السياسة الخارجية الصينية من منظار "الثقافة الاستراتيجية"
الملخّص
منذ انتهاء الحرب الباردة، بدأ يتضح أنّ الصين تريد القيام بدور الدولة العظمى، غير أن ها لا تزال في وضعٍ متردد في بعض الساحات، ولم تفعّ ل أدواتها كاملة. تحاول هذه الورقة أن تشرح بعض المحركات الكامنة وراء الإطار العام للسياسة الخارجية الصينية، من خلال دراسة "الثقافة الاستراتيجية"؛ يسعى هذا الإطار لإيضاح الأفكار التي تنتج من تاريخ دولة ما وثقافتها وسردها المجتمعي، فالدول تضع عادة أطرًا عامة تكشف عن خياراتها المفضلة في السياسة الخارجية. ليست "الثقافة الاستراتيجية" مسببة لسياسات معينة، بل هي مساعدة لتحديد خيارات عامة؛ وهي متمّ مة لتفسيرات حول تأثير عوامل أخرى مثل توزيع القوى، ومعتقدات صناع القرار الشخصية، وضغوطات الدول الحليفة، وما إلى ذلك. وبالأخص، يساعد إطار الثقافة الاستراتيجية على فهم الشكل العام للسياسة الخارجية على المدى الطويل. كلمات مفتاحية: الثقافة الاستراتيجية، السياسة الخارجية الصينية، الكونفوشية، الداويّة، ماو تسي تونغ This article attempts to explain the underlying driving factors that govern the Chinese foreign policy. Since the Cold War, China has increasingly been playing the role of a major power but demonstrates hesitancy in some theaters which indicates falling short in developing full capabilities to serve that end. This article attends to the study of “Strategic Culture”; which seen by the author as a framework that helps explaining ideas generated from the history, culture, and societal narratives of the state. Within this framework general parameters indicate the preferred foreign policy options for China. However, strategic culture is not solely the cause for action. It rather helps in define potential acceptable options. It is complementary to other explanations around the importance of other factors, such as distribution of material capabilities, decision makers’ idiosyncrasies, and alliances' commitments. In other words, strategic culture helps in understanding China’s long-term foreign policy patterns Keywords: Strategic Culture, Chinese foreign policy, Confucianism, Toaism, Mao Zedong
Chinese Foreign Policy from a “Strategic Culture” Framework
مقدمة
ثمة حاجة عميقة يفرزها النظام العالمي القائم وعلاقاتُ الصين بدول الشرق الأوسط، ولا سيما الخليج، إلى دراسة العوامل التي تحرك السياسة الصينية، والتي تجعلها قادرة على أن تكون لاعبًا كبيرًا في المنطقة، مع أنّها لم تفعل ذلك إلى اليوم. فهل بإمكان الصين أن تغي موقفها وتقدّم سياسة جديدة نوعيًا تجاه الشرق الأوسط؟ تمثّل هذه الورقة محاولة لفهم المحركات الكامنة وراء السياسة الخارجية الصينية، من منظار الأهداف الصينية على المدى الطويل؛ وذلك لفهم ما قد تكون الصين مهتمة بتقديمه. وبإيجاز، تسعى الورقة إلى فهم دوافع السياسة الخارجية الصينية بالعودة إلى دراسة "الثقافة الاستراتيجية" في العلاقات الدولية.
الظرف التاريخي للاهتمام الراهن بالصين
منذ نحو عقدين من الزمن على الأقل، ازداد الاهتمام الأكاديمي والسياسي العالمي بالسياسة الخارجية الصينية، وهذا مردّه عدة أسباب؛ فعلى الصعيد الاقتصادي، ومع انتهاء الحرب الباردة وانخفاض مستوى التوتر العالمي في الحقبة الثانية منها في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، توسعت رقعة اللعب والتبادل تحت لواء مبادئ الرأسمالية التجارية، وأهمّها انفتاح الأسواق على بعضها. وظهرت الصين قوة تجارية وبالأخص مصدّرة لسلع تنافسية استفادت من سوق عمل داخلية مضبوطة قانونيًا وملائمة لإنتاج كمٍ هائل ذي تكلفة منخفضة مقارنة مع دول صناعية عديدة وبالأخص في الشمال العالمي. في هذا الإطار، مثّلت السياسة الخارجية الصينية آلية مهمة لبناء علاقات مع أسواق استهلاكية؛ فهي حاولت ترسيخ شراكات موجودة تاريخيًا (مثلً مع دول عديدة في الشرق الأوسط) إضافةً إلى السعي الدؤوب وراء أسواق جديدة (مثلً في القارة الأفريقية.) وعلى الصعيد الأمني، ازداد الاهتمام بالصين مع ضعف المقدرات الروسية بعيد الحرب الباردة وبروز الصين دولة ذات اقتصاد قوي، فضلً عن الإنفاق الملحوظ على التسلح، والمقدرات العسكرية النووية، أضف إلى ذلك القوة السياسية المميزة بوصفها أحد حاملي أداة النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي. على هذه الخلفية، ازدادت التساؤلات بشأن أهداف سياسة الصين الخارجية العالمية، والنوايا السياسية من وراء ذلك، وإذا ما كانت تسعى إلى القيام (وربما فرض) بدور ريادي عالمي لربما ينافس المركز الذي تبوّأته الولايات المتحدة. وازدادت اهتمامات عدد من دول الجنوب أيضًا بما يمكن أن تقدّمه الصين من مساعدة أمنية وعسكرية في نواحٍ متعددة، من دون أن تكون هذه الإمكانية حقيقة واقعة، بالضرورة، بقدر ما هي افتراض لدول الجنوب هذه. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنّه في مقابل اندفاع السياسة الخارجية الصينية في المجال الاقتصادي، لا تزال علاقاتها الأمنية والعسكرية محافظة ومترددة بصورة عامة. وفي الحقيقة، إنّ ما يهمّ الكثير من دول الجنوب في البحث في دوافع السياسة الخارجية للصين هو ما قد يميزها عن باقي القوى العظمى. ومن ثم، تتحدد الأسئلة السياسية لهذه الورقة في كيفية فهم سياسة الصين تجاه النظم الفرعية عالميًا، مثل تلك التي في الشرق الأوسط، وكيف نفهم أيضًا سياسة الصين تجاه الدول العظمى الأخرى، مثل الولايات المتحدة. وفي المقابل، تؤكد الورقة ضرورة اهتمام دول الشرق الأوسط بفهم عميق ومفصل لدوافع السياسة الخارجية الصينية وأهدافها، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، لكون النظام الفرعي لدول المجلس مبنيًا على درجات عالية من التقارب والتفاهم السياسي تخوّلها العمل سويًا في مفاوضاتها الأمنية والاقتصادية مع الصين؛ فمع وجود اختلافات وخلافات بين دول المجلس، تبقى قياداتها حتى اليوم متفقة على أطرٍ عامة في سياساتها الخارجية (مقارنة مثلً مع حال الصراع والتباينات العميقة التي تمزّق العلاقات السياسية وتجعل العمل الجماعي مستحيلً على صعيد الشرق الأوسط.) ومع توقع الازدياد المستمر في مكانة الصين عالميًا، من المفيد والمهم التفكير المنهجي في كيفية رؤية صناع القرار في الصين موقع بلادهم في العالم والعلاقات التي يمكن أن يتقبلوا بناءَها. لذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقديم تصورات أولية حول الأسس الفكرية والتاريخية المكوّنة للسياسات الخارجية الصينية، من خلال إلقاء الضوء على موضوع معقد. ولن تزعم الورقة إعطاء إجابات كاملة ونهائية بخصوص العلاقات الخارجية الصينية، بل هي تهدف إلى المساهمة في تغذية حوار أكاديمي بحثي حول الصين والروابط المرتقبة والمعقولة مع دول مجلس التعاون ودول في الشرق الأوسط بصورة عامة. يرى كاتبُ هذه السطور أنّ كون هذه الدراسة باللغة العربية يجعلها أكثر أهمية؛ ذلك أنّه يسعى إلى تحفيز نقاش عام حول هذا الموضوع باللسان المحلي، نظرًا لازدياد الحديث في كثير من المجتمعات العربية عن دور الصين العالمي. ومن المنطلق نفسه، تبتعد الورقة عن الأفكار النمطية عن اهتمامات الصين العالمية (وأهم هذه الأفكار السائدة
بين الكثير من أدبيات العلاقات الدولية أنّ الصين تسعى للسيطرة على النظام العالمي، وبذلك من المحتمل جدًا الاتجاه إلى حربٍ كونية مع الولايات المتحدة)؛ وتبتعد أيضًا عن التمنيات حول ما "ينبغي" للصين أن تفعله في سياستها الخارجية. ستقيّم الورقة تأثير الثقافة الاستراتيجية في فهم نخب صانعي القرار في الجمهورية الصينية لخياراتهم في السياسة الخارجية؛ سيساعد الإطار النظري للورقة (أي مقاربة الثقافة الاستراتيجية) باحثين وصانعي قرار على الوصول إلى تنبؤات احتمالية لما قد تريده الصين في علاقاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط والخليج من خلال تفسير مصادر التفضيلات الصينية وأسباب صوغ بدائلها السياسية التي ترغب في اتّباعها.
مقاربة الثقافة الاستراتيجية في دراسة العلاقات الدولية
نظرت الدراسة الأكاديمية للعلاقات الدولية منذ النصف الثاني من القرن العشرين لهذه العلاقات من منظار المنافسة للهيمنة على النظام العالمي، وركزت على ديناميكيات الثنائية القطبية ونتائجها (أيام الحرب الباردة)، أو النظام الذي قارب الأحادية بعد الحرب الباردة. ولوقت كبير من الزمن وحتى يومنا كان الكثير من النظريات (بالأخص المنبثقة من الواقعية) أو الفرضيات المطروحة (التي بنيت بصورة عامة على العوامل النظمية - analysis of level)systemic يعرض مقاربات مختلفة لفهم دوافع العلاقات الدولية ومحركاتها وصنع السياسة الخارجية للدول العظمى؛ ولكنّها التقت على افتراض الأهداف والاهتمامات للدول من منطق العقلانية)rationalism(، أي إنّ القرارات تُحتسب من منطق الربح والخسارة المادية، وعدم الخوض في التاريخ والقيم الداخلية وخصوصية مجتمعات الدول. هكذا تخفف أنماط نظرية العبء المعرفي على المحلل وتعطي نتائج نظرية أنيقة وقابلة للتعميم. ولكن نقطة ضعفها الأساسية أنّها تفترض أنّ اهتمامات الدول متماثلة، وأنّ الحسابات المادية طاغية (أو الوحيدة) في تحديد السياسات. لم يتفق الكثير من دارسي السياسة الخارجية مع منطق تعميم الأهداف ومحركات سياسات الدول، بل ثمّنوا الصفات الفردية والتاريخية للدول كالأساس في تكوين السياسات الخارجية والبدائل المقبولة للدول العظمى (ودول أخرى كذلك.) يتولّد الاختلاف من عوامل مثل التاريخ، والسرد المجتمعي، والثقافة، والجغرافيا، وهذا لا بد أن يرد في إطار دراسة العلاقات الدولية، خصوصًا أنّ تصرفات الدول مختلفة1. طُورت مع الوقت عدة مقاربات ونظريات لفهم الأصول والعوامل المؤثرة في السياسات الخارجية – بخاصة للدول العظمى – وشرح أهداف هذه الدول البعيدة المدى وتراتبيتها. والرابط الأساسي بين النظريات المختلفة في تفسيرها السياسات الخارجية عن المقاربة العقلانية أو النظمية، هو وجود أفكار مشتركة يتفق المجتمع عليها بصورة عامة. وتساعد هذه الأفكار صنّاع القرار الذين هم بالطبع جزء من المجتمع، على معرفة الخيارات واتخاذ سياسات مقبولة وملائمة بالنسبة إلى العالم الخارجي. وإحدى هذه المقاربات ما يُعرف بمفهوم الثقافة الاستراتيجية الذي ينطلق من مبدأ أنّ لكل فاعل رؤية معينة للعالم مبنية على تجارب تاريخية تتفق المجموعة على أهميتها وصحتها، ولكلّ جماعة نظرة معيّنة لدورها في العلاقات مع الآخرين، وهي تريد أشياء محددة من نفسها ومن العالم؛ ولكل مجتمع أو جماعة أيضًا ثقافة سياسية فريدة من نوعها تتشكّل من مجموعة من الأفكار، والمعتقدات والقيم. هذه الثقافة الاستراتيجية متغيرة ولكن ببطء شديد؛ ما يعني أنّها ليست متحجرة أو ثابتة. لكن إطارها العام / أو الأفكار الأساسية فيها تبقى متناسقة مع مرور الوقت، وهي تحدد مجموعة البدائل في السياسة الخارجية التي تكون مقبولة للمجموعة، وتساعد صنّاع القرار في الجماعة على تقييم مخرجات السلوكيات التي يتخذونها (مع العلم أنّ السلوكيات والسياسات للمجموعة أو الدولة مرتبطة أيضًا بآخرين وبأوضاع خارجية ليست تحت السيطرة.) إنّ الأفكار والمعتقدات التي تحتويها الثقافة الاستراتيجية مستقرة ولكنّها ليست ثابتة، فهي تتغير ببطء. ولصفة الاستقرار هذه أسباب متعددة؛ أحدها أنّ هذه الأفكار تصبح متداولة في الخطاب العام وفي الإدارة الوطنية أيضًا ممّ يزيد من تجذّرها في الثقافة المجتمعية. وتصبح هذه الأفكار مهمة، ليس فقط في اتخاذ القرار في السياسة الخارجية، بل تصبح أيضًا جزءًا من الهوية الوطنية. وإنّ تجذّر هذه الأفكار وبقاءَها في الثقافة العامة والذاكرة لمدة طويلة دليلٌ على أنّها تأتي بنتائج مقبولة لدى الجماعة، ما يعني أنّها تمرّ بتفاعل إيجابي مع السياسات المرتبطة بها2. تتكوّن الثقافة الاستراتيجية من تفاعل العديد من العوامل التي تخلق مع الوقت تصوراتٍ لحوادث تصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية. وتساعد هذه الروايات النخب الحاكمة على التصرف في السياسة الخارجية من خلال تحديد البدائل الممكن اتخاذها، أي إنّها تكون مقبولة داخليًا على نحوٍ عام.
وتعطي الثقافة الاستراتيجية صنّاع القرار في دولةٍ ما نظرة ثاقبة إلى الأفكار المحيطة بمجتمعهم وبالأخص في فهم البدائل المقبولة وما يمكن أن يكون غير مقبول للدولة. وقد يساعد مفهوم الثقافة الاستراتيجية أيضًا على فهم السلوك الذي قد يبدو غير منطقي للآخر، فللجماعة مبادئها وحساباتها الخاصة التي تحرّك فهمها للخيارات وسبل السلوك في العالم. هذا، مع التنبّه إلى عدم تعزيز سوء فهم الآخرين من خلال افتراض انعدام الترابط في الأفكار والمبادئ بين الخصوم المحتملين أو الواقعيين (أو حتى بين الأطراف التي لا علاقات بينها.) وسيساعد هذا النمط من المقاربة للسياسة الخارجية الصينية على رسم صورة دقيقة عن الأسس الفكرية والتاريخية للسياسات الصينية تجاه هذا النظام الفرعي. والأهم من ذلك، تساعد هذه المقاربة في فهم فرضية أساسية وهي أنّ الاستراتيجيات ليست وليدة اللحظة أو انتهازية، بل هي راسية في إطار رؤية فكرية تنظر إلى العالم، بشكل مستقر على المدى المنظور. ويساعد هذا الاستقرار صناع القرار في الصين على اتخاذ سياسات ملائمة لهم ولمجتمعاتهم. كما يساعد من يريد التعامل معها على فهم أهداف الصين وسياساتها.
سمات الثقافة الاستراتيجية الصينية
يتفق فريقٌ واسع من الباحثين والممارسين الصينيين (في السياسة والأمن) أنّ لدى الصين بالفعل منظارًا مميزًا مثّل عاملً حاسمً في سلوكها مع الآخرين؛ فمثلً، نشر جيش التحرير الشعبي الصيني كتابًا بعنوان "تحليل موضوع الثقافة الاستراتيجية للصين" الذي يستكشف الثقافة الاستراتيجية الصينية في العمق ويعرضها على أنّها تتناقض مع الثقافة الاستراتيجية "الغربية." يقول الجنرال Jijun Li، نائب الرئيس السابق للأكاديمية الصينية للعلوم العسكرية: "الثقافة هي جذر الاستراتيجية وأساسها. التفكير الاستراتيجي، في تطوره التاريخي يصبّ في التيار الفكري الرئيس للبلد أو الثقافة الاستراتيجية للأمة. والثقافة الاستراتيجية لكلّ بلد أو أمّة لا يمكن إلّ أن تحمل بصمة التقاليد الثقافية. وهي تصف صنع القرار الاستراتيجي وتحدده، وذلك عبر وسائل لا واعية ومعقدة"3. وفي الاتجاه نفسه، يقول كتّابٌ صينيون مشاركون في كتيّب "علم الاستراتيجية العسكرية" إنّ "الفكر الاستراتيجي يتشكّل دائمًا على أساس تقليد ثقافي تاريخي ووطني معيّ، وتحكّم استراتيجيين في وضع الاستراتيجية وأدائها دائمًا يتمّ بدافع من أيديولوجية ثقافية معينة وثقافة تاريخية معقدة"4.
تتّسم الثقافة الاستراتيجية الصينية بعدد من السمات العامة5، هي: السمة الأولى: الاعتقاد بأنّ الصين تتمتع بتمايز ثقافي وسياسي لكونها "المملكة الوسطى" (أو حضارة كلّ ما تحت السماء tianxia)؛ فتاريخيًا، نَظَرَ الصينيون إلى دولتهم على أنّها العالم المتحضر؛ وعليه، يصنفون معظم الذين يعيشون خارجها بأنّهم "برابرة." ومن ثم، لا تقبل النظرة الصينية إلى العالم فكرة وقوف أيّ دولة أخرى على قدم المساواة مع الصين ثقافيًا. وهذا هو أحد المبادئ الأساسية في هذه النظرة. ويعتقد الصينيون أن لديهم مهارة خاصة بفنّ بناء الدولة وإدارتها statecraft()؛ وأن الصين لديها قدرة رائدة في مجال علم الاستراتيجية العسكرية المتميز بالمهارة والذكاء، إضافةً إلى معرفة كيفية استعمال القوة المادية. وفي الحقيقة، إنّ الشعور بالتفوّق تحمله كلّ المجتمعات بأشكال ودرجات مختلفة وليس حكرًا على الصين. بل إنّ كل مجموعة تغذّي غرورها بخصوصيتها، وتعتقد نفسها متفوقة؛ فالاعتقاد بالتفوق يؤكّد الجوانب الإيجابية في سلوك الجماعة ويظهر بازدراء الغرباء أو تصوير سلبي لسلوكيات مجموعات أخرى. إنّ من أهم نتائج الإحساس بالتفوّق زيادة التماسك داخل المجموعة. ويظهر هذا بدرجات مختلفة بين المجتمعات. لكن الشعور بالتفوّق الثقافي سمة أساسية من سمات الثقافة الاستراتيجية الصينية. وقد تفاعل شعور التمايز والتفوّق هذا مع موقع الصين الجغرافي وأعطاها رؤية خاصة؛ فهي رأت نفسها تاريخيًا "المملكة الوسطى" في الكرة الأرضية؛ عنت هذه الصورة تحديدًا أنّ الصين هي رأس القمة لتشكيل هرمي لنظام
دولي مؤلف من الدول المحيطة التي تتبع للصين، بما أنّها أدنى منها مرتبةً. وهذه العلاقة الهرمية هي علاقة طبيعية بينها ويجب أن تكون علاقة تبعيّة. ولذلك، اتخذت الصين على مر العصور سياسات تُبقِي العلاقات هرمية الشكل بينها بوصفها مركزًا والتوابع أو الروافد الذين يحيطون بها. وقد كان معنى الاستقرار نابعًا من هذا التصور6. وإذا كانت الدول الأخرى على استعداد ل "مبايعة" الإمبراطور الصيني وإثبات طاعة رسمية له (مثلً من خلال رمزية ال kowtow 7، والقبول بموقع أدنى في التسلسل الهرمي، فإنّ الحاجة إلى الحرب ستنتفي، ولن يشعر الصينيون بضرورةٍ لغزو هذه الدول. وبالنتيجة، كانت السياسات الخارجية الصينية الكلاسيكية سياسات أبوية، بخاصة أنّ فكرة "الشعوب المحيطة هي شعوب بربرية" هي فكرة تَشَارَكَ فيها الأباطرة على مر العقود8. السمة الثانية: تأكيد الوحدة والسيادة داخليًا (أي عدم التدخّل الخارجي)؛ يقوم الحكم داخليًا على مبدأ "التفويض السماوي" Heaven(of Mandate)؛ وهو أن يقبل الشعب الحكم، وبالمقابل يحكم من في السلطة بطريقة تؤمّن العدل والأمان للمجتمع. يستمر الحكم لوقت غير محدد لطالما كان يعمل بحق تجاه الشعب، وسقوط الحكم يعني أنّه خسر التفويض السماوي. وآمن الصينيون أيضًا أنّ الكوارث الطبيعية هي دلالات عدم رضا السماوات على الحكم القائم. شهدت الصين ثورات فلاحين، وحركات تمرّد دينية، ومحاولات انقلابات عسكرية على مر العصور. وحتى إن لم تنجح التهديدات، فإنّها مثّلت تحدّيًا لمبدأ التفويض، فثمة اعتقاد بأنّ الاضطرابات الداخلية تأتي عندما تفتقر الحكومة إلى الانتداب. والصين بلد متعدد الإثنيات والمعتقدات، ما عنى الاهتمام بإبقاء الحكم مستقرًا باستعمال جميع الوسائل المتاحة (حتى استخدام القوة.) وتعتقد الثقافة الاستراتيجية الصينية أنّ الضعف الداخلي مرتبط بالتدخل الخارجي، من حيث أنّ الضعف الداخلي يفتح المجال للانقضاض على الصين، بخاصة أنّ الساحة الدولية تتسم بالعنف والعدائية. والأمثلة التي غالبًا ما تعطى لتأكيد الرابط هي "فترة الدول المتحاربة" 211-475(قبل الميلاد)، و"قرن الإذلال" 1949-1839() الذي كان له تركة ثقيلة على الثقافة الاستراتيجية نظرًا لحداثته؛ إذ عرّضتها الخلافات الداخلية والضعف الناتج من سوء إدارة الاقتصاد وقوة الدولة العسكرية، لسلسلة من الهزائم وخرق سيادتها بفقدانها مجموعة من الأقاليم والأراضي أهمّها هونغ كونغ. تنظر الثقافة الاستراتيجية الصينية إلى كون الوحدة داخليًا مرتبطة بالنظام الطبيعي للعالم (وهو، كما تقدَّم، يعني الاستقرار الإقليمي)، وهي التي تستطيع الوقوف في وجه التهديدات الخارجية، فالوحدة الداخلية هي التي تنتج الاستقرار للصين (وللمحيط)، في حين أنّ الانقسامات الداخلية تؤدي إلى عدم الاستقرار وتغيير النظام. ومن ثم، تكون الصين الموحدة داخليًا والقوية والمتحررة من التدخلات الخارجية شرطًا أساسيًا للاستقرار الإقليمي. وهكذا، على مر العصور، وباختلاف التهديدات للإمبراطورية ولاحقًا الدولة في القرن العشرين، نشأت فكرة توحيد الصين وحمايتها من التجزئة هدفًا مركزيًا للحكم. السمة الثالثة: ضرورة "تجنّب" الحرب وبالأخص القتال المباشر؛ هنالك مبدأ أساسي وهو أنّ أخذ المخاطر ليس مستحبًا ولديه دلالة سلبية في الثقافة الصينية. ومن يتخذ المخاطر يكون مقصًّا في الحسابات الدقيقة وغير آبه بمن يتبعه. إنّ الحرب لا تعني الخراب واستهلاك موارد مادية هائلة (تخيّل الحاجة إلى حماية حدود الصين في حال الحرب.) يؤكد معظم المخطوطات والكتابات الاستراتيجية العسكرية الصينية ضرورة تجنّب الحرب كلمّا أمكن ذلك. وإضافةً إلى الاستراتيجية والتخطيط للمدى البعيد، تشمل مهمة القائد العسكري معرفة تكتيكات المراوغة وسياسة التحايل لكسب المعركة من دون قتال. من هذا المنطلق، تتمثل إحدى المهمات الأساسية للقيادة بمعرفة الأرض التي عليها يتمّ التعاطي مع الآخرين (مثلً خوض الصراعات)، ومعرفة مقدرات الضعف والقوة ومكامنهما، فإذا جابهت خصمك على أرض تفضح عيوبك، لن تنفعك مقدراتك العسكرية. لذا، ووفقًا لصن تزو، لا ينبغي للقائد أن يقوم بالهجوم على أرضٍ ليست الاستراتيجية فيها من مصلحته، بغض النظر عن مقدراته العسكرية القتالية، بل عليه أن يتفادى المواجهة. الحرب في العلاقات الدولية، من منظور الثقافة الاستراتيجية الصينية، مكلفة ومدمرة، ويجب تجنّبها خصوصًا أنّها قد تؤدي إلى انشقاق داخلي. وإذا لم يكن من الحرب بد،ٌ فالنصر يجب أن يتحقق بأقل تكلفة ممكنة، ودون الذهاب إلى حرب استنزاف يطول أمدها. والقيادة الجيدة هي من لديها قدرة رائعة في التحايل للتغلّب على الفوضى الناتجة من الحرب واستعمال أقل قدرٍ ممكن من الموارد. وهذا، على نحو عام،ّ يرافق شعورًا بالخصوصية الصينية؛ ما يعني أنّ الصين تعلم أن
باستطاعتها التفوّق بأقل خسائر ليس لأنّ لديها القوة وحسب بل لأنّها متفوقة على الأعداء والخصوم. هنالك معتقد متجذّر في الثقافة الاستراتيجية وهو أنّ الصين لم تكن يومًا دولة عدوانية أو توسعية، ولم تدفع للحرب ولم تهدد بلدانًا أخرى. فبعد استقلال الجمهورية تجلّ هذا المعتقد بتصريح الساسة المستمر أنّ الصين لن تسعى للهيمنة أبدًا، بل تسعى إلى مواجهة الهيمنة. وخلال الحرب الباردة، كانت الهيمنة تعني الاتحاد السوفياتي، وبعدها أصبحت الهيمنة تعني سيطرة الولايات المتحدة. ويرتبط بهذا المعتقد أنّ الصين عندما تحارب إنما تفعل ذلك دفاعًا عن النفس؛ إذ يؤكد الكثير من الخبراء الصينيين أنّ حروب الصين كانت إمّا لحماية نفسها من عدوان خارجي أو لتوحيد الدولة. يقول المحللون الصينيون إنّ "العمليات العسكرية" الثماني التي خاضتها الصين منذ عام 1949 كانت دفاعًا عن النفس؛ وعند توجّه القوات الصينية إلى خارج الحدود في مهمات، كان نشر القوات محدودًا ولأهداف غير توسعيّة. يكرر عدد من الخبراء في الصين بانتظام مقولة ماو تسي تونغ "إنّنا لا نرغب في أيّ إنش من تراب أجنبي." ودائمًا ما يجري إرجاع مقولة ماو هذه إلى أمثلة عمرها مئات أو آلاف السنين من التاريخ الصيني9.
مصادر الثقافة الاستراتيجية الصينية
تشكّلت سمات الثقافة الاستراتيجية للصين من عدة عوامل تداخلت على مر العصور10. وسيركّز البحث على أهمها؛ وهي: تفاعل الفلسفتين الكونفوشية والداوية، والجغرافيا، والتركيبة المجتمعية وإدارتها.
الكونفوشية والداوية
الفلسفة الكونفوشية هي أحد أهم المصادر الفكرية العميقة والمتجذّرة في تأثيرها في الثقافة الاستراتيجية الصينية. نمت الكونفوشية في فترة الدول المتحاربة (حوالى القرن الرابع إلى الثاني ق.م.). وتنافست مع نظم فكرية وفلسفية أخرى؛ حاول معظم هذه النظم والأفكار أن يثبت أحقيته للحكام من خلال إظهار أنّ لديه القدرة على تحريك المجتمع لهدف الحرب بطريقة تساعد من في السلطة. أصبحت الكونفوشية لاحقًا النظرة السائدة (لا الوحيدة)، وبخاصة بعد أن تبنّتها سلالة الهان.
بحسب وجهة النظر الكونفوشية، من طبيعة العالم أن تبنى العلاقات الإنسانية ضمن نظام هرمي وتراتبي؛ على هذه الأسس واحترامًا للنظام الطبيعي، على السلطة أن تحكم داخليًا وتتعامل مع الخارج الذي تألّف عبر الزمن من عدة أصناف، مثل البرابرة وسواهم. ويُنتظَر من هؤلاء أن يخضعوا، لكون الصين تتربع على الهرم النظمي، وبالأخص الإقليمي11. والشعب الصيني كذلك، من وجهة النظر هذه، مسالم ويحب التناغم؛ ودائمًا ما تستعمل مبادئ صن تزو لتأكيد هذا وبخاصة قوله إنّ الهدف المفضل الذي يجب أن يوضع لأيّ حرب هو الانتصار من دون القتال واستعمال القوة المادية. ويأتي هذا من فهم دور القائد في الحكم من خلال إحقاق التوازن والتناغم، داخل المملكة وفي العالم. تظهر فضيلة الحاكم من خلال تعاطيه الخيّ مع المرؤوسين أو الشعب. من هنا تظهر الأهمية الموضوعة على المحافظة على الوحدة الداخلية والتوازن قبل الذهاب إلى سياسات خارجية تطمح لصبغ التابعين بهذه الأفكار نفسها. يُعطي مفكرون صينيون مثالً على أحقية هذه الفلسفة من خلال الإشارة إلى أنّ شعوبًا بربرية (مثل المغول) تبنّت مؤسسات ونظمً لحكم الدولة مبنيّة على الكونفوشية، مثل نظام الخدمة المدنية الذي أساسه النظام والتراتبية والجدارة12. لقد طوّر تلامذة كونفوشيوس هذا الفكر (مثل مينسيوس)Mencius وأكّدوا أهمية "الحق" بوصفه مكوّنًا للطبيعة الإنسانية، واعتماده
أساسًا في العلاقات مع الآخرين. هنا تتوضح أهمية التعامل المبدئي مع "أهل الداخل" (الحاكم مع المجتمع) أو مع الخارج في سبيل الثبات والنظام (فمفهوم النظام هنا هرمي.) وينطبق هذا أيضًا على البرابرة في المناطق الخارجية13. أمّا الداوية فهي فلسفة (بما أنّها تتعامل مع الأمور الحياتية الإنسانية واقعًا)، وديانة (بما أنّها محاولة ربط الواقع الإنساني مع قوى غيبية - إلهية.) وبوصفها فلسفة، فهي قريبة من الكونفوشية، وبالأخص من ناحية احترام قوانين الطبيعة. لكن بينما تهتم الكونفوشية كونها فلسفة بالحياة اليومية والهموم العملية، فالداوية (أو التاوية) فهي بوصفها معتقدًا دينيًا لديها اهتمام بعلاقة البشر مع الروحانيات وتقدير العلاقة مع الأجداد الذين غادروا إلى عالم الغيب. الأهم أن الداوية "تعبد" الطبيعة؛ كونها تعتقد أنّ بالطبيعة تعكس أحكام الآلهة. ومن مبادئ الداوية الجديرة بالذكر مبدأ wei(wu) أو العمل الجاهد من دون صراع في العمل بل الاستفادة من طرق وأساليب غير "تواجهية" توصل إلى الهدف؛ ويعني هذا أنّ على المرء التمرّس بالطرق التي توصل إلى الأهداف بأساليب "طبيعية" ومن دون مواجهة. ومن المهم أن نذكر في هذا السياق، أنّ ماو خلال حقبة حكمه (وبالأخص في الثورة الثقافية بين الأعوام 1976-1966) حاول الحكم قصرًا بالتقليل من قيمة هذه المعتقدات في الحقل العام لمصلحة ما عدّه ضرورة إعلاء شأن المبادئ الشيوعية. يرى الكثير هذه الحقبة استثناء، بخاصة أنّها لم تستطع القضاء على هذه الأفكار المتجذرة طويلً في المخيلة الصينية والثقافة العامة. لكن أفكار كونفوشيوس والداوية عادت بصورة ملحوظة إلى الحقل العام، ولكن يصاحبها منذ فترة جدال داخل الصين حول كيفية الاعتراف بمكانتها دينيًا وسياسيًا، بخاصة كونها تحوّلت مع مرور العصور إلى مبادئ مؤسِسة للقيم الاجتماعية.
الجغرافيا
للموقع وللطبيعة الجغرافية اللذَين تتمتع بهما الحضارة الصينية تأثيرٌ مهمّ في تكوّن الثقافة الاستراتيجية، وكيفية العمل بالسياسة الخارجية. بقيت الحدود مستقرة نسبيًا لوقت طويل ولكنّها كانت عامة، حين كان المجتمع الصيني وثقافته في حال التبلور؛ ولم تقم الصين برسم حدود سياسية لها قبل معاهدة نيرشينسك of(Treaty kNerchinsk عام.1689) يتحدّث المؤرخون عن جغرافيا مختلفة للصين تاريخيًا، فمثلً، لم تُعد التبت جزءًا من الحضارة الصينية حتى حوالى القرن السابع عشر (عهد تشينغ)14. وكانت شينجيانغ تعدّ أيضًا "خارج" الحضارة الصينية، ولكنّها "قريبة" نظرًا لقربها من طريق الحرير، وإنّ تمايزها يأتي من اختلاف لغاتها المستمدة من التركية وتركُّز فئات مسلمة فيها غير الخوي)Hui(15. والأهم من ذلك أنّ الصين محاطة بحواجز طبيعية، تكون الحياة السكانية فيها منخفضة التركّز، مثل سهوب الشمال، والأدغال والمحيط والأراضي الصحراوية في الجنوب، والتبت في الغرب. عنَت هذه الحواجز الطبيعية مع الوقت أنّ الصين لم تكن في حاجة إلى تطوير سياسةٍ خارجية معقدة.
إضافةً إلى ذلك، يعكس سور الصين العظيم (المذكور في النشيد الوطني الذي كُتب عام 1934) عقلية معيّنة في التعاطي مع الخارج؛ وهي أنّ أهميته العسكرية والأمنية تكمن في ردع المعتدين، وإعاقة طريق من يريد الهروب أيضًا. لكن أهمية السور الأساسية تكمن في أنّه يعزل الداخل نفسيًا عن المحيط (البربري.) لقد عكس بناء السور رؤية الثقافة الصينية لمحيطها وللخارج عامةً؛ كما عكس إصلاحه من جانب الأسر الحاكمة المتلاحقة توسّع الإمبراطورية، فضلً عن التقنيات الجديدة في البناء. في الداخل، سمح تطور الحضارة الصينية على طول أنهر وإتقان تقنيات الري والزراعة، باستغلالٍ فعّال للتربة الخصبة، ومن ثم، نمو المراكز الحضرية والاقتصاد المرتبط بها. استفادت هذه المراكز من
اختراعات في البنيان والزراعة وأوضاع سلمية ممتدة لفترات طويلة جعلتها تنمو نموًا أسرع من محيطها. وقد ساعدت هذه التغيرات على فهم شعور التمايز الصيني، ونظرة أهل الصين لأنفسهم على أنّهم الحضارة أو مركز الحضارة في المنطقة. من هنا ظهر مبدأ أن الصين هي حضارة "كلّ ما هو تحت السماء" Tianxia() الذي خلق عبر استمراريته التاريخية هوية وطنية متميزة، تختلف اختلافًا ملحوظًا في مفهومها للحكم وعلاقة السلطة بالمجتمع عن تلك التي ظهرت في الغرب بعد معاهدة وستفاليا. على الرغم من مرور العصور والتغيرات في الرسم الدقيق للحدود (بدوافع الحروب، أو عوامل سياسية واقتصادية أخرى)، من منظار الثقافة الاستراتيجية بقيت حدود الصين الطبيعية (أو كلّ ما هو تحت السماء) ثابتة، على نحو كبير؛ بدرجة كبيرة البحار والمحيطات في الشرق، والجبال وتضاريسها في الجنوب، والصحراء الممتدة غربًا وشمال.
سياسيًا، ساد المجتمع داخل هذه الحدود، وبعد التراجع السياسي في القرن التاسع عشر ومنذ قيام الجمهورية الحديثة، ضعفٌ تنموي، وفقر، وتشنجات بين الإثنيات، وركود عام. وقد رأت السلطة الجمهورية أنّ سبب هذه المشاكل يعود إلى الهويات المختلفة داخل والنزعات الانفصالية16. ولذلك، تتأثّر رؤية الحكومة الصينية اليوم تجاه أقاليم مثل التبت وشين جيانغ، مثلً، بتاريخ الغزو الأوروبي واليابان والانتفاضات والحروب المصبوغة بلون ديني في القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من اكتشاف موارد مهمة في كثير من هذه المناطق، فإنّها لا تزال مهمشة؛ انحصرت أهميتها، فضلً عن الاقتصاد، في الحفاظ على وحدة البلاد. يُرجع الكثير أسباب المشاكل الحالية الداخلية إلى القرنين الماضيين والتدخلات الخارجية. إضافةً إلى ذلك، الصين اليوم لها حدود دولية مع أربع عشرة بلادًا (أو 15 إذا أضفنا هونغ كونغ)؛ ومع ازدياد المقدرة على التحرّك ومشاركة المعلومات، من الطبيعي أن تكون المسؤوليات والضغوطات الأمنية مع حدود كبيرة جدًا على الحكومات المركزية والمحلية. ولكن جدير بالذكر أنّ هذه التفاعلات مع الخارج زادت من التواصل الصيني مع العالم وساهمت في تشكيل الهوية السياسية للدولة الحديثة، ودفعت المجتمع لطرح تساؤلات بخصوص العلاقة مع العالم وفي الوقت نفسه نظرة العالم إلى الصين.
التركيبة المجتمعية ودور الإدارة والطبقة الحاكمة
يبدو المجتمع الصيني متجانسًا بتركيبته الإثنية تجانسًا كبيرًا؛ إذ يمثّل الهان نحو %91 من السكان، في حين يمثّل حوالى 56 فئة إثنية %9 تقريبًا من تعداد السكان. هذه الأرقام هي أرقام الوقت الراهن. ولكن، حتى على مدى العصور، كان الهان يمثّلون الأغلبية. لذلك، تمثّل توجهات الأغلبية من الهان ورؤاها الأساس الفكري للصين الإمبراطورية والجمهورية. واللغة الصينية أيضًا، (وهي عامة "المندارين)" وبالأخص الأحرف المستعملة باللغة تعود إلى آلاف السنين وتُعدّ من أقدم اللغات في العالم. مع الوقت طرأت تغيرات على اللغة بتأثيرات تقنية مثل الورق والطباعة، ولكنّها حافظت على جوهرها. تفاعلت العوامل المذكورة مع ظهور طبقة مميزة من العاملين في الإدارة أو الخدمة المدنية، والتي كانت أساسية في توحيد الصين، كما شكّلت العصب الحيوي لاستمرار الحكم لآلاف السنين من دون انقطاع على الأقل منذ حكم ال "شين" (حوالى القرن الثالث قبل الميلاد.) لقد قاد تفاعل اللغة الموحدة، واستمرارية الإدارة، والتجانس الإثني إلى تكوّن علاقة وطيدة بين الحكم والمجتمع، تمثّلت بدور أساسي لطبقة من الخدمة المدنية حريصة على صيانة المتوارث والتقاليد مثل مبادئ الكونفوشية في حكم السياسة الداخلية كما الخارجية. وإضافةً إلى إدارة الدولة وبنائها على أساس الكفاءة ممثلً بنظام الامتحانات، ساعدت أهمية الخدمة المدنية على إنتاج النخب أو على الأقل على الرقابة على النخب السياسية. واقعيًا، عنى هذا أن النخبة السياسية لم يكن في مقدورها أن تنعزل عن طبقة الخدمة المدنية (والتي لها دور مهم في العمل لمصلحة المجتمع كما تورد المبادئ الكونفوشية.) وعنى أيضًا أنّ هذه الطبقة مميزة بتدريبها الفكري واطلّاعها على الكتابات التقليدية الصينية، ما يعني أهميتها في استقرار الأطر العامة للثقافة الاستراتيجية، عبر التاريخ.
استقرار الثقافة الاستراتيجية مع تغير أنماط الحكم
مع تغير تشكيل القيادة عبر التاريخ، مازالت أفكار متجذرة أهمها دور الإدارة والتفويض السماوي، مستمرة. وفي عصر الجمهورية الحديثة بعد 1949، وخلال حكم ماو تسي تونغ حصل بعض صناع القرار في النظام السياسي على قدرة اتخاذ السياسات الخارجية وبالأخص الأمنية، مع تأثّر قليل، أو حتى معدوم، بتوجهات المؤسسات الرسمية مثل مجلس الشعب. لا يعني هذا انفصال هرم الحكم عن القاعدة الشعبية، بل هما مترابطان بمبادئ التفويض السماوي، إضافةً إلى أن استمرار هذا الشكل من الحكم لعصور خلَتْ زاد من قبوله اجتماعيًا (وهذا لا يعني قبولً تامًا، ولا ينفي وجود معارضة وتحديات.) ربما كان حكم ماو تسي تونغ هو الأقى في استعمال العنف والسياسات الثورية التي كان يعدّها تجديدًا ودعمً لاستقلال الصين. كان السياق الذي فيه أتى ماو سياق اهتراء داخلي في عصر شينغ، تزامن مع هزيمة على يد دول أجنبية، واقتطاع أراضٍ من الصين، هذا فضلً عن أنّ شخصية ماو أسرت الصينيين. قاد كلّ هذا إلى تبنّي سياسات تستند إلى نظريات ماو الشخصية للحكم، التي شكّلت بدرجة عامة انقطاعًا عن السابق، غير أنّها انتهت إلى نتائج كارثية. لربما الدلالة الأوضح على الاعتراف بالتأثيرات السلبية لهذه الحقبة، كانت محاولة القيادة تحت دينغ شياو بينغ الابتعاد عن هذا التاريخ وعكس سياسات عدة في السياسة الخارجية والداخلية، مع التأن بعدم إعطاء انطباع علني حول رؤية مخالفة لعصر ماو17. أطلق دينغ داخليًا ما عُرف باستراتيجية "الإصلاح والانفتاح" والمراد منها بالتحديد "إطلاق سراح" العمالة وبخاصة الفلاحين من الكانتونات الزراعية التي بنتها الدولة في عهد ماو والسماح لهم بإعادة مزاولة مهنة الزراعة بمؤسساتهم التقليدية (العائلة، أو القرية)، مع فتح المجال للعمل في الصناعة. أمّا تحرير الاقتصاد الداخلي فقاد إلى الانفتاح على الاقتصاد العالمي (التجارة، والاستثمار.) وبذلك ازداد الارتباط الصيني بالنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. ومن ثم، ازداد الاتكال الصيني على صحة عمل هذا النظام. يضيف هذا الترابط عاملً آخر يفسر طبيعة اتسام السياسات التي أتت بعد دينغ بالبراغماتية والابتعاد عن الديماغوجية والعقائدية. كان دينغ نفسه قد تبنّى قولً (نقله عن مزارع) وهو "لا نهتم إذا كانت الهرّة سوداء أو صفراء، فطالما تصطاد الفئران هي هرة جيدة"18. من هذا المنطلق يرى باحثون كثر أنّ عصر ماو مثّل خروجًا على الإطار العام للسياسات التي دامت عصورًا، والتي ركّزت على الرعوية، وأنّ الصراع على السياسات الداخلية لخدمة المصلحة العامة، وليس الخاصة، تجلّ في الصراع بين بينغ وما عُرف في التاريخ الصيني المعاصر ب "عصابة الأربعة"19، وكذلك في القيادي الصيني البارز تشو إنلاي الذي كانت له شعبية كبيرة، وكان مخالفًا لتوجهات ماو.
على سبيل المثال، ساهمت مواقف إنلاي وتدخلاته في اتخاذ قرارات أقل مواجهة وأكثر واقعية من ماو في التخفيف من حدة المواجهة في السياسة الخارجية، وبخاصة مع الدول العظمى في الحرب الباردة. ومن أهمّ السياسات التي قادها إنلاي صوغ ما يُعرف ب "المبادئ الخمسة للتعايش السلمي"، التي أتت من تصوّر رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو عام 1954. سطع نجم هذه المبادئ، ومعها إنلاي، في مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونغ عام 1955 ومثّلت نقطة ارتكاز للحركة. وهذه المبادئ هي: الاحترام المتبادل للوحدة الجغرافية والسيادة؛ وعدم العدوان المتبادل؛ وعدم التدخّل المتبادل في شؤون الآخر الداخلية؛ والمساواة والتعاون من أجل مصالح مشتركة؛ والتعايش السلمي. تنظر هذه المبادئ الخمسة للنظام الدولي من ناحية قيمية وليس واقعية - صراعية؛ وتكمن أهميتها للصين في أنّها أتت في وقت محاولة التخلص من تاريخ الهزيمة و"قرن الإذلال" وبحث الصين عن موقع مميز في السياسة العالمية يعكس شخصيتها وتاريخها، وتتبعها الحكومات الصينية حتى يومنا هذا لتفسير السياسة الصينية لدعم الاستقلال السيادي للدول وعدم التدخّل20. وقد استعمل الرئيس الحالي شي جينبينغ هذه المبادئ؛ كموقف الصين الرسمي في قمة
التبادل وبناء الثقة في آسيا في 2014. في الوقت نفسه هنالك العديد من المفكرين في الصين يدعمون القول إنّ حقبة ماو شابها الكثير من الاستثنائية في المواقف من العالم، وبالأخص في دعم الصين حركات ثورية شيوعية. اتصف الحكم منذ دينغ شياو بينغ بمحاولة الحصول على قبول شعبي أكبر، مع الحفاظ على تصوّر عدم مخالفة "تفويض السماء." يشعر حكّام الصين، منذ بينغ، بأنّهم مقيدون بهذه المبادئ (بالتأكيد أكثر من ماو.) وإذا كانت الطبقة الحاكمة في عهد ماو شعرت بأنّها المحرك الأساسي لتغيير المجتمع بطريقة ثورية وكسر القيود التي وضعت في القرن السابق، كان توجّه الحكومات بصورة عامة منذ دينغ إلى أن الاهتمام يجب أن ينحصر في المحافظة على إنجازات الأعوام الثورية مع عدم إطلاق ثورة داخلية مجددًا. من هذا المنطلق، تُركّز الحكومات الصينية منذ ماو على توطيد العلاقة مع المجتمع. بالطبع، إنّ القدرة على تقييم الشعبية والموافقة العامة لهذه السياسات معقّدة، كما أنّ تركيز السلطة يزيد من ضبابية محاولة فهم الرأي العام أو أنماط المعارضة السياسية، خصوصًا أنّ التناوب على السلطة ما زال يجري داخل أروقة الحزب الشيوعي. لكن من الجدير ذكره أنّنا لا نزال نرى استمرارية عامة للسياسات المتبعة منذ تحولات دينغ شياو بينغ وعدم ظهور نظام فكري واسع القبول يسعى لإطاحة ما هو موجود. ومن هنا، نستطيع القول باستمرار الأطر العامة للثقافة الاستراتيجية. لا ينفي هذا الاستقرار في الأفكار بالطبع تأثير شخصيات من في الحكم في السياسة.
الثقافة الاستراتيجية وسياسة الصين الخارجية
لقد أثّر امتزاج العوامل والأفكار المذكورة سابقًا في نظرة الثقافة الاستراتيجية الصينية وأهداف الدولة لعلاقاتها مع العالم. فحياة الصين المستمرة عبر العصور ومعها المؤسسات الوطنية والذاكرة السياسية والفلسفة الصينية التي استمرت في الحياة وكان لها أثرٌ واقعي في الصينيين بصورة ملموسة، كلّ ذلك يجعل الثقافة الاستراتيجية ترى مبادئ الربح والخسارة من منظار طويل المدى جدًا. فالخطط التي تنتج من تفكير مماثل تركّز أكثر على القدرة على المناورة والتلاعب وتتقبّل الخسارة (النسبية طبعًا، والتي لا يمكن أن تعني فناء المجتمع، على سبيل المثال) بوصفها محطة في طريق طويل. على هذا الطريق، يكون دور القيادة هو تجنّب المواجهة وإتعاب الآخر وعدم فقدان رباطة الجأش أو الصبر. نرى هذا مثلً في عودة الكثير من صناع القرار إلى تاريخ الصين الطويل واستراتيجيات وحوادث سابقة لتفسير سياسة معاصرة أو تبريرها21. لقد عزّزت الاستمرارية والامتداد الكبير في مساحة الصين وحدود جغرافيتها مبدأ "المملكة الوسطى" (أو كلّ ما تحت السماء) بوصفها قوة واقعية مكتفية ذاتيًا وذات مركزية خاصة. وانعكست هذه المبادئ على توليد أنماط عامة في علاقات الصين الدولية؛ فعلى سبيل المثال، لم ترسل الحكومات الصينية مستكشفين إلى الأطراف للبحث عن أراض جديدة و"استعمارها" وبالأخص خارج المحيط الآسيوي، ولا بعثات دبلوماسية لإقامة علاقات مع الدول الأخرى (هناك استثناء منفرد، وهو بعثة تنقيب أُرسلت في القرن الخامس عشر)، ذلك أنّ الثقافة الاستراتيجية الصينية تتوقع أن يرسل الآخرون ممثلين إلى الإمبراطور لنيل رضاه. ولذلك، كانت تحالفات الصين الخارجية وتبادلاتها الدبلوماسية والتمثيلية في الخارج (والتي مبدئيًا تضع الدول على قدم المساواة النظرية) محدودة مقارنة مع الدول الأوروبية، وهي ظاهرة مميزة إذا ما أخذنا في الحسبان قدرات الصين البيروقراطية والإدارية والمادية التي تخوّلها إقامة مروحة واسعة من التمثيل والتحالفات وصيانتها. هذا، وتجب الإشارة، إلى أنّ الصين، على الرغم من هذه المحدودية، تشارك في عدة نشاطات وعلاقات سياسية وثيقة (مثل إمدادها المزعوم للمواد النووية وتصاميم الطاقة النووية لباكستان في وقت سابق.) ومن ثم، لم تُحدث الحضارة الصينية رسالة حضارية mission(.)civilisatrice ولم تسْ ع لإقامة منظومة لنشر أفكارها؛ وتعاملت مع المحيط بوصفه مجموعة من البرابرة الذين على حكوماتها احتواؤهم كي لا يعرّضوا الداخل (الذي تحت السماء) للعنف والغزو22. إنّ أحد أدوار سور الصين العظيم لم يكن منع الدخول فقط، بل إنّه يعكس أيضًا فكرة أنّ الخارج غير مهم لل (تيان خا tianxia)، أي كلّ ما تحت السماء (كما ذكرنا.) رأت الصين تاريخيًا أنّها تمثّل العظمة وأنّ الخارج يتشرّف بالدخول إليها وليس العكس. فعلى سبيل المثال، كان النفي من الصين إحدى مراحل العقاب القانوني الخمس: أولً كان الضرب بعصا صغيرة، ثم الضرب بعصا غليظة، ثم الحجز والضرب بعصا غليظة، ثم النفي، وأخيرًا (والأشد قساوة) الإعدام23.
لقد تشكّلت الحياة داخل الص ني مع عمل السلطة تجاه المصلحة العامة. وهو ما يعطي حافزًا أو رابطًا للمواطن ني للعمل مع هذه السلطة. ونستطيع هنا أن نقدّر الرابط ب ني السياسة الداخلية والخارجية.
كان أحد أهم المبادئ التي أصدرها مينسيوس يفيد بأنّ أسوأ سياسة يمكن أن تتبعها دولة هي أن توقف عمل الناس اليومي وطريقة حياتهم للإغارة على دول أخرى، وأنّ التمدد البري وتراكم الثروة يؤديان إلى اضطرابات كهذه في حياة الناس، وأنّ القادة – وهم في خدمة الدولة - إذا اتبعوا أهدافًا مماثلة فإنّهم يعكّرون صفو الجميع ويجب أن يعاقبوا24. إضافةً إلى أنّ وجود دول تعدّها الصين "متحضرة" – ولكن ليست في وضعية موازية أو ندّية – تكون حافزًا للصين لتتصرف معها من منطلق أبوي ورعوي؛ بحيث ترى الصين نفسها قادرة على المساهمة إيجابيًا في نمو هذه الحضارة. الجواب، إذًا، لا يكمن في الهجوم والاحتلال. عملً بهذه المبادئ، وتاريخيًا، قبل ازدياد قوة الأقطار المحيطة، اتخذت الإمبراطوريات الصينية سياسات لإخضاع الأمن وتثبيته في المناطق المحيطة. بصورة عامة، كان الاهتمام الأول بالداخل الصيني وليس إنفاق الموارد على الحروب أو التوسع. ولكن في حال وُجد دافع للسيطرة على المحيط وإخضاع من فيه (وليس للتوسع الإقليمي) يتجادل أصحاب الرأي حول كيفية العمل خارج الحدود. في الإخضاع، ظل المفكرون الكونفوشيون الصينيون يفضلون العمل من خلال نظام إقليمي مبني على دعائم الثقافة والقيم المشتركة، لأنّ الطريقة الوحيدة بالنسبة إليهم لإرخاء الاستقرار المستدام هي الروابط الثقافية25. لا يعني ما سبق غياب الصين كليًا في السياسة الخارجية. ولا يعني أيضًا أنّ الصين كانت دومًا تتبع في الداخل حكمً مسالمًا، وخارجيًا سياسة وديعة، مجرّدة من استعمال القوة العسكرية. بل هي تدخّلت في نزاعات (بين دول، أو زعماء)، ولجأت إلى القوة العسكرية عند الضرورة القصوى (تفسير الضرورة القصوى بالطبع يعود إلى تقييم صنّاع القرار في الصين)، غالبًا في محيطها الآسيوي. غير أنّها بصورة عامة، كانت راضية بالاستمرار في القيام بدور رعوي وإداري، وضع غالبًا في إطار الثقافة والمجال الطبيعي الصينييَن. وخارج المجال الجغرافي المحيط، لا مبرر لأن تقوم الصين بدور. إنّ مزيجًا من الكونفوشية ومبادئ من "الكتب العسكرية السبعة"26 يساعد على تفسير أهمية الإخضاع من دون قتال لأنّها لا ترى فاعلية العنف الحربي الجسدي بل تحبّذ كسب العقل والودّ بخاصة أنّها ترى أنّ الشعب المهزوم الذي لن يخضع من المرجّح جدًا أن يكون عبئًا على الدولة. وعملً بهذه المبادئ، لم تسع الصين عامةً إلى التوسّع الحدودي أو أن تكون دولة مستعمرة، فازدياد حجم الدولة لحدود غير "طبيعية" (التي تعني، في المعنى العام، الحدود الجغرافية للداخل الصيني) يمكن أن ينتقص من سيادة الدولة، أي السيطرة على كلّ ما تحت السماء27. نتج من مزيج الاهتمام بالمعرفة واحترام التقاليد (التي مصدرها الكونفوشية والداوية) سلوكيات في الدولة تتصف بتمحور داخلي ذاتي المرجعية، وحَذر من العالم الخارجي. فتمحور السياسة الخارجية الصينية حول نفسها بقي راسخًا حتى نهاية عصر الإمبراطوريات؛ حتى خلال حروب الأفيون مع الإنكليز، حاول الصينيون إقناع بريطانيا أن الصين مكتفية ذاتيًا ولا حاجة لها بالتجارة مع الخارج. عندما حاول الإنكليز الدخول إلى مناطق صينية يقال إنّ صانعي القرار في الصين تعجبوا لهذا الحدث: أنّ أناسًا غرباء يتبعون لعالم آخر يريدون البقاء في الصين. وحتى عند احتدام الحرب، بقي المفكرون الكونفوشيون مصرّين على أنّ النقد الذاتي والأخلاق والأفكار الكونفوشية يجب أن تنير السياسة أكثر من التحضير لاستراتيجيا حربية. ولم يبدأ التغير في مقاربات الصين للعالم إلّ من أجل التأقلم مع العالم الجديد28.
لقد أكّدت تعاملات الصين مع القوى الكبرى الغربية واليابان في القرن الأخير قبل 1949 صواب المبادئ العامة للثقافة الاستراتيجية، وبخاصة أهمية المحافظة على وحدة الداخل ومناعته. كان لإضعاف الإمبراطورية في القرن التاسع عشر (في ما يُعرف ب "قرن الإذلال)" تأثيرٌ مهم في الثقافة الاستراتيجية الصينية. لقد غيّ ت علاقتُها مع بريطانيا بالأخص مقاربتها للسياسة الخارجية من ناحية جعلها تضطر لتقبّل واقع ضرورة التعامل مع العالم، لكن ذلك لم يلغِ كل مقاربة الصين السابقة. تمثّلت أولى المحطات التي أظهرت ضعف الصين أمام الخارج بالسياسة البريطانية في إعطاء احتكار لشركة الهند الشرقية لتهريب الأفيون إلى الصين في وقت منعت الصين الاستيراد، ثم حروب الأفيون (الأولى، 1839 - 1842 والثانية)، وتدخل 1860-1856 تحالف إنكليزي – فرنسي - أميركي أكثر تقدمًا عسكريًا من الصين ألحقَ هزائم مذلّة وصادمة بالصينيين. تلت الحرب معاهدة نانكينغ of(Treaty Nanking) التي لم يكن على بريطانيا فيها التزامات، بل إنّها أعطت بريطانيا حقوق خرق حدود الصين الإقليمية (من خلال إرسال موفدين)، وفرضت تعويضات على الصين، نصّت على فرض تعرفة جمركية على البضائع الصينية، وأعطت بريطانيا حق السيادة على هونغ كونغ. لاحقًا، وفي عام 1845، أبرمت الولايات المتحدة وفرنسا معاهدات مماثلة أعطت الأطراف الغربية أفضلية في التجارة مع الصين، ما يعني أنّ هذه الدول لديها الأولوية في مقدرات الصين وليس الإمبراطور الصيني. مثّلت هذه الحروب والمعاهدات مرحلة فاصلة في تاريخ الصين وفي الذاكرة الجماعية الصينية لا عودة عنها. فهذه الحقبة "مثّلت تحوّل الصين المفاجئ من دولة قوية، فخورة، وموحدة إلى دولة قُسمت أرضها مثل البطيخ من قِبَل قوى أجنبية وأهين جيشها"29. من الجدير ذكر أنّ هذه "المملكة تحت السماء" (في مخيلتها) تؤكد أنّها لم تذهب إلى أوروبا والقارة الأميركية بل هم من أتوا إليها؛ فأفعالهم تركت في الذاكرة الصينية ريبة وتوجسًا من الدول العظمى وطريقة قيادتهم للسياسة الدولية، بخاصة من جهة استعمال العنف. مع أنّ علاقة الصين بالعالم لم تولد في القرن التاسع عشر، فقد ترك القرنان التاسع عشر والعشرون أثرًا كبيرًا. الواقع اليوم هو أنّ الصين تنظر بعين الريبة إلى النظام العالمي الذي تهيمن عليه دول "الغرب" التي تدخّل الكثير منها في سياسات الصين الداخلية في القرن الفائت وأذلّها؛ كانت ردة الفعل الأولى للصين في بداية العصر الجمهوري، حيث رفضت نظامًا عالميًا يطغى عليه انعدام التكافؤ. ومع أن علاقات الصين مع الولايات المتحدة في القرن العشرين كانت مهمة لها، وبخاصة عند تشنج العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، لكنّها إلى اليوم لم تغادر شكّها في النوايا والسياسات الأميركية. ولعلّ "سياسة الانفتاح" kai(fang) التي دعا إليها دنغ شياو بينغ، والتي كانت تعني "بناء اشتراكية ذات خصائص صينية" تعكس هذا التردد وهذه الريبة من الغرب كما الاتحاد السوفياتي آنذاك. لقد سعت الحكومات الصينية، ولا سيما في حقبة دنغ شياو بينغ إلى ملاحقة مصالح الصين الاقتصادية من خلال التعامل مع الولايات المتحدة وغيرها. تساعدنا الثقافة الاستراتيجية هنا على فهم طريقة تنفيذ سياسات لتحقيق مصلحة الصين وأسباب تحفّظها على بعض أشكال النظام العالمي، وبالأخص على تدخّل الولايات المتحدة في المحيط في آسيا. فإذا كانت الصين قد قبلت الواقع بأنّ الولايات المتحدة هي رأس الهرم في النظام الدولي، ومن ثم، يتعين على الصين الاندماج في الوضع الراهن للفوائد الاقتصادية، فإنّ هذا لا يعني تخلّ الصين عن تصوّرها لأهمية العلاقة الإقليمية مع دول مماثلة أو اتّباعها سياسات خارجية تدفع بها إلى أماكن في فضاء السياسة العالمية لا ترى نفسها جزءًا منها كما لا ترى هي الكثير من الدول الفاعلة اليوم في آسيا جزءًا حقيقيًا من آسيا يحق له التدخّل. يقدّم الخبراء عدة دلالات على استمرار أفكار أساسية راسخة في الثقافة الاستراتيجية الصينية؛ منها، ظاهرة العلاقات الصينية مع محيطها. مع أنّ آسيا شهدت في القرن العشرين حروبًا (بالأخص التحررية)، لكنّها تعدّ نظريًا وبشكل عام مستقرة. ومع وجود تنافس بين الدول رأينا أيضًا وجود روابط تعكس هرمية معينة شابهت إلى حد بعيد الهرمية التي كانت موجودة في الحقبة الإمبراطورية الصينية، وبالأخص كون الدول حول الصين تمثّل نوعًا من الروافد. إنّ أحد التفسيرات المهمة لهذه العلاقات ولرؤية نظام الروافد في آسيا في حقبة معاصرة هو أنّ الهرمية تأتي من ثقافة كونفوشية مشتركة تحدد وجهة نظر عالمية للصين وشرق آسيا، وتولّد نظامًا إقليميًا فرعيًا قائمًا ليس على المبادئ الغربية التي تفترضها نظريات العلاقات الدولية مثل توازن القوة ولكن مشتركات ثقافية. فعلى الرغم من تحوّل آسيا إلى النظام الدولي تحت سلطة الاستعمار، لا تزال في هذه المنطقة من آسيا نظامًا فرعيًا مميزًا في قيمه30.
هنالك درسان يساعدان على فهم الصين اليوم، مرتبطان بتبعات أواخر القرن التاسع عشر وحتى نصف القرن العشرين. الدرس الأول هو أنّ الصين لديها مرارة ممّ عانته من ويلات الاستعمار الغربي وما تأتّ منه من هزائم. فموقفها الحالي تجاه الأراضي في جنوب بحر الصين وشرقه (مثل جزر سبراتلي، وتايوان) ينبع من شعورها بتعرّضها لمظالم، وبأهمية أن تسترد ما أ خذ منها بالقوة آنذاك، بطريقة قانونية اليوم، مع أهمية أن تُظهر قوّتها. ولا يعكس موقف الصين هذا عقلية توسعية تريد قلب النظام القائم. إنّ النهج الصيني في العلاقات الدولية عامةً وتجاه الولايات المتحدة على وجه الخصوص يقوم (إضافةً إلى كون جزء أساسي منه هو اهتمامات وأولويات داخلية، مثل الإبقاء على صحة الاقتصاد) على حساسية تاريخية يشوبها الشعور بالضعف31.
أمّا الدرس الآخر فهو أنّ فشل النظام السياسي تحت حكم أسرة تشينغ 1644(- 1911) في تطوير الاقتصاد والقدرات العسكرية تبعته عواقب وخيمة تمثّلت بعدم قدرة الصين على صدّ التدخل الخارجي (في القرن التاسع عشر، وأوائل العشرين)، ومن ثم، تنازلاتها الاقتصادية والسياسية وخسارتها أجزاء من أرضها لضغوطات عسكرية متفوقة، مثل هونغ كونغ وماكاو وتايوان وأجزاء من منشوريا. مع العلم أنّ الثقافة الاستراتيجية تدعو إلى حساب تأثيرات السياسة الخارجية، مثل الحرب، على موارد الدولة، فإنّ الدرس الذي تركه هذا التاريخ هو التشديد على الحكومات بصيانة سيادة "كلّ ما تحت السماء" أولً وعدم الدخول في مغامرات غير محسوبة العواقب. ومن ناحية أخرى، بإمكان الثقافة الاستراتيجية تقديم تفسيرات عن السياسات الصينية حيال موضوعات مهمة؛ مثلً تايوان التي لا تزال المسألة العالقة بعد عودة هونغ كونغ وماكاو. للصين قدرة عسكرية على فرض السيطرة على تايوان، وهنالك قواعد وقوات عسكرية صينية قريبة من الجزيرة، ولكن لا تزال الصين تنادي بالعودة السلمية لتايوان. سابقًا، أدّى عرض القوة الصينية إلى ما يُعرف بأزمة مضيق تايوان 1995(التي امتدت نحو العام.) والتفسير السائد هو أنّ ما يردع الصين من الهجوم على تايوان واستردادها بالقوة هو الردع الأميركي. ولكن من وجهة نظر الثقافة الاستراتيجية، لا يبدو الانتصار العسكري (الذي يتطلب مواجهة عسكرية ليست مضمونة النتائج ومكلفة جدًا للموارد الصينية) مفيدًا إن تحقق من دون حيازة موافقة أهل الجزيرة، بل قد يضر بالمصالح الصينية. المفيد أكثر، من منطق الثقافة الاستراتيجية، استعمال وسائل مختلفة وباستمرار كي ترجع الجزيرة بنفسها، أي تخسر المعركة من دون معركة. إنّ إرث الضغوطات على الصين يساعد على تفسير سياسات وقوف الصين في وجه تدخلات دول عظمى مثل الولايات المتحدة. ويرى بعض الباحثين مثلً أنّ الحزب الشيوعي الصيني درس وجهة نظر كثير من الباحثين الصينيين لانهيار الاتحاد السوفياتي، ورأت دراسة الحزب أنّ الكثير من المفكرين يرى أنّ تدخّل الولايات المتحدة كان عامل أساسيًا (بل العامل الوحيد) في انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية32، ورأت أنّ الولايات المتحدة تتدخل تدخلً سافرًا في الداخل الصيني بعد الحرب الباردة. في عام 1994 مثلً أخذ رئيس الوزراء لي بينغ موقفًا متشددًا من الحديث عن حقوق الإنسان في الصين، قائلً لوزير الخارجية الأميركي آنذاك وارين كريستوفر إنّ هذه الموضوعات ليست من شأن الولايات المتحدة33. يمكن بالطبع تفسير هذا الموقف للصين من وجهة نظر السيادة، بخاصة كونها دولة عظمى. لكن علينا تقدير أنّه يندرج في إطار تاريخي عام يعكس استهجان الصين أيّ حكم خارجي على تطبيقها مبدأ "تفويض السماء"، إضافةً إلى معاناتها التدخل العسكري في القرن السابق. من ناحية أخرى، علينا تقدير الرابط بين السياستين الداخلية والخارجية، وبالأخص توجّه الحكم في الصين إلى اللحاق بالنظام الاقتصادي العالمي والانخراط فيه وليس الانقلاب عليه. موقف الصين هو إصلاح النظام وإعطاء حصة أكبر لدول الجنوب العالمي وليس
خلق نظام جديد كليًا. وهذا الموقف الخارجي مرتبط بالموقف الداخلي المذكور حول توجّه الحكومات منذ ماو إلى كسب رضا مجتمعها، الذي يذكّر بمبادئ التفويض الإلهي. وهذا ما ذكره جيانغ زيمين في خطابه أمام مؤتمر الحزب الشيوعي السادس عشر في عام 2002 عندما أكّد أنّ شرعية الحكومة وشعبيتها لا تعتمدان على العقيدة الاشتراكية بل على نتائج ملموسة في العمل الاقتصادي؛ فكان الشعار الوطني "مجتمع في رخاء" وليس الشعار الماركسي "يا عمّ ل اتحدوا"34.
الخاتمة: أهمية طلب العلم في (وعن) الصين
تساعد دراسة الثقافة الاستراتيجية والخوض في تاريخ الأفكار والمعتقدات المجتمعية الصينية على فهم الأطر العريضة للسياسات الخارجية الصينية عامة. لعلّ من المهم أن نؤكد من جديد أنّ الأفكار والقيم التي تحتويها هذه الثقافة ليست المصدرَ الأوحد للسياسة الخارجية، أو للحكم الداخلي، ولا هي العامل الوحيد المؤثّر في اختيار سياسات معينة. تساعدنا دراسة الثقافة الاستراتيجية على تقدير الإطار الفكري الذي فيه يعمل صانعو القرار.
وهكذا، نستطيع فهم الموقف المحافظ الذي تتبعه الصين تجاه الشرق الأوسط عامة، والذي يتمثّل بالدفاع عن سياسة عدم التدخّل في هذه المنطقة البعيدة، من خلال العودة إلى الأفكار المتعلقة بكونها مملكة تحت الشمس وتمايزها الثقافي، خصوصًا أنّ الصين ليس لها أيّ اهتمام بتثقيف حضاري أو الدفع برسالة معيّنة في هذا الإطار. ويساعدنا المعتقدان المستنبطان من الثقافة الاستراتيجية (الابتعاد عن التدخل العسكري، والعمل الجاد للمحافظة على مقدرات الدولة وطاقات المجتمع كون الحكم قيّمً عليها) في فهم تشديد السياسة الخارجية الصينية على التراجع عن مناطق صراعات مستدامة وتنافسات حادة، هذا فضلً عن معتقد "التفويض السماوي" الذي يحتّم على الحكم الصيني الاهتمام بالعمل لما هو في مصلحة المجتمع الصيني، من خلال اتخاذ سياسات داخلية وخارجية أيضًا لهذه الخدمة. ولعلّ "التفويض السماوي" هو نفسه الذي يحكم الموقف الصيني تجاه الصراعات الداخلية والتجاذبات بين أنظمة الحكم ومجتمعاتها في الشرق الأوسط. لذلك، يركّز الموقف الصيني على أنّ حلّ الصراعات الداخلية في بلدان شرق أوسطية يجب أن يولد من داخل هذه المجتمعات ولا يأتي فرضًا لوجهات نظر خارجية. فعندما تؤكد الحكومة الصينية أهمية ترك سيادة التقرير للحكم والشعب، نفهم أنّ هذه المواقف ظهرت بعد أن ذاقت الصين لوعات الحروب والضغط الاستعماري عليها في القرن المنصرم كما تنبع في الوقت نفسه من مواقف مبدئية في النظر إلى حكم عمره يناهز الألفي عام. لا تنفي هذه المواقف العامة تصرفات خارجة عمّ تدعو إليه؛ من قبيل التدخلات الصينية في بعض الصراعات المحلية، مثل ثورة ظفار في عمُان التي كانت تحت حكم ماو تسي تونغ الذي يُجمع الكثير من الساسة والمفكرين الصينيين أنّه قدّم استثناءات كثيرة في طريقة النظر إلى العالم، والتي حاول من أتى بعده محو الكثير من آثارها في السياسة الخارجية الصينية. كما ذكرنا، فتأثير الأفكار والمعتقدات التي تشكّل الثقافة الاستراتيجية في السياسة الخارجية ليس تأثيرًا سببيًا وهي تتفاعل مع عدة عوامل أخرى لتنتج مظاهر تصرفات الدولة على الصعيد الخارجي. ومن المفيد أن يتنبه المتابعون إلى أمور منها ازدياد رغبة الحكم في الصين في القيام بدور أكبر بوصفها قوة عظمى عالمية ذات قدرة على المشاركة في رسم خطوط عريضة للعلاقات الدولية والنظام العالمي. ولعلّ إحدى أهمّ السياسات التي تعطينا فكرة عن هذا التوجّه الصيني هي "سياسة الطريق والحزام" التي أعلنها الرئيس جينبينغ عام 2013. وضمن هذا الإطار إعلان الصين دور ريادي في إنشاء مصرف تنموي عالمي يساعد دول الجنوب العالمي ويتمم (لا يستبدل) دور مؤسسات متجذرة مثل البنك الدولي ومؤسسات تنموية تقودها دول الشمال العالمي. تتطلب هذه السياسات من الصين "الخروج" للعالم والقيام بأدوار على مسارح جديدة؛ إضافةً إلى أنّ انخراطها في العلاقات الدولية بوصفها قوة عظمى يتطلب منها،
ولو جزئيًا، القيام بالأدوار التقليدية للدول العظمى، والتي أرسيت منذ الحرب العالمية الثانية وتأكّدت بعد الحرب الباردة. من هذه الأدوار نذكر المشاركة في صوغ أشكال العلاقات الدولية في النظم الفرعية، وبذل جهد سياسي دبلوماسي وعسكري واقتصادي لضمان اتّباع هذه النظم. وحتى لو أرادت الصين أن تحاول تغيير معاني سياسات أدوار الدول العظمى عالميًا ومضمونها (لن يكون تغييرًا سهلً أو سريعًا، إن كان ممكنًا أصلً)، فإنّ عليها أولًالقيام بها واتباع سياسات تدخلية في النظم الفرعية (مثلما فعلت دول عظمى قبلً وما زالت تفعل)، مثل الشرق الأوسط. كيف ستوفّق الصين بين ثوابتها التاريخية التي تدعو حكوماتها لعدم التدخّل عالميًا من خلال بذل مقدرات الدولة، والمتطلبات الحالية في أدوار الدول العظمى، وهو أمر مستجد وفي طور التحول؟ في الحقيقة، ثمة سجال طويل ومحتدم داخل الصين على أكثر من محور بين صانعي القرار والأكاديميين حول ما يجب أن تكون عليه أهداف الصين عالميًا، وما هي السياسات المقبولة، والبدائل المتاحة؛ علينا متابعة تطورات هذا السجال الداخلي. ستتركز الاهتمامات الصينية في المستقبل القريب على العلاقات الاقتصادية؛ فهي مهتمة مثلً بالموانئ المحلية من أجل خدمة "مشروع الحزام والطريق." وهذا المشروع هو مخطط معقد يهدف إلى تحسين النمو الصيني الاقتصادي وأهميته بالنسبة إلى العالم، أنّ الصين للمرة الأولى تبدي اهتمامًا بالقيام بدور قيادي عالميًا. ويعني هذا أن ليس لديها حاليًا صورة واضحة حول كيفية التعامل مع الصراعات والخلافات المحلية التي قد تعيق سير المشروع، وما قد يتطلب من جهة وجود عسكري أو أمني صيني على الأرض. يرافق الحذر والعناية تنفيذ المشروع، وهو ما قد يجعل السياسة الصينية تبدو مترددة. أخيرًا، لا يزال الاهتمام الصيني بالتبادل السيادي بين الدول ثابتًا في المراسلات الخارجية؛ إذ إنّ الحديث عن السيادة ينطلق من مبدأ كونفوشيوس التراتبي ومن مبدأ التفويض السماوي. بقي التركيز على الداخل وعدم التدخّل واحترام خصوصية الدول في صلب مقاربة الصين للعالم؛ وهذا لا يعني عدم تدخّل توسعي فقط، بل عدم وجود إرادة أيضًا للدخول في نزاعات في مناطق بعيدة. علينا أن نتوقع استمرار هذه المبادئ في توجيه السياسة الخارجية للصين. تساعدنا هذه المنطلقات الفكرية أيضًا على فهم الموقف السلبي الصيني من الدعم السياسي والمادي الذي تقدّمه دول (بالأغلب غربية) تحت غطاء المساعدات الإنسانية، فالصين تعدّ هذا الدعم غطاءً شكليًا لتدخلاتٍ غير مشروعة بحق السيادة المعطاة للأنظمة الحاكمة من النظام العالمي "الوستفالي." ولكن في الوقت نفسه بدأنا نرى مؤخرًا تغيرات بسيطة في الموقف الصيني من المساعدات الإنسانية، تبرر البعض منها بكونها ضرورة قصوى. على المهتمين بالعلاقات الدولية في الشرق الأوسط عامةً إيلاء السياسة الداخلية الصينية اهتمامًا أكبر، خصوصًا مع ازدياد العلاقات مع الصين على جميع الصعد؛ ففي حين أنّ الثقافة الاستراتيجية تساعد على فهم بعض النواحي من السياسة الخارجية الصينية، تبقى الديناميكيات الاقتصادية والشخصيات والعلاقات الفردية، والسياسة الداخلية الصينية كلّها مهمة في صوغ السياسة الخارجية. من هنا هذه دعوة إلى حوار أكاديمي - بحثي حول الصين يساعد في عملية صنع القرار على المدى المتوسط والبعيد.
المراجع
• Colin, Sébastien. La Chine et ses frontières, Paris: Armand Colin, 2011. • Craig B, Greathouse. “Examining the Role and Methodology of Strategic Culture,” Risk, Hazards and Crisis in Public Policy 1, no. 1 (2010). • Deng, Yong. “The Chinese Conception of National Interests in International Relations,” The China Quarterly , no. 154 (1998). • Feng, Huiyun. Chinese Strategic Culture and Foreign Policy Decision-Making: Confucianism, Leadership and War , London - New York: Routledge, 2007. • G. J. Ikenberry & Mastanduno, Michael. (eds.) International Relations Theory and the Asia-Pacific , New York: Columbia University Press, 2003. • Han, Enze. “Boundaries, Discrimination and Inter- ethnic Conflict in Xinjiang, China,” International Journal of Conflict and Violence 4, no. 2 (2010). • Hsu, Cho-yun, “Applying Confucian Ethics to International Relations,” Ethics & International Affairs , Vol. 5 (March 1991).
• Joel H., Rosenthal. (ed.) Ethics and International Affairs: A Reader , Washington, DC: Georgetown University Press, 1999. • Johnston, Alastair Iain. “China’s Militarized Interstate Dispute Behavior 19491992-: A First Cut at the Data,” The China Quarterly, no. 153 (1998). • Johnston, Alastair Iain. “Thinking about Strategic Culture,” International Security, vol. 19, no. 4 (Spring 1995). • Kang, David C. “Hierarchy in Asian International Relations: 1300 - 1900,” Asian Security, vol. 1, no. 1 (January 2005). • Kang, David C. China Rising: Peace, Power, and Order in East Asia , New York: Columbia University Press, 2009. • Kaufman, Alison Adcock. “The “Century of Humiliation,” Then and Now: Chinese Perceptions of the International Order,” Pacific Focus, vol. 25, no. 1 (April 2010). • Legro, Jeffrey W. “What China Will Want: The Future Intentions of a Rising Power,” Perspectives on Politics vol. 5, no. 3 (2007). • Li, Kwok-sing. A Glossary of Political Terms of the People’s Republic of China, Mary Lok (trans), Hong Kong: The Chinese University Press, 1995. • Mahnke, Thomas G. “Secrecy and Stratagem: Understanding Chinese Strategic Culture,” Lowy Institute (2011). • Richardson, Hugh E. Tibet and its History , 2nd Edition, Boston: Shambhala, 1984. • Scobell, Andrew. “China and Strategic Culture,” U.S. War College , Strategic Studies Institute (2002). • Shambaugh, David. China’s Communist Party: Atrophy and Adaptation , USA: University of California Press, 2009. • Terrill, Ross. The New Chinese Empire: And What It Means For The United States , New York: Basic Books, 2004. • Twitchett Denis C. & Mote, Frederick W. The Cambridge History of China: The Ming Dynasty , Vol 8, part 2, New York: Cambridge University Press, 1998.