية أو أنصاف حقائق، واهية وملتبسة جدًا. أمّا بالنسبة إلى حقل المعارف المنتجة حول هذه الظواهر، أي الأبحاث والدراسات التي تناولت التطرف، فيسود الاعتقاد لدى البعض بأن

  1. “ radicalism”, Merriam- Webster , accessed on 27/6/2016, at: http://www. merriam-webster.com/dictionary/radicalism; “radicalism”, vocabulary.com , accessed on 27/6/2016, at: www.vocabulary.com/dictionary/radicalism
  2. ولا يزال هذا النظام، الذي كان سائدًا في عهد الإقطاع، قائمًا إلى اليوم إذ توزع ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية في مناسبات وطنية معيّنة الألقاب وتعلق النياشين من قبيل "اللورد" و"الفارس" و"السير" و"الدوق" وغيرها من الألقاب؛ بعضها مخصص للأسرة المالكة، وبعضها لنخبة المجتمع من السياسيين والفنانين والمفكرين وحتى الرياضيين...إلخ الذين حققوا إنجازات، أو قاموا بأعمال مهمّة تستحق التنويه والتقدير.
  3. بشارة، ص 8 - .9
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.

هناك تيارات فلسفية يمكن وصفها بالتطرف، لكن هناك من يشكك في هذا. كما رفض باحثون عديدون في حقل السوسيولوجيا من منتقدي الجماعات اليمينية المتطرفة وصفهم بالتطرف من زملائهم المركزيين أو الوسطيين Centrists() في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. ويعلّق جيروم هيملشتاين Himmelstein Jerome على هذه القضية بقوله: "في أفضل الحالات لا يخبرنا هذا التوصيف للخصائص بمضمون محدد عن الأشخاص الذين يصفهم؛ أمّا في أسوأ الأحوال فيرسم صورة مزيفة"28، إذ عادة ما ينظر إلى عملية توصيف شخص ما، أو جماعة، أو فعل "بالتطرف" بأنه مناورة لتحقيق أهداف سياسية، بخاصة عندما تستعمله التيارات السياسية الرئيسة أو السائدة وكذلك الحكومات التي يهمها المحافظة على الوضع القائم. وفي جميع الأحوال، كما هو الحال مع لفظ العنف، لا يمكن أن نعد لفظ "التطرف" أو من يوصف به محايدًا، أو خاليًا من شحنة قيمية سلبية في الغالب.

تفسير التطرف: مقاربة جزئية

يزعم لايرد ويلكوكس Laird Wilcox أنه حدد قرابة إحدى وعشرين سمة من سمات "التطرف السياسي"، تمتد من السلوك المتمثل ب "اغتيال الشخصية"، بمعنى تحطيم صدقية شخص وسمعته أو جماعة، عن طريق الإشاعات، وصولً إلى الخصائص الشخصية العامة، مثل "الميل إلى النظر للخصوم والمنتقدين على أنهم شياطين بالأساس"، أو "الميل نحو استبدال الحجة بالترهيب"، "والميل إلى فرض هيمنة التفكير الجمعي"، باستبعاد الأفكار المخالفة والمغايرة29. كما قدم إريك هوفر وآرثر شلاسينغر Eric Hoffer & Arthur Jr Schlesinger,. وهما باحثان أميركيان في العلوم السياسية منتصف القرن العشرين، ما يعتقدان أنه توصيف للتطرف السياسي. لقد ألّف هوفر كتبًا حول الموضوع مثل "المؤمن الحقيقي" True(The 1951 Believer)، و"الحالة العقلية الملتهبة" Passionate(The 1956 Mind, of State)، وهي أعمال تتناول سيكولوجية الفاعلين الذين ينخرطون في الحركات الجماهيرية المتطرفة وسوسيولوجيتهم. أمّا شلاسينغر فألف كتابًا بعنوان "المركز الحيوي" Vital(The 1949 Center,)، يدافع فيه عما يراه الموقع المعتدل في السياسة. أي موقع الديمقراطية الليبرالية ضد خصومها على اليمين وعلى اليسار. موقع الخطاب السياسي السائد الذي يؤكد الحاجة المفترضة وهو لدى المجتمعات إلى رسم حدود دقيقة في شأن ما يقع خارج الموقع المعتدل الوسطي الذي يحظى بالاتفاق والمقبول30. ولا تخلو الثقافة العربية من الفكرة نفسها؛ إذ تسود مقولة الاعتدال لدى وصف موقع أهل الجماعة والسنة بين التيارات والمذاهب الإسلامية المختلفة في مقابل التيارات والمذاهب والطوائف المتعصبة أو المتشددة، مثل السلفية والوهابية يمينًا، أو الشيعة والخوارج يسارًا.

لكنّ، يرى سيمور ليبست Lipset Seymour أنه إلى جانب التطرف على اليسار واليمين، هناك تطرف الوسط الذي مثّل في الواقع القاعدة الاجتماعية للفاشية31. ويعتقد بعض الباحثين أنّ الانتماء إلى الجماعات المتطرفة مرتبط إلى حد كبير باستعدادات نفسية فردية تقوم على العدوانية، وقبول العنف ضد الآخرين المختلفين عن الفاعل الذين يصبحون بسبب ذلك هدفًا للعدوان. لقد بينت أبحاث عديدة جرت في بعض البلاد الإسلامية وجود معتقدات حول قابلية العدوان على اليهود، ومن ثمّ إمكانية التنبؤ بالأشخاص الذين لديهم استعداد للالتحاق بجماعات متطرفة معادية للسامية. كما سجلت الميول والاستعدادات نفسها لدى المتطرفين في التنظيمات اليمنية في أوروبا وأميركا بين الذين يرون العرب واليهود أهدافًا مشروعة لاعتداءاتهم32. ويبدو أنّ التباين الموجود بين الثقافات في

  1. Jerome Himmelstein, To the Right: The Transformation of American Conservatism (Berkeley: University of California Press, 1990), p. 7.
  2. John George & Laird Wilcox, Nazis, Communists, Klansmen, and Others on the Fringe: Political Extremism in America (Buffalo: Prometheus Books, 1992), p. 61.
  3. Charles A. H. Thomson, “The Vital Center by Arthur M. Schlesinger, Jr.; the Twilight of World Capitalism, William Z. Foster,” Indiana Law Journal , Vol. 26, Issue. 1, accessed on 27/6/2016, at: http://www.repository. law.indiana.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=3603&context=ilj
  4. Seymour Martin Lipset, The Political Man: the Social Bases of Politics (Garden City, New York: Anchor Books, 1960), p. 134; Gáspár Miklós Tamás, “On Post-Fascism”, Boston Review , 1/6/2000, accessed on 27/6/2016, at: http://bostonreview.net/world/g-m-tam%C3%A1s-post-fascism
  5. Naumana Amjad & Alex M. Wood , “Identifying and Changing the Normative Beliefs about Aggression Which Lead Young Muslim Adults to Join Extremist Anti-Semitic Groups in Pakistan,” Aggressive Behavior , vol. 35, no. 6 (Nov-Dec 2009), pp. 514 - 519.

شأن قابلية العدوانية على الآخرين المختلفين ثقافيًا، أو عرقيًا أو دينيًا يمكن أن يفسر سلوك التطرف تجاه بعض الجماعات. غير أنّ تلك المعتقدات يمكن تغييرها، وإن بصعوبة أحيانًا، من خلال عمليات التأهيل وإعادة التأهيل، من دون تجاهل ضرورة إحداث تغيرات بنوية في البيئات والظروف التي تظهر فيها، وهو ما يعطي أملً في إمكانية التعامل مع التطرف والقضاء عليه33. لا يمثّل التطرف سمة منفردة أو منعزلة؛ ذلك أنّ اتجاهات المتطرف وسلوكه يمكن تمثيلهما على شكل طيف يمتد من حالة الاهتمام المعتدل إلى حالة الهاجس، ثمّ حالة التعصب فالتطرف. والتشابه المزعوم بين اليسار المتطرف واليمين المتطرف، أو بين المتعصبين من الطوائف والأديان المختلفة، لا يعني في الحقيقة سوى أنهم جميعهم مرفوضون من الغالبية أو التيار العام السائد، من دون أن يلغي ذلك وجود خصوصيات تميز الحركات المتطرفة عن بعضها بالنظر إلى البيئات والظروف التي تنشأ وتنشط فيها، والعوامل التي تقف وراءها، والأهداف التي تضعها لنفسها. يقول رونالد وينتروب Ronald Wintrobe إنّ الحركات المتطرفة على الرغم من اختلافاتها الأيديولوجية، فإنّها تشترك في سمات أساسية عديدة. ويقارن بين حركة حماس الفلسطينية وحركات أصولية يهودية ليبرز السمات المشتركة التالية؛ معارضة فكرة الحل الوسط مع الطرف الخصم، والاعتقاد الراسخ في سلامة مواقف الحركة، وتأييد استخدام العنف، واستخدامه فعلً لتحقيق أهداف الحركة، والانتماء القومي المتعصب، وعدم التسامح مع الجماعات المنشقة داخل الحركة، والنزعة القوية نحو شيطنة الخصوم34.

1. مصادر التطرف

بحسب بعض الدراسات، لظاهرة التطرف مصادر عديدة ومتنوعة، وسأتناول، هنا، أهمها بشيء من الشرح:

أ - التطرف نتاج البيئة

تمثّل البيئة التي يوجد فيها الفاعلون قاعدة أساسية لتكوين الاتجاهات والمواقف والاستعدادات. انطلاقًا من هذه المسلّمة، فإن التطرف نتاج الظروف الصعبة التي يعيش فيها الأفراد بما في ذلك الفقر، والجهل، والحرمان من التعليم والخدمات الصحية والعمل... إلخ. إذ تمثّل تلك الظروف نفيًا للحاجات الإنسانية الأساسية؛ الحاجة للأمن، والكرامة، والهوية أو الانتماء، والمشاركة السياسية، فضلً عن الشعور بالتهميش والإذلال، والشعور المستمر باتساع الفجوة بين ما يستحقه الأفراد وما يحصلون عليه، وبخاصة سيادة الإحساس بانسداد القنوات المشروعة معياريًا، والمقبولة أخلاقيًا لإشباع الحاجات.

ب-التطرف يُبنى سياسيا

تتجسد هذه الفكرة في مستويين؛ يتمثل الأول بتوظيف السياسيين الظروف الصعبة السائدة بغية تحفيز التطرف لدى الفاعلين، من خلال تقديم مساعدات مالية لأسر المنخرطين، أو عدّهم شهداء يحصلون على أحسن الجزاء في الحياة الأخرى. أمّا الثاني، فيظهر في شرعنة نضال الحركة، بغية لفت الانتباه إليها، وتعزيز مكانتها وتأكيد قوتها. قد يحدث ذلك مثلً من خلال محاولة جماعتين مسيطرتين على الساحة تعملان على الحفاظ على موازين القوة ومقاومة أي تغيير للأوضاع. وتعمل على وصف أفعال باقي الجماعات المهمشة "بالتطرف"، وتخلق بذلك نبوءة تحقق ذاتها؛ بمعنى تشجيع السلوك المتطرف من تلك الجماعات الهامشية35.

ج- التطرف وليد الإحباط

تدفع تجارب الاضطهاد، وغياب الأمن، والإذلال، والتهميش، والاحتقار، الأفراد إلى تبني مواقف واتجاهات عدوانية لحل المشكلات التي يواجهونها. هكذا يلجأ المتطرفون إلى استراتيجيات مبنية على العنف والهدم؛ ليس لكونها مناسبة لتحقيق أهداف أخرى، بل لإحساسهم بأنها الأنسب، ولكونها جيّدة، وأنها فوق كل ذلك تثأر لهم. عندما يتلقى الفرد تشجيعًا من داخل الجماعة على فعله المتطرف بصفته ردًا ملائمًا على مشاعر الإحباط، فإنّ ذلك يشجعه على التمادي في سلوكه المتطرف، ويعزز اعتقاده بكونه على حق36.

د- التطرف استراتيجية عقلانية في لعبة القوة

في بيئات تتسم بالهرمية الشديدة، ونقص الموارد، واشتداد المنافسة من أجل إشباع الحاجات، يصير السلوك المتطرف استراتيجية لتحقيق القوة والحفاظ عليها، ما يعني أنّ التطرف ذو فاعلية؛ إذ يلفت الانتباه إلى قضية ما، أو يلحق الضرر بالخصوم، ويوحد الجماعة

  1. Ronald Wintrobe, Rational Extremism: The Political Economy of Radicalism (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), pp. 6 - 7.
  2. Ibid.
  3. Bernd Simon & Bert Klandermans, “Politicized Collective Identity,” American Psychologist , vol. 56, no. 4 (2001), pp. 319 - 331.
  4. Clark McCauley, “The Psychology of Group Identification and the Power of Ethnic Nationalism”, In Daniel Chirot & Martin E. P. Seligman (Eds.) Ethno-political Warfare: Causes, Consequences, and Possible Solutions (Washington, DC: American Psychological Association, 2001), p. 350.

ويقوي تماسكها الداخلي أمام عدو مشترك. إنها وجهة نظر شائعة وذات شعبية حول انتشار التطرف37.

ه - التطرف نتاج أيديولوجيات كارثية

غالبًا ما يرتبط التطرف بانتشار أيديولوجيات كارثية وآخروية تتنبأ بفناء العالم، ويكون التطرف أداة مثلى للتعبير عنها. وعادة ما تندرج الممارسات والأفعال المتطرفة ضمن أنساق أسطورية قيمية وفكرية عامة. تركز مثل هذه الأيديولوجيات على النهاية المأساوية والمحتومة لقوى الشر (الجماعات الأخرى)، وانتصار الحق (الجماعة المعنية)، وهي بذلك تؤكد أنّ هدم الآخر ضرورة، وذو أهمية. تعتمد هذه الأنساق الفكرية على ثنائيات مثل: الخير والشر، والنظرة الدنيوية والأخروية، والحاجة إلى تطهير الذات، والإجازة الإلهية للعنف المروع، وتوصيف الاستشهاد بمنزلة فعل تطهيري للذات وتحقيق العدالة. وغالبًا ما يتم تنشئة الشباب على هذه العقائد في الأسر، والأقران، والجماعات المحلية، ووسائل الإعلام، والسياسيين، والنظم التعليمية (مثل مدارس الجماعات الإسلامية في باكستان، أو الطوائف المسيحية المغلقة في أميركا وأوروبا)38.

و- التطرف ظاهرة مرضية

ينظر إلى التطرف كونه مرضًا وطريقة في الحياة، عندما يلجأ الأفراد إلى العنف لتوفير الشعور بالحيوية. ويقول غروين إنّ غياب الهوية المرتبط بالتطرف ناتج من هدم الذات بسبب سيطرة شعور بكراهيتها، وهو ما يؤدي بدوره إلى سيطرة مشاعر الثأر من الحياة نفسها على الفرد، وشعوره بأنه تحت الإكراه لاغتيال إنسانيته39. في هذه الحالة، لا ينظر إلى التطرف كونه تكتيكًا، أو أيديولوجيا، بل مرضًا يتغذى على هدم الحياة. يثير هذا الملخص السريع لزوايا النظر المختلفة إلى مصادر التطرف عدة تساؤلات: هل نحن أمام ظواهر مختلفة كلّية بعضها عن بعض، بحيث لا يمكن تصنيفها تحت مسمى واحد هو "التطرف"؟ أم أن هذه عوامل أو عناصر ضمن صيرورة عامة وشاملة تشتغل بطرق متعددة، وتؤدي في النهاية إلى فعل أو سلوك متطرف؟ أمّ لعلها جوانب من صيرورة نمو تبدأ ببعض الظروف والأيديولوجيات التي تشكلها ديناميات تكتيكية وسياسية وعاطفية، وينتج منها وضعيات مغلقة حادة ومتعصبة يمكنها أن تتحول إلى حالة مرضية؟ تساؤلات لا شك مهمّة جدًّا، وبحاجة إلى مزيد من البحث والتقصي من أجل استنباط إجابات ملائمة في شأنها. إنها مسارات محتملة لأبحاث ودراسات ميدانية بالأساس، لأنّ الإجابة عنها لن تتأتى سوى من دراسات حالة على أرض الواقع.

2. تداعيات التطرف

تختلف التداعيات المتوقعة من التطرف إمّا إيجابيًا أو سلبيًا باختلاف زوايا النظر إليه. يتضمن الجانب الإيجابي إمكانية لفت السلوك المتطرف انتباه الخصوم، أو عامة الناس، أو المجتمع الدولي، أو جميع هؤلاء، إلى الانشغالات غير المعروفة للجهة المعنية بالأمر. كما يمكن ا على حالة يائسة تستدعي الاهتمام العاجل والأكيد أن يكون مؤشّ. أو يجسد حالة التزام عميق وقوي بقضية إنسانية جديرة بالاهتمام وتستدعي التدخل لحلها. من هذه الزاوية، يمكن أن تدفع ظاهرة التطرف الخصم الأقوى نحو التفاوض لإيجاد مخرج ملائم من الأزمة، أو تشجع على تدخل طرف ثالث يؤدّي دور الوسيط للبحث عن حل توافقي للنزاع. وبقدر ما يتعزز مثل هذه النشاط ويتوسع في حالات الصراع والأزمات الحادة، يكتسب طابعًا معياريًا يجعله محل اهتمام شرائح أوسع، أو يكسبه هالة من العظمة ليس لدى الجماعة المعنية (المتطرفين) فحسب، بل يساعدها أيضًا على جذب مناصرين آخرين للقضية من محيطها القريب والبعيد40. في مقابل ذلك هناك تداعيات سلبية كثيرة ومتعددة؛ منها ما يطال الأفراد والجماعات المتطرفة التي تنخرط في ممارسة العنف بمختلف أنواعه، ومنها ما يطال الأطراف الأخرى التي تقع ضحية لظاهرة التطرف والممارسات المرتبطة به بما في ذلك العنف المصاحب له. إذ تُعرِّض الجهاتُ المتطرفة نفسَها ومناصريها للملاحقة ولأعمال انتقامية قد تطال حتى الأفراد غير المعنيين مباشرة. كما تتعرض الجماعات المتطرفة لمزيد من الضغوط والانتقادات الشديدة. وقد تتطور ردات الأفعال لتأخذ صيغة المحاصرة والعزل على المستويين الإقليمي والدولي. وربما يصل الأمر إلى فرض عقوبات اقتصادية ومالية، ومنع من السفر وملاحقات قضائية على المستوى الدولي، بسبب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية... إلخ، مثلما حدث في عدد من المناسبات41.

  1. Ibid., p. 351.
  2. Michael Wessells, “Terrorism, Apocalyptic Ideology, and Young Martyrs: Why Peacebuilding Matters”, Paper Presented at The American Psychological Association Conference, Chicago, August 2002.
  3. Arno Gruen, “An Unrecognized Pathology: The Mask of Humaneness,” Journal of Psychohistory , vol. 30, no.3 (Win 2003), pp. 266 - 272.
  4. Janet Gross Stein, “Image, Identity, and Conflict Resolution”, In Daniel J. Christie & Richard V. Wagner & Deborah Du Nann Winter (Eds.), Peace, Conflict and Violence: Peace Psychology for the 21st Century (Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 2001), pp. 93 - 111.
  5. هناك عدة أمثلة أشهرها ملاحقة مسؤولين في صربيا، ورواندا والسودان ومحاكمة محكمة العدل الدولية بعضهم.

أيضًا، تخلّف ظاهرة التطرف آثارًا سلبية كثيرة ومتنوعة تطال الجهات المقابلة التي يستهدفها نشاط المتطرفين سواء كانوا أفرادًا أو جماعات؛ مثل تفجير تجمعات المدنيين، والاختطاف، والاغتصاب، وتدمير البنية التحتية والمرافق الخدمية، ونشر مواد كيماوية مسممة... إلخ. كما يتسبب المتطرفون في غضب، وتهميش، وإيذاء للمستهدفين بأعمال العنف، من المعارضين، وربما من المتعاطفين، وحتى المناصرين المحتملين لقضيتهم من المعتدلين في معسكر الخصم، فضلً عن منظمات إقليمية ودولية تعارض أخلاقيًا ممارسة التطرف والعنف المصاحب له. فالممارسات المتطرفة حتى عندما تصدر عن أفراد، أو أقلية صغيرة من الجماعة، فإنها تُنسب إلى الجماعة كلها، وتستدعي ردات أفعال قوية من الطرف المقابل، وربما تكون ردات الفعل دولية، ما يلحق أضرارًا معنوية ومادية جسيمة بالمتطرفين وبقضيتهم وبمن حولهم. كما تؤدي الأيديولوجيات المتزمتة، والممارسات المتطرفة، وما يصاحبها من مواقف عدائية بين الجماعات إلى تصلب الهويات المتخاصمة، ويزيد من درجة التنافر ويؤدي إلى التمسك الشديد لدى كل طرف بمواقفه، ما يساهم في تعقيد الأوضاع واستدامة العداوات42.

تفسير التطرف: مقاربة كلية

يقترح بعض الباحثين المهتمين بدراسة ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي ما يسمّى بنظرية موجات الأفكار الراديكالية43. يقول رابوبرت صاحب النظرية إنّ العالم شهد أربع موجات من الأفكار الراديكالية. ويُعرّف الموجة بمجموعة خصائص هي؛ أولً، دورة من النشاط متسمة بمراحل تمدد وتقلص. ثانيًا، تشمل هذه الدورة عددًا من الأمم. وثالثًا، تدفعها طاقة رئيسة مشتركة تحدد خصائص الجماعات المشتركة فيها وطريقة تفاعلها. وقد حدد رابوبرت، في دراسته الإرهاب منذ 1880، وجود أربع موجات من النشاط الإرهابي والعنف السياسي. تعتمد هذه الموجات على مشاعر أيديولوجية ملتهبة ومشتركة تغذيها تيارات فكرية كبرى هي: الفوضوية، ومناهضة الاستعمار، والاشتراكية، والأصولية الدينية. وقد استغرقت كل واحدة من الموجات الثلاث الأولى ما يقارب 40 سنة، فيما تستمر الرابعة منذ مطلع الألفية الثالثة إلى غاية اليوم. وعلى الرغم مما تحظى به نظرية الموجات هذه من قيمة في الأدبيات الراهنة حول العنف، فإنها لم تقدم جهدًا في مستوى سمعتها في شأن تفسير أسباب هذه التيارات الكبرى من العنف44.

1. العولمة الثقافية والتطرف

تسعى هذه الورقةُ إلى تقديم بعض العناصر الأساسية لتفسير ظاهرة التطرف من منظور كلي أو شمولي approach holistic، وسيقتضي ذلك التعاملَ معها بصفتها ظاهرة كونية؛ سواء في مصادرها والعوامل المنتجة لها، أو في تداعياتها والأطراف المعنية بها. ذلك ما يجعل طرح سؤال العلاقة بين التطرف والعولمة ليس ممكنًا فحسب، بل ضروريًا أيضًا. ويكون الهدف استيضاح كنه هذه العلاقة التي تلفها طبقة سميكة من الضبابية واللبس، بعضها متأصل في طبيعة العناصر ذاتها (العولمة والتطرف) والعلاقة بينها، وبعضها الآخر ناتج من سياسات مؤسسية، واستراتيجيات سياسية تروم تشويه الواقع، وتزييف الحقائق. تقوم الحضارة الإنسانية على انتشار الأفكار والمعتقدات والقيم؛ سواء كانت تلك الأفكار سياسية، دينية، قيمية، أو أخلاقية تتعلق بأسلوب الحياة والمعيشة، وغير ذلك مما يشكّل الحياة الاجتماعية. قديمًا كانت الأفكار الدينية أكثر ما يشكّل الثقافات والحضارات، ولعلها ما تزال إلى حد اليوم تضطلع بدور مهم في حياة الأفراد والجماعات. فالديانات السماوية المعروفة مثل اليهودية على الرغم من كونها لم تنتشر بصفة مثيرة للانتباه في بداية الأمر، فإنّ المسيحية التي تولدت عنها سرعان ما توسعت من فضاء ميلادها الأصلي في الشرق إلى أوروبا الغربية وشمال أفريقيا عندما اتخذتها الإمبراطورية الرومانية ديانة رسمية. ثمّ توسعت أكثر مع حركة الكشوف الجغرافية والاستعمار الحديث الذي وظفها أيضًا، فوصلت إلى أفريقيا جنوب الصحراء، والعالم الجديد (الأميركتين)، وأجزاء واسعة من آسيا. أمّا الإسلام الذي ظهر في الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي، فقد انتشر بسرعة أكبر إلى أجزاء مختلفة ومتباعدة من العالم، بخاصة في أفريقيا وجنوب أوروبا ثمّ آسيا، وأصبح ثاني أكبر ديانة في العالم. إضافة إلى ذلك، هنالك ديانات أخرى غير سماوية فاعلة ومؤثرة؛ مثل البوذية والهندوسية التي تنتشر خاصة في بلدان الشرق الأقصى. لم يتوقف انتشار الأفكار والثقافات على الديانات، بل ساهمت في ذلك عوامل عدة مثل الحروب، والتوسع الحيوي للإمبراطوريات

  1. Ibid., p. 94; Stanley Schneider, “Fundamentalism and Paranoia in Groups and Society”, Group , vol. 26, no. 1 (Mar 2002), pp. 17 - 27.
  2. David Rapoport, “Four Waves of Terrorism”, In Dipak K. Gupta (ed.) Terrorism and Homeland Security (Belmont, CA: Wadsworth, 2005), p. 10.
  3. Dipak K. Gupta “Spread of Radicalism: A Theoretical Perspective on the Process by which Ideas Flood the World,” International Journal of Security and Terrorism , vol. 1, no.1 (2010), p. 3.

الكبرى، والتبادل التجاري، وحركة الكشوف الجغرافية، والاستيطان (الاستعمار) في الفترات الحديثة. في كل الحالات، كانت حركة الانتشار هذه بطيئة، وغالبًا ما كانت تُواجَه بمقاومة السكان الأصليين ورفضهم في مناطق التوسع، فضلً عن الصعوبات والعوائق الجغرافية، وضعف وسائل المواصلات والاتصال. أمّا اليوم، فإن انتشار الثقافات يتمّ بسرعة فائقة ومذهلة لم تخطر على بال. يعود الفضل في ذلك إلى التطور الهائل في وسائط النقل والتواصل الذي أحدثته التكنولوجيات الحديثة، وبخاصة التكنولوجيا الرقمية التي تجعل الاتصال والتواصل بالصوت والصورة آنيًا. فالحوادث أصبحت تعاش في مختلف بقاع الأرض لحظة حدوثها بالمعنى الحرفي للكلمة. يشمل ذلك الحروب الإمبريالية الأخيرة، والنزاعات البينية للدول، والحروب الأهلية، والمناسبات الرياضية الكبرى مثل الألعاب الأولمبية، وكأس العالم لكرة القدم، والحفلات الفنية العالمية مثل المهرجانات السينمائية، والملتقيات الاقتصادية، واللقاءات السياسية... إلخ. كل هذه مناسبات لانتشار الثقافات بسبب التغطية الإعلامية المباشرة، وبسبب الدعاية والإشهار الذين تقوم بهما الشركات العالمية الكبرى راعية تلك الحوادث، وصاحبة حقوق التغطية. وتستخدم هذه التغطية للدعاية وإشهار السلع المختلفة، فضلً عن ظهور المشاهير من رجال الفن والرياضة والسياسة الذين يروّجون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لمختلف الموضات في الملابس، وتسريحات الشعر، والسيارات، والفن بخاصة الأغاني...إلخ45. عشوائيًا لعل ما يميز هذا الانتشار الثقافي في عصر العولمة هو أنه ليس ولا مجال فيه للصدف، بل هو فعل واع ومخطط له بدقة، يقوم على سياسات وبرامج يصوغها متخصصون في مجال التسويق، والإشهار والعلاقات العامة، وعلوم النفس، والاجتماع، والسياسة... إلخ. وقد أكبر الصناعات التي تتحكم صار هذا النشاط في العصر الحديث من فيها شركات عالمية عابرة للقارات. كما أضحت عملية انتشار الثقافات موضوعًا للبحث العلمي منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمن. لكن ما يلاحظ هو أنّ حركات التطرف الاجتماعية والسياسية، وبخاصة ما يسمّى "الحركات الإرهابية" لم يشملها هذا الاهتمام البحثي إلّ في الآونة الأخيرة، لذلك بقيت غير معروفة بصفة علمية إلى حد الآن46. تعني عولمة الثقافة أنّ للعالم ثقافة واحدة تهيمن على بقية الثقافات في العالم، أو مجموعة ثقافات متضامنة تشترك في سمات أساسية تجعلها مهيمنة. من الناحية المثالية، يُحبذ أن تكون الحالة الثانية طبعًا. لكنّ الواقع السائد اليوم يقول غير ذلك. فالثقافة الغربية عامة، والأميركية بخاصة، تمتلك موارد قوة رهيبة تجعلها الثقافة المهيمنة. على الرغم من أنّ لدى الأمم المتقدمة وعيًا كبيرًا بالثقافات غير الغربية عن طريق التعليم والإعلام والسفر والهجرة، فإنها نادرًا ما تتبنى سمات من هذه الثقافات. وفي المقابل، يتمّ فرض الثقافة الغربية والأميركية بخاصة على تلك الأمم عن طريق وسائل الإعلام؛ إذ تمتلك الدول الغربية موارد وقدرات تقنية هائلة تمنحها إمكانية التغلغل في البلدان الأخرى ونشر قيمها الثقافية. فالتفاوت الكبير في الإمكانيات والموارد يلغي تمامًا أي فرصة للمنافسة من البلدان غير الغربية. وهو ما يعطي الأفضلية المطلقة للغرب وأميركا بالذات لبسط هيمنتها الثقافية47. في هذا الإطار، تندرج أطروحة صدام الحضارات التي سال حولها كثير من الحبر. فماذا تعني هذه الفكرة؟ وما علاقتها بفكرة تنامي ظاهرة التطرف في العالم اليوم؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه باختصار شديد. ينبغي التنويه أولً بأنه على الرغم من ارتباط الفكرة والمفهوم بقوة باسم صاموئيل هنتنغتون، فإنها في الواقع تعود إلى منتصف العشرينيات من القرن الماضي، فقد ظهرت أول مرة في كتاب حول الشرق الأوسط لمؤلفه بازيل ماثيوس بعنوان Young Islam on

كما، Trek: A Study in the Clash of Civilizations (1926)

استعمل المفهوم المؤرخ الأميركي برنارد لويس في مقاله "جذور الغضب الإسلامي" The Roots of Muslim Rage، المنشور سنة 1990، ثمّ جاء دور صموئيل هنتغتون عام 1992 لطرح هذه الفكرة في محاضرة ألقاها في معهد المؤسسة الأميركية، ثمّ طورها في مقالة مطولة نشرها سنة بعد ذلك في مجلة Foreign Affairs بعد ذلك بكتاب ليخصها نشره سنة 1996 بعنوان: "صدام الحضارات وإعادة تشكيل العالم." وقد جاء الكتاب ردًا على الأفكار التي قدمها فرانسيس فوكوياما، وهو أحد طلاب هنتنغتون، في كتابه المشهور "نهاية التاريخ والإنسان الأخير "، والذي روّج لفكرة نهاية الأيديولوجيات في زمن انتصار الرأسمالية التي هيمنت في ظلها السوق الحرة، والديمقراطية الليبرالية، وحقوق الإنسان بصفتها أيديولوجيات سائدة، تمثّل البديل الوحيد لبقية الأمم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من قبول هنتنغتون فكرة نهاية الأيديولوجيا، فإنه رأى ذلك بمنزلة عودة للحالة الطبيعية، إذ تشكّل الهويات الثقافية والدينية محور الصراع بين الأمم والشعوب48. يقول هنتنغتون إنّ صراع الحضارات سيكون

  1. Gupta, “Spread of Radicalism…”, pp. 1 - 15.
  2. Ibid., p. 1.
  3. Gordon, p. 2.
  4. Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order)New York: Simon & Shuster, 1996), pp. 19 - 20.

الصفة الطاغية على السياسية العالمية، وإنّ الهويات الثقافية ستكون خط التماس والاحتكاك الذي يشعل فتيل الصراع بين الأمم. لذلك يعتقد أنّ صراع الحضارات يتجسد في صيغتين: الأولى، صراعات خط التماس التي تحدث بين دول متجاورة وتنتمي إلى حضارات مختلفة، أو داخل الدولة الواحدة حيث يقع الصراع بين سكان ينتمون إلى حضارات مختلفة. والثانية، الصراعات الجوهرية أو المحورية التي تقع على مستوى كوني بين دول كبرى تنتمي إلى حضارات متباينة. ويمكن لهذا النوع الثاني من الصراعات أن يحدث بسبب صراعات من النوع الأول49. وقد تعرضت أطروحة صراع الحضارات لنقد قوي من عدد كبير من الباحثين50.

2. النزاعات القومية والحروب العرقية

عرفت نهاية العقد الثامن من القرن العشرين حوادث كبرى كان أهمها انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد كان ذلك بمنزلة كرة الثلج التي أدت إلى سلسلة من التغيرات ما فتئت تتسع رقعتها مع مرور الوقت. لقد اكتسحت المنطقة موجة إحياء المشاعر القومية التي طالما كانت مكبوتة في عهد الحكم الشمولي للشيوعية السوفياتية. والاستقلالية التي بعثت وأدت الحركة إلى تنامي الميول الانفصالية إلى الوجود دولً قومية عديدة، كانت لوقت طويل تحت سيطرة إمبراطوريات كبرى منذ القرن التاسع عشر. استقلت معظم الدول القومية المكونة لهذا التجمع، فضلً عن تجزئة العديد منها مثل يوغسلافيا، وتشكوسلوفاكيا سابقًا، ودول بحر البلطيق. كما جرى توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل معظم دول أوروبا الشرقية، آخرها أوكرانيا التي تعيش نزاعًا عرقيًا على خلفية الصراع بين القوى العالمية الكبرى حول إعادة رسم خارطة المنطقة. لكنّ الاتحاد الأوروبي إلى مخاطر كبيرة للتفكيك من جديد لأسباب عديدة ذاته يتعرض بعضها داخلية وأخرى خارجية. نذكر من ذلك السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تمثّل إحدى إفرازات العولمة (مثال حالة الانهيار الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي في دول مثل اليونان، وإسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا.) وكذلك ضغط الموجات المتنامية من الهجرات السكانية من مناطق النزاعات القريبة (العراق، وسورية، وليبيا، وأفغانستان)، فضلً عن تأثير العمليات الإرهابية التي ضربت قلب أوروبا منذ مطلع.2015 أضف إلى ذلك الصراعات والنزاعات العرقية في بلاد البلقان التي شهدت حروب التصفية العرقية ضد المسلمين في إقليم كوسوفو، والبوسنة والهرسك، وبلاد القوقاز. وكذلك الحروب الأهلية والتصفية العرقية في أفريقيا، في دول مثل رواندا، والسودان الذي عرف انفصال الجنوب وتكوين دولة مستقلة دخلت الفصائل المتنافسة على السلطة فيها في حرب أهلية بعد أقل من سنة من الانفصال. أضف على ذلك حرب إقليم دارفور المستمرة، والصراعات الطائفية والأهلية في مالي، ونيجيريا. كما تراجعت حظوظ إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي بعد فشل اتفاقيات أوسلو 1993() بين الطرفين، لتفتح الباب واسعًا أمام حروب الإبادة الإسرائيلية المتكررة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة بصفة خاصة خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحالي. في المقابل تمّ إنهاء الصراع الطائفي الديني في شمال إيرلندا، من خلال اتفاقيات "الجمعة المباركة"، بعد ثلاثين سنة من الحرب الدينية الطائفية ذات المسحة القومية. وحاليًّا تشهد المنطقة العربية وضعًا مضطربًا وعدم استقرار غير مسبوق في تاريخ المنطقة يتسم بالعنف، والاقتتال الطائفي، والتمزق. حدث ذلك في أعقاب انتفاضات شعبية شملت عددًا من البلدان العربية ضد الأنظمة التسلطية والشمولية منذ 2011، بداية بتونس، ثمّ مصر، وليبيا، واليمن وسورية. لكن هذه الانتفاضات سرعان ما تحولت إلى نزاعات داخلية، وحروب أهلية دمرت هذه البلدان، فضلً عن العراق المدمر كلّية بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحروب والعقوبات الاقتصادية والنزاعات الطائفية. كل هذه الحوادث تشكّل فصولً من صيرورة كونية هي العولمة، إذ يعاد رسم الجغرافيا السياسية للكون برمته.

3. الهجرة: أزمة الهوية وفشل الاندماج

صار تنقّل آلاف البشر عبر القارات هروبًا من الحروب والنزاعات المحلية والإقليمية والأوضاع الاقتصادية الصعبة خبرًا روتينيًا في وسائل الإعلام، بما فيها وسائط التواصل الاجتماعي. بل أكثر من ذلك،

  1. Samuel Huntington, “The Clash of Civilizations?,” Foreign Affairs , vol. 72, no. 3 (Summer 1993), pp. 22 - 49.
  2. Edward Said, “The Clash of Ignorance,” The Nation (October 2001), accessed on 18/3/2015, at: http://www.thenation.com/article/clash- ignorance/ انظر أيضًا: Fouad Ajami, “The Clash”, The New York Times , 6/1/2008, accessed on 19/3/2015, at: http://www.nytimes.com/2008/01/06/books/review/Ajami-t.html; Liu Binyan, “Civilization Grafting: No Culture is an Island,” Foreign Affairs (September/October 1993), accessed on 20/3/2015, at: http:// www.foreignaffairs.com/articles/49194/liu-binyan/civilization-grafting- no-culture-is-an-island; Marc Cogen, “The West, Europe and the Islam”, The Centre for the Study of European Politics and Society / Ben Gurion University, 2005, accessed on 20/3/2015, at: http://docslide.us/documents/ clash-of-civilizations-review.html; Muhammad Tahir Ashraf Mian, “The Clash of Civilizations? A Critique,” Pakistan Journal of Social Sciences (PJSS), vol. 32, no. 2 (2012), pp. 521 - 527.

أضحى غرق الآلاف منهم وموتهم يوميًا حدثًا لا يكاد يثير الانتباه، لأكثر من لحظات قراءة الخبر أو سماعه. ومع كل ذلك، فقد حملت موجات الهجرات غير الشرعية آلاف البشر إلى مختلف البلدان الأوروبية وأميركا الشمالية وأستراليا، خلال العقدين الماضيين. وبلغت هذه الموجات أوجها خلال النصف الثاني من عام 2015، إذ اكتسح آلاف البشر حدود أوروبا الجنوبية في ظاهرة لم يسبق لها مثيل. تشير مصادر الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن 59.5 مليونًا من البشر أجبروا على مغادرة بيوتهم في سنة 2014 وحدها؛ منهم 38.2 مليونًا في حركة نزوح داخلية هروبًا من الصراعات والاضطهاد، يضاف إليهم 19.5 مليونًا من اللاجئين، و 1.8 مليون نسمة من طالبي اللجوء51.

تمثّل أوروبا المقصد الرئيس لحركات الهجرة غير الشرعية منذ سنوات، وقد تزايدت أعداد المهاجرين غير الشرعيين، وطالبي اللجوء بفعل ارتفاع وتيرة النزاعات والحروب الأهلية وتزايد الاضطهاد العرقي والديني كما يحدث في العراق وسورية واليمن وعدد من البلدان الأفريقية مثل مالي، ونيجريا، والصومال، وأفريقيا الوسطى، وعدد من البلدان الأسيوية مثل بورما، وأفغانستان، وباكستان. وتشير مصادر الأمم المتحدة إلى أنّ سورية وأفغانستان والصومال تمثّل أكثر مناطق الطرد في 2014، بينما تمثّل روسيا وألمانيا والولايات المتحدة وتركيا أكثر البلدان استقبالً لطلبات اللجوء والهجرة52. تمثّل هذه الحركة السكانية الكثيفة ضغطًا رهيبًا على موارد البلدان التي تستقبلها، وقدرتها على تحمل عبء الأعداد المتزايدة من المهاجرين الذين يحتاجون إلى حد أدنى من الخدمة والرعاية. علم أنّ معظم البلدان الأوروبية المستقبلة لهذه التدفقات السكانية غير المسبوقة تعرف حالة ركود اقتصادي، وبعضها على حافة الإفلاس، مثل اليونان، وبدرجة أقل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وحتى البلدان القوية نسبيًّا مثل ألمانيا وفرنسا فإنّها تواجه صعوبات اقتصادية متزايدة. تعيش في البلاد الأوروبية وأميركا وأستراليا أقليات غير أوروبية من بلدان آسيا وأفريقيا تمتد جذورها لعدة أجيال على مدى بضعة قرون في بعض الأحيان، أي منذ حركة الاستيطان والاستعمار التي عرفتها آسيا وأفريقيا. وعلى الرغم من أنّ تلك الأقليات أضحت بحكم القانون جزءًا لا يتجزأ من الجسم الاجتماعي لهذه المجتمعات، فإنها لم تنل الحقوق والامتيازات نفسها التي حظي بها السكان من أصول أوروبية. وقد شكّلت مع مرور الزمن جاليات من أصول مختلفة ثقافيًا ودينيًا أحيانًا، عانت من الإقصاء والتهميش وضعف فرص الاندماج بحيث تكدست في أغلب الحالات في أحياء فقيرة محرومة من أبسط شروط الحياة الكريمة ممثلة بالمسكن اللائق، والتعليم، والصحة، وفرص العمل. لقد نمت في كل المناطق الصناعية التقليدية في أوروبا وأميركا وأستراليا وحواضرها الكبرى أحزمة من الأحياء الفقيرة المأهولة بالجاليات غير الأوروبية. وعلى الرغم من المواطنة الحقوقية التي يتمتّع بها هؤلاء السكان، كون الغالبية منهم من الأجيال الثانية والثالثة والرابعة، أي إنهم ولدوا وتربوا في هذه البلدان، فإنهم يعانون التمييز ضدهم ويعيشون ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة. يضاف إلى ذلك مشكلة الهوية، ذلك أنّ أبناء المهاجرين من الأجيال الجديدة وجدوا أنفسهم كمن يجلس على كرسيين، ومن ثمّ فهم ليسوا جالسين تمامًا. إنهم ليسوا مواطنين كاملي الحقوق، ومندمجين في بلدان ميلادهم ونشأتهم. بل ينظر إليهم ويعاملون بصفتهم مواطنين من الصف الثاني والثالث يُنظر إليهم بصفتهم غرباء، ودخلاء غير مرغوب فيهم. كما أنهم فقدوا أي صلة بمجتمعات والديهم وثقافتهم الأصلية، وفي معظم الأحيان لا يتقنون حتى لغاتهم الأصلية، ولا يمارسون شعائر أديان آبائهم وأمهاتهم. باختصار يمكن تمثيلهم بما أسماه بورديو وصياد في عملهما المشهور عن الفلاحين الجزائريين خلال حرب التحرير الوطنية "المقتلعون من جذورهم"53. لقد مثّل الآلاف من هؤلاء الشباب الذين يعيشون حالة اغتراب بالمعنى الهيجلي والماركسي للكلمة مجالً خصبًا للحركات الدينية المتطرفة التي تستغل مشاعر التذمر والإحباط والرغبة القوية في الانتقام من المجتمع لدى هؤلاء الشباب. ذلك بالفعل ما لاحظه جل الباحثين الذين اهتموا

  1. UNHCR, “Global Trends; Forced Displacement in 2014”, accessed on 9/06/2015 at: http://www.unhcr.org/556725e69.html
  2. Ibid.
  3. Pierre Bourdieu & Abdelmalek Sayad, Le déracinement. La crise de agriculture traditionelle en Algérie (Paris: Eds. Minuit, 1964).

بالحركات الدينية المتطرفة، والإسلامية منها بالذات منذ ثمانينيات القرن الماضي54. أدت الأزمات الاقتصادية المتتالية في البلدان الغربية إلى تأجيج مشاعر الكراهية والحقد تجاه المهاجرين والأجانب عمومًا في هذه البلدان. كما يجري باستمرار توظيف الصعوبات الاقتصادية التي تعرفها تلك البلدان من الأحزاب اليمينة لتزيد من حدة النزعة القومية العنصرية ضد الأجانب. وهو ما أدى إلى تنامي حالة الرفض وارتفاع معدل الجرائم العنصرية بين المهاجرين في بلدان أوروبا جميعها من دون استثناء، بما فيها تلك التي كانت أقل عنصرية مثل البلدان الإسكندنافية، والولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا، ونيوزلندا، وكندا. بل تجاوزت المضايقات، والكراهية، والجرائم العنصرية، المهاجرين وطالبي اللجوء لتشمل مواطني هذه البلدان من الأصول غير الأوروبية. وتشير هذه الأوضاع إلى فشل ذريع في السياسات الرسمية للبلدان الأوروبية بخصوص إدماج الأقليات غير الأوروبية في المجتمعات الأوروبية55. وقد تضاعفت مشاعر العنصرية، وأعمال العنف بخاصة بعد حوادث 11 سبتمبر 2001. كما تنامت ظاهرة الإسلاموفوبيا بعد تعرض عدد من البلاد الأوروبية لهجمات إرهابية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي (فرنسا، وبلجيكا، وبريطانيا، إسبانيا، ثمّ البلاد الإسكندنافية مثل هولندا والدنمارك)، وصولً إلى الهجمات في فرنسا وبلجيكا سنتي 2015 و.2016

4. الحروب الإمبريالية الجديدة والتطرف

عرف النصف الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين عددًا من حروب التوسع، وإعادة تقسيم العالم، وتوسيع مناطق النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي. إذ غزا الاتحاد السوفياتي في آخر عهده أفغانستان، وكانت تلك الحرب الاستنزافية من الأسباب التي عجلت بانهياره. تحول العالم بعد ذلك إلى ما عُرف حينها بالأحادية القطبية التي تنبأ بها فوكوياما في مقاله الشهير "نهاية التاريخ"56. ثمّ كانت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران أيضًا في الثمانينيات، وحرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات، ثمّ احتلال العراق في مطلع القرن الحالي. وأخيرًا التدخل القوي في الحراك الشعبي الواسع الذي شهده العالم العربي مع بداية العقد الثاني من القرن الحالي. ما يزال الصراع الدموي بألوانه العرقية والطائفية والدينية يحصد آلاف الأرواح من البشر، ويهجر الآلاف الأخرى بعيدًا عن ديارهم وأهاليهم في العراق وسورية وليبيا واليمن. لعل ما يميز هذه الحروب الإمبريالية الجديدة أنها من صنع الدول الكبرى بصرف النظر عن أيديولوجياتها التي تبني أحلافًا مؤقتة لإدارة هذه الحروب، أو أنها تسندها إلى بعض القوى الإقليمية التابعة لها، ما يجعل منها أحيانًا كثيرة حروبًا بالوكالة. أدت هذه الحروب على اختلاف طبيعتها وأسبابها، وتنوع الأطراف المشاركة فيها، إلى تغييرات جذرية في المنطقة برمتها؛ يأتي في مقدمتها خلق عدم استقرار مزمن بالمنطقة، وانهيار اقتصادي كامل، وتفكك البنى والروابط الاجتماعية، وتهجير ملايين السكان في موجات هجرة داخلية وخارجية. والأهم في كل هذا أنّ هذه الحروب أدت إلى صراعات داخلية، ونزاعات طائفية مدمرة، وأنتجت شعورًا عامًا بالظلم والمهانة والإذلال لدى السكان على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والعقائدية. ذلك ما شجع شرائح واسعة من السكان، وبخاصة الشباب، على الانخراط في حركات متمردة، وتشكيل ميليشيات مسلحة، هدفها الانتقام من الآخر أيًّا كانت طبيعته، المختلف سياسيًا أو عقائديًا أو مذهبيًا، أو طائفيًا، وعمت حالة من الفوضى والاقتتال بين فصائل تموّلها قوى أجنبية محلية، وإقليمية، ودولية. لقد صُنّفت تلك التدخلات الأجنبية أشكالً قصوى من الاعتداء على سيادة الشعوب، وإهانة لها ولمكوناتها الثقافية، ومنظومتها القيمية، فضلً عن كونها عدوانًا صريحًا على خياراتها السياسية. وهو ما جعل هذه الحروب من بين العوامل المهمة التي ساهمت في إذكاء التطرف وظهور الحركات المسلحة والجماعات الجهادية التي حملت السلاح للدفاع عن هوياتها المهددة. في هذا الجو العام من الفوضى، وجدت الحركات الدينية المتطرفة على اختلاف ألوانها، موطأ قدم، وتغلغلت في المنطقة التي أصبحت رهينة لها. كما عملت الحركات المتطرفة

  1. يتوافر كم هائل من الأدبيات حول الموضوع، ويمكن الاكتفاء بذكر عيّنة منها فقط: Roy Olivier, La sainte ignorance: le temps de la religion sans culture (Paris: Ed Seuil, 2008); Roy Olivier, Le croissant et le chaos , (Paris: éd. Hachette, 2007); Gilles Kepel, Fitna. Guerre au cœur de l’islam)Paris: éd. Gallimard, 2004);Francois Burgat, L'Islamisme à l'heure d'Al Qaida (Paris: Ed. La Découverte, 2005); Ahmed Rouadjia, Les frères et la Mosquée: Enquête sur le movement islamiste en Algérie (Paris: Ed. Karthala, 1990); Eli Berman, Hamas, Taliban and the Jewish Underground: An Economist's View of Radical Religious Militias , UC San Diego National Bureau of Economic Research (August 2003); Martin E. Marty & R. Scott Appleby (eds.), Fundamentalisms and Society (Chicago: University of Chicago Press,1993); Graham E. Fuller, The Future of Political Islam , (London: Palgrave MacMillan, 2003).
  2. يكفي الاطلاع هذه الأيام على ما تحمله الأخبار يوميًا من الاعتداءات المتزايدة
  3. والجرائم العنصرية ضد الأميركيين السود في الولايات المتحدة، أو الفرنسيين، أو الألمان من أصول غير أوروبية (عرب، وأتراك، وأفارقة، وآسيويين.) 56  Francis Fukuyama, “The End of History?,” The National Interest (Summer1989), pp. 3 - 18.

على إنشاء أحلاف مع الجريمة المنظمة النشطة في مجال التهريب، وتجارة الأسلحة، وتجارة البشر، والمخدرات... إلخ. في هذه الأجواء المضطربة المتميزة بالغموض الكامل، استقوت حركات إرهابية متطرفة كانت موجودة من قبل مثل القاعدة، وطالبان، وبوكو حرام، أو ظهرت أخرى جديدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. والأهم أنّ هذه الحركات جميعها تنسق فيما بينها أحيانًا، أو تعلن ولاءها لقيادة موحدة (كما حدث من قبل مع القاعدة، ويحدث اليوم مع تنظيم الدولة الإسلامية.) كما أنها تلتقي حول أهداف متماثلة، تتجسد في عدائها الصريح للدولة الوطنية، وتكفير المجتمع والأنظمة القائمة التي تراها عدوًّا أساسيًا، ومن ثمّ ضرورة محاربتها وإسقاطها. كما تلتقي في عدائها للحضارة الغربية والغرب الذي تراه مصدر كل المآسي التي حلت بالمنطقة، وتتوعد الدول الغربية بضرب مصالحها أينما كانت، بل وتهدد بنقل الحرب إلى أراضيها من خلال عمليات اختطاف الرهائن، أو تفجير الطائرات، والقيام بعمليات إرهابية داخل هذه البلدان مستهدفة المدنيين في الأماكن العامة والحساسة.

خلاصة

طالما أكدت النظريات السوسيولوجية المهتمة بموضوع التطرف والحركات المتطرفة أو الإرهابية أهمية الاختلالات التي تميز البناء والنظام الاجتماعي، مثل الفقر، والفوارق الاقتصادية، وعدم تكافؤ الفرص، والتباين في امتلاك موارد القوة والسلطة، كونها عوامل تفسر الانحرافات الاجتماعية والسلوكية، بما في ذلك التطرف والعنف والإرهاب. لكنّ إخضاع هذه الادعاءات للامتحان في الميدان غالبًا ما يكشف عن ضعف علاقات الارتباط بين هذه العوامل وظواهر التطرف والإرهاب. وهو ما يعني أنّ عوامل مثل الحرمان الاقتصادي، وتباين موارد القوة والسلطة، تمثّل ظروفًا ضرورية، لكنها غير كافية بذاتها أو وحدها لإنتاج تلك الظواهر، وذلك ما جعل الباحثين يعتقدون أنّه توجد شروط مساعدة على تكوين التطرف والإرهاب. في المقابل، تؤكد الدراسات والأبحاث المتوافرة حول هذا الموضوع أهمية عوامل الانتماء إلى الجماعة، أو فكرة الهوية الجمعية بالنسبة إلى الأفراد. وقد بيّ رواد الفكر الاجتماعي منذ الإغريق مدى أهمية عامل الانتماء إلى الجماعة بالنسبة إلى الفرد الذي يرى ذلك مصدرًا أساسيًا لتشكيل الذات، وللرضا عن النفس. كما أبرز رواد الدراسات السوسيولوجية والنفسية قوة التأثير الذي تمارسه الجماعة في الأفراد، ومدى الرضا الفعلي الذي يشعر به الأفراد بانتمائهم إلى الجماعة، وخضوعهم لقواعدها المعيارية والقيمية، والدفاع عنها وعن أهدافها التي يتماهون فيها57. ولم تخرج الدراسات والأبحاث الحديثة عن هذا المنحى بتأكيدها الأهمية غير العادية للجماعة في حياة الأفراد وقوة تأثيرها في صوغ اتجاهاتهم وأفكارهم وسلوكهم58. تشير أبحاث حديثة إلى أهمية الدور الذي يقوم به ما يسمى "المقاولين السياسيين" الذين يتكفلون بتحويل شكاوى الأفراد إلى أفعال وممارسات حقيقية، عن طريق نشر الوعي بهوية الجماعات المعنية بتلك المظالم والأطراف التي تسببت فيها. فالتحديد الواضح والدقيق لفئتي "نحن" و"هم" يوفر الشروط والبيئة المساعدة على تجاوز العوائق التي تحول دون انتقال الجماعة نحو الفعل والممارسة النضالية لتحقيق مطالبها وغاياتها59. بهذا الخصوص، يميز غلادوال Gladwell صاحب هذه الأطروحة بين ثلاثة أصناف من الناس ضمن فئة "المقاولين السياسيين"، هم؛ "الموصلون" Connectors أو القادة، و"المنظّرون" Theoreticians، و"البائعون" Salesmen. يمثّل "الموصلون" نقاط التقاطع الأولى والأساسية في شبكة التواصل60. إنهم أفراد يعرفون عددًا كبيرًا من الناس، ويعرفهم كثير من الناس بسبب هويتهم وما يتميزون به من مكانة وقوة ونفوذ وثروة. أمّا "المنظّرون" فهم "أصحاب المعرفة" الذين يراكمون المعارف، إنهم الخبراء والمرشدون الروحيون الذين بإمكانهم تقديم تفسير مقنع للأزمة التي يعيشها الأفراد انطلاقًا من خبراتهم ومعارفهم. بينما يمثّل "البائعون" أولئك الذين يمكنهم استقطاب اهتمام أعداد كبيرة من الناس، لما يتمتعون به من قدرة

  1. يمكن ذكر أمثلة عديدة هنا من أعمال المؤسسين لعلم الاجتماع وعلم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، أعمال دوركايم حول الأشكال البدائية للحياة الدينية، Les formes التي يبرز Le Suicide, 1897 ودراسة الانتحار élémentaires de la vie religieuse 1912 فيها كيف أنّ الانتحار ظاهرة اجتماعية بالأساس، وأنّ أنواع الانتحار المختلفة مرتبطة مباشرة بسيادة المعايير الاجتماعية أو ضعفها وبشدة الانتماء الاجتماعي أو ضعفه. كما يمكن الإشارة إلى أعمال غوستاف لوبون في دراساته حول تأثير الجماعة عن طريق التقليد والمحاكاة The Crowd, a study of the popular mind (New، سيكولوجية الجماهير الاجتماعية.)York: the Macmillan,1895 كما يمكن ذكر أعمال عالم النفس ماسلو وهرمه المشهور للحاجات حيث تأتي الحاجة للانتماء في المرتبة الثانية مباشرة بعد الحاجة للطعام. وقد طور هذا الهرم بعد ذلك في كتابه المشهور: Motivation and Personality (New York: Harper, 1954)
  2. انظر تفاصيل عن نماذج من الدراسات الحديثة حول مدى تأثير الجماعة في الفرد، ودورها في صوغ شخصيته وصقلها من خلال فكرة الانتماء واستبطان المعايير والقواعد التي تعطي حياة الأفراد معنى وغاية، في: 3 p. Radicalism…”, of “Spread.Gupta,
  3. Dipak K. Gupta, “Accounting For the Waves of International Terrorism,” Perspectives on Terrorism, Vol. II, Issue. 11 (August 2008), p. 4.
  4. Ibid., pp. 4 - 5.

على الإقناع. وعلى الرغم من عدم وجود أي حواجز تفرق بين هذه المجموعات الثلاث من الناس المؤثرين في حياة الأفراد والجماعات، فإنّ تحليل الحركات الاجتماعية على مستوى كوني يستدعي بالضرورة التمييز بينهم. يرى غلادوال أنّ الجماعات الإرهابية والحركات المتطرفة عمومًا، مثل غيرها من الجماعات الأخرى، يتمّ تشكيلها من خلال عمل يشترك فيه المقاولون السياسيون بأصنافهم الثلاث، إذ يساعدون الأفراد والجماعات الذين يعيشون أزمة هوية، أو لديهم مشكلة في تحديد هويتهم، أو أزمة انتماء، على تحقيق غاياتهم في الانتماء والظهور بمظهر الجماعة المتماسكة والمنسجمة ذات الأهداف الاستراتيجية61. تقوم العولمة أساسًا على عمليات تفكيك وإعادة تركيب للكيانات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في عمليات معقدة من الدمج والصهر القائم على آليات طوعية حينًا، أو قسرية أحيانًا أخرى، في صيرورة لا متناهية من الهدم وإعادة البناء. تبدو هذه الأوضاع منتجة ومحفزة لتكوين شعور من الحرمان الاقتصادي، والإحباط الاجتماعي والسياسي، والاغ اررب الثقافي الذي ينتشر بين الأفراد والجماعات. كما توفر أرضية خصبة لظهور مطالب لدى الجماعات التي تسعى إلى استعادة هويتها بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية. وتمثّل هذه الأوضاع شروطًا ملائمة لتكوين تيارات وفصائل منظمة تعمل من أجل تحقيق تلك الغايات. تنخرط تلك الفصائل في صراع كامن أو صامت سرعان ما يتحول إلى انتفاضات وثورات صريحة وعلنية هدفها استعادة "الفردوس المفقود." ذلك ما يدفع الأفراد والجماعات إلى الدخول في صراع مع بيئتهم، بكل ما فيها من موانع أو عوائق تحول دون تحقيق الجماعة ذاتها واسترجاع هويتها المفقودة. لا يستثنى من هذا الصراع رموز العولمة التي تراها الجماعة السبب الرئيس في اغترابها وضياع هويتها. هكذا تتحول صيرورة العولمة بمختلف عناصرها ومكوناتها المادية ورموزها الفكرية والثقافية من آلية ساهمت بقسط وافر في إنتاج تلك الجماعات المتطرفة، والحركات الإرهابية، إلى هدف لنضالاتها ونشاطها المتنوع. تستخدم هذه الجماعات كل الأساليب والأدوات المباحة وغير المباحة، بما فيها القوة المدمرة، في ردة فعل على صنوف الإحباط والتهميش والإقصاء والإنكار التي تعرضت لها مع مرور الوقت. إنها صيرورة جدلية بامتياز بين الأطروحة ونقيضها، الجدلية الكلاسيكية بين العبد والسيد.

المراجع

العربية

سياسات عربية بشارة، عزمي. "في ما يسمى التطرف"، مجلة، العدد 14 (أيار / مايو.)2015 الخواجة، محمد ياسر. "التطرف الديني ومظاهره الفكرية والسلوكية " مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. المستكاوي، طه أحمد. "العلاقة بين التطرف والاعتدال في الاتجاهات الدينية وبعض سمات الشخصية" رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة،.1982

الأجنبية

• Ajami, Fouad. “The Clash”, The New York Times , 6 /1/2008. • Amjad, Naumana & Alex M. Wood. “Identifying and changing the normative beliefs about aggression which lead young Muslim adults to join extremist anti-Semitic groups in Pakistan,” Aggressive Behavior , vol. 35, no. 6 (Nov-Dec 2009), pp. 514 - 519. • Ashraf, Mian Muhammad Tahir. “The Clash of Civilizations? A Critique,” Pakistan Journal of Social Sciences (PJSS), vol. 32, no. 2 (2012), pp. 521 - 527. • Berman, Eli. “Hamas, Taliban and the Jewish Underground: An Economist's View of Radical Religious Militias”, UC San Diego National Bureau of Economic Research (August 2003). • Binyan, Liu. “Civilization Grafting: No Culture is an Island,” Foreign Affairs (September/October 1993. • Bourdieu, Pierre & Abdelmalek Sayad. Le déracinement. La crise de agriculture traditionelle en Algérie , Paris: Eds. Minuit, 1964. • Burgat, Francois. L'Islamisme à l'heure d'Al Qaida , Paris: Ed. La Découverte, 2005. • Canavero, Alfredo & Silvia Pizzetti & Lucio Valent (eds). Globalisation, Regionalisation and the History of International Relations , Milan, 2000.

  1. Ibid., p. 5.

• Christie, Daniel J. & Richard V. Wagner & Deborah Du Nann Winter (eds.). Peace, Conflict and Violence: Peace Psychology for the 21st Century , Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 2001. of • Chirot, Daniel & Martin E. P. Seligman (Eds.). Ethno- political Warfare: Causes, Consequences, and Possible Solutions , Washington, DC: American Psychological Association, 2001. • Cogen, Marc. “The West, Europe and The Islam”, The Centre for the Study of European Politics and Society / Ben-Gurion University- Working papers • Coleman, Peter Thomas & Andrea Bartoli. Addressing Extremism , New York: The International Center for Cooperation and Conflict Resolution, Teachers College, Colombia University. • David, Harvey. The Condition of Postmodernity: an enquiry into the origins of cultural change , Cambridge: Blackwell, 1989. Terrorism and Homeland. • Security , Belmont, CA: Wadsworth, 2005. • Durkheim, Émile. Le Suicide: Étude de sociologie , préface de Robert Neuburger, coll. «Petite Bibliothèque Payot» (no. 692), Paris: Payot & Rivages, 2008. Les formes élémentaires de la vie. • religieuse , 5th edn., Paris: Presses Universitaires de France, 2003. • Fukuyama, Francis. “The End of History?,” The National Interest (Summer 1989). • Fuller, Graham. The Future of Political Islam , London: Palgrave MacMillan, 2003. • George, John & Laird Wilcox. Nazis, Communists, Klansmen, and Others on the Fringe: Political Prometheus America , Buffalo: in Extremism Books, 1992. • Giddens, How World. Runaway Anthony. globalization is reshaping our lives , London: Profile Books, 2002..The • Consequences Modernity. Stanford: Stanford University Press, 1990. • Gilpin, Economy: Political Global Robert. Understanding the International Economic Order , Princeton: Princeton University Press, 2001. • Gordon, Jake. “Is Globalisation a Myth or a Fact?”, • Gruen, Arno. “An unrecognized pathology: The mask of humaneness”, Journal of Psychohistory. vol. 30, no. 3 (Winter 2003), pp. 266 - 272. • Gupta, Dipak. “Accounting for the Waves of International Terrorism”, Perspectives on Terrorism , Vol. II, Issue. 11 (August 2008). a Radicalism of “Spread. • Theoretical Perspective on the Process by which Ideas Flood the World,” International Journal of Security and Terrorism , Vol. 1, no.1 (2010). • Himmelstein, Jerome. To the Right: The Transformation of American Conservatism , Berkeley: University of California Press, 1990. • Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order , New York: Simon & Shuster Inc, 1996. Civilizations,” of Clash.“The • Foreign Affairs, vol. 72, no. 3 (Summer 1993), pp. • Kepel, Gilles. Fitna; Guerre au cœur de L’islam , Paris: éd. Gallimard, 2004. • Le Bon, Gustave. La Psychologie des foules. Essai de sociologie , Paris: Presses Universitaires de France, 2003. • Lipset, Seymour Martin. The Political Man: the Social Bases of Politics , Garden City, New York: Anchor Books, 1960.

• Marty, Martin E. & R. Scott Appleby (eds.) Fundamentalisms and Society , Chicago: University of Chicago Press, 1993. • Maslow, Abraham. Motivation and Personality , 3rd edn., New York: Harper, 1970. • Rouadjia, Ahmed. Les frères et la Mosquée: Enquête sur le mouvement islamiste en Algérie , Paris: Ed. Karthala, 1990. • Roy, Olivier. La sainte ignorance: le temps de la religion sans culture. Paris: Ed Seuil, 2008. •. Le croissant et le chaos , Paris: éd. Hachette, 2007. • Said, Edward. “The Clash of Ignorance,” The Nation , • Schneider, Stanley. “Fundamentalism and paranoia in groups and society,” Group , vol. 26, no.1 (Mar 2002). • Scholte, Jan Aart. Globalisation: a Critical Introduction , MacMillan: Basingstoke, 2000. • Simon, Bernd. & Bert Klandermans. “Politicized collective identity,” American Psychologist , vol. 56, no. 4 (2001), pp. 319 - 331. • Tamás, Gáspár Miklós. “On Post-Fascism”, Boston Review, 1/6/2000. • Thomson, Charles. “The Vital Center by Arthur M. Schlesinger, Jr. The Twilight of World Capitalism, William Z. Foster,” Indiana Law Journal , Vol. 26, Issue.1, Article 15. • UNHCR, “Global Trends; Forced displacement in 2014”. • Wessells, Michael. “Terrorism, apocalyptic ideology, and young martyrs: Why peace building matters”, Paper Presented at The American Psychological Association Conference, Chicago, August 2002. • Wintrobe, Ronald. Rational Extremism: the Political Economy of Radicalism , Cambridge: Cambridge University Press, 2006.