الولد لا يزال غير موجود

Mahmoud Muhareb محمود محارب |

عنوان الكتاب في لغته: הילד עדיין איננו المؤلف: شوشي زايد سنة النشر: 2016 الناشر: تل أبيب: ميديا 10 للنشر عدد الصفحات: 248

The Boy Remains Missing

ما زالت قضية "اختفاء" عدة آلاف من الأطفال اليهود اليمنيين في إسرائيل في أوائل سنوات تأسيسها تطرح نفسها على الأجندة الإسرائيلية. وثمة 3500 ملف في أرشيف الدولة الإسرائ لي تحتوي على مليون ونصف المليون صفحة عن هذه القضية1. وكان من المفترض أن يظل معظَم هذه الملفات في طي الكتمان عقودًا طويلة آتية. ولكن على إثر الاحتجاجات الأهلية التي تقودها العديد من الجمعيات والفعاليات التي ما انفكت تطالب بكشف جميع الوثائق والمعلومات المتعلقة بهذه القضية، عيّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في حزيران/ يونيو 2016، الوزير تساحي هانغبي لفحص هذه الوثائق وتقديم توصية للحكومة في شأن مسألة الكشف عنها. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد عينت ثلاث لجان في السنوات 1967 و 1988 و 1995 للتحقيق في هذه القضية. وعلى الرغم من أن اللجنة الأخيرة كانت لجنة تحقيق رسمية ذات صلاحيات واسعة، بخلاف سابقتيها، فإنه يسود مؤخرًا اقتناع عند متابعي هذه القضية فضلً عن أهالي الأطفال المفقودين، بأن هذه اللجنة، واللجنتين الأخريين، لم تسعَ للتوصل إلى الحقيقة، وإنما دأبت على التغطية على اختفاء الأطفال وخطفهم. وقد جرى التكتم على معظَم الوثائق والمعلومات والشهادات التي جمعتها اللجان الثلاث بذرائع مختلفة؛ منها أنها سرية، وأنها محاضر لجلسات مغلقة، وأنها متعلقة بخصوصيات الأفراد. وصدر في حزيران/ يونيو 2016 كتاب الولد لا يزال غير موجود الذي عالج قضية اختفاء أطفال اليهود اليمنيين في إسرائيل في المدّة 1948( - 1956.) وجاء الكتاب الذي ألفته المربية شوشي زايد في 248 صفحة، وقد قسمته إلى مقدمة وخمسة فصول وخلاصة. وقد وجهت المؤلفة في هذا الكتاب أصابع الاتهام إلى النخبة اليهودية الأشكنازية الحاكمة حينئذ، بخطف الأطفال اليهود اليمنيين وبيعهم على نحو منهجي ومنظّم. واتهمت المؤلفة الدولة الإسرائيلية بمؤسساتها المختلفة، ولا سيما السياسية والقضائية والإعلامية، بالعمل بطرق مختلفة على إخفاء عملية الخطف، وإسكات أي محاولة لمعالجة هذه القضية عقودًا طويلة، وبشتى الوسائل. شرحت المؤلفة أسباب اهتمامها بهذه القضية؛ فذكرت أنها كانت لا تصدق، مثل الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين، ما يقال عن اختفاء الأطفال اليهود اليمنيين، وعن اتهام مؤسسات الدولة بخطفهم وبيعهم. وعندما تزوجت ابنتها أحد الناشطين الذين يعملون في كشف هذه القضية وإظهارها، قررت أن تثبت لابنتها وزوجها أن ما يقال عن اختفاء الأطفال وخطفهم ما هو إلا هراء ومحض خيال. فشرعت المؤلفة في الاهتمام بهذه القضية ولكنها اكتشفت شيئًا فشيئًا، بعد البحث والتقصي، كم كانت هي نفسها مخطئة. فازداد اهتمامها بهذه القضية، وكلما اطلعت عليها أدركت الفجوة الواسعة جدًّا بين حقيقة ما حدث وما تدعيه الدولة ومؤسساتها. واكتشفت المؤلفة من خلال تقصيها ودراستها أن هذه القضية وصلت إلى الكنيست في إبان اختفاء الكثير من الأطفال، وأن أحد أعضاء الكنيست أثار أن ثمة أمهات تبحثن عن أطفالهن المفقودين منذ أكثر من سنة، وأن أهالي الأطفال المفقودين بحثوا كثيرًا عن أطفالهم، واشتكوا إلى الشرطة، بيد أنها لم تحرك ساكنًا، وأن وزارة الصحة علمت بالقضية ولكنها لم تعالجها، وأن قضاة ووزراء، وأعضاء في الكنيست، عرفوا هذه القضية منذ بدايتها ولكنهم لم يفعلوا شيئًا. وأضافت المؤلفة أنها اكتشفت في دراستها للقضية أنه كان في حين حوادث الخطف هذه طلبٌ لشراء الأطفال وتبنّيهم، وأن الطلب كان أكثر من العرض، وأن المسؤولين كانوا يعرفون أنه يتم بيع الأطفال ونقلهم إلى الخارج، وأن الثمن كان مرتفعًا. واتضح للمؤلفة أنه جرى في العام 1960 الحديث في لجنة للكنيست عن بيع أطفال لأثرياء في خارج البلاد، بمبلغ يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلف دولار لكل طفل. وأضافت المؤلفة أنها أدركت أن المؤسسة الإسرائيلية قامت بجهد متشعب من أجل طمس هذه القضية، وفعلت كل ما في وسعها لكي لا يتم الكشف عن الأطفال المفقودين، وعن أماكن وجودهم (ص. 73)

قضية اختفاء الأطفال اليهود اليمنيين وخطفهم

هاجر إلى إسرائيل في العامين التاليين لتأسيسها خمسون ألف يهودي يمني من عدن مباشرة، لما كانت تخضع للاحتلال البريطاني. وعند وصولهم أسكنتهم السلطات الإسرائيلية في عدة معسكرات كانت تابعة للجيش البريطاني قبل تأسيس الدولة اليهودية. كما أخضعتهم السلطات الإسرائيلية لنمط حياة شديد الصرامة، أداره يهود غربيون. وكان اليهود اليمنيون، رجالً ونساءً وأطفالً، ما يزالون متمسكين بلباسهم اليمني العربي التقليدي، ويتحدثون اللغة العربية باللهجة اليمنية ولا يجيدون العبرية. وقد فصلت السلطات الإسرائيلية بين الأطفال وأهاليهم في المعسكر، وأقامت فيه "بيوت أطفال"، وضعت فيها جميع أطفال المعسكر. في حين سكن الأهالي في خيام المعسكر، وسُمِح للأمهات بالذهاب إلى "بيوت الأطفال" لإرضاع أطفالهن. وقد مكث المهاجرون اليهود اليمنيون نحو عام ونصف العام في هذه المعسكرات، ثم جرى نقلهم إلى مجمعات موقّتة للسكن أطلق

  1. عوفر أديرت، "قضية أطفال اليمن"، هآرتس، 2016/6/30، شوهد في 2016/12/4، في: http://bit.ly/2cQVmnU

عليها "معبروت." فقد أقيم في بداية الخمسينيات نحو 200 تجمع سكني موقّت (معبروت) بغرض إسكان مئات آلاف المهاجرين اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل في ذلك الوقت. وتشكلت هذه المساكن من الخيام، ومن أكواخ من التنك والإسبست، وكانت تفتقر إلى الخدمات الأساسية. وعلى الرغم من أن عدد المهاجرين اليهود من الدول العربية إلى إسرائيل في السنوات الأولى لتأسيسها كان يعادل عدد المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية، فإن أكثر من 80 في المئة من سكان ال "معبروت" الذين وصل عددهم في عام 1952 إلى ربع مليون نسمة، كانوا من الدول العربية.

تشير المؤلفة إلى أنه من هذه المعسكرات وال "معبروت" جرى خطف عدة آلاف من الأطفال الرضع، في المدّة 1956–1948(.) ويطلق على هذه القضية قضية "أطفال اليمن"؛ لأن أكثر من 75 في المئة من الأطفال المخطوفين كانوا أطفال يهود يمنيين، ولأن اليهود اليمنيين كانوا أول من احتج على الخطف، واستمروا في إثارة هذه القضية عقودًا طويلة، وإن كان ربع الأطفال المفقودين – إلى جانب الأطفال اليمنيين – من طوائف شرقية أخرى. تؤكد المؤلفة أن عملية اختفاء الأطفال وخطفهم لم تكن حوادث فردية، ولا محض مصادفة، ولا بسبب وقوع أخطاء إدارية، وإنما كانت عملية منهجية منظمة، قامت بها مؤسسات الدولة التي خطفتهم وباعتهم لأثرياء يهود – على العموم – سواء أكانوا في إسرائيل أم خارجها، ولا سيما في الولايات المتحدة. وقد اتسمت عملية الخطف بنمط ثابت، استمر نحو ثمانية أعوام، شارك فيها موظفو الدولة، والوكالة اليهودية، وممرضون وممرضات، وعاملون اجتماعيون وعاملات اجتماعيات، وسائقو سيارات إسعاف؛ انتزعوا الأطفال، وفق شهادات مئات الأهالي، من عائلاتهم مباشرة أو من "بيوت الأطفال"، عن طريق الخداع أو القوة الجسدية، بذرائع مختلفة، مثل ادعاء أن "الطفل مريض" ويجب نقله إلى المستشفى. وفي كثير من الحالات قيل لأهل الطفل عند زيارتهم للمستشفى إن طفلهم قد مات. أما في حالات أخرى فقد سمح للأهل برؤية طفلهم، ولكن قيل لهم بعد عدة أيام عندما جاءوا ثانية لزيارته إن طفلهم قد مات. وعندما احتج الكثير من الأهالي على هذا الادعاء، وأخبروا المسؤولين في المستشفى أنهم رأوا أطفالهم معافين قبل ساعات فقط من ادعاء موتهم، أصر المسؤولون على هذه الادعاءات. وعندما استفسر الأهل عن شهادات الوفاة وعن جثث أطفالهم، رفض المسؤولون الإجابة عن هذه الأسئلة، ولم يصدروا شهادات الوفاة للأطفال، ولم يعطوا الأهل جثث أطفالهم، بل لم يخبروهم أين دفنوا (ص. 15) وتشير المؤلفة إلى أنه وفق الشهادات التي أدلى بها الممرضون والممرضات وسائقو سيارات الإسعاف، اتضح أنه جرى نقل الكثير من الأطفال من المستشفى وهم معافون، إلى العديد من المؤسسات في مناطق مختلفة من البلاد، ومن ثم جرى بيعهم لأثرياء قاموا بتبنيهم. تعالج المؤلفة مسألة مقاومة أهالي الأطفال خطفَ أبنائهم، وتشير إلى العوامل التي ساعدت المؤسسة الإسرائيلية في خطف هذا العدد الكبير من الأطفال. فالمهاجرون اليهود اليمنيون كانوا ضعفاء، ولا يتحدثون العبرية، ويعتمدون في معيشتهم، ولا سيما في السنوات الأولى، على مؤسسات الدولة. وعلى الرغم من ذلك، تشير المؤلفة إلى أنه عندما كثرت عمليات اختفاء الأطفال وادعاء السلطات الإسرائيلية أن هؤلاء الأطفال ماتوا، ازداد وعي الأهالي بخطر المؤسسة الإسرائيلية المحدق بأطفالهم. وتورد المؤلفة العديد من الحالات التي تمكن فيها بعض الأمهات من إنقاذ أطفالهن من الخطف. ففي عام 1949 نقلت طفلة يهودية يمنية إلى مستشفى "رامبام" في حيفا بسبب آلام في الحنجرة. وعندما ذهبت أمها لزيارتها بعد عدة أيام قال لها المسؤولون في المستشفى إن الطفلة غير موجودة، فاتهمتهم الأم بالكذب، وأصرت على رؤية ابنتها، فطلبوا منها مغادرة المستشفى، ولكن الأم رفضت، وشرعت في البحث عن ابنتها في المستشفى، ولكنها لم تتمكن من دخول جميع الأماكن فيها. فاتصلت الأم بالشرطة مطالبةً إياها بالتدخل، بيد أن الشرطة لم تحضر. ولم تيأس الأم، فبقيت في المستشفى تطالب بابنتها، وفي المساء أشفق بعض الممرضات عليها ودعونها للمبيت عندهن. وفي الليل سمعت الأم الممرضات وهن يتحدثن بينهن، ويقلن إن الأم لن تتنازل عن ابنتها، وإنه من الأفضل أن يعيد المستشفى ابنتها إليها. وفي الصباح، عادت الأم إلى المستشفى واستمرت في المطالبة بابنتها، وأخذت تصرخ بصوت مرتفع، وتتهم المستشفى بسرقة ابنتها. وبينما الأم في هذه الحالة من الصراخ والهيجان، شاهدت رجلً يهوديًّا يمنيًّا، كان يعمل في المستشفى، يشير إليها لتتبعه، فسارت خلفه الأم. فسألها متى أخذوا منك ابنتك؟ قالت: يوم الأربعاء الماضي. فسألها: بإمكانك التعرف على

ابنتك؟ فأجابته: بالطبع، فعمر ابنتي عامان، وأحد أصابعها مثني. فطلب منها أن تستمر في السير خلفه، ففعلت. ثم فتح لها أحد الأبواب وأشار إليها أن تدخل الغرفة. وعندما دخلت شاهدت الكثير من الأطفال في الغرفة الواسعة، وبينما هي تنظر إليهم إذ بابنتها تقفز عليها. فتدخلت الممرضة الموجودة في الغرفة ودفعت الأم إلى خارج الغرفة وأبقت ابنتها في الغرفة. فنزلت الأم إلى غرفة الاستقبال في المستشفى وهي هائجة وتصرخ بأعلى صوتها: أحضروا إليّ ابنتي. وظلت على هذه الحالة، إلى أن أحضر المسؤولون الطفلة إلى أمها فعادت بها إلى البيت (ص. 17-19)

عدد الأطفال المخطوفين

على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على اختفاء الأطفال واختطافهم، فإنه لا يوجد حتى اليوم اتفاق على عدد الأطفال المفقودين أو المخطوفين. تشير المؤلفة إلى أن أهالي الأطفال المخطوفين قدموا 1083 شكوى رسمية على اختفاء أطفالهم إلى اللجان الثلاث التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية لبحث هذه القضية. وتوضح المؤلفة أن هذا العدد لا يشمل جميع أهالي الأطفال المفقودين. وتعرض المؤلفة وجهتي النظر الأساسيتين في شأن عدد الأطفال المفقودين؛ الأولى، وجهة نظر الدولة التي تبنتها لجان التحقيق الثلاث والتي ادعت أن مئات الأطفال اختفوا في الفترة 1948( - 1956) وأن معظمَهم ماتوا، وثمة تسعون طفلً فقط لا إجابة عن ما حلّ بهم. أما وجهة النظر الأخرى فطرحتها العديد من الجمعيات التي أسسها يهود يمنيون، وتؤكد أن عدد الأطفال المفقودين في الفترة 1956–1948() بلغ 4500 طفل، وأنهم لم يموتوا كما ادعت الدولة، وإنما جرى خطفهم وبيعهم لأثرياء من إسرائيل والولايات المتحدة، تبنوهم بعد شراء كل طفل منهم بمبلغ 5000 دولار أميركي أو أكثر. وفي حين ترفض المؤلفة وجهة نظر الدولة، فإنها تقبل عمومًا وجهة نظر الجمعيات الأهلية اليمنية، في ما يتعلق بعملية الخطف، وفي ما يخص عدد الأطفال المخطوفين. وتشير المؤلفة إلى أن في حوزة جمعية "مشكان أوهليم" (مسكن الخيام) معلومات مفصلة عن 1700 طفل مفقود، جرى خطفهم في الفترة 1956–1948()، وأنه توجد معلومات دقيقة عن كل طفل منهم؛ كتاريخ الولادة وأسماء الوالدين ومكان اختفاء كل منهم وتاريخه، ومعلومات عن الذين لم تصدر الدولة شهادة وفاة لهم. إلى جانب ذلك، تؤكد هذه الجمعية أن لديها معلومات دقيقة عن الأطفال المخطوفين المستندة إلى سجل السكان، وسجل الولادات، وسجل الوفيات، وسجل أرقام بطاقات الهوية التي منحت لهم في الفترة 1956–1948()، والتي تؤكد اختفاء 4500 طفل في هذه المدة، والذين لا يوجد لهم أي ذكر في سجل الوفيات (ص. 33)

تبنّي الأطفال

تشير المؤلفة إلى الكثير من الشهادات والإفادات التي أكدت أنه جرى إرسال الأطفال "المفقودين" من المستشفيات ومن "بيوت الأطفال"، إلى العديد من المؤسسات الإسرائيلية مثل مؤسسات "فيتسو" و"أمهات عاملات" و"نساء أغودات يسرائيل" ووزارة الشؤون الاجتماعية. وقد جاء إلى هذه المؤسسات يهود أثرياء وأناس كانوا يبحثون عن أطفال لشرائهم وتبنيهم، ولكن ليس بصفة رسمية. وجاء الكثير منهم من خارج البلاد، ولا سيما الولايات المتحدة، واشتروا وتبنوا الأطفال بسرية، وبصورة غير قانونية، مقابل 5000 دولار أو أكثر لكل طفل. ولم يكن في إسرائيل في ذلك الوقت قانونٌ خاص بتبني الأطفال. وتشير المؤلفة إلى العنصرية والعقلية الاستعلائية التي كانت مستشرية في أوساط اليهود الغربيين تجاه اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل من الدول العربية في ذلك الوقت. فالعقلية الاستعلائية العنصرية السائدة في تلك المدّة في مؤسسات الدولة التي كانت جلها من اليهود الغربيين، كانت ترى أن من مصلحة الأطفال فصلهم عن عائلاتهم التي كانت تعاني الفقر المدقع، وتعيش في أوضاع سكنية واجتماعية واقتصادية صعبة جدًّا. أضف إلى ذلك أن الكثير من الأمهات اليهوديات اليمنيات كنّ صغيرات في السن تبلغ أعمار الواحدة منهن 14 عامًا. وقد شكلت هذه العوامل تبريرًا في نظر أصحابها العنصريين لانتزاع الأطفال من أهلهم وبيعهم لأثرياء يتبنونهم (ص. 34-35)

موقف المؤسسة الإسرائيلية من القضية

تتابع المؤلفة، فتحلل موقف المؤسسة الإسرائيلية من هذه القضية منذ حدوثها وحتى اليوم (ص. 76-126) وتؤكد المؤلفة من خلال تقديم الأدلة الكثيرة، أن المسؤولين كانوا على علم بهذه القضية منذ بدايات حدوثها، ولكنهم تغاضوا عنها، وغطوا عليها عند حدوثها، واستمرّوا على ذلك طوال العقود التالية. فعلى الرغم من احتجاجات أهالي الأطفال المفقودين المستمرّة، فإن المسؤولين ومتخذي القرارات في إسرائيل ادّعوا أن الأطفال المفقودين قد ماتوا، ووصفوا ادعاءات الأهل بخطف أطفالهم أنها ليست إلا افتراء ومحض خيال. وتتابع

المؤلفة ذكر موقف الدولة الإسرائيلية من هذه القضية في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وتظهر ضعف ادعاءاتها وتبرز التناقضات الداخلية فيها، ولا سيما التناقضات في ادعاءات لجان التحقيق التي شكلتها الدولة، والتي تظهر المؤلفة عبر الكثير من الأمثلة أن هذه اللجان ما جاءت لكشف الحقيقة بل لطمسها، ولتبنّي موقف الدولة من هذه القضية. وتؤكد المؤلفة أن موقف الدولة من هذه القضية سواء عند حدوثها أو في التستر المستمر عليها، والقيام بأنواع متنوعة من الضغط عقودًا طويلةً على المطالبين بكشف الحقيقة، ينبع من دوافع عنصرية استعلائية. وتبرز المؤلفة الفرق الكبير جدًّا بين تعامل الدولة مع خطف طفل يهودي إسرائ لي غربي، وتعاملها مع خطف عدة آلاف من أطفال اليهود اليمنيين. ففي بداية عقد الستينيات جرى خطف الطفل اليهودي الغربي يوسلي شوحمخر فتجندت الدولة كلها للبحث عنه، إلى أن تمكن جهاز الموساد من العثور عليه وإعادته إلى والديه. ولكن الدولة نفسها التي تجندت كلها للبحث عن الطفل اليهودي الغربي ما انفكت، كما تؤكد المؤلفة، تتجاهل خطف آلاف أطفال اليهود اليمنيين وتتستر باستمرار على جريمة خطفهم.

وتقدم المؤلفة العديد من الأمثلة التي تدحض موقف الدولة من هذه القضية، فتروي حكاية أحد الأطفال، جرى خطفه وبيعه لعائلة يهودية غربية، وكيف أخذ الطفل يسأل "أهله" الذين تبنوه عن سبب اختلاف لون بشرته السمراء عن لون بشرتهم البيضاء. فما كان أمامهم إلا الاعتراف له بأنهم تبنوه في العام 1950 من إحدى المؤسسات. وتحكي المؤلفة من ناحية أخرى الجهد الذي بذلته عائلته الحقيقية البيولوجية في البحث عنه وكيف تمكنت من الوصول إليه والتعرف عليه. وتذكر المؤلفة أيضًا حكاية الطفلة اليهودية اليمنية التي أخذها يغآل ألون، أحد قادة إسرائيل، من المستشفى وقدمها هدية إلى صديقه وصديقته المتزوجين، من أعضاء كيبوتس غينوسار، واللذين لم يكونا قادرين على الإنجاب. وعندما كبرت الطفلة وبلغت السادسة عشرة سألت والديها عن سبب اختلاف لون بشرتها السوداء عن لون بشرتهما البيضاء، فأخبراها بحقيقة أنهما تبنياها عندما كانت طفلة. وحاولت الفتاة فتح ملف تبنيها من أجل التعرف على أهلها الحقيقيين، بيد أن الدولة رفضت ذلك (ص. 218) وتنتقد المؤلفة بشدة موقف وسائل الإعلام الإسرائيلية من هذه القضية (ص. 180-191)، وتؤكد أن كل من يستقي معلوماته من وسائل الاعلام الإسرائيلية، وليس له صلة بهذه القضية، فإنه من الصعب عليه معرفة حقيقتها، وإدراك خطورتها، واتساع نطاقها، ومدى تورط المؤسسة الإسرائيلية بوزاراتها المختلفة وأحزابها إلى جانب الوكالة اليهودية في هذه القضية. وتضيف المؤلفة، أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تعاونت مع الدولة تعاونًا منهجيًا، ليس في تجاهل هذه القضية فحسب، بل دأبت أيضًا على الاستخفاف بها من ناحية، وعلى تشويه صورة الجمعيات التي قامت من أجل هذه القضية، والأشخاص الذين تابعوها، وأهالي الأطفال المخطوفين الذين ثابروا على المطالبة بكشف الحقيقة، من ناحية أخرى. وتشير المؤلفة إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لم تتعامل مع هذه القضية بالحد الأدنى من المهنية، بل قامت بتغطيتها، وتغطية عمل لجان التحقيق، على نحو انتقائي ومنحاز إلى موقف الدولة. وأنها قدّمت مواقف أهالي الأطفال المخطوفين ونشاطهم، والجمعيات التي طالبت بكشف الحقيقة، تقديمًا سلبيًا. ولاحظت المؤلفة، في ختام كتابها، الازدياد الملحوظ في نشاط الجيل الثاني والثالث لأهالي الأطفال المخطوفين، والذين يعملون مع متطوعين كثُر، والعديد من الجمعيات التي أقيمت لكشف الحقيقة. وتساءلت المؤلفة في نهاية كتابها: إلى متى تستمر الدولة في رفضها كشف المستور في هذه القضية؟