الجزائر والتهديدات الأمنية في الساحل: التصوّر وآليات المواجهة
الملخّص
تعكف هذه الدراسة على تفكيك مقاربة الجزائر الأمنية تجاه إقليم الساحل الأفريقي الذي يمث ل محور سياستها الخارجية والأمنية في الوقت الراهن؛ لأهميته الحيويّة لأمنها ومصلحتها الوطنيين. وتسعى لتحديد المفهوم الجزائري للتهديد في إقليم الساحل. لة للإطار التصوّري الجزائري لمجابهة التهديد وبعد استعراض القيم والمبادئ المشك، بالتركيز، أساسًا، على قيمة "الاستقلالية" التي تلحّ فيها الجزائر في رؤيتها للهندسة الإقليمية للأمن؛ تقدّم الدراسة أمثلة على التطبيق العملي لتصوّرات الجزائر الأمنية، على صعيد جِهَوي وقارّي، باستعراض مساهماتها في البناءات والترتيبات الأمنية الأفريقية. وسيساعد هذا، لاحق ا، في قياس مدى قدرة الجزائر على بناء الواقع الأمني الأفريقي وفق مدركاتها من ناحية، ومدى تحقيقها لمسعى "تذويت" تصوّراتها الأمنية ساحليًّا (وأفريقيًّا أيض ا) من ناحية ثانية. فالجزائر ترى حاجة ملحّة لاندماج أمني أفريقي، بوصف ذلك ضرورةٌ تمليها مواجهة، مشتركة وذاتية، للتحديات التي يواجهها بناء السلم والأمن في الساحل وأفريقيا مستقلة. كلمات مفتاحية: الجزائر، الساحل الأفريقي، الأمننة، الإرهاب، متلازمة الأمن والتنمية، الاتجار بالمخدرات This study aims to deconstruct the Algerian security approach towards the Sahara and Sahel region in Africa which is a concern that currently exemplifies a corner stone in its foreign policy, because of its considerable importance to Algeria’s security, as well as to its national interests. Algeria insists on maintaining an autonomous approach in engineering its security strategy in the region while remaining in cooperation with others. By identifying Algeria’s contribution to security arrangements in Africa, the study provides practical examples that reflect Algeria’s security vision on both: the regional and the continental fronts. This study aims to work as a base for future evaluation of Algeria’s contribution to building African security while preserving autonomy. Keywords: Africa Sahel, Algeria, Security and development syndrome, terrorism, drug trade
Algeria and Security Threats in the Sahel:
Conception and Countering Mecanisms
مقدمة
أتت الارتدادات الأمنية السلبية للحراك الاحتجاجي في عدد من الدول المغاربية، ولا سيمّا الارتدادات المترتبة على الأزمة الليبية؛ لتثبت، على نحو أشدّ توكيدًا، علائقيةَ الأمن الجزائري، وشدّة تبعيّته للديناميكيات الأمنية في الساحل. ففي ظل انكشاف حدودها الجنوبيّة وميوعتها؛ أحسّت الجزائر، باكرًا، بتبعات التدهور الأمني في الساحل، والملقاة على أمنها هيَ؛ إذ تعاظم حجم التهديدات الإرهابية، وسجّل ارتفاعًا ملحوظًا في النشاط الإجرامي، والسطو المسلح، واستئناف حركات التمرد في بعض المناطق الساحلية؛ من جرّاء النزاع الليبي. وسرعان ما انعكس هذا الوضع على السلوك الخارجي للجزائر التي طالما أكّدت أن هذا الإقليم يمثّل امتدادًا لمنطقة أمنها الوطني؛ لتجد نفسها أمام حتمية التفاعل مع هذه الديناميكيات، والاضطلاع بدورها الإقليمي، عبر طرح أفكارها وتصوراتها عن كيفيات مواجهة حركيات التهديد. كيف تتحدّد مقاربة الجزائر للتهديد، والآليات الأنجع لمجابهته، في ظلّ الخصوصيات الأمنية والمتغيّ ات الراهنة التي يشهدها إقليم الساحل الأفريقي؟ هذا هو الإشكال الذي تنطلق منه هذه الدراسة؛ إذ تعكف على الإجابة عنه من منطلق دأب الجزائر لتحقيق الانتشار والتذويت لمقاربتها المرتكزة على الحلول المستقلة والذاتية؛ كي تكون مرجعية لهندسة الأمن الجهوي. من هذه المسألة، واعتمادًا على مقاربة بنائية approach(Constructivist)؛ ننطلق في دراستنا من تحديد مفهوم الجزائر وتصوّرها الراهنيَن عن التهديد، على ضوء هويتها الأمنية؛ لنصل، في تحليل لاحق، إلى استعراضٍ وتحليل للمبادئ والقيم التي يجدر أن تتأسّس عليها مجابهةٌ فعّالةٌ ومستدامة لمهدِّدات السلم والأمن الإقليميين؛ وفق التصوّر الجزائري. يسمح لنا هذا، في مقامٍ أخيرٍ، بتحديد الأنماط التي يؤثر بها هذا التصوّر في السلوكيات الخارجية للدولة الجزائرية، ذات الصلة بالسلم والأمن الإقليميين، مفترضِ ين أنّ المقاربة الأمنية الجزائرية، وما انبثق عنها من أداء وسلوكيات أمنيةٍ أثّرت في مسارات الأمننة1 في إقليم الساحل (وفي أفريقيا عمومًا)؛ هي انعكاس لهوية الجزائر، ولقيم التحرّر والاستقلاليّة التي طبعتها منذ استقلالها؛ كون هذه القيم هي التي تضفي على المقاربة الأمنية الجزائرية خصوصيَّتَها. تستند دراستنا هذه إلى أدبيات علمية، سبق أن تناولت بالدراسة التصوّرات والسلوكيات الأمنية الجزائرية. ففي كتاب السياسة الأمنية الجزائرية: المحدّدات- الميادين- التحديات2؛ نجد دراسة مستوفية لمنصور لخضاري حول التكيّف الذي شهدته السياسة الأمنية الجزائرية، بوصفه مواكبةً للتحولّات التي طرأت على مضامين الأمن الجزائري، مع التركيز على الظاهرة الإرهابية التي ظلّت محورًا للاستراتيجية الأمنية الجزائرية منذ بداية التسعينيات. ولئن تضمّنت هذه الدراسة إشارات مهمّة إلى خاصية العلائقية التي طبعت الأمن الجزائري تدرُّجًا، فإنها ركّزت، بالأحرى، على أبعاده الداخلية أكثر من الخارجية، مع رصد للسلوكيات القُطرية - لا الإقليمية - للدولة في مواجهتها للتهديد. وفي كتابه المعنون البعد المتوسطي للأمن الجزائري: الجزائر، أوروبا والحلف الأطلسي3؛ أورد الأستاذ عبد النور بن عنتر إشارات قيّمة إلى الأفكار والقيم المحدّدة لتصوّرات وسلوكيّات الجزائر الأمنية، غير أن موضوع دراسته المتمحور، أساسًا، في الفضاء الأورو - متوسطي، يحتم التركيز على البعد المتوسطي للأمن الجزائري عوض بعده الساحلي - الأفريقي. وفي مقالة موسومة ب "مساءلة لنزعة عدم التدخل الجزائرية"4 صادرة في مجلة سياسة خارجية الفرنسية، يناقش الأستاذ جيوف بورتر)Geof fPorter(، باستفاضة، واحدةً من ركائز التصوّر الجزائري عن الأمن الإقليمي، هي مبدأ "عدم التدخل"، وعلى ضوء التحولّات التي شهدتها السياقات الإقليمية الساحلية والشرق - أوسطية في السنوات الأخيرة؛ يرى الباحث أنّ الجزائر أمام فرصة ثمينة لمراجعة "قدسية" نزعتها اللاتدخلية. يبقى أن هذه الدراسة، بتركيزها على مبدأ واحد فقط دون المبادئ الأخرى، لا تعطي صورةً شاملةً عن المقاربة الأمنية الجزائرية، وأنّ حصر المقاربة الأمنيّة في مبدأ عدم التدخل فقط يؤدي، لا محالة، إلى الوقوع في الاختزال. أما هذه الدراسة، وعلى خلاف ما سبق، فإن أهميتها وخصوصيتها تنشآن من اعتبارات أساسية: أوّلً، كونِها مواكِبةً راهنةً لتلك الأولوية غير المسبوقة التي توليها الجزائرُ البعدَ الساحليَّ لأمنها الوطني، وتأكيدها ذلك في تعريفِها نفسَها أكثر من تأكيدها أيَّ بُعْدٍ آخر. لذا؛ تهتمّ دراستنا، بالأحرى، بالديناميكيات الأمنية الساحلية، وانعكاساتها على الأمن الجزائري، ولا تشير إلى بُعده الداخلي، إلا بما اقتضته الارتباطات الإمبريقية، وعلى أرض الواقع بين بُعدَيِ الأمن الداخلي والخارجي.
ثانيًا، أنها محاولة أصيلة للفصل بين الأ طُر التصوّرية، وجملة المبادئ المكوّنة للمقاربة الجزائرية؛ لمواجهة التهديد من جهة، وسلوكيّات الدولة المجسِّدة لهذه التصوّرات في الساحل وأفريقيا من جهة ثانية. كل ذلك استنادًا إلى قاعدة الهوية. ثالثًا وأخيرًا، هي محاولة لقياس مدى التناسق بين التصوّر والأداء في السلوكين الخارجي والأمني للدولة الجزائرية، في تفاعلها مع حركية التهديد في الساحل، وهو معيارٌ يتيح تشخيص خصوصيتها في مسعى مقارنتها بالمقاربات الأمنية التي تنافسها أو تستهدفها مباشرة ضمن هذا الفضاء الجيوسياسي.
: المقاربة الجزائرية للتهديد أولا، توليفة "التهديد" و"مولداته"
يرى تاد هوبف) "أنّ القادة Hopf(Tedالسياسييّن للدّولة يعدّون الدول الأخرى ‘صديقة’ أو ‘عدوّة ’ - ويتعاملون معها كذلك - بالاعتماد على قاعدة الهوية"5، وهي فكرة يمكن إسقاطها أيضًا على فواعل النظام الدولي من غير الدول؛ فًالدول تصنف الفواعل غير الدولتية أيضًا بوصفها صديقةً أو عدوّة وفق قاعدة الهوية. وإن كان حصر هوية الجزائر الأمنية، وتعريفها للعدو يتطلب كلاهما بحثًا عميقًا؛ فإننا، في هذا المقام، سنستند إلى فكرة جوتا والدز Weldes( Jutta) التي حصرت التحليل الإمبريقي للهوية الوطنية للدولة في ممثليها الرسميين، مع الاعتراف بمساهمة فواعل أخرى في هذه العملية6. بناءً عليه؛ سنعتمد، في هذه الورقة، على الخطابات الرسمية للمسؤولين الجزائريين الرسميين مصدرًا رئيسًا لتحديد هوية الجزائر الأمنية، ومفهومها عن التهديد. في البدء، نشير إلى ذلك الفصل بين "التهديد" و"مولّدات التهديد" threats( of Generators) الذي يميز الخطاب الأمني الجزائري؛ إذ إن غياب الأمن والاستقرار في المنطقة؛ استنادًا إلى ما جاء في كلمة الوزير الأول الجزائري في "قمّة باريس حول السلم والأمن في أفريقيا"، مَرَدُّه إلى "الإرهاب والجريمة المنظمة وخاصّة تهريب المخدرات"، وأن هذه "الآفات التي تضرّ بالأمن والاستقرار، وجدت في التخلف الاقتصادي والاجتماعي المزمن الذي يمسّ بعض المناطق على غرار الساحل؛ معقلً خصبًا للانتشار." كما أنّ "حتمية تعزيز السلم، أينما تم تحقيقه، وتسيير الأزمات المرتبطة بانتخابات واجهتها احتجاجات، وكذا التغييرات غير الدستورية"، فضلً عن "اللاأمن الغذائي واستمرار الفقر المدقع"، كلها عوامل تمسّ السِّلم والأمنَ الجماعي7. تؤكد هذه المقتطفات أننا، فعلً، أمام تمييز بين التهديد ومولِّداته، ضمن التصوّر الأمني الجزائري. والتهديد هو أن يكون فعلٌ أو ظاهرة باعثًا للخوف، بالنسبة إلى الوحدات المرجعية للأمن في الساحل (دول وجماعاتٍ وأفرادًا.) وحين يكون مصدر التهديد فاعلً مجسَّدًا (تنظيم إرهابيًّا على سبيل المثال)، فإنه، فضلً عمّ سبق، يجب أن يحمل نيّة عدائيةً فعليةً تجاه الكيان الأمني المرجعي، مع حيازته الوسائلَ التي تتيح له تجسيدَ نياته. أمّا "مولِّدات التهديد" فتحيلنا على الأوضاع متعدّدةِ الأبعادِ (سياسية واقتصادية، واجتماعية، وثقافية) التي تُعَد ةً لانتشارها بيئاتٍ مناسبةً لنشأة التهديدات، جاذبةً إياها أو ميسِّ، ومن دون المعالجة الجذرية لهذه الأوضاع؛ تصبح مهمّة التصدي للتهديد، فيما بعد، مهمّة عصيّة.
1. التصوّر الجزائري عن مهددات الأمن الإقليمي الساحلي
يُعَدُّ المقتبس الذي أوردناه سابقًا من خطاب الوزير الأوّل الجزائري، والذي يتكرّر مضمونه في خطابات المسؤولين الرسميين الجزائريين، خطابًا عن الشواغل الأمنية للدولة الجزائرية في إقليم الساحل، لكنه، في واقع الأمر، يحيلنا، فقط، على التهديدات المباشرة للأمن الإقليمي، وَفْقَ المُدرَكات الجزائرية؛ لأنّ إقليم الساحل حافلٌ بتهديدات أ خَر غير مباشرة؛ تُلحقُ ضررًا بقِيَم المرجعيات الأمنية الإقليمية، ونخص بالذكر هنا التبعاتِ الإنسانيةَ للحروب والنزاعات المسلحة التي تؤثر، أيضًا، في بنية الأمن الإقليمي. وإذا عُدنا إلى الخطاب السابق للوزير الأول الجزائري، فإنه يقودنا إلى ملاحظتين أساسيتين تحدّدان ماهية التهديد بالنسبة إلى الجزائر: وفق المقاربة الجزائرية، تنحصر مهدّدات الأمن الساحلي، على وجه التحديد، في: الإرهاب، والجريمة المنظَّمة، وتهريبِ المخدرات. وتضم الجريمةُ المنظّمةُ نشاطَ شبكات الاتِّجار بالأسلحة والبشر والمخدرات، وشبكات تبييض الأموال، والفساد، وفروع القرصنة. وبالنسبة إلى الجزائر، كل البلدان الساحلية تواجه حاليًّا هذه التهديدات التي تحتلّ المرتبة الأولى في ما يشغلها أمنيًّا.
تهريب المخدرات، وهو وإن كان نوعًا من أنواع الجريمة المنظمة، قد خُصّ بالذكر في الخطاب الجزائري. وسببُ هذا، في نظرنا، الانشغال الجزائري بهذا التهديد الذي تنامى مؤخّرًا، واحتدم تأثيره في المرجعيات الأمنية الجزائرية.
التهديد الثنائي: حلف "إرهاب - جريمة منظمة"
نظرًا لتقاسمها حدودًا ممتدّةً وشاسعةً مع منطقة الساحل 6343(كلم طول حدود الجزائر المشتركة مع ليبيا، والنيجر، ومالي، وموريتانيا)؛ تُعَدُّ الجزائر من الدول الأكثر تضرّرًا من التهديدات عابرة الحدود في منطقة الساحل. ويُعدّ الإرهاب، وفق التصور الجزائري، أوّل تهديد مشتركٍ للأمن الإقليمي الساحلي؛ يستدعي تعاونًا مكثَّفًا من جميع دول المنطقة لاستئصاله؛ لأنه لا بلدَ، مهما كانت قوّته وقدراته الدفاعية، بمعزل عن الاعتداءات الإرهابيّة. إنّ الإرهاب، بحكم طبيعته عابرة الحدود، وبالنظر إلى مصادر تمويله ودعمه العالمية؛ "يزعزع استقرار الدول، ويعوق جهد التنمية ومكافحة الفقر، ويعرّض الوحدة الوطنية والسلامة الترابية للبلدان للخطر، ويضرّ بشكل خطير بالتعاون الدولي، وبالتفاهم بين الشعوب؛ كونه يتنافى وحقوق الإنسان، والحرّيات الأساسية والمؤسّسات الديمقراطية"8. يُفهَم من هذا الخطاب أنّ الجزائر تعدُّ الإرهاب ولْى بالاستئصال؛ لأنه التهديدَ الأخطرَ والأ: تهديد وجوديّ؛ يمسّ سلامة الدولة الوطنية وبقاءها (أمنها الصلب)، فهو "آلة حرب ضدّ الدولة الجمهورية والحضارة"9، بالنظر إلى ما يترتب عنه من خسائر بشرية كبيرة، وتدمير واسع للهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونزوح السكان الذي يؤدي، بدوره، إلى تفكّك تدريجي للبِنَى الاجتماعية. وهكذا، يُلتمس الأثرُ السلبي للإرهاب في إضعاف الدول، إما مركزيًّا، وإما من حيث الإدارة الترابية وزيادة انكشافها؛ نظرًا إلى ما يُلح قُه من ضرر بوحدتها الوطنية التي تشمل سلامة أراضي إقليمها، وتماسك تركيبتها الاجتماعية وتلاحمها. قه بمعادلة "استقرار الضرر الفادح الذي يُلح - تنمية"؛ فبالنظر إلى الاستقرار الأمني للدولة الوطنية، حال كونه شرطًا أوّليًّا من دونه يتعذر عليها خوض تحدي التنمية؛ فإنّ تذبذب سلسلة النشاط الاقتصادي بسبب انعدام الأمن الذي يغذيه الإرهاب، يحول بين الدولة وبين مسعيَيْ دفعِ مسارِ تنميةٍ متعدّدة الأبعاد، وتقليص هامش الفقر. ويزيد الإرهاب، فوق هذا، من حدّة حالة الانكشاف والهشاشة الاقتصاديين اللذين تعانيهما أغلب دول الساحل.
تأثيره السلبي في الشقّ التعاوني للعلاقات الدولية، وفي جهد تحقيق التفاهم والاحترام بين الشعوب، والحوار بين الثقافات والحضارات. يُلتمس هذا الأثر في ما تقود إليه الأفعال الإرهابية من ربط خاطئ للإسلام بالإرهاب، وما نتج من هذا الربط من حالة خوف من الإسلام، نتجت أساسًا من ادعاء الجماعات الإرهابية الزائف استنادَ أفعالها الراديكالية إلى الشريعة الإسلامية. وعلى عكس هذا؛ لا تنظر الجزائر إلى ما يسمَّى "الإسلام الراديكاليّ" بوصفه ادّعاءً هويّاتيًّا، بل ترى فيه انحرافًا، ومرضًا هويّاتيًّا10. هذه التخوّفات التي يتكرّر التعبير عنها في الخطابات الجزائرية، تشرعنها حقائق ماثلة منذ 2003، السنة التي شهدت انتقال عمليات التنظيمات الإرهابية الجزائرية المحلية (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) إلى الصحراء، وانتهاجها نهجًا جديدًا يقوم على مدِّ تحرّكاتها إلى دول الساحل (النيجر وتشاد ومالي وموريتانيا.) ويمكن القول إن أبرز ما يضفي موضوعية على التخوّفات الجزائرية من الإرهاب هو: عملية اختطاف 32 سائحًا أوروبيًّا في الصحراء الجزائرية بين مدينتَيْ جانت وإليزي في نيسان/ أبريل.2003 خضوع نشاط "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" منذ 2007 إلى إشراف "تنظيم القاعدة"، على إثر اندماجها في التنظيمات الإرهابية المغاربية، وانضوائها إلى تنظيم واحد (القاعدة في بلاد
المغرب الإسلامي)، وهو الحدث الذي عبّ عن تحوّل في بنية الإرهاب وتمركزِه إقليميًّا. اختطاف سبعة دبلوماسيين، بمن فيهم القنصل العام الجزائري، من القنصلية الجزائرية في مدينة غاو شمال مالي في 5 نيسان/ أبريل 2012، على يد "حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا."
الهجوم الإرهابي على موقع المركّب الغازي الجزائري ب "تيقنتورين" في 16 كانون الثاني/ يناير 2013 من قبل مجموعة "الموقّعون بالدماء." وقد عبّ استهداف هذا المصنع الضخم ذي أكبر حوض غازي جزائري، عن نقلة نوعية في التهديد الإرهابي للأمن الجزائري، بل كان برهانًا على شدة تأثيره فيه. ففي الجانب الاقتصادي، مثلً، تراجع إنتاج الجزائر للغاز بنسبة 4 %، نتيجةً لتقلص إنتاج مركب تيقنتورين، ولأن هذا المركّب سبب في إنتاج 18 % من صادرات الجزائر من الغاز، و 12 % من إجمالي إنتاجها الوطني؛ فإن هذا التراجع يعني خسارة بمليارات الدولارات لاقتصاد الجزائر ولمواردها المالية. وصول تنظيم الدولة الإسلامية (أو "داعش)" إلى ليبيا. وقد كان الهجوم على فندق كورينثيا في طرابلس بداية سنة 2015، أول حادث أثبت وجود هذا التنظيم في ليبيا، ثم بمرور الوقت أصبحت مدينة سرَت الليبيّة هي النواة الأولى لمشروع داعش في المنطقة، بعد أن تمكن من السيطرة عليها تدريجًا منذ شباط/ فبراير.2015 العطب السياحي الذي أصاب منطقة الساحل؛ نتيجةً للنشاط الإرهابي؛ إذ شهد الساحل الذي يضمّ مواقع مسجّلةً في التراث الثقافي العالمي توقفًا كاملً للنشاط السياحي، وتغيّ مكان سباق رالي باريس - داكار منذ سنة 2000، والذي كان يُعَدُّ مصدر عيش للسكان المحليين، وقطبَ تشغيلٍ للشباب. هذا، ولا تفي الحقائق السابقة بوصف الخطر المحدق بالأمن الجزائري بسبب الإرهاب، من دون الإشارة إلى امتزاجه بالتهديدات الصادرة عن شبكات الجريمة، والجريمة المنظمة عابرة الحدود؛ فقد أكّدت الأحداث الأمنية في الساحل أنّ الجماعات الإرهابية نسجت "علاقات متينة مع شبكات المتاجرة بالأسلحة والمخدّرات وتبييض الأموال"11، بل هي مرتبطة بها عضويًّا، لذا؛ فإنّ الانشغال الجزائري بها تعزّز أكثر فأكثر، وهو ما يؤكّده حضورها الدائم في الخطابات الأمنية الجزائرية. ينبع هذا الخوف من الجريمة المنظمة، في ظل وجود ارتباط شبكات الجريمة المنظمة المحلية والجهوية والعالمية وتداخلها؛ زيادة على كل ما تلحقه من ضرر بالوحدات المرجعية لأمن الجزائر، ونسيجها الاقتصادي والاجتماعي. سقوط أنظمة الحكم في ليبيا وتونس ومصر، وسقوط شمال مالي في يد الحركات الانفصالية، وما نتج من ذلك من تراجع أكبر في مكانة الدولة الوطنية في إقليم الساحل، وقَبْل هذا؛ تواطؤ مسؤولين بحكومة باماكو مع عصابات الجريمة المنظمة إلى غاية انقلاب مارس 2012 12؛ كوّنت جميعُها عواملَ مواتيةً لانتشار الجريمة المنظمة عابرة الحدود في الساحل. إن أكثر ما ساهم في توطيد العلاقة بين الإرهاب والجريمة المنظّمة، على إثر الحركات الأزموية التي شهدتها ليبيا ومالي؛ هو استغلال جماعات الجريمة المنظمة والمافيا ذيوعَ الأسلحة غير المسبوق؛ لإنعاش نشاط المتاجرة بها لمصلحة الجماعات الإرهابية في الإقليم. وقد مكّن حصول هذه الجماعات الإرهابية على أسلحة متطوّرة من تعزيز نشاط اختطاف الأفراد، ولا سيمّا السُيّاح الأجانب؛ للحصول على فديات؛ إذ تُعَدُّ مصدرًا أساسيًّا لتمويل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. إن لتدفّق الأسلحة الليبية وذيوعها أثر بالغ؛ فسقوط شمال مالي في يد الحركات الانفصالية والإرهابية، والهجوم على المركّب الغازي الجزائري ب "تيقنتورين"؛ لم يكونا ليحدثا لولا تدفقات الأسلحة الليبية.
ب. الجزائر وأمننة تهديد المخدّرات: من المحدق إلى الوجودي
طالما عُدّت المخدّرات تهديدًا في الخطاب الرسمي الجزائري، بيد أنّ من يتابع هذا الخطاب يجد أنّ إلحاحًا لافتًا للانتباه فيه على تهديد المخدّرات للأمن الإقليمي في السنوات الأخيرة، بدليل إفرادها بالذكر عند تعيين التهديدات الأمنية في الساحل وأفريقيا. من الناحية
الموضوعية؛ يُرَدُّ سببُ هذا، أساسًا، إلى الطفرة غير المسبوقة التي شهدتها تدفّقات المخدّرات - بما فيها الصلبة - إلى الإقليم الجزائري، وكامل الإقليم الساحلي. أما إقليميًّا، وبحكم عدّة معطيات؛ فقد أصبح الساحل نقطةَ التقاء ثلاثةٍ من أكبر الطرق التي تستخدمها شبكات تهريب المخدّرات العابرة للقارّات: الكوكايين الآتي من أميركا اللاتينية (من كولومبيا والبيرو وبوليفيا) عبر السواحل الغربية لأفريقيا، والهيروين (الأفيون) الآتي من آسيا (بورما وأفغانستان)، وبعض مستخلصاتِ المخدّرات المنتجة في أفريقيا الغربية13. أمّا على الجانب الوطني الجزائري، فيضاف إلى المخدّرات العابرة لمنطقة الساحل؛ الكمّياتُ الضخمة من القنب (الماريجوانا) التي مصدرها المغرب الأقصى، والذي يفرض نفسه مخدّرًا "مرجعيًّا" في الجزائر والمنطقة؛ لكونه أكثر أنواع المخدّرات انتشارًا واستهلاكًا بين فئة الشباب مقارنةً بغيره من أنواع المخدّر. تحبط شبكات الاتجار بالمخدّرات نُظُمَ الأمن الجزائرية؛ ذاك أنها تجد في أفريقيا الغربية ودول الساحل أوضاعًا مواتيةً جدًّا لنقل الشحنات؛ فاللااستقرار السائد في دول المنطقة، ولا سيمّا ليبيا، وضعف وسائل المراقبة في المناطق الحدودية، فضلً عن سهولة الفساد وتواطؤ الجمارك؛ كلها عوامل تسمح للوسطاء المحليين بتخزين المخدّرات قبل شحنها، ونقلها عبر مسارات برّية وبحرية نحو بلدان أ خَر في شمال أفريقيا وأوروبا. ولئن كان من المسلّم به أنّ تهديد المخدّرات يُلتمس، في الأصل، في حالات الارتهان بها من جهة الأفراد، وأنها لا تلحق إلا ضررًا طفيفًا بالمجتمع والدولة؛ فإنّ تمدّد حلقة الاتجار بالمخدّرات، وكثافة انتشارها في السنوات الأخيرة؛ بات يحمل تبعات مدمّرة لصحّة المجموعات المحليّة، وتلاحمها في الجزائر ودول الساحل؛ حتى عُدَّت تهديدًا وجوديًّا. علاوة على هذا؛ إنّ حجم ما تدرّه من أرباح على المتاجرين بها، أفرادًا وشبكات، أعطى تهديدَها بُعدًا أشدَّ خطرًا. فمن الحقائق المعروفة أنّ تجارة المخدرات تدر أرباحًا خيالية على محترفيها، لا تضاهيها أي تجارة أخرى؛ ففي حين يكلف الكيلوغرام الواحد من معجون الكوكا، في خط إنتاج الكوكايين، نحو 600 دولار؛ يباع الغرام الواحد منه في الشارع بنحو 60 إلى 80 دولارًا، أي زهاء 60 ألف دولار للكيلوغرام14. أعطت هذه العائدات الضخمة شبكات الاتجار بالمخدّرات قوّة مالية ولوجستية؛ قادرة على اختراق أقوى أنظمة الأمن الوطنية، وغدت عاملً لبعث الفساد وإضعاف الحكومات. صنعت هذه القوة التي تمنحها تجارة المخدرات لمحترفيها إغراءً لا يقاوم للتنظيمات الإرهابية في الساحل - وبالدرجة الأولى تنظيمَي بوكو حرام والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي - التي عمدت إلى عقد تحالفات مع شبكات تجارة المخدرات. وتضمَن بعضُ الكتائب والميليشيات الليبية المتعاونةِ مع تنظيم القاعدة - وفق توافقات للاغتناء المتبادل - إبقاءَ تجارة المخدّرات في المنطقة في قبضة هذا التنظيم المُحكَمة، مقابل غياب كلي، أو شبه كلي، لسلطات الدول على الأقاليم الصحراوية. وبسيطرته شبه الكلية على طرق تهريب المخدرات؛ أصبح تنظيم القاعدة يحوز موارد ماليةً ضخمةً؛ تتيح له السير قُدُمًا نحو تحقيق طموحاته في التمدد والانتشار. في سياقِ مُعطىً إقليميٍّ يتميز بالتشوُّش، وتراجعٍ مخيفٍ في مكانة الدولة الوطنية؛ تستغلّ القاعدة، في بلاد المغرب الإسلامي، العمق الليبيَّ، وأقصى الجنوب المسمّى "فزّان"، بوصفه إقليمً شاسعًا وفارغًا كليًّا؛ لتمرير شحنات المخدرات خارج نطاق أيّ رقابة محلية أو إقليمية، وفي حال جرى احتكاك بالسلطات القبلية المحلية في الصحراء؛ لا يتواني التنظيم عن دفع إتاواتِ مرورٍ إلى قبائل المنطقة (أولاد سليمان أو الزواييس)، أو حتى توظيف بعض سكان المنطقة العارفين بتضاريسها؛ لضمان سلامة قوافله15. تجعل كلّ هذه الأوضاع من ليبيا أحسن طريق، بالنسبة إلى القاعدة؛ لتوصيل المخدّرات إلى أوروبا. ومن المؤكّد أنّ هذه العلاقة كانت عاملً إضافيًا؛ لرفع المخدّرات إلى مصفّ التهديد الوجودي في خطابات الأمننة الجزائرية. ويبدو أنّ استمرار نشاط تهريب المخدّرات في التطوّر يُساهم، بصورةٍ فعليّة، في بقاء حالة اللااستقرار داخل المنطقة؛ ما دام أنه يمدّ عُمرَ عدة أفعال غير مشروعة أخرى في الإقليم، ولا سيما الإرهاب. لقد بات في حكم المؤكد أنَّ الإيرادات التي يتمّ تحصيلها من المخدّرات؛ هي واحدة من أهم مصادر تمويل الإرهاب والتمرّدات المسلحة في منطقة الساحل، وفق قاعدة "مخدرات أكثر، تمويل أكبر، تجنيد أكثر."
2. التصور الجزائري عن مولدات التهديد
إلى جانب رؤيتها لمهدّدات الأمن الإقليمي التي تحدّد بجلاء شواغلها الأمنية؛ تتضمّن المقاربة الأمنية الجزائرية تصوّرًا ذاتيًا، أيضًا، للحالات والأوضاع المواتية لنشأة التهديد وانتشاره، أو الجاذبة له. يمكن أن نطلق على هذه الحالات والأوضاع "مولدات التهديد."
أ. التدخ ل الأجنبي أوّل باعث للتهديد
ليس التدخل الأجنبي أبرز صورة لخرق سيادة الدول واستقلالها في النظام الدولي الجديد فقط؛ بل تعدّه الجزائر، أيضًا، أوّل باعث للتهديد ومفاقمته في منطقة الساحل، وأفريقيا عمومًا. "كلما كانت لدينا في القارة الأفريقية دول تكافح[...]بوسائلها الخاصة؛ كلما كانت أمامنا فرصة لجعل أولئك الذين تبيّ اليوم أمام الشعوب أنّهم منقذون مزيّفون، بحلول مزيفة؛ يثوبون إلى رشدهم"16. بمقتضى هذا؛ إنّ الذين يلجؤون إلى التدخّل العسكري ليسوا إلا منقذين مزيفين في تصوّر الجزائر. وتؤكّد الحصيلة السلبية للتسويات الدولية، عبر التدخلّات العسكرية التي شهدها العالم؛ صواب هذه الرؤية الجزائرية. فمختلف حالات التدخّل، مطلوبًا كان أم مرفوضًا؛ أفضت إلى مراحل سادتها بيئة من الفوضى، وحالة من العجز عن التوصّل إلى إجماع، أو – على الأقل – إلى توافق على القواعد والأشخاص الذين يحلون محل النظام البائد (الصومال، وأفغانستان، والعراق، وليبيا.) تكون هذه الفوضى دائمًا متعدّية، وعابرة للحدود، وبخاصّة إذا وقعت في أقاليم معروفة بأوضاعها المرتبكة، وتوتّراتها المزمنة. أكثر من هذا؛ تنشئ التدخلّات بيئة تستقطب الحركات الإرهابية، وتشرعن نشاطها بحجّة "مقاومة المحتلّ "، سواء أكان المتدخَّل ضدّه نظامًا سياسيًا (كنظام القذافي) أم كان حركات إرهابية (كالحركات الإرهابية في شمال مالي.) وتبرز تجربة ليبيا خطرَ المآلات التي تنجم عن التدخّل العسكري الأجنبي؛ فتدخُّل الأطلسي ألقى بتداعياته على الأمن في الساحل، والتي تسبّبت في توليد عدّة تهديدات: تدفّق الأسلحة غير المسبوق في كامل الإقليم الساحلي، واتساع رقعة الإرهاب، وفقدان السيطرة عليه في بيئة أصبحت تستقطب المقاتلين من كل مكان، وكان، حصيلة لذلك، سقوط شمال مالي في يد الجماعات المسلحة التي سيطرت على ثلثي مساحة البلاد؛ باستخدام عتادٍ ومسلحين أتوا – أساسًا- من ليبيا.
فشل الدول ونتائجه السلبية على البيئة الأمنية الساحلية
لا يَرِد ذكرٌ صريح ل "دول هشّة، فاشلة أو منهارة" كمولدات للتهديد في الخطابات الرسمية الجزائرية، لكن إشارات عديدة تتضمّنها هذه الخطابات؛ يُفهَم منها أن هناك إدراكًا لدى صانع القرار الجزائري بأنّ ضعف الدول الساحلية، وهشاشتها، وانهيارها المحتمل تمثل عوامل تساهم في إذكاء التهديد، وتحبط جهد مكافحته ضمن إقليم الساحل، والقارّة الأفريقية عمومًا. في هذا الصدد، ترى الجزائر أنّ "آفات" الإرهاب، والجريمة العابرة للأوطان، والمخدّرات "التي تضرّ بالأمن والاستقرار؛ وجدت في التخلّف الاقتصادي والاجتماعي المزمن الذي يمسّ بعض المناطق، على غرار الساحل، معقلً خصبًا للانتشار."17 كما أنّ "حتمية تعزيز السلم، أين تمّ تحقيقه، وتسيير الأزمات المرتبطة بانتخابات واجهتها احتجاجات، وكذا التغييرات غير الدستورية"، فضلً عن "اللاأمن الغذائي واستمرار الفقر المدقع"؛ كلّها عوامل تمسّ السلم والأمن الجماعي، و"تؤثّر كثيرًا على الاستقرار السياسي والاجتماعي للعديد من البلدان (الأفريقية")18. من هذا؛ فالمقاربة الجزائرية مبنية على فكرة أن حالات اللاتنمية والفقر المدقع، وغياب الحدّ الأدنى لشروط الحياة الإنسانية الكريمة، والتي تترتّب – أساسًا - على حالات النزاع المسلّح الداخلية، فضلً عن الظلم الممارس من قبل الحكومات المركزية للدول الساحلية ضدّ الأقليات الطوارقية؛ تندرج كلّها في خانة مولّدات التهديد؛ نظرًا إلى مساهمتها في إيجاد بيئة مواتية لتكاثره. تضاف إلى هذا مرافعة الجزائر الملحّة؛ من أجل أن تستجيب دول المنطقة وحكوماتها للمطالب المشروعة للأقلية الطوارقية؛ لأن عكس الاستجابة لهذه المطالب يعني - وفق التصوّر الجزائري - توفير بيئة ملائمة لنشأة التهديد: إذكاء للتفكّك الهوياتي، وشرعنة للأساليب المطلبية العنيفة، ونزعات الانفصال.
يكشف تأمّل هذه العوامل المولدة للتهديد - وفق التصور الجزائري - عن شبه تطابق بينها وبين الخصائص المميّزة للدول الفاشلة؛ طبقًا للمفهوم الذي طوّره كل من مارتِن فان كريفيلد Van(Martin Creveld)، وويليام أولسون Olson(William)؛ إذ وفقًا لمفهومهما؛ يُفرِز عجز الدول عن مواجهة التحدّيات الناشئة من النزاعات الإثنية
والقبلية والدينية19، وكذا عجزها عن رفع التحديات التنموية؛ حالات من اللااستقرار والفوضى الداخلية، وانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان مع مرور الوقت، تتراكم تدريجًا؛ لتنتج ردود فعل عنيفة ضدّ السلطة المركزية؛ تضعف الدولة، وتجعلها متفسّخة معرّضة للتفكّك. كما تؤكد دراسة لمركز كليجندايل Cligendael() للدراسات الاستراتيجية أنّ إرث الحروب الأهلية، والضغوط الاجتماعية، والفساد، وفشل السياسات، فضلً عن العوامل الخارجية؛ تساهم بقوّة في الضعف الحكومي والدولتي20. وفقًا لهذين المفهومين؛ تتقاطع العوامل المفضية إلى الضعف الدولتي التي قدمها كريفيلد وأولسون ومركز كليجندايل، مع ما تتضمّنه خطابات الأمننة الجزائرية من عوامل منشئة للتهديد؛ وهو ما يقودنا إلى استنتاج مفاده وجود إقرار جزائري متوارٍ بأنّ الضعف الدولتي مولِّد للتهديد. وبحكم مركزية الإرهاب في تعريفها للعدو؛ فإن استغلال التنظيمات الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظمة العابرة للأوطان؛ للدول العاجزة والفاشلة، كملاذات وقواعد خلفية للتخطيط، ثم تمويل نشاطها وتنفيذ عمليّاتها، في ظل عجز تلك الدول عن مواجهتها داخليًّا؛ هو هاجس الجزائر الأكبر حين يتعلق الأمر بالفشل الدولتي. يؤكد استعراضُ المقاربة الجزائرية للتهديد، ومولداته؛ محوريةَ التهديد الإرهابي في التصوّر الجزائري عن التهديد، وفي هويتها الأمنية، وتعريفها للعدو، كميراث عالق في الوعي الجمعي للمجتمع الجزائري، وصانعي قراره منذ العشرية السوداء. لكن هذا التمحور لم يحُلْ دون اتصاف هذه المقاربة بالشمولية، ودمجها التهديداتِ ومولداتِها في بنية تصورية واحدة؛ فكانت النتيجة إطارًا تفسيريًا لشبكة تهديدات مترابطة، وفق علاقات تضافر وتبعية متبادلة، يقع الإرهاب في مركزها، ويعبّر هذا الإطار التفسيري، في الواقع، عن محاولات تكيف عقائدي للمقاربة الأمنية الجزائرية، مع التعقيدات الجديدة للبيئتين الأمنيتين الساحلية والأفريقية.
ثانيًا: الأطر العقائدية للمقاربة الجزائرية لمواجهة التهديد في الساحل
كتعبير أيضًا عن التكيّف السابق؛ تطرح الجزائر مقاربة أمنية تمزج أحدَ المفهومين التقليدي والحديث بالآخر. تعكس مضامين هذه المقاربة المبادئَ الخالدة التي بها تعرّف الجزائر نفسَها منذ استقلالها، وما تمخض عن هذه المبادئ من رؤية خاصّة بهندسة المنظومة الأمنية الساحل؛ بما يصون القيم الأساسية لمختلف دوله وشعوبه.
1. الطابع الجهوي للمقاربة الجزائرية
الميزة الأولى للمقاربة الجزائرية لمواجهة التهديد في الساحل أنها مقاربة جهويّة؛ تتأسّس على امتداد إقليمي، وتقسّم مسؤولية مواجهة التهديد وبناء الأمن على مجموع الدول المنتمية إليه، والتي تعرّفها الجزائر ب "دول الميدان:" مالي، وموريتانيا، والنيجر وليبيا. ذلك أنه، من مقاربة جيوسياسية، كل اضطراب يحدث في هذه المنطقة يصبح محل انشغال بالنسبة إلى جميع الدول المنتمية إليه، ويفرض تنسيقًا وتعاونًا لمواجهته بفعالية، وإنّ كلّ حلّ أمني لا يتأسّس على هذه القاعدة؛ لا تُتوَخّى نجاعته. لذا؛ ترى الجزائر أنّ الطبيعة العلائقية التي تُ يّز أمن الدول الساحلية؛ تضع كل دولة منها أمام حالة من العجز عن تصميم أمنها الوطني انفراديًا وباستقلال عن أمن جيرانها، وتفرض عليها - استتباعًا - تبنّي مقاربة شاملة؛ تنظر إلى البنية الأمنية في إقليم الساحل كبنية مندمجة ومترابطة. يفرض ارتكازَ الجزائر على الامتداد الجهوي في بنائها مقاربتَها الأمنيّة عاملان: أوّلهما؛ عاملُ المجاورة الجغرافية المباشرة، والاعتماد الأمني المتبادل الذي يطبع علاقة الجزائر بالساحل الأفريقي. فالدول السابقة تنتمي إلى المنطقة التي تمثّل عمق الجزائر الاستراتيجي، والبطن الرخو لأمنها الوطني ومنظومتها الدفاعية في الوقت ذاته، لذا؛ تقرّ الجزائر، صراحةً، أنّ استقرارها يعتمد على استقرار البلدان المجاورة لها، وثانيهما، وهو على صلة بالأول؛ يتمثّل في سرعة انتشار التهديد في الفضاء الساحلي الذي سرعان ما يتحوّل من قطري إلى إقليمي؛ بسبب العجز عن مواجهته محليًّا.
2. حلول ساحلية للمشكلات الساحلية
في التصوّر الجزائري؛ لا يُتوخّى نجاح أيّ حل للإشكاليات الأمنية الساحلية إن لم يتأتّ من دول المنطقة ذاتها. لذا؛ تعتقد الجزائر أنّ احتواء التهديدات التي يواجهها الأمن في الساحل؛ هو مهمّة تقع على عاتق دول الإقليم أولً، بوصفها المعنية المباشرة بالتبعات السلبية لديناميكياته الأزموية والنزاعية. أكثر من هذا؛ ترى الجزائر أنّ هذه المهمّة تبقى مهمّة ساحلية خالصة، حتى في ظلّ ضعف دول المنطقة وفقرها؛ لأنّ الضعف والفقر ليسا مبرِّرين لتتملّص هذه الدول من مسؤولياتها والتزاماتها الثنائية ومتعدّدة الأطراف، أو للّجوء إلى قوى أجنبية. ولا يقتصر هذا على دول المنطقة فقط؛ لأن الأمم المتحدة، والدول غير الأفريقية، أيضًا، مدعوّة إلى "تصوّر
دورها أوّلً وقبل كلّ شيء كعنصر دعم للقيادة الأفريقية في مجال السلم والأمن بالقارة"21. هذا التصوّر يندرج ضمن توجّه أشمل؛ عب عنه الرئيس الجزائري في الاجتماع 37 لمجموعة الثمانية، المنعقد في مدينة دوفيل Deauville() الفرنسية يوم 27 أيّار/ مايو 2011، حين ألحّ على "ضرورة إيجاد البلدان الأفريقية لحلول داخلية لمشاكلها وأزماتها"22، وهو التوجّه نفسه الذي أكّده وزير الخارجية الجزائري في خطابه أمام الدورة ال 68 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2013؛ إذ رافع، باسم الجزائر، من أجل "وضع حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية، وذلك بالتعاون مع بقية المجموعة الدولية"23. إنّ هذا ما يمكن أن نسمّيه دفاعًا ومرافعة جزائرية؛ من أجل "حلول ذاتية المنشأ" Solutions(Endogenous) للإشكاليات الأمنية الأفريقية عمومًا، والساحلية خصوصًا، كانعكاس للمقاربة المستقلّة للأمن الوطني التي تتبنّاها الجزائر. ويؤكّد هذا التصور مدى التمسّك بالنزعة الاستقلالية في مقاربة الجزائر الأمنية، كتعبير عن تجذّر رؤيتها للدولة الوطنية القائمة على كون كلّ الدول سيدة ومتساوية في سيادتها، وأنها ذات سلطة مطلقة في إدارة شأنَيْها الداخلي والخارجي، مثلما ينصّ عليه الميثاق الأممي؛ أحد المرجعيات الرئيسة للسلوك الجزائري الخارجي.
3ّل. "التعاون" بدل "التدخ"
يحيلنا المبدأ السابق على ركيزة أخرى من الركائز الأساسية للمقاربة الأمنية الجزائرية؛ هي احترام سيادة الدول، ورفض التدخّل في شؤونها الداخلية، من دون إهمال بناء شراكة مع دول العالم؛ قائمة على اضطلاع بلدان المنطقة بإشكالية السلم والأمن. ويعدّ هذا المبدأ مبدأ مرجعيًّا ثابتًا في العقيدتين الدبلوماسية والعسكرية للدولة الجزائرية المستقلّة منذ تأسيسها، على الرغم من المراجعة التي طرأت على الهوية الأمنية الجزائرية؛ بفعل التغيّ الذي شهدته المنظومة الأيديولوجية التي تتبناها الجزائر في أواخر الثمانينيات. ينبع التمسّك بهذا المبدأ، في رأينا، من تعريف الجزائر نفسَها، وبناء عليه؛ يملي هذا الاعتقاد عليها أن تتعامل بالمثل مع الدول الأخرى، ناظرةً إلى مبدأ السيادة القومية كحجر الزاوية في منظومة العلاقات الدولية والنظام الأممي. ثم تأتي النتائج الأمنية السلبية للتدخلات الأجنبية على الأمن الجزائري، كما وضحناه سابقًا في حديثنا عن الحالتين الليبية والمالويّة؛ سببًا ثانيًا يفسر حرص الجزائر على نزعتها اللاتدخلية. ذلك أنه من غير المقبول – في نظر الجزائر - أن تكون آلية مواجهة التهديد هي ذاتها مولّدة للتهديد، أو مقوّضة للأمن والاستقرار الإقليميين، مهما كان مبرّرها.
تؤكد ملاحظة السلوك الأمني والعسكري للدولة الجزائرية أنه انعكاس لهذه الفكرة الراسخة: أوّلً، أثّرت هذه الفكرة في عقيدة الجيش الجزائري الدفاعيّة، القائمة على عدم المشاركة في أي حرب خارج حدود الإقليم الجزائري، مهما كان الداعي إليها، وحتى لو كانت في إطار عمليات السلام الأممية. ثانيًا، سعي الجزائر الدائم لانتزاع التزام من دول المنطقة لضرورة التصدّي للتهديدات الأمنية في الساحل، وإيجاد حلول لمشكلاته وأزماته؛ بالاعتماد على ذاتها، ومن دون تدخّل أجنبي، إلا في قطاعات معيّنة حدّدها الرئيس الجزائري في الجوانب "اللوجيستيكية والمالية والاستخباراتية"24، وحملها على التقيّد بالتزاماتها في الوقت ذاته. ثالثًا، إقناع المدافعين عن مقاربة "الأمن بالتدخّل" بأنّ التدخّل الأجنبي يقود، غالبًا، إلى نتائج عكسية؛ إذ يؤدّي إلى تأزيم أكبر لوضع المنطقة، وإلى تعميق حالة اللااستقرار الأمني وإطالتها، وإلى تعزيز الفكر "الجهادي" لدى الجماعات الإرهابية الموجودة في الساحل. في تعاملها مع الأزمتين المالويّة والليبية؛ عبرت الجزائر عن مدى تمسكها بهذا المبدأ؛ فعلى الرغم من أنهما حالتان باعثتان للإرهاب وعدم الاستقرار، تقعان في جوارها المباشر؛ فإن الجزائر أسّست موقفها تجاههما على الاستناد إلى مبدأ عدم التدخّل، مع الحرص، في الوقت نفسه، على التزام مقاربة "الجوار الإيجابي"؛ إذ اتضح، باكرًا، بعد نهاية التدخّل الدولي في كلا الأزمتين، أنّ إنهاء الانفلات الأمني وعودة الاستقرار إلى مالي وليبيا أولوية جزائرية؛ يمليها عليها مبدأ حسن الجوار، وهو ما تبُرهن عليه تحركاتُها السياسية في الوساطة بين الأطراف المتنازعة في كلتا الدولتين.
4. متلازمة الأمن والتنمية
إنّ الأمن والتنمية رهانان متضافران يتقوّيان تبادليًّا، وهو ما تبُرهن عليه الأطرُ النظرية القائمة على ما يعرف ب "رابطة أمن - تنمية" Security-(nexus development)، والتي من أبرزها مقاربة الأمن الإنساني التي ترى أنّ الأمن ليس، فقط، تحرّرًا من التهديد، بل هو، أيضًا، انعتاق من الحاجة. ويبدو أن الجزائر استلهمت هذه الأطر في بناء مقاربتها الأمنية؛ فإن كانت تعتقد أنّ "إعادة السلم والأمن تبقى الشرط الأساسي لنجاح أيّ مسار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية"25، فإنها تدمج بناء السلم والأمن وتحقيق التنمية - في مقاربتها لمواجهة التهديد، وبالأخصّ في وضعيات ما بعد النزاع - في المطالبة بدعم من المجتمع الدولي للجهد الإقليمي والقارّي، في إطار استراتيجيات المنظمّات الإقليمية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وذلك في إطار "مرافقةٌ لا تدخُّلٌ "، ترمي إلى تكامل لمصلحة منطقة الساحل، في سبيل تحقيق أمن وتنمية مستدامة؛ ذلك أنّ مواجهةً فعّالةً لمهدّدات الأمن، وعوامل اللااستقرار المنتشرة في الساحل؛ تقتضي - من مقاربة جزائرية - تنميةً متعدّدةَ الأبعاد، تتجاوز الحلول الأمنية والعسكرية التقليدية، من منطلق "أنّ مكافحةً فعّالة للإرهاب والجريمة المنظمة تستلزم معالجة الأوضاع الاقتصادية المزرية والتهميش السياسي والاجتماعي"26، وتأخذ في الاعتبار خصوصيات القارّة الأفريقية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ضمن هذا السياق، وبالتمسّك دومًا ب"رفض التدخّل" كموقف مبدئي في عقيدتها الدبلوماسية؛ تراهن الجزائر على ضرورة اضطلاع الدول الساحلية والأفريقية عمومًا؛ بتصميم استراتيجياتها التنموية بصورة ذاتية ومستقلة، وفق ما تقتضيه أوضاعها الداخلية، وبأن تبذل الجهد الضروري لتعبئة مواردها وطاقاتها الكامنة؛ لمصلحة هذه الاستراتيجية. أمّا المجموعة الدولية والقوى العالمية، فإن دورها - وفق التصوّر الجزائري - لا ينبغي أن يتجاوز حدّ مرافقة الجهد الذي تبذله دول أفريقيا والساحل؛ بأن تثمّن مساعيها، وتقدّم لها المساعدة الضرورية الكفيلة بإعطاء فعّالية لبرامجها الوطنية للتنمية، عبر نقل فعلي للتكنولوجيا، ومساندة الاستراتيجيات المحلية بالاستثمارات المنتجة، وبالتمويلات اللازمة، والدعم المادي واللوجستي، فضلً عن مساعدة الأفارقة على استغلال إمكاناتهم ومواردهم الكامنة. في هذه الحال؛ إن تنميةً أفريقيةً وساحليةً، ذاتيةً ومستقلةً وناجحةً؛ هي الشرط الأولّي لتحقيق المسعى الأفريقي (والجزائري أيضًا) في بناء قوة الدولة الوطنية واستعادة أدائها، على المستوى المركزي، وعلى مستوى الإدارة الترابية، نظرًا إلى أن "الدولة القادرة"27(شرطٌ أساسيٌّ للحكامة الأمنية.
5. تجريم دفع الفدية للإرهاب
تلحّ الجزائر في أنّ مكافحة الظاهرة الإرهابية في إقليم الساحل الأفريقي باستئصال دوافعه، والأسباب التي توفر له شروط الاستمرار والاستفحال، هي ضروريةٌ أكثر من مكافحة تجليات الظاهرة في ذاتها؛ ذلك أنّ التوسع الهائل لحجم الضرر والترويع الذي يخلفه الإرهاب؛ لم يكن ليكون لولا وجود ما يغذّيه. يستهدف هذا التصوّر الجزائري، أساسًا، القضاء على جذور الظاهرة ومسبِّباتها، وما يوفّر لها شروط البقاء والاستمرار؛ لأن الإرهاب، في الواقع، ليس إلا حصيلة سلسلةٍ معقدةٍ من الأسباب، تتجسّد في تمثلاتها الأخيرة في ما يعرف ب "تكتيكات إثارة الترويع والفزع"، كالاغتيالات، والتفجيرات العشوائية، واختطاف الأفراد، واختطاف الطائرات، وغيرها. ضمن هذا الإطار الاستدلالي؛ ترى الجزائر أن الشريان الأساسي الذي يمدّ الإرهاب بعوامل الاستمرار هو التمويل بشتى أشكاله ومصادره. لذا؛ يهيمن دفع الفديات - بغرض تحرير الرهائن و/ أو استرجاع الممتلكات (في حالات القرصنة) - على الخطاب الأمني للجزائر؛ بوصفه صيغة مبتكرة من قبل الجماعات الإرهابية؛ تضمن لها موارد ضخمة وغير مسبوقة؛ تتيح لها القيام بعمليات نوعية، وتطيل بقاءها. ونشير، في هذا الصدد، إلى تصريح كمال رزاق بارة، المستشار برئاسة الجمهورية الجزائرية المكلّف بملف مكافحة الإرهاب، الذي ورد فيه أنّ التنظيمات الإرهابية في أفريقيا حصلت على أكثر من 150 مليون يورو، بين سنتي 2003 و 2012، مقابل تحرير رهائن أجانب28. كما تشير مصادر أخرى إلى مبلغ 70 مليون دولار، يمثّل حصيلة ما جناه تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، منفردًا، من الحكومات الأوروبية بين سنتي 2006 و 2011، مقابل تحرير رهائن أوروبيين29. تبيّ هذه الأرقام سبب إلحاح خطابات الأمننة الجزائرية في عدم الفصل بين استقواء الإرهاب ودفع الفديات؛ ذاك أن هذا الفعل الذي تنتهجه الدول الغربية أكثر من غيرها، يساهم، لا محالة، "في دعم قدرات الجماعات الإرهابية"30، ويعزّز مكانتها في مقابل مكانة الدول الوطنية، ضمن ميزان القوى الإقليمي. إنّ هذه السلوكيات، في التصوّر الأمني للجزائر، لا تقوّض جهدها الذاتي، والجهد الإقليمي والقارّي للقضاء على الإرهاب فحسب، بل تضع مصداقية نيّات تلك
الدول وجهدها في مكافحة الإرهاب على المحكّ. لذا؛ ترى الجزائر أن أيسر ما يمكن أن يؤدّيه المجتمع الدولي لمساعدة دول الساحل على التخلص من التهديد الإرهابي؛ هو المشاركة الصادقة الملتزمةُ تجفيف موارد تمويله، بالكفّ – جذريًّا - عن دفع الفديات؛ لأنه من غير المنطقي أن تدّعي الدول الأوروبية مكافحة الإرهاب وهي تغذيه - عن قصد أو غير قصد - في الوقت ذاته. يمكن القول، في ختام هذا المحور، إن المبادئ المهيكلة للتصوّر الجزائري للتهديد ومواجهته هي، في مجملها، تصورات مبدئية؛ تم تبنيها غداة الاستقلال. وترسم هذه المبادئ، بوضوح، حدود الإطار العقائدي الذي يشكل مرجعية سلوكيات الجزائر الأمنية، والتي تعمل على انتشاره، وتذويته على مستوى أفريقي، ليس بالأفعال الخطابية فقط، ولكن، أيضًا، عبر مجموعة من المبادرات الفعلية والرسمية، مثلما سنوضحه في المحور التالي.
ثالث ا: أمثلة على الأطر القانونية والعملية المجسّ دة للمقاربة الأمنية الجزائرية
من جانبٍ عمليّ، واستنادًا إلى فكرة تعذّر القضاء على الظاهرة الإرهابية من دون القضاء على العوامل التي تضمن لها الاستمرار والتمدّد؛ تبذل الجزائر جهدها الدبلوماسي، في إطار مكافحة الإرهاب في أفريقيا والساحل؛ لتكريس مقاربتها لتجريم دفع الفدية مقابل تحرير الرهائن، وترافع من أجل أن يتمّ ترسيخ هذه المقاربة عالميًا منذ عشر سنوات تقريبًا. استطاعت الجزائر ترجمة مقاربتها هذه في صور عملية، بُلوِرت استنادًا إلى نتائج "الندوات عالية المستوى حول السلم والأمن في أفريقيا"، وكذا ندوات "المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب" الذي تحتضن الجزائر مقرَّه. وقد كان أوّل تكريس عملي لهذه النتائج؛ اللائحة الأممية المجرّمة لدفع الفدية للإرهابيين، والتي تهدف، أساسًا، إلى ضرب التهديد الإرهابي في الساحل الأفريقي في جذوره، عبر تجفيف منابع تمويله، والمتابعة الصارمة لحركات الأموال المشبوهة. لاحقًا، طُوّرت هذه اللائحة في تموز/ يوليو 2009 في مؤتمر "سرت" للاتحاد الأفريقي، ثمّ جاءت مصادقة مجلس الأمن في دورته 6247 في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2009، على اللائحة رقم 1904 التي تتضمّن تجريم دفع الفدية للجماعات الإرهابية، على إثر مساع جزائرية حثيثة لدى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ولا سيما روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا. الواقع أن جهد الجزائر لتفعيل تصوّرها عن الإرهاب ومكافحته؛ لم يتوقف منذ تبنّي "اتفاقية الجزائر حول الوقاية من الإرهاب ومكافحته"، ومخطّط العمل الملحق بها سنة 1999، على إثر اجتماع القمّة ال 35 للاتحاد الأفريقي. كما احتضنت الجزائر "الاجتماع ما بين الحكوماتي الثاني حول الوقاية من الإرهاب ومكافحته في أفريقيا" سنة 2004، وهو الاجتماع الذي أسّس مرحلة التطبيق الفعلي لقرارات القادة الأفريقيين في مجال مكافحة الإرهاب، منذ اتفاقية الجزائر سنة 1999. وشهدت السنة ذاتها الافتتاح الرسمي ل "المركز الأفريقي للدراسات حول الإرهاب" الذي أنيط به "ملء الفراغ في مجال الدراسة، البحث، التكوين والإنذار على مستوى أفريقي"31، وتقديم اقتراحات لدعم الترسانات القانونية الوطنية الأفريقية بنصوص تساهم في مكافحة الإرهاب والوقاية منه، بالتعاون مع مفوّضية الاتحاد الأفريقي. في إطار تكريس مقاربتها المستقلة للأمن ولمقاربتها في مكافحة الإرهاب؛ تسعى الجزائر باستمرار لتعزيز القدرات العملياتية الذاتية للاتحاد الأفريقي، ومطالبة شركائه بدعم "أكثر فاعلية" لجهد دولها في رفع التحديات السلم والأمن، وتقوية آلياته – وبخاصّةٍ على المستوى الإقليمي - بإمكانات مالية. ضمن هذا التصوّر؛ وظّفت الجزائر ثقلها الإقليمي لإنشاء "لجنة قيادة أركان مشتركة مكلّفة بالعمليات" في نيسان/ أبريل 2010، في "تمنراست" (في أقصى جنوب الجزائر)، والتي ضمّت في عضويتها ممثّلين للجزائر، وموريتانيا، ومالي، والنيجر، وتم تدعيمها، في مرحلة لاحقة، ب "وحدة الاندماج والاتصال" التي تعدّ الذراع الاستخباراتية للّجنة. فضلً عن هذا؛ تشارك الجزائر دول الساحل في "فوج العمل حول الساحل" الناشط تحت مظلّة "المنتدى الشامل لمكافحة الإرهاب." كما تُعَدُّ الجزائر طرفًا فاعلً ومشجّعًا ل "مسار نواكشوط"32 الذي تعدُّه واعدًا "لوضع نظام حكامة أمنية"33 في الساحل، وفي أفريقيا عمومًا. انضمّت الجزائر إلى هذا المسار، وتبنّت أهدافه وميكانيزمات عمله منذ أطلق في آذار/ مارس 2013، من
قبل الاتحاد الأفريقي الذي حدّد له هدفًا محوريًّا؛ هو تفعيل أسس الهندسة الأفريقية للسلم والأمن في الشريط الساحلي، وتعزيز التعاون الأمني والاستعلاماتي بين دُوَلِه. وإقرارًا منها باستحالة مواجهة حلف الإرهاب والجريمة المنظمة مواجهةًانفراديةً، وبأنّ هذه المكافحة تتطلب تعاونًا بين فواعل المنظومة الإقليمي؛ تسعى الجزائر لتنسيق الجهد الإقليمي والأفريقي للتصدي لأشكال الجريمة المنظمة، على أساس أن التعاون شرطٌ أولّي لاحتواء هذا التهديد. ضمن هذا الانخراط؛ جاء اقتراح الجزائر إنشاء "الآلية الأفريقية للتعاون الشرطي/ الأفريبول" AFRIPOL() في الندوة الإقليمية الأفريقية ال 22 للإنتربول INTERPOL()، المنعقدة في "وهران" في 10 - 12 أيلول/ سبتمبر 2013، بوصفها آلية متعدّدة الأطراف؛ للتحرّك ضدّ الجريمة المنظمة، وهو الاقتراح الذي تمّ تبنّيه بالإجماع في الندوة نفسها، ثمّ الدور الفعّال الذي قامت به خلال الندوة الأفريقية للمديرين والمفتشين العاميّن للشرطة بالجزائر، في 10 و 11 شباط/ فبراير 2014 التي تمخّض عنها "إعلان الجزائر" المنشئ ل "أفريبول"، بموجب قرار قادة أجهزة الشرطة ل 40 دولة أفريقية. أخيرًا، تربط الجزائر، في مقاربتها لمواجهة التهديد في الساحل، استقواء الإرهاب بصعود تجارة المخدّرات المتنامي، وترى أنّ محاصرة تجارة المخدّرات شرط حاسم لتجفيف منابع تمويل الإرهاب34. في هذا الإطار؛ تطرح الجزائر مقاربتها لدرء تهديد المخدّرات ضمن تصوّر شامل؛ يفيد أن المشكل الذي تمثّله المتاجرة بالمخدرات يجب أن يحظى باهتمام متزايد من قبل فواعل المنظومة الدولية. وترى الجزائر أنّ مجابهة المخدّرات يجب أن تنطلق من "سدّ التدفّقات (المتاجرة بالمخدرات) قبل وبعد دخولها"35. وتقوم المقاربة الجزائرية في هذا الصدد على مرحلتين: قبلية وبعدية. في المرحلة القبلية؛ "ينبغي تحديد كافّة المنتجين مع تجنيد المجتمع الدولي لمساعدة البلدان المعنية على التخلّ عن إنتاج المخدرات"36، أمّا في المرحلة البعدية، "فينبغي تشديد إجراءات مكافحة تبييض الأموال أكثر، من خلال استهداف شبكات المتاجرة، والملاذات الضريبية، ومراقبةٍ أحسن لحركة رؤوس الأموال"37، وتقديم توصيات لمساعدة الدول الأعضاء على مكافحة "التمويلات الخفية"38. كلّ هذه الأطر والبناءات الأمنية الإقليمية التي بادرت بها أو انضمّت إليها الجزائر؛ هي، في الواقع، مؤشّ ات مهمّة على نجاح نسبيّ في تذويت مقاربتها لمواجهة عوامل التهديد واللااستقرار، وعلى رأسها الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للأوطان، والمخدرات في الساحل وأفريقيا، وتجسيدها فعليًّا، مع تكثيف الجهد الكفيل بتبنّيها إقليميًّا وأفريقيًّا إلى أقصى حدّ ممكن. تعكس هذه التحرّكات، أيضًا، تطلُّعَ الجزائر إلى استدراك التأخّر الذي تعانيه القارة الأفريقية، على مستوى الصكوك القانونية، والآليات العمليّاتية، مع إلحاحها في خاصيّة الاستقلال في كل تصوّراتها؛ إذ تراهن الجزائر على تقوية المؤسسات الأفريقية على المدى الطويل، وترافع من أجل تزويدها بالآليات، والمقدرات اللازمة التي تخوّلها مواجهة رهانات السلم والأمن في القارّة الأفريقية؛ ذاتيًا وباستقلال، وبالتعاون مع المجموعة الدولية، لكن دون اللجوء إلى الحلول الأجنبية، أو المستندة إلى النزعة التدخّلية.
تقويم المقاربة الأمنية الجزائرية
تضمن المقاربة الجزائرية للأمن في الساحل، بمضمونها السابق، عدم الانحراف عن الخطّ العقدي الثابت الذي سارت عليه السياسة الخارجية الجزائرية، منذ الاستقلال، واستمرارها في نهج "العناد"39 الذي درجت عليه، والمميّز بتقديس سيادة الدولة الوطنية، والرافض أشكالَ التدخّل الخارجي، وجميع مبرّراته؛ بما فيها حالات التدخّل لدواعٍ إنسانية. يضمن هذا، استتباعًا، وفق صانع القرار الجزائري، الحفاظَ على مكسب الاستقلال الذي تراهن عليه الجزائر. كذلك، يضمن هذا الخط عدم المساس بالتوازنات الكبرى في الإقليمين المغاربي والساحلي، كما يخدم طموحها في الريادة الإقليمية والقاريّة، فبمناداتها إلى الحلول الداخلية والذاتية للإشكاليات الأمنية الساحلية والأفريقية، وبخاصةٍ الإرهاب، مع التأكيد على محورية قيمتَيِ التعاون والتشاور مع القوى الدولية لتطبيق هذه الحلول؛ تدافع الجزائر، ضمنًا، عن مكانتها المتقدمة إقليميًّا وقارّيًّا؛ كونها القوة العسكرية الأولى في المنطقة، والأكثر دراية وتجربة إذا ما قورنت بجيرانها في هذا المجال؛ ما يضعها في المقدمة لقيادة التعاون مع القوى الكبرى لمواجهة التهديدات الأمنية في الساحل وأفريقيا؛ لأنها ستكون الشريك الإقليمي الوحيد الذي يمكن أن تعوّل عليه هذه القوى في مثل هذه المهمّة. بيد أنّ هذه المقاربة تطرح عدّة إشكاليات بالنسبة إلى الجزائر؛ أولها مرتبط بالتبعات المالية الضخمة التي تنجرّ عنها؛ كون مواجهة
التهديدات في الساحل هي، حتمً، مواجهةٌ طويلة الأمد؛ يؤدي فيها المتغيّ الاقتصادي دورًا حاسمً. فمراهنة الجزائر على مقدراتها الذاتية؛ لمواجهة التهديد في بيئة منكشفة ومعقدة أمنيًا؛ تتميّز بحركيّة متسارعة لانتشار التهديد؛ قد تهدّد باستنزاف قدراتها المالية الهشّة أصلً كلما طال أمد المواجهة؛ قياسًا على الطابع الرَّيعي لاقتصادها الوطني، المعروف بتبعيته المطلقة لأسواق النفط40. وقد بدأت التداعيات السلبية لانهيار أسعار النفط منذ الشهور الأولى لسنة 2014 تظهر جليًّا في الاقتصاد الجزائري، وفي الميزانية العامة لسنة 2016. فمن الآن فصاعدًا، وفي ظلّ تراجع مدخولاتها السنوية إلى قريب من النصف؛ بسبب انخفاض أسعار النفط بحوالي 50 %، وفي ظل تراجع إنتاجها من الطاقة، وازدياد الطلب الداخلي عليه؛ سيكون من الصعب على الجزائر تغطية التكاليف الأمنية الضخمة المترتبة على نهج الاعتماد على النفس، كمبدأ ترتكز عليه مقاربتها لمواجهة التهديد. ضمن هذا السياق؛ تُعَدُّ الطفرة المسجّلة في ميزانية الدفاع الجزائرية أفضل مؤشّ على أن حالة الفوضى الأمنية في الساحل؛ انعكست على إنفاقها الأمني والعسكري؛ فمع نهاية 2011 كانت الجزائر قد جنّدت 25000 جنديًّا في نشاط مشترك لمكافحة الإرهاب في منطقة الصحراء41، وفي غضون سنة واحدة، ارتفعت ميزانيتها للدفاع بحوالي 10 % لتبلغ 13.10 مليار دولار سنة 2015 مقارنةً ب 11.80 مليار دولار سنة 2014 42. وحتى في حال استبعاد فرضية خفض الإنفاق العسكري في السنوات المقبلة، على الرغم من تراجع مدخولات مبيعات النفط، فإنّ ذلك سيضرّ، حتمً، بسياسة شراء السلم الاجتماعي التي تعتمدها الحكومة الجزائرية منذ بدايات "الربيع العربي"، كما سيصنع عبئًا أثقل على اقتصادها، وعلى حساب قطاعات أخرى لها تأثير مباشر في الحياة اليومية للمواطن الجزائري؛ والتنمية التي يطمح إليها. يضاف إلى ما سبق؛ أنّ تطلع الجزائر إلى واقع أفريقي تضطلع فيه الدول الأفريقية - ولا سيما دول الساحل - بمهمّة بناء أمنها ذاتيًّا وباستقلال، وحمايته من دون الاعتماد على قوى خارجية؛ يصطدم بمحدودية قدرات هذه الدول اقتصاديًّا وعسكريًّا، فضلً عن كونها دولً مخترقة من قوى خارجية، لا ترى حرجًا كبيرًا في عدم التزام مبدأ عدم التدخّل في حال اقتضى أمنها الوطني ذلك. وأيضًا، إنّ دول الساحل التي تعوّل عليها الجزائر هي، حاليًّا، الأضعف أفريقيًّا وعالميًّا، فهي إمّا دول شبه مفككة (ليبيا)، أو دول بصدد إعادة التشكّل، فاقدة للاستقرار (مالي)، أو دول هشّة معرّضة للفشل (النيجر)، من دون أن ننى، في هذا السياق، تونس التي قد تصنّف، بواقعها الراهن، دولة مستقرّة استقرارًا هشًّا؛ إذ لم تتجاوز تمامًا مخاضَ ما بعد الثورة. هذا المشهد الجيوسياسي يؤكّد أنّ الجزائر، حتى في حال نجاحها في إقناع دول الساحل بمقاربتها الأمنية، ستتحمّل القسط الأكبر من تكلفة مواجهة ديناميكيات التهديد عابرة الحدود، وسيقع على عاتقها القيام بمهمّة أمنية؛ يفترض أن تُتَقاسم بين مجموع الدول المنتمية إلى الإقليم.
أخيرًا، إنّ العقيدة العسكرية للجيش الجزائري القائمة على الرفض المطلق لأيّ عملية خارج حدود الإقليم الجزائري، وإن نجحت نسبيًا في تأمين الحدود الجزائرية؛ لم تضع الجزائر دومًا في وضعية دفاعية في مواجهة أشكال التهديد الصادرة عن الفواعل غير الدولتية، ولا سيمّا الجماعات الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظّمة، وهي تقلّل من هامش المبادرة واستباقِها التهديدَ. إنّ هذه العقيدة تجعل الجزائر، دائمًا، طرفًا معانيًا لا فاعلً في مواجهتها التهديداتِ المتحرّكة. ويبدو أن جماعات الإرهاب والإجرام في الساحل تفطنت لهذا؛ فصارت تلجأ إلى أقاليم الدول المجاورة للجزائر كملاذ في حال حدوث مطاردات وملاحقات لها داخل الإقليم الجزائري.
خاتمة
يقدم تفكيك خطابات الأمننة الجزائرية صورةً جليّةً عن التصوّر الجزائري المندمج، والشامل للأمن في الساحل، والذي يتأسس على فكرة عدم الفصل بين التمثلات الفعلية للتهديد (الإرهاب، والجريمة
المنظمة، والمخدرات)، والأوضاع المواتية لنشأته وانتشاره، والتي سميناها "مولدات التهديد." إنّ استقلال الدول الساحلية وحريتها في اختيار النظام الأكثر ملاءمة لأمنها الوطني والإقليمي، من دون تدخلّات فوق - إقليمية، وإن التعاون والتنسيق الجهويَّيْ بينها وبين المجموعة الدولية، وكذا الربط بين الأمن والتنمية كرِهانَيْ متضافرين، فضلً عن حتمية تجفيف منابع تمويل الإرهاب؛ هي عوامل تفسيرية محددة للرؤى الجزائرية الاستقلالية والتحررية؛ لمواجهة التهديد في الساحل، وهي، في الأصل، انعكاس لقيم الهوية الأمنية للدولة الجزائرية منذ الاستقلال. وقد أفرز التزام الجزائر هذه القيم المبدئيّ سلوكيّات إقليمية وقاريّة؛ تتميز بالسعي الحثيث نحو "أفرقة" تصوّراتها الاستقلالية والتحررية، و"تذويتها"؛ بغرض تجسيدها في بناءات وظيفية ذات هوية أفريقية خالصة، كل هذا في سياق التطلع الجزائري إلى قارّة أفريقية تحوز آلياتِها الذاتيةَ لمواجهة التهديد، وللتخلّص تدريجًا من لعنة التدخلّات الخارجية، والتبعية للحلول الأجنبية. وبموازاة مرافعتها هذه؛ تعمل الجزائر من أجل تحقّقٍ فعليٍّ لتصوراتها؛ إذ بادرت باقتراح ترتيبات وظيفية إقليمية وقارّية، تتيح لها إنفاذ تصوراتها، في وقت تُكثِّف فيه، أيضًا، مساعيها للتأثير في مسارات الأمننة الموجودة، على نحو يتفق ورؤيتَها الذاتيةَ لمسائل الأمن الجهوي. يؤكد هذا التشخيص صلاحية القراءة البنائية لتفسير تصورات وسلوكيّات الجزائر الأمنية؛ ففي نهاية المطاف، إن العناصر الثقافية والتاريخية التي تطورت فيها الدولة الجزائرية المستقلة حددت هويتها، وطبعت أفكار صانعي قرارها، وهي، نفسها، المتحكمة في تصوراتها عن مسائل الأمن الجهوي، ومواجهة التهديد، وإذن، تحتّم مساءلة تلك التصوّرات المرورَ بالمعايير والقيم المشكِّلة للهوية الجزائرية، كمتغيرات تفسيرية مستقلة قبل إطلاق الأحكام عليها.
المراجع
العربية
أس، بي دوما. لاقتصاد السياسي للحروب الأهلية: تحليل مقارن لح لات أنغولا وكولومبيا وسيراليون وسري لانكا، عبد الإله النعيمي (مترجم)، بغداد، دراسات عراقية،.2008 بن عنتر، عبد النور. البعد المتوسطي للأمن الجزائري: الجزائر، أوروبا، والحلف الأطلسي، الجزائر، المكتبة العصرية،.2005 لخضاري، منصور. السياسة الأمنية الجزائرية: المحددات – الميادين – التحديات، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
الأجنبية
• Buzan, Barry & Ole Wæver. Regions and Powers: The Structure of International Security, Cambridge, Cambridge University Press, 2003. • Charillon, Frédéric. Politique étrangère: Nouveaux regards, Paris, Presses de sciences po, 2002. • Julien, Simon. “Le Sahel comme espace de transit des stupéfiants: Acteurs et conséquences politiques,” Hérodote , no. 142 (2011), pp. 125 – 142 • Korteweg, Rem & David Ehrhardt. Terrorist Black Holes: A Study into Terrorist Sanctuaries and Governmental Weakness , 2 nd edn, The Hague, Clingendael Center for Strategic Studies, 2005. • Laurent, Samuel. Sahelistan, Paris, Seuil, 2013. • Manwaring, Max (ed.). Gray Area Phenomena: Confronting New World Disorder, Boulder, Westview Press, 1993. • Ose, Dieter & Laure Borgomano-Loup (eds.). Managing Change: Evolution in the Global Arena and Mediterranean Security, Seminar Report Series no. 15, Rome, NATO Defense College, 2003. • Porter, Geoff. “Le non-interventionnisme de l’Algérie en question,” Politique étrangère , vol. 80 (Automne 2015), pp. 43 - 55. • Williams, Paul (ed.). Security Studies: An Introduction. London, Routledge, 2008.