العلاقات الأوروبية - الروسية في مجال الطاقة: ضغوط التعاون وصراع المصالح

Ahmed Qassem Hussein أحمد قاسم حسين |

الملخّص

تسلط الدراسة الضوء على العلاقات الأوروبية - الروسية في مجال الطاقة، وهي علاقة معقدة يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فروسيا اليوم تعد أحد الشركاء الأساسيين في القضايا الأمنية الأوروبية، ولا يمكن الحديث عن الأمن الأوروبي من دون التطرق إلى الدور الروسي وتأثيره في المنظومة الأمنية الأوروبية، وهي أيض ا أكبر مصدِّر للطاقة إلى أوروبا، وأكبر شريك تجاري لها. في المقابل، يعد الاتحاد الأوروبي أكبر مستهلك لصادرات روسيا من الطاقة، وتربطه بها علاقات تجارية مهمة. ويجعل هذا كله العلاقات الأوروبية - الروسية في مجال الطاقة تخضع لثنائية ضغوط الصراع والمصالح في توازنات القوى في بنية النظام الدولي من جانب، وضرورات الاعتمادية والتعاون من جانب آخر. ومن ثمّ، تساعد دراسة هذه العلاقة الباحثين في تكوين صورة أكثر دقة وعمق ا في فهم الصراعات التي تدور في محيط كل من روسيا والاتحاد الأوروبي، وفهم سلوك كل منهما بوصفهما فاعلين أساسيين في بنية النظام الدولي الآخذة في التحول والتغير. كلمات مفتاحية: الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الفدرالي الروسي، سياسات الطاقة، خطوط إمداد الطاقة، بنية النظام الدولي. This study sheds light on European-Russian relations in the energy field, a complex relationship where the political, economic, and social interact. Russia, today, is a key partner in European security issues, and it is impossible to talk about European security without addressing the Russian role and its effect on the European security system. Russia is also the largest exporter of energy to Europe and its main trading partner. The EU, conversely, is the largest consumer of Russian energy exports, and the EU states have important trade relations with Russia. All this makes European-Russian relations in the energy sphere subject to tension between pressure for cooperation and conflict over interests in the balances of power in the international order. Keywords: EU, Russian Federation, Energy Policy, Energy Supply Lines, Structure of the International Order

Russo-European Relations in the Energy Sector: Pressure for Cooperation and Conflict over Interests

مقدمة

إذا كانت العلاقات الدولية تشير إلى محصلة التفاعلات المتبادلة والمترابطة بين وحدات النظام الدولي في مراحل تاريخية عديدة، تسعى خلالها الدولة الوحدة الأهم في بنية النظام الدولي لتحقيق مصالحها على كل المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فإنّ دارس العلاقات الدولية وفقًا لهذا السياق لا يمكن أن يمر على دراسة الاتحاد الروسي الفدرالي من دون دراسة ارتباطه العضوي بالقارة الأوروبية والوحدات الفاعلة الأساسية في النظام الإقليمي الأوروبي الذي يعبّ عن ذاته اليوم بصورة الاتحاد الأوروبي. لذا تتسم العلاقات الأوروبية - الروسية بالتشابك والتعقيد، إذ تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والجغرافية. ولا يمكن دراسة الاتحاد الفدرالي الروسي بمعزل عن دراسة التحولات التاريخية في القارة الأوروبية التي كان لها تأثير مباشر في روسيا في مراحل عديدة، كما كانت موسكو عامل تأثير في مسار الأحداث والتحولات الكبرى في القارة الأوروبية، وكذا في بنية النظام الدولي. تُعدّ موسكو شريكًا أساسيًّا في القضايا الأمنية المتصلة بالقارة الأوروبية، ولا يمكن التطرق للأمن في الاتحاد الأوروبي من دون فهم الدور والسلوك الروسيين وتحليلهما. تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على العلاقات الأوروبية - الروسية في مجال أمن الطاقة، ومحاولة كل طرف تعظيم مصالحه من خلال الاستغلال الأفضل لهذا القطاع، إذ تخضع العلاقة بين بروكسل وموسكو في مجال الطاقة لضغوطات الصراع واختلاف المصالح والرؤى في مناطق جيوسياسية عديدة تقع في نطاق اهتمام الطرفين من ناحية، إضافة إلى ضرورات التعاون والاعتمادية Interdependency من ناحية أخرى، ما يجعل صانع القرار في كل من بروكسل وموسكو أمام تحد ومهمة صعبة في صوغ خطاب سياسي خارجي يراعي ضغوط الصراع وضرورات الاعتمادية. تجدر الإشارة إلى أنه في دراسة علاقات الطاقة الأوروبية - الروسية تم تسليط الضوء على سلوك الطرفين ومحاولاتهما إعادة توجيه علاقات الطاقة بما يخدم مصالحهما، انطلاقًا من افتراض تراجع الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة الأميركية في القارة الأوروبية في السنوات العشر الأخيرة. ولا يعني ذلك مطلقًا عدم فعالية دور الولايات المتحدة وأهميته في القارة الأوروبية التي لم تغادر الفضاء الأوروبي - الأطلسي، أو على أقل تقدير عدم إمكانية استمرارها على الوتيرة السابقة، خاصة بعد النقاشات التي تدور في أروقة الاتحاد الأوروبي، وتتطرق إلى دور هذا الاتحاد فاعلً مؤثرًا في بنية النظام الدولي وطبيعة العلاقة مع حلف شمال الأطلسي "الناتو." فالاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية عالمية، لكنه يفتقر إلى القوة العسكرية التي تمكنه من إحداث نوع من التوازن مع القوى الأخرى الصاعدة كالصين والبرازيل والهند. أمّا موسكو فتقرأ بدورها التحول في بنية النظام الدولي من حيث صعود قوى جديدة إلى جانب الولايات المتحدة، وتسعى جاهدة لاستعادة دورها ونفوذها في محيطها الإقليمي من خلال بوابة الطاقة بصفتها قوة دولية مصدرة للطاقة. إذا كان الصراع التقليدي يعتمد على سباق التسلح وامتلاك الأسلحة النووية والصراع على مناطق نفوذ، فإنّ التنافس في عالم اليوم يعتمد أساسًا على الطاقة وخطوط إمدادها وتنويع مصادرها، وخاصة مع اكتشاف النفط والغاز. لقد دخل التنافس مرحلة جديدة على مناطق جيوسياسية في العالم، وأصبح كل من الغاز الطبيعي والذهب الأسود السلعة الأكثر أهمية في اقتصاديات الدول، وازداد عليهما طلب القوى الصاعدة في بنية النظام الدولي أيضًا، وهذا الأمر قاد بالطبع إلى تغيرات جوهرية في أسعار الطاقة وأسواقها التي أصبحت تحدد سياسات الدول وإستراتيجياتها. وتمثّل الطاقة المحرك الأساسي للتصنيع في القارة الأوروبية، وارتبطت برفاه الناس وبتطور الصناعة والتنمية المستدامة، وأصبحت الطاقة تمس مسارات الحياة الاقتصادية والاجتماعية كافة. وتمثّل الطاقة في الاتحاد الأوروبي أحد أهم التحديات التي يحاول قادته مواجهتها، وستبقى على قمة أجندة الاتحاد للسنوات الآتية، في حين تحاول موسكو استخدام ورقة الطاقة أداة لتحقيق سياستها الخارجية واستعادة دورها ونفوذها بصفتها قوة عالمية في مجال الطاقة. وبناءً عليه، فإنّ إلقاء الضوء على العلاقات الأوروبية - الروسية في مجال الطاقة يعطي صورة واضحة لسلوك صانع القرار في مناطق جيوسياسية مختلفة؛ هذه العلاقات التي تحكمها ضغوط الصراع والتنافس وضرورات التعاون والاعتمادية.

الاتحاد الأوروبي والاتحاد السوفياتي: صعود قوى وانهيار أخرى

كانت أوروبا مسرحًا للصراع والتنافس بين القطبيين العالميين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية عام 1945. وقامت كل من إنكلترا وفرنسا ودول البنلوكس أمام تحول بنية النظام الدولي بتوقيع اتفاق بروكسل عام 1947، وهو اتفاق تعاون اقتصادي واجتماعي وثقافي ودفاعي مشترك، وجاء في المادة 4 منه أن تلتزم كل دولة تقديم المساعدة للدولة التي تكون ضحية اعتداء بما فيها المساعدة العسكرية. سعت هذه الاتفاقية

لخلق نظام دفاعي إقليمي جماعي ضد أي تهديد في المستقبل1، ولكن الولايات المتحدة سارعت إلى بسط نفوذها على أوروبا الغربية وتم توقيع اتفاقية حلف شمال الأطلسي عام 1949، وتزامن ذلك مع حزمة المساعدات الاقتصادية الأميركية التي عرفت باسم وزير الخارجية الأميركي جورج مارشال عام 1947، لتصبح أوروبا الغربية منطقة نفوذ أميركية عسكريًا عبر حلف الناتو، واقتصاديًا من خلال مشروع مارشال2. وباتت أوروبا الشرقية هي الأخرى تحت نفوذ الاتحاد السوفياتي وسيطرته.

ويمكن القول إنّ بنية النظام الدولي في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ساعدت على تحقيق التكامل الأوروبي European Integration، إذ كان للولايات المتحدة دور في تسريع وتيرته. ذلك أنّ التكامل الأوروبي كان جزءًا من إستراتيجية الولايات المتحدة في إدارة الحرب البادرة وسياسات الصراع مع الاتحاد السوفياتي، كما أدركت دول أوروبا الغربية مسألتين مهمتين: الأولى أنها فقدت دورها الفاعل في بنية النظام الدولي، ومن ثم فهناك ضرورة إستراتيجية في دعم التحالف مع الولايات المتحدة. والثانية أنّ حل المشكلات الداخلية في أوروبا لا يمكن أن يتم باستخدام القوة، ومن ثمّ فإنّ إعادة بناء أوروبا يتطلب حالة من الاستقرار والسلام. وقد نشأ وعي جمعي في أوروبا الغربية بأنّ الشمولية Totalitarianism قادت إلى العسكرة Militarization، والأخيرة قادت إلى سلوكيات عدائية. وبناء عليه، فإنّ الديمقراطية أصبحت بالنسبة إلى تلك الدول مطلبًا لتحقيق السلام والتطور الاقتصادي وإعادة بناء ما دمرته الحرب تحت المظلة الأمنية الأميركية. وبالنتيجة، سيكون من الأفضل انتهاج طريق التعاون والاعتمادية التي توفر السلام والازدهار الاقتصادي ومنع أي صراعات عسكرية في المستقبل. ونتيجة لذلك، بدأت دول أوروبا الغربية منذ خمسينيات القرن الماضي سلسلة من الاتفاقيات3 كان آخرها اتفاقية لشبونة لعام 2009، والتي قادت إلى تعزيز التكامل وتطويره واستطاعت بموجبها أن تؤسس الاتحاد الأوروبي، ذلك أنّ هيكليته المؤسساتية اليوم لا تعطيه وصف دولة فدرالية أو منظمة دولية؛ وفي الوقت نفسه له جوانب فوق قومية وفوق حكومية، إذ تنازل أعضاء الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرون عن جزء كبير من سيادتهم لمصلحة مؤسسات الاتحاد (مثل السوق الأوروبية المشتركة، والتجارة الخارجية، والعملة الموحدة، وجزء كبير من السياسات الزراعية)، ولكنّ تلك الدول حافظت على سيادتها في قطاعات أخرى كالسياسة الأمنية والدفاعية والخارجية، وسياسات الرفاه الاقتصادي، والسياسات الضريبية. وفي الوقت الذي كانت فيه عجلة التكامل الأوروبي تتسارع، كان دور الاتحاد السوفياتي في تراجع وأفول. لقد كان انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي بطريقة لم يكن أحد يتوقع سرعتها، وأصبح الستار الحديدي من الحقبة السوفياتية الماضية، وكان ذلك نتيجة توقف سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تضمنت إدخال مبادئ السوق، ما قاد إلى تعطيل الاقتصاد المتهالك أصلً، وخلق ندرة في السلع، فضلً عن حركات الاستقلال والنزاعات القومية والعرقية التي كانت تتفجر على امتداد جغرافيا الاتحاد السوفياتي. كانت سيطرة النظام المركزي في موسكو على المحك، وبدأت الجمهوريات الخمس عشرة تطالب بالاستقلال والحكم الذاتي، وانتقد المحافظون سياسات الرئيس ميخائيل غورباتشوف لأنهم شعروا أنّ الاتحاد السوفياتي في طريقه إلى الانهيار، وخاصة بعد أن تم تسريب معاهدة الاتحاد الجديد للصحافة التي كان غورباتشوف بصدد توقيعها وتنص على تشكيل اتحاد جديد من الجمهوريات المستقلة. لم يكن ذلك مقبولً لدى المحافظين

  1. Maria Paola Mariani, Le relazioni internazionali dell’ U.E: Aspetti giuridici della politica estera, di sicurezza e difesa comune (Milano: giuffre` editore, 2005), p. 8.
  2. أعلن جورج مارشال، في الخامس من حزيران/ يونيو 1947 في جامعة هارفرد، عن مشروع مساعدة أميركية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في أوروبا تحت عنوان European Program Recovery، لكن المشروع ارتبط باسمه وبات يعرف بمشروع مارشال الذي رفضته دول أوروبا الشرقية التي كانت تحت تأثير نفوذ الاتحاد السوفياتي. Ibid., p. 15.
  3. الاتفاقيات المؤسسة للإتحاد الأوروبي: بدأ الاتحاد الأوروبي بتوقيع اتفاقية الجماعة الأوروبية للفحم والصلب ECSC عام 1952، اتفاقية روما المنشئة للجماعة الاقتصادية الأوروبية EEC والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية EAEC عام 1957، والقانون الأوروبي الموحد المنشأ السوق الأوروبية المشتركة عام 1985، واتفاقية ماسترخت المنشئة للاتحاد الأوروبي عام 1992، واتفاقية أمستردام عام 1997، واتفاقية نيس عام 2001، أخيرًا اتفافية لشبونة عام 2009. للمزيد انظر: Stephen George et al. (eds.), Politics in the European Union , 4 th edn. (Oxford: Oxford University Press, 2001).

المتشددين، لأنّ هذه الاتفاقية ستقوم بتفكيك القوات الإستراتيجية التي كانت مسؤولة عن الصواريخ النووية، والأمر ينطبق على قوات الدفاع الجوي، ما يعني تقسيم القوة العسكرية بين الجمهوريات وهو أمر بالغ الخطورة. حاول المحافظون من الحزب الشيوعي دفع غورباتشوف لمنعه من توقيع هذه الاتفاقية، إلّ أنهم فشلوا في ذلك، الأمر الذي دفعهم إلى القيام بانقلاب عسكري في 19 أب/ أغسطس 1991، وشكلوا لجنة الدولة للطوارئ4. كان بوريس يلتسن رئيس الجمهورية الروسية يقف ضد المحافظين الذين قادوا انقلابًا عسكريًا في موسكو، ورأى فيه خرقًا للدستور، لأنه من غير الممكن إعلان حالة طوارئ من دون وجود الرئيس ميخائيل غورباتشوف. قاد يلتسن انقلابًا مضادًا ضد المحافظين كانت نهايته انهيار الاتحاد السوفياتي وزواله قطبًا عالميًا. تزامن ذلك مع ظهور فاعل دولي جديد في النظام الدولي هو الاتحاد الأوروبي الذي تأسس بموجب اتفاقية ماسترخت عام 1992، وقد دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ عام 1993. أصبح بوريس يلتسن أول رئيس روسي منتخب، وكان موضع أمل الشعب الروسي في حياة كريمة وخروج من الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالبلاد. لكن، وأمام محاولته الإصلاحية وقعت البلاد في دوامة من الفساد وظهور الجريمة المنظمة، ما بات يعرف اليوم بالمافيا الروسية وتأثيرها السلبي في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية كافة. وفي انتخابات عام 1996 استطاع يلتسن الفوز، وأصبح رئيسًا لدورة جديدة، ولكن لم يحدث أي تغير في السياستين الداخلية والخارجية وبقيت البلاد تعاني تداعيات الفساد الاقتصادي والسياسي وتعاظم المشكلات الاجتماعية إلى أن استقال عام 1999، وترك المنصب خلفه ليأتي الرئيس فلاديمير بوتين وتبدأ معه مرحلة جديدة في العلاقات الروسية - الأوروبية التي ما زالت تحكمها الصراعات على النفوذ والتوسع. وفي هذا السياق ذهب المفكر الواقعي جون مارشهايمر إلى أنّ مغادرة القوى العالمية من وسط أوروبا، في إشارة إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع التزامات الولايات المتحدة الأمنية فيها، سيقود إلى تحول النظام في القارة الأوروبية من نظام ثنائي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب. فقد تعود كل من ألمانيا وفرنسا وإنكلترا التي صوتت في استفتاء عام في 23 حزيران/ يونيو 2016 لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وربما إيطاليا لأداء دور جديد في بنية النظام الدولي5، ما يعني بداية حقبة جديدة في العلاقات الأوروبية البينية، وهو ما يحمل معه صورة جديدة للعلاقة مع موسكو في مجالات عديدة أهمها وأبرزها مجال الطاقة.

موسكو وبروكسل: اختلاف القيم والرؤى والمصالح

تتصف العلاقات الأوروبية – الروسية بالتعقيد، إذ يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ذلك أنّ روسيا اليوم تعدّ أحد الشركاء الأساسيين في القضايا الأمنية الأوروبية، ولا يمكن الحديث عن الأمن الأوروبي من دون التطرق إلى الدور والتأثير الروسيين في المنظومة الأمنية الأوروبية. وهي أيضًا أكبر مورد للطاقة والشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي. ومن جهة أخرى، فإنّ الاتحاد الأوروبي هو أكبر مستهلك للطاقة الروسية، وتربط دول الاتحاد الأوروبي بروسيا علاقات تجارية مهمة، فقد أخذت العلاقات الأوروبية - الروسية صبغة جديدة مع توقيع اتفاقيتي بيلوفياجا6 وماسترخت، فجاءت الأولى لتعلن انهيار اتحاد وفاعل دولي (الاتحاد السوفياتي)، في حين أنّ الثانية أسست قيام اتحاد وفاعل جديد في بنية النظام الدولي (الاتحاد الأوروبي.) وفي عام 1994 وقّع الاتحاد الأوروبي مع روسيا اتفاق الشراكة والتعاون، والذي دخل حيز التنفيذ في كانون الأول/ ديسمبر 1997، ويمتد لعشر سنوات قابلة للتجديد، إذ يوفر هذا الاتفاق قاعدة انطلاق لتطوير العلاقات الروسية - الأوروبية7. وقد أدّى وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا عام 2000 إلى إعطاء دفعة قوية في إعادة ترتيب العلاقات بين موسكو وبروكسل، إذ قام مشروع بوتين الإصلاحي على إعادة بناء الاقتصاد الروسي المتهالك، وتعزيز النمو الاقتصادي، واستعادة الدور الداخلي لروسيا

  1. Ennio Di Nolfo, Storia delle relazioni internazionali:dal 1918 ai giorni nostri , 3rd edn. (Bari: editore Laterza, 2009), p. 434.
  2. John Joseph Mearsheimer, “Back to the Future: Instability in Europe After the Cold War,” International Security , vol. 15, no. 1 (Summer 1990),
  3. وقعت اتفاقية بيلوفياجا a ż Białowie في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 1991، وبموجبها تم حل الاتحاد السوفياتي وإنشاء رابطة الدول المستقلة. ترجع تسميتها بهذا الاسم نسبة إلى المكان الذي اجتمع فيه قادة كل من روسيا وأوكرانيا و بيلاروسيا. بيلوفياجا هي غابات في بيلاروسيا على الحدود مع بولندا وقد صنفتها اليونسيكو موقعًا للتراث العالمي، فقد كانت محمية صيد للملوك والنبلاء في الحقبة القيصرية، وكانت منتجعًا للقادة السوفيات فيما بعد. وتجدر الإشارة إلى أهمية الاطلاع على حيثيات اتفاقية بيلوفياجا لأهميتها في فهم الصراع الدائر حاليًا في أوكرانيا، إذ ركزت الاتفاقية في مسائل القوة العسكرية السوفياتية والصواريخ النووية وكذلك الاقتصاد، انظر: Di Nolfo, p. 395.
  4. للاطلاع على نص اتفاق الشراكة والتعاون الروسي - الأوروبي، انظر: “ Agreement on Partnership and Cooperation,” accessed on 242016/11/, at: http://bit.ly/2h3ca8K p. 7.

من خلال سيطرة الدولة على القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية وخاصة قطاع الطاقة. ترافق الاستقرار الداخلي في روسيا في عهد بوتين مع إعادة تفعيل سياستها الخارجية، وظهرت لدى موسكو رغبة في الوقوف في وجه الولايات المتحدة في حرب العراق، وتجلى ذلك في قمة سان بطرسبورغ عام 2003 التي جمعت كلً من روسيا وفرنسا وألمانيا التي عارضت الحرب على العراق في مواجهة لسياسات واشنطن. وقد رفعت هذه القمة من سقف التوقعات بإعادة توجيه السياسة الخارجية الروسية تجاه الاتحاد الأوروبي بما يتوافق مع الرؤى والتوجهات الأوروبية، ولكن في عمق إستراتيجية بوتين لم يكن الغرب في هذه الفترة إلّ وسيلة لتحقيق نوع من التوازان واستعادة روسيا لموقعها وقوتها Position/Power في بنية النظام الدولي. ولم يكن الهدف من هذا التقارب بناء تحالف إستراتيجي مع الاتحاد الأوروبي على أساس القيم المشتركة للجماعة الأوروبية، وهذا ما عب عنه ألكسندر فيرشبو8 سفير واشنطن لدى موسكو. لقد اتسم الخطاب الخارجي الروسي تجاه الاتحاد الأوروبي بين عامي 2000 و 2008 بالمهادنة. وكانت تصريحات المسؤولين الروس بأن روسيا هي جزء من أوروبا الحضارية، وقد جاء على لسان بوتين أمام البرلمان الألماني عام 2001 بأنّ روسيا جزء من أوروبا وتسعى لإقامة شراكة متينة معها، وأضاف أنه لا يمكن لأوروبا وروسيا الاستمرار في ظل النظام القديم، في إشارة إلى الحقبة السوفياتية9. وفي قمة سان بطرسبورغ عام 2003، قرر الاتحاد الأوروبي وروسيا تعزيز العلاقات بينهما، وتم إنشاء أربع مساحات مشتركة للتعاون هي التالية: منطقة اقتصادية. منطقة الأمن والعدالة والحرية. منطقة الأمن الخارجي. منطقة التعليم والبحث. لذا وضع صانع القرار الروسي المساومة هدفًا تكتيكيًا لتوفير شروط أفضل، وتعزيز موقع روسيا في إطار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. قادت سياسة المهادنة إلى نجاح الكرملين في الحصول على مكاسب اقتصادية، وقد ترجمت موسكو التحسينات في ظروفها السياسية والاقتصادية إلى نفوذ أكبر، وتحول في صورة علاقتها مع دول الاتحاد الأوروبي. وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تعزيز قبضة موسكو على احتكار توزيع الغاز لأوروبا، وقد عزز موقف موسكو وموقعها لدى الاتحاد الأوروبي، من حيث هي قوة لا غنى عنها في مجال الطاقة. وترافق ذلك مع استقرار سياسي داخلي في روسيا وتوفير أغلبية برلمانية لبوتين وحزبه "روسيا الموحدة." سن بوتين عددًا من التشريعات والقوانين التي عززت قبضته على السلطة، ما أدى إلى تشكيك في صدقية روسيا في مواصلة التزامها إصلاحات تتوافق مع قيم الجماعة الأوروبية ومعاييرها، وبالنتيجة التشكيك في نية موسكو في بناء شراكة إستراتيجية مع بروكسل. بدت روسيا غير راغبة في التكيف مع المعايير الأوروبية في حقلي السياسة والاقتصاد، الأمر الذي قاد إلى انتهاء اتفاقية التعاون والشراكة في كانون الأول/ ديسمبر 2007، مع أنّ الاتفاقية يتم تجديدها بصفة تلقائية. لقد أدرك كل من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الفدرالي الروسي أنّ اتفاق التعاون والشراكة لم يعد كافيًا لتنظيم العلاقات الثنائية، وقد تم الاتفاق على البدء في مفاوضات تنظم اتفاقًا جديدًا. وبناء عليه، بدأ الشروع في مفاوضات بين الجانيين في حزيران/ يونيو 2008، إلّ أنّ هذه المفاوضات توقفت بسبب اندلاع أزمة جورجيا. وحاول الاتحاد الأوروبي في بداية الأزمة الجورجية تبني خطاب سياسي توافقي، يدعو فيه روسيا إلى حل النزاع الدائر في جورجيا بالطرق السلمية، بعيدًا عن استخدام القوة العسكرية. لكنّ التحول في الخطاب حدث في قمة طارئة للاتحاد الأوروبي دعت إليها فرنسا في أيلول/ سبتمبر 2008 لمناقشة الأوضاع في جورجيا، إذ أبدت دول الاتحاد قلقًا بالغًا إزاء النزاع في جورجيا، وتمت إدانة روسيا لاعترافها باستقلال كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وجاء في تلك القمة دعوة موسكو إلى البدء في مفاوضات لتشكيل اتفاق شراكة وتعاون جديد10. في تلك الفترة، لم يكن إبرام اتفاق مشترك للشراكة والتعاون أمرًا سهل، فالاتحاد الأوروبي يريد اتفاقًا مُفصلً ينظم جميع مجالات التعاون الثنائي ووفقًا للمعايير الأوروبية، في حين تفضل موسكو بدلً من ذلك اتفاق إطار عام وأن تتم مناقشة كل مجال من مجالات التعاون على ح دة. بهذا تتجنب موسكو ربط التعاون مع الاتحاد الأوروبي

  1. ألكسندر فيرشبو Vershbow Alexander: عمل سفيرًا للولايات المتحدة الأميركية في موسكو بين عامي 2001 و 2005. واضطلع بمسؤولية تنسيق السياسات الأمنية والدفاعية الأميركية المتعلقة بالدول والمنظمات الدولية من أوروبا (بما في ذلك منظمة حلف شمال الأطلسي)، والشرق الأوسط وأفريقيا. انظر: “ Alexander Vershbow NATO Deputy Secretary General2012–2016 ,” NATO, accessed on 15/12/2016, at: http://bit.ly/2gOcL0a
  2. Cynthia A. Roberts, Russia and EU: The Sources Limits of Special Relationship)Pennsylvania: Strategic Studies Institute, 2007(, p. 36.
  3. للاطلاع على بيان القمة الطارئة لمجلس الاتحاد الأوروبي التي عقدت في بروكسل بتاريخ 2008/9/1، انظر: Council of the European Union, “Presidency Conclusions,” 1/9/2008, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2h49oRi

في مجالات محددة، وأهمها الطاقة، بترتيبات احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والديمقراطية من جهة. ومن جهة أخرى تتجنب موسكو مواءمة تشريعاتها مع تشريعات الجماعة الأوروبية. لذا فإنّ الاتحاد الأوروبي يدفع في اتجاه معاهدة جديدة واتفاق تعاون بضمانات قوية حول إمكانية الاعتماد على إمدادات الطاقة الروسية، وهذا لا يمكن ترجمته إلّ من خلال مطالبة روسيا بأن تحرر قطاع الطاقة، ولا سيما كسر احتكار شركة غازبروم عملاق الغاز الروسي صادرات الطاقة، والسماح بقدر أكبر للشركات الأوروبية بالوصول إلى السوق الروسية11. المشكلة الأخرى التي تواجه الاتفاق بين موسكو وبروكسل هي القيم المشتركة، إذ تقوم السياسة الخارجية الأوروبية على قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، أو على أقل تقدير التوظيف البراغماتي للقوة الناعمة Soft power التي تخدم مصالح القوى الفاعلة ضمن الاتحاد الأوروبي، في حين تقوم سياسة موسكو الخارجية على القوة الصلبة power Hard، وهذا لا يتوافق إطلاقًا مع التوجهات الأوروبية. وعلى الرغم من النشوة في العلاقات الروسية الأوروبية واستثمار موسكو لها ببراغماتية، فإنّ اختلاف القيم والرؤى وحتى المصالح جعل هذه العلاقة تتسم بالغموض وعدم الوضوح والاصطدام أحيانًا.

الاتحاد الأوروبي: سياسات التكامل

في مجال الطاقة

احتلت القارة الأوروبية مرتبة مهمة في استهلاك الطاقة، وكانت الدول الأوروبية في تنافس محموم عليها منذ الثورة الصناعية، فقد تنافست القوى الأوروبية (ألمانيا، وفرنسا، وإنكلترا، وبلجيكا) فيما بينها على الفحم مصدرًا أساسيًا للطاقة، ومع اكتشاف النفط والغار دخل التنافس مرحلة جديدة على المناطق الجيوسياسية في العالم. أصبح الذهب الأسود هو السلعة الأكثر أهمية في اقتصاديات الدول، وازداد الطلب عليه أيضًا من القوى الصاعدة في النظام الدولي كالهند والصين والبرازيل. قاد هذا الأمر إلى تغيرات جوهرية في أسعار الطاقة وأسواقها التي أصبحت تحدد سياسات الدول وإستراتيجياتها. وتمثّل الطاقة المحرك الأساسي للتصنيع في القارة الأوروبية، وارتبطت برفاه الناس وبتطور الصناعة والتنمية المستدامة، وأصبحت الطاقة تمس مسارات الحياة الاقتصادية والاجتماعية كافة. واليوم تمثّل الطاقة في الاتحاد الأوروبي أحد أهم التحديات التي يجب مواجهتها، وستبقى على قمة أجندة الاتحاد الأوروبي للسنوات الآتية. بدأت فكرة الاتحاد الأوروبي في خمسينيات القرن الماضي مع جان مونيه12 من خلال طرحه لإعادة توجيه عملية التكامل الأوروبي على أساس الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وذلك من خلال جمعية تُنشئ سوقًا أوروبية مشتركة للطاقة تحول دون حدوث أزمات في مجالات الطاقة، وكذلك تحول دون ظهور صناعات نووية قومية. لقد كان التخوف واضحًا من ألمانيا واستعادة دورها ونفوذها التوسعي. في التاسع من أيار/ مايو 1950 أعلن وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان Robert Schuman عن مبادرة إنشاء سوق مشتركة للفحم والصلب بين فرنسا وألمانيا ودول البنلوكس (هولندا، وبلجيكا، ولوكسمبورغ)، وقد قبلت الدعوة ألمانيا وإيطاليا، ووقعت الدول الست الاتفاقية المؤسسة للجماعة الأوروبية للفحم والصلب European Coal and Steel Community, ECSC في باريس في 18 نيسان/ أبريل 1951، ودخلت حيز التنفيذ في 23 تموز/ يوليو .1952 وقد كان الهدف الأساس للجماعة هو خلق حالة من الانسجام بين اقتصاديات تلك الدول والحؤول دون سيطرة إحداها على مصادر الطاقة في أوروبا، والتوسع الاقتصادي من خلال سوق مشتركة تسهم في زيادة فرص العمل ورفع المستوى المعيشي في الدول الأعضاء13. واجتمع أعضاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب في روما ووقعوا اتفاقية روما التي أسست الجماعة الاقتصادية الأوروبية، والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية. ودخلت اتفاقية روما حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/ يناير 1958، لتبدأ مع هذه الاتفاقيات محاولات جادة للعمل على تأسيس سياسة طاقة أوروبية مشتركة14. تجدر الإشارة إلى أنّ التحدي الأول الذي واجه دول المجموعة الأوروبية في مجال الطاقة كان أزمة عام 1973، إذ أظهرت خللً في أمن الطاقة من ناحيتين: اعتماد الدول الأوروبية الكبير على استيراد الطاقة من الخارج، وخاصة من منطقة الخليج العربي. أظهرت الأزمة أهمية تنويع مصادر الطاقة وضرورتها، فضلً عن البحث عن تطوير بدائل حقيقية وفاعلة.

  1. Riccardo Alcaro and Valerio Birani, “Le realzioni della Russia con la
  2. جان مونييهMonnet Jean 979-1888()1 أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، دبلوماسي ورجل دولة فرنسي أدى دورًا محوريًا في تأسيس الجماعة الأوروبية.
  3. Ugo Villani, Istituzioni di diritto dell’Unione europea , 2 nd edn. (Bari: Cacucci editore, 2012), p. 5. 14  Ibid., p. 6.
  4. Nato e l’UE,” Istituto Affari Internazionali, Roma (2008), pp. 11 - 12.

أدى هذا الأمر إلى إعادة رسم سياسات أوروبية تتلاءم مع التغيرات في قطاع الطاقة من ناحية استقرار الأسواق والأسعار والبدائل الفاعلة وقت الأزمات. أصبحت الطاقة من القطاعات الأساسية في المجموعة الأوروبية وتطورت السياسات في هذا مجال مع تطور عمليات التكامل السياسي والاقتصادي، والذي أفضى في النهاية إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي عام 1992، وفق اتفاقية ماسترخت. في كانون الأول/ ديسمبر 1995، دعمت المفوضية الأوروبية "الورقة البيضاء: سياسة الطاقة للاتحاد الأوروبي" An paper: White UE for Policy Energy، وقد تم فيها تحديد أهداف الاتحاد في مجال الطاقة15. وتهدف هذه الورقة إلى حماية الإمدادات، وكذلك خلق استقرار في السوق الداخلية للطاقة وحماية البيئة. في عام 2006، أصدرت المفوضية الأوروبية الورقة الخضراء16 تحت عنوان الإستراتيجية الأوروبية للاستدامة والتنافسية وأمن الطاقة، إذ كان الهدف الأساس منها التأسيس لسياسة أوروبية في هذا المجال. ومن بين الأهداف التي أكدتها الاستدامة والنمو الاقتصادي، وتأسيس تنافسية في مجال الطاقة، وتأمين إمداداتها للاتحاد. وقد ساهمت هذه الورقة في رسم ملامح سياسات طاقة مشتركة وكذلك الخطوط الأساسية لمستقبل سياسات الاتحاد الأوروبي في هذا المجال. يتجه الاتحاد الأوروبي اليوم إلى تنويع مصادر الطاقة كالاعتماد على الطاقة الشمسية الحرارية والشمسية الكهروضوئية والطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية17، والتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي، خاصة مع تفجر الأزمات في كل من جورجيا وأوكرانيا فقد ازدادت مخاوف دول الاتحاد من احتمال توقف إمدادات الطاقة، فضلً عن الاضطرابات القائمة في دول شمال أفريقيا وخاصة ليبيا التي تعدّ مصدرًا مهمًّ للطاقة لعدد من دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها إيطاليا، وكذا الاضطرابات في المشرق العربي التي تهدد خطوط الطاقة وطرق وصولها إلى أوروبا. كل هذه المخاوف والهواجس دفعت صانع القرار في الاتحاد الأوروبي في شباط/ فبراير 2015 إلى إعداد إستراتيجية جديدة تهدف إلى إقامة اتحاد أوروبي للطاقة يعمل على مواجهة التبيعة وضمان الإمدادات والاستدامة وتوفير القدرة التنافسية في مجال الطاقة للمؤسسات الأوروبية. ووصف ماروس سيفكوفيتش č ovi č Maroš Šef نائب رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون الطاقة الإستراتيجية بأنها مشروع أوروبي طموح في مجال الطاقة، وهو المشروع الذي سيدمج أسواق الطاقة في الدول ال 27 الأعضاء ضمن اتحاد طاقة واحد، ما يمنح المستثمرين القدرة على التنبؤ بما يحتاجون إليه بشدة لخلق فرص العمل والنمو. وأضاف أنّ التحديات السياسية خلال الشهور الأخيرة أظهرت الأهمية الحيوية لتنويع مصادر الطاقة وإمداداتها وطرق نقلها من أجل ضمان إمدادات مستقرة وآمنة ومرنة. والبيانات الحديثة الصادرة عن المفوضية الأوروبية تشير إلى أنّ الاتحاد الأوروبي يستورد 53 في المئة من إمداداته من الطاقة، وأنّ ست دول أعضاء في الاتحاد تعتمد على مصدر وحيد لاستيراد كل احتياجاتها من الغاز، في إشارة إلى روسيا، لذلك تظل هذه الدول عرضة لمخاطر اضطراب الإمدادات.

سياسات الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة تجاه روسيا: ضرورات التعاون

تمثّل الطاقة الروسية مصدرًا مهمً لمنظومة دول الاتحاد الأوروبي، وبالنظر إلى الإحصائيات المتعلقة بواردات الطاقة الروسية للاتحاد الأوروبي، يلاحظ ارتفاع نسبتها في السنوات العشر الأخيرة، إذ مثّلت ما نسبته 29.47 في المئة عام 2012. وتعود هذه العلاقة الوطيدة في مجال الطاقة إلى سبعينيات القرن الماضي، فقد تم الاتفاق بين مجموعة من الدول الأوروبية (النمسا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا) والاتحاد السوفياتي على ما عُرف باتفاق التعويضات Compensation Agreements، إذ ظهرت رغبة لدى الاتحاد السوفياتي في التوجه إلى بناء علاقات مع دول أوروبا الغربية في سبعينيات القرن الماضي لحاجته إلى رأس المال والتكنولوجيا الغربية من معدات وتجهيزات مختلفة، خاصة في حقل الطاقة، لتطوير استخراج الطاقة في منطقة سيبيريا. بموجب اتفاق التعويضات تقوم دول أوروبا الغربية بالتمويل وإرسال التكنولوجيا المتطورة للاتحاد السوفياتي، مقابل تزويد الاتحاد

  1. للاطلاع على نص "الورقة البيضاء: سياسة الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة"، 1995، انظر: European Commission, “White Paper: An energy policy for the European Union,” accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2h43IXv
  2. للاطلاع على نص "الورقة الخضراء: الإستراتيجية الأوروبية للاستدامة والتنافسية وأمن الطاقة"، 2006، انظر: European Commission, “Green Paper: A European Strategy for Sustainable, Competitive and Secure Energy,” accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/1zk3a6o
  3. تجدر الإشارة إلى أنّ الطاقة البديلة مثلت 15 في المئة من الإجمالي النهائي العام لاستهلاك الطاقة في الاتحاد الأوروبي عام 2013، وهو تقدم مقارنة بعام 2004 الذي شكلت فيه الطاقة البديلة ما نسبته 8.3 في المئة وفقًا ل "يوروستات" و"المكتب الإحصائي الأوروبي" Eurostat, the EU’s statistical office، للمزيد انظر: European Commission, “Renewable energy met 15% of EU energy demand in 2013,” ENERGY , 26/3/2015, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/1FYUgMn

السوفياتي تلك الدول بالطاقة. وقد كانت النمسا قد وقّعت أول اتفاق مع الاتحاد السوفياتي في هذا المجال عام 1968، ومن ثمّ قامت كل من إيطاليا وفرنسا وألمانيا الغربية بتوقيع اتفاق مماثل. بموجب هذا الاتفاق تم تزويد أوروبا الغربية ب 11.5 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي عام 1976، وارتفع ليصل إلى 34 مليون متر مكعب عام 1985 18.

واستمرت العلاقات في مجال الطاقة حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأصبحت روسيا خليفة الاتحاد السوفياتي شريكًا إستراتيجيًّا لمنظومة دول الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة. لذا تسعى دول الاتحاد الأوروبي للحفاظ على علاقات جيدة مع هذا الشريك الإستراتيجي، وعلى الصعيد ذاته تحاول تلك الدول جاهدة كسر حالة الاعتماد على الطاقة الروسية وتنويع مصادرها من خلال البحث عن مصادر طاقة بديلة. لكنّ دول الاتحاد الأوروبي تواجه عددًا من المشكلات فيما يتعلق بالحديث عن سياسة أوروبية في مجال الطاقة. ذلك أنّ الاتحاد الأوروبي ليس وحدة متماسكة ومنسجمة قادرة على تحديد سياسات طاقة موحدة تجاه روسيا، فعلى الرغم من أنّ دول الاتحاد تنازلت عن سيادتها في مجالات محددة كالعملة الموحدة والسوق الأوروبية المشتركة والتجارة الخارجية، فإنها ما زالت تحتفظ وبصفة كبيرة بسيادتها في مجالات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية وقطاع الطاقة. إنّ سياسات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي متفاوتة ومتباينة الرؤى والأهداف، إضافة إلى اختلاف احتياجات دول هذا الاتحاد إلى واردات الطاقة التي تحول أيضًا دون وجود توجه عام لصوغ سياسة أوروبية مشتركة. كل دولة لديها كمية مطلوبة من الطاقة تختلف عن الكمية التي تحتاجها دولة أخرى، وهذا الاختلاف في الطلب بين دول الاتحاد الأوروبي يؤثر مباشرة في علاقاتها مع مورد الطاقة، في هذه الحالة روسيا، ما يعني عدم القدرة على صوغ خطاب سياسي خارجي للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، فضلً عن عدد من الاتفاقيات الثنائية التي تربط تلك الدول بموسكو في مجال الطاقة19. وقد ظهرت محاولات أوروبية عديدة لخلق سياسة أوروبية موحدة في مجال الطاقة مع موسكو، ففي أيلول/ سبتمبر 2000 كانت خطة برودي Plan Prodi، والتي طرحها رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك رومانو برودي، تهدف إلى تعزيز الحوار مع روسيا في مجال الطاقة والعمل على تنسيق سياسات أعمق في هذا الجانب. وقد تم وفق هذه الخطة الحديث عن ضرورة مضاعفة كمية الواردات الروسية من الغاز إلى 240 مليار متر مكعب بحلول عام 2020. استمر الحوار مع روسيا بصفة منتظمة في عدة جولات في باريس في تشرين الأول/ أكتوبر 2000، وفي لندن في تشرين الأول/ أكتوبر 2005 20(. كما أنّ اتفاق الشراكة والتعاون الروسي الأوروبي PCA أكد أهمية العلاقات الروسية الأوروبية، فقد جاء في المادة 65 منه ضرورة تعزيز نوعية واردات الطاقة وأمنها. ويؤخذ على اتفاق الشراكة أنه تطرق لمجالات عديدة من التعاون بين الطرفين، إلّ أنّ الطاقة لم تحصل على نصيب وافر من التفصيل فيه21. وقد شهدت العلاقات الأوروبية - الروسية عامة تطورًا ملحوظًا بعد عام 2000، فقادت الحوارات مع موسكو إلى انفراج في العديد من الملفات منها انضمامها إلى منظمة التجارة الدولية، والتصديق على اتفاقية طوكيو عام 2004 التي دخلت حيز التنفيذ عام 2005. في مجال الطاقة، طرح الاتحاد الأوروبي في تلك الفترة مشروع نظام المراقبة لإمدادات النفط والغاز Observation System of Oil Gas and، وذلك بهدف تصميم هيكل تشريعي متماسك ضمن الجماعة الأوروبية لمراقبة فعالية توريد الطاقة وكفاءته، ما يؤدي إلى ربط روسيا بهذا النظام وتعزيز الشفافية والأمن في إمداد الطاقة22.

  1. Central Intelligence Agency, “Urss: The Role of Compensation Agreements in the Trade with the West,” (November 1978), p. 2, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2h4U2i6
  2. تستورد فرنسا طوال ال 40 عامًا الماضية من روسيا ما نسبته 20 في المئة من احتياجات السوق الفرنسية للطاقة، ويعمل في روسيا عدد من الشركات الفرنسية كشركة غاز دي فرانس وتوتال والستوم، وفي عام 2008 تم تمديد اتفاق بين شركتي غاز دي فرانس وشركة غازبروم لغاية عام.2030
  3. Pami Aalto (ed.), The EU-Russia: The Energy Dialogue: Europe’s Future Energy Security (Burlington: Ashgate Publishing Limited, 2008), pp. 98 - 99.
  4. “ Agreement on partnership and cooperation”.
  5. للمزيد من المعلومات عن المفوضية الأوروبية وتعزيز إمدادات الغاز والنفط، انظر: “ Commission Wants to Improve Security of Oil and Gas Supply,” Euractiv , 29/1/2010, accessed on 11/12/2016, at: https://goo.gl/fJEvSL

الجدير بالذكر أنّ العلاقات الأوروبية - الروسية في مجال الطاقة لم تخرج عن منطق الاعتماد المتبادل Interdependency. فمنظومة دول الاتحاد الأوروبي تقدم التكنولوجيا والتمويل لمشاريع الطاقة الروسية مقابل تزويد تلك الدول بالطاقة الروسية، ذلك أنّ روسيا ما زالت في حاجة دائمة إلى تحديث صناعاتها وتطويرها، وكذلك بنيتها التحتية من شبكات نقل الغاز والبترول والصناعات المرتبطة بها مرورًا بأمنها وسلامتها وفقًا للمعاير الأوروبية. إنّ حالة الاعتمادية التي تسعى إليها دول الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة مع موسكو تعود بالنفع على الطرفين، من خلال تحسين شبكات نقل الطاقة وتطويرها وتعزيز كفاءتها وفعاليتها في تزويد دول الاتحاد التي تحتاج إلى الطاقة باطراد. ذلك أنّ ما نسبته 14 في المئة من إجمالي 15490 كيلومترًا من أنابيب الغاز الروسي في حاجة إلى الاستبدال، كما أن 80 في المئة منها تحتاج إلى الصيانة والحماية بصفة دورية. ووفقًا لتقديرات موسكو، فإنّ هذا يعني أنها تحتاج من 480 إلى 600 مليار دولار أميركي للاستثمار في هذا المجال23، الأمر الذي يقود إلى حاجة موسكو إلى التكنولوجيا والتمويل الأوروبي، ويقوم الاتحاد الأوروبي بتغطية الطلب الروسي على صيانة شبكة نقل الطاقة لضعف إمكانيات موسكو في هذا المجال مقابل ضمان استمرار تدفقات الطاقة إلى دول الاتحاد. تجدر الإشارة إلى أنّ الاعتمادية المتبادلة في مجال الطاقة بين موسكو وبروكسل لا يمكن وصفها دائمًا بالناجحة، فهي يتخللها العديد من العوائق والمشكلات، وذلك لاختلاف الرؤى والمصالح والقيم المشتركة بين الطرفين، والأمثلة على ذلك خط أنابيب ساوث ستريم South Stream وخط نابوكو Nabucco والتصديق على ميثاق الطاقة24. ترى موسكو أنّ ميثاق الطاقة الأوروبي غير قادر على حل كل المسائل العالقة وتسويتها، وأنّ الميثاق من وجهة نظر روسية هو بمنزلة محاولة أوروبية لوقف احتكار موسكو للطاقة، كما أنه يركز على ضمان حقوق المستهلكين25. ولا تُتَوج الإستراتيجيات الأوروبية دائمًا بالنجاح في التعامل مع موسكو، الوصول فالعديد من القضايا والمسائل بقيت معلقة وفشلت الأطراف في إلى حل توافقي لاختلاف المصالح بين الدول الأعضاء. وظهر ذلك جليًا في السنوات الخمس الأخيرة، إذ دخلت العلاقات الأوروبية - الروسية مرحلة جديدة عنوانها التصادم. كان للأزمات في كل من جورجيا وأوكرانيا وسورية وكذلك أزمة نشر الدرع الصاروخية في بولندا تأثير سلبي في العلاقة مع موسكو. فقد أعلنت المفوضة الأوروبية للسياسة الخارجية فيدريكا موغيريني في ختام اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في بروكسل في 19 كانون الثاني/ يناير 2015، بأن الاتحاد مستعد لتفعيل التعاون الدبلوماسي مع موسكو من أجل تسوية عدد من القضايا الملحة وعلى رأسها أزمة أوكرانيا. وأكدت موغيريني أن الاتحاد سيواصل الضغط على موسكو عن طريق العقوبات ما لم تغير موقفها من الصراع الدائر في شبه جزيرة القرم26. في السياق ذاته فإن سياسات الرئيس فلاديمير بوتين لم ترُق للرأي العام الأوروبي، وخاصة بعد تضييقه على الحريات والديمقراطية في البلاد، وما قامت به حكومته عام 2003 مع شركة يوكوس التي مثّلت تهديدًا لحكم بوتين. فقد دفعت الحكومة الروسية تلك الشركة إلى حافة الإفلاس وتم إلقاء القبض على مالكها ميخائيل خودوركوفسكي، بسبب مواقفه المعارضة للرئيس بوتين وارتباطه بالولايات المتحدة ودول أوروبية من ناحية، وتأثيره في البرلمان الروسي فميخائيل كان ذا تأثير مباشر في عدد من الكتل الحزبية الروسية من ناحية أخرى. وعلى الرغم من تدهور العلاقات الأوروبية - الروسية منذ حرب الغاز الأوكرانية عام 2006 والحرب الجورجية في آب/ أغسطس 2008، فإنّه يمكن القول إنّ ألمانيا هي الدولة الأقرب إلى موسكو مقارنة بباقي دول الاتحاد. ففي الوقت الذي يعمل عدد من قادة دول الاتحاد وخاصة في شرقه على تطبيق إستراتيجيات احتواء لموسكو الصاعدة ومقاطعتها وعزلها، نجد أنّ برلين تدفع في اتجاه التعاون مع موسكو. ويمكن وصف العلاقة بين برلين وموسكو بالإستراتيجية، منذ وصول المستشار الألماني غرهايرد شرويدير إلى السلطة في ألمانيا، وهو يدعم بناء علاقات إستراتيجية مع موسكو في المجالات كافة، وخاصة مجال الطاقة. وقد عقد الطرفان عددًا من الاتفاقيات الثنائية التي يتعارض بعضها مع مصالح دول أوروبا الشرقية. واستمرت السياسة الخارجية الألمانية تجاه موسكو على الوتيرة نفسها في عهد المستشارة أنجيلا ميركل التي أبدت تحفظًا على إنشاء سوق أوروبية مشتركة للطاقة، ما قد يسبب تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، كذلك تحفظت على خطط واشنطن نشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا التي تنظر إليها برلين على أنها منطقة نفوذها الإستراتيجي، فضلً عن عدم وضوح جورجيا ومحاولاتها الحثيثة لحل أزمة أوكرانيا موقف برلين من أزمة

  1. Cheng Jian, Relations Between Russia and Euorope from the Prespective of Energy Strategy (Hamburg: Institut für Friedensforschung und Sicherheitspolitik, 2008), p. 13.
  2. للاطلاع على نص الميثاق كاملً، انظر: Energy Charter Secretariat, “The Energy Charter Treaty, Trade Amendment and Related Documents,” accessed on 7/12/2016, at: http://bit.ly/2hQGMuc
  3. 26 موغيريني: الاتحاد الأوروبي مهتم بحوار سياسي مع روسيا حول عدد من القضايا الدولية"، روسيا اليوم، 2015/1/19، شوهد في 2016/11/24، في: https://goo.gl/wKF8sM
  4. 25  Andrei Balyei, “Russian’s Position in the Enrgy Chatrer,” Chatham House, Meeting Summary: Russia and Eurasia Programme (April 2012), p. 3, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2g6YSru

بالطرق السلمية بعيدًا عن أي تصعيد مع موسكو. وقد وتضاعفت المبادلات التجارية بين برلين وموسكو 4 مرات من 15 مليار يورو عام 1998 إلى 68 مليار يورو عام 2008. وقد افتتحت المستشارة أنجيلا ميركل مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ورئيس وزراء فنلندا عام 2011 خط أنابيب الشمال لتزويد ألمانيا بالغاز الروسي مباشرة من بحر البلطيق، ويبلغ طول الخط الذي أطلق عليه نورد ستريم Stream Nord نحو 2300 كيلومتر وبقدرة نقل 55 مليار متر مكعب سنويًا. وقد بنته مجموعة من الشركات العاملة في حقل الطاقة، هي Gasprom بنسبة 51 في المئة، و BASF/ Wintershall بنسبة 20 في المئة، وgas Ruhr E.ON بنسبة 20 في المئة، وGasunie بنسبة 9 في المئة27. ولا بد من التأكيد أنه على الرغم من محاولات دول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على علاقة متوازنة مع موسكو في مجال الطاقة، فإنّ هذه الدول تسعى جاهدة لتنويع مصادر الطاقة. ووفقًا لهذه الرؤيا ظهر مشروع من منظمة غير ربحية تسمى Foundation Desertec، وهي تهدف من خلال مشاريعها العديدة إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية بديل صديقًا للبيئة بدلً من النفط والغاز، وتخفيف الاعتماد على الطاقة الروسية، من خلال بناء شبكة من الخلايا الشمسية في كل من شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط. ويطمح الخبراء وفق هذا المشروع إلى أن يزود تلك الدول بالطاقة اللازمة لتوليد الطاقة الكهربائية، وكذلك سد ما نسبته 15 في المئة من احتياجات دول الاتحاد الأوروبي إلى الطاقة بحلول عام 2050. فالصحارى في تلك الدول مكان نموذجي لاستثمار الطاقة الشمسية في توليد الطاقة، لكن لم ترَ هذه المحاولات النور، وخاصة بعد قيام الثورات العربية في مطلع عام 2011، الأمر الذي حال دون استقرار دول شمال أفريقيا (مصر، وتونس، وليبيا)، ذلك أنّ تطبيق مثل تلك المشاريع يحتاج إلى حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي. وعلى الصعيد ذاته، تحاول دول منظومة الاتحاد الأوروبي تنويع مصادر الطاقة من خلال بناء علاقات إستراتيجية في مجال الطاقة مع دول آسيا الوسطى، والتي كانت سابقًا جزءًا من منظومة دول الاتحاد السوفياتي، وخاصة كازخستان وتركمانستان وأذربيجان التي تحتوي احتياطات كبيرة من النفط والغاز. وفي المقابل تحاول تلك الدول أن تؤدي دورًا حيويًا في لعبة الطاقة العالمية، فهي تتموضع في موقع جيوستراتيجي بين آسيا وأوروبا، بين بحرين بحر القوقاز والبحر الأسود، حيث يوجد خط نابوكو الذي تم تشييده ليكون قادرًا على إيصال الغاز من تركمانستان من دون المرور بالأراضي الروسية، فهو يقلل من الاعتماد على الطاقة الروسية ويحرم موسكو من ميزة نقل الطاقة عبر أراضيها، الأمر الذي جعلها تنظر إلى خط نابوكو على أنه لا يخدم مصالحها. وتفضل موسكو خط ساوث ستريم الذي شرعت في إنشائه بالتعاون بين شركتي غازبروم الروسية وإني الإيطالية Eni عام 2007. ويتألف من قسم تحت الماء بطول 930 كيلومترًا عبر البحر الأسود في المياه الإقليمية الروسية والبلغارية والتركية، وأجزاء من أراضي بلغاريا وصربيا والمجر وسلوفينيا وإيطاليا حتى تارفيزيو في مقاطعة أوديني.

وفي الفترة بين عامي 2008 و 2011، تم توقيع جميع الاتفاقات والترتيبات مع كل حكومات الدول التي سيمر بها خط ساوث ستريم. لكن مع اندلاع الأزمة الأوكرانية مارست واشنطن ضغوطات على دول الاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، وبناء على ذلك أعلنت بلغاريا عن توقف العمل بمشروع خط ساوث ستريم. رفضت المفوضية الأوروبية المشروع تحت مبررات انتهاك قوانين الاتحاد الخاصة بالمنافسة التجارية، كما أنّ الرئيس فلاديمير بوتين حمّل دول الاتحاد الأوروبي مسؤولية توقف العمل بهذا المشروع، وخلال زيارته لتركيا أعلن أنّ بلاده ألغت مشروع ساوث ستريم، وأنها تدرس عوضًا عن ذلك إنشاء مجمع للغاز على الحدود التركية اليونانية28. وظهرت مرة أخرى حالة من عدم الانسجام والتوافق بين دول الاتحاد الأوروبي في الموقف من خط ساوث ستريم Stream South. وعلى الرغم من الجهد الذي تبذله المفوضية الأوروبية لتأسيس سياسة مشتركة أوروبية في مجال الطاقة، فإنّ القوة ما زالت بيد الدول القومية الأوروبية، إذ ترى دول أوروبا الشرقية أنّ خط نورد ستريم بين روسيا وبرلين يعود بالنفع على ألمانيا وليس على بولندا ودول البلطيق، وكذلك نابوكو وخط ساوث ستريم سيعظمان مصالح بعض دول الاتحاد الأوروبي. وبناء عليه، فإنّ دول الاتحاد تنظر إلى روسيا من خلال احتياجاتها وموقعها الجيوسياسي على أنها شريك في مجال الطاقة وكذلك خطر يهدد أمنها القومي لا مفر من التعامل معه.

  1. Immanuel Wallerstein, “Nord Stream, un fatto tra tanti non- avvenimenti,” Diciottobrumaio , 23/11/2011, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2hwjsFy
  2. Nicolò Sartori, “Putin chiude l’autostrada del gas di South Stream,” AffarInternazionali , Istituto Affari Internazionali, 2/12/2014, accessed on 23/11/2016, at: http://bit.ly/2hz6y6P خريطة توضح خط نورد ستريم Nord Stream المصدر: Friedbert Pflüger, “Can Nord Stream 2 be stopped?” Energypost , 142016/4/, accessed on 82016/12/, at: http://bit.ly/2gO6UYS خريطة توضح خط نابوكو Nabucco المصدر: “Nabucco Gas Pipeline Project,” Cambridge Forecast Group Blog, 122008/10/, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2g8x4qF

إستراتيجية موسكو في مجال الطاقة: تحديات التنافس

على الرغم من أنّ روسيا ليست مثل أي "دولة أوروبية"، فإنها تظل قوة إقليمية رئيسة، ومن غير الممكن أن تتجاهلها أوروبا، فهي قريبة جغرافيًا، وتمتلك قدرات نووية وعسكرية، وغنية بموارد الطاقة. في المقابل لدى موسكو رغبة في استعادة مكانتها المفقودة، خاصة أنها تُعد واحدة من القوى الصاعدة في النظام الدولي إلى جانب الصين والهند والبرازيل (دول البريكس)، إذ شهدت تلك القوى الصاعدة نموًا اقتصاديًا جعلها قادرة على الاضطلاع بدور بارز في المسرح الدولي29. وقد أدت روسيا القيصرية والسوفياتية دورًا مؤثرًا في السياسات الدولية، وتطمح روسيا اليوم إلى استعادة هذا الدور المفقود، وأن يكون لها بصفتها قوة صاعدة تأثير في السياسة الدولية. ظهر هذا الطموح جليًا مع وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم، محاولًاستعادة مكانة روسيا من بوابة الطاقة التي يزداد الطلب العالمي على مصادرها المتنوعة. وهذا يعني عودة لدور أشد تأثيرًا في السياسة الدولية، وهي التي تمتلك موقعًا جيوسياسيًّا مهمًّ، وتمتلك موارد هائلة من الطاقة. فبعد أن كانت قوة الاتحاد السوفياتي تتجسد خاصة في قوته العسكرية النووية، فإن روسيا اليوم تعتمد أساسًا على قوتها في مجال الطاقة التي تمثّل أداة فاعلة من أدوات سياستها الخارجية. واتسمت علاقة روسيا بأوروبا بمحاولات الأخيرة في تسعينيات القرن الماضي احتواء موسكو وضمها لتصبح جزءًا من المنظومة الغربية. لم تلق

مليار متر مكعبالسنة
580.12005
595.22006
592.12007
601.82008
572.72009
588.92010
6072011
592.32012
604.82013
6402014
573.32015

هذه المحاولات صدى لدى صانع القرار الروسي الذي لديه طموحات إمبراطورية في تأسيس سياسة خارجية ودفاعية مستقلة عن سياسات منظومة دول الاتحاد الأوروبي، وأن يكون التعاون قائمًا معها على أساس تعظيم مصالح روسيا القومية. وفي الوقت ذاته، نجد روسيا تملك أوراقًا إستراتيجية عديدة في رسم سياستها الخارجية وعلى رأسها الطاقة، فموسكو من أكبر منتجي الغاز الطبيعي وبلغ إنتاجها السنوي 573.3 مليار متر مكعب عام 2015، ويبلغ احتياطي روسيا من الغاز الطبيعي 1.688 ترليون متر مكعب وفقًا لإحصائيات مجلة النفط والغاز لعام 2015، أي ما نسبته 25.02 في المئة من الاحتياطي العالمي وتأتي في المرتبة الأولى عالميًا، تليها إيران باحتياطي 1.187 ترليون متر مكعب بنسبة 15.57 في المئة من الاحتياطي العالمي، وتأتي قطر في المرتبة الثالثة باحتياطي 885 ترليون متر مكعب بنسبة 13.39 في المئة من الاحتياطي العالمي30. كما تحتل موسكو المرتبة السابعة في امتلاك احتياطات النفط عالميًا، وتتركز تلك الاحتياطات في غرب سيبيريا والأورال وشمال القوقاز، فقد بلغ إنتاجها من النفط في النصف الأول من عام 2016 نحو 10.843 ملايين برميل يوميًا، وبلغت صادراتها من النفط الخام في النصف الأول من العام نفسه نحو 5.55 ملايين برميل يوميًا، بنسبة زيادة 4.9 في المئة مقارنة بالفترة نفسها في العام الماضي، وخلال عام 2015 ارتفعت النسبة إلى أكثر من 5.5 في المئة وقد وصلت إلى 97.6 مليون طن. كما تؤمّن روسيا 25 في المئة من احتياجات أوروبا النفطية. ويعدّ النفط الروسي Urals() منافسًا قويًا لنفط إيران التي بدأت تعود إلى سوق الطاقة بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني ورفع العقوبات عنها. فقد تضاعفت صادرات إيران من النفط ووصلت إلى 2.1 مليون برميل يوميًا منها نحو 445 ألف برميل لدول الاتحاد الأوروبي، مقارنة ب 600 ألف برميل كانت تصدرها عام 2012، ما يجعل إيران منافسًا حقيقيًّا لروسيا في سوق أوروبا للطاقة إلى جانب المملكة العربية السعودية، خاصة بعد قيام عدد من مصانع تكرير النفط الأوروبية بشراء النفط السعودي الذي بدأ بتعزيز وجوده هو الآخر في سوق الاتحاد الأوروبي.

إنتاج روسيا السنوي من الغاز الطبيعي

  1. كارن أبو الخير، "عالم بلا أقطاب: الحقائق الاستراتيجية الجديدة في النظام الدولي"، السياسة الدولية، شوهد في 2016/11/23، في: http://bit.ly/2hz4xrr
  2. U.S Energy Information Administration (EIA), “Country Analysis Brief: Russia,” 25/10/2016, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2gB2mm5 المصدر: BP Statistical Review of World Energy, June 2016, “Natural gas: Production in billion cubic metres,” p. 22, accessed on 29/11/2016, at: http://on.bp.com/2bSW4Mf

هذه الإمكانيات الهائلة من الطاقة تجعل روسيا دولة ذات دور فاعل في خريطة الطاقة العالمية، ومن ثمّ في السياسات الدولية، ولكن وجود منافسين حقيقيين لها يدفعها إلى تطوير إستراتيجياتها في مجال الطاقة. ففي آب/ أغسطس 2003، طورت موسكو إستراتيجية الطاقة للاتحاد الفدرالي الروسي قبل عام 2020، وتمثّل هذه الإستراتيجية الإطار الواسع لسياسات موسكو في هذا المجال. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تقليل التأثير في البيئة تحقيقًا لمفهوم الاستدامة والتطور من خلال زيادة الكفاءة والفعالية لقطاع الطاقة، الأمر الذي يتطلب سلسلة من التعزيزات والإصلاحات الهيكلية والعمل على تقليل سعر الطاقة وتطوير الصناعات المرتبطة به، وهذا الأمر يجعل موسكو قوة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. ووفقًا لهذه الإستراتيجية فإنه من المتوقع أن يرتفع الناتج القومي الروسي بمعدل زيادة من 4.7 في المئة إلى 5.2 في المئة سنويًّا، ويتزامن ذلك مع نمو اقتصادي وعدم تجاهل ارتفاع نسب الاستهلاك المحلي للطاقة. وإلى جانب الطاقة المستخرجة من باطن الأرض، تعتمد روسيا أساسًا على الطاقة النووية عبر شبكة من المحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية التي تؤمن مصدرًا أساسيًا ومستقرًا للطاقة الكهربائية. وتسعى موسكو وفقًا لإستراتيجية الطاقة إلى زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية عبر شبكة المفاعلات النووية السلمية لتصل إلى ما بين 25 في المئة و 30 في المئة بحلول عام 2030. وهي تزود المفاعلات النووية السلمية اليوم ب 16 في المئة من الطاقة الكهربائية الروسية. كما تعتمد موسكو على المحطات الحرارية التي تعمل بالفحم، ولها دور أساسي في المساهمة في تزويد السوق المحلية بالطاقة، فضلً عن عدد من الأنهار التي تعدّ مصدرًا مهمًّ لتوليد الطاقة في روسيا. وعلى الرغم من محاولات الرئيس بوتين إعطاء أهمية كبرى لقطاع الطاقة بصفتها أداة اقتصادية لتحقيق النمو والاستقرار الداخلي، وكذلك استخدامها أداة من أدوات السياسة الخارجية المؤثّرة، فإن عقبة أساسية تواجهه هي احتياجات السوق المحلية الروسية للطاقة، إذ لا تغطي الإستراتيجية الروسية للطاقة متطلبات السوق المحلية والسوق الخارجية، لذا تبرز محاولات صانع القرار الروسي العديدة للتوجه شرقًا في محاولة للبحث عن أسواق جديدة. ففي عام 2008، تم وضع الخطوط العريضة لإقامة منشأة تصدير الغاز الطبيعي المسال على جزيرة سخالين قبالة الساحل الروسي الشرقي، وقد تم إبرام الاتفاق مع شركة طوكيو غاز لتوريد الغاز الطبيعي لليابان. كما وقّعت شركة غازبروم وشركة البترول الوطنية الصينية)CNPC(اتفاقًا في 21 أيار/ مايو 2014، ينص على توريد موسكو نحو 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا إلى الصين عبر أنابيب تربط حقول النفط في سيبيريا بنقاط الاستهلاك الرئيسة في الصين، وتقدر قيمة الصفقة ب 400 مليار دولار أميركي31. وتطمح موسكو أيضًا إلى اقتحام سوق النفط الأميركية التي تمثّل أكبر مستورد للطاقة عالميًا، وقد تم تسليم أول دفعة من النفط الروسي إلى الولايات المتحدة عام 2002، وشجع ذلك خط أنابيب يربط سورغوت غرب سيبيريا ومورمانسك الشمال، ويتيح الخط وصول الناقلات النفطية الأميركية إلى مرفأ جديد في بحر بارنتس. وعلى الرغم من ازدياد عدد الدول المتعطشة إلى الطاقة، ما يعطي روسيا ميزات اقتصادية وسياسية في سوق الطاقة الدولية، فإن صادرات روسيا تبقى غير كافية لتأمين الطاقة للسوق الأوروبية وكذلك تغطية احتياجات السوق المحلية، إضافة إلى ضعف البنية التحتية في قطاع الطاقة الروسي، ما يجعل من الصعوبة إعادة توجيه خطوط تصدير الطاقة الروسية من الغرب في اتجاه الشرق، فضلً عن الأزمات التي تعرفها روسيا في أوكرانيا وجورجيا والتدخل العسكري في سورية. كل هذه العوامل تجعل مسألة تمويل تطوير مشاريع في قطاع الطاقة أمرًا صعبًا في بيئة استثمار غير مستقرة، علاوة على العقوبات الأوروبية والأميركية المطبقة على قطاع الطاقة الروسي، خاصة بعد اندلاع الأزمة في أوكرانيا. فقد منعت الولايات المتحدة وصول شركات نفط روسية إلى أسواق العاصمة واشنطن دي سي منها (Novatek, Rosneft, Transneft, Gazprom Neft)، إضافة إلى منع تصدير عدد من السلع والخدمات والتقنيات المتقدمة إلى موسكو. ومع ذلك سيبقى الاتحاد الأوروبي في المدى المنظور المستهلك الأول للطاقة الروسية.

سياسات الطاقة الروسية تجاه الاتحاد الأوروبي: ضغوط الصراع

ينطلق المنظور الواقعي في العلاقات الدولية من افتراض أنّ الدولة هي الفاعل الأساسي في النظام الدولي الذي يوصف بالفوضوي Anarchy أي غياب السلطة المركزية التي تفرض القواعد والنظام، ومن ثمّ تكون التنافسية هي السمة المميزة للنظام الدولي. ويعدّ مبدأ المساعدة الذاتية Self help الوسيلة الأساسية للكفاح من أجل البقاء في النظام الدولي. وبناء عليه، فإنّ الهدف الأساسي للدول هو تعظيم قوتها وضمان ديمومة مصالحها وأمنها القومي، والتقليل من فقدان القدرة على التأثير والنفوذ من خلال سلوك عقلاني.

  1. موسكو وبكين توقعان على صفقة ضخمة لتوريد الغاز الروسي إلى الصين"، روسيا اليوم، 2014/5/21، شوهد في 2016/11/27، في: https://goo.gl/2KoVRd

في نظام دولي يتسم بالفوضى Anarchy، يكون توازن القوى Balance Power هو الوسيلة لتحقيق نوع من الاستقرار في بنية هذا النظام وفق المنظور الواقعي. وطالما أنّ الهيمنة تعدّ خطرًا في النظام الدولي، فمن الضروري السعي لتحقيق هذا التوازن في القوى مع الدول التي تسعى للهيمنة والوقوف دون طموحاتها التوسعية32.

وبناء عليه، فإنّ الإستراتيجية الروسية في مجال الطاقة تتسم بالواقعية، فموسكو تتعامل ببراغماتية مع قواعد التعاون ومعاييره التي تحاول فرضها دول الاتحاد الأوروبي. ويظهر ذلك من خلال عدم التزامها في كثير من الأحيان الرؤى والقيم والمعايير الأوروبية للتعاون في مجال الطاقة. ذلك أنّ موسكو تؤكد دائمًا أنّ التعاون في هذا المجال يقلل من تحقيق مصالحها القومية، وأنّ منظومة الاتحاد الأوروبي تستخدم تلك المعايير والقواعد استخدامًا براغماتيًّا يهدف إلى تعزيز مواقعها ومصالحها في سوق الطاقة الروسية من جهة، وتعزيز وجودها في مناطق نفوذ روسيا من جهة أخرى. كما تقرأ موسكو توسع الاتحاد الأوروبي شرقًا بأنه خطر على نفوذها ومحاولة أوروبية للحد من دور روسيا في شرق القارة الأوروبية. وطالما أنّ روسيا هي قطب مرشح في النظام الدولي تقوم بالتفاعل مع وحداته المختلفة على أساس تعظيم مصالحها وزيادة دورها ونفوذها، فقد بات من الضروري أن تحدث توازنًا مع الأقطاب الأخرى الصاعدة في بنية هذا النظام ومنها الاتحاد الأوروبي. إنّ التعامل البراغماتي الروسي مع مقاربات الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة ينطلق من إدراك موسكو للأبعاد الجيوسياسية في سياسات الطاقة التي تحول دون قبولها وتعاملها بحذر مع تلك المقاربات، وتعمل موسكو على استخدام الطاقة أداة للسياسة الخارجية الروسية من خلال تمكين الدولة من السيطرة المطلقة على قطاع الغاز الطبيعي. إنّ المتابع للفترة الرئاسية لفلاديمير بوتين، بين عامي 1999 و 2008، يلاحظ أنّ نهجه واقعي بامتياز، وقد ظهر جليًا في إنشائه قوة روسية دولية في مجال الطاقة Energy Superpower، وتعزز هذا الهدف مع جملة المبادرات والتشريعات التي حالت دون خصخصة قطاع الطاقة لتبقى الدولة هي المسيطر عليه. وفي الوقت الذي يتم الضغط على موسكو لتحرير أسواق الطاقة من جانب الاتحاد الأوروبي، فإنها ترفض ذلك كليًّا وتحاول ممارسة الهيمنة المطلقة على قطاع الطاقة من خلال شركة غازبروم التي تم انشاؤها عام 1989 بديلً من وزارة الغاز السوفياتية السابقة Soviet Ministry of Gas Industry، وتملك أكبر شبكة خطوط أنابيب نقل الغاز في العالم. وقد عي بوتين، منذ توليه رئاسة الاتحاد الفدرالي الروسي عام 2000، ديمتري ميدفيديف رئيسًا للمجلس الإداري لشركة غازبروم، وحال دون المحاولات الرامية إلى كسر احتكارها قطاع الطاقة في روسيا، وقد زاد الكرملين من حصته في شركة غازبروم عام 2005 بنسبة 51 في المئة33. وهكذا، أنشأت الإدارة الرئاسية الروسية نوعًا من الهيمنة على اكتشاف الغاز ونقله عبر الأراضي الروسية وكذلك خارجها من خلال شركة غازبروم، والتي تجاوزت دورها من حيث هي شركة تجارية لتقوم بعمل وزارة الخارجية الروسية، وحتى أن تكون مرادفة للكرملين ذاته. إنّ هذه السيطرة السياسية على غازبروم واحتكارها عمليات النقل والاستخراج يجعلها أداة فعالة بيد الكرملين في تنفيذ السياسة الخارجية. ففي الوقت الذي تدفع منظومة الاتحاد الأوروبي في اتجاه عدم تسيس قطاع الطاقة الروسي وخلق حالة من التعاون، فإنّ وزارة الطاقة الروسية تنص صراحة على أنّ موارد الطاقة الروسية أداة فعالة لإدارة السياسة الداخلية والخارجية الروسية. وقد استخدم الكرملين صادرات الغاز وسيلة لفرض نفسه وتأكيد دوره على دول المحيط المجاورة في مناسبات عديدة حتى قبل أزمة عام 2006، فقد استُخدمت سياسة تخفيض إمدادات الغاز لدول البلطيق لفرض الضغط عليها في أثناء النزاع حول الأقليات وتموضع المنشآت العسكرية الروسية في دول البلطيق بين عامي 1992 و 1993، وكذلك وفي الفترة نفسها استخدمت موسكو قطع إمدادات الغاز خلال النزاع مع أوكرانيا بشأن أسطول البحر الأسود. إنّ سياسة الطاقة الروسية يمكن النظر إليها على أنها محاولة من صانع القرار الروسي للحفاظ على القوة ضمن تصور الامتداد الجغرافي للنفوذ القديم ضمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ومن ثم

  1. Kenneth Waltz, Teoria della politica internazionale (Bologna: Società editrice il Mulino, 1997), p. 202.
  2. بوتين يدير "المشروع السوفيتي" شركة غازبروم النفطية سلاح سياسي في ترسانة الاقتصادية روسيا"،، العدد 4553 30)   آذار/ مارس 2006(، شوهد في 2016/11/24، في: http://bit.ly/2hQyPVF

تستخدم موسكو ملف الطاقة في مواجهة تمدد الاتحاد الأوروبي شرقًا، فقد ظهرت المواجهة جلية بين موسكو وبروكسل في مناطق جيوسياسية كجورجيا وأوكرانيا. ويقوم الاتحاد الأوروبي على نحو فعال خلال العقدين الأخيرين باقتطاع المجال الحيوي لروسيا والسيطرة عليه سياسيًا واقتصاديًا، إذ تم دمج العديد من مناطق النفوذ السابقة للاتحاد السوفياتي في منظومة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ما أفقد روسيا جزءًا كبيرًا من نفوذها في هذه المنطقة. لقد تم استغلال تراجع القوة الصلبة لموسكو اقتصاديًا وعسكريًا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولم يكن لديها ما تقدمه من حيث القوة الناعمة التي تمكنها من أن تنافس المكاسب الاقتصادية والأمنية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لتلك الدول. علاوة على ما سبق ذكره، تعددت محاولات الاتحاد الأوروبي لإقناع دول منطقة بحر قزوين بتوقيع جدول أعمال اقتصادي وتشريعي، وهذا يتعارض مع طموحات موسكو الإقليمية، إذ ينظر إلى تلك المناطق على أنها أيضًا مناطق نفوذ تاريخي لمصالح موسكو، ومن ثمّ فمن غير المعقول أن تتحول إلى مناطق لها ارتباط عضوي بمنظومة الاتحاد الأوروبي، ما يعني بالنسبة إلى موسكو خسارة نفوذها الجيوسياسي في هذه المناطق. إنّ زيادة نفوذ الاتحاد الأوروبي يغذي لدى صانع القرار الروسي هذا الانطباع من خلال محاولات الاتحاد تنويع مصادر الطاقة وخلق خطوط التفافية لنقل الطاقة كخط إمداد الطاقة نابوكو وخلق ممرات جديدة للطاقة، الأمر الذي ينظر إليه على أنه محاولة أوروبية ضد غازبروم. أضف إلى ذلك التحول الكبير في توقيع اتفاق الإطار مع طهران بشأن الملف النووي الإيراني، ما يدفع الشركات الأوروبية للاستثمار في الطاقة الإيرانية ضمن إستراتيجية الاتحاد الأوروبي لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. واقتراب طهران من الغرب يعني تنافسًا مع روسيا وهي انزياح جيوسياسي في آسيا الوسطى. ويُقر المسؤولون الأوروبيون بأن تكون إيران بديلً يجهّز الغاز لأوروبا في المستقبل، وذلك في إطار جهدهم المبذول مؤخرًا للتقليل من الاعتماد على الواردات الروسية. وقد صرح نائب وزير النفط الإيراني علي مجيدي في وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بأنّ الغاز الطبيعي الإيراني هو المنافس الوحيد لروسيا في أوروبا. وتابع قائلً بأنه يمكن للدول الأوروبية استيراد الغاز الإيراني من خلال ثلاث طرق منفصلة: تركيا، والعراق أو خط أنابيب يمر عبر أرمينيا وجورجيا، ومن ثم تحت البحر الأسود34. إنّ أهمية قطاع الطاقة في تحقيق الانتعاش الاقتصادي الروسي تجعل مسألة تطبيق قواعد السوق في هذا القطاع أمرًا يستبعده صانع القرار الروسي. وروسيا التي استخدمت المهادنة في الفترة التي استعادت فيها قوتها ونفوذها تسعى اليوم لضمان موقع لها في بنية النظام الدولي، من خلال عناصر قوتها العديدة وعلى رأسها قدراتها في مجال الطاقة. كما أنّ قبول روسيا مطالب الاتحاد الأوروبي في البداية لا يعني مطلقًا أنها أصبحت جزءًا من منظومة دول الاتحاد الأوروبي. فهي اليوم ترفض وبحزم إغراءات عروض الطاقة الغربية وتحاول تسخيرها لتكون أداة فعالة لاستعادة دورها ونفوذها. إنّ سياسات الطاقة الاحتكارية الروسية هي حيوية وأساسية بالنسبة إلى الموارد والأرباح، ومن ثم القوة والنفوذ بصفتها قطبًا في مجال الطاقة، ذلك أنّ الاتحاد الأوروبي لا يملك إلّ القليل لتقديمه لموسكو لتشجيع الروس على توقيع اتفاق تعاون في إطار الطاقة يتوافق مع المعايير والقيم الأوروبية. لكن وعلى الرغم من قدرة المنظور الواقعي على تحليل سياسات الطاقة الخارجية الروسية، فإنّ للنظرية الواقعية أوجه قصور في تفسير سياسات موسكو في مجال الطاقة على المستوى الداخلي المحلي، ذلك أنّ الطاقة مسيسة في روسيا داخليًا ويرجع ذلك إلى التزام موسكو توريد الغاز للسوق المحلية، والذي يمثّل نسبة كبيرة ويدخل في الصناعات المحلية، ولذا يتم استخدام أكثر من ثلثي إنتاج روسيا من الغاز سنويًا للاستهلاك المحلي والصناعات والنقل والتدفئة، والدعم الحكومي ملزم ومكلف جدًّا لشركة غازبروم، ويثقل الاقتصاد الروسي ذلك أنّ شركة غازبروم تسعى لكسب العائدات التي يمكن أن تعوض خسارتها في السوق المحلية. وتجدر الإشارة إلى أنّ رؤية موسكو في مجال الاستخدام الإستراتيجي لصادرات الطاقة وسيلة لاستعادة الدور والنفوذ أمر مبالغ فيه، لا سيما قدرة موسكو على استثمار القدرة التصديرية أمام ضعف التمويل في إنتاجها الخاص، وقد تفاقم ذلك الأثر على نطاق استثمارات النقل والإنتاج. أضف إلى ذلك زيادة الرقابة الحكومية على قطاع الطاقة الروسي، ووجود إطار تشريعي يحمي جهات خاصة من الدولة ويساعد الحكومة على التدخل التعسفي بما يخدم مصالحها. كل ذلك قاد إلى تهميش الشركات الخاصة، وهو ما يسبب خسائر كبيرة في الإنتاجية، وقضية حرق الغاز مثال توضيحي لهذه المشكلة، بسبب احتكار شركة غازبروم استخراج الغاز الطبيعي وبيعه ونقله، فإنّ شركات النفط في روسيا غير قادرة على بيع الغاز المستخرج مع النفط وتلجأ إلى حرقه. وعلى الرغم من تسييس الطاقة في روسيا، فإنّ العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ضرورية في المرحلة الحالية، ذلك أنّها تحصل على عائدات من سوق الاتحاد، وهذا من الممكن أن يستمر لفترة في المستقبل القريب، ما يفرض قيودًا على خطاب موسكو الواقعي لتظهر ضرورات ملحة لتأطير العلاقات في مجال الطاقة بطريقة تعاونية اعتمادية نسبيًا.

  1. Brenda Shaffer, “A Nuclear Deal with Iran: The Impact on Oil and Natural Gas Trends,” Polycy Analysis , The Washington Institiute, 27/1/2015, accessed on 24/11/2016, at: http://bit.ly/2hft2fY

خاتمة

تتسم العلاقات الأوروبية - الروسية بالتعقيد والتشابك في مجالات عديدة سياسية واقتصادية وأمنية، فكلاهما قوة صاعدة في النظام الدولي تسعى إلى تعظيم مصالحها والبحث عن دور أشد تأثيرًا وفاعلية في السياسات الدولية والحصول على مصادر آمنة وثابتة للطاقة من جهة، وتنويع مصادرهما أو تطوير استخراجها من جهة أخرى. وبناء عليه، فإنّ الاتحاد الأوروبي لا يمكنه الاستغناء عن روسيا بصفتها مصدرًا قريبًا لتوريد الطاقة، كما أنّ روسيا لا تستطيع التخلي عن السوق الأوروبية الآمنة والنهمة لتصريف مواردها من الطاقة إضافة إلى التكنولوجيا الأوروبية لتطوير آليات استخراجها. وهذا الأمر يفرض على الطرفين نوعًا من الاعتمادية القسرية في مجال الطاقة، على ما بينهما من الاختلاف في التوجهات والقيم والمصالح. قاد الاختلاف الذي توظفه بروكسل في مواجهة موسكو إلى نوع من المواجهة في مناطق جيوسياسية بالنسبة إلى الطرفين في جورجيا وأوكرانيا. ويحاول الاتحاد الأوروبي "كقوة ناعمة" التمدد شرقًا واقتطاع مناطق نفوذ روسيا، ويحاول كذلك جاهدًا تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على الغاز والنفط الروسيين. وفي المقابل تستخدم روسيا ورقة الطاقة أداة ضغط على مراكز القوى الفاعلة في الاتحاد الأوروبي، كما تعمد إلى استخدم "قوة صلبة" لتؤكد وجودها بصفتها قوة إقليمية طامحة إلى دور دولي أكبر

المراجع

Aalto, Pami (ed.). The EU-Russia: The Energy Dialogue: Europe’s Future Energy Security. Burlington: Ashgate Publishing Limited, 2008. Alcaro, Riccardo & Valerio Birani. “Le realzioni della Russia con la Nato e l’UE.” Istituto Affari Internazionali, Roma (Ottobre 2008). Balyei, Andrei. “Russian’s Position in the Enrgy Chatrer.” Chatham House, Meeting Summary: Russia and Eurasia programme (April 2012), at: http://bit.ly/2g6YSru Di Nolfo, Ennio. Storia delle relazioni internazionali: dal 1918 ai giorni nostri , 3 rd edn. Bari: editore Laterza, 2009. George, Stephen et al. (eds.). Politics in the European Union , 4th edn. Oxford: Oxford University Press, 2001. Jian, Cheng. Relations between Russia and Euorope from the Prespective of Energy Strategy. Hamburg: Institut für Friedensforschung und Sicherheitspolitik, 2008. Mariani, Maria Paola. Le relazioni internazionali dell’ U.E: Aspetti giuridici della politica estera, di sicurezza e difesa comune. Milano: giuffre` editore, 2005. Mearsheimer, John Joseph. “Back to the Future: Instability in Europe After the Cold War.” International Security. vol. 15, no. 1 (Summer 1990). Roberts, Cynthia A. Russia and EU: The Sources Limits of Special Relationship. Pennsylvania: Strategic Studies Institute (SSI), 2007. Villani, Ugo. Istituzioni di diritto dell’Unione europea , 2 nd edn. Bari: Cacucci editore, 2012. Waltz, Kenneth. Teoria della politica internazionale. Bologna: Società editrice il Mulino, 1997.