أزمة السياسة الخارجية الجزائرية بين ميراث المبادئ: وحسابات المصالح: دراسة حالة "الربيع العربي"

Rabah Zeghouni رابح زغوني |

الملخّص

أضفى تغيّر المعطيات الدولية الخاصة بانهيار المعسكر الشرقي مزيدًا من التحدي على استمرارية تطبيق أهمّ مبدأ حَكم عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال (مبدأ عدم التدخل في شؤون الداخلية للدول)، وهذا ما أدى إلى ظهور السياسة الخارجية الجزائرية في حالةٍ من الأزمة كل فت الجزائر تراجع دورها وانحسار تأثيرها الدولي. وترى هذه الدراسة، من خلال مناقشة مقاربة السياسة الخارجية الجزائرية لموجة الربيع العربي، أنّ حالة هذه الأزمة يمكن فهمها في عدم قدرة صانع القرار الجزائري على إنتاج خطاب خارجي يوائم بين ميراث دولية بمواصفات المحايد والوسيط المقبول مبدأ "عدم التدخل" الذي صنع للجزائر هوية، واعتبارات المصلحة الوطنية التي تقتضي تكييف ا مرن ا لهذا المبدأ. ومِثل هذا العجز هو الذي يفسر تراجع أداء الدبلوماسية الجزائرية في التعامل مع تداعيات ما سُ مي "الربيع العربي" والقضايا الدولية الراهنة عمومًا. كلمات مفتاحية:: أزمة السياسة الخارجية، المصلحة الوطنية، مبدأ عدم التدخل، الربيع العربي. The changing international conditions after the collapse of the Eastern bloc, have creating more challenges to the continuity of the main principle that have governed the Algerian foreign policy “the non-interference principle”. This led to a crisis in the Algerian foreign policy, which appear in the decline of its international role and regional influence. Through discussing the Algerian approach to the Arab Spring, This article proposes that the crisis can be understood in the inability of the Algerian decision -maker to produce an external speech that reconcile between Algerian foreign policy doctrine and its national interests considerations.Such a deficit is what explains the decline of Algeria in dealing with the aftermath of the Arab spring and current international issues in general. Keywords: Foreign Policy Crisis, National Interest, Non-interference principle, Arab Spring.

Algerian Foreign Policy Crisis Between Principles Legacy and Interests Accounts: ‘Arab Spring’ as a Case Study

مقدمة

لطالما شكّلت السياسة الخارجية أحد مجالات السياسة العامة القليلة جدًّا في الجزائر التي تتقارب، في أغلب الأحيان، بشأنها رؤى، وتلتقي آمال الفاعلين السياسيين من نخبة حاكمة، وأحزاب سياسية، وفعاليات المجتمع المدني. فكثيرًا ما كانت تجتمع في المواقف ويحصل التوافق في ما بينها حول العديد من القرارات الدبلوماسية الجزائرية في محيطها الخارجي بعد الاستقلال، بل كثيرًا ما كانت السياسة الخارجية الجزائرية تجلب تأييد فئة واسعة من الرأي العامّ الجزائري، وتخلق لديه رضًا - يكاد يكون نادرًا - حول أداء الحكومات المتعاقبة. ويجد ذلك تفسيره في ما تعكسه مواقف السياسة الخارجية من نسق عقيدي وطني ثوري بطبعه؛ أي خصائص الشخصية الوطنية للشعب الجزائري المتشبّثة برفض كل أشكال الظلم والتبعية، والعقيدة الثورية لهذا الشعب المتشبعة بالروح الاستقلالية ومعاداة التدخل الأجنبي.

منذ الاستقلال، سنة 1962، وتماشيًا والنسق العقيدي الوطني، أسّس صانع القرار الجزائري سياسةً خارجيةً مستندةً إلى عقيدة الاستقلالية في اتخاذ القرار الخارجي، قائمة على فلسفة عدم التدخل في شؤون الآخرين، مع رفض مظاهر الإمبريالية، والانحياز إلى الشعوب المستعمَرة، واحتضان التيار الثوري التحرري. وقد كان لتبنّي الدبلوماسية الجزائرية، وثباتها على تلك المبادئ، والاستمرار عليها، أثرٌ مزدوج في سمعة السياسة الخارجية الجزائرية داخليًا وخارجيًا. فعلى المستوى الداخلي، جرى كسْب المزيد من الشرعية السياسية الثورية وخلْق توافق سياسي داخلي مقبول حول الدبلوماسية الخارجية. وعلى المستوى الخارجي، جرى تكوين سمعة خارجية إيجابية للجزائر مكّنتها من اكتساب صورة الدولة المحترمة لسيادة الدول وغير المستعدة للتدخل في شؤونها الداخلية، والدولة المقبولة لدى الأطراف المتنازعة كوسيط محايد وغير منحازٍ، ما أهّلها لتحقيق نجاحات دبلوماسية بارزة طوال فترة الحرب الباردة. إذا ما استثنينا عقد التسعينيات حين دخلت الجزائر في أزمة داخلية متعددة الأبعاد فرضت عليها ركودًا في النشاط الدبلوماسي الخارجي، فإنّ مواقف السياسة الخارجية الجزائرية تجاه الأحداث الدولية والإقليمية بعد انحسار الأزمة الداخلية تتطلّب أن نلاحظ التراجع في مكاسب السياسة الخارجية السابقة. فالتراجع يتضح، داخليًا، من جهة تراجع الإجماع الداخلي حول السياسة الخارجية، وتصاعد الأصوات المعارضة لبعض خياراتها. أمّا التراجع من الناحية الدولية، فهو يتضح من جهة التراجع الملحوظ في حضور الدبلوماسية الجزائرية وفعاليتها في فضاءات تأثيرها التقليدية عربيًا، وأفريقيا، وعلى مستوى الدول النامية؛ إذ أصبحت السياسة الخارجية الجزائرية تكتفي بردّة الفعل، بدلً من المبادرة بالفعل، وتتعامل مع الأحداث الدولية والإقليمية حالةً بعد حالة، من دون رؤية إستراتيجية متكاملة كما هو الشأن في السابق، ما أدى إلى فقدان الدبلوماسية الجزائرية جزءًا مهمًّ من حضورها التقليدي الوازن، وإلى تراجع مكاسبها الدولية السابقة في الوساطة. على الرغم من محاولات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إعادة المجد الدبلوماسي للجزائر، لتضطلع بدور أكبر وحضور أقوى على الساحة الدولية - وهو الجانب الذي كان محورًا رئيسًا لبرنامج حملته الانتخابية سنة 1999 الذي تحقق دوريًا في بعض القضايا الإقليمية والدولية مثل الوساطة في النزاع الإثيوبي الإريتري عام 2000 وفي أزمة الساحل الأفريقي عام 2015 وفي لمّ شمل الدول المصدرة للنفط في اجتماع الجزائر عام 2016 - فإنّ ذلك يظل أقلّ من المتوقع والمأمول لدولة بالثقل الإستراتيجي للجزائر، وهو أمرٌ يفترض أن يؤهلها للاضطلاع بدورٍ أكبر وحضورٍ أكثر فاعليةً، على نحوٍ يؤشر في الحصيلة إلى أنّ السياسة الخارجية الجزائرية تعيش حالةَ أزمةٍ، هي أزمة التوفيق بين المبادئ الراسخة التي تؤكد عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومتطلبات الدور وحسابات المصلحة الوطنية التي تقتضي نشاطًا دبلوماسيًا أكبر ومتابعةً أعمق للأحداث الدولية. إنّ موقف الجزائر ممّ عُرف ب "ثورات الربيع العربي" يمثل النموذج الأكثر وضوحًا لحالة الأزمة في السياسة الخارجية الجزائرية على الوجه السابق ذكره. فحتى في حال اختلاف الخطاب الجزائري الرسمي في تعامله مع تلك الثورات من دولة إلى أخرى من حيث درجته وقوته، فإنّ جوهره كان واحدًا يعكس تقاليد الدبلوماسية الجزائرية في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. فلقد جاء الحرص واضحًا على التزام الحياد، وعدم الميل إلى تأييد أيّ طرف على حساب الآخر في تلك الأحداث، كما حرصت السياسة الخارجية الجزائرية على اللجوء إلى توظيف الدبلوماسية الوقائية - عبر مركزها في هيئات ومؤسسات إقليمية كالاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية - في إبداء المواقف

والقيام بمساعٍ ومبادرات، وكل ذلك بدلً من أن تكون دولةً فاعلة مبادرةً، مؤثّرةً في محيطها، تؤدي أدوارًا فاعلةً من خلال مسؤوليها وفق نظرة تحفظ المصالح، وتقدّر الرهانات التي جرت بعضها عند حدود البلاد1.

إشكالية الدراسة

تبحث هذه الدراسة في تراجع دور السياسة الخارجية الجزائرية في محيط تأثيرها الإقليمي القريب وفي المحيط الدولي عمومًا، وتقارن ذلك بتاريخ دبلوماسيتها الحافل؛ فهي تبدو متراجعةً على نحوٍ غير ملائم للثقل التاريخي والاقتصادي والجيوسياسي للجزائر، ولا يتلاءم ذلك أيضًا مع المتطلبات المرتبطة ب "الدور"؛ أي المتطلبات التي تقتضي أن تكون الدبلوماسية الجزائرية ديناميةً، نشيطةً، مبادِرةً لا تكتفي بردّة الفعل. أطروحة "نظرية الدور الوطني بحسب " National Role Conception، فإنّ سلوك الدول في سياساتها الخارجية يعكس، في أغلب الأحيان، الخصائص المادية والثقافية الداخلية التي تخلق لها دورًا ما يُعطي معنى وهدفًا لحركتها في البيئة الخارجية. وفي ضوء ذلك تتحدد الخيارات والأهداف والسلوكيات الملائمة للدولة في سياستها الخارجية. ووظيفة هذا الدور هو إرضاء الفهم الوطني العامّ حول دور دولهم في العالم. فالدور الوطني هو "تعريف صنّاع القرار بالأنواع العامة من القرارات، السلوكيات، القواعد والأفعال المناسبة لدولهم والوظائف الواجب على دولهم تأديتها[...]إنها تصوراتهم عن التوجهات أو الوظائف المناسبة لدولهم نحو البيئة الخارجية"2. إنّ تقدير مواقف السياسة الخارجية الجزائرية على الساحة الدولية، وتحديدًا مقاربتها لما سُمّي "الربيع العربي"، تُظهر الدبلوماسية الجزائرية مُقصّ ةً في أداء دورها تحت مبرر الالتزام بالمبادئ الراسخة للدبلوماسية الجزائرية بعدم التدخل. وهذا التعارض هو أساسًا مبعث البحث في إشكالية العلاقة ما بين المبادئ والمصالح في السياسة الخارجية الجزائرية عبر السؤال المركزي: هل تعرف السياسة الخارجية للجزائر حالة أزمةٍ في التوفيق بين ميراث مبادئها ومتطلبات دورها ومصالحها؟ في مناقشة هذه الإشكالية تستعين هذه الورقة بمساهمات الجهد التنظيري المُقدم في نظرية السياسة الخارجية، إذْ تزودنا كلّ من النظريتين الواقعية والبنائية برؤى نظرية متضاربة بشأن العلاقة بين ال "مصالح" وال "مبادئ" في السياسة الخارجية وترتيبهما في أولوية أهداف الدول الخارجية؛ بين التصور الواقعي الذي يُعلي من شأن المصالح على حساب المبادئ، والتصور البنائي الذي يُعطي الأولوية للمبادئ على حساب المصالح المادية. وتعرف هذه الدراسة الأزمة في السياسة الخارجية في صورة عدم التوفيق بين ميراث المبادئ وحسابات المصالح، ويظهر ذلك في صورتين: الأولى، هي صورة الالتزام بالدفاع عن المصالح مع التنكر للمبادئ. والثانية، هي صورة الالتزام بالدفاع عن المبادئ حتى إنْ أدّى ذلك إلى تضييع بعض المصالح.

فرضية الدراسة

ترى هذه الدراسة أنّ السياسة الخارجية الجزائرية تعيش حالة أزمةٍ تظهر في صورة الحرص على الالتزام بالدفاع عن المبادئ، حتى في الحال التي يؤدّي فيها ذلك إلى التفريط في المصلحة والاضطلاع بدور أكبر في المحيط الإقليمي والدولي. وعمليًا، تفحص الدراسة هذه الفرضية من زاوية تتعلق بجدوى مبدأ عدم التدخل كتقليد ثابتٍ في السياسة الخارجية الجزائرية. وهي في ذلك تنطلق من افتراض مفاده أنّ هذا المبدأ "الحميد" إنْ كان حقّق سابقًا مكاسب للدبلوماسية الجزائرية جمعت ما بين الحفاظ على المصالح والاحتفاظ بالسمعة الدولية للجزائر ودورها الفاعل، فإنّ الاستمرارية في التمسك بمبدأ غير متغير في التعامل مع عالم متغير وقضايا متغيرة أدّى إلى القطيعة ما بين الحفاظ على المصالح والاحتفاظ بميراث المبادئ.

أهداف الدراسة

الهدف الرئيس لهذه الدراسة هو البحث في أسباب تراجع تأثير السياسة الخارجية الجزائرية في محيطها الجيوسياسي القريب، وفي العالم، مقارنةً بتاريخ دبلوماسيتها الحافل بالإنجازات، مع السعي لبلوغ أهداف فرعية أهمها: التعريف بعقيدة السياسة الخارجية الجزائرية وأبعاد هويتها الداخلية "الهوية الوطنية" والدولية "السمعة الدولية." التعريف بمبدأ عدم التدخل كمبدأ ثابت في السياسة الخارجية الجزائرية؛ من جهة مفهومه، وكيفية نشأته وتطبيقاته.

  1. مثنى فائق العبيدي وإيمان موسى النمس، "تعامل العراق والجزائر مع الربيع العربي: دراسة مقارنة في الموقف والانعكاسات"، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، 2015/3/25، شوهد في 2016/12/14، في: http://www.beirutme.com/?p=10123
  2. Joshua W. Busby, “Good States: Prestige and Reputational Concerns of Major Powers under Unipolarity,” paper presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association, Washington, DC 1-4/9/2005, p. 10.

تقييم الموقف الجزائري من ثورات الربيع العربي والمحددات المتحكمة في ذلك الموقف. تقييم مدى مواءمة مبدأ عدم التدخل كمبدأ ثابت في السياسة الخارجية الجزائرية في عالم فقَد فيه هذا المبدأ وزنه أمام مفاهيم "واجب التدخل" و"حماية حقوق الإنسان." تحديد معنى جديد لمبدأ عدم التدخل في معناه الإيجابي بأن تكون السياسة الخارجية ديناميةً، نشيطةً، حيويةً، تستجيب للأحداث بسرعة، وقادرة على الدفاع على مواقفها وكسب الحلفاء؛ من أجل الدفاع عن تصوراتها.

الدراسات السابقة

في حقيقة الأمر، على الرغم من أهمية الموضوع، فإننا نجد أنّ الكتب والمقالات الأكاديمية التي تناولت البحث في السياسة الخارجية الجزائرية الحديثة قليلةً، وأكثر ما كُتب في الموضوع جاء، في أغلب الأحيان، في رسائل جامعية غير مطبوعة. وهذا ما يُقلّل، بكلّ أسف، من فُرص وصولها إلى القارئ العربي. ومن أمثلة تلك الدراسات ما لي: كتاب عبد الله بالحبيب السياسة الخارجية الجزائرية في ظل الأزمة 1997-1992 3. ففيه درس الباحث، على نحو خاصّ، موضوع السياسة الخارجية الجزائرية في فترة العزلة الخارجية للجزائر التي سمّ ها "مرحلة الأزمة"، وتناول الموضوع في بعدين رئيسين؛ هما صنع السياسة الخارجية وتنفيذها. وتعرض الباحث في الجزء الأول لمجموع المتغيرات البيئية المساهمة في صنع السياسة الخارجية الجزائرية، في حين خصص الجزء الثاني لتنفيذ السلوك السياسي الخارجي وعلاقته بإدارة الأزمة. وبصرف النظر عن المجال الزمني الذي تغطيه دراسة الباحث التي لا تمتد إلى راهن السياسة الخارجية الجزائرية - وهو السياق الزمني لدراستنا هذه - فإنه يُسجل في شأنها، على الرغم من اعتماد الباحث متغيرات بحثيةً ضمن مستويات تحليل متعددة، إغفال المتغير المجتمعي المعرف بالنسق العقيدي الوطني الذي يؤسس عقيدةً متميزةً للسياسة الخارجية الجزائرية، وهذا ما تحاول هذه الدراسة تبيانه. ثمّ إنّ الباحث ركّز في طريقة إدارة الأزمة الداخلية من خلال توظيف السياسة الخارجية، وهذا ما جعل السياسة الخارجية الجزائرية تبدو في بحثه كمتغير مستقل، في حين أنّنا نعاملها في هذه الدراسة كمتغير تابعٍ يستدعي تحليلً وتفسيرًا. رسالة محمد الطاهر عديلة "أهمية العوامل الشخصية في السياسة الخارجية الجزائرية "2004-91994. وقد خصصت الرسالة لفحص تأثيرِ مستوى تحل ليٍّ يكون تأثيره، في أغلب الأحيان، كبيرًا في السياسات الخارجية لدول العالم الثالث؛ هو المستوى الفردي المتعلق بشخصيات صنّاع القرار. وغاصت الدراسة في فحص الخصائص والدوافع الشخصية، إضافةً إلى النسق العقيدي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبحثت في العوامل الداخلية والخارجية المساهمة في تعظيم أسباب انفراد الرئيس باتخاذ قرار السياسة الخارجية في النظام السياسي الجزائري. وعلى الرغم من أهمية هذا العامل في محاولة فهم السياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال، فإنّ التحليل من هذا المستوى بمعزل عن عوامل تأثير أخرى يبقى مسعى غير كافٍ، وحتى مضللً، أحيانًا، في ضوء معطيات الدور وقيود المبادئ الراسخة للسياسة الخارجية الجزائرية، وهذا ما تحاول هذه الدراسة تبيان أهميته.

أهمية الدراسة

من خلال بحثنا في موضوع السياسة الخارجية الجزائرية نسجل ملاحظتين أساسيتين؛ أولاهما غلبة الدراسات التي تركّز في الجانب الدبلوماسي للسياسة الخارجية على حساب الجانب الإستراتيجي، ما يجعل الدراسات تميل إلى تقدير السياسة الجزائرية، في ضوء نجاحات الجزائر في الوساطة والتسوية السلمية في عدد من القضايا الدولية والإقليمية بدلً من تقييمها، وهذا ما سوف تحاول هذه الورقة البحثية تجاوزه. أمّا ثانيَتهما، فهي متمثّلة بأنّ ما كُتب أكاديميًا حول الموقف الجزائري من ثورات الربيع العربي جاء قليلً، مقارنةً بالكتابات الإعلامية، وهذه الورقة البحثية هي محاولة أكاديمية متواضعة لتدارك هذا النقص.

المقاربة المنهجية

اعتمدنا في هذه الورقة، أساسًا، على المنهج "المقارن"، إذْ نقارن بين تطبيق الجزائر لمبدأ عدم التدخل في فترة الحرب الباردة وما بعدها؛ ذلك أنّ التغيير في بنية السياسة الدولية ومواضيعها أدّى إلى انكفاء

  1. 4 محمد الطاهر عديلة، "أهمية العوامل الشخصية في السياسة الخارجية الجزائرية 2004-1999"، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية، جامعة قسنطينة، الجزائر،.2005
  2. 3 عبد الله بالحبيب، السياسة الخارجية الجزائرية في ظل الأزمة 1992 -  97 19 (عمان: دار الراية للنشر والتوزيع،.)2012

بعض مبادئ السياسة الخارجية، وهو ما انعكس على سياسات خارجية لعدّة دول؛ منها الجزائر.

المصلحة والهوية بوصفهما هدفين للسياسة الخارجية: مقاربة نظرية

تفترق نظريات السياسة الخارجية بشأن الهدف الأسمى للدول، في ما يتعلّق بتحركاتها في البيئة الدولية، بين التصور المادي للنظرية الواقعية التي تفترض أنّ الدول في سياساتها الخارجية – كفواعل عقلانية - إنما تسعى لتحقيق مصلحتها الوطنية المعرّفة بالبقاء والأمن، والتصور الاجتماعي للنظرية البنائية التي تجادل بأن الدول - كفواعل اجتماعية - تسعى من خلال سياستها الخارجية لتأكيد هويتها الوطنية "المعايير الوطنية" وهويتها الدولية "السمعة الدولية" حتى تشعر بالرضا.

الواقعية السياسية: المصلحة الوطنية هدف ا رئيسًا للسياسة الخارجية

تنطلق النظرية الواقعية للسياسة الخارجية من مسلمة مركزية أُولى متعلقة بالفاعل، مقتضاها أنّ الدولة فاعل "واحد" و"موحَّد" و"عقلاني"، وفقًا لافتراضات نموذج "الفاعل العقلاني" الذي تتبناه. وهي تأخذ بعد ذلك بمسلمة ثانية مرتبطة بنسق التفاعل؛ أي إنّها متعلقة بفوضوية النسق الدولي المعرّف بغياب سلطة مركزية دولية لتحقيق الأمن والاستقرار دوليًا، لتنتهي إلى التسليم أخيرًا بالطبيعة النفعية لأهداف السياسة الخارجية النهائية التي تسعى الدولة لتحقيقها؛ أي الدفاع باستمرار عن المصلحة الوطنية5. يشير مفهوم المصلحة الوطنية إلى مجموعة قيمٍ أساسية مرتبطة بوجود الدولة، معرّفة عبر تاريخها كلّه، وهي بذلك أهداف وجود واستمرار لا تتغير على الرغم من أنّ وسائل تحقيقها قد تتغير. وتجادل الواقعية بأن أهمّ مصالح الدولة تبقى في تأمين بقائها. ففي ظل نسق دولي فوضوي، تكون مجبرةً على أن تضمن، إلى أقصى حدّ ممكن، تقليص أيّ خطر خارجي قد يهدد أمنها. وعلى الرغم من أنّ الواقعية لا تعدّ الأمن الهدف الوحيد للدولة، فإنّها ترى أنّه يبقى الهدف الأساسي؛ لأن تحقيق أيّ هدف في قطاعات أخرى غير القطاع الأمني مرتبط أساسًا بتحقيق درجة كافية من الأمن. لذا، تكافح الدول من أجل أن تحافظ على أمنها6، أو من أجل زيادة هذا الأمن7. نتيجةً لذلك، تكون المصلحة في تحصيل الأمن هي المصلحة الأساسية لجميع الدول، وهي التي تحدّد وتعرّف باستمرار سلوكياتها الخارجية. إذن، يُعَدّ سلوك السياسة الخارجية للدول محكومًا بالمصلحة الوطنية، على أنّ المسألة الأكثر أهميةً لأيّ مصلحة وطنية تكون بتحقيق البقاء، وضمان الأمن الوطني في شكل السلامة الترابية، والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في بيئة دولية تنافسية، ما يعني أنّ السياسة الخارجية للدولة تتعلق كليًا أو نسبيًا - على الأقل - بالقيم المادية، وأنه يمكن قياسها بالمنظور الاقتصادي للتكاليف والمكاسب؛ أي كيف يمكن تحقيق المكاسب بأقلّ التكاليف؟8 وفي مسعى تحقيق أمنها، تفترض الواقعية أنّ الدول تكافح من أجل زيادة قوّتها، أو ما يعرف في أدبيات الواقعييّن بمفهوم "سياسية القوة" Power Politics التي يمكن تحصيلها عبر خياري الاستقلال Autonomy أو النفوذ Infulence كأهم مكونين للقوة السياسية الواقعية. فأمّا الاستقلال، فهو يعني مدى قدرة الدولة على تجنب سيطرة الدول الأخرى في النسق الدولي على إقليمها، وتوجهاتها، وقراراتها، وأنّ أيّ قصور في ذلك يمكن أن يؤدي إلى اختزال قدرتها في "الاعتماد على الذات" كسلوك ضروري لتحقيق الأمن. وأمّا النفوذ، فهو يعني مدى قدرة الدولة على ممارسة التأثير في بيئتها، سواء كان ذلك بالنسبة إلى السياسات الخارجية للدول الأخرى أو القرارات الجماعية التي تخدم مصالحها؛ فأكثر الدول قدرةً على التأثير في بيئتها تكون هي الأكثر فعاليةً في متابعة مصالحها وتحقيقها9.

البنائية الاجتماعية: الثبات على الهوية هدف ا للسياسة الخارجية

تنطلق النظرية البنائية للسياسة الخارجية من مسلّمة أولى، هي أن الدولة فاعلٌ اجتماعي وليس عقلانيًا؛ فهي توجّه سياستها الخارجية بنًاء على مجموعة من التوقعات القيمية حول السلوك الملائم أو ما يسمى "المعايير." وهي تؤكد في مسلّمة ثانية أنّ الدولة كفاعل اجتماعي إنما تتخذ قرارات سياستها الخارجية وفق "منطق الملاءمة." فهي لا تختار بديلً ما إلّ بعد أن تقيّم مدى ملاءمة نتائج ذلك لدورها

  1. بشأن النظرية الواقعية للسياسة الخارجية، انظر: رابح زغوني، "تفسير السياسة الخارجية الفرنسية تجاه العراق منذ حرب الخليج الثانية: فحص للمقاربات النظرية"، رسالة ماجستير
  2. Volker Rittberger, “Approaches to the Study of Foreign Policy Derived from International Relations Theories,” Tübinger Arbeitspapiere zur internationalen Politik und Friedensforschung, Tübingen's work on international politics and peace research, Working Paper no. 30 a, Tübingen, Germany (2004), p. 12.
  3. Rittberger, p. 12.
  4. Olav Knudsen, “National Interests and Foreign Policy: On the National Pursuit of Material Interests,” Cooperation and Conflict , vol. 14, no. 11 (1979), p. 12. 9  Rittberger, pp. 12 - 13.
  5. في العلاقات الدولية، قسم العلوم السياسية، جامعة باتنة، الجزائر، 2008، ص 21 - .36

الاجتماعي، وهويتها، أو عقيدة سياستها الخارجية؛ وفق منطق "الملاءمة الاجتماعية"، لتنتهي إلى التسليم أخيرًا بأنّ أهداف السياسة الخارجية للدولة هي، أساسًا، معيارية، يسعى من خلالها الفاعل للحفاظ على دوره الاجتماعي. إنها بتعبير آخر "سياسة الثبات على الهوية"10. ترفض البنائية معاملة الدول كوحدات عقلانية تتخذ قراراتها بنًاء على حسابات عقلانية دقيقة. وبدلً من ذلك، تعُدّ أنّ قراراتها تُتخذ على أساس المعايير؛ وهي "القواعد التي تعكس عوامل تذاتانية وتجارب تاريخية ثقافية ومضامين مؤسساتية"11. ومن ثمّ، تقترح البنائية أن يكون "الالتزام بالمعايير" هدفًا للسياسة الخارجية للدول على نحو يتجاوز هدف "المصلحة الوطنية" الضيق عند الواقعية. فالبنائية تتحدى التفسير المادي للواقعية حول المصلحة الوطنية كمعطى موضوعي مسبق، وتجادل بدلً من ذلك، بأنّ المصلحة الوطنية تتشكّل عبر تفاعل "تاذاتاني"؛ أيْ إنها ذاتية التكوين بالنسبة إلى الفاعل. إنّ المصلحة الوطنية هي نتاج للمعايير من أفكار، ومعتقدات، ومبادئ. وهذه المعايير هي التي تضع مقاييس، في سلوك السياسة الخارجية، لتحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ، وما هو عادل وما هو غير عادل. وبالنسبة إلى صانع القرار، تصبح هذه المعايير بمنزلة "توجيهات" للسلوك السياسي12. وبما أنّ نسق التفاعل بالنسبة إلى الدولة مزدوج (داخلي وخارجي)، فإن معايير السياسة الخارجية تجد مصدرها في مستويين أحدهما محل والآخر دولي. أمّا في المستوى المحلّ، فهي تُعرف ب "الهوية الوطنية " Identity National التي تعكس ثقافة الأمة وقيمها وتصوراتها، وتتضمن القيم المشتركة والرؤى حول ما تمثّله الدولة لأعضائها وللعالم الخارجي، والأدوار التي يُفترض أن تضطلع بها في قضايا السياسة العالمية اضطلاعًا ينسجم وهوية المجتمع الداخلي. وأمّا في المستوى الدولي، فهي تُعرف ب "هوية الدولة " Identity State؛ أي مجموعة المعايير المشتركة التي تتلقاها الدولة ضمن المجتمع الدولي وتقتنع بها وتتبنّاها إلى حدّ تصبح فيه تعبيرًا عن هويتها الدولية وعاملً معرّفًا بأهدافها الجماعية (كمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول)، وتجعل الدول باستمرار من مِثل هذه المعايير مرجعًا لسياستها الخارجية؛ تأكيدًا لهويتها الدولية التي تُعرف في هذه الحالة ب "السمعة الوطنية".13 National Reputation

عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية:

الهوية الوطنية والدولية للدبلوماسية الجزائرية

من زاوية تحليل النظرية البنائية، فإنّ قرارات الدول في سياساتها الخارجية لا تتشكل فجأةً في أذهان صانعي القرار، كما أنّها لا تُتّخذ بمعزل عن بيئة القرار الاجتماعية المعقدة؛ لأنّ السياسة الخارجية إنما هي تمثّلٌ لخبرات الدول السابقة وللمعتقدات السياسية التي تراكمت لها عبر الزمن، والتي يمكن النظر إليها كعوامل مكونة ل "نسق الدولة الأسطوري"14 أو ما يمكن أن يُسمّى "عقيدة السياسة الخارجية" أو "هويتها." في حالة الجزائر، تمكّنت السياسة الخارجية الجزائرية من بناء هوية خاصة بها معرّفة لها)هوية وطنية(ومعرّفة بها على المستوى الدولي)هوية دولية(، فتكوَّن لديها منذ الاستقلال ما يمكن تسميته عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية. وقد جاء ذلك نتيجةً حتميةً لتبنّي الجزائر مجموعةً من القيم ومعايير السلوك والثبات عليها في مواقفها الدولية، والالتزام بها واقعيًا في سلوكياتها الخارجية. وقد مكّن ذلك الدبلوماسية الجزائرية من اكتساب صورة الدولة المحترمة لسيادة الدول، وصورة الدولة غير المستعدة للتدخل في شؤون الدول الداخلية، فضلً عن صورة الدولة المقبولة لدى الأطراف المتنازعة كطرف ثالث غير منحاز، ومحايد، ما أهّل الجزائر لتحقيق نجاحات دبلوماسية بارزة والاضطلاع بدور "الوسيط" في عدد من القضايا الجهوية والعالمية، ومنحها في الوقت ذاته دورًا قياديًا متميزًا كقوة إقليمية في سياق الفضاء العربي الأفريقي، وعلى مستوى دول العالم الثالث ك "قلعة للثوار." ترجع عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية حتى إلى ما قبل ظهور الدولة المستقلة الحديثة في عام 1962؛ ذلك أنّها إلى حدّ كبير نتاج للكفاح السياسي والعسكري الذي انتهجته الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد ورثت النخبة السياسية، في فترة ما بعد

  1. لمزيد من التفصيل بشأن النظرية البنائية للسياسة الخارجية، انظر: زغوني، ص 49 - .63
  2. Pinar Ipek, “Ideas and Change in Foreign Policy Instruments:
  3. زغوني، ص.60 14 تفسير السياسة الخارجية لويد جنسن،، ترجمة محمد بن أحمد مفتي ومحمد السيد سليم (الرياض: عمادة شؤون المكتبات بجامعة الملك سعود، 1989)، ص.83
  4. Soft Power and the Case of the Turkish International Cooperation and Development Agency,” Foreign Policy Analysis , vol. 11, no. 2 (2015), p. 175.

الاستقلال، تجربةً رائدةً تراكمت للجزائر في النشاط الدبلوماسي إبّان فترة الكفاح المسلح، ساهمت في تكوين المبادئ الأساسية لسياستها الخارجية والتحالفات الناشئة، وحتى شخصيتها الدبلوماسية15. وإن هذه المرحلة الخاصة من التاريخ الجزائري ساهمت – بعمق – في التأثير في رؤية صانع القرار الجزائري للبيئة الدولية، ومن ثمّ صَوغ تصوره لمبادئ السياسة الخارجية الجزائرية وأسسها لاحقًا. وإن ما يمكن تسميته "ميراث الثورة" شكّل المرجعية الرئيسة للسياسة الخارجية الجزائرية، ومثلت دبلوماسية جبهة التحرير الوطني الإطار الرسمي غير القابل للمراجعة لصانع السياسة الخارجية الجزائرية في فترة ما بعد الاستقلال16.

11 الهوية الدولية للسياسة الخارجية الجزائرية

منذ أن تحصلت الجزائر على استقلالها، دافعت في سياستها الخارجية عن علاقات دولية تحترم سيادة الدول، وعن الحق في الاستقلال، وعن تصفية الاستعمار وتقرير الشعوب مصيرها. وقد أرسى ذلك مبدأَ رفض الإمبريالية والاستعمار في السياسة الخارجية الجزائرية، ولم يكن هذا المبدأ يعكس بالضرورة الأيديولوجية الاشتراكية، ولكنه كان شكلً من أشكال التعبير الذي استعملته الحركات الوطنية للتعبير عن رفضها الشديد للنظام الاستعماري الغربي الإمبريالي. ويجد مبدأ معاداة الإمبريالية والاستعمار جذوره أيضًا في تاريخ الحركة الوطنية من خلال صراعها مع المستعمر الفرنسي الذي وقفت إلى جانبه القوى الغربية ممثلةً في حلف شمال الأطلسي. ونتيجةً لذلك، استلهمت السياسة الخارجية الجديدة مبادئها، بعد الاستقلال، من دبلوماسية الحركة الوطنية في معاداة النظام الإمبريالي والنظام الاستعماري. لقد كانت الهوية الدولية للسياسة الخارجية الجزائرية، أو سمعتها الدولية، مرتبطةً بالمرجعية الثورية التي أفادت منها بعد الاستقلال، ومرتبطةً أيضًا بالتوجه الثوري للنخبة الحاكمة حينئذٍ في صورة الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين اللذين أرادَا للجزائر أن تضطلع بدور "قلعة الثوار" في توجهها الخارجي. وقد بدا هذا المنحى جليًا في كلمة الرئيس بن بلة بمناسبة قبول عضوية الجزائر في الهيئة الأممية: "تصفية الاستعمار في شكله التقليدي والمقنّع سيكون عقيدة لتحركاتنا السياسية والدبلوماسية"17.

وبتموقع الجزائر في طليعة كتلة دول العالم الثورية، أصبحت السياسة الخارجية الجزائرية ملزمةً على نطاق واسع بالوقوف ضدّ الاستعمار، وضدّ الاستعمار الجديد والإمبريالية، طوال فترة الحرب الباردة في عهد الرؤساء الثلاثة أحمد بن بلة، وهواري بومدين، والشاذلي بن جديد، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، طبقًا لتغير الأوضاع الداخلية والدولية. وفي عهد أحمد بن بلة، كان النشاط الدبلوماسي الجزائري أكثر اتجاهًا إلى أفريقيا. لهذا، صارت الجزائر عاصمةً لحركات التحرر الأفريقية من أجل الدعم المادي والتدريب العسكري. أمّا مرحلة هواري بومدين، فشهدت توسّع النشاط الدبلوماسي نحو كتلة العالم الثالث بامتداداتها اللاتينية والآسيوية، وشهدت كذلك تحولً في الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والتنموية؛ من خلال الدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر عدلً في إطار حركة عدم الانحياز. لكن فترة بن جديد كانت أقلّ التزامًا بهذا المبدأ18؛ بسبب عدّة عوامل أهمها نهاية النظام الاستعماري، وبداية تصدع الثنائية القطبية، ومقاومة الغرب لمشروع نظام اقتصادي عالمي جديد، فضلً عن بداية بوادر الأزمة الاقتصادية داخليًا، ليتقلص طموح السياسة الخارجية الجزائرية نحو الفضاء المغاربي الأقرب.

الهوية الوطنية للسياسة الخارجية الجزائرية

يمكن القول إنّ مبدأ "الاستقلال الوطني" هو أهمّ مبدأ معرّف في السياسة الخارجية الجزائرية، وهو يعني استقلالية القرار السياسي، ورفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية؛ لتحقيق مفهوم السيادة الوطنية19. وعلى غرار المبدأ السابق، يجد مبدأ الاستقلالية جذوره،

  1. بالحبيب، ص.16
  2. Mohamed Redha Bougherira , “Algeria's Foreign Policy 1979-1992: Continuity And/ Or Change,” Submitted in Partial Fulfilment of the Requirement of the Degree of Doctor of Philosophy, School of English, Sociology, Politics and Contemporary History, University of Salford, Salford
  3. Ibid., p. 63.
  4. Anouar Boukhars, “Algerian Foreign Policy in the Context of the Arab Spring,” CTC Sentinel , vol. 6, no. 1 (January 2013), pp. 17 - 18. 19 بالحبيب، ص.28
  5. – UK, June 1999, p. 60.

أيضًا، في ميراث الحركة الوطنية الجزائرية وقاعدة جبهة التحرير الوطني من جهة رفض أدنى تدخّل خارجي في قراراتها الوطنية. وبعد تحقيق الاستقلال، كان الشعور العامّ للنخبة الوطنية الجزائرية لا يزال متمثّلً بالقضاء النهائي على الاستعمار وكان تحقيق الاستقلال الكامل لا يزال هدفًا مستمرًا - خصوصًا أنّ اتفاقية "إيفيان" منحت فرنسا بعض الامتيازات الاقتصادية والعسكرية والثقافية - من أجل منع التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية، والعمل على الاستغلال الكامل للموارد الوطنية والتحكم في مستقبل الاقتصاد الوطني20؛ أي باختصار ضرورة استقلالية القرار الوطني السياسي والاقتصادي عن التأثير الخارجي. وفي مجال السياسة الخارجية، كان مبدأ الاستقلال الوطني يعني الاستقلالية التامة في القرارات المتخذة والسلوكيات المنتهجة في الشؤون الخارجية، والرفض القاطع للهيمنة أو الخضوع لأيّ تأثير خارجي كان، أو أيّ طرف كان. وقد عبّ الرئيس هواري بومدين آنذاك عن هذا المبدأ صراحة: "يجب أن نملك القدرة على مقاومة كل القوى الخارجية - مهما كان موقعها - من التأثير في سياستنا وقراراتنا، بالنسبة لنا الاستقلال الوطني يعني رفض التدخل في شؤوننا الداخلية وأيّ محاولة للتأثير على سياستنا وعلى القرارات مهما كانت داخلية أو خارجية، الاستقلال الوطني يمثل لدولتنا شعبنا وثورتنا أحد المثل العليا التي يجب أن نحفظها ونعززها"21. ولعل أكثر ما يثير الانتباه هو أنّ هذا المبدأ كان يعني في الاتجاه المقابل حرص السياسة الخارجية الجزائرية الثابت على احترام سيادة الدول الأخرى واستقلاليتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ومنذ تأسيس الدولة الجزائرية، كان مبدأ عدم التدخل مبدأ أساسيًا ومحوريًا بالنسبة إلى سياستها الخارجية، انطلاقًا من اعتقاد مفاده أنّ السيادة الجزائرية مقدسة وأنّ تطبيق هذا المبدأ يجب أن يبدأ باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية23.

"مبدأ عدم التدخل" بوصفه ترجمة لعقيدة السياسة الخارجية الجزائرية

ينص ميثاق الأمم المتحدة ومواثيق مختلف المنظمات الإقليمية التي تملك الجزائر عضوية فيها مثل جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتُعَد الجزائر من ضمن الدول الملتزمة بهذا المبدأ والحريصة على تطبيقه؛ من منطلق أنّ التقيد بهذا المبدأ يفرض الاحترام المتبادل للأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما بين الدول المتجاورة، وهو أمرٌ مؤسس لعلاقات حُسن الجوار الضرورية لحفظ السلم وخلق الاستقرار الدائم. غير أنّ محاولة تفسير حرص الدبلوماسية الجزائرية المتواصل على تطبيق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول في ضوء الالتزامات القانونية الناشئة عن العضوية في المنظمات الدولية والإقليمية، لا يمكن إلا أنّ يؤدي إلى فهمٍ سطحي للمبدأ في الحالة الجزائرية. وبدلً من ذلك، تُزوّدنا عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية بتفسير أكثر عمقًا للمبدأ. وانطلاقًا من النسق العقيدي الوطني وخبرة المجتمع الجزائري في التعامل مع الاستعمار، تم امتلاك ثقافة سياسية تحمل تصورًا سلبيًا للتدخل الخارجي، بوصفه يحمل الاضطراب والفوضى للمجتمع الذي يكون عرضةً للتدخل. ومن أجل ذلك نشأت السياسة الخارجية الجزائرية على مبدأ سياسي ثابت تأسّس على رفض التدخل في النزاعات الداخلية؛ قصد مساعدة المجتمعات المشتّتة على تجاوز أزمتها واستعادة وحدتها، وقد تُرجم ذلك إلى عقيدة عسكرية تمنع إرسال الجيش الجزائري خارج الحدود الوطنية حتى لو تعلّق الأمر بعمليات حفظ السلام وبنائه. لقد ترجم الدستور الجزائري هذه العقيدة إلى مواد دستورية رسمية، إذ تبنّت الدساتير الجزائرية منذ الاستقلال مبادئ عدم التدخل وحُسن الجوار التي تضمنتها المواثيق الدولية، إلا أنّ الجزائر كانت قد أعطتها مضمونًا خاصًا يتماشى وعقيدة سياستها الخارجية. وإذا كان التقيد بمبدأ عدم التدخل يُفضي - من حيث المبدأ - إلى التزام الدول بعلاقات حُسن الجوار، فإنّ الدبلوماسية الجزائرية أضفَت على علاقات حُسن الجوار معنى خاصًا حين سمّتها "علاقات حُسن الجوار الإيجابي"24. ومن خلال مفهوم المخالفة، إنْ جاز تسميته حُسن الجوار السلبي، يمكن لأيّ دولة أن تزعم عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة مجاورة، وأنّها لا تعتدي على إقليمها، لكن ذلك ربما لا يمنعها من أن تسمح بإقامة قواعد عسكرية أجنبية فوق أراضيها مثل،

  1. 22 مالك رداد، "الخبير الأمريكي بورتر ينصح بضرورة التخلي عن مبدأ عدم التدخل.
  2. Bougherira , p. 62.
  3. Ibid., p. 71.
  4. الجزائر مطالبة بإعادة النظر في سياستها الخارجية لا سيما الإقليمية"، الفجر، 2016/10/21، شوهد في 2016/12/14، في: http://bit.ly/2gYf5PW 23 محمد قجالي، "ضبط الحدود الإقليمية للدول ومبدأ حُسن الجوار الحالة الجزائرية - التونسية"، رسالة ماجستير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، الجزائر، 1990، ص 299 - .301

أو أيّ ممارسة من الممارسات التي لا تمثّل - بالمعنى السلبي - خرقًا لمبادئ حُسن الجوار المقرر في المنظمات الدولية والإقليمية. ولكن بالمعنى الإيجابي "يعني حُسن الجوار العمل على تنمية السلم بين دول الجوار ويقتضي التخلص من كل عوامل سوء التفاهم عن طريق فتح قنوات الحوار والتشاور من أجل حلّ كل الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الدول المجاورة، وكذلك استغلال كل الإمكانات لتنمية علاقات التعاون والتضامن وتحرير المبادلات بين الدول، لتصبح مصالح الدول مرتبطة بروابط متينة لا يمكن أن تتلاشى بمجرد سوء التفاهم"25. في الحقيقة، وفي انسجام مع ما تطرحه النظرية البنائية من أفكار، بدَا واضحًا أنّ صانع القرار الجزائري بعد الاستقلال قد أدرك أنّ المصلحة الوطنية للدول يجب ألّ تُختزل في الصراع على القوة فحسب من أجل تحقيق الأمن. فالمصلحة الوطنية هي نتاج لعمليات اجتماعية ومسارات تاريخية. لذا، وجب الاهتمام بنوع الخطاب السائد في المجتمع؛ لأن هذا الخطاب يعكس الأفكار والتصورات السائدة، ويشكّل المصالح، ويؤسس معايير مقبولة للسلوك. وبناءً على ذلك، قامت صناعة السياسة الخارجية الجزائرية وتنفيذها، منذ الاستقلال حتى عام 1991، على القناعات والمعتقدات الثورية الناشئة عن حرب التحرير. فحرب الاستقلال طوّرت، لدى صانع القرار الجزائري، حماسةً ثوريةً شكّلت عقيدةً ثابتةً لسلوك السياسة الخارجية الجزائرية طوال هذه الفترة. وقد جاءت مواقف السياسة الخارجية الجزائرية وقراراتها دومًا استجابةً لهويتها الوطنية، وسمعتها الدولية المنبثقة من هذه العقيدة، فتحركت آلة الدبلوماسية الجزائرية لدعم أجندتها في تقرير المصير، واح اررم الحدود، والمساواة في السيادة، وعدم التدخل. لكنها استطاعت في الوقت ذاته أن تحقق المصلحة الوطنية الجزائرية في الاستقلال الوطني والنفوذ الإقليمي والقيادة ضمن كتلة العالم الثالث، والاضطلاع بدور الوسيط المقبول في النزاعات الدولية. وكلّ ذلك شكّل نجاحًا للدبلوماسية الجزائرية في التوفيق بين حسابات المصالح الوطنية وميراث المبادئ الوطنية، جنّبها أزمة التعارض بين الهدفين. إذا ما استثنينا الفترة 1991 - 1999 التي عرفت أدنى مستويات المشاركة للدبلوماسية الجزائرية في الشؤون الدولية بسبب الأزمة الداخلية، فإنّ مرحلة ما بعد عام 1999، على الرغم من بعض ملامح البراغماتية التي أضفاها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على السياسة الخارجية الجزائرية، خصوصًا بتنويع الشركاء26 شرقًا وغربًا بعيدًا عن الفضاء الشمالي الأوروبي القريب، فإنّ ذلك لم يمسّ جوهر عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية، ولا سيما في ما يتعلّق بمبدأ تقرير المصير (قضية الصحراء الغربية(، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول حتى لو كان ذلك لدواعٍ إنسانية؛ لأنّ سيادة الدول تبقى الأساس المتين للأمن والاستقرار وفق المقاربة الجزائرية للسياسة الخارجية، وهذا ما سنؤكده تاليًا في قراءة الموقف الجزائري من الربيع العربي.

الموقف الجزائري من الربيع العربي: أزمة المصالح في مواجهة المبادئ

مثّلت أحداث ما عُرف ب "الربيع العربي" النموذج الخاص بالمنطقة العربية للتحول الديمقراطي، من خلال انتفاضات جماهيرية للتخلص من الأنظمة الاستبدادية والمطالبة بالمزيد من الإصلاح السياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من أنّها بدأت بطريقة سلمية، فإنّها ما لبثت أن اتخذت في بعض الدول أشكالً من العنف، وأدخلت بعض دولها في حروب أهلية وطائفية)ليبيا، وسورية(، أو في حالات عدم استقرار غير مسبوقة)تونس، ومصر.) هذه الحالة من الاضطراب في الفضاء العربي للجزائر، ومثّلت تحديًا جديًا للسياسة الخارجية الجزائرية، من جهة أنّها جعلت صانع القرار الجزائري إزاء موقف قراري غير اعتيادي؛ إذ تتقاطع المبادئ الثابتة للسياسة الخارجية مع المصالح الوطنية والإستراتيجية للبلد. فإمّا الانحياز إلى خيارات الشعوب مع ما في ذلك من تحدٍّ ل "العدوى" والقفز على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو مراعاة مبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول مع ما في ذلك من خطر الاتهام بالانحياز إلى الأنظمة على حساب الشعوب، ومن ثمّ تهديد مكاسب السياسة الخارجية الجزائرية، وبخاصة دور الجزائر وصورتها؛ بسبب الاكتفاء بمجاراة الأحداث وعدم المبادرة بالفعل. إنّ قراءة الموقف الجزائري من الربيع العربي يؤكد استقرار صانع القرار الجزائري على الخيار الثاني، حين عَدّت الجزائر ما يحدث في دول الربيع العربي شأنًا داخليًا من حقّ حكومات هذه الدول التعامل معه؛ وذلك في إطار احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقد عبّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة صراحةً عن هذا التوجه في خطابه الموجّه إلى الشعب الجزائري بشأن الإصلاح، من جهة أنّ الجزائر لا يمكنها أن تتخلى عن مبدئها الراسخ المتمثّل بعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية. وقد شرح وزير الخارجية آنذاك "مراد مدلسي" ذلك لنواب البرلمان الجزائري حين صرّح بأنّ الجزائر

  1. المرجع نفسه، ص.302
  2. Boukhars, p. 18.

اتخذت "مواقف مسؤولة"27 بخصوص التطورات التي عرفتها تونس، وليبيا، ومصر، وسورية، ورأى أنّ الموقف الجزائري نابعٌ من المبادئ التي تحكم الدبلوماسية الجزائرية منذ عدّة عقود، وأنها تتمثل بعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية واحترام خيارات الشعوب وإرادتها في تقرير مصيرها. لقد حدثت الانتفاضات الشعبية في العواصم العربية حدوثًا سريعًا متواليًا، على نحو كان من الممكن أن يؤثر في قدرة صنّاع القرار في الجزائر على فهمها من دون الوقوع في سوء الإدراك، ولكن لم يكن ذلك لِيغيّ كثيرًا من محددات الموقف الجزائري الذي تحكمه في مثل هذه الحالات، في أغلب الأحيان، مبادئ عامة مجردة تُ ليها العقيدة الثابتة للسياسة الخارجية الجزائرية بعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية؛ وذلك من دون إغفال النظر في كل حالة على نحوٍ منفصل، انطلاقًا من تأثيرها في مصالح الجزائر العامة وتداعيات هذا التغيير على النظام العربي والجزائر على نحوٍ خاصٍ. من أجل ذلك، اختلفت حدّة الخطاب الدبلوماسي الجزائري الرسمي وقوته في تعامله مع التغيير الذي رافق الثورات العربية - في بداياتها - من دولة إلى أخرى. فمن الحذر والترقب في دولتين قريبتين مثل تونس ومصر، والرفض للتدخل العسكري الأجنبي في ليبيا، إلى تفضيل الحلول السلمية في سورية، في حين كان الموقف خافتًا في ما يتعلق بدول، مثل اليمن والبحرين مع بداية الانتفاضات الشعبية في البلدين28. لكنّ الموقف الجزائري، على سبيل التعميم، كان يعبّ عن تمسُّك صانع القرار الجزائري بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. لذا، اكتفت الجزائر، في أكثر الأحيان، بالدعوة إلى ضبط النفس، وبدَا الحرص واضحًا على إظهار الحياد لجميع الأطراف المتنازعة خلال تلك الأحداث. وحتى في حال اتهام مواقف الجزائر أحيانًا بأنّها منحازة إلى الأنظمة الحاكمة على حساب الشعوب، فإنّ ذلك الانحياز لم يَزِد على كونه موقفًا سياسيًا دبلوماسيًا ثابتًا، وهو مختلف تمامًا عن دعم الحلفاء المقربين للأنظمة اقتصاديًا وعسكريًا. كما بدَا توجّه الجزائر صريحًا نحو احترام الشرعية الدولية باللجوء إلى هيئات ومؤسسات إقليمية في إبداء المواقف والقيام بمساعٍ ومبادرات، إذ جاءت مواقفها في المنابر الدولية أو أثناء التصويت داخل جامعة الدول العربية دومًا رافضً ة لأيّ مشاريع تدخلية أو اعتراف بالمعارضة. لقد مثّلت الأزمة في ليبيا التعبير الأكثر وضوحًا عن الموقف الجزائري من الربيع العربي. فالحكومة الجزائرية لم تنخرط في الحملة العربية والدولية الواسعة لانتقاد نظام القذافي ومطالبته بالرحيل، على الرغم من الاعتداءات الواضحة لهذا النظام ضدّ الشعب الليبي، كما أنها – من منطلق الحياد - رفضت التعليق حول المطالب الجماهيرية السلمية بإصلاح النظام أو تغييره. وتحت غطاء المبادئ الثابتة للدبلوماسية الجزائرية، رفضت الجزائر بشدة تدخّل حلف شمال الأطلسي في ليبيا، ولم تسمح بعد ذلك لطائراته باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي. وأصبح الموقف الجزائري أكثر وضوحًا حين رفضت السلطات الجزائرية الاعتراف بالمعارضة الليبية ممثلةً في المجلس الوطني الانتقالي الليبي حتى بعد سقوط النظام السابق، إلا أنّها وجدت نفسها مضطرةً للقبول بالأمر الواقع بعد أن مُنح المجلس صفة الممثل الشرعي للشعب الليبي ومُنح مقعد ليبيا في الأمم المتحدة29.

تفسيرات أمنيّة محدودة لأزمة سياسية أكثر عمق ا

لقد مثّلت تفسيرات الخوف من العدوى والانتشار جزءًا كبيرًا من التحليلات السياسية والإعلامية التي حاولت أن تفهم التمسك الجزائري بمبدأ عدم التدخل في موقفها من الربيع العربي. إنه بدافع تحقيق الأمن، بوصفه أوّل أهداف السياسة الخارجية، يمكن للنظرية الواقعية أن تجادل بأنّ تشكيل دبلوماسية جزائرية تتميز بالتوجس والحذر من انتقال موجة الانتفاضات الشعبية في الدول العربية نحو الجزائر كان خيارًا عقلانيًا. وذلك، أولً، تخوفًا من اتساع الانتفاضات لتضمّ الجزائر التي لا يزال النظام السياسي فيها يستند إلى الشرعية الثورية كغطاء يضمن ديمومة السلطة السياسية القائمة30، ومن شأن أيّ انتقال للربيع العربي للجزائر أن يضع النظام السياسي القائم ومؤسساته أمام مأزق الشرعية. ثمّ، ثانيًا، تخوفًا من الفوضى والاضطراب المترتب على عدم الاستقرار السياسي المرافق للثورات الشعبية، والتهديدات التي يمكن أن ينقلها إلى الداخل الجزائري في ظل أزمات اجتماعية واقتصادية وأمنيّة يعيشها المجتمع الجزائري، خصوصًا أنّ الجزائر كانت قد خبرت النتائج السلبية لعدم الاستقرار السياسي وما نجم عنه من عنف مسلح منذ توقيف المسار الانتخابي عام.1991 من المؤكد أنّ الخوف من عدوى انتقال المدّ الديمقراطي، وفق نموذج الربيع العربي، لم يكن سوى تفسير للجزء اليسير من التخوف الجزائري

  1. وصف موقف الجزائر من الثورات العربية بأنه 'مسؤول"'، جزايرس، 2011/12/5، شوهد في 2016/12/14، في: http://www.djazairess.com/annasr/25751
  2. العبيدي والنمس.
  3. Boukhars, p. 20.
  4. محمد سنوسي، "البعد الأمني للسياسة الخارجية الجزائرية باتجاه دول الربيع العربي، الحوار منذ "2011، تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، شوهد في 2016/12/14، في: http://elhiwardz.com/?p=33389

من ثورات الربيع العربي. فهناك فرضية أخرى تربط بين الانكفاء الذاتي الذي طبع مواقف السياسة الخارجية الجزائرية تجاه ثورات الربيع العربي، والبحث عن ضمان الاستقرار الداخلي واستتباب الأمن؛ وذلك في ظل الأخطار الحدودية المتوقعة من دول الجوار القريب، وخصوصًا على مستوى الحدود الشرقية مع تونس وليبيا، واحتمال تزايد التهديدات اللاتماثلية؛ وذلك بتزايد نسب اللجوء والهجرة غير الشرعية، وتزايد تأثير الحركات المتطرفة والجهادية على الحدود الجزائرية وتناميها، والتخوف من انتقال عملياتها إلى العمق الجزائري31. وبسبب هذه الهواجس الأمنية، اندفع صانع القرار الجزائري إلى تشكيل سياسة خارجية تجاه دول الربيع العربي تتميز بغلبة بُعدها الأمني. ومن أجل ذلك، رفعت الحكومة الجزائرية ميزانية الدفاع منذ عام 2012 تباعًا، لتصل عام 2014 إلى 20 مليار دولار سنويًّا، وهي أعلى ميزانية من بين ميزانيّات كل القطاعات؛ إذ مثّلت نحو 15 في المئة من الميزانية العامة للبلاد32. وبالنسبة إلى الحالة في ليبيا، نجد أنّ صانع القرار الجزائري كان مُشغل فعلً باعتبارات المصلحة الوطنية العليا في حماية الأمن الوطني، والحقيقة أنّ عوامل عديدةً تؤيد مثل هذا الفهم المرتبط بالحسابات الأمنية الإستراتيجية للدولة الجزائرية. فصانع القرار الجزائري رأى أنّ التدخل باسم الحماية الإنسانية يُخفي وراءه مصالح إستراتيجية واقتصاديةً لمن يدّعون ذلك، قد تكون على حساب الأمن والمصلحة الجزائرية. ثمّ إنّه كان مُشغلً بإمكانية حدوث تعديل في ميزان القوى الإقليمي لمصلحة المغرب في حال مَيْل النظام الجديد في ليبيا أكثر نحو المغرب33؛ فذلك قد يكون على حساب الطموح الجزائري المتمثّل بأن تكون الجزائر هي المحور القيادي الضابط للاستقرار في المنطقة. يُضاف إلى ذلك أنّ صانع القرار الجزائري كان مدركًا لحقيقة أنّ سقوط النظام الليبي ستنجم عنه تحولات غير مرغوب فيها، في حال تدفّق السلاح، وموجات اللاجئين، والجريمة المنظمة، عبر الحدود، وفي حال تدفّق مصادر التمويل والتموين والتجنيد للجماعات الإرهابية في محور سس إثنية الساحل، وظهور حركات تمرّد انفصالية على أ.

أزمة السياسة الخارجية الجزائرية: مبدأ غير متغير في عالم متغير

عبر الاحتكام إلى أطروحات النظرية الواقعية للسياسة الخارجية، أبانت الأحداث السياسية المتتابعة في دول الربيع العربي، إضافةً إلى ما صاحبها من فوضى وعدم استقرار سياسي، عن رجاحة مواقف الدبلوماسية الجزائرية. فمن وجهة النظر الأمنية المحضة، نجحت الجزائر في منْع انتقال الفوضى إلى داخل حدودها؛ وهكذا حافظت على متطلبات مصلحتها الوطنية في تحقيق الأمن وتحقيق الاستقرار، بوصف ذلك هدفًا رئيسًا للسياسة الخارجية الواقعية. وفي وقت تعالت فيه الأصوات في الداخل والخارج منتقدةً مواقف الجزائر من "الربيع العربي"، أصرّت الجزائر على التمسك بمبدئها القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، رافضةًالتدخل الأجنبي في شؤون الدول؛ من منطلق أنه يمسّ سيادتها ويعمل على تفتيت وحدتها الوطنية، وهو ما يُعرّض الدول المجاورة إلى أخطار محدقة بها34. وفي الحالة الليبية على وجه الخصوص، أعطت الأحداث المتلاحقة بعد سقوط نظام القذافي صدقيّةً للقراءة الجزائرية الأمنية للأحداث، وأكدت الرؤية الاستشرافية السليمة للسياسة الخارجية الجزائرية)الهجوم الإرهابي في تيقنتورين جنوب الجزائر، والحرب في شمال مالي... إلخ(وصحّة ادعاء صانعيها، على الرغم من الانتقادات الكثيرة، أنّ الموقف الجزائري إنما هو نابع من حماية المصلحة الوطنية العليا للبلد. وإذا انطلقنا، من التحليل الواقعي؛ من التسليم بحقّ الجزائر المستمر في الدفاع عن مصلحتها الوطنية في ضمان السيادة والأمن والاستقرار، فإن الذي يحمل على انتقاد السياسة الخارجية الجزائرية من ثورات الربيع العربي - بعيدًا عن البعد الأمني - هو أنّ تحقيق أهداف المصلحة الوطنية العليا في الأمن كان على حساب أهداف سياسية ودبلوماسية أخرى تتعلق بميراث مبادئها وهوية سياستها الخارجية، وعلى حساب متطلبات دورها في السياسة الدولية، بل إنّ الموقف الجزائري بَدَا أقرب ليكون تبريرًا أمنيًا لفشل سياسي أكثر عمقًا. وإنّ الذي أهمله صانع قرار السياسة الخارجية الجزائرية تجاه ثورات الربيع العربي، هو أن تحقيق المصلحة الوطنية المعرّفة بلغة الأمن والاستقرار – بوصف ذلك مطلبًا حيويّا - يجب ألّ تكون بالضرورة على حساب صورة الجزائر ومكانتها، ودورها القيادي في فضاءات تأثيرها، والصورة الإيجابية التي يحتفظ بها الجزائري عن دبلوماسية بلده. وقد أدّى الموقف الجزائري من الربيع العربي إلى تضاؤل ثقة الأطراف المتنازعة بحياد الجزائر، وأضرّ بصورتها لدى الرأي العامّ العربي وإدراكها كطرف مهمّ قيادي وحيادي. وإنّ الإصرار على التمسك بمبدأ عدم التدخل في ظل ثورات

  1. المرجع نفسه.
  2. قوي بوحنية، "الجزائر والانتقال إلى دور اللاعب الفاعل في إفريقيا"، مركز الجزيرة للدراسات، 2014/1/29، شوهد في 2016/12/14، في: http://bit.ly/2hkYcSz
  3. Boukhars, p. 20.
  4. سنوسي.

الربيع العربي، أعطى للجزائر صورةً مناقضةً لهوية الجزائر الدولية، حين تظهر - سواء كان ذلك عن قصد أو من دون قصد - كمؤيد للأنظمة التسلطية على حساب خيارات الشعوب. وإنّ ذلك هو ما يدفع إلى التساؤل عن مدى مواءمة المبدأ التقليدي الثابت للسياسة الخارجية الجزائرية؛ المتمثّل بعدم التدخل، لمصالح البلد العليا في عالم متغير35. فالجزائر- بالنظر إلى ثقلها الإستراتيجي وقوتها الاقتصادية والعسكرية - يجب ألّ تكتفيَ بمجاراة الأحداث ولا بردّة الفعل؛ إذ يُنتظر منها أن تكون دولةً مبادرةً ومؤثّرةً، وضابطةً للتحولات في فضاءات تأثيرها. أمّا عدم رغبتها في الاضطلاع بهذا الدور، أو عدم قدرتها على ذلك، فإنّه يضر بصورتها وصدقيّتها في الخارج، وفي الداخل أيضًا. إنّ مقاربة الجزائر للربيع العربي تؤكّد أنّ السياسة الخارجية الجزائرية تعيش فعلً حالةَ أزمةٍ في التوفيق بين حسابات المصالح الوطنية وميراث المبادئ الوطنية؛ ذلك أنّ تحقيق أهداف الأولى كان على حساب أهداف الثانية في لعبة صفرية كان في الإمكان تجنّبها. وإنّ هذه الأزمة يمكن فهمها في عدم القدرة على التكيف مع واقع دولي جديد غير ذلك الذي صنعت فيه الدبلوماسية الجزائرية أمجادها. فالموقف الجزائري يعكس مزيدًا من التباعد بين المبادئ الراسخة للسياسية الخارجية الجزائرية ونظامٍ دولي وإقليمي متغيرٍ بسرعة، سائرٍ في اتجاه معاكس للمبادئ التي دأبت فيها السياسة الخارجية الجزائرية36. ويبدو صانع القرار الجزائري كأنه عاجز أو غير مدرك - أو ربما كان مدركًا على نحوٍ خاطئ - للتغيير الحاصل في العالم، حين يصرّ على التمسك بمبدأ غير متغير في عالم متغير؛ فمبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين هو مبدأ "حميد" لكن على ألّ يضع مصلحة البلد وعقيدته وسمعته على المحك.

خاتمة

بلغة نظرية، يطرح السلوك الخارجي الجزائري في مرحلة ما بعد الأزمة الداخلية إشكاليةً عميقةً ضمن النقاش في نظرية السياسة الخارجية، حول العلاقة ما بين المصالح والمبادئ في سلوك الفاعل الدولي؛ أي إشكالية التوفيق بين حسابات المصلحة الوطنية كهدف وحيد للسياسة الخارجية من منظور واقعي عقلاني، وضرورة ملاءمة السلوك للمعايير المجتمعية كهدف رئيس للسياسة الخارجية من منظور بنائي اجتماعي. وتظهر هذه الإشكالية في الحالة الجزائرية، بلغة الواقع، في صورة أزمة يمكن فهمها في العجز عن التوفيق بين ما يوصف بالمبدأ الثابت للدبلوماسية الجزائرية المؤكِّد لعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول من جهة، والمعايير المرتبطة بعقيدة السياسة الخارجية التي تقتضي النشاط والحيوية والحضور الفاعل في المسائل الإقليمية والدولية من جهة أخرى. ولعل من أهمّ نتائج هذه الأزمة أنْ تبدو الجزائر متنازلة عن الدور الذي يمنحها إياها ثقلها الجيوسياسي في الاضطلاع بدور إقليمي ما عبر المبادرة الدبلوماسية، والقيادة، والوساطة. وقد ترك الموقف الجزائري مما حدث في فضائها العربي القريب انطباعًا قويًّا في الخارج مُجمله أنّ ردة فعل الجزائر - بغضّ النظر عن توجه موقفها - كان أقلّ ممّ يمنحه إيّاها دورها كقائد إقليمي. قد نجد في مقولة نظرية السياسة الخارجية الشائعة "إنّ السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية" تفسيرات مقبولةً لحالة الأزمة التي تبدو عليها الدبلوماسية الجزائرية، وهو ما قامت عليه عديد التحليلات للسياسة الخارجية الجزائرية بعد عام 1999، ويظهر ذلك في صورتين. فالصورة الأولى هي ارتباط صنع القرار الخارجي بإرادة الرئيس، سواء كان ذلك لأسباب مؤسساتية تتعلق بما يمنحه النظام الرئاسي للرئيس من صلاحيات واسعة في هذا الشأن، أو لأسباب فردية تتعلق باهتمام بالغ للرئيس عبد العزيز بوتفليقة - وهو وزير خارجية في عهد الرئيس بومدين - بالسياسة الخارجية ورفضه القاطع منازعته من أيّ جهة كانت في التخطيط لها وتنفيذها. وبناءً على ذلك، كان لانتكاسة صحّة الرئيس وعزوفه عن النشاط الخارجي أثرٌ مباشرٌ في تراجع حضور الدبلوماسية الجزائرية إقليميًّا ودوليًّا. أمّا الصورة الثانية، فتتعلق بما يبدو انقسامًا داخل دوائر صنّاع القرار في الجزائر، ما جعل من قضايا الخارج شأنًا ثانويًّا أمام تحديات الداخل، وقد ظهرت بعض ملامح ذلك على السياسة الخارجية في أحد التعديلات الوزارية حين تم تعيين، في آنٍ واحد، ممثلين للدبلوماسية الجزائرية هما وزير الخارجية ووزير التعاون الدولي قبل أن يلغيه تعديل لاحق. مع الإقرار بعَدّ عوامل السياسة الداخلية المباشرة تفسيرات معززةً، يظل الاعتماد عليها وحدها غير كافٍ وربما مضللً، أيضًا، في تفسير حالة الأزمة في السياسة الخارجية الجزائرية التي تبدو أكثر عمقًا من كونها معطيات داخليةً، وإنّ الأزمة كما تفهمها هذه الدراسة هي أزمة تكيف أساسًا؛ إنّها متعلقة بقدرة الدبلوماسية الجزائرية على التكيف مع التحولات العالمية الجديدة، حتى لا تتجه نحو مزيد من العزلة. تواجه الجزائر اليوم لحظةً مفصليةً في ما يخص سياستها الخارجية، وعليها أن تحاول التوفيق بين مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مع التقليل في الوقت نفسه من المخاطر الخارجية التي تهدد مصالحها وأمن مواطنيها وسلامتهم. فالنظام الدولي الجديد، خلال فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة، من جهة بنيته (القطبية الأحادية) وموضوعاته (المسائل الإنسانية)، والتحولات المتسارعة في النظامين

  1. Abdelaziz Rahabi, “L’Algérie a-t-elle une diplomatie?,”  Le Matin d’Algérie , 16/4/2009, accessed on 14/12/2016, at: http://bit.ly/2htbSsn
  2. Boukhars, p. 20.
  3. Ahmed Adimi, “L’Algérie a perdu son âme révolutionnaire, sa diplomatie a pris un coup de vieux,” Le Matin d’Algérie , 10/11/2011, accessed on 14/12/2016, at: http://bit.ly/2gJnI2Z

الدولي والإقليمي، يفرض مزيدًا من التحدي على عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية ومبادئها الثابتة منذ عام 1962، بوضعها المقاربة الجزائرية القائمة على قدسية السيادة ورفض التدخلية في تصادم مع النماذج الجديدة للتدخل الإنساني و"مسؤولية الحماية" في العلاقات الدولية. وإنّ إصرار الدبلوماسية الجزائرية على التمسك بمبادئ سياستها الخارجية، من دون محاولة تكييفها وفق التغيرات في البيئة الدولية، هو الذي أظهرها في حالة أزمة، وفي وضع غير اعتيادي وغير الذي يجب أن تكون عليه. فالذي ميّز السياسة الخارجية الجزائرية طوال العقود الماضية هو قدرتها على الملاءمة بين مبادئها ومصالحها، لكنها تظهر في الفترة الأخيرة، من خلال الأحداث في العالم العربي وفي الساحل الأفريقي، كأنها عاجزة عن فعل ذلك. بالطريقة نفسها التي اجتهدت بها الدبلوماسية الجزائرية في ابتكار مفهوم حُسن الجوار الإيجابي بدلً من مبدأ حُسن الجوار بمعناه الشكلي السلبي، ليس من الصعب على صانع قرار السياسة الخارجية الجزائري أن يتجاوز المعنى الشكلي السلبي لمبدأ عدم التدخل نحو معنى أكثر إيجابيةً. وإنّ مبدأ عدم التدخل في السياسة الخارجية، ينبغي ألّ يُفهم منه استباحة التدخل في شؤون الدول المجاورة وتجاوز سيادتها، أو الانحياز إلى طرف على حساب آخر، أو الوقوف ضدّ خيارات الشعوب في صنع قراراتها وتقرير مصيرها بنفسها، بل يجب أن يُفهم منه أن تكون الآلة الدبلوماسية ديناميةً، نشيطةً، حيويةً، تستجيب للأحداث بسرعة، وقادرةً على الدفاع عن مواقفها وكسب الحلفاء من أجل الدفاع عن تصوراتها.

المراجع

العربية

بالحبيب، عبد الله. السياسة الخارجية الجزائرية في ظل الأزمة - 1992 97 19. عمان: دار الراية للنشر والتوزيع،.2012 تفسير السياسة الخارجية جنسن، لويد.. ترجمة محمد بن أحمد مفتي ومحمد السيد سليم. الرياض: عمادة شؤون المكتبات بجامعة الملك سعود،.1989 زغوني، رابح. "تفسير السياسة الخارجية الفرنسية تجاه العراق منذ حرب الخليج الثانية: فحص للمقاربات النظرية"، رسالة ماجستير في العلاقات الدولية، قسم العلوم السياسية، جامعة باتنة، الجزائر،.2008 عديلة، محمد الطاهر. "أهمية العوامل الشخصية في السياسة الخارجية الجزائرية "2004-1999، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية، جامعة قسنطينة، الجزائر،.2005 قجالي، محمد. "ضبط الحدود الإقليمية للدول ومبدأ حسن الجوار الحالة الجزائرية - التونسية"، رسالة ماجستير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر، الجزائر،.1990

الأجنبية

Boekle, Henning et al. “Norms and Foreign Policy: Constructivist Foreign Policy Theory.” Tübinger Arbeitspapiere zur internationalen Politik und Friedensforschung, Tübingen, Germany, Working Paper, no. 34 a (1999). Bougherira , Mohamed Redha. “Algeria's Foreign Policy 1979-1992: Continuity And/ Or Change.” Submitted in Partial Fulfilment of the Requirement of the Degree of Doctor of Philosophy, School of English, Sociology, Politics and Contemporary History, University of Salford, Salford – UK, June 1999. Boukhars, Anouar. “Algerian Foreign Policy in the Context of the Arab Spring.” CTC Sentinel , vol. 6, no. 1 (January 2013). Ipek, Pinar. “Ideas and Change in Foreign Policy Instruments: Soft Power and the Case of the Turkish International Cooperation and Development Agency.” Foreign Policy Analysis , vol. 11, no. 2 (2015). Joshua W. Busby. “Good States: Prestige and Reputational Concerns of Major Powers under Unipolarity.” paper presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association, Washington, DC 1-4/9/2005. Knudsen, Olav. “National Interests and Foreign Policy: On the National Pursuit of Material Interests.” Cooperation and Conflict , vol. 14, no. 11 (1979). Rittberger, Volker. “Approaches to the Study of Foreign Policy Derived from International Relations Theories.” Tübinger Arbeitspapiere zur internationalen Politik und Friedensforschung, Tübingen's work on international politics and peace research, Working Paper no. 30 a, Tübingen, Germany (2004).