صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية

Azmi Bishara عزمي بشارة |

الملخّص

تقدم هذه الدراسة ثلاث فرضيات رئيسة: أول ا، إنّ الصراع الدائر في البلدان الغربية المتطورة هو صراع بين ثقافتين تشتملان على مكونات طبقية وثقافية وسياسية وقيمية، أو صراع بين ثقافات يمكن أن تتحول إلى هويات. ثانيًا، أنّ روسيا والصين في الصراع على المستوى العالمي تبنتًا عقيدة صراع الحضارات ضد انتشار الديمقراطية والليبرالية بوصفهما ثقافة غربية. وثالث ا، أنّ الفجوة بين النخب التي تتبنى القيم الليبرالية في تحالفٍ مع الفئات التي عانت التهميش - الأقليات والنساء من جهة والطبقة العاملة البيضاء والريف وغيرهم - أدّت إلى إضعاف الرابط التاريخي الحديث العهد بين الديمقراطية والليبرالية والانتقال إلى الصراع بينهما في حالات متزايدة. كلمات مفتاحية: اليمين الشعبوي، دونالد ترامب، صراع الحضارات، الديمقراطية الليبرالية. This study presents three main hypotheses: first, that the conflict currently underway in advanced Western countries is a conflict between two cultures, each with its own value, class, cultural and political component – or between cultural identities. Second, that Russia and China have adopted the credo of the clash of civilizations against the spread of democracy and liberalism, with the view that these are Western constructs. Third, that the gap between, on the one side, the elites who embrace liberal values in alliance with the marginalized sector, minorities and women and, on the other side, the white working class, the rural, and others, had led to a weakening of the newly-forged and historic tie between democracy and liberalism, and a shift to growing conflict between them. Keywords: Populist Right, Donald Trump, Clash of Civilizations, Liberal Democracy.

The Rise of the Right and the Clash of Civilizations: When Democracy Spawns the Antithesis of Liberalism

عن صعود اليمين الشعبوي وخصوصيته

تناول انتخابَ دونالد ترامب دفقٌ هائلٌ من التعليقات والتفسيرات التي نشُرت بعد استيعاب الصدمة الأولى التي تعرّض لها أغلب المؤسسات الإعلامية ومؤسسات استطلاع الرأي العام بسبب استبعادها هذه النتيجة. وما زالت فئات واسعة من المثقفين في الغرب والشرق مندهشةً من سلوك الناس الانتخابي. وموضوع الاندهاش تساهلُ المصوّتين مع ركاكة شخصية المرشح الذي أصبح رئيسًا منتخبًا، والرداءة التي تتناوب على الفظاظة في أسلوبه، وتعاطفهم مع مجاهرته بأفكار يفترض أن يخجل صاحبها من البوح بها في عرف ثقافة "اللياقة السياسية" الليبرالية؛ فأفكار ترامب من نوع "العيب" السياسي إذا صح التعبير. وقد سادت قناعة تامة في أوساط المندهشين أنّ الرجل لا يليق بمنصب رئيس الولايات المتحدة الذي لا يعقل أن يشغله شخص كهذا، لناحية أهمية هذا المنصب وتأثيره في أكبر اقتصاد في العالم، وفي السياسة الدولية بصورة عامة. وكأنّ ما لا يُعْقَل لا يحصل، أو هو غير ممكن الوقوع. أثناء الحملة الانتخابية، سُمع خطاب ترامب السياسي كأنّه وصل لتوّه إلى الحملة الانتخابية من جولة في "بارات" نيويورك وحاناتها التي يؤمّها الرجال بعد ساعات العمل؛ ساعة احتساء بضع كؤوس من الشراب قبل التوجه إلى منازلهم، وذلك في ساعات المساء المبكرة التي تسمى في الولايات المتحدة "الساعة السعيدة" Hour.Happy إنّها ثرثرة الرجال المحافظين المتحلقين حول "البار" إذا خطر لهم عرضًا أن يعرّجوا على السياسة الدولية بمناسبة ما يُعرَض أمامهم على الشاشة، أو بعد وقوع عملية إرهابية، وتباريهم في طرح الوصفات في كيفية تلقين الإرهابيين والدول التي يتحدرون منها دروسًا. أما إذا تعرّضت ثرثرتهم إلى السياسة الداخلية، فإنّها غالبًا ما تختزل المشكلة في سوء تدبير البيروقراطية، وفساد السياسيين، وابتعاد المؤسسة عن "الحياة الحقيقية"، وتردد الحكام، وعجزهم عن الحسم واتخاذ القرار الصحيح، والسخرية من النساء اللواتي يدّعين المعرفة، والتجرؤ على الإشارة بصراحة إلى لون البشرة والجنس والأصل والدين وغير ذلك، والجملة السياسية الغاضبة المشبعة بثقة المتكلم بنفسه وقناعته أنّه يمتلك الحلول لجميع المشاكل والمعضلات التي تحير السياسيين والخبراء. وتتألف الحلول السحرية المزعومة من وصفات غير ممكنة التنفيذ، واقتراحات لا تفسير لها سوى الجهل بالمعطيات، ومقولات متناقضة فيما بينها. هكذا يتكلم الرجال البالغون المتذمرون، الغاضبون من تحولات العالم من حولهم، إذ يتملكهم شعور بأنّ بلادهم تُصادَر منهم حتى أصبحوا يجدون صعوبةً في التعرف إليها: رئيس أسود، وامرأة مرشحة لرئاسة البيت الأبيض1، وفي حالة انتخابها سوف يصبح زوجها "السيدة الأولى"، وزواج المثليين جنسيًّا، وتأمين صحي يتذمرون من أنّهم يمولونه للكسالى الذين لا يعملون، وهجرة غير منضبطة يشكون من أنّهم يمولونها أيضًا بضرائبهم. فمع أنّ الولايات المتحدة دولة بناها المهاجرون، ينمّي المهاجرون الذين توطنوا جيلً بعد جيل شعورًا بأنّهم سكانٌ أصليون، وأنّ فقراء العالم يتدفقون إليهم ليشاركوهم ثروات توافرت بجهدهم وعرق آبائهم وأجدادهم. ليس هذا المركّب الثقافي السياسي الخطابي discursive إذا شئتم، مقتصرًا على الولايات المتحدة، بل ينتشر لدى فئات واسعة في بلدان الاقتصاديات الغربية المتطورة جميعها. فإذا قام رجل طموح من داخل هذه الثقافة وقرّر في أوضاع مواتية تحويل كلام الحانات هذا إلى خطاب سياسيٍّ يدغدغ فيه غرائز الناس ويستثمر في مخاوفهم، الدفينة منها والسافرة، وتبنّته قوى سياسية واجتماعية وازنة، تنشأ ظاهرةٌ مثل ظاهرة دونالد ترامب. وهي قائمةٌ وتتمدد حاليًّا في جميع الدول المتطورة في أوروبا وأميركا الشمالية، وفي بعض دول أوروبا الشرقية مثل هنغاريا وبولندا والتشيك التي تطمح إلى أن تتموضع في الغرب من حيث ثقافتها. تلتقي هذه الظواهر مع نزعة أخرى قائمة في بلدان كثيرة في العالم، بغضّ النظر عن مستوى تطوّرها الاقتصادي الاجتماعي، يمثّلُها ما يسمى عادةً "اليمين القومي" الذي يتمحور خطابُه حول فكرة السيادة والمجال الحيوي للدولة بوصفها مكوناتٍ رئيسةً في أيديولوجية نظام سلطوي؛ ويعني ذلك غالبًا رفض التدخل في شؤون الدولة الداخلية بذرائع مثل حقوق الإنسان، والمطابقة بين سيادة النظام الحاكم أو سيادة الرئيس، من دون قيود، إلا تلك التي يرضى بها النظام، وبهامش من الحريات يضيق ويتسع بحسب مصلحته. وتتجلى هذه النزعة بأوضح صورة في نموذج بوتين وتحولّات النظام في روسيا إلى جمهورية قيصرية، ونقابل نماذج منها على درجاتٍ متفاوتة في الهند وتركيا ومصر والفلبين وغيرها. وفيما عدا توجهاته الأصلية المتأثرة كما يبدو بمنظّر مثل ألكسندر ومجالها دوغين بكل ما يتعلق باستعادة دور روسيا على الصعيد العالمي الحيوي الأورو - آسيوي، وإيفان إيليين Ilyin Ivan الملكي اليميني

  1. يمكن القول إنّ ترشيح كلينتون كان عاملً مساعدًا في انتخاب ترامب، ليس فقط لكونها امرأة، بل أيضًا لأنّها تمثل المؤسسة والأليغاركيا الحاكمة، وبسبب الانطباع الرائج كونها ابنة النخب الحاكمة المدللة التي لا تتمتع بصدقية.

المحافظ ومنظّر البيض بعد الثورة البلشفية، استخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين النزعة القومية الروسية لمواجهة الانتقادات الشعبية في ظل انخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي، موجهًا النقمة ضد القيم الليبرالية العالمية التي يروّجها الغرب؛ وهي من وسائل الدعاية غير المكلفة التي يلجأ إليها أيضًا زعماء، مثل عبد الفتاح السيسي، في العالم الثالث بخفّاقة الخطاب والشعارات الوطنية فتطفح رغوة الكبرياء الوطني وتغطي على الفشل التنموي وبؤس الوضع الاقتصادي.

وقد قام بوتين بدعم الأحزاب غير الليبرالية في أوروبا الغربية، مثل حزب الجبهة الوطنية ورئيسته مارين لوبان. يرى بوتين روسيا بوصفها "مدنية دولة civilization state يحافظ على تماسكها الشعب الروسي، واللغة والثقافة الروسية، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية"2. وتصاحب هذا النمط من القومية اليمينية عمومًا نزعة تغلف العداء للديمقراطية وفكرة حقوق الإنسان بغلافٍ وطني. تنظر العقيدة السائدة في الصين وروسيا إلى انتشار الديمقراطية بوصفه تمددًا للحضارة الغربية، وأداةً لهيمنة الغرب. وهذا يعني باختصار أنّ من يتبنى نظرية صراع الحضارات حاليًا على المستوى الدولي هو هاتان القوتان العظميان، وبخاصة روسيا. وربما لو كان هنتنغتون حيًا لصُدِم من الفكرة التي أقدّمها الآن، وهي أنّ صراع الحضارات أصبح مذهبًا روسيًا وصينيًا في العلاقات الدولية. ولو فكّر مليًا لوجد الأمرَ منطقيًا. ففي الولايات المتحدة تبنّت نظريته عن صراع الحضارات قوى يمينية قومية محافظة تؤمن بسياسات القوة في العلاقات الدولية؛ وهي بالضبط القوى التي تؤمن بهذه العقيدة السياسية وتحكم روسيا في المرحلة الراهنة: إنّها قوى قومية روسية يمينية محافظة. وهذه أيضًا حال الصين، وإن بنمط أداء اقتصادي سياسي مختلف، وطموحات مختلفة على المستوى الدولي. ولذلك، لا غرابة في التقاء السياسة الروسية مع حركات اليمين من النمط الموصوف أعلاه في أوروبا الغربية كما في حالة الجبهة القومية الفرنسية والإعجاب المتبادل بين بوتين وترامب. والأدهى من ذلك هو إعجاب فئات من اليسار التقليدي ببوتين لأسبابٍ مشابهة، ومنها التركيز في السيادة والمجال الحيوي، وكأنّها بحدّ ذاتها مفاهيم معادية للإمبريالية (مع أنّها معادية للإمبريالية بقدر ما كانت الفاشية معادية للإمبريالية البريطانية والفرنسية في النصف الأول من القرن الماضي)، وبوصف الحمائية الاقتصادية في نظر اليسار التقليدي واليمين القومي الشعبوي الصاعد في الولايات المتحدة وأوروبا والأنظمة من نوع النظام الروسي الحالي أمرًا إيجابيًا، لأنّها ببساطة ضدّ العولمة. لا يدرك هؤلاء أنّ اليسار والفاشية يفترض أن يعارضا العولمة من منطلقات مختلفة تمامًا ولأسبابٍ مغايرة. إنّهما ينتقدان أبعادًا مختلفة فيها، وإذا اتفقا في دعم "زعيم" شعبوي فهذا يعني أن أحدهما ضيّع الأهداف بعد أن غادر المنطلقات. لقد حصل أمر شبيه بهذا في ثلاثينيات القرن العشرين، وكان المنتصر في تلك المرحلة وًالمستفيد من هذا اللقاء هو الفاشية التي سمّت نفسها اشتراكية قوميةً أو باختصار "نازية." ويجب ألّ ننسى أنّ مصطلح نازية هو اختصار لمصطلح اشتراكية قومية بالألمانية تعبيرًا عن الديماغوغيا القومية والاجتماعية في آن. تجمع بين الحركات اليمينية الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة خمسة عناصر أساسية متداخلة، هي: • العداء للنخب والمؤسسة، وتحديدًا لغة اللياقة السياسية correct politically، وثقافة الليبرالية. وفي الحقيقة تصوغ هذا الخطاب المعادي للنخبة الثقافية وتأثيرها السياسي نخب اقتصادية وثقافية أيضًا بنبرة العداء الشعبي للمؤسسة الحاكمة، وتستعين في عملية الصوغ بعناصر يمينية متطرفة كانت دائمًا من خارج المؤسسة. العداء للعولمة والتجارة الحرّة، بوصف الوطن هو الخاسر منها، والمستفيد هو الأجانب، والآخرون الذين يريدون أن يفرضوا إرادتهم. يأتي هذا العداء غالبًا مع نزعات حمائية اقتصاديًّا، تؤيدها فئات من اليسار أيضًا لأسباب مختلفة.

  1. “ League of Nationalists,” The Economist , November 19, 2016. نيويورك تايمز أنه سوف يكون على وبسبب دور بوتين في الترويج لنظام غير ليبرالي كتبت أنجيلا ميركل أن تصدّ تمرد روسيا، وبخاصة أن الأخيرة تعمل على الترويج للنظام الديمقراطي غير الليبرالي من خلال دعمها الأحزاب اليمينية في أوروبا وتصعيد النزعة الشعبوية. وسيُشكل إبقاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا نتيجة للأزمة في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا تحدّيًا بخاصّة أنّ دونالد ترامب قد صرّح علنًا بإعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، انظر: Alison Smale & Steven Erlangernov, “As Obama Exits World Stage, Angela Merkel May Be the Liberal West’s Last Defender,” The New York Times , November 12, 2016.

مخاطبة خوف الناس من الهجرة الوافدة وموجات اللاجئين. مخاطبة المشاعر القومية وخوف الناس من ضياع هوية بلدانهم عبر التعددية الثقافية، وفقدان السيطرة الذكورية البيضاء بسبب تمكين المرأة والأقليات وغيرها. "الإسلاموفوبيا" وربط الإسلام بالإرهاب. والمثير أنّ فئات كانت معاديةً للسامية في الماضي استبدلت موقفها هذا بكراهية الإسلام والمسلمين. ولا تتردد هذه التيارات في نشر موقف شعبوي مُعادٍ للسياسيين عمومًا، وغالبًا ما يمارس العداء للسياسة والسياسيين موقفًا معاديًا للديمقراطية، أما في حالة الفوز في انتخابات، فغالبًا ما تعبّ هذه التيارات الشعبوية عن نفسها في مقاربات أكثروية شعبوية مناهضة لتدخل المحاكم الدستورية في الحياة السياسية لحماية المبادئ الديمقراطية الليبرالية حتى بعد فوز اليمين في الانتخابات، فتصور المحاكم وكأنّها تفرض قيم الأقلية على الأكثرية. هنا ترتدي الشعبوية أقنعةً ديمقراطيةً في الدفاع عن السياسة والسياسيين في صراعٍ مع قيم الليبرالية التي تتولى المحاكم الدستورية الدفاع عنها. علينا أن نميّز بين هذه النزعة وأيديولوجية "المحافظين الجدد"؛ فظاهرة المحافظين الجدد من تجليات العولمة الثقافية السياسية. كان هؤلاء نخبة تحدّثت بلغة اليسار لناحية الرسالة العالمية، مع الفرق أنّها لم تتعظ بالرسالة الثورية التحررية الأممية للبروليتاريا، بل دعت إلى تحمّل الديمقراطية الليبرالية، الأميركية على وجه التحديد، مسؤوليتها على المستوى العالمي. وبدل تصدير الثورة التي اتُّهم بها السوفيات يفترض بحسب وجهة نظرهم أن تقوم أميركا بتصدير الديمقراطية، وهذا يناقض نزعات ترامب وغيره المعارضة لتصدير الديمقراطية. فبحسب ترامب في خطابه حول السياسة الخارجية الذي نقلته وكالات الأنباء يوم 26 نيسان/ أبريل 2016، بدأت أخطاء السياسة الخارجية التي أدّت إلى الفوضى في الشرق الأوسط "بالفكرة الخطيرة أنّه يمكننا تحويل بلدان إلى ديمقراطيات غربية مع أنه لا تجربة لديها ولا رغبة في أن تصبح ديمقراطيات غربية"3. صحيح أنّ دعوتهم لتصدير الديمقراطية أدّت إلى حروب إمبريالية، واحتلالٍ مدمر للعراق، وإلى مقاومة وطنية ودينية ضده، ولكن دوافع هؤلاء المحافظين الجدد، الإمبريالية بحد ذاتها، لم تشبه لا دوافع المحافظين ولا الليبراليين. ولا تشبه اليمين المتطرّف. لم يكن المحافظون الجدد مثلً معادين للإسلام بحد ذاته، بل روجوا لفكرة أنّه لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية، ورأوا أنّ سبب الإرهاب الرئيس هو الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة وليس الإسلام، وبناءً عليه، يجب تصدير الديمقراطية إلى العالم الإسلامي. وانتقدوا حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر والسعودية في كل ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان. ولو كانوا حاكمين راهنًا لتدخّلوا بالتأكيد ضد النظام السوري مثلً. وسبق أن هددوا بمثل هذا التدخل قبل الفشل المدوّي في تصدير الديمقراطية إلى العراق. في المقابل لا يكترث ترامب بقضايا حقوق الإنسان في الدول الحليفة، من المرجح أن يعزز العلاقة مع الأنظمة الحليفة في العالم العربي، ومع نظام السيسي في مصر. ويعد ترامب جرائم بشار الأسد وحقوق الإنسان والديمقراطية منفرة،ً ولكنّها مسائل ثانوية تتضاءل أمام مصلحة الولايات المتحدة (أميركا أولً.) ولا تتناقض هذه، في رأيه، مع وجود الأسد على رأس السلطة في سورية. وبذلك، فهو لا يختلف مع المحافظين الجدد فحسب، بل أيضًا مع اليمين الأيديولوجي الذي تحالف معه والذي يعادي سورية وإيران لأسباب لا علاقة لها بالديمقراطية أيضًا. ومستقبلً، ربما يكون دافع ترامب الوحيد لاتخاذ موقف من الأسد هو مواجهة تمدد النفوذ الإيراني في سورية، أي من دون الدخول في حرب مباشرة معها في إيران نفسها. وهذا بحد ذاته ليس مؤكدًا أيضًا.

البعد الاقتصادي والثقافي واستيراد نموذج صراع الحضارات نحو الداخل

لقد تعمّدتُ أن أبدأ بما يمكن تسميته خلفية ثقافية، لأنّ هذا البعد لا يحظى بما يستحق من الاهتمام عند تناول الظاهرة، إذ غالبًا ما يقاربها التحليل اقتصاديًّا وسياسيًّا فقط. وأصبح مألوفًا الحديث عن نتائج الأزمة المالية الاقتصادية عام 2008، وخراب الصناعة في بعض المناطق العمالية التقليدية نتيجةً لنقلها إلى دول أخرى بحثًا عن أيدٍ عاملة رخيصة، وتسهم كلها في إشعال غضب فئات عمالية ضد العولمة والتجارة الحرة. هذا صحيح، ويمكن البرهنة عليه بالإشارة إلى خراب مناطق ما بعد صناعية في أميركا، وبأن مناطق صناعية كانت تعدّ معاقل تقليدية لحزب العمال البريطاني صوّتت ضدّ رأي هذا الحزب، ولمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي. وثمة ولايات كانت محسوبةً على الديمقراطيين في الولايات المتحدة صوّتت لترامب، ما يعني أنّ الطبقة العاملة البيضاء أصبحت تميل إلى التصويت لليمين، وهي أكثر عرضةً لاتخاذ مواقف ضد الهجرة والمهاجرين.

  1. “ Transcript: Donald Trump’s Foreign Policy Speech,” The New York Times , April 27, 2016, accessed on 13/12/2016, at: http://nyti.ms/1WTNQXp الجدول)1(نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016 بنتائج الانتخابات السابقة منذ عام بحسب الولاية، مقارنة 1988

ويصوّر الجدول 1() أمرين أساسيين: ثمة استقرار في خريطة التصويت في الولايات تصل إلى حد تبلور "هوية سياسية"، ولو وسّعنا العدسة قليلً لرأينا استقرارًا في التصويت حتى على مستوى الأقضية. يقدّم انتقال ولايات أوهايو وبنسلفانيا ميشيغان وآيوا وويسكونسن من التصويت للمرشح الديمقراطي (في الانتخابات السبعة السابقة تقريبًا) إلى المرشح الجمهوري ترامب في الانتخابات الأخيرة، صورةً عمّ أوردناه أعلاه.

نتائج الانتخابات الرئاسية 2016نتائج تصويت الولاية في الانتخابات الرئاسية السابقة
منذ عام 1988 وحتى عام 2012 *
الولاية
55صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةCAكاليفورنيا1
29صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةNYنيويورك2
20صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةILإلينوي3
12صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةWAواشنطن4
14صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةNJنيو جيرسي5
11صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةMAماساتشوستس6
10صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةMNمينيسوتا7
10صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةMDماريلاند8
7صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةORأوريغون9
7صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةCTكونيتيكت10
4صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةHIهاواي11
4صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةRIرود آيلاند12
3صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةVTفيرمونت13
3صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةDEديلاوير14
3صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةDCواشنطن العاصمة15
31صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةMEماين16
5صوتت للمرشح الديمقراطي في خمسة انتخابات من أصل سبعةNMنيومكسيكو17
4صوتت للمرشح الديمقراطي في خمسة انتخابات من أصل سبعةNHنيوهامبشير18
6صوتت للمرشح الديمقراطي في أربعة انتخابات من أصل سبعةNVنيفادا19
9صوتت للمرشح الجمهوري في أربعة انتخابات من أصل سبعةCOكولورادو20
13صوتت للمرشح الجمهوري في خمسة انتخابات من أصل سبعةVAفرجينيا21
18صوتت للمرشح الديمقراطي في أربعة انتخابات من أصل سبعةOHأوهايو22
20صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةPAبنسلفانيا23
16صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةMIميشيغان24
6صوتت للمرشح الديمقراطي في ستة انتخابات من أصل سبعةIAآيوا25
10صوتت للمرشح الديمقراطي في الانتخابات السبعة الأخيرةWIويسكونسن26
29صوتت للمرشح الجمهوري في أربعة انتخابات من أصل سبعةFLفلوريدا27
5صوتت للمرشح الجمهوري في أربعة انتخابات من أصل سبعةWVفيرجينيا الغربية2 ر8
11صوتت للمرشح الجمهوري في خمسة انتخابات من أصل سبعةTNتينيسي29
10صوتت للمرشح الجمهوري في خمسة انتخابات من أصل سبعةMOميزوري30
8صوتت للمرشح الجمهوري في خمسة انتخابات من أصل سبعةLAلويزيانا31
8صوتت للمرشح الجمهوري في خمسة انتخابات من أصل سبعةKYكنتاكي32
6صوتت للمرشح الجمهوري في خمسة انتخابات من أصل سبعةARأركنساس33
38صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةTXتكساس34
16صوتت للمرشح الجمهوري في ستة انتخابات أصل سبعةGAجورجيا35
15صوتت للمرشح الجمهوري في ستة انتخابات من أصل سبعةNCكارولاينا الشمالية36
11صوتت للمرشح الجمهوري في ستة انتخابات من أصل سبعةAZأريزونا37
11صوتت للمرشح الجمهوري في ستة انتخابات من أصل سبعةINإنديانا38
9صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةALألاباما39
9صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةSCكارولاينا الجنوبية40
7صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةOKأوكلاهوما41
6صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةMSمسيسيبي42
6صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةKSكانساس43
6صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةUTيوتا44
5صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةNEنبراسكا45
4صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةIDأيداهو46
3صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةSDداكوتا الجنوبية47
3صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةAKألاسكا48
3صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةNDداكوتا الشمالية49
3صوتت للمرشح الجمهوري في الانتخابات السبعة الأخيرةWYوايومنغ50
3صوتت للمرشح الجمهوري في ستة انتخابات من أصل سبعةMTمونتانا51

وتنتشر ثقافة القومية المنغلقة الإثنية غير القائمة على المواطنة في أوروبا والولايات المتحدة لدى البالغين ممن يقارنون الوضع الحالي بمراحل سابقة. لقد كانوا "يملكون البلاد." ومع زيادة أعداد المهاجرين المسلمين في أوروبا، وأولئك من غير البيض البروتستانت في الولايات المتحدة الأميركية، يتفاقم الشعور بأنّ هذه البلاد "كانت" بلادهم، وسُلبت منهم. هنا تبرز بقوة مسألة العلاقة بين مركبات هوية الجماعة القومية وهوية الدولة. صحيح أنّ الطبقة العاملة في هذه البلدان غاضبة ومحبطة من توسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وازدياد حدّة ظواهر انعدام المساواة. ولكن هذا لا يفسر التصويت لترامب. ويمكن فهم سلوك الطبقة العاملة أو فئات واسعة من الطبقة العاملة البيضاء في هذه الدول من زاوية أخرى تمامًا، بوصفها ردة فعل على تنامي المساواة وليس عدم المساواة. فمع توسع الفجوة بين الطبقات والاستقطاب بين الغني والفقير، ازدادت نسبة المساواة للأميركيين من أصل أفريقي والمرأة وغيرها داخل كل طبقة. ومن يصرّ على المقاربة الاقتصادية للقضية يمكنه أن يفهم هذا التطور بوصفه تنافسًا بين الأجراء (العمال، والموظفين) تستفيد منه عمومًا الرأسمالية التي يمثّلها بالتأكيد أمثال ترامب. في الأعوام من 2005 وحتى 2013، ارتفعت دخول الأسر الأميركية من أصل أفريقي ممّن يزيد دخلها على 200 ألف دولار أميركي بنسبة 138 في المئة، مقارنةً بالمعدل العام لمجموع الأسر في الولايات المتحدة الذي بلغت نسبة زيادته 74 في المئة. كما أنّ عدد أصحاب الملايين من الأميركيين من أصل أفريقي قد ارتفع من 25 مليونيرًا في ستينيات القرن الماضي ليصل اليوم إلى 35 ألف مليونير، واستطاعت النخبة الأميركية من أصل أفريقي أن توصل أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة لولايتين، إلا أنّ الفجوة الطبقية بين الأميركيين من أصول أفريقية ما زالت واسعة. وتمثّل المرأة الأميركية اليوم نحو نصف القوى العاملة؛ أي ما نسبته 49.9 في المئة من إجمالي عدد العاملين في الولايات المتحدة، ويشغلن مناصب عليا في أكبر شركات العالم، مثل شركة بيبسي، وشركة Archer Daniels Midland Company للأغذية والسلع التجارية، وشركة Gore W.L. للمنتجات الصناعية. وتمثّل نسبتهن 60 في المئة من حملة الشهادات الجامعية. هذا إضافةً إلى قرار المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة في 26 حزيران/ يونيو 2015 الذي ألزم جميع الولايات الأميركية الاعتراف بحق المثليين في الزواج بصورة قانونية4. ومن نافل القول إنّ ترامب وفئة أباطرة المال والأعمال المحيطة به لا يمثلان مصالح العمال، بل تستفيد هذه الفئة من دون شك من تأجيج التنافس داخل الطبقة العاملة، وتوجيه نقمتها نحو الأقليات والشعوب الأخرى وغيرها. هذه إستراتيجيات يدركها أيّ نقابي منذ القرن التاسع عشر. ولكن لا يمكن فهمها في الظرف التاريخي العيني من دون البعد الثقافي. ومن هنا، فإنّ التفسير يكمن في التنافس داخل الطبقات الاقتصادية، وليس بين الطبقات، ما يعزز قدرة السياسيين الشعبويين على تعبئة معسكرات عابرة للطبقات يجمعها النفور من القيم الليبرالية من جهة، والخوف من تمكين من كانوا مهمشين من جهة أخرى، وهو الخوف الذي يعبّ عن نفسه في تأكيد الهوية. وفي رأيي المتواضع، إنّ البعد الغائب في التحليل الذي لا يُولَ اهتمامًا كافيًا هو البعد الثقافي الذي يتحول غالبًا إلى هوية؛ فالقوى التي تصارعت في انتخابات الولايات المتحدة وفي استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا بتاريخ 23 حزيران/ يونيو 2016 (الذي عَدّه ترامب من بشائر انتصاره في الولايات المتحدة) ليست طبقات بالمعنى الاقتصادي الكلاسيكي للكلمة، بل معسكرات ثقافية تشتمل على البعد الاقتصادي الطبقي من دون شك. ولكنّ المكون الذي يجعل للبعد الطبقي الاقتصادي أهميةً سياسيةً هو المركب الثقافي/ الطبقي الذي يصوغ المصالح ومشاعر مثل الغضب والنقمة والخوف وغيرها، ويعيد صوغها، بلغة سياسية. إنّه صراع بين ثقافتين: تسود الأولى لدى قطاعاتٍ اجتماعية متلبرلة ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا يمكن ترسيم ملامحها بوصفها فئاتٍ وسطى من قطاعات خدمية وأكاديمية وتكنوقراطية وغيرها، وتعيش في المدن الكبرى غالبًا، وهي مستفيدة من العولمة والتجارة الحرة. إنّها ليست بريئةً تمامًا من العنصرية ومن الشعور بالتفوق تجاه الآخر، ولا هي متحررة من الخوف من الآخر أيضًا، ولكنّها أقدر على تحمّل الاختلاف لأنّها مهيمنة وقوية. هذا إضافةً إلى أنّ جزءًا متناميًا منها أصبح يتبنى مبدئيًا قيمً ليبرالية أخلاقيًا، وذلك عبر التنشئة الاجتماعية ونتائج صراعات الأجيال؛ أما الثانية فثقافة محافظة وتقليدية عابرة للطبقات، ولكنّها سائدة بخاصة في الأرياف الغنية والفقيرة المحافظة التي تنظر بريبة وشك إلى ثقافة المدن الكبرى بوصفها منحلّةً. وفي مراحل الأزمات تلتقي معها فئات اجتماعية حديثة متضرّرة من الحداثة والعولمة ناقمة على النخب والمؤسسة، ومنها أوساط واسعة من الطبقة العاملة البيضاء، وفئات تدهورت من الطبقة الوسطى إلى مهاوي الفقر نتيجةً لتغوّل الاحتكارات الكبرى، أو فقدان العمل، أو أزمات البورصة والاستثمارات الخائبة، وعدم تحمّل أسعار العقارات في المدن، وعوامل كثيرة أخرى.

  1. Nora Lustig, “Elections in America: It is Also about Rising Equality,” VOX , November 29, 2016, accessed on 29/11/2016, at: http://bit.ly/2g6YU2v الجدول)2(نتائج استطلاع CNN آراء الناخبين الأميركيين فور خروجهم من مراكز الاقتراع يوم الانتخابات)Exit Polls(
مرشح آخر/ رفض الإجابةدونالد ترامبهيلاري كلينتون
الجندر
%7%52%41الذكور)%47(
%5%41%54الإناث)%53(
العمر
%9%36%55)%19(29-18
%8%41%51)%25(44-30
%4%52%44)%40(64-45
%3%52%4565 سنة فأكبر)%16(
العرق
%6%57%37البيض)%71(
%5%21%74غير البيض)%29(
المستوى التعليمي
%3%51%46ثانوي فأقل)%18(
%6%51%43أقل من جامعي)%32(
%7%44%49خريج جامعي)%32(
%5%37%58دراسات عليا)%18(
المنطقة
%6%34%60المدن)%urban (34
%6%49%45الضواحي)%suburban (49
%5%61%34الريف)% rural (17
العرق والجندر
%7%62%31الذكور البيض)%34(
%5%52%43الإناث البيض)%37(
%5%13%82الذكور السود)%5(
%2%4%94الإناث السود)%7(
%5%32%63الذكور اللاتينيون)%5(
%6%25%69الإناث اللاتينيات)%6(
%8%31%61أخرى)%6(

ليس هذان معسكرين منسجمين داخليًا على الإطلاق. ولكن ما يميّز المرحلة الحالية هو تجمّع هذه القوى المتنوعة المتعددة المصالح والمشارب والأهداف في معسكرين؛ أحدهما يبدو ليبراليًا ونخبويًا في ثقافته وليس بالضرورة في طبقته الاجتماعية، والآخر يبدو وطنيًا شعبويًا معاديًا للأجانب والهجرة أيضًا في ثقافته وخطابه السياسي. الأول أكثر علمانية والثاني أكثر تدينًا. ويجتمع في الأول بصورة عامة مواطنون ذوو تحصيل علمي أعلى من المتجمعين في المعسكر الثاني. ودعونا نقلْ إنّ معدل التحصيل العلمي في المعسكر الأول أعلى منه في المعسكر الثاني. وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تمكين فئات المعسكر الثاني من المشاركة السياسية المباشرة من دون رقابة النخب التي تسيطر على وسائل الإعلام وتحررها، وتقوم بغربلتها. "تُفلتر" وسائل الإعلام المهنية التي تسيطر عليها النخب الاقتصادية والثقافية المعلومة، وذلك ليس فقط بالتمييز بين الحقيقة والخيال، والواقعة والشائعة، بل قيميًا أيضًا. أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد منحت فئات المعسكر الثاني تعبيرًا مباشرًا لا يمر عبر هيمنة النخبة؛ فمثلً وصل متابعو حساب ترامب على تويتر إلى أكثر من 16 مليون متابع. ولن يتسع المجال لوصف آليات التعبير عن الثقافة الجماهيرية في المرحلة التاريخية الراهنة، هذا عدا ما تقوم به وسائل الإعلام الرئيسة لمسايرة هذه الثقافة ومراءاتها وإعادة إنتاجها استهلاكيًا. وأذكر هنا أنّ ترامب بذاته هو بليونير درس في جامعات يدرس فيها أبناء الأغنياء، وهو أيضًا ابن نيويورك من مراكز الثقافة الأولى بموجب التصنيف أعلاه. ولكنه لا يبدو للناس الذين صوتوا له نخبويًا، وذلك ليس لأنه متواضع، فأسلوبه يتميز بالغرور، ولا لأنّه يمثّل مصالح الناس، بل لأنّه يمثّل هوية هذا المعسكر ويتكلم لغته. وهنا أعود إلى تمييزاتٍ نظرية وتاريخية أجريتها في كتاب المجتمع المدني و المسألة العربية، واستخدمتها أيضًا في مؤلفات ثلاثة حول الثورات العربية. وهي تمييزات بين الديمقراطية والليبرالية تقدّم التطورات الدليل بعد الآخر على الحاجة إليها. فمركب الديمقراطية الليبرالية لم يكن دائمًا قائمًا، وتاريخيًا لم تكن الديمقراطية ليبراليةً ولم تكن الليبرالية ديمقراطيةً. ويمكننا التوسّع في هذا الموضوع، فأسّ الديمقراطية عمومًا المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار والتمثيل النيابي الذي يقرر عبر الانتخابات، وقيمتها الرئيسة المساواة وتتجلى بخاصة في المراحل النضالية للديمقراطية. أمّا الليبرالية فتقوم على حريات الأفراد وحماية مجالهم الخاص بما في ذلك الملكية الخاصة، وقيمتها الرئيسة الحرية وما يشتق منها من قيم. كانت الليبرالية غالبًا في القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين تيارًا فكريًا سياسيًا اقتصاديًا نخبويًّا. واهتم حمَلة هذا الفكر بالحفاظ على هذه القيم بوصفها موجّهًا لعلاقات الدولة والفرد والمجتمع، وحمايتها من عسف السلطة التي يفترض أن يقتصر دورها على حماية الحريات. وبدا لهم أنّ شرط الحفاظ على الحريات المدنية وحماية المجال الخاص هو عدم مشاركة الجماهير الواسعة التي لا تتبنى هذه القيم غالبًا، في عملية صنع القرار. فإذا ترك القرار لجماهير واسعة سهلة الانقياد، أي التي يسهل على الديماغوغيين خداعها، فسوف تكون النتائج وخيمة.ً

وفي رأيي حصل اللقاء بين الديمقراطية والليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية، حين تبيّ خطر الديماغوغيا الشعبوية من جهة، وعزلة الفكر الليبرالي عن الجمهور الواسع من جهة أخرى؛ إذ أفرزت الانتخابات في عصر الثقافة الجماهيرية في حالاتٍ متطرفة بعد الأزمة الاقتصادية في نهاية العشرينيات وعلى خلفية ادعاءات بالمظلومية القومية التاريخية، وشعور بالخوف على الهوية، واتهامات بانحلال النخب decadence، أنظمةً فاشية. منذ ذلك الوقت، أصبح الديمقراطيون والليبراليون يسعون إلى ربط مبادئ الديمقراطية والحقوق والحريات المدنية، وحتى مطابقتها، وذلك حين ألحّت الحاجة إلى مبادئ فوق دستورية تحمي الحريات من الأغلبيات الطارئة التي ربما لا تؤمن بهذه القيم. وما نشأ بعد الحرب العالمية الثانية هو واقع تاريخي جديد تتطور فيه ديمقراطية ليبرالية عبر دينامكية تفاعلية بين شقّيها هذين؛ ولم يتحول هذا بالضرورة إلى رابط قيمي بين الليبرالية والديمقراطية إلّ عند فئات محددة من الديمقراطيين الليبراليين. وفي الأزمات الكبرى يتزعزع هذا الرابط بين الديمقراطية والليبرالية عند فئات واسعة من الجمهور. وبإمكان شخص مثل ترامب ومارين لوبان وغيرهما الاستفادة من المزاج الشعبي في ظروف المشاركة الشعبية الواسعة (أي الديمقراطية) ضد الليبرالية والليبراليين. ولا يُفترض أن يكون تصور هذا الأمر صعبًا

للفهم بالنسبة إلينا، نحن شعوب الشرق، ولا أظن أنّ أحدًا في حاجة إلى أن أعدّد له الحالات الكثيرة التي يجري فيها تعبئة الجماهير في بلداننا بسهولة نسبية ضد هذه القيم بوصفها دخيلةً ومدسوسةً تهدد الاستقرار ونمط الحياة القائم، لتمرير سيطرة أعتى الديكتاتوريات ضدّ الشعب على إيقاع قرع طبول هذه الديماغوغيا الشعبوية.

عن الشعبوية

نتوقف هنا لحظةً عند الديماغوغيا الشعبوية. كان الديماغوغ قائد العامة الذي يشعل غضبها في أثينا. ولم يكن للتعبير في البداية تداعيات سلبية. وتطوّرت هذه بارتسام الخطاب السياسي الديماغوغي على صورة تحريض يستسهل استغلال جهل العامة والآراء المسبقة المنتشرة بينهم، فيعبّ عما يرغب الناس في سماعه. وهذا لا يشترط إيمان الخطيب بكل ما يتفوه به. فقد يكون مؤدلجًا ويؤمن بما يقول، لكنّه يستخدم خطابًا ديماغوغيًّا مصممً بموجب ما يعتقد أنّ الناس يريدون سماعه بناءً على الغرائز والميول والمخاوف الدفينة والسافرة. وقد لا يكون أيديولوجيًّا، وربما يكون سينيكيًّا بالتعبير الحديث والمعاصر (ودلالته عكس دلالة اليوناني الفلسفي القديم)، وذلك حين يكون هدف السياسي الشعبوي الوصول إلى السلطة بأيّ طريقة، أي تحقيق مصلحة ذاتية. وقد ثبت عبر التاريخ أنّ ثمة أنماطًا مرنةً من الشعبوية لا تجد صعوبةً في تغيير المواقف والخطاب بحسب الظرف. وعلى الرغم من أنّ ترامب يؤمن بجزء مما يقول دون شك، ولكن كلّ ما يقوله ديماغوغيا تعبّ عما يرغب قطاعٌ واسعٌ من الناس في سماعه ولا يستطيع قوله، أو يخجل من قوله. وربما كان بإمكانه أن يتحالف مع شعبويين براغماتيين مثله لإدارة الدولة بعد الانتخابات، لكنّه اختار أن يجمع بين مكافأة بعض الشعبويين الذين ساعدوه في الانتخابات، وتعيين رجال أعمال يؤمنون بقدرته على إدارة الدولة بوصفها "بيزنس" أكثر من السياسيين، وساسة محافظين وآخرين من اليمين المتطرّف. وغالبًا ما يكون اليمين المتطرف نخبويًّا مثل اليسار المتطرف وليس بالضرورة ديماغوغيًّا؛ بمعنى أنّه يقول ما يرى أنّه صحيح. يريد ترامب أن يستعيد "عظمة أميركا" مثلما يريد بوتين أن يستعيد "عظمة روسيا"، وغيرهما يريد استعادة أمجاد الصين وصربيا وهنغاريا وفرنسا وبريطانيا. يريد الجميع استعادة عظمة قائمة غالبًا في المخيلة وحدها. وغالبًا ما كانت هذه العظمة القومية أو الوطنية التي يريدون استعادتها أنظمةَ طغيانٍ لا يرغب أحد في العيش في ظلّها، هذا عدا عن أنّها وجدت تعبيرها غالبًا في صراعات نفوذ للهيمنة على ما يعدّونه مجالهم الحيوي، فأشعلت حروبًا، ومنها حروب عالمية. كما أنّ عظمة الأمة والدولة التي يهيئونها لجمهورهم هي بالضبط ما يتضاءل أمامه الإنسان وحقوق المواطن. وقد يرى اليمين المتطرف أنّ عظمة بلاده المنشودة تتناقض مع عظمة البلدان الأخرى. لم يخترع ترامب إستراتيجية تأطير هوية مؤيديه بناءً على توجيه الاتهامات إلى "الآخر" داخل المجتمع نفسه، بوصفها إحدى أهم أدوات الشعبوية. فقد تبنّى الحزب الجمهوري لسنواتٍ عدّة مبدأ "نحن وهم." ففي حملته الانتخابية للرئاسة عام 1968، نجح ريتشارد نيكسون في استغلال عنصرية البيض الجنوبيين، على الرغم من أنّ باري غولدووتر، المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية عام 1964، استخدم من قبله الإستراتيجية ذاتها في حملته الانتخابية وفشل في ذلك. كما قام رونالد ريغان بشيطنة المستفيدين من برنامج الرعاية الأميركية من الأميركيين من أصول أفريقية ليكسب بذلك أصوات الناخبين في الضواحي الشمالية. واستخدم جورج بوش الأب هذه الإستراتيجية ضد الأميركيين من أصول أفريقية المدانين بسجلات إجرامية؛ كما استغل جورج بوش الابن قلق الناس من زواج المثليين ليضمن الفوز في انتخابات.2004 هذه انتهازية سياسية مألوفة في الانتخابات، ولكنها تساهم في إبقاء العنصرية حيةً؛ فهي تمنحها جرعات من الشرعية من حين إلى آخر. لم تجعل هذه الانتهازية السياسية من الحزب الجمهوري حزبًا شعبويًا، إلّ أنّ المشهد السياسي الأميركي قد تغيّ نحو اليمين في ظل ارتفاع نسب المنتسبين إلى حركة "حزب الشاي"5، ونحو الشعبوية للعوامل المذكورة أعلاه يضاف إليها الشعور بالسخط تجاه رئاسة أوباما، والمساعدات المالية المزعومة لسدّ ديون الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، والدين القومي، وبرنامج التأمين الصحي لأوباما المعروف بأوباما كير Obamacare، والموقف من مؤسسة الحزب الجمهوري6. ويبقى التعبير الأوضح عن طفرة الشعبوية السياسية تغلُّب ترامب داخل الحزب الجمهوري على مرشحي مؤسسة الحزب، وترشحه للانتخابات الرئاسية وفوزه فيها. يُظهر انتخاب دونالد ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحوّل طبيعة الطبقة العاملة في كلٍ من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا؛ إذ أصبحت هذه الطبقة أكثر شعبويةً نتيجةً لشعورها بتخلّ النخب

  1. إنّ أنصار "حزب الشاي" Party Tea أكثر ثراءً وتعلّمً من عامة الناس في الولايات المتحدة، وهم غالبًا من البيض الذكور المتزوجين والذين تفوق أعمارهم 45 عامًا، ومن مؤيدي الحزب الجمهوري. وهم أكثر محافظةً من الجمهوريين عمومًا في بعض القضايا، ويعارضون بشدة إدارة أوباما من منطلق أيديولوجي، انظر: استطلاع للرأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز و"سي بي إس نيوز" في الفترة 5 - 12 نسيان/ أبريل 2010 على عيّنة حجمها 1580 مستجيبًا، منهم 881 مستجيبًا من مؤيدي "حزب الشاي:" Kate Zernike & Megan Thee-Brenan, “Poll Finds Tea Party Backers Wealthier and More Educated,” The New York Times , April 14, 2010.
  2. Thomas Greven, “The Rise of Right-wing Populism in Europe and the United States–A Comparative Perspective,” Friedrich Ebert Stiftung , May

والأحزاب السياسية الرئيسة/ التقليدية عنها اقتصاديًّا، هذا عدا عن المسافة التي تفصلها عنها سياسيًا - ثقافيًا. فقد صوّت العمال البيض في الولايات المتحدة لدونالد ترامب، وكسب أيضًا أصوات الناخبين "المنسيين" في المناطق التي تُسمى بحزام الصدأ Belt Rust في الشمال الشرقي، أي المناطق المتداعية بعد هجرة الصناعة منها. وهم الذين فشلت استطلاعات الرأي في تمثيلهم نتيجةً لصعوبة الوصول إليهم من خلال شبكة الإنترنت والهواتف، وأيضًا نتيجةً لعدم اهتمام القائمين على هذه الاستطلاعات بهذه الفئة غير النشيطة انتخابيًا، فالعديد ممن ينتمون إليها لم يصوتوا منذ مدة، أو لم يصوتوا على الإطلاق. وهذا أيضًا ما شهدته بريطانيا في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، حين صوّت العديد من البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي ممّن لم يصوتوا من قبل في أيّ انتخابات (غير نشيطين انتخابيًا)7.

في نهاية تسعينيات القرن الماضي، سجّل اليمين المتطرف في الولايات المتحدة في حالاته العلنية الإعلامية أو المعبّ عنها حزبيًا، كما في حالة باتريك بيوكانان Buchanan Patrick، وحزب الجبهة القومية بقيادة جان ماري لوبان Pen Le Jean-Mary في فرنسا، ويورغ هايدر Jörg Haider في النمسا8، مفاجأةً للديمقراطية والديمقراطيات الغربية عمومًا، بما حققه من ارتفاع في عدد المصوتين لمصلحته؛ وتوسعت قواعده في بداية الألفية نتيجةً لتوظيف موضوعات اللاجئين والعولمة لفائدته. وهي قضايا متعلقة بالاقتصاد والهوية أيضًا. وهكذا، فإنّ قاعدة اليمين المتطرف الشعبوي موجودة منذ 25 عامًا، وقد توسعت مع زيادة أعداد اللاجئين وتأثيرهم في هوية البلدان التي لجأوا إليها، إضافةً إلى عوامل تراجع الصناعة التي أثّرت في اقتصاد هذه البلدان وانخفاض النمو الاقتصادي نتيجةً للأزمة الاقتصادية في 2008. والتقى اليمين المتطرف مع تصاعد النزعة الشعبوية واستفاد منها. ونتيجةً لذلك، فقد استطاع اليمين الشعبوي تحقيق تقدّمٍ في كلٍ من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والنمسا، والسويد، وفنلندا، وسلوفاكيا، وكرواتيا، إضافة إلى وصوله إلى الحكم في كلٍ من هنغاريا9 وبولندا10. وحقق حزب منذ أنAlternative für Deutschland ""البديل من أجل ألمانيا تأسس عام 2013 مكاسب مذهلة في الانتخابات المحلية، ويبدو أنّه سوف يتجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول البوندزتاغ في الانتخابات المقبلة. وتقوم شعبيته حصريًا على معاداة الأجانب والتعددية الثقافية، ويروّج لمعاداة الإسلام محذرًا من تزايد أعداد المسلمين في ألمانيا. ولا شك في أنّ النازيين الجدد صوتوا له، ولكن قاعدته الانتخابية تقوم على شعبويته التي تخاطب مواطنين ألمانًا متخوفين من الأجانب والعولمة؛ ومنهم من يقف على يمين الخريطة السياسية ووسطها. وتجري عملية تغذية متبادلة بين هذه القوى؛ إذ دعا ستيفن بونان Bannon Stephen، الرئيس التنفيذي لحملة دونالد ترامب الانتخابية، ماريون مارشال لوبانPen Maréchal-Le Marion  منسقة حملة مارين لوبان إلى التعاون، وذلك بعد أيام من فوزه بالانتخابات. وكان نايجل فاراج Farage Nigel زعيم حزب استقلال بريطانيا)UKIP(الذي قاد حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أول السياسيين الزائرين لدونالد ترامب بعد فوزه في الانتخابات. وفي أوروبا، أسهم نفور حزب الجبهة الوطنية في فرنسا وعدد من الأحزاب اليمينية الأوروبية التي تُنادي بالهوية القومية الإثنية، من قيادة الولايات المتحدة للنظام العالمي، ولا سيما في عهد أوباما، في توجهها للتحالف مع نظام فلاديمير بوتين في روسيا؛ ففي 2014، قامت مارين لوبان، رئيسة حزب الجبهة الوطنية، بالحصول على قرض قيمته 9.8 ملايين دولار أميركي من بنك روسي - تشيكي في روسيا بحجة أنّ بنوك فرنسا لن توافق على منحها هذا القرض. كما

  1. “ Brexit, the US and the Revenge of the Deplorables,” The Economist Intelligence Unit , November 9, 2016.
  2. يُعدّ حزب الحرية النمساوي Freiheitliche Partei Österreichs (FPÖ) الذي  8 تأسس عام 1955، مثالً على الأحزاب اليمينية الشعبوية المتطرفة ذات البرامج المرنة، فحتى عام 1980، قامت الأحزاب الاشتراكية القومية السابقة بأدوار مهمة. ولكن في وقت لاحق، شارك حزب الحرية، بتمثيل ضئيل، في تشكيل ائتلاف واسع مع الاشتراكيين الديمقراطيين في النمسا حتى عام 1986، وذلك إلى حين فوز يورغ هايدر Haider Jörg بقيادة الحزب، وظل رئيسًا له حتى عام 2000. في تلك الفترة حوّل هايدر توجّه الحزب نحو اليمين مرةً أخرى، وعمل على توسيع قاعدته لتشمل الناخبين من الطبقة العاملة، مع توجّه متزايد لمعاداة
  3. منذ عام 2010، أصبح الحزب الحاكم في هنغاريا، حزب فيديسز Fidesz، وهو أقرب إلى أن يكون حزبًا استبداديًا غير ليبرالي. وتبنى الائتلاف الحاكم بقيادة رئيس الوزراء فيكتور أوربان، رئيس الحزب، دستورًا جديدًا يُقيّد حرية الإعلام. يُ ثل هذا الحزب مثالً آخر على اليمينية الشعبوية ذات البرنامج المرن، إذ بدأ هذا الحزب عند تأسيسه في 1988 تحالفًا ليبراليًا، وتحوّل نحو اليمين بعد فشله في عدة انتخابات، ويمكن عدّه اليوم حزبًا قوميًا شعبويًا محافظًا يتبنى تدخّل الدولة في الاقتصاد، كما يُنظر إلى مفهوم/ تعريف الحزب ل "الأمة المجرية" بوصفه تهديدًا للدول المجاورة التي فيها مواطنون من أصول مجرية. 10  Matt O'Brien, “The Stunning Truth that Explains the Rise of the Far- right in Britain and Elsewhere,” The Washington Post , May 31, 2016.
  4. المهاجرين والمسلمين. كما حمل الحزب رسالة القومية الألمانية وقلّل بالمقابل من أهمية الاشتراكية الوطنية.

أن الحزب صرّح في شباط/ فبراير 2016 بأنّه ينوي التقديم على قرض من روسيا بقيمة 29.3 مليون دولار أميركي في حال لم توافق البنوك الفرنسية على منحهم إياه، بحيث سيقوم الحزب باستخدامه في حملته خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة11. عمومًا، تتخذ القوى القومية المتطرفة من البلدان المختلفة مواقف مشككة، إن لم تكن معاديةً من بعضها، فأممية اليمين القومي المتطرف مصطلح متناقض بذاته. ولكن ظواهر مثل التعاون المشار إليه، وحقيقة أنّ كلً منها يستفيد من انتصارات غيره، والشعور أنّها جزءٌ من موجة واحدة، مصدرها أنّ الخصم معسكرٌ آخر ليس قائمًا في كلّ بلد فحسب، بل على مستوى البلدان الغربية كافةً. بعد نحو أسبوع من فوز دونالد ترامب وزيارة نايجل فاراج12 الرسمية الأولى له بعد انتخابه، كتب صن البريطانية أنّ الناخبين في الغرب يريدون دولة فاراج في صحيفة قوميةً وديمقراطيةً، تراقب حدودها، وتكون مسؤولةً عن شؤونها. وأشار إلى مفاجآت سياسية أخرى ستشهدها أوروبا ودول أخرى13. يميل اليمين الشعبوي إلى تعريف الشعب بوصفه وحدةً إثنيةً متجانسة ثقافيًّا وذات تاريخ واحد مشترك، والابتعاد عن فكرة المواطنة بوصفها حجر الأساس في بناء الأمة. وتتمثل إستراتيجيته بأن يقدّم نفسه كأنّه يحمي هوية الشعب ونمط حياته، ويفضل مصالح الشعب المعرّف إثنيًا على مصالح "الآخرين"؛ والمقصود غالبًا المهاجرون الذين يصوَّرون على أنّهم مفضَّ لون لدى النخبة المنحلة انتماءً وثقافةً. وتتنوع أساليب الشعبويين في كسرٍ مدروس للتابوهات "المزعومة" المفروضة ليبراليًا، بفظاظة تربك السامع فتبدو له كأنّها استقامة مضادة للنفاق (مع أن الفظاظة قد تترافق مع الكذب والنفاق)، هذا إضافةً إلى اعتمادها على العاطفة واستخدام الإهانات الشخصية والتشهير، ونظريات المؤامرة، والدلالات المجازية الجسدية، وحتى العنف الكلامي. الشعبوية خطاب سياسي مرتبط غالبًا بأيديولوجيا سياسية معينة (يسارية أو يمينية، دينية أو علمانية)، ولكن العلاقة بينهما مركبة كما أسلفنا. فالشعبويون غالبًا أقل التزامًا بالأيديولوجية ويبدون براغماتية ومرونةً إذا لزم؛ إذ ظل حزب الجبهة الوطنية مثلً، برئاسة جان ماري لوبان، يحمل رسالةً يمينية متطرفة ذات طابع معادٍ للسامية طوال عقود. واستند بصورة رئيسة إلى دعم الناخبين من بين الطبقات المتوسطة وأصحاب الأعمال الصغيرة والمزارعين، فتبنّى مواقف نيوليبرالية تستخدم صيغًا مبسطة من الداروينية الاجتماعية. واستطاع الحزب تحقيق انتصاراتٍ انتخابية؛ مثل انتخابات البرلمان الأوروبي والجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2002. وعملت رئيسة الحزب الحالية، ابنة مؤسس الحزب، على تغيير الصورة المُشيطنة للحزب من أجل توسيع قاعدته؛ وشملت هذه "التسوية" الحتمية تعليق عضوية زعيم الحزب التاريخي ومؤسسه جان ماري لوبان، عام 2015، من جانب ابنته التي خلفته في رئاسة الحزب في 2011، وجاء قرار تعليق عضويته بسبب تصريحاته حول المحرقة اليهودية إضافةً إلى أتباعه الراديكاليين، بل شملت أيضًا تحولً في موقف الحزب من معاداة السامية إلى معاداة المهاجرين والإسلام، وكذلك تحوَّل من موقف داعم لليبرالية الاقتصادية إلى سياسة حمائية ضد العولمة14. لقد تغيّ الخطاب بموجب توقعات جمهوره، ولغرض توسيع الأوساط الداعمة له بين الفئات المعرّضة لخطابه القومي اليميني. ولا شكّ في أنّ اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الذي سيكون موجودًا في بعض مفاصل إدارة ترامب المقبلة يرى أنّ عظمة أميركا متناقضة مع عظمة روسيا، لكنّ أمثال ترامب الشعبويين سيكونون أكثر براغماتيةً في التعامل مع روسيا، ففي كل شعبوية عنصرٌ براغماتي بالضرورة، وهي تتدرّج من الشعبوية الأداتية والسينيكية وحتى الشعبوية التي تصل إلى حدّ الجنون وتبقى على علاقة بالواقع بواسطة البراغماتية اللازمة للسيطرة فقط. وقد عرفت منطقتنا العربية نماذج هذه الشعبويات كلّها. ومن هنا تظهر حيرة الرئيس الصيني والرئيس الروسي الحالمي أيضًا بعظمة بلديهما بخصوص طبيعة القوى المقررة في إدارة ترامب؛ هل هي القوى الشعبوية البراغماتية؟ أم الشعبوية غير العقلانية؟ أم اليمين الأميركي القومي المتطرف؟ تتناقض شعبوية ترامب أيضًا بين الوعد بتخفيض الضرائب والوعد بزيادة الاستثمار في البنى التحتية المتأكّلة؛ فهذه البنى المتأكّلة والمهترئة بحسب وجهة نظره، تحتاج إلى زيادة الضرائب وليس تقليلها. أمّا عن بناء الجدار مع المكسيك فحدّث ولا حرج. لكنه يحيط نفسه برجال الأعمال، ويتلقى مكالمة تهنئة من تايوان متجاوزًا ما درج عليه رؤساء أميركا في عدم إغضاب الصين منذ انفتاح إدارة نيكسون عليها. ويحتاج المرء إلى صبرٍ ليتابع تقلّب تصريحات ترامب بشأن فلسطين من تأييد ما يسمى "عملية السلام" والتحمس لها، وادعاء القدرة على

  1. James McAuley, “Is Trump Reaching out to Europe’s far Right before he Talks with the Heads of the States?” The Washington Post , November 12, 2016.
  2. شهد حزب استقلال المملكة المتحدة UKIP() تحت قيادة نايجل فاراج أول نجاح له في انتخابات البرلمان الأوروبي وحقق نجاحات على مستوى بريطانيا منذ عام 2011. وعلى الرغم من أنّ الحزب يُحسب على تيار اليمين الراديكالي، استطاع الحزب أن يُبعد نفسه عن الحزب القومي البريطاني British National Party BNP المتطرف من خلال تركيزه على سياسته الاقتصادية التحررية Libertarianism Economic، وعلى مفهومه الشامل للقومية البريطانية، فإنّ تدفق اللاجئين الحالي إلى الاتحاد الأوروبي قد أبرز التشكيك في موقف الحزب في ما يتعلق بالمهاجرين.
  3. Griff Witte, Emily Rauhala & Dom Phillips, “Trump’s Win May be Just the Beginning of a Global Populist Wave,” The Washington Post , November
  4. Greven.

الحياد في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين حتى خطابه أمام إيباك وإعلانه أنّ المستوطنات ليست عقبةً أمام السلام، وأنّه لا يجوز الضغط على إسرائيل أو فرض حلول على الأطراف، وأنّه سوف ينقل السفارة الأميركية إلى القدس اعترافًا منه بالسيادة الإسرائيلية عليها15.

هل من أفق؟

تؤكد التجربة أنّ مشاركة الأحزاب اليمينية الشعبوية في الحكم تحد من قدرتها على استخدام إحدى أهم أدوات التضليل التي تملكها، وهي ادعاؤها أنّ النخب السياسية في البلاد تحكم ضد الإرادة السياسية للشعب، فهي تخسر موقع المتحدث باسم "الأغلبية الصامتة." ولكن بوسعها أن تستمر في استثمار مسألة الأجانب والأقليات. وفي هولندا والنمسا، على سبيل المثال، سادت خيبة أمل في أوساط واسعة بعد وصول الشعبويين إلى الحكم، وذلك لإحساسهم بضرورة تجاوز القضايا الرئيسة التي ينادي بها الشعبويون؛ من قضية اللاجئين وحتى مواضيع الهوية والسيادة، والمضيّ من الحلول التبسيطية التي تميز الدعاية الانتخابية إلى التسويات والمساومات اللازمة لإدارة دولة والتوصل إلى حلول فعلية. لقد انتَخب ترامب قطاعٌ من المجتمع الأميركي لا يمثّل أغلبية الناخبين، وبالتأكيد لا يمثّل أغلبية المجتمع الأميركي. وانتخابه بأقلية نسبية من الأصوات 46.21 في المئة 62851402(من الأصوات) مقابل 48.17 في المئة من الأصوات 65527581(صوتًا) لكلينتون، جاء بفضل النظام الفدرالي الذي يمنح تمثيلً للولايات في المجمع الانتخابي 306(أصوات لترامب مقابل 232 صوتًا لكلينتون)، كما يمنح التوزيع السكاني وليس فقط الكثافة السكانية وزنًا، ما أسهم في تمكين المعسكر الثقافي السياسي الذي عبّ عنه السياسي الشعبوي. ولكن هذا يعني أنّ ثمة فئاتٍ أخرى واسعةً لن تدافع فقط عن مصالحها بل أيضًا عن نمط حياتها. وهي موجودة غالبًا في المدن الكبرى ووزنها النوعي في الاقتصاد والسياسة أكبر حتى من وزنها الديموغرافي. وأكاد أجزم أنّ مشكلة ترامب الرئيسة ستكون داخليةً في الصراع على هوية الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية والثقافية وليس مشكلة الشرق الأوسط أو منطقة المحيط الهادئ على أهمية هذه المناطق. وسوف يزوّدها ترامب بالعديد من الأسباب للتحرك السياسي. والسؤال إذا كانت قادرة على مد خطوط التواصل ثقافيًا مع فئات من المعسكر الآخر سوف تتضرر من سياسات ترامب. لقد أوصلت الثقة بالنفس القوى السياسية الليبرالية على الشاطئ الشرقي والغربي في الولايات المتحدة وفي الاتحاد الأوروبي إلى أن تحاول فرض قيم معينة في الحوار مع قوى ديمقراطية في بلدان العالم الثالث قبل دعمها ضد الديكتاتوريات وأنظمة الطغيان، مع أنّ هذه القيم لا تنتمي غالبًا إلى التيار الرئيس في الليبرالية، بل إلى ثقافة فرعية subculture في المدن الكبرى في الولايات المتحدة. وقد أرسلت الانتخابات الأميركية الأخيرة تذكيرًا للقوى الديمقراطية الليبرالية مفاده أنّه من المفضل أن تلتفت إلى دواخل بلادها وريفها وعمالها لتكتشف أنّ هذه القيم لم تضرب لها جذورًا لدى أوساط واسعة في مجتمعها ولدى شعبها هي. أما بالنسبة إلى أثر انتخاب ترامب في الوضع الدولي فإنّ الصورة أعقد من أن تشملها دراسة كهذه.

ملاحظة

نجح ترامب في كسب أصوات أقلية بين الأقليات من العمال السود وذوي الأصول اللاتينية الذين لم يروا في هيلاري مرشحةً رئاسية تمثلهم، على خلاف نتائج التصويت في الانتخابات السابقة لأوباما. وعلى الرغم من حصول هيلاري كلينتون على نسبة أصوات أعلى بين الأميركيين من أصول لاتينية في هذه الانتخابات مقارنةً بأوباما عام 2012، فإن دونالد ترامب أيضًا رفع حصة الجمهوريين من أصوات الناخبين الأميركيين ذوي الأصول اللاتينية بمقدار 2 في المئة، من ضمنهم ذوو الأصول الكوبية والفنزويلية الذين صوتوا لترامب ضد سياسة الديمقراطيين وأوباما في التصالح مع النظام في كوبا. والحقيقة أنّ المهاجرين القدامى المندمجين في الحياة الأميركية الذين تبنَّوا قيم التيار المحافظ رغبةً منهم في تأكيد أميركيتهم، غالبًا ما ينفرون من موجات الهجرة الجديدة التي تعيد طرح مسألة هويتهم التي خلفوها وراءهم، وتطمس الحدود بينهم وبين المهاجرين الجدد. لقد شهدنا ذلك تاريخيًا في نفور يهود أوروبا الوسطى والغربية في المرحلة الليبرالية من تدفّق اليهود الروس غربًا هربًا من موجات العداء للسامية في روسيا القيصرية. كما أنّ بعض أبناء الأقليات الذين ينجحون في الاندماج يطورون عقيدةً عصاميةً تدافع عن النظام القائم مفادها أنّهم نجحوا لأنهم مؤهلون ومجتهدون، وأنّ الفاشلين والخاسرين ينتقدون النظام ويحمّلونه المسؤولية مع أنّ فشلهم ناجم عن الكسل أو الانجرار إلى الجريمة والمخدرات وغيرها.