قضية الصحراء المغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي: رؤية مغربية

Larbi Ben Ramdan العربي بنرمضان |

الملخّص

تعالج هذه الدراسة إشكالية تعث ر إنشاء اتحاد مغاربي حقيقي، على الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه معظم دوله، في ظل سيادة ظاهرة زةًّ على اقتراح المغرب حل ا سياسيًّا لفض العولمة، مرك هذا النزاع وإنهاء المشكلة على نحو نهائي، ضمن ما يُسمّ ى "الحكم الذاتي" في المنطقة، وهو اقتراح وجد صدى واسعًا لدى المجتمع الدولي، كما أن ه حظي بدعمٍ كبيرٍ من طرف جل الدول الكبرى والفاعلة في السياسة الدولية؛ لكونه يفسح المجال أمام تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية دائمة في المنطقة ن من مواجهة التحديات المستقبلية المنتظرة برمتها، وخلق مناخ جديد يُمك. كلمات مفتاحية: المغرب العربي، الصحراء المغربية، المغرب، الجزائر. This paper investigates the factors that hindered the accomplishment of the Arab Maghreb Union, despite the economic, political, social, and security challenges posed to its countries by globalisation. The paper focuses mainly on the reasons that held back Algerian politicians from supporting the efforts of the regional countries and the international community for putting an end to the dispute over the Western Sahara, along with acknowledging the historical rights of Morocco in it. As a way out of this gridlock, Morocco proposed a political solution through a Saharan self-rule; a move that is widely welcomed by the international community as a viable means for the economic and social development, as well as for facing anticipated future challenges. Keywords: The Maghreb, Moroccan Sahara, Morocco, Algeria.

Western Sahara: Moroccan Anxieties of Fragmentation in the Arab Maghreb

مقدمة

تُعدّ فكرة إنشاء اتحاد المغرب العربي، بالنسبة إلى الدول الخمس في الشمال الأفريقي، من الأفكار الرائدة التي أعلن عنها رؤساء هذه الدول خلال الثمانينيات من القرن العشرين، وعلى الرغم من الجهد المبذول من بعض دول المنطقة والمجتمع الدولي، على نحو مستمر، فإنّ الفكرة ما زالت تتردّد في مكانها؛ نظرًا إلى تضارب مصالح دول المنطقة، بخاصة المغرب والجزائر، وهي فكرة ترتبط بقضايا جوهرية وأساسية ولا سيما قضية الوحدة الترابية. فعلى الرغم من الارتباط التاريخي والجغرافي بين الأقاليم الشمالية والجنوبية واسترجاع المناطق الصحراوية للسيادة المغربية، فإنّ بعض الأطراف مازالت تبذل كلّ ما في وسعها لتقويض كل المجهودات المغربية الهادفة إلى خلق تنمية اقتصادية واجتماعية في المنطقة، ما يجعلنا نطرح العديد من الأسئلة التي تتمحور حول ما لي: هل تُعدّ مشكلة الصحراء الشوكة العالقة في حلق الاتحاد؟ أم أن الأمر أبعد من ذلك كثيرًا؟ ما الدوافع الأساسية وراء استمرار بعض دول الجوار على الوقوف ضدّ المصالح المغربية؟ • ما السبل التي من شأنها أن تحقّق اندماجًا مغاربيًّا حقيقيًّا؟

الروابط التاريخية والخلفية السياسية لقضية الصحراء المغربية

11 الروابط التاريخية للمغرب بصحرائه

من الثابت أنّ الصحراء المغربية ظلت معروفةً بالتبعية الفعلية للمغرب، فالحجج التاريخية والجغرافية والبشرية تؤكد، على نحو لا شكّ فيه، المطالب المغربية بالصحراء الغربية. فمِن الناحية البشرية، وانطلاقًا ممّ ذكره المؤرخون القدامى1، ثمة جزمٌ باتحاد الأصول الجنسية بين سكان الصحراء وسكان المغرب الأقصى. أمّا من الناحية الجغرافية، وانطلاقًا من طبيعة الأراضي الصحراوية في طبقات أرضها وجغرافيتها ومناخها وحيواناتها ونباتاتها، فقد أكّد العلماء أنها امتداد لطبيعة المغرب في جنوبه المحرر2، وأنّ هذا الامتداد الطبيعي والبشري كانت توازيه تبعية سياسية، على الرغم من البعد الجغرافي لهذه المناطق عن مركز السلطة المغربية، ومن حيث أصول الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، وانطلاقًا من دولة الملثمين حتى عهد الدولة العلوية. يقول الملك الحسن الثاني في هذا الصدد: "إنّ هذه الصحراء هي التي أعطتنا دولة المرابطين الصحراويين، وجدتّي خناتة زوجة المولى إسماعيل صحراوية، وأم سيدي محمد بن عبد الله صحراوية، وثلاثة من أجدادي صحراويون من قبائل جنوب الصحراء عن طريق السلالة النبوية، فليست الصحراء مغربية بالأمس فقط، ولا المغرب صحراوي بالأمس. وفي الحقيقة هل نحن الذين سنرجع الصحراء أم أنّ الصحراء هي التي سترجع إلى المغرب3." يروي التاريخ أنّ المخزن، حينما كانت تقوم منازعات بين سكان الصحراء، وخصوصًا بين قبائل معقل العربية والقبائل البربرية، كان يتدخل لحلّ المشكلات بين الطرفين4. ففي عهد السلطان المولى عبد الرحمن، قام الحسن الأول الذي كان خليفةً لأبيه بعدة تحركات إلى نواحي الجنوب بسوس الذي كانت تتبعه أقاليم الصحراء المغربية. وعندما أصبح سلطانًا للمغرب، قام بعدة تحركات إلى نواحي الجنوب بسوس ودرعة، وقام خلال الفترة 1886-1882 ببناء العديد من الموانئ والحصون؛ حتى يتمّ الربط والاتصال بين مناطق المملكة من الناحية العسكرية والاقتصادية، ثمّ إنّ ما يؤكد الارتباط الوثيق بين السلطة المركزية والأقاليم الجنوبية البيعة والطاعة اللتان كانتا تُقدّمهما القبائل الصحراوية للسلاطين المغاربة5. فعلى عهد المولى عبد العزيز 1907-1814() قدمت العديد من القبائل الطاعة لخليفته المولى إدريس على هذه المناطق. فإنْ كان الأمر غير ما ذكره التاريخ، فكيف نفسر جهد السلاطين العلويين المتعدّد في الدفاع عن الأقاليم الصحراوية؟ وكيف نفسر مضامين الاتفاقيات التي أُبرمت بين المغرب والدول الاستعمارية، والتي يشير جلّها إلى سيادة السلاطين المغاربة على هذه المناطق؟

  1. المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب أبو عبيد البكري،، ط  2 (الجزائر: دوسلان،)1911، ص 164-163، وانظر: عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج 6 (بيروت: مؤسسة جمال للطباعة والنشر، 1979)، ص.204
  2. عبد الكبير الفاسي ومحمد الفاسي، الصحراء المغربية الواقعة تحت الاستعمار الإسباني (الرباط: وزارة الدولة لشؤون الاعلام والاتصال، 1975)، ص 7. وانظر: محمد دراسات عربية الحداد، "الصحراء المغربية بين حق الوحدة وحق الانفصال"،، العدد 4 (شباط/ فبراير 1976)، ص.106
  3. الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، آذار/ مارس.1977
  4. بشأن أسباب هذه التدخلات المخزنية ومضامينها، انظر: جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين: 1986)، ص .163-145
  5. عبد الحق دهبي، قضية الصحراء المغربية ومخطط التسوية الأممي: دراسة قانونية وسياسية في مسارات التسوية في نطاق المنظمات الدولية (الرباط: دار أبي رقراق،)2003، ص 99. وانظر: عبد الحميد شعبان، "البيعة ومغربية الصحراء"، جريدة الأحداث المغربية،

وفي الناحية الاقتصادية، أكبر دليل على ذلك التواصل الاقتصادي بين شمال الصحراء وجنوبها (التجارة الصحراوية أو القوافلية)، إذ شكلت الصحراء نسيجًا اقتصاديًا مهم6، ومجالً لتنقّل القوافل التجارية من الشمال نحو الجنوب ومن الجنوب نحو الشمال7. بوجه عامّ، شكّل المجال الصحراوي امتدادًا جغرافيًا وتاريخيًا وعمقًا إستراتيجيًا مهمً للدولة المغربية. وعلى الرغم من أنّ المغرب استطاع الحفاظ على استقلاله مدة أربعة عشر قرنًا أمام أعتى الدول التي استهدفت المنطقة المغاربية؛ كالإمبراطورية العثمانية التي سيطرت على الدول المجاورة، فإنّ المغرب مع مطلع القرن العشرين، ونظرًا إلى أوضاع داخلية وأخرى خارجية تمثلت باحتدام النزاع بين القوى الاستعمارية لفرض سيطرتها على ما تبقى من الدول المستقلة بالقارة الأفريقية، ونظرًا إلى موقعه الإستراتيجي وقربه من أوروبا وما يزخر به من ثروات، سقط في براثن الاستعمار الغربي مدةً تصل إلى 44 عامًا، من تاريخ توقيع الحماية عام 1912 إلى حين حصوله على الاستقلال عام.1956

الخلفية التاريخية والسياسية لقضية الصحراء المغربية

تتفق جلّ الدراسات المهتمة بملف الصحراء المغربية على أن الاستعمار الإسباني هو سبب نشأة مشكلة الصحراء المغربية، وترجع الاهتمامات الإسبانية بالمغرب وصحرائه إلى السبعينيات من القرن الخامس عشر. فقد أبرمت إسبانيا معاهدة "الكوسوماس" مع البرتغال عام 1479 التي تخول لها احتلال جزر الكناري "الخالدات" والوجود بسبتة ومليلية والصحراء المغربية، وتسمح للبرتغال باحتلال مملكة فاس والشواطئ الغينية من جهة أخرى8، إلا أنّ الاحتلال الفعلي الإسباني للصحراء المغربية بدأ عام 1844 حينما احتلت إسبانيا وادي الذهب المعروف ب "ريو دي أورو"، إذ أقامت في ما بعد مدينة "فيلا سيزنيروس" وهي جزء ممّ كان معروفًا بالصحراء9. وقد اشتد النزاع حول المغرب في البداية بين الدولتين الاستعماريتين، فرنسا وإسبانيا، فوّقعتا معاهدة أولى بباريس، في 28 حزيران/ يونيو 1900، حددت الممتلكات الفرنسية والإسبانية على ساحل الصحراء وخليج غينيا، من دون أن توضح الحدود الشرقية والغربية لما كان يُسمى "أفريقيا الغربية الفرنسية"10. وبعد ذلك بسنتين، شرع الفرنسيون والإسبان في تقسيم المغرب في ما بينهم، فكان مشروع المعاهدة الإسبانية - الفرنسية التي أدخلت تندوف في منطقة الاحتلال الفرنسي، مع الاعتراف لإسبانيا باحتلال ما هو بجنوب رأس أبي جدور، ومع الاعتراف أيضًا بالسيادة المغربية على تندوف ووصول منطقة سوس إلى وادي الذهب التي احتلها الإسبان11. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وقعت العديد من الاتفاقات السرية بين الدول الأوروبية لتوزيع الغنيمة وضمنها المغرب12. ولمّا اشتد النزاع بين الدول العظمى، ومن أجل تجاوز خلافاتها حول اقتسام المناطق المستهدفة، عقدت عدة مؤتمرات دولية كان أهمها مؤتمر 1904 الذي أرسى لَبِنات مخطط دولي لاقتسام العالم. ويشير بطرس غالي، خبير العلاقات الدولية الأفريقية، إلى معاهدة ثانية في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1904، وهي معاهدة وقعت في باريس، كان الهدف منها الحصول على تأييد إسبانيا للإعلان الفرنسي البريطاني، مقابل اعتراف فرنسا لإسبانيا بمنطقة نفوذ في شمال مراكش "المغرب"، كما نصت المادتان الخامسة والسادسة على إدماج الساقية الحمراء داخل النفوذ الإسباني، فضلً عن حقّ الإقامة في إفني في أيّ وقت13. لعل أخطر المؤتمرات التي كان المغرب محورًا لمفاوضاتها هو مؤتمر الجزيرة الخضراء، عام 1906، بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا. فقد تمكنت من خلاله هذه الدول إيجاد أرضية للتفاهم؛ إذ تم اقتسام المغرب بين فرنسا وإسبانيا مقابل تخلّ فرنسا عن بعض مستعمراتها في أفريقيا السوداء لفائدة ألمانيا. ولعل هذا التقسيم الذي خضع له المغرب كان من بين الأسباب المهمة التي دفعته إلى عدم قبول "مبدأ احترام الحدود السياسية الموروثة عن الاستعمار"؛ لأنه كان يرى أنه خضع لنظام استعماري فريد من نوعه تجلى في تفتيته إلى مناطق خاضعة لإسبانيا (الشمال والجنوب)، وأخرى

  1. دهبي، ص.92
  2. حفريات صحراوية مغربية عبد الوهاب بن منصور، (الرباط: المطبعة الملكية،)1975، ص.3
  3. دهبي، ص 108. وانظر: إدريس فرشاخ، "قضية الصحراء من الاستعمار إلى المسيرة مجلة المقاومة وجيش التحرير الخضراء"،، العدد  35 1994()، ص .22
  4. محمد الحسيني مصيلحي، منظمة الوحدة الأفريقية من الناحيتين النظرية والتطبيقية
  5. السياسة الدولية بطرس غالي، "حرب الصحراء في المغرب العربي"،، العدد  44 (نيسان/ أبريل 1976)، ص .215
  6. الفاسي، ص .12
  7. بشأن اتفاق 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1904 بين فرنسا وإسبانيا، و 8 نيسان/ أبريل 1904 بين إنكلترا وفرنسا، واتفاقي الأول من أيلول/ سبتمبر 1905 بين فرنسا وإسبانيا، انظر: روم تاريخ المغرب في القرن العشرين لاندو،، ترجمة نقولا زيادة (بيروت: دار الثقافة، )1980، المغرب والاستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية ص 91 - 92. وانظر: ألبير عياش،، ترجمة عبد القادر الشاوي ونور الدين السعودي (الدار البيضاء: دار الخطابي للطباعة والنشر، 1985)، ص 84 وما بعدها. 13 غالي، ص.215
  8. (القاهرة: دار النهضة العربية، 1967)، ص .370

خاضعة لفرنسا (الوسط)، مع وجود جيوب تابعة للنفوذ الإسباني (إفني وطرفاية) داخل المنطقة الخاضعة لفرنسا، إضافةً إلى وضع مدينة طنجة تحت نظام دولي14، وذلك دائمًا مع الترتيبات السياسية بين الدولتين اللتين انفردتا بالمغرب. وفي 19 حزيران/ يونيو 1934، تمّ اجتماع بالرباط بين لجنتين فرنسية وإسبانية انتهت بتقسيم المغرب إلى سبتة ومليلية وجزر رأس الماء (الجعفرية) وحجرة النكور على الشاطئ المتوسطي، وإلى منطقة سيدي إفني وحماية طرفاية والعيون، ومستعمرة وادي الذهب على الشاطئ الأطلسي، وكل ذلك تقسيم استعماري محض تمّ في غياب المعنيين بالأمر؛ أي المغاربة15.

عند انتهاء عام 1934، كان المغرب قد خضع، بصفة نهائية للسيطرة الاستعمارية. وعلى الرغم من الأوضاع الداخلية الصعبة والتحالف الاستعماري، فإنّ ذلك لم يمنع الشعب المغربي من مقاومة الاحتلال والذود عن البلاد، وكما شكّل عام 1934 انتهاءً للمقاومة المغربية المسلحة، فإنه شكّل أيضًا بدايةً للمقاومة السياسية التي انطلقت بقيادة الحركة الوطنية المغربية التي ضمت أطيافًا متعددة؛ أبرزها العلماء والمثقفون والمناضلون الشباب، بتنسيقٍ مع الملك محمد الخامس، ليتوج كفاح الشعب المغربي بعودة الملك إلى العرش عام 1955، والدخول في مفاوضات مع كل من فرنسا وإسبانيا، أسفرت عن استقلال الجزء الذي كان خاضعًا للسيطرة الفرنسية بموجب اتفاقية فاس في 30 آذار/ مارس 1912، والجزء الشمالي الذي كان تحت وطأة الاحتلال الإسباني في 07 نيسان/ أبريل 1956، في حين ظلت الصحراء وبعض الجيوب الأخرى تحت سيطرة النفوذ الإسباني (إفني وطرفاية في الجنوب وسبتة ومليلية في الشمال)16. وأمام اشتداد المقاومة المغربية للوجود الإسباني بالصحراء المغربية، ستضطر إسبانيا وفرنسا إلى التحالف من جديد لضرب جيش التحرير بالصحراء المغربية، في إثر عملية تُعرف ب "إيكوفيون" أسفرت عن خروج جيش التحرير من الصحراء، ونزوح آلاف المقاتلين وعائلاتهم الصحراوية إلى المناطق المستقلة من المملكة، هربًا من آلة القمع الإسبانية؛ وذلك عام 1958 17. وم يدل على أنّ المغرب عازم على مواصلة استرجاع أراضيه الصحراوية، تأسيسه لإدارة خاصة تدير شؤون الصحراء تحولت في ما بعد إلى وزارة، بعد وصول وفود عديدة من الصحراء المغربية، وقد انتهى هذا الجهد الدبلوماسي والعسكري المغربي بإجلاء الإسبان عن مدينة طرفاية عام 1958، ومنذ هذا التاريخ لم يتوقف المغرب عن المطالبة باسترجاع أراضيه المغتصبة من الإسبان. وعندما اكتشفت إسبانيا، منذ عام 1963، الأهمية الاقتصادية الكبرى للمنطقة، ومن أجل كسب الوقت لإبقاء نفوذها على الصحراء المغربية، أوعزت إلى بعض عملائها في الأمم المتحدة فكرة تنظيم استفتاء في الصحراء تحت مراقبة الأمم المتحدة وذلك عام 1966 18. وعلى الرغم من ذلك، واصل المغرب تحركاته السياسية والدبلوماسية على الصعيد الدولي والقاري، وداخل المنظمات الدولية للمطالبة بتحرير صحرائه. وفي هذا السياق، طلب المغرب من الأمم المتحدة تسجيل قضية احتلال الأراضي المغربية من جهة إسبانيا، وبدأت تصدر سنويًا توصيات حول قضية احتلال الأراضي المغربية19. تبُرز سلسلةُ هذه القرارات كلّها الروابطَ التاريخية بين المغرب وتلك المناطق المحتلة، وتؤكد مشروعية المطالب المغربية، فضلً عن مطالبة الاستعمار الإسباني بالرحيل عن المنطقة20، وقد كللت هذه التحركات باسترجاع مدينة إفني من قبضة الاحتلال الإسباني عام 1969. ومع بداية السبعينيات، ازدادت قوّة النزاع بين المغرب وإسبانيا من أجل كسب الدعم والتأييد لهذه القضية. ففي عام 1974، وأمام تشبث المغرب بقرارات الأمم المتحدة، ستتجه السلطات الاستعمارية نحو تنظيم استفتاء وخلق كيان تابع لها في المنطقة. سيلجأ المغرب من جهته، عام 1974، لمواجهة هذه المناورات الإسبانية، إلى محكمة

  1. رشيد الركيبي، الأمم المتحدة وقضية الصحراء المغربي: أرضية عامة حول تطورات قضية الصحراء المغربية (الرباط: المعهد العالي للإعلام والاتصال، 2002)، ص.18
  2. الفاسي، ص.15
  3. الركيبي، ص.19
  4. المرجع نفسه، ص.20
  5. Raoual Weexteen, L’O.U.A et la question saharienne in Annuaire de l’Afrique du nord (Paris: Editions C. N. R. S, 1979), p. 217.
  6. بشأن سلسلة القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بهذا الخصوص إلى حدود سنة 1973، انظر: العربي بنرمضان، "ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية بين التنظير والتطبيق (دراسة تاريخية مع دراسة للقضية الموريتانية وقضية الصحراء المغربية في الجانب التطبيقي")، رسالة دكتوراه، كلية الآداب سايس، فاس - المغرب، 2006، ص.224
  7. الركيبي، ص.21

العدل الدولية بطلب التحكيم في نزاعه مع إسبانيا حول الصحراء التي كانت مدريد تدعي أنها كانت أرضًا خلاءً ولا تربطها أيّ علاقة بالمملكة المغربية21. وفي 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1975 كان قرار المحكمة حاسمً، إذ أدلت برأيها الاستشاري بشأن الصحراء الإسبانية كالآتي: "في ما يخص السؤال الأول: أنّ الصحراء الغربية لم تكن أرضًا بلا صاحب Nulluis Terra عندما احتلتها إسبانيا، وفي ما يخص السؤال الثاني كانت هناك علاقات قانونية تربط بينها وبين المغرب من جهة، وموريتانيا من جهة أخرى"22.

كان هذا القرار بمنزلة السند الشرعي الذي اعتمد عليه المغرب، إذ أعلن الملك الحسن الثاني عن تنظيم مسيرة خضراء سلمية لاسترجاع أقاليمه الجنوبية، بدايةً من 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1975، أربكت حسابات مدريد23، ما أجبر سلطات الاحتلال على الدخول في مفاوضات مع كل من المغرب وموريتانيا، انتهت بإبرام اتفاقية مدريد الثلاثية في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1975، وأنهت الاستعمار الإسباني في 28 شباط/ فبراير 1976، على أن يوضع الإقليم حتى هذا التاريخ تحت إدارة ثلاثية. وكلّ هذه الأحداث والنزاعات لم تتمّ بمنأ ى عن النزاع بين المعسكرين الشرقي والغربي لتعزيز مناطق النفوذ بالعالم، علاوةً على الشعارات الثورية التي كانت تكتسح العالم وخصوصًا في الأوساط الجامعية. استقرت جبهة "الشرطة أوريو" في الجزائر. وقد ازداد الأمر تعقيدًا بين المغرب والجزائر حين أعلنت هذه الجبهة في 27 شباط/ فبراير 1976، قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" كيان الصحراويين المستقل24. ونشير، في هذا السياق، إلى أنّ المطالب المغربية الترابية حظيت بدعم قوي غير مشروط من الجزائر، وقد جاء ذلك على لسان الرئيس الجزائري الهواري بومدين أثناء زيارته للمغرب عام 1972، حينما وجّه خطابه إلى الملك الحسن الثاني قائلً: "إنّ شعبينا متضامنان وإنّ الجزائر تؤكد دعمها للمغرب لاسترجاع كل أراضيه المحتلة وبسط سيادته عليها "25.

الجزائر وملف الصحراء المغربية

يتضح من خلال التطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، منذ نشأتها إلى اليوم، أنّ المسألة في جوهرها نزاع مغربي - جزائري. وهذه الموضوعة التي تُعدّ من البديهيات بالنسبة إلى المغاربة، جرى تأكيد حقيقتها مع التغيرات التي طرأت على شبكة الأطراف المتدخلة في النزاع. فعند بداية المشكلة كانت هناك ثلاثة أطراف معنيّة (إسبانيا، والمغرب، وموريتانيا.) ومع مرور الزمن، وأمام نزوع العديد من الدول نحو الحياد تجاه هذا الملف، اتخذت قضية الصحراء مسارًا جعلها نزاعًا ثنائيًا خالصًا، ويظهر ذلك جليًّا من خلال التطورات الأخيرة المصاحبة لتقريرَي كوفي أنان الأخيرين 24(حزيران/ يونيو 2001، و 19 شباط/ فبراير 2002 26، ما يجعلنا نطرح التساؤل التالي: ما هي الأسباب الكامنة وراء التدخل الجزائري في هذا الملف؟ لنبادر إلى القول إنّ التدخل الجزائري في ملف الصحراء تنوع بين عدة مستويات؛ منها ما هو اقتصادي وجيوسياسي وأيديولوجي، وقد أشعل ذلك نار المواجهة بين البلدين، وهي مواجهة اختلفت، أيضًا، بين مستويات ثلاثة: عسكرية، ووسيطية (الشرطة أوريو)، وحملات دبلوماسية. جعل اختلاف العناصر السالفة الذكر هذا النزاع يتسم بالقوة والاستمرارية، إلى حدّ أنّ عدة منظمات دولية وقارية (الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الأفريقية... إلخ) عجزت حتى الآن عن إيجاد حلّ مرضي للطرفين، وهذا يدل على اختلاف وجهات نظر كل من الطرفين تجاه الحلول المقترحة لحلّ النزاع الذي يرتبط، على نحو مباشر، بمصالح الدولتين الجارتين على المستويين الداخلي والخارجي. لقد شكّل عام 1976 النواة الأولى لنشأة النزاع المغربي - الجزائري، ذلك أنّ دولة الجزائر لم توافق على الاتفاق الثلاثي بين المغرب وإسبانيا

  1. Weexteen, p. 224.
  2. غالي، ص.221
  3. الطاهري النوفالي، الصحراء المغربية بين مشروعية الاندماج ومشروع الانفصال (مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية، 1997)، ص.37
  4. قضية الصحراء ما بين التاريخ والقانون والسياسة فؤاد أخريف، (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1988)، ص.35
  5. الركيبي، ص 21. ونشير إلى لقاءَيْ قمة بإفران عام 1969 وتلمسان عام 1970 بين الهواري بومدين والحسن الثاني. وقد أسفر اللقاء الأول عن توقيع اتفاقية للأخوة وحسن الجوار والتعاون.
  6. نزار الفراوي، تحليل مواقف الجزائر والبوليساريو للتطورات الأخيرة لقضية الصحراء (الرباط: منشورات منتدى 21 للحوار والتنمية، نيسان/ أبريل 2002)، ص.179

وموريتانيا الذي خلق نوعًا من الإحباط لدى المسؤولين الجزائريين، وإحساسًا بنوع من السخرية أمام سياسة "الأمر الواقع" التي نهجها كل من المغرب وموريتانيا، بدعمٍ من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية27. وبحسب المتتبعين للشؤون الأفريقية، فإنّ أسباب النزاع بعضها رئيسٌ وبعضها الآخر ثانوي.ٌّ الأسباب الرئيسة للنزاع المغربي – الجزائري حول الصحراء يمكن حصر الأسباب الرئيسة في أسباب ثلاثة تبدو ماثلةً في التناقض الحاصل بين القوميتين المغربية والجزائرية، واستمرار الخلاف المطروح بين البلدين حول الحدود، والتعارض الحاصل بين الأطروحة الجزائرية الداعية إلى حقّ تقرير مصير أبناء الصحراء والأطروحة المغربية المعتمدة على الحق التاريخي.

.  أ من الناحية التاريخية

يبدو أنّ الاستعمار الغربي للقارة الأفريقية كانت له آثار عديدة ومختلفة في الدول الأفريقية، وهو ما أثّر سلبيًا في العلاقات بين الدول بعد حصولها على الاستقلال. فإضافةً إلى مشكلة الحدود، أدّى الاستعمار إلى تنوع الأنظمة السياسية بدول شمال غرب أفريقيا28، إذ كان لخصوصيات المقاومة من أجل الاستقلال والتجارب الاستعمارية المختلفة أثرٌ في بناء الدول الوطنية بأنظمة سياسية متفاوتة؛ ذلك أنّنا نجد مَلكيةً تقليدية في المغرب وثلاثة أنظمة جمهورية في كلّ من تونس وموريتانيا وآخر ثوريًّا اشتراكيًّا في الجزائر، وأخيرًا الحكومة الجماهرية الشعبية بليبيا29، وإن كنا لا نوافق صاحب هذا الرأي في كلامه؛ لأنّ الدول الأفريقية لم تنشأ كلّها عن التدخل الاستعماري وتأثيراته، ذلك أنه توجد عدّة دول كان لها وجود تاريخي غير أنّ الاستعمار ألغى استمرارها. وهذا الأمر ينطبق على العديد من الدول الأفريقية كمصر والمغرب والحبشة ورواندا وبروندي التي كانت بها ممالك قديمة ذات نظام إقطاعي. أدّى هذا الاختلاف في الأنظمة السياسية بين الدول المغاربية إلى تعارض بين مغرب ملكي ذي تعددية حزبية، والجزائر الجمهورية التي يقودها حزب خاض حربًا تحريريةً ضد الاستعمار، على غرار باقي الدول المغاربية في أفريقيا الشمالية30. فمن الناحية التاريخية شهد المغرب تمركزًا للسلطة وتوالي الأسر الحاكمة، كما جمع بين التاريخ الإسلامي – العربي – في شمال أفريقيا، وبنية داخلية تجمعها حاجة إلى استعادة وحدة ماضيه. فكل هذه العناصر تُعدّ وسائل تميّز يملكها المغرب بالنسبة إلى الجارة الجزائر31. لقد استعمل البَلدان العديد من الحجج التاريخية لتبرير موقف التفوق في منطقة الشمال المغربي الأفريقي، وهكذا ركزت الجزائر من جهتها على تراث تجربة التحرير، وشعارات استقلالية، وعدم الانحياز، ومحاربة الإمبريالية، وتطور النموذج الاشتراكي والحديث المتواصل عن تاريخ الجزائر العريق لتبرير قيام الأمة الجزائرية. أمّا المغرب، فقد اعتمد على تراثه القتالي ضد المسيحيين، وعلى تراتب سياسي يظهره كدولة إسلامية عريقة في الحكم والذود عن الثغور32. اعتمادًا على المعطيات التاريخية السالفة الذكر، نجد أنّ المغرب ركّز، بعد حصوله على الاستقلال، على استكمال وحدته الوطنية التي أعطت للقومية المغربية طابع تحرير وطني، في حين أنّ الجزائر التي تعارض هذه الرغبة من منطق المصالح الوطنية الضيقة33. يقول علي الشامي "إنّ القناعة داخل البلدين بعدم قيام مغرب عربي على المدى القريب على الأقل، وبروز نزعة عند طرح موضوع الوحدة، دورها في جعل التناقضات، تناقضات قوميات، فالجزائر تتحصن ضد قومية مغربية قادرة على إذابة قومية جزائرية قيد النشأة، والمغرب يتحصن بدوره ضد قومية ناشئة تحاصره من جميع الجهات وتحيل وحدته التاريخية إلى فئات"34. خلاصة القول، إذن، أنّ نزعة الانفراد بالقيادة في شمال غرب أفريقيا، والاختلاف في النشأة والتوجه السياسي، من العوامل التي جعلت القومية الجزائرية، على الرغم من حداثتها، تحاول إيجاد موطأ قدم لها بالمنطقة، في حين أنّ العمق التاريخي للقومية المغربية جعلها تسعى للحفاظ على هذا الموروث التاريخي، وترميم كل ما أفسده الاستعمار، ما جعل هذه الاختلافات تطفو فوق السطح، على نحو جليّ، في النزاع حول الصحراء المغربية.

ب  .التداخل الحاصل بين ملف الصحراء والخلاف الحدودي بين البلدين

تُجمِع جلّ الدراسات التي تناولت العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر على أنّ النزاع بين البلدين يُعدّ إحدى صور منازعات الحدود بين الدول الأفريقية، وهي منازعات ناتجة من عدم ترسيم الحدود

  1. Abdelkhalak Benramdane, Le Sahara occidental enjeu maghrébin (Paris: Karthala, 1992), p. 59.
  2. فان بيلسن، "التطور السياسي والإداري لدول أفريقيا الحديثة"، السياسة الدولية، العدد 13 (تموز/ يوليو 1968)، ص .23-22
  3. السياسة الخارجية للمغرب ميغيل هيرناندو دي لارامندي،، سلسلة ضفاف 9 (الرباط:
  4. عبد الجبار مطعيش، العلاقات المغربية الجزائرية من 1830 إلى اليوم، رسالة دبلوم
  5. الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي علي الشامي، (بيروت: دار الكلمة للنشر، 1980)، ص.214
  6. مطعيش، ص.263 33  M. Raffinot & P. Jacquenot,  Le Capitalisme de l’état Algérien (Paris: Maspero, 1977), p. 252. 34 الشامي، ص.222
  7. منشورات الزمن، 2005)، ص .273
  8. الدراسات العليا، كلية الحقوق، الرباط، 1992، ص.262

بصفة كليّة بواسطة المستعمر الأجنبي. فمنذ استقلال المغرب عام 1956، تكونت لجنة مشتركة بينه وبين فرنسا من أجل تعيين الحدود بصفة نهائية، إلا أنّ المغرب انسحب منها عام 1958 بعد اعترافه بالحكومة الجزائرية سلطةً وحيدةً شرعيةً لها صلاحية التباحث حول الحدود بين البلدين35. وفي عام 1961، تمّ اتفاق سرّي بين المغرب والحكومة الجزائرية الموقّتة التزم خلاله مسؤولو البلدان بالتأييد المطلق للجزائر في كفاحها ضد المستعمر من جهة المغرب، في حين التزمت الجزائر بحل مشكلة الحدود ما إن تحصل على الاستقلال36. ويرى المغاربة أن الجزائر لم تلتزم بهذا الشرط، وهو ما أدّى إلى اندلاع حرب الحدود بين البلدين عام 1963، وقد عُرفت ب "حرب الرمال"37، وتجددت هذه الاشتباكات في عام 1966، وانتهت بتوقيع معاهدة تضامن وتعاون بين البلدين عام 1969 طلق عليها معاهدة "إفران أ"38.

وبعد استقلال موريتانيا عام 1970 اتفق الطرفان المغربي والجزائري على تشكيل لجنة فنّية لرسم الحدود بطريقة نهائية، وعلى الرغم من إعلان الملك الحسن الثاني أثناء مؤتمر القمة الأفريقي التاسع الذي عُقد في الرباط، خلال الفترة 12 - 15 حزيران/ يونيو 1972، عن انتهاء النزاع رسميًا بين البلدين والتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع السياسي الإقليمي بينهما39، فإنّ ذلك لا يعني، على أيّ نحو كان، أنّ البلدين قد توصلا إلى تسوية نهائية لمسألة الحدود التي ظلت مشكلةً مزمنة ترمي بظلالها على العلاقات الثنائية بينهما، إلى أن انعكست على الخلاف بينهما في قضية الصحراء، إذ أصبحت الورقة التي سيستعملها كل طرف تشكّل وسيلةَ ضغطٍ بخصوص هذه القضية40. من جهة الجزائر، فإنّ مغربية الصحراء يجب أن يقابلها بالضرورة تنازل المغرب عن مدينة تندوف والمناطق الشرقية التي يطالب باسترجاعها والإقرار بجزائريتها، من أجل إغلاقٍ نهائيٍّ لملف الحدود. فيٍ حين ظل المغرب رافضًا لهذه الرغبة الجزائرية لتفادي أيّ تفوق إستراتيجي عليه متجسد في المراقبة الجزائرية للعمق المغربي، انطلاقًا من مدينة تندوف. ثمّ إنّ المغرب بوصفه يحظى بموقف جغرافي تُعد الجزائر في أمسّ الحاجة إليه لاستغلال مناجم حديد كارة جبيلات، سيستعمل هذه الامتيازات لمساومة الجزائر التي ستجد في الصحراء المغربية وسيلةً للتقليل من التفوق المغربي41. إنها القضية - العقدة التي تشابكت حولها أسباب النزاع بين البلدين. فليس المغرب مستعدًّا للموافقة على أنها أهمّ مشكلة جزائرية وملف الصحراء المغربية لم يغلق بعد، وليست الجزائر راغبةً في تقوية المغرب صحراويًا، وبذلك أصبحت مسألة الحدود مادةً غنية استغلها كل طرف لمواجهة الطرف الآخر.

.  جّالخلاف في سبل حل قضية الصحراء المغربية

سبقت الإشارة إلى أنّ المغرب والجزائر اختلفا حول أسلوب الحل النهائي لقضية الصحراء المغربية. ففي وقت اعتمد فيه المغرب على أطروحة الحق التاريخي لاسترجاع سيادته على الصحراء الغربية، معللً ذلك بالعديد من الحجج التاريخية، نادت الجزائر، منذ عام 1975، بحق تقرير المصير عن طريق استفتاء تنظمه الأمم المتحدة وتشرف عليه42. هذا الاختلاف في الطرح مرتبط بالاختلاف في التفسير بين البلدين. ففي ما يتعلق بمبدأ حقّ تقرير المصير، فإنّه يعني بالنسبة إلى المغرب "استقلال دولة عن الدولة المحتلة، وتكوين دولة جديدة" و"أنّ المغرب باسترجاعه للصحراء المغربية من المستعمر الإسباني يكون قد حقق هذا المبدأ"43. أمّا بالنسبة إلى الجزائر، فإنّ تعريف حقّ تقرير المصير جاء على لسان ممثلها السيد اليحياوي أثناء تدخله لدى محكمة العدل الدولية بلاهاي، في 16 تموز/ يوليو 1976؛ إذ أكد أنّ حلّ مشكلة الصحراء يجب أن تكون في إطار حقّ تقرير المصير الذي يُعدّ من بين القواعد الأساسية، والذي تتفرع منه المبادئ الأخرى التي تحكم المجموعة الدولية، وأن

  1. أحمد نبيل جوهر، قرارات منتظم الوحدة الأفريقية: النظرية والتطبيق ودورها في حل مشاكل القارة (الإسكندرية: دار المعارف، 1987)، ص.287
  2. جوهر، ص.287
  3. غالي، ص 244 وما بعدها؛ ومصيلحي، ص.534
  4. السياسة الدولية بطرس غالي، "أفريقيا وأزمة الحركة الوحدوية"،، العدد 27 (كانون الثاني/ يناير 1972)، ص 100 - .123
  5. جوهر، ص.291
  6. الشامي، ص.223
  7. مطعيش، ص.264
  8. بنرمضان، ص.181
  9. Benmassoud Trédaro, Le Sahara Marocain, une décolonisation pas comme les autres (Rabat: Maarif El-Jadida, 1991), p. 6.

المطالبة باسترجاع الأقاليم الصحراوية لا تؤثّر، على أيّ نحو كان، في حق تقرير المصير الذي يدخل في إطار قانون الشعوب. ويَعُدّ علي الشامي هذا المنطقَ تعبيرًا عن مشروعِ هيمنةٍ، وتطويقًا عنيدًا لمشاريع الوحدة المغربية كلّها، ويرى أنّه يتعارض ومواقف الجزائر العلنية، وغير العلنية، بخصوص العديد من القضايا المماثلة، ما يكشف عن هدفها الحقيقي المتجلي في رغبة كسْب مؤيدين لموقفها من قضية الصحراء المغربية44. ومن خلال التطورات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة، بخاصة بعد صدور تقريرَي كوفي أنان 24(حزيران/ يونيو 2001 و 19 شباط/ فبراير 2002)، دانت الجزائر فكرة اتفاق الإطار التي اقترحتها الأمم المتحدة في 2001، ووصفتها بأنها منحازة إلى المغرب (في 22 حزيران/ يونيو 2001)، وعادت في 27 آب/ أغسطس 2001، فوصفتها بأنها تكريس للاحتلال.

الأسباب المركزية للنزاع المغربي - الجزائري

.  أ العنصر الأيديولوجي

يبدو، من خلال الكتابات التي تناولت موضوع نزاع الصحراء بين المغرب والجزائر من جميع جوانبه المختلفة، أنّ العنصر الأيديولوجي ليست له أهمية كبرى في تأجيج النزاع بين الطرفين، بل إنّه اتخُذ ذريعةً، فقط، للتغطية على باقي الدوافع السالفة الذكر من جهة، ولكسب تعاطف باقي الدول الكبرى التي لها التوجه الأيديولوجي نفسه من جهة أخرى. إنّ في النظام المغربي ذي التوجه الرأسمالي الموالي للغرب، والنظام الجزائري ذي التوجه الاش ارركي الموالي للشرق، والأساليب التي يعتمدانها في إدارة شؤون الدولة وتسييرها، دلالةً على أنّ البلدين يميلان إلى التطابق خصوصًا على مستوى الطبقة السياسية التي تتميز بالتكنوقراطية45، كما أنّ اقتصاد البلدين يتضمن الاتجاهات نفسها، ولو بدرجة متفاوتة، من جهة تعايش قطاعين؛ قطاع عامّ مسيطر، وقطاع آخر خاص مازال ضعيفًا. يقول بنمسعود "إنّ النظام الجزائري هو نظام يعتمد رأسمالية الدولة. وهذا النوع من النظام نجده أيضًا داخل المغرب، والدليل على ذلك أنّ وسائل الإنتاج الأساسية ما تزال كلّها أو في جزئها الأكبر في ملكية الدولة"46، أمّا من حيث الطبقة الاجتماعية، فنجد في كلا البلدين طبقةً برجوازيةً مشكّلةً في جزء منها من أصحاب القطاع الخاص، وفي الجزء الآخر من مسيّ ي القطاع العام47. إنّ ما يؤكد أنّ العنصر الأيديولوجي ليس من العناصر الأساسية في النزاع ما جاء على لسان بعض المسؤولين المغاربة، إذ قال محمد بن هيمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1963 "إنّ نزاعنا مع الجزائر لا يمكن أن يوصف بالنزاع الأيديولوجي... هناك خلاف حول الحدود ولا يمكن إغراقه داخل مشكل خيالي"48، وهو التأكيد الذي جاء على لسان عبد الرحيم بو عبيد حينما قال: "إنّ مشكلة الحدود قائمة بذاتها[...]أمّا القول بصراع الأنظمة، فهو دليل نابع من السياسة الداخلية فحسب[...]إنّ الاشتراكية ليست بضاعةً قابلة للتصدير"49. ومن ثمّ، يبقى العنصران الاقتصادي والسياسي أكثر العناصر تحكّمً في الخلاف المغربي – الجزائري. وانطلاقًا من المعلومات السالفة الذكر، يتضح أنّ للخلاف بين البلدين خصوصيات متشعبةً تشمل الجانب الاقتصادي والسياسي الإستراتيجي. أمّا بشأن التدخل الأجنبي في هذا النزاع، فقد آثرنا عدم الحديث عن هذا الجانب، لأنّ الدول الكبرى آثرت الحياد وعدم التدخل؛ للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والتجارية بالمنطقة، وعدم الانسياق وراء الجوانب الأيديولوجية.

.  ب العداء الجيوسياسي

لقد تحكّم العنصر الجيوسياسي على نحو كبير في السياسة الجزائرية منذ نشأة النزاع إلى اليوم، فقد أدلى الرئيس بومدين عام 1975 بتصريح أكّد فيه أنّ الجزائر لن تسمح بانكسار "التوازن في المنطقة، ولن تقبل بحلٍّ لمشكلة الصحراء لا تكون الجزائر طرفًا فيه" وقد ظلت السياسة الجزائرية وفيّةً للمرحلة البومدينية التي استحكم فيها المنظور الجيوسياسي على نحو صارم لتوازن القوى إقليميًا، وقوامه تحويل إقليم الصحراء إلى منطقة عازلة بين المغرب والجزائر من جهة، وبين المغرب وامتداده التاريخي الأفريقي من جهة أخرى50. ونظرًا إلى التغيرات التي عرفتها منطقة شمال غرب أفريقيا مع مطلع عام 1975، والتي اتسمت بفقدان الجزائر لتحالفها مع الحكومة الموريتانية، فقد اشتمل المغرب على ممرّ عبر موريتانيا يمكّنه من

  1. الشامي، ص.226
  2. Benmassoud, p. 6.
  3. Ibid.
  4. Said Ihrai, Pouvoir et influence: état, partie et politique étrangère au Maroc (Rabat: Edino, 1986), p. 26.
  5. “ La diplomatie algérienne demeure orientée en priorité vers l’Afrique,” Le Monde , 24/10/1963.
  6. “ Un litige difficile à régler,” Le Monde , 5/11/1963.
  7. الفراوي، ص.191

التوغل داخل أفريقيا السمراء والوقوف على قدم المساواة مع الجزائر بخصوص علاقتها بالدول الأفريقية جنوب الصحراء51، في حين ترى الجزائر - من الناحية الجيوسياسية دائمًا - أنّ خلْق كيان مستقل في الصحراء سيؤدي إلى عزل المغرب ويحدُّ من حركته الدبلوماسية داخل هذه المناطق الأفريقية52. يتضح أيضًا العداء الجيوسياسي في التسابق نحو الزعامة. فبالنسبة إلى الجزائر، يبدو أنها تحاول، عبر هذه السياسة، فرض الاقتناع بزعامتها للمنطقة، على الرغم من الصعوبات التي تعترض هذه الزعامة؛ ذلك أنّ بن بلة كان يتوق إلى مغرب عربي يتألف حول الجزائر ب "الاعتماد على الثوريين في كل من تونس والمغرب." أمّا بومدين، فتنقل الباحثة الفرنسية نيكول غريمو، المختصة في السياسة الخارجية الجزائرية، أنه لم يكن يؤمن بالمغرب العربي بسبب مشاعر ترجع إلى أيام الثورة53، لكنّ رؤيته تختلف بالنسبة إلى القارة كلّها، إذ أكّد أنّ بلاده معنيّة بكل ما يجري في أفريقيا من القاهرة إلى رأس الرجاء الصالح وأنّه لا بد أن يُؤخذ برأيها في كل ما يهمّ القارة54. وقد ظل هذا التفكير القديم يؤطر نظرة رؤساء الدولة الجزائرية لدولتهم حتى الآن كدولة محورية في المنطقة، معتمدين في ذلك على بعض المرتكزات في خطاباتهم من بينها "أنّ الجزائر دولة رائدة في تعزيز الديمقراطية، وهي ذات موقع إستراتيجي يجعلها دولة محورية في المنطقة بوصفها قطبًا يعمل على إخماد التوتر، كما صنعت حينما توسطت في النزاع بين إريتريا وإثيوبيا، بعد أن فشل آخرون. ثمّ إنها ماضية في العمل على اكتساب الاستقرار والوئام"55؛ أيْ إنّها قوّة محورية تقوم بأدوار عالمية، كما أنّ القادة الجزائريين يرون أنّ تونس سبق لها أن حكمت المنطقة أيام الفاطميين، وأنّ المغرب شبع أدوارًا تاريخيةً، وأنه آن الأوان لتقوم الجزائر الآن بدور قيادي في المنطقة لكي ينصفها التاريخ، بعد أن اكتملت أدوات هذا الدور المتمثلة في شساعة ترابية، ومواد طبيعية، وكتلة بشرية وازنة56. إضافةً إلى ذلك كلّه، ظلت الجزائر دائمًا تتطلع إلى صنع الازدواجية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وهو شرط أساسي في نظر المسؤولين الجزائريين للوصول إلى درجة من القوة والقدرة على احتلال الصدارة، على مستوى المغرب العربي والقارة الأفريقية. غير أنّ المغرب بوصفه دولةً تتميز بموقع جغرافي خاص، وبميولات أفريقية متولدة من التاريخ، سيقوض هذه النظرة الجزائرية باسترجاعه للصحراء، وسيصبح قوّةً يُحسب لها حساب داخل القارة الأفريقية57. وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك حينما ربط بين ما يجري داخليًا بدولة الجزائر واستغلالها للخارج، إذ جرت الإشارة إلى أنّ الحكم الجزائري دأب في استغلال مسألة الصحراء للتنفيس عن الاحتقانات السياسية والاقتصادية الداخلية، وهي معادلة لا تزال قائمةً مفادها أنّ المغرب عدوّ احتياطي لتصريف الأزمة الداخلية التي تستفحل حاليًا في ظل "فشل سياسة الوئام المدني والانتفاضات المتوالية لمنطقة القبايل58.

.  ج العنصر الاقتصادي

يقول الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت: "إنّ الحاجات الاقتصادية والمالية لدولة ما تدوس على جميع الحقوق حتى الدولية"، وهذا ما ينطبق على جميع الدول المعنية بالنزاع أو المهتمة به في المنطقة. فهي تتطلع إلى الحصول على هذا الربح الاقتصادي حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الغير. وتتميز الأقاليم الصحراوية في هذا الجانب بخاصيتين أساسيتين: الفوسفات والمواد البحرية، إضافةً إلى معادن مهمة كالحديد جنوب السمارة والفحم الحجري على بعد 20 كيلومترًا جنوب بوجدور، إضافة إلى احتمال اكتشاف ثروات بترولية مهمة بالمنطقة والغاز الطبيعي والنحاس واليورانيوم59. فهذه الثروات التي تشتمل عليها هذه الأقاليم لا يمكنها إلا أن تُثير المزيد من الأطماع، ونبدأ مع دولة إسبانيا البلد المحتل؛ ذلك أنّ اكتشاف الفوسفات ومعادن أخرى أجّج أطماع مدريد، إضافةً إلى الأهمية التي تحتلها الثروات السمكية في اقتصادها، كما أنّ بقاءها في الصحراء سيمكنها، من جهة أخرى، من تطوير علاقاتها التجارية مع دول أفريقيا الغربية التي تمثّل سوقًا مهمةً للمنتوجات الإسبانية قبالة جزر الخالدات غير البعيدة عن السواحل الأفريقية60. أمّا موريتانيا التي تمثل أضعف حلقة من بين دول المنطقة، فقد كانت تتمنى الحصول على حظها من الثروات الفوسفاتية والسمكية؛ ذلك

  1. مطعيش، ص.259
  2. “1943-1973: De l’affrontement à la coopération, du 7 Mars 1973,” Le Monde,  7/3/1973.
  3. نيكول غريمو، السياسة الخارجية الجزائرية، ص 192، نقلً عن العربي المساري، وجهة نظر "المغرب/ الجزائر هل من تغيير؟"،، العدد 28 (ربيع 2006)، ص.10
  4. Moussa Hormat-Allah, Chroniques sahariennes: les enjeux géopolitiques et géostratégiques du conflit du Sahara (Rabat: Mils, 2004), p. 6.
  5. المساري.
  6. المرجع نفسه.
  7. Mohamed Maazouzi, Tindouf et les frontières méridionales du Maroc (Maroc: Casablanca, 1977), p. 137.
  8. الفراوي، ص.192
  9. Mouhsen Toumi, Le Maghreb, Collection Que sais-je? (Paris: P.U.F, 1982), p. 113.
  10. محمد البغدادي، "النزاع الجزائري - المغربي حول الصحراء الغربية: أسبابه وآفاقه ألوان المستقبلية"، مجلة، العددان 4 - 5 (صيف 2005)، ص.19

أنّ منجم الحديد، وهو الثروة الوحيدة التي يحتضنها باطن الأرض الموريتانية، يوجد في حالة من التراجع بسبب انهيار أثمان الحديد في السوق العالمية، لذلك كانت نواكشوط في حاجة إلى مصادر جديدة حتى تتمكن من تعويم خزينتها العامة61. أمّا المغرب، فهو يصبح باسترجاعه للصحراء في وضع يؤهله لأن يكون أوّل دولة مصدرة للفوسفات، في وقت تضاعف فيه ثمن هذه المادة أربع مرات، كما سيمكنه ذلك، على نحو أو آخر، من مراقبة السوق الفوسفات العالمية، ومن فرض الأسعار في هذا المجال62. ولئن كانت اهتمامات المغرب باسترجاع الأقاليم الصحراوية لا تعود بالدرجة الأولى إلى العنصر الاقتصادي63، فإنه لا يُسمح لأيّ طرفٍ كان بالسيطرة على أقاليمه الصحراوية؛ حتى لا يوجد أمام منافسين له بخصوص تصدير مادة الفوسفات. إذن، بقيت الجزائر، البلد الأكثر اهتمامًا من بين دول المنطقة بما يجري في الصحراء المغربية من تطورات، إذ يعتقد بعض الباحثين أنّ الجزائر ترى أنّ وجود صحراء مستقلةً تحت إشرافها سيمكنها من الاشتمال - إضافةً إلى الثروات البترولية - على الفوسفات الذي تعدّه مادة حيويةً غير قابلة للتبديل، كما أنّه سيمكنها من الضغط على المغرب منافسها الوحيد على الزعامة في المنطقة، ومن تقوية مركزها تجاه العالم العربي والأفريقي64. علاوةً على ذلك، تستفيد الجزائر اقتصاديًا في حالة استقلال الصحراء. فوجود مناجم حديد كارة أجبيلات الغنية على بعد 400 كيلومتر من المحيط الأطلسي عبر الصحراء سيعوض نقله إلى موانئ شمال الجزائر التي توجد على بعد يضاعف ثلاث مرات المسافة السالفة الذكر، وهي عملية مريحة بالنسبة إليها، بخاصة إذا علمنا أنّ استغلال الجزائر لمثل هذه الثروات سيصبح أمرًا ضروريًا، نظرًا إلى ضعف احتياطاتها من البترول، إضافةً إلى المشكلة الديموغرافية التي ستعرفها مستقبلً65. وحاليًّا يظهر التنافس الجيو اقتصادي للدولة الجزائرية تجاه المغرب في ثلاث نقاط أساسية، وهي كما لي: من المعلوم أنّ المغرب، ولا سيما في السنوات الأخيرة، دشن سياسة جديدةً تتمثل بتنمية الأقاليم الجنوبية. لذا، يعتقد بعضهم أن الأوساط القيادية في الجزائر ترى أنّ إطالة أمد نزاع الصحراء من شأنه أن يواجه هذه المشاريع. تُعدّ مسألة الحدود مسألةً حيويةً للبلدين معًا، ويظهر ذلك من خلال اللقاءات العديدة بين مسؤولي البلدين حول مسألة فتح الحدود إلا أنّ الجزائر ترى أنّ ذلك من شأنه أن ينشط الطلب داخل السوق المغربية وينعش عمليات الاستثمار بالمنطقة الشرقية المغربية. على مستوى المشاريع، يرى بعضهم أنّ الجزائر تسعى لحرمان المغرب من حصته كبلد عبور من قيمة الغاز المنقول عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، وذلك عن طريق تجميد المقترح، وإنشاء خط مباشر في اتجاه إسبانيا من شأنه حرمان المغرب من موارد اقتصادية مهمّة66.

خاتمة

يتضح من خلال المعطيات السالفة الذكر أنّ فكرة "اتحاد المغرب العربي" كانت تعبيرًا قويًا ينمّ على مدى استيعاب رؤساء الدول المغاربية للتحولات التي شهدتها العلاقات الدولية. فمن المعلوم أن العالم في السنوات الأخيرة اتجه نحو خلق تكتلات إقليمية وجهوية؛ من أجل مواجهة التحديات التي بدأت تفرضها ظاهرة العولمة على مستويات عديدة. ويُعدّ الاتحاد الأوروبي من بين أبرز النماذج الذي شهدها العالم في هذا المضمار. إنّ بلدان المغرب العربي، بالنظر إلى موقعها الإستراتيجي المهمّ المتمثل بالربط بين الشمال والجنوب والشرق - وهو عامل إيجابي يجب استغلاله - أصبحت أكثر عرضةً للتحديات التي تفرضها العولمة المتوحشة اليوم. فالدول المغاربية اليوم تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عديدةً. فعلى المستوى الاقتصادي مازالت اقتصاديات الدول المغاربية هشةً وضعيفةً، غير قادرة على مواجهة اقتصاديات الدول العظمى، في ظل الانفتاح الاقتصادي العالمي، كما أنها غير قادرة على إيجاد فرص الشغل لفئة عريضة من شباب المنطقة، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام آفات اجتماعية خطِرة؛ من قبيل ارتفاع نسبة البطالة وتهديد الاستقرار الاجتماعي، إضافةً إلى ظاهرة الهجرة وخصوصًا غير الشرعية، نحو بلدان الشمال. ومن بين أبرز المظاهر التي تتّسم بالخطورة، والتي أصبحت تدق أبواب المنطقة برمتها، ظاهرة الإرهاب الذي يمتد على طول الساحل الصحراوي؛ من شمال مالي إلى دولة التشاد، متسللً نحو جنوب الجزائر، وهو أمرٌ لا يشكّل مصدر قلق بالنسبة إلى الدول المعنيّة فحسب، بل إنه يمكن أن يتمدد، على نحو

  1. المرجع نفسه.
  2. مطعيش، ص.257
  3. Albin Michèle (ed.), Hassan II: Le DEFI  (Colmar: Librairie Lire et Chiner, 1976), p. 197.
  4. مطعيش، ص.256
  5. عبد الله العروي، "حقوق المغرب الشرعية في صحرائه المسترجعة"، جريدة المحور،
  6. N. Soudi, “Maroc Algérie, le Maghreb ou le suicide,” l’essentiel (Juin 2001), p. 15.

أفقي أو عمودي. ومن ثمّ، لن تصبح القضية قضيةً جزائريةً أو مالية أو موريتانيةً، بل قضية منطقة بأكملها. أمام هذه التحديات والإكراهات المستعصية، أضحى تفعيل الاتحاد ضرورةً ملحةً بوصفه المشروع القادر على تحقيق آمال شعوب المنطقة، في ظل التكتلات الإقليمية والعالمية ذات الطبيعة الاقتصادية والسياسية والأمنية. فبناءُ مغرب عربي موحّد هو بناء للمجتمع والاقتصاد المغاربي، وأيّ فشل يعني إقبارًا لفكرة التغيير الجذري للواقع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، كما أنّ أمن المنطقة الجماعي من الأخطار المتعددة المهددة للمنطقة واستقرارها مرهون بالوحدة والتنسيق والتحرك الجماعي، ولا يمكن أن يتمّ ذلك إلا إذا جرَت معالجة كل الإشكاليات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية بين المغرب والجزائر وتم تجاوزها. فقد شكّل اختلاف أنظمة الحكم والخيارات الأيديولوجية والتوجهات الاقتصادية أحد أهمّ العوائق الأساسية التي حدّت من نجاح الاتحاد المغاربي. بل أكثر من ذلك، يُعدّ تضارب المصالح، بين المغرب والجزائر، المرتبطة بالعلاقات الثنائية والملفات الإقليمية، بوصف هذين البلدين الطرفين الرئيسين في الاتحاد، ممّ تمتد جذوره إلى ما هو أبعد من موضوع الصحراء، مع الاقرار بأنّ هذا الموضوع هو، من دون شكّ، العقدة المستعصية اليوم في الرهان المغاربي67. فالنزاع القائم الآن هو حول من يخرج منتصرًا في نزاع الصحراء، ومن تكون له الحظوة لدى الدول العظمى، وأخيرًا من سيفلح في ربط علاقات مع القوى العالمية الصاعدة. أمام تعثر هذا الطموح المؤجل لتحقيق الوحدة المغاربية وربح رهان التنمية، أصبح تحرك النخب الفكرية والسياسية والثقافية ضروريًا وملحًا للتفكير في مستقبل العلاقات المغربية - الجزائرية، كما حان الوقت لتحرك قوى المجتمع المدني للقيام بمبادرات في اتجاه فكّ العزلة عن شعوب المنطقة. فجلّ الإشكاليات المطروحة حاليًّا بين البلدين معلّق على هذه القوى مجتمعةً لأداء دورها التاريخي في خلق رؤى مشتركة وبلورتها. أمّا الحل الثاني، فيكمن في تفعيل مؤسسات الاتحاد المعطلة منذ زمن، إذ إنّ التفكير المشترك والجماعي من شأنه أن يساهم في اقتراح مخرجات قادرة على خلق اندماج ناجح بين دول المنطقة، كما يُعدّ مقترح الحكم الذاتي الموسع في الصحراء الذي اقترحه المغرب، والذي لقي صدى واسعًا لدى المجتمع الدولي وكلّ القوى السياسية الكبرى، مقترحًا من شأنه إنهاء النزاع، وطيّ صفحة الماضي، والتوجه نحو المستقبل. ومفتاح هذا الحل هو بيد كل من المغرب والجزائر بوصفهما البلدين المعنيين بهذه المشكلة. ولن يتمّ ذلك إلا إذا توافرت الإرادة السياسية للطرفين من أجل التوافق حول حلّ قضية الصحراء على نحو سلمي، وهو أمرٌ من شأنه أن ينهي النزاع في المنطقة، ويُعيد تطبيع العلاقات بين البلدين، ويُحيِي اتحاد المغرب العربي.

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: مؤسسة جمال للطباعة والنشر،.1979 أخريف، فؤاد. قضية الصحراء ما بين التاريخ والقانون والسياسة. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة،.1988 البغدادي، محمد. "النزاع الجزائري المغربي حول -الصحراء ألوان الغربية: أسبابه وآفاقه المستقبلية." مجلة. العددان 5 - 4 (صيف .)2005 المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب البكري، أبو عبيد.. ط  2، الجزائر: دوسلان،.1911 حفريات صحراوية مغربية بن منصور، عبد الوهاب.. الرباط: المطبعة الملكية،.1975 بنرمضان، العربي. "ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية بين التنظير والتطبيق (دراسة تاريخية مع دراسة للقضية الموريتانية وقضية الصحراء المغربية في الجانب التطبيقي.") رسالة دكتوراه، كلية الآداب سايس. فاس – المغرب. بيلسن، فان. "التطور السياسي والإداري لدول أفريقيا الحديثة"، السياسة الدولية. العدد 13 (تموز/ يوليو.)1968 التركماني، عبد الله. "كيفية التعاطي المغاربي المجدي مع التحديات، في نصف قرن على المشروع المغاربي كلفة اللامغرب." أشغال الندوة المغاربية المنظمة من جهة مختبر الدراسات الدستورية والسياسية. مراكش: تشرين الثاني/ نوفمبر .2008 جوهر، أحمد نبيل. قرارات منتظم الوحدة الأفريقية: النظرية والتطبيق ودورها في حل مشاكل القارة. الإسكندرية: دار المعارف،.1987 الحداد، محمد. "الصحراء المغربية بين حق الوحدة وحق الانفصال." دراسات عربية. العدد 4 (شباط/ فبراير .)1976

  1. عبد الله التركماني، "كيفية التعاطي المغاربي المجدي مع التحديات، في نصف قرن على المشروع المغاربي كلفة اللامغرب"، أشغال الندوة المغاربية المنظمة من جهة مختبر الدراسات الدستورية والسياسية، مراكش (تشرين الثاني/ نوفمبر 2008)، ص .124

دهبي، عبد الحق. قضية الصحراء المغربية ومخطط التسوية الأممي: دراسة قانونية وسياسية في مسارات التسوية في نطاق المنظمات الدولية. الرباط: دار أبي رقراق،.2003 السياسة الخارجية للمغرب دي لارامندي، ميغيل هيرناندو.. سلسلة ضفاف 9. الرباط: منشورات الزمن،.2005 الركيبي، رشيد. الأمم المتحدة وقضية الصحراء المغربي: أرضية عامة حول تطورات قضية الصحراء المغربية. الرباط: المعهد العالي للإعلام والاتصال،.2002 الشامي، علي. الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي. بيروت: دار الكلمة للنشر،.1980 المغرب والاستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية عياش، ألبير.. ترجمة عبد القادر الشاوي ونور الدين السعودي. الدار البيضاء: دار الخطابي للطباعة والنشر،.1985 دراسات في تاريخ المغرب عياش، جرمان.. الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين:.1986 غالي، بطرس. "أفريقيا وأزمة الحركة الوحدوية، السياسة الدولية." العدد 27 (كانون الثاني/ يناير.)1972. "حرب الصحراء في المغرب العربي"، السياسة الدولية. العدد 44 (نيسان/ أبريل.)1976 الفاسي، محمد. وعبد الكبير الفاسي، الصحراء المغربية الواقعة تحت الاستعمار الإسباني. الرباط: وزارة الدولة لشؤون الاعلام والاتصال، .1975 الفراوي، نزار. تحليل مواقف الجزائر والبوليساريو للتطورات الأخيرة لقضية الصحراء. الرباط: منشورات منتدى 21 للحوار والتنمية، نيسان/ أبريل.2002 فرشاخ، إدريس. "قضية الصحراء من الاستعمار إلى المسيرة الخضراء." مجلة المقاومة وجيش التحرير، العدد.)1994(35 تاريخ المغرب في القرن العشرين لاندو، روم.. ترجمة نقولا زيادة، بيروت: دار الثقافة، .1980 المساري، العربي. "المغرب/ الجزائر هل من تغيير؟." وجهة نظر. العدد 28 (ربيع.)2006 مصيلحي، محمد الحسيني. منظمة الوحدة الأفريقية من الناحيتين النظرية والتطبيقية. القاهرة: دار النهضة العربية، .1967 مطعيش، عبد الجبار. العلاقات المغربية الجزائرية من 1830 إلى اليوم. رسالة دبلوم الدراسات العليا، كلية الحقوق، الرباط،.1992 الطاهري النوفالي،. الصحراء المغربية بين مشروعية الاندماج ومشروع الانفصال. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية، .1997

الأجنبية Benramdane, Abdelkhalak. Le Sahara occidental enjeu

maghrébin. Paris: Karthala, 1992. Hormat-Allah, Moussa. Chroniques sahariennes: les enjeux géopolitiques et géostratégiques du conflit du Sahara. Rabat: Mils, 2004. Ihrai, Said. Pouvoir et influence: état, partie et politique étrangère au Maroc. Rabat: Edino, 1986. Maazouzi, Mohamed. Tindouf et les frontières méridionales du Maroc. Maroc: Casablanca, 1977. Michèle, Albin (ed.). Hassan II: Le DEFI. Colmar: librairie Lire et Chiner, 1976. Raffinot, M. & P. Jacquenot.  Le Capitalisme de l’état Algérien. Paris: Maspero, 1977. Soudi, N. “Maroc Algérie, le Maghreb ou le suicide.” l’essentiel (Juin 2001). Toumi, Mouhsen. Le Maghreb, Collection Que sais-je? Paris: P.U.F, 1982. Trédaro, Benmassoud. Le Sahara Marocain, une décolonisation pas comme les autres. Rabat: Maarif El- Jadida, 1991. Weexteen, Raoual. L’O.U.A et la question saharienne in Annuaire de l’Afrique du nord. Paris: Editions C.N.R.S, 1979.