الجيوش والانتقال الديمقراطي: كيف تخرج الجيوش من السلطة؟

Abdelfattah Mady عبد الفتاح ماضي |

الملخّص

تهتم هذه الدراسة بالإجابة عن سؤال رئيس: متى يضطر العسكريون إلى الخروج من السلطة وتحت أي ظرف؟ وأوضحت أن هناك كثيرًا من الدروس التي أظهرتها الحالات المختلفة، وأهمها أن العسكريين لا يخرجون من السلطة من تلقاء أنفسهم وإنما يُدفعون إلى ذلك دفعً ا، إما لاقتناعهم بأن الحكم المدني سيضمن مصالحهم، أو خوف ا من تعرّضهم للمحاسبة والعقاب. ولا يدفعهم إلى الخروج في معظم الحالات إلا ظهور إجماع وطني واسع، أو كتلة ديمقراطية معارضة، متفقة على هدف إستراتيجي محددٍ هو إخراج العسكريين من السلطة ضمن مشروع سياسي واضح ومعلن. ويغيّر هذا الإجماع أو التكتل ميزان القوة القائم لمصلحة قوى التغيير، فضل ا عن أنه يُساهم في تحييد الدعم الخارجي للعسكريين على اعتبار أنّ هناك قوى مدنية ديمقراطية بديلة قادرة على حكم البلاد. كلمات مفتاحية: الحكومات العسكرية، التحول الديمقراطي، الكتلة الديمقراطية، الاتفاق الوطني، الإجماع الوطني، الحكم المدني. This study investigates the circumstances under which military governments leave power. It shows that there is no single path to get the military out of power, as there are no general rules for all cases. Nevertheless, several lessons are learned of which the most important is that military officers never relinquish power on their own. Rather, they are usually forced to leave it. In most cases, forcing the military to hand over authority requires a democratic opposition bloc that reaches a national consensus and agrees on a clear political strategy with an explicit goal. This will get the military out of power and establish a civilian government. A consensus or democratic bloc enables reformist democrats to change the balance of power for the benefit of democratic transition. Keywords: Military government, democratization, democratic bloc, national pact, consensus, civilian government.

Armies and Democratic Transition: How do Military Governments Relinquish power?

مقدمة

ظهرت جيوش ما بعد الاستقلال في سياقات مختلفة عن سياق نشأة الجيوش الأوروبية في ما اصطلح على تسميته "العالم الثالث." فبعد الحرب العالمية الثانية، صارت جيوش الدول الحديثة النشأة، هي القوة الدافعة للوحدة والسيطرة والتحديث، وأضحت لكثيرٍ منها مذهبًا جديدًا، أطلق عليه عالم السياسة الأميركي ألفريد ستيبان المهنية الجديدة؛ فقد قامت الجيوش بمهمات أخرى غير المهمات العسكرية، كبناء الدولة الوطنية، وتحقيق التنمية، وقد جرى هذا بمساعدة أميركية عسكرية في كثير من الأحيان1. ولهذا، سرعان ما ظهر مذهب للأمن القومي لجيوش العالم الثالث يدمج بين التدخل العسكري في السياسة، والانخراط في حروب داخلية، لا سيما ضد ما أطلق عليهم "المتمردون"، وكان معظمهم من اليسار، بجانب القيام بمهمات كبيرة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية2. وفي الستينيّات والسبعينيّات من القرن العشرين، اقترن ما سبق بظهور نُظُم حكمٍ أغلقت المجال السياسي، واستهدفت كل المعارضين السياسيين من الاتجاهات كافة، وعسكرة قطاعات كبيرة من المجتمع3. وفي الثمانينيات والتسعينيات تراجعت هذه الأنظمة ضمن ما اصطلح على تسميته الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي. وكان موقف الجيوش من الديمقراطية عاملً من العوامل الحاسمة لنجاح موجات التحول تلك أو فشلها، وما صحبها من تحديات، لا سيما في الدول التي شهدت أدوارًا سياسية للعسكريين، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. اكتسبت مواقف الجيوش أهميةً خاصةً من حركات التغيير في الدول العربية بعد ثورات 2011، فقد شهدت المنطقة أوضاعًا متباينة (اصطفاف الجيش مع التحول في تونس، وانقلابه على المسار الديمقراطي في مصر، وانقسامه في اليمن وسورية، وتحلله في ليبيا.) وتزامن هذا مع عوامل جيوستراتيجية مهمة، أهمها العلاقات الخارجية لجيوش المنطقة مع القوى الكبرى، وانخراط المنطقة في ما يعرف بالحرب على الإرهاب، إلى جانب استهداف الدول العربية من طرف قوى إقليمية ودولية أخرى، وتبعية المنطقة عسكريًا للخارج. وتظل الإشكالية ذات الصلة في المنطقة العربية، هي معالجة موقف الجيوش من الانتقال إلى الديمقراطية وضمان تحقيق هدفين؛ الأول: بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية الحديثة. والثاني: سيادة المؤسسات السياسية المدنية الديمقراطية على الجيوش، مع الحفاظ على وحدة هذه الجيوش، وفي الوقت نفسه تقويتها ورفع درجة جاهزيتها. ولا شك في أن دراسة تجارب الحالات الأخرى التي شهدت إخراج العسكريين من السلطة واستقراءها، ثم معالجة العلاقات المدنية - العسكرية للحد من نفوذ العسكريين في السياسة أو إنهائه يُساهم في تراكم الوعي والخبرة في دولنا العربية، وبخاصة تلك التي تؤدي فيها المؤسسات العسكرية والأمنية أدوارًا محورية في ترسيخ نظم الاستبداد. إنّ الهدف هنا ليس مجرد استخلاص القواعد العامة من تجارب الآخرين، وإنما أيضًا فهم السياقات الهيكلية واستيعابها، أو شروط التغيير ومتطلّباته، التي تهيئ المجال السياسي لنمو قوى التغيير في المجتمع، التي من دونها لا يمكن تصور خروج، أو إخراج، العسكريين من السلطة ومعالجة نفوذهم في السياسة بعد ذلك. واستنادًا إلى ما تقدم، تهتم هذه الدراسة بالإجابة عن سؤال بحثي محوري بهدف فهم متطلبات التغيير واشتراطاته والانتقال من حكم العسكريين إلى الحكم الديمقراطي المدني، واستخراج الدروس المستفادة، وخلاصات عمليات الانتقال الناجحة. وهذا السؤال هو: متى يخرج العسكريون من السلطة؟ بمعنى متى، وتحت أي ظرف يضطر العسكريون إلى الخروج من السلطة؟ وما هي العوامل المهيئة لقبولهم الحكم المدني الديمقراطي؟ ومن المهم أن نشير هنا إلى أن خروج العسكريين من السلطة، لا يعني انتهاء دورهم في السياسة، ولا يعني أيضًا استقرار النظام المدني الديمقراطي الوليد؛ فالمخاطر تظلّ قائمة، سواءٌ أكانت على شكل انقلابات عسكرية أو بقيام ديمقراطيّات ضعيفة وفاشلة أو غير ذلك. إن النجاح في إخراج العسكريين من السلطة يمثّل مرحلة واحدة في عملية ممتدّة، وهو يتطلب مراحل أخرى، بهدف ترسيخ النظام الديمقراطي الوليد، ومعالجة العلاقات المدنية - العسكرية، وتحقيق السيطرة المدنية للمؤسسات المدنية المنتخبة على المؤسسات غير المنتخبة كافة، وعلى رأسها المؤسسات العسكرية والأمنية، وضمان

  1. Alfred Stepan, "New Professionalism of Internal Warfare and Military Role Expansion," in Abraham F. Lowenthal and John Samuel Fitch, Armies and Politics in Latin America (New York: Holmes & Meier, 1986), p. 138.
  2. Kees Koonings, "Political Armies, Security Forces and Democratic Consolidation in Latin America," in Governing Insecurity: Democratic Control of Military and Security Establishments in Transitional Democracies (London: Zed Books, 2003), pp. 126 - 127.
  3. Philip J. O'Brien and Paul Anthony Cammack (eds.), Generals in Retreat: The Crisis of Military Rule in Latin America (Manchester: Manchester University Press, 1985), pp.1-31, 184-201; Philippe C. Schmitter, Military Rule in Latin America: Functions, Consequences and Perspectives (Virginia: SAGE Publications, 1973), pp.1-56, 58-116; Luis Roniger and Mario Sznajder, The Legacy of Human-Rights Violations in the Southern Cone: Argentina, Chile, and Uruguay (Oxford: Oxford University Press, 1999), pp. 7 - 50.

وحدة المؤسسات العسكرية، وتعزيزها وتقويتها مهنيًا لتقوم بأدوارها الأصلية جنبًا إلى جنب مع بقية مؤسسات الدولة السياسية، وغير السياسية، طبقًا للقانون ومعايير الرقابة والشفافية والمحاسبة. وتطرح الدراسة، إلى جانب السؤال الحالي، سؤالين آخرين؛ السؤال الأول، يهتم بكيفية خروج العسكرييّن من السياسة تدريجيًّا؟ أو بكيفية خضوع هؤلاء للرقابة المدنية السياسية بعد خروجهم (أو إخراجهم) من السلطة؟ وما يرتبط بهذا من أسئلة فرعية، منها؛ متى يتم الشروع في معالجة العلاقات المدنية - العسكرية؟ ومن يقوم بهذه المهمة؟ وما الإستراتيجيات والآليات المستخدمة في هذه العملية؟ وكيف يمكن معالجة مقاومة العسكريين لها؟ إن اختيارات قادة التحول الديمقراطي والنخب السياسية المدنية مهمة للغاية، وسقوط الدكتاتوريات لا يعني مجيء الديمقراطيات4. أما السؤال الثاني، فيتناول بالبحث عددًا من الحالات العربية، مع مراعاة خصوصيات هذه الحالات، واقتراح طرق معالجة العلاقات المدنية - العسكرية، إضافة إلى ذلك، عدم تجاهل تجارب الشعوب الأخرى التي تتشابه أوضاعها جزئيًا مع أوضاع الدول العربية. تعتمد منهجيّة هذه الدراسة على مدخلين أساسيين، الأول: مدخل تغيير نظم الحكم الذي يهتم بدور الفاعلين. ومن خلاله تجري دراسة مواقف الفاعلين الرئيسين أثناء عملية التحول الديمقراطي واختياراتهم، وأثر هذه المواقف والاختيارات في عملية التحول خلال إدارة المراحل الانتقالية، مع الأخذ في الاعتبار تأثير محددات السياق العام الداخلي والخارجي في تلك الاختيارات والمواقف. إن اختيارات الفاعلين السياسيين لا تعمل في فراغ، كما أن المحدّدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والخارجية ليست عوامل حتميّة لا أثر لعامل الإرادة فيها. ويمكننا عبر هذا المدخل تتبع التطور السياسي وديناميات التفاعلات الداخلية والظروف المحلية والخارجية في حالاتٍ متعدّدة،ٍ وكذا تحليل مواقف الفاعلين السياسين واختياراتهم وتحركاتهم التي ساهمت في إضعاف الحكم العسكري وزعزعة شرعية حكمه، وتقوية المنادين بالحكم المدني الديمقراطي من جهة، وساعدت من جهة أخرى في إعادة رسم العلاقات المدنية - العسكرية وتحقيق الرقابة المدنية السياسية على الجيوش لاحقًا. أما المدخل الثاني فهو مدخل التحليل التاريخي المقارن، الذي يتتبع التطور التاريخي للظواهر والمخرجات الكبرى، ويحلل أثر البيئة، بمختلف عواملها الداخلية والخارجية، لفهم الظواهر ومخرجاتها، إلى جانب القيام بمقارنات تاريخية لوحدات التحليل الكلية وعمليات التطور الاجتماعي عبر الزمان والمكان. سيمكننا هذا المدخل من فهم الظاهرة الكبرى، بسياقاتها الاجتماعية والسياسية، الداخلية والخارجية، التي هيأت المجال العام لميلاد قوى التغيير المناصرة للحكم الديمقراطي في الحالات التي تعالجها الدراسة، ودراسة تفاعلات تلك القوى من أجل إنهاء سيطرة العسكريين بإخراجهم أوّلً من السلطة، ثم بالتدافع معهم للحد من نفوذهم وإخضاعهم للمؤسسات المدنية في مرحلة لاحقة. وتستخدم الدراسة أيضًا النظرة المقارنة؛ إذ ستقوم بمعالجة سؤال البحث في عدد من الحالات الدراسية، مع التركيز على الحالات التي نجحت في تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية، وتحقيق التحول الديمقراطي وإنجاز الرقابة المدنية السياسية على المؤسسات العسكرية في منطقتين رئيستين، هما أميركا اللاتينية وآسيا، فضلً عن حالتي إسبانيا وجنوب أفريقيا. وهناك معياران أساسيان في اختيار حالات الدراسة، الأول: هو تحقيق الدول المختارة قدرًا من النجاح في تحقيق الهدفين، أي إخراج العسكريين من السلطة ثم معالجة دورهم في السياسة، وتحقيق الرقابة المدنية السياسية على الجيوش. والهدف هنا معرفة كيف تم هذا وتحت أي ظروف. أما المعيار الثاني فهو تعدد أنماط تدخل العسكريين في السلطة والسياسة؛ ففي أميركا اللاتينية كان العنصر الغالب هو حكم المؤسسات العسكرية وتعدد الانقلابات العسكرية، بينما كان تدخل العسكريين في بعض الدول الآسيوية يجري على يد مجموعة من الجنرالات. أما في الحالة الإسبانية فسيطر الحاكم الشمولي العسكري على الدولة والمجتمع والجيش، وفي جنوب أفريقيا كان نظام ما قبل الانتقال عنصريًا، وكانت هناك مقاومة مسلحة ضده. على الرغم من تعدد هذه الأنماط واختلاف السياقات، فقد نجح قادة الانتقال في ظل سياقات هيكلية معينة وعبر مواقف وقرارات محددة، في إنجاز الهدفين. وهذا أمر مهم لفهم شروط إنتاج التغيير من جهة، واستخراج القواعد العامة والعبر والدروس من جهة أخرى، لا سيما في ضوء اعتبار بعضهم في منطقتنا العربية أن الحالات العربية فريدة ولن يجدي معها أي حديث عن الإصلاح أو التغيير. لقد كانت الأوضاع في كثير من حالات الدراسة لا تقل صعوبة عن حالات دولنا العربية اليوم، وما حدث التغيير هناك إلا عندما تهيأت شروطه وولِدت قوى تدافع عنه وتعمل من أجله. ولتحقيق هدف الدراسة، تم تقسيمها إلى أربعة أجزاء؛ يتناول أوّلها إدراك العسكريين صعوبة استمرارهم في الحكم، ومن ثَمّ شروعهم

  1. حسب قول وزير الدفاع الإسباني الأسبق ومهندس معالجة العلاقات المدنية - العسكرية هناك بعد الانتقال، انظر: Narcís Serra, The Military Transition: Democratic Reform of the Armed Forces (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 10.

في الانتقال إلى الديمقراطية. ويهتم الثاني بالانتقال من خلال الاتفاق الوطني بين أنصار الديمقراطية وخصومها السابقين. أما الثالث، فيتناول كيفية خروج العسكريين من السلطة في أعقاب النجاح أو الفشل في إدارة الاقتصاد. وينصبّ الاهتمام في الجزء الرابع على دور العوامل الخارجية في إخراج العسكريين من السلطة. غير أن تناول موضوع هذه الدراسة يتطلب أيضًا الوقوف باقتضاب على أمرين محوريين لهما علاقة مباشرة بالمفاهيم الرئيسة المستخدمة: الأول التمييز بين مفهومين أساسيين من مفاهيم تغيير أنظمة الحكم، هما "الانتقال إلى الديمقراطية" و"التحول الديمقراطي"، أمّا الثاني فهو إيضاح موقع المؤسسات العسكرية والأمنية من المؤسسات السياسية في الدول المعاصرة.

1. التمييز بين مفهوم "الانتقال إلى الديمقراطية" ومفهوم "التحول الديمقراطي"5

يعني مصطلح "الانتقال إلى الديمقراطية" انتقال السلطة من الحكام المطلقين إلى حكومة ديمقراطية مدنية منتخبة؛ أي اجتياز المسافة الفاصلة بين نظم الحكم غير الديمقراطي ونظم الحكم الديمقراطي. ويتحقق هذا الانتقال غالبًا بعد انهيار النظام القديم (بطرق مختلفة كالتغيير من أعلى أو من أسفل أو بالتوافق)6، وتوافق القوى السياسية على اختيار النظام الديمقراطي الجديد بقيمه ومؤسساته وضوابطه وإجراءاته وضماناته المتعارف عليها. لا يتخلص النظام الديمقراطي الوليد، بمجرد نجاح الانتقال، من جميع المشكلات التي كانت قائمة قبل الانتقال مثل ضعف الأحزاب السياسية، وانخفاض الوعي السياسي، ونفوذ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية7. إن "عملية التحول الديمقراطي" هي عملية ممتدة زمنيًا، ولها مراحل متعددة تختلف من دولة إلى أخرى، وقد تشمل عمليات مرتدة تعمل في الاتجاه العكسي، وتنتهي في حالة النجاح إلى ترسيخ قواعد النظام الديمقراطي، أي الحالة التي يمكن القول معها، بقدر كبير من الثقة، إنّه لا خطر على النظام الديمقراطي من الأحزاب أو الجيش أو الجماهير أو الخارج. ويرتبط الترسيخ الديمقراطي عادة بمؤشرات مختلفة، أبرزها وجود إجماع معقول بين النخب والجماهير على الديمقراطية وقواعد اللعبة الديمقراطية، كمبدأ وليس كإجراء، واتساع المشاركة السياسية للناخبين في الانتخابات، واقتناع كل القوى السياسية الرئيسة بأنّه لا بديل من العملية الديمقراطية لتسوية الصراعات السياسية والتداول على السلطة، وعدم وجود مؤسسة أو جهة غير منتخبة (كالمؤسسة العسكرية أو الدينية) تدّعي لنفسها حق الاعتراض على قرارات صناع القرار المنتخبين وسياساتهم، وشيوع الثقافة الديمقراطية وسط الشعب، وغير ذلك8. وتختلف عملية "ترسيخ الديمقراطية" عن استقرار النظام، فقد يستقر النظام من دون أن يجري ترسيخ الديمقراطية، كما في روسيا وأوكرانيا وفنزويلا، وقد لا يقترن ترسيخ الديمقراطية بالاستقرار، فقد يقوم نظام يوصف بأنه "ديمقراطي" عند البعض أو "ديمقراطي إثني" عند آخرين للإشارة إلى أن الديمقراطية تطبق مع فئة واحدة من الشعب مع استبعاد فئات أخرى كما في جنوب أفريقيا تحت الحكم العنصري، والكيان الإسرائيلي الكولونيالي منذ نشأته وحتى اليوم9.

2. موقع المؤسسات السياسية والأمنية من المؤسسات السياسية في الدولة المعاصرة

تقوم العلاقة بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات السياسية المنتخبة في الدولة الديمقراطية المعاصرة على أساس خضوع الأولى للثانية؛ فالشعب صاحب السيادة ومصدر السلطة، هو الذي ينتخب المؤسسات السياسية التي تقوم بدورها بإنشاء مؤسسات وهيئات الدولة غير السياسية وغير المنتخبة كافة، ومراقبتها، ومحاسبتها بطرق تختلف باختلاف طبيعة النظام السياسي ذاته. وأبرز المؤسسات غير السياسية وغير المنتخبة – كما يوضحها الرسم - هي المؤسسات العسكرية والأمنية والمخابراتية والمؤسسة القضائية وجميع الأجهزة

  1. المفاهيم الإنكليزية الأقرب للمفاهيم المشار إليها هنا هي: الانتقال إلى الديمقراطية democratic transition، والتحول الديمقراطي democratic transformation، والترسيخ الديمقراطي democratic consolidation انظر:. Ronald A. Francisco, The Politics of Regime Transitions (Boulder: Westview, 2000), pp. 65-69; George Sørensen, Democracy and Democratization: Process and Prospects in a Changing World , 3rd edn. (Boulder: Westview Press, 2008), pp. 13 - 15.
  2. انظر: عبد الفتاح ماضي، " مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطي"، في: علي خليفة الكوارى وعبد الفتاح ماضي (محرران)، لماذا انتقل الآخرون وتأخر العرب؟ دراسة مقارنة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 31 - .81
  3. انظر: عبد الفتاح ماضي، " العلاقات المدنية - العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي "، مقدمة في مؤتمر "تحولات الديمقراطية في العالم العربي"، مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية، بيروت، 28 حزيران/ يونيو 2012:. في http://bit.ly/2iVL9rT
  4. المرجع نفسه.
  5. انظر في شأن النظام القائم في دولة الاحتلال الإسرائيلي: عبد الفتاح ماضي، الدين والسياسة في إسرائيل: دراسة في الأحزاب والجماعات الدينية في إسرائيل ودروها في الحياة السياسية (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1999)، القسم الأول، ص 22 - .155 Dean McHenry Jr. & Abdel-Fattah Mady, "A Critique of Quantitative Measures of the Degree of Democracy in Israel," Democratization , vol. 13, no. 2 (April 2006), pp. 257 - 282. ﺻﺎﺣﺐ اﻟﺴﻴﺎدة وﻣﺼﺪر اﻟﺴﻠﻄﺔ اﳌﺆﺳﺴﺘﺎن اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺘﺎن اﳌﻨﺘﺨﺒﺘﺎن ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺐ ﻣﺆﺳﺴﺎت وﻫﻴﺌﺎت اﳌﺆﺳﺴﺎت اﻟﻬﻴﺌﺎت دوﻟﺔ ﻏŒ ﺳﻴﺎﺳﺴﺔ اﻟﺠﻬﺎز اﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ اﻟﻘﻀﺎء وﻏŒ ﻣﻨﺘﺠﺔ ﺗﺨﻀﻊ اﻟﺮﻗﺎﺑﻴﺔ اﻹداري واﻷﻣﻨﻴﺔ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ اﳌﺆﺳﺴﺎت اﳌﻨﺘﺠﺔ

الرقابية والجهاز الإداري للدولة. وهذه الدول لم تصل إلى هذا الوضع إلا بعد مواجهة تحديات ضخمة، وفي ظل تحول تاريخيّ ممتدّ انتهى إلى إقامة نظم حكم ديمقراطية.

رسم توضيحي: موقع المؤسسات العسكرية من المؤسسات السياسية

اﻟﺸﻌﺐ

ﺳﻠﻄﺔ اﻟﺘﴩﻳﻊ ﺳﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﻴﺬ

أما في دول ما عرف بالعالم الثالث، فقد انتشرت ظاهرة الانقلابات العسكرية السافرة أو المستترة، ونشأت ظاهرة الحكومات العسكرية وتجاوز الجيوش لوظيفتها العسكرية إلى القيام بأدوار سياسية واقتصادية وأمنية. وتتمثل الصفة الرئيسة لأي حكم عسكري، باختصار شديد، في تحكم مجموعة من العسكريين في مفاصل الدولة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، إمّا بشكل مباشر، أو من وراء ستار، مع وجود واجهات شكلية (رئيس وبرلمان منتخبان لكن بصلاحيات مقيّدة)، وضعف مبدأ حكم القانون ودولة المؤسسات. وتحتكر هذه المجموعة أدوات القوة في المجتمع وتمارس الهيمنة على المجتمع حسب مفهومي "القوة" و"الهيمنة" التي تحدث عنهما كل من ماكس فيبر وأنطونيو غرامشي. وقد انتشرت في أميركا اللاتينية ظاهرة الحكم العسكري أو حكم المؤسسات العسكرية أو المجالس العسكرية الجماعية junta Military. أما في بعض الدول العربية والآسيوية والأفريقية فقد كان الشكل الأكثر شيوعًا هو سيطرة فرد عسكري واحد، أو مجموعة من الجنرالات، على المشهد والانفراد بالسلطة10. وعادة ما تحصل الحكومات العسكرية على دعم قوى خارجية، العسكريين ولأميركا على وجه الخصوص تاريخ طويل في دعم حكم بشكل مباشر أو مستتر، بحجة احتواء الشيوعية (كما حدث في أميركا اللاتينية) أو ما يسمى حركات الإسلام السياسي (كما يحدث اليوم في العالمين العربي والإسلامي)11. وينصب الاهتمام هنا على طرق انتقال السلطة من العسكريين إلى الحكم المدني الديمقراطي، كما أوضحتها التجارب الناجحة في العقود الأربعة الماضية. فقد تنوعت هذه الطرق باختلاف الظروف والأوضاع التي هيأت لهذا الخروج12. فهناك نظم انقسمت فيها الجيوش حول مسألة الديمقراطية والحكم المدني بين فريق يريد الإبقاء على الحكم العسكري وآخر يود إعادة السلطة إلى المدنيين مع ضمان مصالح المؤسسة كما في البرازيل. وهناك حالات اضطر فيها العسكريون إلى ترك السلطة بعد هزيمتهم العسكرية كما حدث في اليونان والأرجنتين. وهناك نظم أخرى لم يخرج منها العسكريون من السلطة إلا في أعقاب نضال سياسي ممتد أو تظاهرات شعبية قوية، كما حدث في كوريا الجنوبية وأندونيسيا وتشيلي وغيرها. وفي معظم حالات الانتقال الناجحة خرج العسكريون من السلطة وظل نفوذهم السياسي، ليجري - على مدى زمني ممتد - تقليص هذا الدور، الذي أدّى في النهاية إلى تقوية الدولة والديمقراطية والجيش معًا. وفي دول أخرى انقسمت الجيوش واندلعت حروب أهلية انتهت عادة إلى إضعاف كل الأطراف وانقسام الدولة ذاتها في بعض الأحيان كما حدث في عدد من الدول الأفريقية13. وفي معظم الحالات لم تستطع القوى الديمقراطية إخراج العسكريين من السلطة والسياسة معًا بشكل حاسم وسريع لسبب أساسي هو أنه لا يمكن منازلة الجيوش عسكريًا، وعندما حاول المعارضون فعل هذا في الدول ذات الجيوش القوية، انتهى الأمر إلى عمليات استئصال

  1. انظر في شأن العسكر والحكم في العالم العربي: نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 573-509؛ خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص 145-107؛ روجر أوين، الدولة والسلطة والسياسة في الشرق الأوسط، ترجمة عبد الوهاب علوب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي
  2. هناك أعمال علمية كثيرة في مسألة الدعم الخارجي لأنظمة الحكم المطلق، منها على سبيل المثال: Oisín Tansey, The International Politics of Authoritarian Rule (Oxford: Oxford University Press, 2016); William Blum, Killing Hope: US Military and CIA Interventions Since World War II (Monroe: Common Courage Press, 2008); Ken Connor and David Hebditch, How to Stage a Military Coup: From Planning to Execution (London: Skyhorse Publishing, 2009), pp. 6-7, 157- 170; Stephen Kinzer, Overthrow: America's Century of Regime Change from Hawaii to Iraq (New York: Times books, 2007).
  3. ماضي، " مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطي"، وكذلك: Guillermo O'Donnell, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead, Transitions from Authoritarian Rule , vol. 1 - 4 (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986); Gerardo L. Munck & Carol Skalnik Leff, "Modes of Transition and Democratization: South America and Eastern Europe in Comparative Perspective," Comparative Politics , vol. 29, no. 3 (April 1997), pp. 343 - 362. 13 ماضي، " العلاقات المدنية - العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي ".
  4. للترجمة، 2000)، ص 245 - .271

وقمع للمعارضين، كما فعلت عدة حكومات في الشرق الأوسط كان آخرها في الجزائر ومصر، حيث بقيت الدولة قائمة لكنها ظلت ضعيفة ومنهكة. وفي واقع الأمر يعتمد الصراع حول الديمقراطية، كما كتب ستيبان، على قدرة النظام التسلطي على إدارة تحالفاته والإبقاء على قوته من جهة، وعلى قدرة المعارضة على التوحد وتقديم بديل من جهة أخرى14؛ أي تعتمد نتيجة هذا الصراع على ميزان القوة بين الفاعلين المتصارعين وعلى طبيعة التفاعلات بينهم15. ولهذا كانت المهمة الرئيسة في حالات الانتقال الديمقراطي السابقة خلال مرحلة الانتقال، في النظم التي كان الجيش فيها في السلطة أو كان يمارس نفوذًا كبيرًا فيها، هي التركيز على إخراج العسكريين من السلطة وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية ديمقراطية منتخبة، على اعتبار أن تحقيق هذا الهدف المحوري سيمكن قوى التغيير ومؤسسات النظام الديمقراطي من تحقيق الأهداف الأخرى تباعًا وعلى أساس برنامج سياسي ممتد ومعد سلفًا. حدث الأمر سريعًا في اليونان عام 1974، لكنه استغرق بضعة سنين في دول أخرى كالبرتغال والأرجنتين وتشيلي والبرازيل وجنوب كوريا وغيرها. ويعتمد الأمر في معظم الحالات على عامل محوري هو ميلاد قوى التغيير واقتناعها فعلً بنظام الحكم الديمقراطي بجميع مبادئه ومؤسساته وإجراءاته وضماناته، وظهور معارضة ديمقراطية تتفق على هدف إستراتيجي محوري، هو النضال ضد الحكم العسكري في كل المساحات المتاحة وبكل الطرق السلمية الممكنة، لزعزعة تحالفات النظام وتوفير بديل مدني قادر على إدارة البلاد ضمن المبادئ والآليات الديمقرطية المتعارف عليها. وقد أشارت تجارب دول عدة - سنعرض بعضها في سياق هذه الدراسة - إلى أن تهيئة الأرض لوجود هذا الشرط (ميلاد قوى الديمقراطي المتفقة على هدف إستراتيجي محدد التغيير) هي المقدمة الضرورية والشرط الأساسي لتهيئة البلاد لإخراج العسكريين من السلطة، وقد تمّ هذا عبر أربعة مسارات على الأقل، هي:

أولا: إدراك العسكريين صعوبة استمرارهم في السلطة

إن وجود قوى التغيير الديمقراطية المتفقة على هدف إستراتيجي محدد، ساهم بقوة في دفع العسكريين، أو فريق منهم، إلى إدراك أنه من الصعوبة الاستمرار في الحكم وأن الحكم العسكري قد يُضعف تماسك المؤسسة العسكرية ذاتها والثقة بها، ومن ثمّ قيامهم بترتيب خروجهم منه من أعلى، كما حدث في كثير من دول أميركا اللاتينية. تعددت الأسباب وراء وصول هؤلاء إلى هذا الاقتناع، وكان أهمها نضال القوى السياسية والمجتمع المدني ضد الحكم العسكري، وظهور تحالف أو تحالفات ديمقراطية وقيامها بعملية التعبئة والحشد واستغلال المساحات المتاحة كافة، لتوسيع قاعدة المؤمنين بالحكم المدني الديمقراطي، وتقليص دائرة المتحالفين مع العسكريين. ويتطلب هذا بدوره تقوية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وامتلاكها إستراتيجية واضحة ومعلنة للتعامل مع الجيش16.

كما توجد دوافع أخرى لخروج العسكريين من السلطة منها انتهاكات حقوق الإنسان، وانخراط بعض العسكريين في قضايا فساد، والفشل في إقامة قاعدة شعبية حقيقية، ومن ثَمّ ضعف شرعية حكمهم وتراجع حلفائهم. وعادة ما اقترن إدراك العسكريين صعوبة استمرار الحكم العسكري بوصول قادة عسكريين إلى مناصب مؤثرة في النظام الحاكم، فضلً عن الصراعات الداخلية بين العسكريين أنفسهم وانعكاس هذا الأمر على قدرات المؤسسة وجاهزيتها لمهماتها الأساسية. ويمثل عامل انتهاكات حقوق الإنسان والعنف الذي تعيش فيه الحكومات العسكرية بُعدًا مهمًّ، فهذا العنف الذي تعيش فيه هذه

  1. Alfred Stepan, Rethinking Military Politics: Brazil and the Southern Cone (New Jersey: Princeton University Press, 1988), p. 55.
  2. Richard Snyder, "Paths out of Sultanistic Regimes: Combining Structural and Voluntarist Perspectives," in H.E. Chehabi and Juan J. Linz (eds.), Sultanistic Regimes (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998), pp. 49-81; Richard Snyder, "Explaining Transitions from Neopatrimonial
  3. Dictatorships," Comparative Politics , vol. 24, no. 4 (July 1992), pp.379-99. 16  Stepan, Rethinking Military Politics , p. 13.

الأنظمة يُقربها من نهايتها أيضًا. فلا يمكن للجيوش الاستمرار في الحكم اعتمادًا على القبضة الأمنية لفترات زمنية طويلة، لأن الشعوب لا تستسلم مهما تصاعدت حدة القمع، كما أن المجتمع الدولي قد يتخلي عن تغاضيه عن انتهاكات حقوق الإنسان، ويناصر التغيير متى ظهر بديل ديمقراطي يطمئن له بدرجة أو أخرى. فضلً عن أن أي نظام قمعي عادةً ما يعرِّض أمن المنطقة التي ينتمي إليها لعدم الاستقرار؛ إذ تظهر حركات مسلحة تلجأ إلى العنف ضد النظام وضد الدول الداعمة له إقليميًا ودوليًا. مارست بعض الحركات اليسارية هذا الدور في بعض دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، كما تمارسه الآن بعض الحركات التي تنسب إلى الإسلام.

البرازيل

تعد الحالة البرازيلية الحالة الأبرز هنا. فالبرازيل تبنت الملكية الدستورية البرلمانية على النمط الإنكليزي لعدة عقود بعد استقلالها عام 1822، ثم تحولت إلى النمط الرئاسي الأميركي لعدة عقود أخرى. لكنها وقعت تحت الحكم الدكتاتوري خلال الفترة 1930 - 1945، ثم عادت التعددية الحزبية حتى عام 1965 عندما استولى العسكريون على السلطة بشكل مباشر، وسط أزمة شرعية ومشكلات اقتصادية وسياسية حادة ودعم معنوي ومادي من الولايات المتحدة17. استند الحكم العسكري آنذاك على مفهوم متسع للأمن القومي، لا يشمل فحسب الدفاع الخارجي، وإنما أيضًا مواجهة التهديد الشيوعي والمتمردين المسلحين. هذا إلى جانب قيام الجيش بدورٍ مهمٍّ في التنمية الاقتصادية، وقد تجاوز معدل النمو 11 في المئة في الفترة 1968 - 1973 مما ساهم في شرعنة الحكم العسكري18. واستطاع الجيش أيضًا استغلال الانقسامات بين الأحزاب والمجتمع المدني لإبقاء القيود على الحياة السياسية. لكن العسكريين انقسموا في شأن عودة الحكم المدني بين متشددين يخشون عودة المدنيين وفتح ملف انتهاكات الجيش، وإصلاحيين يرون أن الوقت أصبح جاهزًا لعودة الحكم للمدنيين مع الحفاظ على مكانة الجيش. بدأت عملية الانفتاح التدريجي الذي قاده الجناح الإصلاحي داخل الجيش عام 1973 في ظل سياق اجتماعي وعسكري غير مواتٍ لاستمرار الحكم العسكري، فقد ظهرت مخاوف الحكام العسكريين من تصاعد نفوذ سلطة الأجهزة الأمنية على حساب المؤسسة العسكرية، إضافة إلى حالة الركود التي أصابت البلاد بعد التقدم الاقتصادي الذي شهدته في الستينيّات، ثم أزمة النفط في السبعينيّات وأثرها في الاقتصاد الذي راح يعتمد على وصفات البنك الدولي التقشفية؛ مما ضاعف من معاناة كثير من الفئات، ثم الوقوع في أزمات أخرى مع ملاك الأراضي الأثرياء في الشمال ومع الكنيسة الكاثوليكية19. ومن العوامل المهمة أيضًا فشل الجناح المتشدد داخل الجيش في الإبقاء على الحكم العسكري بعد أن تغير السياق الدولي وانتقلت دول مجاورة إلى الديمقراطية، وارتفع ثمن تدخل العسكريين المتشددين لمنع الانتقال حسب قانون روبرت دال عن التكلفة20. كان إيمان الجناح الإصلاحي بالديمقراطية داخل الحكم ووصوله إلى السلطة عاملً حاسمً في بدء عملية الانتقال ونجاحها. وكان على الإصلاحيين -عند وصولهم إلى السلطة - مواجهة العسكريين المحافظين الذين حاولوا إيقاف عملية الانتقال بكل الطرق الممكنة، حتى أنّ الرئيس العسكري إرنستو غيزيل Ernesto Geisel وصف نفسه ب "دكتاتور الديمقراطية" في مواجهته للعسكريين21. لكن المباراة لم تكن صفرية بين الطرفين، إذ كان على الإصلاحيين تقديم بعض التنازلات، ويرى كثير من الباحثين أن الانتقال في البرازيل اتّسم بإستراتيجيةٍ قوامها: "خطوتان للأمام وخطوة للخلف"22. كان سلوك قوى المعارضة مهمًّ للغاية، فقد دفعت انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 1974 أحزاب المعارضة إلى التكتل في حزبٍ سياسيٍّ جديدٍ، هو الحركة الديمقراطية البرازيلية The Brazilian Democratic Movement, MDB، وهو تكتل عابر للأيديولوجيات وضم تيارات سياسية مختلفة من اليمين والوسط

  1. اعتمدنا في بعض الأجزاء هنا على ما سبق أن كتبناه، انظر: ماضي، " مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطي "، ص 53 - 57. وانظر أيضًا: Celso Castro, "The Army as a Modernizing Actor in Brazil," in Patricio Silva, The Soldier and the State in South America: Essays in Civil-military Relations (London: Pagrave& Patricio Palgrave Publishers Ltd., 2001), pp. 53-71; C. Arceneaux, Bounded Missions: Military Regimes and Democratization in the Southern Cone and Brazil (Pennsylvania: The Pennsylvania State University Press, 2001), pp.143-150; Edward Gibson, "Nine Cases of the Breakdown of Democracy," in Robert Pastor, Democracy in the Americas: Stopping the Pendulum (New York: Holmes & Meier, 1989), p. 182.
  2. Scott D. Tolbesfon, Civil-Military Relations in Brazil: The Myth of Tutelary Demcoracy, Draft (Calhoun: The National Postgraduate School
  3. Graeme Gill, The Dynamics of Democratization: Elites, Civil Society and the Transition Process (Palgrave Macmillan, 2000), pp.136-141.
  4. حسب أستاذ العلوم السياسية الأميركي روبرت دال، "عندما تتجاوز تكلفة القمع (قمع المعارضين) تكلفة التسامح معهم، تزداد فرص التحول إلى نظام حكم تعددي (أي ترتفع احتمالات نجاح الانتقال إلى الديمقراطية")، انظر: Robert A. Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition (Yale: Yale University Press, 1972), p. 15.
  5. Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late 20th Century (Oklahoma: University of Oklahoma Press, 1993), p. 137. 22  Ibid. p. 141.
  6. Institutional Archive, 1995), p. 3.

واليسار. وحقق الحزب نتائج جيدة؛ مما دفع النظام إلى اتّخاذ بعض الخطوات لوقف تقدم المعارضة في انتخابات المحليات في عام 1976 بوضع قيود على الدعاية الانتخابية، وتغيير النظام الانتخابي؛ إذ صار للحكومة الحق في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، كما أضحت انتخابات حكام الولايات غير مباشرة23. ثم استطاع غيزيل فرض خليفته جوا فيغيريدو João Figueiredo الذي وَعَدَ بنقل البلاد إلى الديمقراطية، وفَتَحَ حوارًا مع المعارضة، وخفف من قمع التحركات العمالية، وأصدر عفوًا عامًا، وسمح بعودة المنفييّن، كما أعاد العمل بالنظام المباشر لاختيار حكام الولايات، وألغى نظام الحزبين، وسمح بالتعددية الحزبية، لتظهر مع نهاية عام 1981 خمسة أحزاب منها حزبان رئيسان24. ولما حاول الحزبان التكتل استعدادًا لانتخابات 1982، غيّ ت الحكومة قواعد الانتخابات لتمنع التحالف بين الأحزاب، وتفرض على الأحزاب التقدم بقوائم منفصلة، بهدف تعزيز التنافس بين الأحزاب المعارضة لحساب حزب الحكومة25. وعلى الرغم من ذلك حصلت الأحزاب المعارضة على نتائج جيدة وحصلت على الحكم في عشر ولايات26، فارتفعت الثقة فيها واتسعت قاعدتها الشعبية. كما بدأ حكام بعض الولايات في إظهار استقلالهم عن الحكومة وإدراك أهمية التواصل مع الناخبين في الدوائر المختلفة. ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية في منتصف عام 1982 تعزز الانقسام داخل النظام، وتصاعدت المطالب السياسية بخروج العسكريين، كما انتقد رجال الأعمال النظام علنًا لأول مرة. وكان المأزق الأساسي للحكومة هنا هو عدم قدرتها على الاستمرار في تقديم المنافع الاقتصادية، ولهذا؛ عندما اختفت المنافع، تراجع الدعم السياسي للنظام. اندلعت في عام 1984 تظاهرات ضخمة للمطالبة بإجراء انتخابات مباشرة لاختيار الرئيس. وقد كان الجيش على اقتناع في ذلك الوقت أنّ الرئيس القادم لا بد من أن يكون مدنيًا، وذلك خوفًا من الآثار السلبية التي ستعود على الجيش إذا استمر الحال على ما هو عليه. وبعد مفاوضات مطوّلة بين الحكومة والمعارضة اجتمع أعضاء المجمع الانتخابيّ واختاروا مرشّحًا معتدلً من المعارضة هو تانكريدو نيفيز Neves Tancredo، وهو المرشح الذي لم يوحّد المعارضة فقط، وإنما جذب أنصارًا من داخل النظام. غير أن المرشح توفي قبل تتويجه، فتمّ اختيار نائبه خوسيه سارني José Sarney الذي ظل في الحكم في الفترة 1990-1985 27. وبهذا انتهى الانفتاح بعد أكثر من عقد من الزمان بانتقال السلطة من الجيش، إلى رئيس مدنيّ، مع الحفاظ على كل مصالح المؤسّستين العسكرية والأمنية، وأهمها عدم فتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان28، واستمرار الصناعات العسكرية، والإبقاء على الصناعات التي لها علاقة بالأمن القومي، لا سيما في قطاع الاتصالات والمعلومات، في يد الجيش. وقد ساهم تماسك الجيش الداخلي29، بجانب تراجع شرعيته نتيجة قضايا الفساد، في الإبقاء على امتيازات الجيش بعد الانتقال. أثبتت الحالة البرازيلية أن الانتقال ممكن على يد العسكريين أنفسهم إذا كانت لديهم رغبة حقيقية، وإذا توافرت خارطة طريق محددة، تتّجه فعلً نحو الانتقال، وإذا استطاعت المعارضة الاستفادة من تراجع العسكرييّن. وقد لخص عالم الاجتماع والسياسي البرازيلي ورئيس البلاد فرناندو كاردوسو في الفترة 1995 - 2003 الدروس الأهم لهذه التجربة. وحسب ما جاء في لقاء معه، فقد كان من أهم عوامل نجاح التجربة، ظروف الحرب الباردة خارجيًا. أمّا داخليًّا فقد تمّت هزيمة التسلّط من داخله تدريجيًا. وقد أشار كاردوسو إلى أن من العوامل التي ساعدت على النجاح، وجود مساحة مؤسّسيةٍ مهمّةٍ؛ إذ لم يغلق العسكريون البرلمان ولم يمنعوا الأحزاب إلا لفتراتٍ قصيرةٍ، ممّ أوجد آلياتٍ للضغط والتعبئة الاجتماعية لا سيما وقت الانتخابات. كما أدت الإنجازات الجزئية للمعارضة في الانتخابات إلى تعزيز الضغط30. وأشار أيضًا إلى أنّه على الرغم من أن الاختلافات بين المعارضين أمر شائع، فإن بناء التحالفات والتعامل

  1. Gill, p. 137.
  2. هما "الحزب الشعبي" و"حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية" Brazilian The PMDB Party, Movement Democratic، والأخير هو وريث الحركة الديمقراطية
  3. Ibid., p. 138.
  4. Ibid.
  5. Ibid, p. 141. 28 انظر في شأن دور الجيش وانتهاكاته لحقوق الإنسان: Kees Koonings, "Political Orientations and Factionalism in the Brazilian Armed Forces, 1964–85," in Patricio Silva, The Soldier and the State in South America: Essays in Civil-Military Relations (New York: Palgrave Macmillan, 2001), p.13-137.
  6. البرازيلية، والذي ضم أيضًا عناصر كانت مسلحة سابقًا من "حركة 8 أكتوبر الثورية" التي شكلتها عناصر من الحزب الشيوعي في الستينيّات؛ لمقاومة الحكم الدكتاتوري العسكري، ثم تحولت تدريجيًا إلى حزب اشتراكي إصلاحي في التسعينيّات ودعمت لولا دي سلفيا للرئاسة في عام 2002، وسُجّلت كحزب يساري عام 2008 باسم حزب الوطن الحر Homeland Free Party انظر:. " The Revolutionary Movement 8th October (MR8)," World Heritage Encyclopedia , accessed on 5/9/2016, at: http://bit.ly/2j505kL
  7. Stepan, Rethinking Military Politics , pp. 56 - 60.
  8. Sergio Bitar & Abraham F. Lowenthal (eds.), Democratic Transition: Conversations with World Leaders (Baltimore: Johns Hopkins University Press & The International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2015), p. 12.

مع الحكومة كان أمرًا محوريًا للغاية مقابل الدعوة إلى المقاطعة. ويرى أن المعارضة أصابت عندما تعاملت مع الحكومة على أساس تحقيق برنامج ديمقراطي شامل، بأهداف سياسيّة واضحة، وأهداف أخرى، مثل: دمج النساء والسود والمحليين، وتقوية المجتمع المدني. وساهمت الحركة العمالية، والتي قادها لولا دي سلفا، في هذا من دون أن ترفع شعارات سياسية في البداية، ثمّ لاحقًا بدأت في التسييس وتعبئة الشارع والكنيسة والمثقفين. كما أدى المحامون والصحافة المعارضة والكنيسة دورًا مهمًّ، فضلً عن أن فترة القمع 1964 - 1973 استخدمت في عملية التعبئة31.

ثانيًا: عقد اتفاق وطني للانتقال

ساهم اتفاق قوى التغيير الديمقراطية على هدف إستراتيجي محدد، في حالات أخرى، في الوصول إلى عقد اتفاق وطني، يضمن الانتقال إلى الديمقراطية، ويقوم على تطمينات متبادلة بين القوى الديمقراطية وبين القوى التي كانت ضمن خصوم التغيير الديمقراطي داخل الصفوف المدنية (كالشيوعيين ورجال الأعمال والكنيسة) وداخل المؤسسات العسكرية والأمنية.

ويعني هذا أن العسكريين خرجوا من السلطة عندما تطورت حركة اجتماعية وسياسية معارضة، لها جذور شعبية داخل التيارات السياسية الرئيسة أو عابرة للانتماءات السياسية، وعند تَشَكُل بديل مدني ديمقراطي بأجندة سياسية واضحة تقوم على إعادة التمسك بالحكم المدني وبحقوق الإنسان وحرياته، وانتقاد الطبيعة الإقصائية والانفرادية للحكومات العسكرية، وامتلاك هذا البديل للحد الأدنى من مهارات الحكم المؤسسي وأدوات الضغط المختلفة، ومنها التظاهرات الشعبية، والقدرة على التفاوض ضمن خطة سياسية منظمة ومحددة الأولويات. وفي كثير من الحالات أدى العامل الخارجي دورًا محوريًّا، كما سنعرض لاحقًا. وتكون عملية التفاوض، وعقد اتفاق وطني – غالبًا - جزءًا من عملية إصلاح ممتدة، تبدأ بضعف أسس شرعية النظام القديم، ومن ثمّ تبنّيه بعض خطوات الانفتاح السياسي، فقيام المعارضة باستغلال هامش الانفتاح وتوسيع قاعدتها الشعبية وتكثيف ضغوطها، كان بهدفٍ أساسيٍّ هو تغيير جوهر النظام. وتتمثّل ردة فعل النظام في كثير من الحالات بقمع المعارضة أو احتوائها، بيد أنه عندما يصل الطرفان إلى إدراك صعوبة انتصار أحد الطرفين على الآخر، يبدأ الحديث عن إمكانية التفاوض حول الانتقال إلى الديمقراطية. وقد يكون التفاوض بين النظام وبين قوى مناهضة للنظام، مثل التفاوض الذي تم في جنوب أفريقيا بين حكومة الفصل العنصري والقوة والأحزاب واتحادات العمال، أو بين الحاكم الإصلاحي والخصوم السابقين للديمقراطية كما حدث في إسبانيا. كما قد يأخذ التفاوض شكل المؤتمرات القوميّة، مثلما حدث في بعض الدول الأفريقية، مثل بنين والسنغال ومالي. وتعد تجربتا إسبانيا وجنوب أفريقيا من أبرز الأمثلة هنا.

إسبانيا

استندت معادلة التغيير القائم على مواجهة خصوم الانتقال داخل المؤسسة العسكرية وخارجها في إسبانيا إلى ظهور الإصلاحيين داخل النظام، ووصولهم إلى الحكم ورغبتهم في تغييره، وقيادتهم عملية الانتقال وتمتعهم بمهاراتٍ سياسيّةٍ جيدةٍ من جهة، وإلى التعبئة الاجتماعية وتكتّل قوى المجتمع المدني والمعارضة واعتدال مواقفها من جهة أخرى32. كانت هناك تغيرات هيكلية متعددة، أو ما يمكن تسميته شروط التغيير أو متطلباته، التي هيأت البلاد لظهور القوى الدافعة للتغيير في السنوات الأخيرة من حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو)1975-1939(، الذي جاء إلى السلطة بعد انقلابه الفاشل على الحكومة اليسارية ثم خوضه حربًا أهلية انتهت عام 1939 بانتصاره، فتغيرت البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا منذ الستينيات، مع قدوم الملايين من المهاجرين والسياح إلى شواطئها، وتحولت إسبانيا إلى دولة حضرية ترتفع فيها نسب المتعلمين وتتعاظم فيها فرص الحراك الاجتماعي. كما ظهرت فئتان لم يتعامل النظام معهما من قبل، هما فئة العمال التي

  1. Ibid. p. 14.
  2. اعتمدنا في هذا الجزء على ما كتبناه سابقًا. انظر: ماضي، " مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطي "، ص 48 - .53

ظهرت جرّاء بروز الاقتصاد الصناعي وأنشأت اتحادات عمالية، وفئة طلاب الجامعات التي نظمت تظاهرات واحتجاجات دورية. ساعد ظهور هاتين الفئتين على تصاعد عمليات التعبئة الاجتماعية. لهذا، لم يختلف المجتمع المدنيّ على الرغم من سياسة القمع وحظر الأحزاب، كما ظلت بعض الأحزاب تعمل من المنفى. وبدأ في تلك السنوات نشاط جماعة إيتا الانفصالية في الباسك. كما بدأ رجال الأعمال يرون أن من مصلحتهم الانضمام إلى السوق الأوروبية، كما شرعت الكنيسة في الابتعاد عن النظام33. ومع هذا كله، بدأ الانقسام داخل النظام يزداد وضوحًا وحدة34، فلجأ النظام إلى سياسة الانفتاح السياسي المحدود بهدف البقاء، مثل السماح للتنظيمات السياسية (وليس للأحزاب) بالعمل، والتخفيف من حدة قمع الصحافة، واللجوء إلى سياسة قمعية انتقائية ضد بعض المعارضين35. غير أن هذه السياسة الانفتاحية المحدودة فشلت، وتصاعدت عزلة النظام مع تدهور علاقته بالكنيسة، واستمرار ضغط المتشددين، وسقوط النظام البرتغالي عام.1974 كان اعتدال خطاب المعارضة وظهور تكتلات معارضة من العوامل الحاسمة على طريق الانتقال. ففي تلك الأثناء، ظلت منظمات المجتمع المدني وجماعات المعارضة تكثّف ضغوطها وتوحّد صفوفها، فالحزب الشيوعي عدّل من خطابه وأنشأ تجمعًا ديمقراطيًا في تموز/ يوليو 1974 ليضم معه جماعات وشخصيات يسارية. كما قاد زعيم الاشتراكيين آنذاك فيليب كونزاليز، الذي كان في مطلع الثلاثين من عمره آنذاك، عملية تجديد لحزب العمال الاش ارركي، وشكّل في حزيران/ يونيو 1975 تكتلً ضمّ جماعات سياسية عدة وتبنّى برنامجًا ديمقراطيًا منافسًا للتجمّع الشيوعي، كما تكتلت عدة أحزاب يمينية معارضة36.، هو موت فرانكو في تشرين الثاني/ نوفمبر ومثّل حدثٌ عارضٌ 1975، فرصةً تاريخيةً للإصلاحيين للوصول إلى السلطة والشروع في الانتقال الحقيقي نحو الديمقراطية عبر عملية تفاوض بين مجموعة من المدنيين والعسكريين بضمانات محددة، كان أهمّها وحدة البلاد وعودة الملكية وتقوية الجيش مهنيًا وزيادة ميزانيته. لقد تعهد خليفة فرانكو، الملك خوان كارلوس، بتبني النظام الديمقراطي البرلماني، مؤمنًا أن تدعيم شرعية النظام الملكي لن يتأتى إلا بدعم شعبي37، وعيّ أدولفو سواريز رئيسًا للوزراء في حزيران/ يونيو 1976، وكان هذا الأخير يحظى بثقة المحافظين؛ لأنه كان زعيم الحركة القومية التي أنشأها فرانكو على النمطين النازي والتعاوني. وأدرك الشيوعيون في الوقت ذاته خطورة الاعتماد على العمال وحدهم لإسقاط النظام ومن ثَمّ تحالفوا في آذار/ مارس 1976، مع الاشتراكيين آملين في التفاوض مع النظام38.

سلك كل من خوان كارلوس وسواريز طريقًا مدروسًا وسريعًا وحاسم، في طريقهما لمواجهة أنصار النظام القديم وعزل المحافظين وضمان عدم عودتهم للحكم من جديد، أو عرقلتهم للانتقال. فأعلن سواريز برنامجه للإصلاح لإنشاء نظام حكم ديمقراطي، وظهرت مهاراته السياسية في انفتاحه على جميع الأطراف وعدم تهديد مصالحهم، وفي استمراره في برنامجه الإصلاحي عبْ المؤسسات التي أقامها فرانكو، الأمر الذي أكسبه بعضًا من الشرعية بين المحافظين. وتعهد سواريز للمحافظين بضمان عدم اختراق القانون وبقاء مؤسسات النظام. كما تعهد للمعارضين بإحداث التغيير الذي يتطلعون إليه، إلى جانب طمأنته لرجال الأعمال بأن التغيير والإص حاا لن يهدّد النظام الرأسمالي القائم، وتأكيده للعسكريين أن المؤسسة العسكرية لن تُ س. كما أصدر عفوًا جزئيًا وسمح للأحزاب بالعمل، عدا الحزب الشيوعي، ووعد باستفتاء شعبي وجدول زمني لبرنامجه الإصلاحي. ثم فتح بدعم من الملك قنوات حوار مع المعارضة، عدا الشيوعيين بسبب رفض المحافظين لذلك، ثم نجح في إزاحة وزير الدفاع المتشدد، وعيّ شخصية معتدلة قامت بمهمّة استبدال تدريجي للقادة المتشددين داخل الجيش. في المقابل، لم تستكِن قوى المعارضة لنيات النظام، وظلت شكوكها في قوة سواريز والتيار الإصلاحي أمام نفوذ المحافظين، واستمرت

  1. Gill, p. 129.
  2. Donald Share, "Politics in Spain," in Gabriel A. Almond et al. (eds.), European Politics Today (New York: Longman, 2006), pp. 250 - 252.
  3. Huntington, p. 134.
  4. Nancy Bermeo, "Myths of Moderation: Confrontation and Conflict during Democratic Transitions," in Lisa Andeson, Transitions to Democracy
  5. Huntington, p. 121. 38  Gill, pp. 131 - 132.
  6. (New York: Columbia University Press, 1999), p. 133.

في ضغوطها، فتشكل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1976، تكتل جديد يضم تكتل الشيوعيين والاشتراكيين وعددًا من الأحزاب الأخرى. وقد دعا التكتل الجديد إلى حكومة انتقالية، رافضًا خطة سواريز، وداعيًا الناخبين إلى مقاطعة الاستفتاء. غير أن المعارضة عادت لتعتدل في خطابها وسحبت مطالبها بحكومة انتقالية. وقد أثبتت نتيجة استفتاء كانون الأول/ ديسمبر فشل الدعوة إلى المقاطعة، إذ بلغت نسبة التصويت 77.4 في المئة، وأيد 94.2 في المئة منهم خطة سواريز39. استمر مسلسل اعتدال الخطاب السياسي للأطراف الرئيسة كافة، فقد راح الإصلاحيون يُوسعون من قاعدة الفئات التي تدعم الديمقراطية واحتواء جماعات المعارضة المتشددة، فألغى سواريز الحركة القومية وأنشأ جهازًا سياسيًا جديدًا من جماعات سياسية صغيرة وكثير من أتباع الحركة القومية والجهاز البيروقراطي للحركة القومية. وقد أدى بقاء عناصر الحركة القومية في التحالف الجديد دورًا مهمً في طمأنة رجال الأعمال والبنوك من أن التغيير لن يصل إلى البناء الاقتصادي والاجتماعي. ولمّا أدرك الحزب الشيوعي عدم قدرته على التصدي للمد الديمقراطي، أعلن عن استعداده للاعتراف بالنظام الملكي مقابل الاعتراف بالحزب، فمنح سواريز الترخيص القانوني للحزب في نيسان/ أبريل 1977 لتشتعل حملة يمينية معادية للشيوعيين داخل الجيش. كما أعلنت المعارضة توقفها عن المطالبة بملاحقة أركان نظام فرانكو. وقد أظهرت انتخابات عام 1977 قوة تحالف سواريز؛ إذ حصل على نحو 34.3 في المئة من الأصوات مقابل 28.5 في المئة ارركي، و للحزب الاش 9.3 في المئة للحزب الشيوعي و 8.4 في المئة لتحالف يميني صغير40. استطاع سواريز، في تشرين الأول/ أكتوبر 1977، الوصول إلى اتفاق مع ممثلي أحزاب المعارضة والاتحادات العمالية لمواجهة الإرهاب والتحديات الاقتصادية41، كما طبقت الحكومة برنامجًا اقتصاديًا تقشفيًا، ووعدت بمزيد من الإصلاح. وقد قبلت الاتحادات العمالية بموجب هذا الاتفاق بمعدلات زيادة في الأجور أقل من معدلات التضخم مقابل وعود بإصلاحات سياسية شاملة؛ فساهمت بهذا في ضبط تحركات الشارع لمصلحة الإصلاح. ولخص الدستور الجديد الذي توصل إليه كل الفرقاء جملة المساومات والتنازلات المتبادلة التي قدمتها كل الأطراف، حتى أسماه بعضهم الميثاق الدستوري؛ فقد أرسى ضمانات جديدة لكل الأطراف، وحَفِظَ النظام الرأسمالي والكنيسة والجيش. ثم أجريت أول انتخابات في ظل الدستور الجديد عام 1979 وحصل تحالف سواريز على الأغلبية من جديد، ثم جاء رئيس وزراء جديد مع استمرار عدم الاستقرار السياسي والمحاولة الانقلابية عام 1981. غير أن انتهاء الانتقال يؤرخ له بانتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 1982 وتشكيل حكومة اشتراكية بقيادة كونزاليز، وقبول الجيش بها42. وقد تم كل هذا مع استمرار أعمال العنف في الباسك، ولم يستخدم خطاب مواجهة "الإرهاب" لتأخير عملية الانتقال، أو إجهاض المطالب الديمقراطية بحجة تحقيق الأمن والاستقرار كما تفعل الحكومات العربية والغربية اليوم. لم تمر هذه المرحلة من دون محاولات انقلابية من عناصر من الجيش، لكن المحاولة الانقلابية في شباط/ فبراير 1981 مثلت فرصة للمدنيين لتعزيز الانتقال إلى الديمقراطية، فمن جهة قام قادة الانتقال المدنيون بتخفيض سقف مطالبهم من الجيش حتى لا يجري استعداؤه مرة أخرى، ومن جهة أخرى؛ مثّل فشل الانقلاب فرصة مهمة للتخلص من العناصر المتشددة المعارضة للديمقراطية داخل الجيش، وسَنّ قانون يمنع انخراط العسكريين في السياسة، وإعطاء المحاكم المدنية الحق في مقاضاة العسكريين المتمردين على الدستور. وشهدت هذه المرحلة - في المقابل - صدور قانون الدفاع عن الدستور ليعطي الجيش دورًا في محاربة التمرد في الباسك. بمعنى أن الحكومة المدنية نجحت في استخدام العصا والجزرة في التعامل مع الجيش43. وحصل قادة الجيش على ضمانات مقابل موافقتهم على الانتقال، وأهم هذه الضمانات الحفاظ على وحدة البلاد، وعودة الملكية، واحترام القانون. كما كان هناك عامل محفز آخر هو اتفاق الجميع على حاجة الجيش إلى عملية تحديث، ومن ثَمّ أدت التعهدات الواضحة التي قدمها قادة التحول بتحديث الجيش، وموافقة الحكومة في كانون الثاني/ يناير 1977 على رفع ميزانية الدفاع سنويًا، دورًا مهمًّ في دفع الجيش إلى قبول الانتقال.

جنوب أفريقيا

لا شك في أن النظام العنصري الذي قام رسميًا في جنوب أفريقيا منذ عام 1948 (كوريث لتركة الاستعمار البريطاني ومنظومته القانونية العنصرية) كان أسوأ كثيرًا من كل الحكومات العسكرية التي شهدها العالم الثالث بعد الاستقلال؛ إذ قام على أساس التمييز بين المستوطنين

  1. Gill, p. 133.
  2. Ibid., p. 133.
  3. Huntington, p. 166.
  4. أصبح النموذج الإسباني للانتقال نموذجًا يحتذى في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، فبين عامي 1988 و 1989، زار قادة مجريون إسبانيا للاطلاع عن كثَبٍ على التجربة الإسبانية وطلبوا المشورة من القادة الإسبان بشأن الانتقال. انظر: Huntington, p. 173.
  5. Thomas C. Braneau, Spanish Case Study (Monterey, CA: The Center for Civilian-Military Relations, 2000), pp. 8 - 9.

البيض الحكام، وأصحاب الأرض الأصليين من السود وغيرهم من الأقليات، وتقسيم غير البيض إلى مجموعات عرقية، ثم الفصل بينهم وممارسة كل صور التمييز العرقي ضدهم في كل مناحي الحياة وقمعهم عسكريًا وتهميشهم اجتماعيًا وحرمانهم اقتصاديًا. فضلً عن قيام النظام على أسس كولونيالية محضة؛ إذ شهد نشاطًا استيطانيًا مكثّفًا، وادعاءً بتميّز البيض عرقيًا من أصحاب البلاد الأصليين، وترويج النظام والكنيسة نظريات عرقية عنصرية لتبرير التمييز، إلى جانب سيطرة الأقلية البيضاء على إمكانات البلاد الاقتصادية وثرواتها. وأدى جيش حكومة الأبارتهيد South African Defense Force، مثلما هو الحال في كل المشاريع الكولونيالية الأخرى، دورًا أساسيًا في النظام، وكانت مهمته الأساسية هي مواجهة أي حركة تمرد وحماية النظام العنصري القائم، كما انخرط الجيش في حروب إقليمية في موزمبيق وأنجولا وناميبيا، واستطاع تطوير قدراته التصنيعية العسكرية، وخاصة بعد فرض الأمم المتحدة مقاطعة عسكرية على حكومة الفصل العنصري، كما تعاون عسكريًا ونوويًا مع دولة الاحتلال الإسرائيلي الكولونيالية. كًان الانتقال من هذا النظام إلى النظام الديمقراطي التعددي انتقال صعبًا، وشهد كل صور النضال السلمي والعسكري. فقد قاد حزب المؤتمر الأفريقي، الذي نشأ عام 1912، ومعه جماعات وأحزاب أخرى، منها الحزب الشيوعي الذي ظهر عام 1921 والجناح اليساري لحزب المؤتمر الذي عرف باسم Congress Africanist Pan، النضال ضد هذا النظام. وشهدت البلاد لعقود طويلة حملات منظمة للحصول على حق التصويت، وسلسلة طويلة من حركات العصيان المدني والتظاهرات والاحتجاجات والاضرابات، وسلسلة أخرى من الأعمال المسلحة قابلها جيش النظام العنصري بالقمع والتنكيل والنفي والمحاكمات وتجريم الحركات والمنظمات الاحتجاجية44. كما ظهرت منظمات وحركات احتجاجية متعددة في أوساط الأكاديميين والمفكرين وأصحاب الرأي والطلاب ورجال الكنيسة. ثم أدت الأحداث التي بدأت باحتجاجات طلابية في سويتو في أيّار/ مايو 1976، التي تطورت إلى أعمال احتجاجية واسعة، ومقتل المئات ونفي الآلاف وهروبهم، إلى لجوء النظام إلى بعض الخطوات الإصلاحية. تصاعد - مع الانفتاح - ضغط الاتحادات والنقابات، وكذلك الأعمال المسلحة. كما اندمجت عدة منظمات وحركات معًا عام 1983 لتشكّل ما عُرف بالجبهة الديمقراطية الموحدة Front Democratic.United وصارت كل القوى المجتمعية وحركات الشباب وحزب المؤتمر (الذي كان يعمل من المنفى) واتحادات العمال تشترك في هدف واحد، هو تغيير جوهر النظام القائم والحصول على المواطنة الكاملة وإنهاء التمييز. ومع استمرار الاحتجاجات والأعمال المسلحة السرية لحزب المؤتمر، استمر القمع والتنكيل، وأعلنت حالة الطوارئ في 155 مدينة، وتم اعتقال العشرات من قادة الحركات الاحتجاجية وتعذيبهم45.

شهدت هذه الفترة تغيرات مجتمعية هيكلية، وتغيّ ميزان القوة بين الأقلية الحاكمة وحلفائها من النخب الاقتصادية والاجتماعية الداعمين لها. ولعلّ المتغير الأول الأساسي هو استمرار النضال والتعبئة الاجتماعية والاحتجاج والعصيان المدني للنظام، وظهور قيادة معارضة معادية للنظام العنصري ومتفقة على هدف إستراتيجي محدد، الأمر الذي أدّى إلى تصاعد القمع ومن ثَمّ تصاعد الضغط الدولي على النظام وفرض عقوبات اقتصادية دولية عليه. أما المتغير الثاني فهو ارتفاع تكلفة الإبقاء على النظام وعدم قدرته على التعامل مع الأزمات، مما دفع رجال الأعمال والمثقفين إلى إدراك أنه يمكن الدفاع عن مصالحهم بشكل أفضل في ظل نظام ديمقراطي جديد. كما أن تصاعد السياسات الاقتصادية النيوليبرالية أضعف احتمالات تهديد الدولة الديمقراطية الجديدة المنتظرة للمصالح الاقتصادية للنخب46. ولهذا وجد النظام نفسه مدفوعًا إلى الدخول في التفاوض حول إنهاء النظام العنصري وتبني النظام الديمقراطي. وقد ساعدت عوامل أخرى خارجية في الوصول إلى عملية التفاوض، منها انهيار الاتحاد السوفياتي والأنظمة التابعة له في شرق أوروبا. لقد استغلت قوى المعارضة الانفتاح واستمرت في الضغط وفي الأعمال المسلحة، مستخدمةً في الوقت ذاته سلاح التكتل وتقارب الأجندات السياسية مع أجندة حزب المؤتمر التي ظلت القيادة

  1. Elisabeth Jean Wood, Forging Democracy from Below: Insurgent Transitions in South Africa and El Salvador (Cambridge: Cambridge
  2. Ibid., pp. 127 - 134. 46  Ibid., p. 5 - 6.
  3. University Press, 2000), p. 4.

له، ولقائده نيلسون مانديلا، نظرًا إلى شخصية مانديلا ذاته وعدم تنازله عن استخدام العنف للوصول إلى أهداف الحزب، واعتماد الحزب على الديمقراطية كنظام في نضاله ضد العنصرية وهيمنة الأقلية البيضاء47. بمعنى أن النظام العنصري ظل قائمًا حتى تمّ ت تقوية الفئات المحرومة والمهمشة - العمال والفقراء وسكان المدن من السود - إلى الحد الذي مكّنهم من دفع النظام العنصري إلى التفاوض. لكن هذه الفئات لم تكن من القوة لتكون قادرة على إطاحة النظام كما حدث في دول أخرى في الفلبين وتشيكوسلوفاكيا وعدد من الدول الأفريقية جنوب الصحراء. بدأت عملية التفاوض بين حكومة الحزب القومي الحاكم وبين حزب المؤتمر وعدد من ممثلي الأحزاب الأخرى والاتحادات العمالية، طلق سراح مانديلا في عام بعد أن أ 1990 ورُفِعَ الحظْر عن حزب المؤتمر، لتنتهي العملية بأول انتخابات حرة عام 1994، ثم وضع أول دستور ديمقراطي عام 1996. وكان أساس التفاوض هو قبول الأقلية البيضاء والنخب الاقتصادية حماية دستورية للحالة القائمة لتوزيع الثروة مقابل الاندماج السياسي لغير البيض وحصولهم على حق التصويت48.

ثالث ا: النجاح أو الفشل في الاقتصاد

أدى العامل الاقتصادي دورًا محوريًا في انتراع الحقوق السياسية عبر التاريخ، ويمكن تتبع هذا الدور في الألفية الثانية بعد الميلاد، بدءًا بدور النبلاء والماجنا كارتا والثورة على الملك جون في إنكلترا عام 1215، مرورًا بنضال الطبقات المختلفة من أجل الحقوق والحريات في أوروبا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وانتهاءً بدور الأوضاع الاقتصادية في التحركات الشعبية في إسقاط الدكتاتوريات في نهاية الألفية في آسيا وأفريقيا والعالم العربي. وفي ما يخص الحكومات العسكرية تحديدًا، مثّلت درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية عاملً مهمًّ في إخراج العسكريين من السلطة. فكما أن الفشل الاقتصادي للحكومات المطلقة والشمولية والعسكرية قد يؤدي إلى الغضب الشعبي، ومن ثَمَّ ارتفاع احتمال التغيير السياسي أو اندلاع الثورات، فإنّ النجاح الاقتصادي قد يساهم أيضًا في إزالة مبررات بقاء الدكتاتوريات والحكومات العسكرية. إن النمو الاقتصادي والاجتماعي يساعد في تقوية المؤسسات المدنية وفي توسيع حجم الطبقة الوسطى والعاملة، ومن ثَمَّ يساهم في ميلاد قوى التغيير وتعزيز الطلب على المشاركة السياسية ومحاسبة الحكومات. كما أن بقاء الثروات في أيدي أقليّات يساعد على بقاء الدكتاتوريات، أما نمو الدخول وتوزيعها فلا يصب في مصلحة هذه الدكتاتوريات لأنه يثير مسألة التوزيع العادل له كما حدث في بعض الحالات؛ مثل كوريا الجنوبية وتايوان وغيرهما49. ولهذا لم تستمر أي حكومات عسكرية (لا سيمّا البوليسية منها)، عندما تحققت شروط التغيير هذه، إلا لسنوات قليلة لتنتهي إمّا بانقلاب آخر، أو بحربٍ أهلية، أو بثورة شعبية، أو بانفتاحٍ حقيقي نحو الحكم الديمقراطي. ولا شك في أن دور هذا العامل ليس حتميًّا، فتحقيق مستويات متقدمة من النمو الاقتصادي لن يكون عاملً مؤثّرًا إذا لم يصاحبه توزيع حقيقي أوسع للثروة من جهة، وتطور قوى اجتماعية وسياسية، تمتلك القدرة على التعبير عن الحقوق السياسية والمطالبة بها من جهة أخرى. فضلً عن أن هناك حكومات مطلقة أخرى استطاعت الالتفاف حول الحقوق الاقتصادية والسياسية ومطالب التغيير عبر تحالفاتها الخارجية والحصول على مصادر دعم مادية خارجية، مكنتها من استمرار هيمنة الأقلية الحاكمة وشراء الولاءات، كما كان الحال في عدد من الدول العربية قبل ثورات عام 2011 أو في مصر بعد عام 2013 50.

  1. Ibid., p. 5 - 6.
  2. لم يكن التفاوض هنا بين النخب كما حدث في دول أميركا اللاتينية، وإنما كان بين ممثلين عن حكومة الفصل العنصري، وممثلين للفئات الدنيا والمحرومة من العمل السياسي، مثل العمال والعاطلين عن العمل وعدد من المنظمات والحركات الأخرى بقيادة حزب المؤتمر. وكان المفاوض الأساسي لحزب المؤتمر هو رئيس اتّحاد عمال المناجم. انظر: Veronica Federico & Carlo Fusaro (eds.), Constitutionalism and Democratic Transitions: Lessons from South Africa (Washington: Firenze University Press, 2006), pp. 61 - 62.
  3. Dennis Blair, Military Engagement: Influencing Armed Forces Worldwide to Support Democratic Transitions , vol. 1 (Washington: Brookings Institution Press, 2013), p.4.
  4. يمكننا هنا المقارنة بشكل سريع بين الصين وكوريا الجنوبية؛ فعلى الرغم من تحقيق معدلات نمو مرتفعة في الصين، فإن الفرق الأساسي بينها وبين كوريا الجنوبية هو أن الأخيرة لم يظهر فيها حكم شمولي أيديولوجي قمعي كما في الصين، كما أن طبيعة الجيشين في البلدين مختلفة إلى حد كبير، ففي الصين تمت السيطرة المدنية على الجيش على يد الحزب الشيوعي الحاكم، بينما كان الحكم العسكري في كوريا الجنوبية أقرب إلى نمط حكم الجنرالات كما جاء في هذه الدراسة. كما أن هناك عاملً مهمً للغاية وهو أن كوريا الجنوبية شهدت فترات حكم مدني، وظهر فيها حراك حزبي وطلابي وعمالي ومدني قوي كانت من سماته الأساسية قدرة القوى السياسية والمدنية على الضغط والتحالف ومزاحمة النظام في الانتخابات، أما في الصين فقمع النظام الشمولي شمل الجميع، ولم يعد هناك أحزاب أو منظمات مجتمع مدني تمتلك القدرة على العمل السياسي. أما العامل الخارجي فمهم أيضًا، فالصينيون تعلموا الدرس السوفياتي وقاموا بعمليات استباقية قمعية مبكرة لإجهاض أي حراك سياسي، أما في كوريا الجنوبية فقد استفادت القوى الديمقراطية من علاقتها بالولايات المتحدة والغرب عمومًا في الدفع نحو الانتقال الديمقراطي.

وباختصار، ما كان لنجاح العسكريين اقتصاديًا أو فشلهم أن يدفعهم للخروج من السلطة في بعض الدول، من دون وجود قوى تغيير ديمقراطية تناضل من أجل الحريات السياسية والحكم المدني الديمقراطي، كما حدث في كوريا الجنوبية والبرازيل وتشيلي وغيرها.

كوريا الجنوبية

تعد كوريا الجنوبية المثال الأهم على دور النجاح الاقتصادي في إخراج العسكريين من السلطة51. فقد تأثر الجيش، القوة الأكثر تنظيمً منذ الاستقلال عام 1948، بالقوة الاستعمارية السابقة (اليابان) التي تركت قيمً غير ديمقراطية وقمعية، وبالحكومة العسكرية الأميركية التي حكمت البلاد في الفترة 1945 - 1948 وتركت الجيش غير مسيس ومهني إلى حدٍ ما. وظل هذا الإرث بعد الاستعمار نظرًا إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي ونقص القدرات البشرية والإدارية، إلى جانب تأثّر البلاد بطول فترة الحرب والإرث التاريخي المركزي لمملكة تشوسون Chosum dynasty المتأثر بالفلسفة الكونفوشوسية وفكرتها التمييزية للنظام الاجتماعي والتراتبية الاجتماعية، التي تبرر سيطرة النخبة على المجتمع. ولهذا سُمح لأبناء طبقة معينة هي Yangban دخول الجيش والمناصب الحكومية العليا؛ الأمر الذي أدى إلى انشقاقات جهوية52. وفي نهاية الخمسينيات تطور الجيش ليضم أكثر من 650 ألف جندي، يستهلكون ثلث نفقات الحكومة تقريبًا، الأمر الذي جعل الجيش في قلب ما سُمّى الدولة النامية آنذاك. وعلى الرغم من أن البلاد حكمها رئيس مدني في الفترة 1948 - 1960 هو سينغمان ري Syngman Rhee فإنه اعتمد على الجيش والشرطة، كما أنه استغلّ الانقسامات داخل الجيش لترسيخ قوته وسلطته، ومنع وجود قوة عسكرية موحدة. وعندما اندلعت ثورة الطلاب عام 1960 ضده، وسادت فترة من عدم الاستقرار في أعقاب خلع الرئيس، كان الانقلاب العسكري غير الدموي وسط صراع الجنرالات. وفي أعقاب محاولة وضع وزير مدني للدفاع وتقليل نفقات الجيش، ومحاربة الفساد، وعدم قدرة النظام المدني على حماية البلاد أمام التهديدات الشيوعية، جاء للحكم الجنرال بارك شنج-هي Chung-hee Park في الفترة 1961 - 1979 الذي حكم بالطوارئ، وحل البرلمان، وألغى الأحزاب، ومنع النشاط السياسي، وأقام حكومة عسكرية تقليدية يتحكم بها الجنرالات. وبعد ضغوط عاد البرلمان، لكنّ العسكريين سيطروا على مناصب مدنية كثيرة من خلال الضباط السابقين أو المتقاعدين، كما سيطر النظام على المخابرات، واستخدمها لمراقبة الجيش، وشكل الرئيس حزبًا كواجهة سياسية مدنية مزيفة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1979 ونتيجة صراع الجنرالات، قُتل بارك على يد رئيس المخابرات الوطنية، ثم كان انقلاب الجنرال شن دو-وان Doo-hwan Chun الذي عين نفسه رئيسًا للبلاد، وأعلن الأحكام العرفية للقضاء على ما أسماه أعداء الوطن المناهضين للحكومة الجديدة، وشكل هو الآخر حزبًا سياسيًا، واستمر في التنكيل بالمعارضين والمجتمع المدني53. ولهذا اشتعلت التظاهرات ضده، فما كان ردة فعل السلطة إلا قمع المتظاهرين بالقوة والعنف. وقد آثر الحليف الأميركي الدائم للحكام المستبدين في كوريا الجنوبية منذ عقود الصمت في ذلك الوقت54. تهيأت لكوريا الجنوبية عوامل هيكلية متعددة ساهمت في ولادة قوى التغيير، فللبلاد تاريخ طويل من تظاهرات الطلاب التي قمعها النظام بقوة، وذلك كما حدث في أعوام 1964 - 1965، 1967، 1969، 1972، 1979، 1980، كما أن الأداء الاقتصادي الجيد جعل الاقتصاد الكوري من أعلى الاقتصادات نموًّا في العالم في حقبة الثمانينيات، الأمر الذي عزز من فرص التعليم، وأدى إلى ظهور طبقة وسطى وفئة من أصحاب الأعمال، وإلى تقوية فئة العمال. وعلى الرغم مم حققه النظام العسكري من نهضة صناعية واقتصادية، كان لزامًا عليه أن يبحث عن مصادر للشرعية وسط الجماهير. وكان من بين هذه المصادر إجراء انتخابات دورية منذ عام 1963 مع ضمان سيطرة النظام وحزب العدالة الديمقراطية الحاكم Democratic Justic Party على مقاليد الأمور، وترْك هامشٍ محدودٍ من حرية مناقشة الأمور السياسية، لكن من دون الحديث عن مستقبل النظام ذاته. غير أنه في النصف الأول من عقد الثمانينيات، بدأ الرأي العام يتّجه ضد النظام وخاصة مع تصاعد المدّ الديمقراطي في أنحاء كثيرة من العالم. إن نجاح النظام العسكري في المجال الاقتصادي والتنمية، كان من العوامل المؤثرة في إضعاف أسس النظام ذاته؛ إذ بدأت قطاعات من الشعب تتساءل عن مدى الحاجة إلى القيود السياسية التي يضعها

  1. اعتمدنا في جزء من معالجتنا للحالة الكورية على ما سبق أن كتبناه، انظر: ماضي، " مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطي "، ص 68 - .71
  2. Jinsok Jun, "South Korea: Consolidatring Democratic Civilian Control," in MuthiahAlagappa (ed.), Coercion and Governance: The Declining Political Role of the Military in Asia (California: Stanford University Press, 2002), pp. 122 - 123.
  3. Zoltan Barany, The Soldier and the Changing State: Building Democratic Armies in Africa, Asia, Europe, and the Americas (New Jersey: Princeton University Press, 2013), pp.179-181.
  4. انظر في شأن الانتقال في كوريا الجنوبية: Stephan Haggard & Robert R. Kaufman, "The Political Economy of Democratic Transitions," in Anderson, pp.72-90; Bermeo, pp. 128-129; Gill, pp. 156 - 159.

النظام. كما أن الإجراءات التقشفية والضرائب المرتفعة التي لجأ إليها النظام منذ نهاية الثمانينيات، أغضبت كثيرًا من الفئات وجعلت كثيرًا من رجال الأعمال ينادون بتقليص دور الدولة في الاقتصاد55.

ومع أن الحكم العسكري كان يرى نفسه حاميًا للأمة، محافظًا على بقائها، وعلى الرغم من أنه حقق بدايات النهضة الصناعية والاقتصادية، فإن النصف الثاني من الثمانينيات شهد خروج العسكريين من السلطة والانتقال إلى الديمقراطية بعد نضال سياسي وشعبي ممتد. فقد استغلت قوى المعارضة السياسية الغضب من انتهاكات العسكريين، وتراجع أدائهم الاقتصادي، وراحت تنافس حزب الدولة في انتخابات عام 1985. وتشكلت عشية هذه الانتخابات قوة سياسية موحدة للمعارضة، هي الحزب الكوري الديمقراطي New Korea Democratic Party من حزب معارض سابق وقوى معارضة أخرى. وشرع الحزب في الضغط على النظام لتغيير الدستور، والسماح بانتخابات رئاسية مباشرة وحرة. وساعد تكتل المعارضة السياسية على تصاعد الضغوط الجماهيرية التي قادها طلاب الجامعات وأساتذتها والمثقفون ورجال الدين ضد السلطة. ومع تصاعد الضغوط وبدء تغير مواقف الحليف الأم كيرر بعد سقوط نظام ماركوس في الفلبين، أعلن النظام في شباط/ فبراير 1986 مبادرة لتعديل الدستور قبل الانتخابات المقررة في عام 1987 وذلك في محاولة منه للبقاء في الحكم مستفيدًا من تنافس زعيمين من المعارضة على الرئاسة هما كيم يونغ سام Kim Sam Young وكيم يانغ Jung Kim. غير أن المعارضة لم تستكِن للسلطة وإنما على العكس راحت تكثف من تظاهراتها وتحركاتها لتحقيق هدفين محددين، هما تعديل الدستور والسماح بانتخابات ديمقراطية تنافسية حقيقية لاختيار رئيس جديد للبلاد. كان مرشح النظام والحزب الحاكم هو رئيس الحكومة روو تا-وور Tae-woo Roh (وهو جنرال سابق وأحد مهندسي انقلاب)1980، الذي أعلن خطة للديمقراطية قبل فيها مطالب المعارضة بإجراء انتخابات مباشرة للرئيس، ثم شرع في التفاوض مع المعارضة حول الدستور الجديد، الذي تم تصديقه في تشرين الأول/ أكتوبر.1987 وانتهت الانتخابات بفوز روو بنسبة 36.6 في المئة من الأصوات، مقابل 28 في المئة لكيم سام و 27 في المئة لكيم يانغ، وذلك نتيجة عاملين أساسيين، هما: انقسام المعارضة، وتنافس اثنين من صفوفها مع روو، وإصرار النظام، أثناء التفاوض على الدستور الجديد ونظام الانتخابات الرئاسية، على بعض الإجراءات في القانون الانتخابي التي حالت دون تعاون كيم يونغ سام وكيم جانغ، أبرزها ألا يتّخذ المرشح للرئاسة نائبًا له56. وعلى الرغم من فوز مرشح الحكومة في الانتخابات، فإن عام 1987 صار يؤرخ لانتقال البلاد إلى الديمقراطية، فالعبرة هنا بالتطبيق الحقيقي للنصوص وبالحد الأدنى من ضمانات التنافس على المناصب السياسية، وليس بهُوية من يتقلّد السلطة. وقد رفع روو، بعد فوزه، القيود عن العمل السياسي وسَمَحَ للأحزاب بالعمل حتى انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 1992 التي فاز فيها مرشح المعارضة كيم يونغ سام. تجدر الإشارة هنا إلى أن الجناح الراديكالي للمعارضة، الذي ضم الطلاب والعمال، ساعد على نجاح الانتقال. فالطلاب ظلوا يتظاهرون سلميًا بانتظام وبلا توقف من أجل إسقاط الحكم العسكري، وكتابة دستور جديد للبلاد. أما العمال فقد استطاعوا مقاومة سيطرة النظام العسكري عليهم، وأن ينتظموا ضده في سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات، وأن يقيموا جسورًا للتواصل مع المعارضين والطلاب. وقد صبّت المواقف الراديكالية للطلاب والعمال في مصلحة جهد المعتدلين التي بَدَتْ مطالبهم أكثر قبولً لدى السلطة. كما أن السلطة قدّرت أن الاستجابة لمطالب المعارضة المعتدلة سيجنبها الرضوخ للمطالب المتشددة للراديكاليين. وتُظهر حالة كوريا الجنوبية أن أدوات التغيير الرئيسة، كانت قوة الجماهير التي تمثلت في الأساس في تظاهرات الطلاب والأساتذة ورجال الدين والعمال من جهة، وتكتل المعارضين في حزبين أساسيين قادا معًا عمليات التعبئة والتظاهرات التي سار فيها ملايين من الكوريين الذين لم يتجاوز عددهم آنذاك نحو 39 مليون نسمة. ولم يستطع النظام استخدام قوات الأمن؛ لأن استخدام القمع والعنف ضد ملايين من المتظاهرين غير ممكن. لذلك كان لزامًا عليه تقديم

  1. Ibid., p.156.
  2. Ibid., p. 160.

التنازلات. فضلً عن اتسام مواقف الأحزاب المعارضة بالاعتدال، فهي لم تُطالب باستقالة الرئيس أو تغيير النظام بأكمله، وإنما تركز جهدها على المطالبة بتعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية ديمقراطية تنافسية حقيقية. كما تبدلت مواقف الحليف الأميركي بسبب تصاعد الاحتجاجات وضغوط المعارضين، فليس له أن يستمر في دعم نظام يعارضه الملايين في الشوارع ويتكتل ضده الطلاب والأساتذة ورجال الدين والعمال، كما أن ثمة عاملً خارجيًا آخر أنجح هذا الجهد، وهو اقتراب إقامة دورة الألعاب الأولمبية عام 1988 في البلاد، ما مثّل فرصةً أخرى لتكثيف الضغوط الدولية على السلطة قبل حلول موعدها.

رابعًا: تحييد العامل الخارجي أو كسبه

أيد الخارج الانتقال ودعمه في معظم حالات الانتقال الناجحة، كما حدث مع دول جنوب وشرق أوروبا وأوكرانيا وجورجيا وجنوب أفريقيا، أو لم يمانع في الانتقال مع أنه كان مؤيدًا للنظام القديم في ضوء وجود بديل ديمقراطي قادر على الحكم، كما حدث في الفلبين وكوريا الجنوبية وكثير من دول أميركا اللاتينية. ولهذا كان لورنس وايتهيد مخطئًا عندما رأى أن العوامل الخارجية لم تشكل حافزًا للانتقال وقت السلم57. ويمكننا باختصار عرض مواقف الخارج من مسألة الانتقال إلى الديمقراطية ومعالجة العلاقات المدنية - العسكرية في المناطق الجغرافية المختلفة على النحو التالي. حسمت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية موقفها من الديمقراطية في شرق أوروبا في إطار مواجهتها للشيوعية، فقد مثّلت اتفاقيات هلسنكي، الصادرة عن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا عام 1975، أرضية مشتركة، استندت إليها قوى الإصلاح لزعزعة شرعية نظم الحزب الواحد، وتمهيد الأرض للتحول الديمقراطي. تضمنت الاتفاقيات عشرة تعهدات متبادلة، تحتاج دولنا الإسلامية والعربية إلى معظمها في علاقاتها بأميركا والغرب، وهي المساواة في التمتع بالسيادة، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، وعدم انتهاك حدود الدول، ووحدة أقاليم الدول، والتسوية السلمية للمنازعات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق الإنسان، وصيانة حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتعاون بين الدول، والتقيد بالتزامات القانون الدولي58. كما وضعت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عام 1994 "مدونة قواعد السلوك في المجالات السياسية والعسكرية للأمن" التي تحدد المعايير التي لا بد من أن تتقيد بها الدول الراغبة في الانضمام للمنظمة، وفي الجزء السابع منها قواعد ما أسمته المدونة (الرقابة الديمقراطية) على القوات المسلحةdemocratic political control السياسية وقوات الأمن شبه العسكرية والداخلية وأجهزة الاستخبارات والشرطة. وتتضمن سيطرة السلطات الدستورية ذات الشرعية الديمقراطية على القوات المسلحة، وسيطرة السلطة التشريعية على نفقات القوات المسلحة وشفافية ميزانيتها، والحياد السياسي للقوات المسلحة، والتزام العسكريين القانون الدولي الإنساني، ومحاسبتهم على أفعالهم أمام القانون الوطني والدولي، وغير ذلك59. اشترطت العديد من المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية بشكل عام، إحداث تغيرات في السمات الأساسية لنظم الحكم، لكي تُ نح دولها العضوية في هذه المنظمات والتكتلات، مثلما حدث لليونان وإسبانيا والبرتغال أثناء الحرب الباردة، ومحاولات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو ضم دول من شرق أوروبا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو." استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أيضًا سلاح المعونات والاستثمارات الخارجية في فترة ما بعد الحرب الباردة، كأداة من أدوات السيطرة على دول العالم الثالث، بل دفْع هذه الدول إلى تبني النموذج الغربي بشقيه السياسي (التعددية الحزبية) والاقتصادي (الاقتصاد الحر.) وقد تم هذا من خلال ما يعرف بسياسات الإصلاح الهيكلي التي فرضتها المؤسسات الاقتصادية الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على كثير من دول العالم الثالث، والتي اشتملت على ضرورة أن تقوم هذه الدول (الدائنة) بمجموعة الإصلاحات الهيكلية كشرط لحصولها على المعونات والقروض. ولا يتسع المقام هنا للحديث عن فاعلية هذه السياسة، لكن بشكل عام لم تكن لهذه السياسات الكثير من الآثار الإيجابية في تغيير جوهر ممارسة السلطة.

  1. Laurence Whitehead, "International Aspects of Democratization," in
  2. Helsinki Accords," Encyclopædia Britannica , accessed on 18/8/2016, at: https://www.britannica.com/event/Helsinki-Accords 59 " Code of Conduct on Politico-Military Aspects of Security," Organization for Security and Co-operation in Europe, 1994, accessed on 4/9/2016, at: http://www.osce.org/fsc/41355
  3. Guillermo O'Donnell, Philippe Schmitter and Laurence Whitehead (eds.), Transitions from Authoritarianism Rule: Comparative Perspectives (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986), p. 20.

أما في أميركا اللاتينية، فقد حسمت الولايات المتحدة موقفها لمصلحة الديمقراطية هناك، بعد عقود طويلة من دعم الحكومات العسكرية، وتُوِّج حوارها الممتد مع حكومات المنطقة بالعهد الذي وقعته الولايات المتحدة مع حكومات أميركا الجنوبية في بيرو في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والذي عُرف بالعهد الديمقراطي للأميركيّتين. وبموجب العهد، تخلت الولايات المتحدة عن سياسة التدخل والهيمنة في دول أميركا اللاتينية، وتعهدت بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، واحترام مبدأ السيادة والقانون الدولي، وصارت الديمقراطية - في عبارات قاطعة - حقًا من حقوق شعوب المنطقة، وشرطًا أساسيًا للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضرورة حيوية لحماية حقوق الإنسان وحقوق العمال60.

ومثلت العقوبات الخارجية في جنوب أفريقيا، عاملً من عوامل الضغط المؤثرة في نظام الفصل العنصري ودفعته للتنازل. فالمقاطعة التي بدأت رياضية في خمسينيات القرن العشرين أخذت تتصاعد مع قرارات الأمم المتحدة بفرض مقاطعة على التسليح، ومع قرارات الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان والسوق الأوروبية المشتركة، بفرض عقوبات اقتصادية ومالية على نظام بريتوريا العنصري. ساهم هذا في رفع التكلفة الاقتصادية لهذا النظام في الداخل وتصاعد المطالب الداخلية بالإصلاح، فتصويت الناخبين البيض بالموافقة على استمرار الحكومة في التفاوض مع حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ثم تحول النظام إلى ديمقراطية متعددة عام 1994. ولا شك في أن العقوبات ما كان لها أن تُحدث بمفردها هذا الأثر من دون العوامل المهيئة لها داخليًا والتي تمثلت في المقاومة القوية (السلمية والعسكرية) من طرف الأغلبية بقيادة المؤتمر الوطني ونيسلون مانديلا، أو من دون الحراك الداخلي داخل الأقلية البيضاء وبخاصة من الشركات ورجال الأعمال، التي أدركت تدريجيًا أن بقاء نظام الفصل العنصري صار يهدد مصالحها، وما ترتب على كل هذا الحراك الداخلي من عدم استقرار اجتماعي وسياسي61. لا يمكن بالطبع مقارنة هذا بالدعم والتحالف القوي بين أنظمة الحكم العربية والدول الغربية، ولا بالدعم الغربي الراسخ للكيان الإسرائيلي العنصري الكولونيالي. وفي آسيا، لا يمكن فهم التغيير الذي حدث من دون أخذ متغير الحرب الباردة في الحسبان، فلم يعد الشيوعيون أو الانفصاليون في أندونيسيا وتايلند وكوريا الجنوبية، يمثلون تهديدًا وجوديًا هناك بعد انتهاء الحرب الباردة. لقد كانت هذه الدول مدعومة بقوة من الولايات المتحدة والغرب لمواجهة تلك التهديدات، إذ ارتبط دفاع كوريا الجنوبية بوجود عسكري أميركي دائم، كما دعمت واشنطن انقلاب سوهارتو عام 1965 والمجازر التي ارتكبت هناك ضد الشيوعيين وغيرهم. وبشكل عام، أيدت أميركا الحكومات العسكرية ما دامت الحاجة إليها قائمة في صراعها ضد الشيوعية، لكن مع انتهاء الحرب الباردة بدأت في انتقاد سجل حقوق الإنسان في هذه الدول62، ودعم أنظمة حكم بديلة63، وذلك بشرط عدم تهديد هذه الأنظمة المصالح الأميركية، ولهذا فنضال هذه الأنظمة الديمقراطية لا بد من أن يستمر. لكن لا بد من التأكيد أن التغيير يبدأ من الداخل، فهو غير ممكن من دون رأي عام داخلي منادٍ بالتغيير، وولادة قوى سياسية قادرة على وضع برنامج سياسي حقيقي بديل للحكم العسكري. ومتى وُجد هذا العامل الداخلي فإنه كفيل بتحييد العقبات التي قد تأتي من الخارج. إنه الإجماع المدني الديمقراطي الذي يمثل عامل التوازن الأهم مع قوة الجيش المادية في الداخل، والدعم القادم من الخارج.

  1. Inter-American Democratic Charter, accessed on 4/1/2017, at: http:// www.oas.org/charter/docs/resolution1_en_p4.htm وانظر أيضًا: عبد الفتاح ماضي، "الحاجة إلى ميثاق إسلامي غربي للحريات والديمقراطية"،
  2. Charles M. Becker, "The Impact of Sanctions on South Africa and Its Periphery," African Studies Review , vol. 31, no. 2 (September 1988); Kathleen C. Schwartzman, "Can International Boycotts Transform Political Systems? The Cases of Cuba and South Africa," Latin American Politics and Society , vol. 43, no. 2 (July 2001), pp.115–146; Bronwen Manby, "South Africa: The Impact of Sanctions," Journal of international affairs , vol. 46, no. 1 (2001), p. 193.
  3. Harold A. Trinkunas, "Ensuring Democratic Civilian Control of the Armed Forces in Asia," East-West Center, Occasional Papers , no. 1 (October 1999), pp.10-14. 63  Barany, p. 184.
  4. الجزيرة نت،31 كانون الثاني/ يناير 2016، شوهد في 2017/1/4، في: http://bit.ly/2jq11U4

وليس المقصود هنا رفع شعارات أو أمنيات التغيير، وإنما المقصود تحديدًا، هو تهيئة الأرض لنمو رأي عام مناصر للتغيير، وتطور قوى تغيير سياسية ديمقراطية تتجاوز خلافات الماضي، وتمتلك القدرة على التعبئة الاجتماعية الواعية وقيادة الجماهير وترتيب الأولويات، وعلى التحالف أو التكتل التركيز على قضية داخلية مركزية، وعدم فتح جميع الملفات الخارجية مرة واحدة64 هذه الأمور لم تحدث مثل في مصر في الفترة 2011 - 2013 فقد تنافست القوى السياسية على مصالح ضيقة، وراحت تتفاهم أو تتحالف مع الجيش على وضعٍ أدى إلى إجهاض الثورة في عام 2013 65. كان انقسام النخب السياسية وقواها، وعدم وجود اجماع وطني على هدف إستراتيجي واحد وهو إخراج الجيش، وعدم تطوير المعارضة لبديل وطني يتسلم السلطة من الجيش، وتسييس بعض القوى السياسية للجيش أو عقد اتفاقيات غير معلنة معه على حساب منافسيها (حالات بنغلاديش، باكستان، فيجي، بورما، تايلند)، هو السبب الأساسي لفشل حالات انتقال أخرى واستمرار الجيش في السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر66. إن انقسام القوى السياسية وعدم توافر البديل المدني يساهم في تمسك العسكريين بالسلطة، وتماسك الفئة العسكرية الحاكمة وعدم ظهور إصلاحيين مناصرين للحكم المدني داخل الجيش. وهناك بالطبع عوامل أخرى لفشل الانتقال مثل تورط هذه الفئة الحاكمة في الفساد، ووجود مصالح اقتصادية، أو روابط خارجية كما يحدث - لكن بدرجات مختلفة - في مصر وباكستان ونيجيريا وغيرها.

خاتمة

أوضحت هذه الدراسة أنه لا توجد طريق واحدة في كيفية إخراج العسكريين من السلطة، وعلى الرغم من هذا يمكننا أن نُجمع على بعض السنن والخلاصات العامة التي أظهرتها الحالات المختلفة: عدم تدخل الجيش في السياسة كمؤسسة (أي استيلاء جنرال أو مجموعة من الجنرالات على السلطة بدلً من حكم المؤسسة) قد يسهل هدف الانتقال إلى الديمقراطية، على اعتبار أن هذا يساعد على بقاء وحدة المؤسسة العسكرية، وتحويل ولائها للنظام المدني الديمقراطي متى ظهرت قوى تغيير مناصرة لهذا الهدف. تطور معارضة ديمقراطية متفقة على هدف إستراتيجي محدد، وهو إخراج العسكريين من السلطة وتحركهم ضمن مشروع سياسي واضح ومعلن. وظهور تحالف أو تحالفات ديمقراطية قوية، يمكن أن تساهم في أحد السيناريوهات التالية اعتمادًا على الأوضاع الخاصّة بكل حالة: ظهور جناح مناصر للديمقراطية داخل الجيش؛ فالعسكريون عادة لا يخرجون من السلطة من تلقاء أنفسهم، وإنما يُدفعون دفعًا إلى ذلك، إمّا لتصورهم أن الحكم المدني سيضمن مصالحهم، أو خوفًا من تعرضهم للمحاسبة والعقاب على انتهاكات حقوق الإنسان. دفع العسكريين إلى التراجع والدخول في عملية تفاوض للاتفاق على عملية انتقال يجري خلالها تقديم تنازلات متبادلة من المدنيين والعسكريين، وصولً إلى انتقال السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة. دفع العسكريين خارج السلطة في حالة الفشل أو النجاح في الأداء الاقتصادي للحكومات العسكرية، على اعتبار أن الفشل يحتّم تسليم السلطة لمن هم أجدر على معالجة التحديات الاقتصادية من المدنيين، كما أن النجاح يؤدي إلى الضغط في اتجاه انتزاع الحريات والحقوق السياسية. مواجهة الدعم الخارجي للحكومات العسكرية ودفع الدول الداعمة إمّا إلى التنازل عن دعمها للعسكريين أو الوقوف على الحياد، على اعتبار أن هناك قوى مدنية بديلة قادرة على حكم البلاد، وذلك بشرط ألّ تثير هذه القوى مخاوف الدول الخارجية على مصالحها الحيوية. يُعد ظهور رأي عامّ، ومجتمع مدني مناصر للانتقال إلى الديمقراطية، من الأمور المحورية، ويكون على قادة المعارضة السياسية ونخبها مهمة قيادة هذا العامل الشعبي والمجتمعي نحو هدف مركزي، هو تغيير نمط ممارسة السلطة، ووضع برامج عمل للضغط بشكل مستمر على الحكومات العسكرية

  1. انظر في شأن مهمات المعارضة في ظل النظم الفردية: عبد الفتاح ماضي، "الكتلة التاريخية من أجل الديمقراطية"، الجزيرة نت، 31 كانون الثاني/ يناير 2010، شوهد في 2017/1/4، في: http://bit.ly/2jpMV59 وعلي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي، "متطلبات بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية المستقبل العربي في الدول العربية"،، العدد 373 (آذار/ مارس.)2010
  2. انظر في شأن الحالة المصرية: عبد الفتاح ماضي، العنف والتحول الديمقراطي في مصر (القاهرة: دار البشير، 2015)؛ ومؤخّرًا صدر كتاب من جزئين للدكتور عزمي بشارة، يتضمن تحليلً دقيقًا ومطولً لمسار الثورة المصرية، انظر: عزمي بشارة، ثورة مصر: الجزء الثاني، من الثورة إلى الانقلاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016
  3. ماضي، " العلاقات المدنية - العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي ".

بكل الطرق الممكنة وفي جميع المساحات المتاحة سياسيًّا وإعلاميًّا وحقوقيًّا. لا انتقال ديمقراطيًا بلا ديمقراطيين، وليس المقصود هنا انتظار تطور ثقافة ديمقراطية بين الجماهير كما يتصور بعضهم في عالمنا العربي، وإنما وجود قوى سياسية منظمة وقيادات وطلائع واعية، تؤمن فعلً بالديمقراطية كنظام للحكم (أي كمبادئ ومؤسسات وإجراءات وضمانات، وليس كفلسفة أو أيديولوجية تنافس الأديان والثقافات)67، وتعمل معًا من أجل الوصول إليه، وذلك على اعتبار أن تغيير نمط السلطة وتبنّي النظام الديمقراطي، ليس إلا بداية الطريق لمعالجة بقية التحديات والمشكلات الأخرى، بل لتطوير النظام الديمقراطي ذاته وتقديم معالجات جديدة للتوترات التي أفرزتها الممارسة الديمقراطية في الغرب كمشكلات المال السياسي، والانتخابات، والتمثيل، وسيطرة الشركات الكبرى وضعف أدوات الرقابة على النواب والسياسيين، وغير ذلك. ولهذا تظل هناك حاجة دائمة إلى تعزيز جميع الظروف التي تساعد على ميلاد قوى التغيير الديمقراطي تلك وتهيئتها، ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وامتلاك هذه القوى أدوات التغيير ومهاراته في عالم تحكمه القوة بجميع عناصرها المادية والمعرفية والمعنوية. لا يمكن تصور البدء في معالجة العلاقات المدنية - العسكرية وتحقيق الرقابة المدنية السياسية على الجيش، إلا بعد انتقال السلطة من العسكريين إلى حكومة مدنية ديمقراطية منتخبة، ووجود قدر من الاستقرار السياسي، ونظام حزبي غير منقسم. وعادة ما تجري هذه المعالجة على يد مجموعة من السياسيين المؤمنين فعلً بالديمقراطية، الذين يتفقون على هدف الرقابة المدنية السياسية على الجيش ويمتلكون رؤية أو خطة واضحة ومحددة ومعلنة، وتكون الرقابة المدنية السياسية ذاتها جزءًا من عملية بناء النظام الديمقراطي. إن المرحلة الراهنة في دولنا العربية، تحتم على كل القوى الوطنية الحية ترتيب أولوياتها بطريقة يجري من خلالها تجاوز خلافاتها وصراعاتها العدمية، والارتقاء إلى حجم المسؤولية التاريخية لمواجهة تداعيات الحكم المطلق، والمخاطر الداخلية والخارجية التي صارت تهدد الوجود العربي. ولن يتم هذا إلا بتعزيز الجهد كله الذي يعمل من أجل ميلاد قوى التغيير القادرة على التكتل خلف هدف واحد، هو إنهاء حكم الأقليات المهيمنة سياسيًّا واقتصاديًّا وتمكينها، وإنهاء سيطرة المؤسسات العسكرية والأمنية، والاتفاق على بديل مدني هو النظام الديمقراطي بجميع قيمه ومؤسساته وضماناته. فالقوة لا يوقفها إلا القوة، وإجماع القوى المجتمعية والسياسية الرئيسة على الحكم المدني الديمقراطي قادر على تعديل ميزان القوة لمصلحة أنصار التغيير. وستظل عملية التغيير في وطننا العربي عملية سياسية ممتدة، ولهذا فهناك موضوعات عدة تحتاج إلى دراسات منفصلة فيما يخص علاقة الجيوش بالتغيير السياسي، منها كيفية معالجة الدور الاقتصادي للجيوش بعد الانتقال، ومسألة تحقيق الأمن والحفاظ على وحدة الدولة والمجتمع والجيوش في ظل النظام الديمقراطي الحديث النشأة، وعلاقات الجيوش الوطنية بالجيوش الخارجية وعملية الانتقال إلى الديمقراطية، ودور برامج التعليم والتدريب العسكرية الأميركية في الانتقال إلى الديمقراطية وفي معالجة العلاقات المدنية - العسكرية، ودور أجهزة المخابرات في نظم الحكم ذات الطبيعة العسكرية ودورها أثناء عملية التغيير، وأثر البناء الداخلي للجيوش في مستقبل أنظمة الحكم العربية، وظاهرة الحرب على الإرهاب وأثرها في طبيعة الأنظمة القائمة في المنطقة ومستقبل الجيوش فيها، وبنية الدولة القُطرية ومستقبل العلاقات المدنية - العسكرية، وعلاقة الإسلاميين والعسكريين والتحول إلى الديمقراطية، وغير ذلك.

المراجع

العربيّة

الدولة والسلطة والسياسة في الشرق الأوسط أوين، روجر.. ترجمة عبد الوهاب علوب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة،.2000 الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربية،.2010 بشارة، عزمي. ثورة مصر: الجزء الثاني، من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 الكواري، علي خليفة وعبد الفتاح ماضي. "متطلبات بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية في الدول العربية"، المستقبل العربي. العدد 373 (آذار/ مارس.)2010 ماضي، عبد الفتاح. الدين والسياسة في إسرائيل: دراسة في الأحزاب والجماعات الدينية في إسرائيل ودروها في الحياة السياسية. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1999

  1. سبق أن كتبت عن مفهوم الديمقراطية في أكثر من مناسبة، انظر على سبيل المثال: عبد الفتاح ماضي، "الديمقراطية والنظم الديمقراطية: مدخل إلى العلوم السياسية"، في: طه مدخل إلى العلوم السياسية بدوي وآخرون، (الإسكندرية: جامعة الإسكندرية،)2012، ص 96 - .102

.________ " مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطي " في: لماذا انتقل الآخرون وتأخر العرب؟ دراسة مقارنة. علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (محرران.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 ____.____ "الديمقراطية والنظم الديمقراطية: مدخل إلى العلوم السياسية." مدخل إلى العلوم السياسية في: طه بدوي وآخرون.. الإسكندرية: قسم العلوم السياسية، جامعة الإسكندرية،.2012.________ " العلاقات المدنية - العسكرية والجيوش والتحول الديمقراطي." مقدمة في مؤتمر "تحولات الديمقراطية في العالم العربي." مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية. بيروت، 28 حزيران/ يونيو.2012.________ العنف والتحول الديمقراطي في مصر. القاهرة: دار البشير،.2015 النقيب، خلدون. الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1996 الأجنبيّة Barany, Zoltan. The Soldier and the Changing State: Building Democratic Armies in Africa, Asia, Europe, and the Americas. New Jersey: Princeton University Press, 2013. Becker, Charles M. "The Impact of Sanctions on South Africa and Its Periphery." African Studies Review. vol. 31. no. 2 (September 1988). Bermeo, Nancy. "Myths of Moderation: Confrontation and Conflict during Democratic Transitions." in Lisa Andeson. Transitions to Democracy. New York: Columbia University Press, 1999. Bitar, Sergio & Abraham F. Lowenthal (eds.). Democratic Transition: Conversations with World Leaders. Baltimore: Johns Hopkins University Press & The International Institute for Democracy & Electoral Assistance, 2015. Blair, Dennis. Military Engagement: Influencing Armed Forces Worldwide to Support Democratic Transitions. Vol. 1 Washington: Brookings Institution Press, 2013. Blum, William. Killing Hope: US Military and CIA Interventions Since World War II. Monroe: Common Courage Press, 2008. Braneau, Thomas C. Spanish Case Study. The Center for Civilian-Military Relations, Calhoun: The National Postgraduate School Institutional Archive. Monterey CA, November 2000. C, Arceneaux. Bounded Missions: Military Regimes and Democratization in The Southern Cone and Brazil. University Park: The Pennsylvania State University Press, 2001. Castro, Celso. "The Army as a Modernizing Actor in Brazil." in Patricio Silva, The Soldier and the State in South America: Essays in Civil-military Relations. London: Pagrave& Patricio Palgrave Publishers Ltd, 2001. Connor, Ken & David Hebditch, How to Stage a Military Coup: From Planning to Execution. London: Skyhorse Publishing, 2009. Dahl, Robert A. Polyarchy: Participation and Opposition. London: Yale University Press, 1972. Federico, Veronica & Carlo Fusaro, eds. Constitutionalism and Democratic Transitions: Lessons from South Africa. Washington: Firenze University Press, 2006. Gibson, Edward. "Nine Cases of the Breakdown of Democracy." in Robert Pastor. Democracy in the Americas: Stopping the Pendulum. New York: Holmes & Meier, 1989. Gill, Graeme. The Dynamics of Democratization: Elites, Civil Society and the Transition Process. New York: Palgrave Macmillan, 2000. Haggard, Stephan & Robert R. Kaufman. "The Political Economy of Democratic Transitions." in Lisa Anderson. Transitions to Democracy. New York: Columbia University Press, 1999. Huntington, Samuel P. The Third Wave: Democratization in the Late 20th Century. Oklahoma: University of Oklahoma Press, 1993. Jun, Jinsok. "South Korea: Consolidatring Democratic Civilian Control." in Muthiah Alagappa (ed.). Coercion and Governance: The Declining Political Role of the Military in Asia. California: Stanford University Press, 2002. Kinzer, Stephen. Overthrow: America's Century of Regime Change from Hawaii to Iraq. New York: Times books, 2007.

Koonings, Kees. "Political Orientations and Factionalism in the Brazilian Armed Forces, 1964–85." in Patricio Silva. The Soldier and the State in South America: Essays in Civil-Military Relations. New York: Palgrave Macmillan, 2001. Koonings, Kees. "Political Armies, Security Forces and Democratic Consolidation in Latin America." in Governing Insecurity: Democratic Control of Military and Security Establishments in Transitional Democracies. London: Zed Books, 2003. Manby, Bronwen. " South Africa: The Impact of Sanctions," Journal of International Affairs vol. 46, no. 1 (1992). McHenry Jr., Dean & Abdel-Fattah Mady."A Critique of Quantitative Measures of the Degree of Democracy in Israel" Democratization. vol. 13, no. 2 (April 2006). Munck, Gerardo L. & Carol Skalnik Leff. "Modes of Transition and Democratization: South America and Eastern Europe in Comparative Perspective." Comparative Politics. vol. 29, no. 3 (April 1997). O'Brien, Philip J & Paul Anthony Cammack (eds.). Generals in Retreat: The Crisis of Military Rule in Latin America. Manchester: Manchester University Press, 1985. O'Donnell, Guillermo, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead. Transitions from Authoritarian Rule. vol. 1 - 4 Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986. Ronald A, Francisco. The Politics of Regime Transitions. Boulder: Westview, 2000. Roniger, Luis & Mario Sznajder. The Legacy of Human- Rights Violations in the Southern Cone: Argentina, Chile, and Uruguay. Oxford: Oxford University Press, 1999. Schmitter, Philippe C. Military Rule in Latin America: Functions, Consequences and Perspectives. Virginia: SAGE Publications, 1973. Schwartzman, Kathleen C. "Can International Boycotts Transform Political Systems? The Cases of Cuba and South Africa." Latin American Politics and Society , vol. 43, no. 2 (July 2001). Serra, Narcís. The Military Transition: Democratic Reform of the Armed Forces. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Share, Donald. "Politics in Spain." in Gabriel A. Almond et al. (eds.). European Politics Today. New York: Longman, 2006. Snyder, Richard. "Explaining Transitions from Neopatrimonial Dictatorships." Comparative Politics (July 1992). _________. "Paths out of Sultanistic Regimes: Combining Structural and Voluntarist Perspectives." in H.E. Chehabi & Juan J. Linz (eds.). Sultanistic Regimes. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998. Sørensen, George. Democracy and Democratization: Process and Prospects in a Changing World. 3rd edn. Boulder: Westview Press, 2008. Stepan, Alfred. "New Professionalism of Internal Warfare and Military Role Expansion." in Abraham F. Lowenthal and John Samuel Fitch, Armies and Politics in Latin America. New York: Holmes & Meier, 1986. ________. Rethinking Military Politics: Brazil and the Southern Cone. New Jersey: Princeton University Press, 1988. Tansey, Oisín. The International Politics of Authoritarian Rule. Oxford: Oxford University Press, 2016. Tolbesfon, Scott D. Civil-Military Relations in Brazil: The Myth of Tutelary Demcoracy, Draft. Calhoun: The National Postgraduate School Institutional Archive, 1995. Trinkunas, Harold A. "Ensuring Democratic Civilian Control of the Armed Forces in Asia." East-West Center, Occasional Papers , no. 1 (October 1999). of Aspects "International Laurence. Whitehead, Democratization." in Guillermo O'Donnell, Philippe Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarianism Rule: Comparative Perspectives. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986. Wood, Elisabeth Jean. Forging Democracy from Below: Insurgent Transitions in South Africa and El Salvador. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.