مسؤولية الحماية: إعادة إحياء التدخل الإنساني

Mohamed Olwan محمد علوان |

الملخّص

تعالج هذه الدراسة مفهوم "مسؤولية الحماية" كما أقرّه مؤتمر القمة العالمي لرؤساء الدول والحكومات عام 2005. وتعرض النظريات التي ابتدعت لشرعنة التدخ تاا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى باسم حقوق الإنسان؛ وهي الحرب العادلة، والتدخل باسم الإنسانية، والتدخل الإنساني. ثم تتناول الخلفية التاريخية للمفهوم وجوهره والركائز التي يقوم عليها وقيمته القانونية، وذلك قبل أن تبحث إن كان هذا المفهوم يمث ل استثناءً من كلٍ من مبادئ سيادة الدولة وحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدولة، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية؛ وهي مبادئ راسخة في القانون الدولي. وتخلص الدراسة إلى أنّ مسؤولية الحماية لا تبرر القيام بأي عمل عسكري خارج الإطار المرسوم لاستخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة. كلمات مفتاحية: مسؤولية الحماية، الحرب العادلة، التدخل باسم الإنسانية. This paper explores the concept of “the Responsibility to Protect” (R2P), an outcome of the 2005 World Summit which entails that the international community has a moral duty to intervene in the domestic affairs of sovereign states in cases involving war crimes, crimes against humanity, ethnic cleansing, or genocide. The author illustrates the historical legacy of the R2P, covering how early legal philosophers justified the intervention of European powers through theories such as just war, intervention in the name of humanity, and humanitarian intervention, before exploring whether R2P represents a violation of well-established principles of international law: the sovereignty of states and non-intervention in their affairs and the non-use of force in international affairs. The paper concludes that R2P does not provide for the use of force in a manner that does not already exist in the UN Charter Keywords: Responsibility to Protect, Just War, Humanitarian Intervention.

Legitimizing Intervention and the Responsibility to Protect: Old Concept in a New Guise

مقدمة

إنّ التذرع بمنع انتهاكات حقوق الإنسان التي يأباها المجتمع الدولي أو وقفها وإنقاذ أرواح السكان من خطر محدق، لتتدخل دولة أو مجموعة من الدول في الشؤون الداخلية لدولة أخرى دون رضاها، ليس جديدًا؛ إذ ترجع الجذور الأولى لهذه الفكرة إلى عدة قرونٍ خلت. وقد شهدنا في جميع الأزمنة محاولاتٍ لشرعنة التدخلات في الشؤون الداخلية للدول باسم حماية السكان وحقوق الإنسان. وابتدعت لهذه الغاية على التوالي مفاهيم "الحرب العادلة" و"التدخلات باسم الإنسانية" و"الحق في التدخل" أو "واجب التدخل" و"مسؤولية الحماية." وتسمية هذه المفاهيم هي المتغيرة. أما من حيث الجوهر فهي تكاد تكون متشابهة إلى حد التطابق؛ لأنّها تدور حول الفكرة نفسها، وهي إضفاء الصفة الأخلاقية، وإن أمكن القانونية، على التدخلات العسكرية في الدول الأخرى. ولا نبالغ إذا قلنا: إنّ مفهوم "مسؤولية الحماية" الحالي هو إعادة إحياء لنظرية التدخل الإنساني التي كانت بمنزلة إعادة إحياء لنظرية التدخل باسم الإنسانية التي تعدّ هي الأخرى بمنزلة إحياء لنظرية الحرب العادلة. فهو مفهوم قديم أ لبس ثوبًا جديدًا. وبمعنى آخر، هو سليل مفاهيم أخرى سابقة ظننّا أنّها طويت إلى غير رجعة بعد اعتماد ميثاق الأمم المتحدة الذي أنهى تصنيف الدول والشعوب إلى "متمدينة" و"غير متحضرة" أو "همجية"، وحظر الحرب سواء أكانت عادلة أم لا. وهذه المفاهيم هي من ابتداع الدول الكبرى التي لا تتوانى، حتى بعد اندحار الاستعمار في شكله التقليدي وظهور 193 دولة على مسرح العلاقات الدولية، عن البحث عن ذرائع جديدة تسمح لها بمواصلة تنصيب نفسها وصيةً على العالم، وفرض نموذج الحكم فيها على الشعوب الأخرى بجميع الطرق بما في ذلك استخدام القوة؛ منطلقة في ذلك كما يبدو من النظرة الدونية النمطية المتأصلة فيها للشعوب الأخرى التي تقوم على التمايز والتراتب والتعالي دون أي مراعاة لخصوصية هذه الشعوب.

الحرب العادلة

إنّ فكرة إرسال قوات عسكرية إلى دولة أجنبية بحجة إنقاذ سكانها من المذابح أو الجوع أو الأمراض المعدية أو الاضطهاد فكرة قديمة قدم الحرب نفسها1؛ فمنذ عدة قرون نادى كتاب وفلاسفة عديدون من أمثال الفيلسوف الروماني شيشرون 43-106(ق. م) والقديس أوغسطين 430–354(م) بفكرة الحرب العادلة2.

ولكلٍ من هوغوغروشيوس وفاتيل وشواريز ودو فيتوريا نظريته في الحرب العادلة ضد البلدان التي تقع ضحيةً للطغيان أو الاستبداد. وقد وصف عالم اللاهوت الإسباني فرانسيسكو دو فيتوريا –1483(1546) الذي عاصر اكتشاف القارة الأميركية الحروب التي تشنّها الدول الأوروبية المسيحية على الأمم الهندية بالحروب العادلة؛ وذلك عندما تقف هذه الأمم في وجه المبشرين الأوروبيين بالديانة المسيحية. ودافع دو فيتوريا عن فكرة انطباق قانون الشعوب (القانون الدولي) على أمم العالم كافّةً، بما في ذلك الهنود الحمر الذين لهم – كما قال - مصالحهم المشروعة والمشمولون بقانون الطبيعة العالمي. ولكنّه لم يذهب مع ذلك إلى حد الاعتراف بالمساواة التامة بين الأمم الهندية في العالم الجديد والدول المسيحية في أوروبا، ولهذا نراه يؤيد الحروب التي تشنّها عليها ويصفها بالحروب العادلة. وصف الفقيه الهولندي هوغوغروشيوس 1645–1583() الذي عُرف الحرب والسلام بأنّه "أب القانون الدولي"، في كتابه، القانون الطبيعي بأنّه قانون راسخ ومشترك في كل الأزمنة والأمكنة، مضيفًا أنّ القانون المذكور يجيز التدخل المسلح لحماية الحقوق الأساسية للكائن البشري وذلك عندما يكون اضطهاد الدولة لرعاياها صارخًا، وقسوتها عليهم لا يمكن أن يقبل بها رجلٌ عادل3. وعلى خلاف غروشيوس الذي كان يرى أنّ الحرب العادلة هي الحرب الرامية إلى رفع الظلم، رأى الفقيه السويسري آيمر دو فاتيل

  1. Jean–Baptite Jeangène Vilmer, “L'intervention humanitaire armée en Chine antique,” Revue des deux mondes (Janvier 2006), pp. 152 -173; Baron Michel de Taube, “l'apport de Byzance au développement du droit
  2. Francisco de Vitoria, “De indis et de jure belli,” 1532, accessed on 14/12/2016, at: www.cosonstitution.org 3  H. Grotius, Le droit de la guerre et de la paix , trad par pradier–Fodéré (Paris: PUF, 1999).
  3. occidental,” Receuil des cours de l'Académie de droit international (1939), p.

في منتصف القرن الثامن عشر 1767–1714() أنّ لكلّ قوة أجنبية الحق في تأييد شعب مضطهد ينشد مساعدته4. ونجد في العصر الحديث من يدافع عن الحرب العادلة وعن التدخل الإنساني من جانبٍ واحد؛ فقد ذهب أحد الكتاب إلى أنّ أي دولة يمكنها أن توقف الجرائم التي تهز الضمير الأخلاقي للإنسانية في دولة أخرى يحق لها أن تفعل ذلك، ولكنّه حصر الأوضاع التي تبرر التدخل في المذابح والاسترقاق وإبعاد السكان على نطاقٍ واسع دون سائر الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان5. غير أنّ فكرة الحرب العادلة والتفريق بينها وبين الحرب غير العادلة قد اختفت عمومًا الآن من مؤلفات القانون الدولي، وإن كانت لا تزال تجد بعض الصدى لها في المفاهيم الحديثة للعدوان أو الدفاع الشرعي وحروب التحرير6.

التدخل باسم الإنسانية

قد يكون مستغربًا أن تتدخّل دولة عسكريًا في دولة أجنبيّة وخصوصًا في معاملة هذه الدولة لمواطنيها بالذات. وفي غياب أي أساسٍ قانوني اتفاقي أو عرفي للتدخلات العسكرية التي تقوم بها دولة أو أكثر، في إقليم دولة أخرى، بهدف وضع حدٍّ للمذابح والاضطهادات التي يتعرض لها السكان المدنيون بسبب انتمائهم الديني أو القومي، ابتدع فقهاء القرن التاسع عشر مسوغًا جديدًا لهذه التدخلات سمّوه "التدخّل باسم الإنسانية".7l' intervention d' humanité وتقوم نظرية "التدخل باسم الإنسانية" على افتراض وجود قاعدة قانونية آمرة وملزمة لكلّ دولة ولكلّ فرد، وهي أسمى من التشريعات الوطنية ومن الاتفاقيات الدولية وتمثّل ما أطلق عليه "القانون المشترك للإنسانية"8. ويضيف أنطوان روجيه أستاذ القانون الدولي في جامعة بوردو الفرنسية وأبرز رواد النظرية إلى ذلك القول: "عندما تكون الحقوق الإنسانية لشعبٍ ما موضوعَ تجاهل من حكّامه يحق لدولة أو مجموعة من الدول التدخل باسم الأسرة الدولية لمراقبة هؤلاء الحكام ووقف أعمالهم أو منع تجددها في المستقبل[...]فتحلّ بذلك سيادتها مؤقّتًا محل سيادة الدول المتدخل في شأنها"9. ويستطرد هذا الفقيه في تبريره التدخلات لدوافعَ إنسانية فيقول ما معناه أنّ الحكومة التي تتقاعس عن القيام بوظائفها وتتجاهل المصالح الإنسانية لرعاياها وتستخدم القوة خارج الوظائف الموكلة لها10 ترتكب ما أطلق détournement de souverainété "عليه "الانحراف عن السيادة والدول غير ملزمة باحترام تصرفاتها لأنه لا يصدُق عليها وصف تصرفات ذات سيادة11. وبمعنى آخر لا تُعدّ الدولة التي ترتكب انتهاكاتٍ خطيرة لحقوق سكانها دولةً ذات سيادة ومن حق الدول التدخل فيها لوضع حدٍّ لهذه الانتهاكات. ولكن هذه القاعدة لا تطبق في العلاقة بين الدول "المتمدينة"، وينحصر تطبيقها في العلاقة بين الدول المذكورة والدول "نصف المتحضرة" أو "الهمجية" كما وصفها روجيه. ولم يتردد هذا الكاتب في الدفاع عمّ سمّ ه حق الدول "المتمدينة" الأوروبية في التدخل الدائم في "الباب العالي" وفي القبائل المتخلفة في أفريقيا، على حد وصفه، على أساس ما أطلق عليه "الحق في الحضارة" civilisation la de droit le، والأدهى والأمرّ أنّه لم يستبعد ضم أقاليم هذه الدول إذا اقتضى الأمر12. ونقطة الانطلاق في طروحات روجيه هي نظرته الدونية للدول "الهمجية" أو "البربرية" التي تقوم فيها السلطة على حد وصفه على قوة السلاح والتي لا يتردّد حكّامها في إبادة رعاياها من دون حساب أو عقاب. وفي المقابل فهو يرى أنّ ضمير الشعوب الأوروبية التي تقوم على تقديس الأخلاق والقانون لا يقبل الوحشية السائدة في الدول "البربرية" والنتيجة كما يرى هي "حق" الدول المتحضرة في زرع بذور الحضارة في الدول الأخرى، بل "واجبها"13. وقد صنف أستاذ القانون في جامعة أدنبرة جيمس لوريمر في القرن التاسع عشر الإنسانية على أساس التفوق المزعوم للحضارة الأوروبية إلى دول أوروبية متحضّة، وأخرى شبه متحضّة، وثالثة بربرية أو همجيّة، وأعطى للدول الأولى الحق في التدخل في هاتين الفئتين من الدول التي لا تنتمي إلى عائلة "الأمم" الأوروبية14.

  1. E. Vattel, Le droit des gens ou principes de lois naturelles appliqueés à la conduite et aux affaires des Nations et des souverains , vol. 1, livre 11, chap 17 (Washington: Carnegie, 1916).
  2. A. Wazler, “The Argument about Humanitarian Intervention,” in G. Meggle (ed.), Ethics of Humanitarian Intervention (Frankfurt: Ontos/ Verlag, 2004), p. 22.
  3. محمد علوان، في قواعد العدالة والإنصاف، القانون الدولي العام، المقدمة والمصادر (عمان: دار وائل للنشر والتوزيع، 2007)، ص.449
  4. Philippe Moreau Defarges, Un monde d'ingérences (Paris: presses de Sciences politique, 1997), p. 38.
  5. Antoine Rougier, “la théorie de l'intervention d'humanité,” Revue générale de droit international public , vol. 17 (1910), pp. 478 - 479.
  6. Ibid., p. 487.
  7. السيادة عند روجيه وظيفة ويقع على صاحب السيادة عدم استخدام القوة العامة إلا لغاية الوفاء بالوظائف الأساسية للدولة، والوظيفتان الأساسيتان للدولة كما يرى هما الحفاظ على وجود حكومة منتظمة وحماية الحقوق الإنسانية للسكان، انظر: Ibid., p. 495.
  8. Ibid., pp. 495 - 496.
  9. Ibid., pp. 496 - 497.
  10. Ibid., p. 469.
  11. James lorimer , Institutes of the Law of Nations. A Treatise of the Judicial Relations of Separate Political Communities (Edinburgh/ London: W. Blackwood and Sons, 1883); Rahim Kherad, “du droit d'ingérence à la responsabilité de protéger,” Extrait de l'ouvrage les droits de l'homme: Une nouvelle cohérence pour le droit international , Colloque de Tunis (Paris: Pedone, 2008), pp. 297 - 308.

وذهب الفقيه جورج سل 1961-1878() بدوره إلى أنّ القانون الدولي، مثله في ذلك مثل القانون الداخلي، يطبَّق على الأفراد في المجتمعات الداخلية المختلفة. ولا يتحدّث هذا الفقيه عن "قانون ما بين الدول" أو عن" قانون دولي" بل عن قانون "البشر" أي قانون الأفراد، وهو يضيف أنّ السيادة تعود للمجتمع الدولي وليس للدول15. وبرر جورج سل تدخّل القوى الكبرى في عدة أجزاء من الإمبراطورية العثمانية بالاضطهاد الواقع فيها الذي يهدد "النظام العام الدولي"16. والحق في الحياة هو الحق الأبرز الذي يبرر انتهاكه من جانب دولة ما تدخّل الدول الأخرى لدواعٍ إنسانية، وذلك بوصفه جريمةً فظيعةً تهزّ الضمير الإنساني وينبغي منعها أو وقفها بجميع الوسائل، بما في ذلك التدخّل المسلّح17. أمّا الأشخاص المحميّون فهم جميع السكان دون تمييز. ولكن هناك من كان يرى أن التدخّل غير جائز إلّ عندما يلحق الخطر حياة رعايا البلدان "الصديقة" القريبة ثقافيًا من البلدان المتدخلة18، وأنّه لا يكون مشروعًا إلّ إذا كان جماعيًا19. وفي كل الأحوال ينبغي أن يكون التدخل بمنزلة الملاذ الأخير، وألّ يتجاوز الحد اللازم لحماية السكان المحليين من حيث الزمان والمكان والوسائل20. هذا على الصعيد النظري، أمّا على الصعيد العملي فيلاحظ أن التدخل لدواعٍ إنسانية كان نظامًا مألوفًا في سلوك الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر21؛ فقد تدخّل كلٌّ من فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا عسكريًا في الإمبراطورية العثمانية وذلك استنادًا إلى معاهدة عقدتها الدول الثلاث لهذه الغاية في لندن عام 1827، وأسفر هذا التدخل الذي تذرّعت الدول القائمة عليه بحجة وقف سفك الدماء عن استقلال اليونان وظهور مملكة اليونان في 1830 22. وقد ضم بروتوكول 1860 كلً من النمسا وبريطانيا العظمى وبروسيا وروسيا وفرنسا التي عهد لها بمهمة التدخل العسكري في لبنان؛ وذلك بحجة وضع حدٍّ لاضطهاد الدروز المسيحيين الموارنة، وعدم قيام الباب العالي بحماية الضحايا. وأسفر هذا التدخل عن حصول جبل لبنان على الحكم الذاتي ابتداءً من 1861 إلى 1915 23. وبالمثل تدخلت روسيا في تركيا عام 1877 - 1878 بحجة اضطهاد الإمبراطورية العثمانية السكان المسيحيين في البوسنة والهرسك وبلغاريا. وقد انتهى هذا التدخل بتوقيع معاهدة برلين عام 1878 التي جرى الاعتراف فيها بالحكم الذاتي في بلغاريا وضم إمبراطورية النمسا والمجر لكلٍ من البوسنة والهرسك24. ويلاحظ أنّ تدخلات الدول الأوروبية تحت ذريعة الدوافع الإنسانية كانت تستهدف الإمبراطورية العثمانية، وهي ذات خلفية دينية لأنّها كانت تتمّ لغاية مزعومة واحدة هي حماية السكان المسيحيين فيها من الاضطهاد على يد السلطات التركية أو بتواطؤ منها25. وعلى الرغم من دفاعهم عن هذه التدخلات، يقرّ المنظّرون أنّ الهدف منها لم يكن دائمًا حماية السكان؛ فها هو المنظّر الأبرز للتدخلات بدواعي الإنسانية أنطوان روجيه يقول بكلّ وضوح إنّ مفهوم الإنسانية لن يكون أبدًا هدفها الوحيد، وذلك لأنّ القوى المتدخلة تكون هي الخصم والحكم في آنٍ واحد؛ فهي تقرّر التدخل من وجهة نظرٍ شخصيّة محضة وفي ضوء مصالحها الظرفية26. وبدوره أقرّ جورج سل بأنّ هدف هذه التدخلات أبعد ما يكون عن الاهتمام بكفالة احترام قانون الشعوب المعاصر والحفاظ على السلام، وهي غير فعالة في كثير من الأحيان ويحدوها المطامع السياسية والبحث عن عملاء من بين السكان المضطهدين وعن مزايا خاصة بما في ذلك ضم أراضي الأقاليم المتدخل فيها27. ومن اللافت أنّ أيًا من المنظّرين للتدخل لدواعٍ إنسانية لم يأت على ذكر حق السكان في الحماية بل انصبّ اهتمامهم على حق الدول في التدخل عسكريًا في الدول الأخرى بحجة حماية السكان فيها. ومن الطبيعي أن يترك تقدير الحاجة إلى التدخّل من عدمها للدولة الراغبة في التدخل. ولا شك في أنّ التدخلات التي قامت بها أساسًا فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا إلى جانب كلٍّ من النمسا وإيطاليا بعد توحيدها،

  1. Georges Scelles, Manuel du droit international public (Paris: Domat– Montchrestein, 1948), pp. 18 - 19.
  2. Ibid., p. 51.
  3. Ibid., pp. 50 - 54.
  4. Elisa pérez – Vera, “la protection d'humanité en droit international,” vol. 2, Revue Belge de Droit international (1969), pp. 401 - 402.
  5. Ibid., p. 417.
  6. Rougier, p. 523.
  7. David Rodogno, “Réflexions liminaires à propos des interventions humanitaires des puissances européenes au XIXème siècle,” Relations internationales , vol. 131 (3/2007), p. 11.
  8. Manuchehr Ganji, International Protection of Human Rights (Genève:
  9. Ellery C. Stowell, Intervention in International Law (Washington D.C: John Byrne and Co., 1921), p. 22; Edmond Rabbath, la formation historique du liban politique et constitutionnel (Beirut: publications de l'université libanaise, 1986), pp. 210 - 212. ومن الجدير بالذكر أن ملك فرنسا كان قد نادى منذ ما يقارب الأربعة قرون وتحديدًا عام 1649 بحقّه في التدخل في لبنان لحماية الأقلية المارونية، انظر: Juanita Westmoreland–Thaoré, “Droit humanitaire et droit d'intervention,” Revue de droit de l' Université de Sterbrooke (2003-2004), p. 161.
  10. Ganji, p. 33.
  11. Scelles, pp. 50 - 51.
  12. Rougier, p. 525. 27  Scelles, pp. 50 - 51.
  13. librairie E. Droz, 1962), p. 22.

قد أسفرت في بعض الأحيان عن وقف الفظائع الجماعية ولكنها لم تنجح في أحيانٍ أخرى. ومن اللافت أنّ القوى الأوروبية لم تفعل شيئًا لوقف مذابح الأرمن خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر على يد الإمبراطورية العثمانية (تعرّض الأرمن لإبادةٍ جماعية أخرى بين عامَي 1915 و 1916.) كما أنّ الدول التي كانت تتدخل تحت ذريعة الدوافع الإنسانية كانت تنتهك حقوق الإنسان في الأقاليم التي وضعتها تحت سيطرتها الاستعمارية. وكان بعض الدول مثل المملكة المتحدة لا يرى غضاضةً في إبادة السكان المحليين، مثل الهنود الحمر في أميركا والسكان الأصليين في تسمانيا الأسترالية28. ويلاحظ أنّ هذه التدخلات كانت انتقائيةً؛ لأنّ الانتماء الديني كان هو الأساس في تحديد الضحايا المزعومين لانتهاكات حقوق الإنسان؛ ولا ليم هذا النوع من التدخل دائمًا الدواعي الإنسانية، وحتى إذا كان احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين دافعًا رئيسًا للتدخل، فإنّه ليس دافعه الوحيد. وكثيرًا ما تكون الدوافع الإنسانية بمنزلة ورقة التوت التي تخفي وراءها مصالحَ سياسية توسعية، ورغبة في الهيمنة وبسط النفوذ من جانب الدول الكبرى الأقدر على التدخل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في الدول الأخرى الأضعف منها. والواقع أنّ الدول الأوروبية قد طوّرت نوعين من العلاقات مع العالم الخارجي؛ فمع دولٍ مثل الإمبراطورية العثمانية وفارس وتايلند والصين واليابان أقامت أوروبا علاقات على أساس نظام الامتيازات الأجنبية الذي يقوم على إعفاء رعاياها من الخضوع لقوانين الدول الأخرى أو لاختصاص القضاء الوطني فيها. أمّا العلاقات بين الدول الأوروبية والكيانات من غير الدول في آسيا وأفريقيا فكانت تقوم على أساس السيطرة الاستعمارية. ومن المؤسف أنّ القانون الدولي التقليدي قد أتاح سندًا للظاهرة الاستعمارية عندما أجازت اتفاقية برلين المعقودة في عام 1885 للدول الأوروبية بسط سيادتها على الأقاليم التي وُصفت بأنّها لا مالك لها، وشنّ الحرب عليها في حالة مقاومة الحكام المحليين غزوها الاستعماري. وهي حرب لم تكن تخضع لأيٍ من القيود المطبقة على الحروب فيما بين "الأمم المتمدينة." وفي مطلع القرن التاسع عشر، نصّبت الدول الأوروبية "المتمدينة" نفسها حكومةً واقعيةً عالميةً للمجتمع الدولي تحت اسم "الوفاق الأوروبي" European Concert الذي سيطر على السياسة العالمية لقرنٍ كامل من الزمن 1914-1815()؛ وعقدت تلك الدول تحالفًا ضد الإمبراطورية العثمانية وسمحت لنفسها بالتدخل فيها تحت ذريعة الدوافع الإنسانية29. وكانت الدول الاستعمارية في أوروبا تتخذ الأغراض الإنسانية ذريعة لتدخلاتها الدائمة في آسيا وأفريقيا. ومن المؤسف أنّ عهد عصبة الأمم قد كرّس في المادة 22() منه الظاهرة الاستعمارية، حينما ابتدع نظام الانتداب. وهو نظامٌ استعماري مقنَّع أطلق عليه اسم "الانتداب" زيفًا وتضليلً. وبموجب هذا النظام الذي طُبق على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى والأقاليم التي تتبعها بخاصة في أفريقيا والشرق الأوسط، تعهدت الدول القائمة بالانتداب (وهي دول استعمارية أساسًا) بالعمل على رفاهية الشعوب الموضوعة تحت انتدابها (مستعمرات في الحقيقة) وتقدمها، على أساس أنّ ذلك "أمانة مقدسة في عنق المدنية" على حد وصف عهد عصبة الأمم نظام الانتداب. جاء استخدام تعبير "الأمم المتمدينة" في المادة 38() من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية في السياق ذاته الذي يجعل "المبادئ العامة للقانون المعترف بها من الأمم المتمدينة" مصدرًا أصليًا من مصادر القانون الدولي إلى جانب المعاهدات والأعراف الدولية. وهذا التعبير العنصري هو أحد مخلفات العهد الاستعماري. وقد ظهر إلى حيز الوجود في زمن كان القانون الدولي فيه قاصرًا على العلاقات بين الدول الأوروبية المسيحية30، وهو الآن جزء من الماضي لأنه لم يعد من المقبول الحديث عن نظمٍ قانونية بدائية أو غير متطورة وأخرى متحضرة أو "متمدينة." ومن المتفق عليه حاليًا أنّ المبادئ العامة للقانون تشمل المبادئ القانونية المعترف بها من جانب جميع النظم القانونية دون تمييز، وبصرف النظر عن نظامها السياسي أو درجة التنمية التي وصلت إليها31.

"الحق في التدخل" أو "واجب التدخل"

شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي بدءًا من حرب انفصال بيافرا عن نيجيريا 1970–1967() فظائع جماعية هزت الضمير العالمي، ووجد المجتمع الدولي نفسه عاجزًا عن مواجهتها كليًا أو جزئيًا. وعاد مفهوم "التدخل لاعتبارات إنسانية" إلى الواجهة - في هذه الأثناء - على يد كلٍ من أستاذ القانون الدولي في جامعة باريس 2() ماريو بتاتي،

  1. Rodogno, p. 11.
  2. علوان، ص 51 وما يليها.
  3. انتقد القاضي اللبناني السابق في محكمة العدل الدولية فؤاد عمون في رأيه المخالف في قضية الجرف القارّي لبحر الشمال مصطلح الأمم "المتمدينة"، كما انتقد عدد من الحكومات هذا المصطلح في ردوده على استبانة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن دور محكمة العدل الدولية، ورأى فيه إحدى بقايا الروح الاستعمارية التي عفا عليها الزمن، وطالب بإلغائه، انظر: CIJ, Rec. 1969, p. 133; Doc. A/86, pp. 23 - 35.
  4. B. Cheng, General Principles of Law as Applied by International Courts and Tribunals (London: Stevens & sons, 1953), p. 25.

والطبيب ورجل السياسة وأحد مؤسسي منظمة "أطباء بلا حدود" برنارد كوشنير اللذيْن نشرا عام 1987 كتابًا عنوانه مثير وهو الحق في التدخّل: هل ندعهم يموتون32. وقد حظيت أعمال المؤتمر الذي عُقد بعنوان "القانون والأخلاق الإنسانية" morale et Droit humanitaire وأطلق فيه بتاتي وكوشنير مصطلح "الحق في التدخل" أو "واجب التدخل"، بقدرٍ كبير من اهتمام الحكومة الفرنسية. وتتمثل الفكرة الأساسية في التعبير الجديد "الحق في التدخل" بأن السيادة الإقليمية للدول لا تمثّل عقبةً أمام مساعدة أناس في خطر وأنّ السكان المتضررين من النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية لهم الحق في المساعدة الإنسانية. تهدف فكرة "واجب التدخل" إلى خلق نوع من الالتزام الأخلاقي على كلّ دولة بتقديم يد العون للسكان ضحايا الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. ونظرية "الحق في التدخل الإنساني" أو "واجب التدخل الإنساني" مختلفة قليلً عن نظرية "التدخل لدواعٍ إنسانية"؛ لأنّها لا تنصرف فقط إلى التدخل العسكري بل تشمل حرية وصول المساعدات الإنسانية لضحايا النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية. ولا تستبعد النظرية الجديدة التدخل العسكري ولكنّه ليس ممكنًا إلّ في حالتين هما حماية القوافل الإنسانية وحماية الضحايا من جلاديهم، وبعد موافقة مجلس الأمن على عملية قسرية مسلحة على حد قول بتاتي33. رحّبت دول الشمال بهذه النظرية الجديدة. وهي الدول الوحيدة القادرة على التدخّل. أمّا دول الجنوب وهي دول حريصة على استقلالها الذي نالته بشقّ الأنفس، فقد رفضت أيّ تدخل يمكن أن يذكّرها بالتجارب المريرة التي عانتها إبان الحقبة الاستعمارية34.

مسؤولية الحماية

يمكن التعريف بهذا المفهوم الجديد نسبيًا من خلال بيان خلفيته التاريخية وجوهره أو الركائز التي يقوم عليها وقيمته القانونية.

11 الخلفية التاريخية

ظهر مصطلح "مسؤولية الحماية" R2P(أو P to R) إلى الوجود في تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول)CIISE(الذي صدر في كانون الأول/ ديسمبر 2001 والذي خلص إلى استبدال مصطلح "الحق في التدخل" أو "واجب التدخل"، وهو مصطلح مثير للجدل ومحل خلاف، بمصطلح جديد هو "مسؤولية الحماية"35. وقد انحازت اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول إلى مصطلح مسؤولية الحماية وفضّ لته على مصطلح "الحق في التدخل" أو "واجب التدخل" الذي "عفا عليه الزمن." وبرّرت ذلك بالقول: إنّ مصطلح "مسؤولية الحماية" يركّز الانتباه على الحاجات الإنسانية للذين يلتمسون الحماية أو المساعدة أو يحتاجون إليها، وليس على وجهة نظر الذين يفكرون في التدخل، مضيفةً أنّ لغة '"الحق في التدخل' أو 'واجب التدخل' من أساسها أكثر ميلً إلى المجابهة"36. وبمعنى آخر فقد أرادت هذه اللجنة المستقلة من هذا المفهوم الجديد تحويل الخطاب من الحديث عن "الحق في التدخل الإنساني" أو "واجب التدخل الإنساني" إلى الحديث عن أهمية وقف الفظائع الجماعية أو منعها. وقد وضعت اللجنة المذكورة مجموعةً من الالتزامات التي تقع على الدولة لحماية سكانها من الانتهاكات الأكثر خطورةً، والتي تُعد جرائمَ دوليةً في نظر المجتمع الدولي، ولا سيما منذ إنشاء المحاكم الجنائية الدولية في تسعينيات القرن الماضي. وجاء إنشاء اللجنة في أعقاب مشاعر القلق التي عبّ عنها الأمين العام للأمم المتحدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص الكوارث الإنسانية، والانتهاكات الخطيرة والواسعة النطاق لحقوق الإنسان التي مر بها العالم في أواخر القرن الماضي37، ودعوته المجتمع الدولي إلى التوصل إلى توافق حول كيفية مواجهة هذه الانتهاكات. وأقر الأمين العام في حينه بأنّ مبدأَي السيادة وعدم التدخل يضمنان الحماية للدول الصغرى والضعيفة. ولكنه تساءل في تقريره الخاص

  1. M. Bettati & B. Kouchner (eds.), Le devoir d'ingérence: peut-on les laisser mourir? (Paris: Editions Denoël, 1987).
  2. Mario Bettati, “Du droit d'ingérence à la responsabilité de protéger,” Outre Terre , no. 20, 3/2007, pp. 281-282; Bettati, “Un droit d'ingérence,” Revue générale de droit international public (RGDIP), no. 95 (1991), pp.
  3. OLivier Corten, Le droit contre la guerre, l'interdiction du recours à la force en droit international contemporain (Paris: Pédone, 2008), p. 76; M.
  4. جاء إنشاء هذه اللجنة المستقلة بمبادرة من الحكومة الكندية في عام 2000، وضمت خبراء دوليين برئاسة مشتركة بين غارث إيفانز من أستراليا ومحمد سحنون من الجزائر، انظر تقرير اللجنة: مسؤولية الحماية: تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، مركز أبحاث التنمية الدولية، كندا، كانون الأول/ ديسمبر 2001، شوهد في 2016/12/14، في: http://bit.ly/2gRwk8a انظر أيضًا دراسة نقدية للتقرير: D. Chandler, Constructing Global Civil Society, Morality and Power in International Relations (UK: Palgrave Macmillan, 2005), pp. 82 - 108.
  5. تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، الفقرات 2 / 2، 22،.29 37 تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بالألفية: الأمم المتحدة، نحن الشعوب: دور الأمم المتحدة في القرن 21، 2000/3/27، انظر: UN Doc. A/54/2000, chapter 17, at 48 paragraphs 217 - 219.
  6. Bedjaoui, “la portée incertaine du concept nouveau de devoir d'ingérence dans un monde troublé, quelques interrogations,” colloque le droit d'ingérence , Rabat, 1992, pp. 51 - 55.

بالألفية: "إذا كان التدخل الإنساني يمثّل حقًا تعديًا غير مقبول على السيادة، فعلى أي نحوٍ ينبغي لنا أن نستجيب لحالات شبيهة برواندا وسريبرينيتسا وللانتهاكات الجسيمة والمنتظمة لحقوق الإنسان التي تمثّل تعديًا على كل مبدأ من مبادئ إنسانيتنا المشتركة"38. وحظي اقتراح اللجنة بتأييدٍ دولي واسع من المنظمات غير الحكومية التي سرعان ما تجمعت لهذه الغاية في تحالف هو "التحالف The International Coalition for 39الدولي لمسؤولية الحماية ".Responsibility to Protect (ICR to P) وأشار "الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير" الذي شكّله الأمين العام للأمم المتحدة حينئذ كوفي أنان، في تقريره "نحو عالم أكثر أمنًا: مسؤوليتنا المشتركة" الصادر في كانون، إلى مسؤولية الحماية بوصفها "مبدأ الأول/ ديسمبر 2004 مستجدًّا يتمثّل بوجود مسؤولية جماعية عن الحماية، يمارسها مجلس الأمن الذي يأذن بالتدخل العسكري ملاذًا أخيرًا عند حدوث إبادة جماعية أو عمليات قتلٍ أخرى واسعة النطاق، أو حدوث تطهير عرقي أو انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، ثبت أنّ الحكومات ذات السيادة عاجزة عن منعها أو غير راغبة في منعها"40.

وقد مثّل تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول وتقرير الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير مادة للمناقشة في مؤتمر القمة العالمي، أحد أكبر اجتماعات رؤساء الدول م في مدينة نيويورك عام والحكومات الذي التأ 2005 لاستعراض التقدم المحرَز منذ صدور إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية الذي اعتمدته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام.2000 وتكرِّس الوثيقة الختامية للمؤتمر التي اعتمدها أكثر من مئة وخمسين رئيس دولة وحكومة مسؤولية كلّ دولة عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي. وهذه هي المرة الأولى التي يشار فيها إلى "مسؤولية الحماية" في صكٍّ دولي، وبإجماع رؤساء الدول والحكومات الحضور، وذلك بعد مفاوضاتٍ طويلة وشاقة؛ وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الذكرى الستين لإنشاء الأمم المتحدة، نتائج مؤتمر القمة العالمي، بما في ذلك الجزء المتعلق بمبدأ "مسؤولية الحماية" في الفقرتين 138 و 139 من قرارها رقم 60 / 1 16( أيلول/ سبتمبر)200541. وتجري الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 2009 - على أساس من هذه الوثيقة - حوارات سنوية منتظمة حول "مسؤولية الحماية." كما اعتمدت بالتوافق أول قرارٍ لها مخصص بالكامل لمسؤولية الحماية في 14 أيلول/ سبتمبر 2009 هو القرار 63 / .308 ولكنّ هذا القرار كان حذرًا؛ إذ اكتفت الجمعية العامة فيه بالإحاطة علمً بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تنفيذ مسؤولية الحماية الصادر في 2009، وبالإشارة إلى المناقشات المثمرة التي نظمها رئيس الجمعية بشأن المسؤولية عن الحماية، وإلى "الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005 وبخاصة الفقرتين 138 و 139"، وذلك قبل أن تقرر "أن تواصل النظر في مسألة المسؤولية عن الحماية"42. ويعرض الأمين العام للأمم المتحدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تقارير سنوية حول مسؤولية الحماية. صدر التقرير الأول منها في عام 2009 43. واعتمد مجلس حقوق الإنسان بدوره)13(قرارًا يشير فيها بوضوح إلى المسؤولية عن الحماية، بما في ذلك ثلاثة قرارات تتعلق بحالات خاصة ببلدان معينة44.

  1. مقدمة تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، معروف أنّ الأمم المتحدة بدت
  2. انظر الموقع الإلكتروني للتجمع، شوهد في 2016/12/6، في: http://www.responsibilitytoprotect.org/ وقد كانت مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group برئاسة جاريث إيفانز Evans Gareth من رواد مسؤولية الحماية، وأنشأت المجموعة بالاشتراك مع "مراقبة حقوق الإنسانWatch" Rights Human وغيرها من المنظمات غير الحكومية، المركز العالمي لمسؤولية الحماية (GCR2P) R2P for Center Global في عام 2008 ومقره مدينة نيويورك.
  3. UN. Doc A/59/565, paragraph 203.
  4. A/RES/6024 ,1/ October 2005; UN, 2005 World Summit Outcome , September 142005 ,16-; UN, Doc. A/60/L.1, September 20, 2005. 42  A/Res/63308/, October 7, 2009.
  5. عاجزة وبلا حول وبلا قوة لمنع الإبادة الجماعية في كل من رواندا التي ذُبح فيها 800 ألف إنسان في مئة يوم 1994()، وفي يوغسلافيا السابقة بما في ذلك تلك الواقعة في سريبرينيتسا 1995()، وقد حصلت كوارث إنسانية مماثلة في كل من الصومال والبوسنة وغيرهما.
  6. أمّا التقارير الأخرى فنجدها في وثائق الأمم المتحدة: A/64/864 (2010); A/65/877 (2011); A/65/878 (2012); A/67/929 (2013); A/68/947 (2014); A/69/981-5/ 2013; 1/500, 13 July 2015. وللأمين العام للأمم المتحدة مستشار خاص معني بمسؤولية الحماية وله ممثل خاص معني بمنع الإبادة الجماعية، انظر: UN Doc. Officials S/2007, 721.
  7. “ The Role of the Human Rights Council in Implementing the Responsibility to Protect,” Global Centre for the Responsibility to Protect , 19 Jun 2012, accessed on 6/12/2016, at: http://www.globalr2p.org/ publications/158

والأهم من ذلك كلّه تكريس مجلس الأمن مبادئ "مسؤولية الحماية" في ستة وأربعين قرارًا. وقد بدأ المجلس هذا التقليد مع قراره رقم 1653 بتاريخ 27 كانون الثاني/ يناير 2006 بشأن بورندي مرورًا بالقرارين 1970 2011(1973) و 2011() الخاصيّن بليبيا والقرار رقم 2216 2015() بشأن اليمن والقرارين 2249)2015(و 2258 2015() الخاصين بسورية وانتهاءً بالقرار 2286)2016(بشأن "العناية الصحية في النزاعات المسلحة" الذي يختص بالوضع الصحي المأساوي في مدينة حلب السورية الذي نجم عن استهداف مستشفى القدس فيها.

وتتعلق هذه القرارات بموضوعات أو أزمات معينة. وتختص القرارات المواضيعية بمسائل مثل حماية السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة والأسلحة الخفيفة، والحفاظ على السلم والأمن الدولييَن، أمّا القرارات من النوع الثاني فتعالج فظائع جماعية في دول عدة ومن بينها السودان (دارفور) وليبيا وساحل العاج وجنوب السودان واليمن ومالي والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى وسورية وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد أشار المجلس مرارًا إشارةً لا لبس فيها إلى الفقرتين 138 و 139 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمّة العالمي لعام 2005 بشأن المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية45. وكان مجلس الأمن قد أصدر أربعة قرارات فقط تشير إلى مسؤولية الحماية قبل التدخل في ليبيا في آذار/ مارس 2011، اثنان منها خاصّان بحماية المدنيين واثنان آخران يتعلقان بالأزمة في كلٍ من جمهورية الكونغو الديمقراطية وفي دارفور (السودان.) وفي المقابل، شهدت السنوات الخمس التالية للقرار 1973 2011() الذي أذن بعملية لحماية المدنيين في ليبيا صدور أربعين قرارًا ونيّف تشير صراحةً إلى مسؤولية الحماية. وقد صوتت روسيا والصين إلى جانب الغالبية العظمى من هذه القرارات، ما يعني أنّهما ليستا معارضتين من حيث المبدأ مسؤولية الحماية. ولقيت الفكرة - فضلً عن الصعيد الدولي - قبولً واسعًا على الصعيد الإقليمي. فقد سبق للقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي أن أخذ بمسؤولية الحماية قبل خمس سنوات من اعتماد مؤتمر القمة العالمي عام 2005 هذه الفكرة. فالمادة 4 (ج) من هذه المعاهدة المنشئة للاتحاد تنص صراحةً على حق الاتحاد في التدخل في إحدى دوله الأعضاء، عملً بقرار من الجمعية العامة، في ظروفٍ خطيرة وتحديدًا في جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. ويميز القانون التأسيسي بوضوح بين الدول الأعضاء التي يحظر عليها التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى (المادة 4 (ز)) والاتحاد الذي يمكنه التدخل لمواجهة "الظروف الخطيرة" الثلاثة السابقة الذكر46. وقد اعتمدت المفوضية الأفريقية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب قرارًا بشأن تعزيز المسؤولية عن الحماية في أفريقيا47؛ وأوصى البرلمان الأوروبي بدوره الاتحاد الأوروبي بالتنفيذ الكامل لمبدأ المسؤولية عن الحماية48.

22 جوهر مفهوم مسؤولية الحماية

جوهر مفهوم "مسؤولية الحماية" واحدٌ في جميع الصكوك السابقة الذكر، وقد جاء أوضح صوغ له في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1/60 49 الذي صدر في أعقاب مؤتمر القمة العالمي عام 2005، وفي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة "تنفيذ المسؤولية عن الحماية" الصادر عام 2009 50. ويمكن القول: إنّ هذا المفهوم يقوم على الركائز الثلاث الآتية: مسؤولية الدولة عن الحماية: تتمثل هذه الركيزة بمسؤولية الدولة في المقام الأول عن حماية السكان من الجرائم الأشد

  1. من ذلك قرار المجلس 1674 2006() بشأن حماية السكان المدنيين في النزاعات المسلحة، والقرار 1706 2006() بشأن السودان (دارفور)، والقرار 1894 2009() بشأن حماية السكان المدنيين، والقرار 2117 2013() بخصوص الأسلحة الخفيفة، والقرار 2220)2015(بشأن تهديدات السلم والأمن الدولييَن، انظر القرارات والبيانات الرئاسية لمجلس الأمن بهذا الخصوص، في:
  2. القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، الموقع الإلكتروني للاتحاد الأفريقي، شوهد في 2016/12/6، في: http://au.int/en/about/constitutive_act
  3. A/ACHPP/Res. 117 (37) 7.
  4. انظر توجيه البرلمان الأوروبي: P7-TA (2013) 0180.
  5. A/Res/6024 ,1/ October 2005. 50 الأمم المتحدة، تقرير الأمين العام، تنفيذ المسؤولية عن الحماية 677/A/63() بتاريخ 2009/1/12؛ انظر أيضًا تقرير الأمين العام الأخير حول مسؤولية الحماية: A/69/981, 13 July 2015.
  6. Global Centre for Responsibility to Protect, UN Security Council, Resolution Referencing R2P , January 7, 2016, accessed on 6/12/2016, at: http://www.globalr2p.org/resources/335

خطورةً وهي الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتطهير العرقي. المساعدة الدولية وبناء القدرات: تتلخص هذه الركيزة في مسؤولية المجتمع الدولي بالدرجة الثانية عن مساعدة الدول غير القادرة على حماية سكانها المدنيين من الجرائم الفظيعة الأربع التي تمثّل إهانةً للإنسانية جمعاء. وقد تحتاج دولة الإقليم من أجل وقف هذه الجرائم وضمان عدم تكرارها إلى مدّ يد العون لها من الدول الغير ومن المنظمات الدولية ومكونات المجتمع الدولي الأخرى. الرد الحازم في الوقت الملائم: تعهد هذه الركيزة الثالثة والأخيرة إلى المجتمع الدولي بالمسؤولية عن الاستجابة في "الوقت المناسب وبشكل حازم" decisive and timely عندما يتجلى إخفاق الدولة في تأمين هذه الحماية. أ مّا آلية هذه المسؤولية فتقوم على اتخاذ تدابير سلمية في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة و/ أو التدابير القسرية في إطار الفصل السابع و/ أو التعاون مع الترتيبات الإقليمية ودون الإقليمية في إطار الفصل الثامن منه. وتضم هذه الركيزة مجموعة متنوعةً من التدابير السلمية مثل الضغوط الدبلوماسية وحظر توريد الأسلحة وحظر السفر وتجميد الأصول الأجنبية والإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، وقد يصل الأمر إلى حد التدخل العسكري. ومن الواضح أنّ "مسؤولية الحماية" تدور أساسًا حول الوقاية التي تعدّ خطوةً ضروريةً للتقليل من الحاجة إلى التدخل العسكري، ولا يجوز بتاتًا أن ينظر إليها بوصفها مرادفةً لهذا النوع من التدخل. غير أنّ هذه المسؤولية تشتمل كذلك على مسؤولية الرد عن طريق التدابير الملائمة بما فيها التدخل العسكري ومسؤولية إعادة بناء السلام بعد انتهاء الصراع51.

القيمة القانونية لمفهوم "مسؤولية الحماية"

لم تُنشئ "مسؤولية الحماية" بالمعنى الواسع قاعدةً قانونيةً جديدة،ً ولم يكن يدور في ذهن اللجنة التي جاءت بهذا المصطلح خلق هذه القاعدة، وكلّ ما كانت تطمح إليه هو توليد الشعور بوجود التزام أخلاقي وسياسي بتطبيق القواعد الموجودة فعلً. ولا ترقى هذه الفكرة إلى مصاف القواعد القانونية الدولية الاتفاقية منها أو العرفية52، ولا تنشئ حقوقًا ولا ترتب التزاماتٍ قانونيةً جديدة تضاف إلى الحقوق والالتزامات التي كان القانون الدولي يقرّها في حينه - ولا يزال - حينما يتعلق الأمر بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي. وقد أظهرت الجلسات الحوارية السنوية الأحدث التي تعقدها الجمعية العامة حول "مسؤولية الحماية" التي جرت في أيلول/ سبتمبر 2015 53 أنّ الركيزتين الأولى والثانية لمسؤولية الحماية مقبولتان أكثر من الركيزة الثالثة؛ إذ يوافق جميع الدول على مسؤولية أي دولة ذات سيادة بحماية شعبها وعلى مسؤولية المجتمع الدولي عن مساعدتها في القيام بهذه المسؤولية. ويعزى ذلك إلى دوران هاتين الركيزتين حول الوقاية أكثر منه حول ردات الفعل، وإلى عدم تضمّنهما إمكانية التدخل القسري. وفي المقابل لا تقبل الدول عادةً بارتياحٍ الركيزة الثالثة لمسؤولية الحماية والمتمثلة باتّخاذ المجتمع الدولي إجراءاتٍ جماعيةً وحاسمة في حال فشل الدولة في القيام بمسؤوليتها في حماية شعبها. ويكتفي جميع قرارات مجلس الأمن التي تشير إلى مسؤولية الحماية بالتذكير بالركيزة الأولى لمسؤولية الحماية الخاصة بمسؤولية الدولة الرئيسة عن حماية سكانها. والركيزة الأولى لمسؤولية الحماية المتمثلة بمسؤولية الدولة عن حماية سكانها هي قاعدة قانونية دولية ملزمة وكافية بذاتها. فهذه المسؤولية للدولة متأصّلة في دور الدولة بوصفها ذات سيادة. ومصدر هذا الالتزام هو العرف الدولي. وحتى إذا كانت الدول في كثير من الأحيان تضطهد السكان عوضًا عن حمايتها لهم، فهذا لا يُعدّ دليلً على عدم وجود القاعدة. ولهذا الالتزام بالحماية بُعدان؛ أحدهما سلبي، ويتمثّل بعدم ارتكاب الدولة الفظائع الجماعية التي تستهدفها مسؤولية الحماية، والآخر إيجابي ويكمن في وضع سياساتٍ تلبّي الحاجات الأساسية لسكان الدولة54. وتسمح الركيزة الثالثة من بين وسائل أخرى باللجوء إلى التدخل العسكري، ولكنّها لا تسمح بهذا النوع من التدخل إلا بوصفه ملاذًا

  1. تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، ص 18 - 34. يلاحظ أنّ الوثيقة الختامية
  2. تقول اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول: "وبينما لا يوجد حتى الآن أساس متين بما فيه الكفاية للادعاء بظهور مبدأ جديد في القانون الدولي العرفي، توحي الممارسة المتنامية للدول والمنظمات الإقليمية، وكذلك سوابق مجلس الأمن، بأنّ ثمة مبدأ مرشدًا آخذًا في النشوء ترى اللجنة أنه يمكن أن يوصف بحق بأنّه 'مسؤولية حماية"'، انظر: تقرير اللجنة، الفقرة 2 - 24، ص.19
  3. Gareth Evans, “The Responsibility to Protect after Libya and Syria,” Global Centre for the Responsibility to Protect , 20 July 2012, accessed on 6/12/2016, at: http://www.globalr2p.org/publications/146 54  Alain Pellet, “What Normativity for the Responsibility to protect?,” La responsabilité de protéger, dix ans après, Actes du Colloque de Nancy, November 2011.
  4. لمؤتمر القمة العالمي وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة لا تولي أي أهمية لمسؤولية البناء التي يمكن أن تحول دون عودة المواجهة المسلحة، إلا أنّ هذا البعد كثيرًا ما يثار في مداخلات الدول بشأن مسؤولية الحماية، وفي الكتابات المتعلقة بهذا الشأن.

أخيرًا لحماية المدنيين. والموقف الثابت للغالبية العظمى من الدول أثناء الحوارات التي تدور حول فكرة "مسؤولية الحماية" هو أنّ هذه الفكرة ليست قاعدةً قانونيةً جديدةً، وأنّها لم تعدّل في قليل أو كثير من مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية أو من الاستثناءات القانونية التي ترد عليه55. ويمكن القول إنّ "مسؤولية الحماية" ليست قاعدةً قانونيةً تأمر أو تنهى، ولا يترتّب على الإخلال بها مسؤولية دولية. على الرغم من أنّ الرأي العام في بعض الدول، لا سيما الغربية منها، يحبّذ عمومًا الفكرة، فالدول الفاعلة على الصعيد الدولي تتردد في الانخراط في مهمات إنسانية على درجة عالية من الخطورة دون موافقة مجلس الأمن، كما أنّها تتردد في المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي لا تزال "عالمثالثية" بامتياز لأنّ دول العالم الثالث تتوفر على الغالبية العظمى من أفراد هذه العمليات56. وكما ذهب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره بشأن تنفيذ "مسؤولية الحماية" فإنّ أحكام الفقرتين 138 و 139 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي تستند إلى مبادئ راسخة من القانون الدولي. فالقانونان الدوليان، التعاهدي والعرفي، يفرضان على الدول التزامات بمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ومعاقبة مرتكبيها. ومع أنّ التطهير العرقي ليس جريمة في حد ذاته بموجب القانون الدولي، فإنّ أعمال التطهير العرقي ربما تمثّل واحدةً من تلك الجرائم الثلاث الأخرى. كما تجدر الإشارة إلى أنّ الإجراءات المنصوص عليها في الفقرتين المذكورتين تتخذ حصرًا وفقًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده ومبادئه، وفي هذا الصدد لا تغيّ المسؤولية عن الحماية ما يقع على عاتق الأعضاء في الأمم المتحدة من التزامات قانونية بالامتناع عن استخدام القوة إلا وفقًا للميثاق، بل إنّها تعزز هذه الالتزامات57. ويمكن القول باختصار إنّ مفهوم "مسؤولية الحماية" لا يعدو كونه قاعدةً دوليةً أخلاقيةً أو سياسيةً تستند إلى القانون الدولي النافذ، وهو لا يمثّل استثناءً على كلٍ من مبدأ سيادة الدولة ومبدأ حظر استخدام القوة أو مبدأ حظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول وهي مبادئ راسخة في ميثاق الأمم المتحدة. ولا يخوّل هذا المفهوم صلاحياتٍ جديدةً لمجلس الأمن، ومعه أو من دونه يمكن استخدام القوة العسكرية لغاية حماية السكان المدنيين شريطة موافقة مجلس الأمن.

مسؤولية الحماية ومبدأ سيادة الدولة

تبلورت نظرية السيادة بوصفها ركنًا من الأركان التي تقوم عليها الدولة ابتداءً من صوغها الأول على يد الفيلسوف الفرنسي جان بودان 1596-1530() مرورًا بمعاهدة وستفاليا المعقودة عام 1648 وصولً إلى اعتمادها مبدأ من المبادئ التي تقوم عليها منظمة الأمم المتحدة (الفقرة الأولى من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة.) ومن الثابت الآن أنّ سيادة الدولة ليست غايةً في ذاتها بل هي وسيلة لغاية، والغاية هي خير سكان الدولة واحترام كرامة الناس وحقوقهم الأساسية وحمايتهم في الداخل ومن الأعداء في الخارج. وفكرة التزام الحماية هدفًا أول للدولة، ومبررًا لوجودها، ليست فكرةً جديدةً بل هي نابعةٌ من مفهوم سيادة الدولة؛ فالأفراد يتنازلون عن الحرية التي يتمتعون بها في حالة الطبيعة مقابل تحقيق الأمن لهم كما ذهب فلاسفة من أمثال توماس هوبز 1679-1588()، وجون لوك 1704-1632()، وجان جاك روسو)1778-1712(58. وذهب هوبس إلى أبعد من ذلك فقال ما معناه: إذا لم تعد الدولة قادرةً على أداء وظائفها، فلن تبقى ذات سيادة، وليس هناك واجب الطاعة لها59. ولا أحد يقول اليوم بالسيادة المطلقة للدولة؛ بمعنى أنّها سلطة تأمر دون قيد ولا تؤمر وذلك لأنّ هذا المعنى يضع الدولة فوق القانون. وليس مقبولًالاختباء وراء السيادة لارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان أو لارتكاب جرائم وحشية تهزُّ ضمير الإنسانية أو للسماح بارتكابها، وليس بمقدور أي دولة أن تبقى غير مبالية أمام هذه الجرائم. وكما ذهب الرئيس المشترك للجنة التدخل وسيادة الدول غاريث أيفانز إنّه لا يجوز النظر إلى السيادة بوصفها رخصةً لقتل.A licence to kill 60المعارضين والدولة ملزمةٌ في علاقتها مع السكان بشبكة واسعة من الالتزامات المستمدة من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. وقد سبق للمحكم ماكس هوبر في وقت مبكر أن خلص في قراره التحكيمي في قضية السيادة على جزر بالماس بين هولندا والولايات المتحدة الأميركية إلى أنّ التزام حماية

  1. Corten, p. 76.
  2. Delcourt, p. 308.
  3. A/63677/, paragraph 3, 12, July 2009.
  4. Anne Peters, “Humanity as the A and Z of Sovereignty,” European Journal of International Law , vol. 20, no. 3 (2009), p. 525.
  5. Thomas Hobbes, Leviathan (Cambridge: Cambridge University press,
  6. Gareth Evans, “Hypocrisy, Democracy war and peace,” 16/6/2007, accessed on 6/12/2016, at: http://www.gevans.org/speeches/speech227.html; “Beating Genocide,” project syndicate (Worldwide Distribution), 4 December 2015, accessed on 6/12/2016, at: http://bit.ly/2g4Zr9a

الأفراد هو النتيجة الطبيعية للسيادة61. وفي قضاء حديث لمحكمة العدل الدولية قضت المحكمة بوجود التزام على كل دولة استخدام جميع الوسائل التي تحت تصرفها لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وذلك قبل أن تخلص إلى انتهاك صربيا التزامها منع الإبادة الجماعية التي ارتكبت في سريبرينيتسا62. ولم تشكك اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول في مبدأ المساواة في السيادة، بل على العكس فإنّ "مسؤولية الحماية" التي ابتدعتها تكرس هذا المبدأ. وكما قالت اللجنة فنحن ننتقل مع "مسؤولية الحماية" من السيادة بوصفها سيطرةً إلى السيادة بوصفها مسؤوليةً في الوظائف الداخلية وفي الواجبات الخارجية على حدٍ سواء63. وبهذا المعنى تشتمل السيادة "على مسؤولية مزدوجة: في الخارج احترام سيادة الدول الأخرى وفي الداخل احترام كرامة الناس الموجودين داخل الدولة وحقوقهم الأساسية"64. ولا شك في أنّ من الأهمية بمكان احترام كلٍ من مبدأ السيادة ومبدأ الدفاع عن الإنسانية، ولكن المبدأ الثاني أولى وأجدر بالاعتبار من المبدأ الأول. وكما ذهب الأمين العام للأمم المتحدة فإنّ "من المؤكد أنّ ما من مبدأ قانوني – حتى مبدأ السيادة نفسه – يمكن أن يحمي الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وحين ترتكب هذه الجرائم وتستنفد المحاولات السلمية الرامية إلى وقفها، يكون على مجلس الأمن واجب أخلاقي بأن يتصرّف حيالها نيابةً عن المجتمع الدولي"65. ويؤكد الفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير بدوره أنّه "عندما توقّع الدول ميثاق الأمم المتحدة فإنّها لا تستفيد فقط من امتيازات السيادة، ولكنها تقبل أيضًا مسؤولياتها. ومهما كانت التصورات التي سادت عندما أدّى نظام وستفاليا إلى ظهور مفهوم سيادة الدولة لأول مرة، فمن الواضح أنّه يتضمن اليوم التزامًا من جانب الدولة بحماية رفاه شعبها والوفاء بالتزاماتها إزاء المجتمع الدولي الأوسع نطاقًا"66. وليست كلّ الدول قادرة على حماية سكانها من الفظائع الجماعية. والأدهى والأمرّ أنّ بعض الدول التي يقع عليها في المقام الأول حماية سكانها متورط في ارتكاب أشد الفظائع في حق السكان فيها. وهذه هي الحال في الدول التي تشهد فوضى عارمة وتتقاسم السلطة فيها عدة جهات أو جماعات يدّعي كلٌ منها أنّه الحكومة الشرعية الممثِّلة للشعب؛ ولا تتورّع عن اللجوء إلى العنف بهدف الاستيلاء على السلطة وإعادة هيكلة الدولة وفقًا لأهدافها ومعتقداتها وقيمها الخاصة. ولا يخفى على أحدٍ أنّ بعض الدول العربية يعاني الآن صراعاتٍ داخليةً دمويةً، تسجل مستوى من الوحشية لم يكن يخطر ببال أكثر الناس تشاؤمًا. ولا يغيب عن البال أيضًا أنّ الدولة ذات "الحكم الجيد" governance good التي تحترم القواعد الديمقراطية ومبدأ عدم التمييز بين السكان لا تكون مبدئيًا، عرضةً لارتكاب الفظائع الجماعية التي تستهدفها "مسؤولية الحماية."

مسؤولية الحماية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية

يُعدّ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أحد المبادئ التي تقوم عليها الأمم المتحدة67، وهو بمنزلة الضمانة القانونية لمبدأ احترام استقلال الدولة. والتدخّل المحظور هو عمل تباشره دولة أجنبية بطريقة الإرغام والضغط لتملي إرادتها على دولة مستقلة في أمرٍ داخلي أو خارجي يعود إلى اختصاص هذه الأخيرة. وقد يتخذ التدخل شكل الضغوط السياسية ولكنه قد يتخذ شكل التدابير القسرية العسكرية التي تقوم بها دولة أو أكثر ضد دولة أخرى. وهذا النوع من التدخل هو الذي يعنينا في هذه الدراسة؛ إذ يثير وضعه في التطبيق مشاكل وصعوباتٍ تمليها السياسة فتفسد على القانون صفاءه ووضوحه68. ويعدّ استخدام القوة العسكرية بصورة منفردة وفي غير الحالات المحدَّدة في الميثاق - بلا شك - أمرًا محظورًا في القانون الدولي كما هو كائن. فثمة مبدأ مستقر في القانون الدولي، عامّ التطبيق، يقضي بعدم جواز اللجوء إلى القوة، وهو مبدأ معترف به صراحةً وبكل وضوح في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

  1. Reports of International Arbitral Awards, Island of Palmas Case, vol. 2 (Netherland, USA), April 4, 1928, pp. 829 - 871.
  2. ICJ, Case Concerning the Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide, Bosnia and Herzegovina v. Serbia and Montenegro, Judgment of 26 February 2007, Paragraphs 425-450, Rec 2007.
  3. تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، الفقرة.2
  4. المرجع نفسه، الفقرة 1 - .35
  5. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بالألفية "نحن الشعوب: دور الأمم المتحدة في القرن"، انظر: UN Document, A/54/2000, 27/3/2000, Paragraph 2019.
  6. انظر تقرير عالم أكثر أمنًا: مسؤوليتنا المشتركة: A/59/565, 2 December 2004, Paragraph 29.
  7. الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة؛ انظر كذلك إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2625، الدورة 25 بتاريخ 1970/10/24)؛ والمادة)70(من البروتوكول الإضافي الأول إلى اتفاقيات جنيف 1977() المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة؛ والمادة 3() من البروتوكول الإضافي الثاني إلى اتفاقيات جنيف)1977(المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
  8. محسن الشيشكلي، مذكرات في القانون الدولي العام (الكويت: كلية الحقوق جامعة الكويت، 1984)، ص.431

ويمثّل مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية "حجر الأساس في ميثاق الأمم المتحدة"69، وهو "يحظى بأهمية أساسية" كما ذهبت محكمة العدل الدولية في مناسبة أخرى70. وتكرس المادة 3/2() من الميثاق مبدأ تسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية الذي يعدّ بمنزلة الصيغة السلبية لمبدأ عدم جواز استخدام القوة في العلاقات الدولية. غير أنّ الميثاق يستثني من هذا الحظر حالة الدفاع الشرعي (المادة 51 من الميثاق) وحالة التدابير الجماعية التي يقوم بها مجلس الأمن أو يجيزها في إطار الفصل السابع من الميثاق. وهذان الاستثناءان على مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية ليسا محلّ خلافٍ، وفيما عداهما يكون أي استخدام آخر للقوة حتى لو كان لأغراض إنسانية عمل غير مشروع ومخالفًا للمبادئ التي تقوم عليها الأمم المتحدة. ولا يوجد نصّ صريح في الميثاق يجيز التدخل الإنساني من جانب واحد كما أنّ هذا النوع من التدخل لا يفي بشروط الدفاع الشرعي قانونًا، وهو بطبيعته يفتقر إلى موافقة مجلس الأمن. ويخرق هذا التدخل الالتزام الواقع على كاهل الدول بموجب المادة 4/2() من الميثاق التي تحظر على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة71. ومع ذلك، فقد جرت محاولات لإسباغ الصفة القانونية على التدخل الإنساني من جانبٍ واحد. فهناك تيار فقهي يرى أنّ نبل الهدف يبرِّر الوسيلة المستخدمة. والهدف، كما قيل: هو حماية الأفراد من الخروقات الصارخة لحقوق الإنسان، بغض النظر عن جنسيتهم أو إعادة الحكومات المنتخبة التي تنحّى بالقوة عن السلطة. ويذهب هذا التيار إلى أن التدخل لحماية حقوق الإنسان لا يخالف مقاصد الأمم المتحدة وغاياتها، بل على العكس فهو يتّفق مع هذه المقاصد التي من بينها "تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا والتشجيع على ذلك"72 (المادة 1/2() من ميثاق الأمم المتحدة.) فاستنادًا إلى هذه الحجة، يمكن للدول أن تلجأ إلى استخدام القوة ضد دولة ترتكب جريمة الإبادة الجماعية أو أي انتهاكٍ جسيم آخر لحقوق الإنسان الأساسية لوقف هذه الأفعال. ويظهر التدخل الإنساني، في رأي هذا التوجه، وسيلةً لتعزيز أحد الأهداف الأساسية للأمم المتحدة، وهو لا يتعارض مع نص المادة 4/2() من الميثاق إلا في الحالة التي يتضمن فيها انتهاك سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدولة المتدخل فيها. وقيل أيضًا إنّ التدخل الإنساني لا يمس بالسلامة الإقليمية للدولة بل وحتى إذا عدّ هذا التدخل خرقًا للسيادة الإقليمية أو استقلالها السياسي، فهو لا يعدو أن يكون خرقًا مؤقتًا سرعان ما ينتهي بإعادة الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا إلى السلطة أو وقف الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان أو كليهما وعودة القوات المتدخلة إلى بلدانها73. والواقع أنّ تاريخ صوغ نص المادة لا يؤيد وجهة النظر القائلة بجواز التدخل العسكري من جانبٍ واحد. فقد كان الهدف من عبارة "ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي" وعبارة "لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة" تعزيز مبدأ الحظر العام لاستخدام القوة الوارد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية وترسيخه، وليس تقييد هذا المبدأ أو الحد منه74. وقد أضيفت العبارتان، في رأيٍ آخر "لسدّ أي ثغرات ممكنة في مبدأ استخدام القوة، وليس لفتح ثغرات أخرى جديدة"75. كما أضيفت عبارة "سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة" بناءً على طلب الدول الأصغر ولتأكيد مبدأ حظر استخدام القوة وليس لعمل استثناء على هذا الحظر76. من جهة أخرى، يلاحظ أنّ الدول المتدخلة قلمّا تستند إلى الحق في التدخل الإنساني، وهي تبرر عادةًاستخدامها القوّة على أساس الحق في الدفاع الشرعي أو على أساس الإجازة الضمنية لمجلس الأمن77.

  1. ICJ, Case Concerning Armed Activities on the Territory of the Congo, ICJ Reports (2005), 168 at par. 148.
  2. ICJ, Case Concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Merits), ICJ Reports (1986), 17 at par. 190.
  3. B. Simma, “Nato, the Use of Force: Legal Aspects,” European  71. Journal of International Law (1999), pp. 1 - 22
  4. Anthony D'Amato, “The Invasion of Panama was a Lawful Response to Tyranny,” American Journal of International Law (1990), p. 516; Thomas Franck, “The Emerging Right to Democratic Governance,” American Journal of International Law (1992), p. 46; Bettati, “Un droit d'ingérence,” pp.
  5. Julie Mertus, “Reconsidering the Legality of Humanitarian Intervention: Lessons from Kosovo,” William & Mary Law Review , vol. 41, no. 5 (2000), p. 1743.
  6. Oscar Schachter , “The Legality of Pro-democratic Invasion,” American Journal of International Law , vol. 78 (1984), pp. 646, 649.
  7. Jonathan Charney, “Anticipatory Humanitarian Intervention in Kosovo,” Vanderbilt Journal of Transnational Law , vol. 32, no. 5 (1999), pp.
  8. Simon Chesterman, Just War and Just Peace, Humanitarian Intervention and International Law (Oxford: Oxford University Press, 2001).
  9. لتبرير تدخلها في باكستان الشرقية في عام 1971 الذي أدّى إلى استقلال بنغلادش، استندت الهند إلى حالة الدفاع الشرعي وكذلك فعل كلٌ من تنزانيا التي تدخلت في أوغندا عام 1979، لقلب نظام حكم عيدي أمين دادا، وفيتنام التي تدخلت عسكريًا في كمبوديا في عام 1978 لإزاحة نظام الخمير الحمر. ولم يستند أيٌ من هذه الدول إلى الطبيعة الإنسانية للتدخل، يستثنى من ذلك تبرير المملكة المتحدة تدخّلها في العراق بعد حرب الخليج في عام 1991 بحجة حماية الشيعة والأكراد، أمّا الولايات المتحدة فبررت التدخل بحصوله على موافقة ضمنية من مجلس الأمن، ولم تستند منظمة حلف شمال الأطلسي ولا أعضاء المنظمة إلى نظرية التدخل الإنساني لتبرير التدخل في كوسوفو.

ومن الجدير بالذكر أنّ فرنسا كانت قد اقترحت في مؤتمر سان فرانسيسكو تعديل مشروع الميثاق، إذ يجيز للدول التدخل في دولة أخرى بصرف النظر عن موافقة مجلس الأمن، وذلك عندما "يشكل الانتهاك الواضح للحريات الأساسية وحقوق الإنسان تهديدًا يمكن أن يعرّض السلم للخطر"، ولكن هذا الاقتراح لم يلق آذانًا صاغية78. باختصار، لا يزال التدخل العسكري من جانبٍ واحد أيًّا كانت أهدافه محظورًا في القانون الدولي الوضعي. وقد قبلت محكمة العدل الدولية هذه النتيجة في حكمها في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (الولايات المتحدة ضد نيكاراغوا) الصادر في 1986، فقد أكدت أنّ مبدأ عدم التدخل "يعدُّ جزءًا لا يتجزأ من القانون الدولي العرفي." وأضافت المحكمة أنّ الولايات المتحدة لا يمكنها الاحتجاج بسجلّ حقوق الإنسان في نيكاراغوا لتبرير الأنشطة العسكرية الأميركية فيها وذلك قبل أن تخلص إلى خرق الولايات المتحدة التزاماتها بموجب القانون الدولي العرفي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى وبعدم استخدام القوة ضدها أو انتهاك سيادتها79. وسبق للمحكمة أن استبعدت بشدة وجود حق في التدخل في قرارها الصادر في قضية مضيق كورفو بين ألبانيا والمملكة المتحدة عام 1949 فقد أكدت أنّ "حق التدخل المزعوم لا يعدو أن يكون تعبيرًا عن سياسة القوة وهي سياسة أدت في الماضي إلى تجاوزات في منتهى الخطورة وليس لها أي مكان في القانون الدولي، أيًا كانت مظاهر الضعف الحالية في التنظيم الدولي"80. ويشار إلى أنّ انتهاكات حقوق الإنسان شائعة في العالم أجمع، ويقدّر تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية عدد الذين قتلوا على يد حكوماتهم في القرن العشرين فقط ب 170 مليون نسمة81. غير أنّ القول بوجود استثناء جديد على مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية هو التدخل الإنساني، سيجعل من هذا المبدأ حبرًا على ورق. فمن المرجح أن يفتح هذا الاستثناء شهية الدول القادرة والراغبة في مزيد من التدخلات في الدول الأخرى باسم الإنسانية. ومعروف أنّ الدول الكبرى هي الأقدر على التدخل العسكري، وهذه الدول ستغدو متمتعةً إذا ما اعترف لها بالحق في التدخل بالكلمة الأولى في تحديد الدول المناوئة لحقوق الإنسان أو للديمقراطية والتدخل فيها. وليس هناك ما يدل على أنّ التدخلات تنزع دائمًا إلى الدفاع عن "قوانين الإنسانية" في معاملة الدول لشعوبها. وتغض الدول القادرة على التدخل الطرف عن حالاتٍ يكون انتهاك حقوق الإنسان فيها صارمًا وجسيمً، ويكون التدخل فيها ضرورةً إنسانيةً لا غنى عنها. وقد لا يكون الدافع الحقيقي والرئيس لهذه التدخلات الانتصار للديمقراطية وحقوق الإنسان أو التخفيف من معاناة البشر بل إنشاء مناطق نفوذٍ أو الحصول على مزايا إستراتيجية أو اقتصادية. وبمعنى آخر لا ليم التدخل الإنساني من جانبٍ واحدٍ دائمًا العوامل الإنسانية؛ وقد يُتّخذ ذريعةً من جانب الدول الكبرى لاحتلال الدول الصغرى أو غزوها أو التدخل في شؤونها الداخلية. وكثيرًا ما يكون الغرض من هذا النوع من التدخل للمصلحة الخاصة للدول الكبرى المتدخلة وليس المصلحة العامّة للمجتمع الدولي، فلا ضمانة لتجرد التدخل الإنساني من الأهواء والمصالح الشخصية للدول أو لموضوعية التدخل وحياديته. هذا فضلً عن أنّ الاعتراف بوجود حق في التدخل الإنساني للدول يعني أنّ نموذج الديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول المتدخلة، وهي عمومًا دول غربية، هو النموذج الوحيد في العالم، هذا في حين أنّ الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست حكرًا على أحد دون الآخر، ومن الممكن أن تتخذ أشكالً عديدةً لمراعاة الواقع المحلي. والتدخل عمل غير قانوني في ذاته ولا يعقل ولا يستقيم القول بوجود حقٍّ أو واجب في القيام بعمل غير قانوني. وهو يشتمل على أعمال عسكرية وهذه الأعمال لا يمكن وصفها بالأعمال الإنسانية بل هي بطبيعتها غير إنسانية حتى إذا كان الغرض منها حماية أو مساعدة السكان الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الحماية أو المساعدة.

مسؤولية الحماية والتدخل العسكري من جانب واحد

لا تضيف فكرة مسؤولية الحماية جديدًا في ما يتعلق باستخدام القوة ولا تعدل من اختصاصات مجلس الأمن المحددة في ميثاق

  1. Oren Gross, “Applying the Extra-Legal Measures Model to Humanitarian Interventions, a Reply to Devon Whittle,” European Journal of International Law (2015), vol. 26, no. 3, pp. 699 - 708.
  2. ICJ, Military and Paramilitary Activities in and Against Nicaragua (Nicaragua V. United States: Recueil, 1986), 14 at par. 202, 268.
  3. CIJ. Affaire du détroit de corfou , Arrêt du 9 Avril 1949, Recueil 194, p. 35.
  4. United Nations Development Programme, Human Development Report 2000: Deepening Democracy in a Fragmented world (New York: Oxford university press, 2002), p. 6.

الأمم المتحدة؛ فالميثاق يعهد في المادة 24 منه إلى المجلس بالمسؤولية الرئيسة Responsabilité principale في أمر حفظ السلم والأمن الدولييَن، وبموجب الفصل السابع من الميثاق يملك المجلس أن يأذن باستخدام القوة للرد على الجرائم الجماعية من خلال تكييفها بأنّها تهديد للسلم أو إخلال به. وقد درج المجلس فعلً على تفسير فكرة تهديد السلم بتوسع إذ تشمل أوضاعًا لا إنسانية عديدة، وهي أوضاعٌ تستهدفها مسؤولية الحماية، وذلك حتى قبل ظهور فكرة مسؤولية الحماية82. وتكييف وضع ما بأنّه تهديد للسلم متروك في الوضع الحالي للقانون الدولي لمحض تقدير المجلس، وقد يتخذ المجلس تدابير جماعية قمعية بموجب الفصل السابع لوقف الفظائع الجماعية أو منعها. وربما يكتفي بالوسائل غير العسكرية لهذه الغاية. كما أنّ الدول الدائمة العضوية في المجلس ليست ملزمة قانونًا بعدم استخدام حقها في النقض83 في أي وضع كان، بما في ذلك الوضع الذي يواجه فيه العالم بهذه الجرائم الأبشع، حتى وإن كان الدفاع عن تقاعس المجلس في هذه الأوضاع صعبًا. ولا يمثّل تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو وقصف العاصمة الصربية بلغراد في 23 آذار/ مارس 1999 و 10 حزيران/ يونيو 1999 دون تفويض من مجلس الأمن. وفي تحدٍ سافر لمبدأ حظر استخدام القوة سابقة صالحة لنشوء عرف دولي يسمح بالتدخل عسكريًا من جانبٍ واحد في غياب هذا التفويض. وحتى إذا قبلنا وجهة النظر القائلة بتعسف كلٍ من روسيا والصين في استخدام حق النقض في حالة كوسوفو84، فإنّ هذا لا يمثّل أساسًا قانونيًا للتدخل دون إذن المجلس. صحيح أنّ عدم تصرف مجلس الأمن واستخدام دولة دائمة العضوية في المجلس حقها في النقض يمكن أن يعدّا في أوضاع معينة تعسفًا في استعمال الحق، غير أنّ هذا أو ذاك لا يرقى إلى عمل غير مشروع يمكن أن يرتب المسؤولية القانونية للأمم المتحدة أو للدولة المذكورة85. ولا يخضع استخدام دولة عضو دائم في المجلس حق النقض أو التهديد باستخدامه في الوضع الحالي للقانون الدولي لأي رقابة86. وتؤكد اللغة المستخدمة في الفقرتين 138 و 139 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اعتمد مفهوم "مسؤولية الحماية" الوضع القانوني الحالي لاستخدام القوة: فاتخاذ "إجراء جماعي" مشروط بأن يكون "عن طريق مجلس الأمن، وفقًا للميثاق بما في ذلك الفصل السابع منه، على أساس كلّ حالة على ح دة، وبالتعاون مع المنظمات الإقليمية ذات الصلة بحسب الاقتضاء، في حالة قصور الوسائل السلمية وعجز السلطات الوطنية البيّ عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية"87. وكما قال الأمين العام السابق للأمم المتحدة "إن تدبير استخدام القوة لا ينبغي أخذه في الحسبان إلا بوصفه ملاذًا أخيرًا." ويمكن أن يأذن مجلس الأمن بهذه التدابير الجماعية بموجب المادتين 14 و 42 من الميثاق، أو أن تأذن بها الجمعية العامة بموجب قرار "الاتحاد من أجل السلام"، أو أن تأذن بها الترتيبات الإقليمية أو دون الإقليمية بموجب المادة 53 بإذن مسبق من مجلس الأمن88. ويمكن لمجلس الأمن أن يتخذ قراره بالتدخل بالاستناد إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبصرف النظر عن مفهوم مسؤولية الحماية. فالجرائم

  1. على سبيل المثال قرارات المجلس بشأن العراق /688(1991)، والصومال /794(1992)، وأنغولا /864(1993)، وكوسوفو /199(1998)، وهاييتي /940(1994)، وتيمور الشرقية /1264(.)1999
  2. كان هناك اقتراح بتضمين الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي 2005() بدعوة الدول الدائمة العضوية إلى الامتناع عن استخدام حق النقض في حالات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، ولكن هذا الاقتراح قوبل برفض أميركا له، وفي النتيجة، فقد غاب عن الوثيقة، انظر: The Washington Post, August 25, 2005, p. A1; Alicia Bannon, “The Responsibility to Protect: the U. N. World Summit and the Question of Unilateralism,” The Yale Law Journal , vol. 115 (2006), p. 1157.
  3. لقي التدخّل في كوسوفو إدانةً شبه عالمية ولم تطلب الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي إذنًا من مجلس الأمن يسمح لها بالتدخل، ولم تحصل عليه وذلك خشيةً منها لاستخدام روسيا والصين الحق في النقض، ولم تحتجّ هذه الدول بحق قانوني لها في التدخل العسكري، ولكنها حاولت تبريره أخلاقيًا، وكأن لسان حالها يقول: القانون يجب أن يتراجع أمام الأخلاق، والمشروعية légitimité أولى بالاعتبار من الشرعية légalité ويشار إلى أن روسيا والصين استخدمتا حق النقض في أربع مناسبات في الحالة الراهنة في سورية، آخرها في أيار/
  4. Anne Peters, “le droit d'ingérence et le devoir d'ingérence: vers une responsabilité de protéger,” Revue de droit international et de droit comparé (2002), p. 301; Christine Gray, International Law and the Use of Force (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 39 - 51. هذا وقد دعا الفريق الرفيع المستوى في تقريره الأعضاء الدائمين في المجلس إلى الامتناع عن استخدام حق النقض عندما يتعلق الأمر بوحشية على نطاق واسع، ولكن الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي جاءت خالية من هذه المقترحات، انظر: Pace, W. R. & Deller N, “Preventing Future Genocides: An International Responsibility to Protect,” World Order , vol. 36, no. 4 (2005), p. 31.
  5. يثار التساؤل حول إن كان يمكن مساءلة الدولة الدائمة العضوية في المجلس أو المجلس نفسه عن الإخلال بالتزامهما التصرف في حالة ارتكاب الجرائم التي يستهدفها مفهوم "مسؤولية الحماية" وإن كان يجوز للمجلس أن يحتج بقواعده الداخلية للتهرب من التزاماته من مجال حفظ السلم والأمن الدوليين ولعل مشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية المنظمات الدولية ومشاريع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا تجيب عن هذه التساؤلات التي تخرج عن الإطار المرسوم لهذا البحث.
  6. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: A/RES/60/1, 20 October 2005. 88 تقرير الأمين العام للأمم المتحدة "تنفيذ المسؤولية عن الحماية:" A/63/677, 12 January 2009, paragraphs 4, 52.
  7. مايو 2014، وعلى مشروع قرار بإحالة الحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية أما الاستخدامات الأخرى فكانت في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وشباط/ فبراير 2012، وتموز/ يوليو.2012

المستهدفة في مسؤولية الحماية تمثّل "تهديدًا للسلم والأمن الدولي أو إخلالً به" ويمكن للمجلس أن يتصرف في حالة ارتكاب هذه الجرائم أو الخشية من ارتكابها وفقًا للمادة 39 من الميثاق التي استهل بها الفصل المذكور. ولم تذهب اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول التي ابتدعت مصطلح "مسؤولية الحماية" في تقريرها الذي خصصته لهذا المصطلح إلى إمكانية التدخل العسكري دون إذن من مجلس الأمن. فهي تؤكد أنّه "لا يوجد لدى اللجنة أدنى شك في أنه لا توجد هيئة أفضل ولا أنسب من مجلس الأمن للتعامل مع قضايا التدخل العسكري لأغراض الحماية البشرية"89. وفي مكان آخر من التقرير تضيف اللجنة "يجب التماس الإذن من مجلس الأمن في جميع الحالات قبل القيام بأي تدخل عسكري[...]ينبغي أن ينظر مجلس الأمن على الفور في أي طلب إذن بالتدخل إذ توجد ادّعاءات بفقدان أرواح بشرية على نطاق واسع أو تطهير عرقي"90. وقد أخذت اللجنة في الحسبان إمكانية استخدام حق النقض (الفيتو) من دولة دائمة العضوية في المجلس، فها هي تقول "من المرجح أن يكون استخدام الفيتو استخدامًا نزويًا أو التهديد باستخدامه، العقبة الرئيسة لاتخاذ تدابير فعالة في الحالات التي يلزم فيها اتخاذ تدابير حاسمة وسريعة لوقف أو تجنب وقوع أزمة إنسانية كبيرة"91. ولمواجهة هذا الواقع تقترح اللجنة أن تتفق الدول الدائمة الخمس على "مدونة لقواعد السلوك" في استخدام الفيتو في ما يتعلّق بالتدابير اللازمة لوقف أزمة إنسانية أو تجنّبها. والفكرة أساسًا هي أن يمتنع العضو الدائم في المسائل التي لا يدّعي أنّها تمس مصالحه القومية عن استخدام الفيتو وسيلةً لمنع اتخاذ قرار ينال موافقة الأغلبية. وفي الماضي كان مصطلح "الامتناع البناء" يستخدم في هذا السياق"92. وتثار المشكلة عندما لا تتمكن دولة الإقليم من منع أو وقف الكوارث الإنسانية التي تقع في إقليمها والتي قد تكون هي المتسببة في وقوعها، ولا يتمكن مجلس الأمن، بسبب استخدام حق النقض أو التهديد باستخدامه، من التصرف لمواجهة هذه الكوارث. فهل يبقى المجتمع الدولي متفرجًا ولا مباليًا ومكتوف الأيدي أمام هذه الكوارث أم أنّ هناك جهة ما مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وحتى الدول القادرة والراغبة يمكنها أن تتدخّل عسكريًا دون موافقة دولة الإقليم ومجلس الأمن. وعالجت اللجنة حالة رفض المجلس صراحةًاقتراحًا بالتدخل حين تكون المسائل الإنسانية أو مسائل حقوق الإنسان معرضةً لخطر كبير، أو تخلّف المجلس عن معالجة هذا الاقتراح في فترة زمنية معقولة93. واقترحت لهذه الغاية أن تقوم الجمعية العامة بالنظر في إمكانية التدخل العسكري وذلك استنادًا إلى قرار "الاتحاد من أجل السلام"؛ ولكنها سرعان ما خلصت إلى افتقار الجمعية العامة إلى صلاحية الأمر باتخاذ إجراء ما94. أما عن إمكانية قيام المنظمات الإقليمية أو دون الإقليمية بالتدخل العسكري لأغراضٍ إنسانية، فقد خلصت اللجنة إلى أنّ "نص الميثاق يقضي أن يكون عمل المنظمات الإقليمية مرهونًا دائمًا بإذن مسبق من مجلس الأمن"، لكنها لاحظت أيضًا أنه "كانت هناك حالات في الآونة الأخيرة طلبت فيها الموافقة بعد الحدث (ليبيريا، وسيراليون)، وربما يكون هناك متسع إلى حدٍ ما للتصرف على هذا النحو في المستقبل95. وعلى صعيد الفقه هناك من يرى أنه في ظل فظائع جماعية خطيرة تهز ضمير الإنسانية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب أو على وشك أن ترتكب في دولة ما، يكون من واجب الدول الأخرى أخلاقيًا التدخل لوقف هذه الفظائع أو منعها96. غير أنّ القول بوجود التزام أخلاقي بتقديم المساعدة الإنسانية وفي الحالات القصوى باستخدام وسائل عسكرية لا يعني أنّ التدخل الإنساني يغدو قانونيًا llegal وإن كان يمكن أن يوصف بأنه عملٌ مشروع.Legitimate وهناك من يذهب إلى حد اقتراح أنه حينما تكون الظروف على الأرض استثنائيةً حقًا، ويكون مجلس الأمن غير قادر أو غير راغب في التدخل فإنه يمكن التدخل من جانبٍ واحد ولا حاجة إلى محاولة تبرير هذا التدخل قانونيًا أو محاولة شرعنة غير الشرعي to legalize the illegal97. ولا يشكك بعض أصحاب هذا الرأي في مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، ولا يجعل من التدخل الإنساني من جانب واحد استثناءً من المبدأ، ولكنه يضيف بأنّ استخدام القوة لوضع حدٍ للفظائع الجماعية مبرّرٌ بشرط أن تكون الضرورة جليةً والنوايا الإنسانية واضحة98.

  1. تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، الفقرة 14 / .6
  2. المرجع نفسه، الفقرة 15 / .6
  3. المرجع نفسه، الفقرة 20 / .6
  4. المرجع نفسه، الفقرة 21 / .6
  5. المرجع نفسه، الفقرة 24 / .6
  6. المرجع نفسه، الفقرتان 29 / 6، 30 / .6
  7. المرجع نفسه، الفقرة 31 / .6
  8. Henry Shue, “Limiting Sovereignty,” in J. Welsh (ed.), Humanitarian Intervention and International Relations (Oxford: Oxford University Press, 2004), p. 11.
  9. Cross, p. 706; Bannon.
  10. Oscar Schachter, International Law in Theory and Practice (Netherlands: Springer, 1991), p. 126.

والواقع أنّ حالة الضرورة هي أحد الظروف التي تنفي عدم شرعية التصرف الذي يصدر عن الدولة والتي لولاها لكان هذا التصرف مخالفًا لالتزاماتها الدولية. وقد ورد النص على عذر الضرورة في المادة 25 من مشروع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا الذي أعدته لجنة القانون الدولي في 2001، إل أنّ هذا العذر مرهونٌ بالوفاء بشروط صارمة. وكما ذهبت اللجنة فقد جرى الاحتجاج بعذر الضرورة في حالات قليلة لتبرير أعمال عسكرية في الخارج ولا سيما في سياق ادعاءات التدخل لدواع إنسانية (احتجاج بلجيكا بحالة الضرورة لتبرير تدخلها العسكري في الكونغو عام 1960.) غير أنّ اللجنة تقر في التعليق العام على مشروع المواد بأنّ المادة 25 لا تغطي مسألة إذا ما كانت تدابير التدخل الإنساني القسري غير المنصوص عليها في الفصلين السابع أو الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، تدابير مشروعة بمقتضى القانون الدولي الحديث99.

وقد أبقت اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول الباب مفتوحًا أمام عمل من جانب واحد في بعض الأوضاع. فهي لم تستبعد احتمال قيام تحالف خاص أو دولة منفردة بتدخل عسكري دون موافقة مجلس الأمن ولكنها لم تصل إلى حد إضفاء الشرعية على هذا النوع من التدخل100. وفي مكان آخر من التقرير ذهبت اللجنة إلى أنه "بناء على قراءتنا لممارسات الدول، وسوابق مجلس الأمن، والقواعد الثابتة، والمبادئ المرشدة الناشئة، والقانون الدولي العرفي المتطور، تعتقد اللجنة بأن انحياز الميثاق القوي ضد التدخل العسكري لا ينبغي عدّه انحيازًا مطلقًا حين يلزم اتخاذ تدابير حاسمة بدعوى الحماية البشرية101. ولكنها أضافت أنّ درجة الشرعية التي تعطى للتدخل في العادة تتوقف على الإجابة عن عدة أسئلة من بينها الجهة التي تمنح الإذن بالتدخل"، ما يعني أنّ اللجنة لا تقر التدخل العسكري من دون إذنٍ من مجلس الأمن. ويبدو أنّ الأمين العام للأمم المتحدة قد قبل، هو الآخر، بإمكانية اللجوء إلى القوة لأسباب إنسانية، ولكنه اكتفى بدعوة مجلس الأمن إلى النظر في إمكانية اللجوء إلى العمل المسلح وإلى الإذن به إذا كان لا بدّ من ذلك لوضع حدٍ لأزمة إنسانية. وطلب الأمين العام من الأعضاء الدائمين تحمّل مسؤولياتهم في الحماية بالامتناع عن استخدام الفيتو102. والنتيجة هي أنّ التدخل العسكري من جانب واحد لدواعٍ إنسانية، أيًا كانت، غير جائز قانونيًا حتى الآن دون موافقة مجلس الأمن. ويملك المجلس في الوضع الحالي للقانون الدولي أن يتخذ ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولييَن أو لإعادتهما إلى نصابهما إذا ثبت له أنّ التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات العسكرية لا تفي بالغرض (المادتان 41 و 42 من ميثاق الأمم المتحدة)103. وقد تم صوغ مجموعة من المعايير لهذا الاستثناء على عدم جواز التدخل في تقارير كلٍ من اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول104 والفريق الرفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير105 والأمين العام للأمم المتحدة. والواقع أنّه من الصعوبة بمكان وضع هذه المعايير أو المبادئ التوجيهية106 في التطبيق، وهي باستثناء إذن مجلس الأمن بالتدخل ليست جزءًا من القانون الدولي كما هو عليه الآن. ومما له دلالته في هذا الصدد أنّ هذه المبادئ لم تدرج في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي التي ظهر فيها مفهوم "مسؤولية الحماية" إلى حيز الوجود، واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 60 / 1 بتاريخ 16 أيلول/ سبتمبر 2005 107.

  1. الظروف الأخرى هي الموافقة، والدفاع عن النفس والتدابير المضادة والقوة القاهرة وحالة الشدة، انظر: الأمم المتحدة، تقرير لجنة القانون الدولي، حولية لجنة القانون الدولي، مج 2، ج 2 2001()، ص.108
  2. تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، الفقرة 40 - .6
  3. المرجع نفسه، الفقرات 2 - 27، 4 - 13، 6 - 36،.37
  4. تقرير الأمين العام، الفقرات 126، و 135-134.)2005/A/59(
  5. تقرير اللجنة المعنية بالتدخل وسيادة الدول، الفقرات 4 - 15 إلى 4 - 41، انظر: http://bit.ly/2gRwk8a
  6. المرجع نفسه، الفقرة 4 - 15 وما يليها.
  7. تقرير عالم أكثر أمنًا مسؤوليتنا المشتركة: A/59/565. 2, paragraph 207 - 209.
  8. هذه المعايير هي السلطة المختصة بالإذن بالتدخل والمتمثلة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وذلك بوصفه المسؤول الرئيس عن حفظ السلم والأمن الدوليين، والقضية العادلة التي تبرّر التدخل العسكري وحسن نية القائمين عليها وعدم التدخل إلا بوصفها ملاذًا أخيرًا، وتلاؤمه مع الهدف الإنساني المراد تحقيقه والاحتمالات المعقولة بنجاحه.
  9. الأمم المتحدة، 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، الفقرتان 138 و.139

الخاتمة

تدور فكرة مسؤولية الحماية أساسًا حول الوقاية من الفظائع الجماعية، ولا ينبغي أن ينظر إليها بوصفها مرادفةً للتدخل العسكري. وحتى إذا بدا أنّ استخدام القوة لا بد منه لإعمال مسؤولية الحماية، فإنّه لا مناص من مراعاة المبادئ الراسخة في القانون الدولي التي تحكم هذه المسألة وأبرزها موافقة مجلس الأمن. وهذه الفكرة ليست جديدةً، والهدف الذي تنشده هدف نبيل يتمثل بإخراج الدول التي تعاني الفظائع الجماعية التي ربما تمثّل واحدةً من جرائم جماعية محددة حصرًا، وهي: الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ضد الإنسانية والتطهير العرقي من دوامة العنف وتعزيز السلم الأهلي فيها. وهي تخلو في ذاتها من أي قيمة قانونية، ولكنّها ذات قيمة سياسية ومعنوية لا يُستهان بها، وقد تكون خطوةً مهمةً في الطريق الطويل نحو قانونٍ دولي لحقوق الإنسان وقانون إنساني دولي وقانون جنائي دولي على قدر أكبر من الفاعلية. وتعاني الفكرة في الوقت الراهن أزمة ثقة بها. فلا شك في أنّ الرغبة في تدخلات عسكرية جديدة تعتمد على مسؤولية الحماية قد تضاءلت بعد خروج التدخل العسكري في ليبيا عام 2011 عن الهدف المحدد له وهو حماية المدنيين، إلى هدف إسقاط نظام الحكم في الدولة، وهو ليس له صلة بمفهوم "مسؤولية الحماية." وقد فشل المجتمع الدولي ممثلً بمجلس الأمن في اتّخاذ موقف موحد من الفظائع الجماعية التي تُرتكب في سورية منذ عام 2011 والتي ترقى إلى إبادة جماعية وجرائم ضدّ الإنسانية ويتحمل المسؤولية المباشرة عنها كلٌ من قوات النظام وقوات المعارضة والمدعومة سياسيًا وعسكريًا من دول وأطراف عديدة من داخل المنطقة وخارجها. ولكن الفشل في وضع حدٍ للفظائع الجماعية الأخطر على الإطلاق وفي حماية المدنيين في سورية ليس فشلً لفكرة مسؤولية الحماية في ذاتها، بل هو فشل للدول الفاعلة على الصعيد الدولي ولا سيما منها الدول الدائمة العضوية في المجلس التي تتحمل المسؤولية الأولى عن حفظ السلم والأمن الدولييَن. ومن بين المخاطر التي يمكن أن تنزلق إليها "مسؤولية الحماية" احتجاج الدول الدائمة العضوية في المجلس بها لتبرير تدخلات عسكرية في دول لا تشهد أيًّا من الفظائع الجماعية التي تستهدف مسؤولية الحماية، ورفض العمل بها عندما يتعلق الأمر بدول صديقة تشهد هذا النوع من الفظائع التي تستوجب تدخل المجتمع الدولي. ومن هذا القبيل تذرّع روسيا في 2008 بمسؤولية الحماية لتبرير تدخلها العسكري في جورجيا بحجّة حماية المواطنين الروس فيها، هذا في الوقت الذي تصرّ فيه، ومنذ عام 2011، على عدم تحقق هذه الفكرة في الحالة السورية. ومن الجدير بالذكر أنّ التدخلات العسكرية وأيًّا كان نبل الأهداف المحركة لها محفوفة بالمخاطر. فقد تطيل الأزمات التي يفترض أنّها جاءت لمعالجتها، وقد تسفر عن ظهور نزاعات جديدة تعرّض المدنيين لمجازر أخرى تضاف إلى المجازر التي تستهدف هذه التدخلات وقفها أو منع وقوعها. ومن المؤسف أنّ هذه التدخلات تتمخض في كثير من الأحيان عن تحوّل الدولة المتدخَّل فيها إلى دولة فاشلة تسودها صراعات دموية تهدد السلم الأهلي والاستقرار في المنطقة وفي العالم أجمع، وقد تنتهي إلى تقسيم الدولة الواحدة إلى دويلات إثنية أو دينية ليسهل التحكم فيها أكثر. ولا ننسى أن نشير إلى فشل مجلس الأمن في ممارسة مسؤوليته بحماية السكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ إذ تنتهك إسرائيل قرارات الأمم المتحدة دون عقاب منذ نحو ستين عامًا. ولا شك في أنّ هذا الفشل يعزز فقدان الثقة بمجلس الأمن ويقلل إلى حدٍ كبير إمكانية التعويل عليه في حماية السكان المدنيين من جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية وغيرها من الفظائع الجماعية التي تستهدفها مسؤولية الحماية.

المراجع

Bannon, Alicia. “Responsibility to Protect: The UN World Summit and Question of Unilateralism.” Yale Law Journal. vol. 115 (2006). Bedjaoui, M. “La portée incertaine du concept nouveau de devoir d'ingérence dans un monde troublé: quelques interrogations.” in colloque le droit d'ingérence (Rabat, 1992). Bettati, Mario & Kouchner, Bernard. Le devoir d'ingérence. Paris: Editions Denoél, 1987. _____________. “un droit d'ingérence.” Revue gérérale de droit international public (RGDIP). no. 95 (1991). _____________. Le droit d'ingérence, Mutation de l'ordre international. Paris: Editions Odile, Jacobe, 1996.

Boustani, Catia. “Intervention humanitaire et intervention d'humanité évolution ou mutation en droit international?” Revue Québecoise de droit international. vol. 8 (1979). Brugere, Anne-Laurence. “Le droit international de l'assistance humanitaire en cas de catastrophes naturelles.” in La responsabilité de protéger. colloque de Nanterre/ société française pour le droit international. Paris: Pédone, 2007. Cattori, Silvia. “La responsabilité de protéger: une façade légale pour légitimer l'ingérence. ” Résau Voltaire. September 24 2009. Chandler, D. Constructing Global Civil Society, Morality and Power in International Relations. Palgrave: Macmillan, 2005. Charney, J. “Anticipatory Humanitarian Intervention in Kosovo.” Vanderbilt Journal of Transnational Law. no. 32

Chataway, Teresa. “Towards Normative Consensus on Responsibility to Protect.” Griffith Law Review. vol. 16. no.

Cheng, B. General Principles of Law as Applied by International Courts and Tribunals. London: Stevens & Sons, 1953. Chesterman, S. Just War and Just Peace: Humanitarian Intervention and International Law. Oxford: Oxford University Press, 2001. Condorelli, Luigi & de Chazournes, Laurence. “De la 'responsabilité de protéger', ou d'une nouvelle parure pour une notion déjà bien établie.” Revue générale de droit international public. no. 1 (2006). Corten, Olivier. Le droit contre la guerre, l'interdiction du recours à la force en droit international contemporain. Paris: Pédone, 2008. D'amato, Anthony. “The Invasion of Panama was a Lawful Response to Tyranny.” American Journal of International Law (1990). Delcourt, Barbara. “La responsabilité de protéger et l'interdiction du recours à la force: Entre normativité et opportunité.” Actes du Colloque de la société française pour le droit international. Nanterre-Paris (2008). Droit pénal humanitaire. 2 éme edn. Bruxelles: Bruylant, 2009. Evans, Gareth. “Beating Genocide. ” Project Syndicate (Worldwide Distribution). 4 December 2015. _____________. “The Responsibility to Protect: After Libya and Syria.” Global Centre for the Responsibility to Protect. 12/11/2015. Protect: to “The Responsibility Rethinking Humanitarian Intervention.” American Society of International Law proceedings. 98th annual meeting

Franck, Thomas. “The Emerging Right to Democratic Governance.” American Journal of International Law  (1992). Gray, Christine. International Law and the Use of Force. Oxford: Oxford University Press, 2008. Gross, Oren. “Applying the Extra-Legal Measures Model to Humanitarian Interventions: A Reply to Devon Whittle.” European Journal of International Law. vol. 26. no. 3 (2015). Hobbes, Thomas. Leviathan. UK: Cambridge University press, 1991. “Humanity as the A and Z of Sovereignty.” European Journal of International Law. vol. 20. no. 3 (2009). Les droits de l'Homme: une nouvelle cohérence pour le droit international. Colloque de Tunis. Paris: Pedone, 2008. Lorimer, James. Institutes of the Law of Nations: A Treatise of the Juridicial Relations of Separate political communities. vol. 2. Edinburgh/ London: W. Blackwood & Sons, 1883. Marcelo, Kohen. “L'emploi de la force et la crise de Kosovo: vers un nouveau désordre juridique international.” Revue Belge de droit international. no. 32 (1990).

Moreau, Defarges. Un monde d'ingérence. Paris: presses de sciences politiques, 1997. Ozden, Melik & Astruf Maëli. “Responsabilité de protéger progrés ou recul du droit international public?” CETIM. Cahier no. 12. December 2013. Pace, W.R. & N. Deller, “Preventing Future Genocides: An International Responsibility to Protect.” World Order. vol. 36, no. 4 (2005). Pellet, Allain. “What Normativity for the Responsibility to Protect.” La responsabilité de protéger, dix ans après. Actes du Colloque de Nancy. November 2011. Peters, Anne. “Le droit d'ingérence et le devoir d'ingérence, vers une responsabilité de protéger.” Revue de droit international et de droit comparé (2002). Pommier, Bruno. “The Use of Force to Protect Civilians and Humanitarian Action: The Case of Libya and Beyond.” International Review of the Red Cross. no. 848. December 2011. Reports of international Arbitral Awards. Island of Palmas case (Netherlands, USA). vol. 2. April 4, 1928. Rodogno, David. “Réflexions Liminaires à propos des interventions humanitaires des puissances européenes au XIXème siècle.” Relations internationales. no. 131. 3 / 2007. Rougier, Antoine. “La théorie de l'intervention d'humanité.” Revue générale de droit international public. vol. 17. no. 1 de Schachter, Oscar. “The Legality of Pro-democratic Invasion.” American Journal of International Law. no. 78 ­______________. International Law in Theory and Practice. Netherlands: Springer, 1991. Simma, B. “Nato, The Use of Force: Legal Aspects.” European Journal of International Law. no. 10 (1999). Springborg, Robert. “State-Society Relations in Egypt: The Debate over Owner-Tenant Relations.” Middle East Journal. vol. 45. no. 2 (Spring 1991). Statement to U.N. General Assembly , Informal Interactive Dialogue on the Possibility to Protect. New York (2009). Szurek, Sandra. “La responsabilité de protection: Du remarques sur application. Quelques principe à son les enjeux du 'law making process' en cours.” Annuaire français de relations Internationales. vol. XI (2011). ­____________. “la responsabilité de protéger: Mauvaises querelles et vraies questions.” Anuario Colombiano de Derecho International. vol. 4 (2011). “The Responsibility to Protect: An Idea Whose Time Has Come and Gone.” International Relations (2008). The Independent International Commission on Kosovo. The Kosovo Report, International Response. Lessons Heard (2000). UN Secretary-General Defends. Clarifies “Responsibility to Protect” at Berlin Event on Responsibility to Protect: International Cooperation for a Changed world. July

United Nations Development Programme.  Human Development Report 2000: Deepening Democracy in a Fragmented World (2002). “Responsabilité Raphael. Steenberghe, Van protéger et protection des civils dans les conflits armés: un rapprochement au détriment du droit international humanitaire.” Revue Québécoise de droit international. no. 26.2 (2013). Welsh, Jennifer. Humanitarian Intervention and International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2004.