أدوار الجيش في مراحل الانتقال في الجزائر

Tahar Saoud الطاهر سعود |

الملخّص

تروم الدراسة الحفر عن أدوار الجيش عبر مراحل الانتقال في الجزائر؛ وذلك يقتضي تأصيل ا تاريخيًا لمراحل تكوّنه وسياقاته منذ كان إرهاصًا لجيش تحرير وطني إلى أن غدا المؤسسة الراعية والمؤتمنة على الدولة، ومندمجًا في علاقة عضوية شبه دائمة مع السياسة بما هي مهمة أساسية من مهماته، وقبل ذلك وظيفة أصلية في تكوينه. كل ذلك لأجل فهم سلوكه ودوره في مسار الأزمة السياسية والأمنية عقب انق باا 1992. ستعمد الدراسة بعدها إلى محاولة البحث في علاقة مؤسسة الجيش بمسار حل الأزمة ومسعى التصالح بمحاولةٍ أخرى لاستشراف دورها على الساحة في الأفق المرتقب الوطني، منتهية. كلمات مفتاحية: الجيش الجزائري، الأزمة الجزائرية، المصالحة الوطنية، السياسة، العلاقات المدنية - العسكرية. Our study aims to put under scrutiny the Algerian army tasks and roles through different periods of time and this requires going back to the roots when the national liberation army was established, returning to the present as the army has become the institution protecting the state. An institution which has an everlasting organic relation with politics, embodying one of its central tasks. The study needs to highlight the above cited issues in its attempt to grasp and understand the army role during the 1992s' political crisis, and in so doing a particular attention is given to the ways how the army dealt with the crisis and what is the nature of its contribution in tackling and facing it. Finally, the study is concerned with the army role in the near future from a prospective approach. Keywords: Algerian Army, Algerian Crisis, National Reconciliation, Policy, Civil-military relations.

The Algerian Military in the Midst of Transition

مقدمة

يتبدّى واضحًا للمهتم بالتاريخ السياسي الجزائري المعاصر الدور المحوري الذي قام به الجيش الوطني الشعبي، وهو دور حظي به لعدد من العوامل في مرحلة الثورة؛ إذ برز بوصفه كيانًا عسكريًا مع كيان سياسي هو جبهة التحرير الوطني وقادا معًا المعركة ضد النظام الكولونيالي. وعبر محطات الاطراد الثوري استطاع بعض قيادات هذا الجيش التغلغل في جسم الثورة وتحسين مواقعه فيه إزاء القادة السياسيين والتاريخيين. بدا ذلك واضحًا مع لجنة تنظيم الجيش على الحدود الغربية بقيادة هواري بومدين؛ بحيث تمكنت من استحداث جهاز منظم وبيروقراطي تسوده روح الخضوع الكلي للقرارات، ويخضع أعضاؤه لانضباطية قاسية1. سيمثّل هذا التنظيم العسكري، لاحقًا، النواةَ الصلبة لقوة جديدة هي هيئة الأركان العامة وجيش الحدود التي ستبرز مع اقتراب الاستقلال مؤسسةً لها دورها الترجيحي في المشهد السياسي، بخاصة بعد تحالفها الظرفي مع بعض الزعامات السياسية، في مقابل إضعاف النخب السياسية والثقافية الأخرى (بالتضييق، أو المراقبة، أو السجن، أو النفي.) ولم تكد تمرّ ثلاث سنوات على الاستقلال حتى برز الجيش والمؤسسة العسكرية الأكثر قوةً واقتدارًا في البلاد، وبمرور الوقت تحوّلت إلى المؤسسة الراعية والمؤتمنة Dépositaire على سيادة البلاد؛ بحيث أصبح لها كامل الصلاحية في استبعاد أيّ منافس على مقاليد السلطة أو تحييده. واستمر هذا الدور إلى فترة متأخرة، تعزّزه مواثيق الدولة الوليدة التي نصّت على أنّ الجيش الوطني "جيش شعبي، وهو في خدمة الشعب وتحت تصرف الحكومة،[...]وهو يتولى الدفاع عن أراضي الجمهورية، ويسهم في مناحي النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد في نطاق الحزب"2، أو هو "أداة الثورة في التغيير الاجتماعي مكلفة بالمساهمة في تنمية البلاد وتوطيد الاشتراكية"3، ليقتصر دوره في مرحلة الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية بموجب دستور 1989 على المحافظة على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد وسيادتها وحرمتها الترابية. لكن، هل يعنى هذا أنّ الثقل السياسي للمؤسسة العسكرية ليس مثلما كان؟ أم أنّها ستضطلع بالدور التقليدي الذي يقوم به جميع الجيوش في الديمقراطيات الناشئة؟ العكس طبعًا هو الصحيح؛ فابتعاد الجيش من الحياة السياسية لم يكن سوى ابتعاد شكلي، وممارسته لنوع من الحياد في المرحلة التي أعقبت الانفتاح السياسي لم تكن سوى مراقبة للمشهد عن بعد؛ فنتائج الانتخابات التشريعية لعام 1991 وفوز الإسلاميين بها استدعت تدخّل هذه المؤسسة بكلّ ثقلها في الساحة السياسية، وأعلنت عن وقف المسار الانتخابي، واستحدثت واجهاتٍ سياسية انتقاليةً، متعاونةً في ذلك مع بعض الوجوه التاريخية والسياسية والحزبية، لتعيد من جديد تأكيد قاعدة "الدور الفاعل للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية الجزائرية."

لكن إذا كان الثقل السياسي للجيش قد بدا متكاملً داخل النظام السياسي في السبعينيات والثمانينيات؛ حيث وزّع الدستور الصلاحيات يومها على جهاتٍ مختلفة، وكان الجيش طرفًا في الحكم4، فإنّه غدا بعد نهاية الأحادية الحزبية وحده في الميدان. لذا، فإنّ تورطه في بعض القرارات الخطيرة، ومنها إلغاء المسار الانتخابي، كان يُنظر إليه بوصفه تدخلً سافرًا في الشأن السياسي، وهو تواصل مع الدور الذي أدّاه في بعض المحطات التاريخية مع التكتل البنبلي الذي نفّذ حركته الانقلابية على المؤسسات الشرعية للدولة الجزائرية (المجلس الوطني للثورة، والحكومة المؤقتة)، مدشنًا بذلك عهد الانقلابات العسكرية في تاريخ الجزائر المستقلة، ولِيَسُنَّ مسلكًا وتقليدًا سياسيًا سلبيًا سيتحكم مستقبلً في مسار التغيير السياسي في الجزائر وعملياته.

  1. جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع محمد حربي،، ترجمة كميل قيصر داغر (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1983)، ص.182
  2. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 1963، المادة: 8، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2jdId6b.
  3. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 1976، الفصل السادس، المادة: 82،
  4. شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2joUqIF. 4 رياض الصيداوي، صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000)، ص.57

لكن هذه التسوية المرحلية التي فرضها منطق الغلبة والقهر لم تحل المشكلة، بل ستكون سببًا في اندلاع أزمة داخل الطبقة السياسية الجزائرية، وداخل المجتمع، نجم عنها تزعزع استقرار البلاد، وخفوت وهجها السياسي على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، ودخل الجميع في مرحلة من الاهتلاك الذاتي والاقتتال الداخلي والتدمير الذاتي الذي كاد يقضي على الجميع. أمام هذه الوضعية، قُدّمت مجموعة من التدابير حيّز التنفيذ لحل ما أصبح يسمى ب "الأزمة الجزائرية"؛ فبعدما فشلت "سياسة الكل أمني" tout-sécuritaire Le التي اتبعها الجيش في التعامل مع الجماعات المسلحة التي رفعت السلاح بعد إلغاء المسار الانتخابي، وبالنظر إلى الخسائر الكبيرة في الأرواح والممتلكات، اقتنع الفاعلون في الجيش بضرورة البحث عن حلول، كان آخرها مشروع المصالحة الوطنية الذي استطاع معالجة جوانب مهمة من الأزمة، إلى حدٍ كبير. استنادًا إلى ما سبق، تحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية: ما الدور الذي قامت به مؤسسة الجيش في مراحل الانتقال الأساسية التي مرّ بها المجتمع الجزائري؟ وما علاقتها وعلاقة الفاعلين فيها بسيرورة تدبير الوئام والمصالحة الوطنية؟ وما دورها عبر مسار حل الأزمة؟ وهل كان دورها تزكية المبادرة ودعمها؟ أم أنّ الفاعلين في المؤسسة كانوا سباقين إلى مباشرة نشاط ميداني انتهى بإقرار إجراءات قانونية لمصلحة المتورطين في المأساة الوطنية، ولم يكن دور السياسيين سوى حشد التأييد الشعبي للمبادرة؟ وبناءً على ما سبق، هل يمكن التنبؤ بمستقبل علاقة الجيش بالفعل السياسي في الجزائر؟ وتروم هذه الدراسة تحقيق ما يأتي من أهداف: تتبع مسارات تطور مؤسسة الجيش وعلاقة ذلك بسلوكها خلال مراحل الانتقال الأساسية في التاريخ الجزائري المعاصر. رصد دور مؤسسة الجيش في مسار (الأزمة - حل الأزمة) الجزائرية. تتبع مراحل المصالحة الوطنية الجزائرية وسيرورتها ودور مؤسسة الجيش في إقرارها ودعمها. تقديم رؤية استشرافية لمستقبل علاقة الجيش بالفعل السياسي في الجزائر. وتتطلب الدراسة تشكيلةً منهجيةً تجمع بين المنهج التاريخي والمنهج التحليلي، إضافةً إلى المنهج الوصفي، مع التنبيه إلى بعض الصعوبات البحثية، وفي مقدمتها ستار السرية والكتمان الذي يحيط به الجيش الجزائري مؤسساته لعوامل أمنية وإستراتيجية بما يجعل الحديث عن هذا الجيش في غياب المعلومات المؤكدة محاولةً لا تدّعي أبدًا تملّك الحقيقة، أو التعبير عن الوقائع كما حصلت بالفعل. وهي مسألة أشار إليها بعض الباحثين عندما شبّهوا محاولة إدراك ما يحصل داخل الجيش - الدولة بحالة من يحاول التكهن بأحوال الطقس5. لكن هذا لن يمنعنا من محاولة رسم صورة قريبة من واقع الحال في حدود ما توافر لنا من البيانات والمعلومات.

مؤسسة الجيش في الجزائر: محاولة في التأصيل التاريخي لمراحل التكوّن وسياقاته

إنّ كلّ حديث عن مؤسسة الجيش في الجزائر، وعن دورها في العشريتين الأخيرتين بالتحديد، يتطلب تأطيرًا تاريخيًا يبيّ عوامل نشأتها التاريخية؛ ذلك أنّ بعض الأدوار والخصائص التي صبغت هذه المؤسسة وأعطتها شكلها النهائي ترجع بالأساس إلى لحظة ميلادها، ولا يمكن فهم ما اضطلعت به في التسعينيات، من دون فهم ملابسات لحظة تكوّنها وتطوّرها. وهي مسألة يشدّد عليها غير واحد من المهتمين بالموضوع6. يكشف الحفر التاريخي أنّ الإرهاصات الممهدة لولادة هذه المؤسسة تعود إلى فترة ما قبل الثورة عندما اقتنعت الحركة الوطنية ممثلة بحزب الشعب - حركة الانتصار للحريات الديمقراطية PPA-(MTLD) بعدم فاعلية النضال السياسي وحده في تحقيق مطلب الاستقلال، وضرورة فتح الطريق أمام النضال الثوري المسلّح.

المنظمة الخاصة السلف التاريخي لجيش التحرير الوطني

كان الشقاق الذي حصل في "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" فرصةً لتيارٍ من المناضلين الشبان الذين تجاوزوا ثنائية الصراع بين قيادة الحزب (مصاليين/ مركزيين)، للمبادرة إلى القيام بعمل عسكري يقطع مع الأساليب الإصلاحية، والنضال السياسي الذي أثبت فشله

  1. المرجع نفسه، ص.10
  2. François Gèze, "Armée et nation en Algérie: l'irrémédiable divorce?," Hérodote , no. 116 (2005/1), p. 176, accessed on 25/1/2017, at: http://bit. ly/2j49LzE; انظر أيضًا: عبد الحميد مهري، "الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي: تجربة الجزائر"، الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي في: أحمد ولد داداه وآخرون، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 57 - .70

عشية 1945، ومع الممارسة السياسية التي أوصلت أبناء الحركة الوطنية الجزائرية إلى صراع حزبي هامشي. إنّ هذه المجموعة الشبابية وإن كانت من صفوة شبان الحزب، ومارست العمل السياسي، فهي اكتسبت مع ذلك خبرةً في العمل السري، لأنّ أغلبية أعضائها كانوا من ناشطي المنظمة الخاصة)L'OS(شبه العسكرية، وهي منظمة أ نشئت بموجب قرارات الحزب عام، وأ 1947 سندت لها مهمة الإعداد للثورة المسلحة، وإنضاج شروط إعلان الكفاح المسلح. منذ 1947 وحتى اكتشافها وتفكيكها من طرف الإدارة الفرنسية في آذار/ مارس 1950، اضطلعت هذه المنظمة بمهمات التجنيد والتدريب القتالي، وتهيئة بنية تحتية من العتاد والتسليح، وإنشاء الخلايا عبر مناطق القطر7. وعلى الرغم من حلّها، واصل من نجا من أعضائها من الاعتقال دورهم في الإعداد للثورة، ومنهم انبثقت اللجان والمجموعات الشهيرة: اللجنة الثورية للوحدة والعمل، ومجموعة 22، ومجموعة 5، ومجموعة 6، ثم مجموعة 9 التي وُلدت منها جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني. يصرّ العديد من المهتمين على أنّ هذه اللحظة التأسيسية التي تؤرخ لميلاد جيش التحرير الوطني هي لحظة حاسمة، ذلك أنّها ستضع هذا التنظيم الوليد (الجيش) أو بعض مكوناته، في صراعٍ يكاد يكون مستمرًا مع الساحة السياسية منذ النشأة إلى اليوم8، ومع المنظمة الخاصة التي اختير أعضاؤها ممّن لهم خبرة عسكرية اكتسبوها جراء التحاقهم بالخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي9، إضافةً إلى معايير السرية والكتمان والالتزام والروح النضالية العالية، وسيبدأ التنافس واضحًا بين أعضائها وأعضاء الحزب السياسيين، يقول حربي: "إن الحركة [حركة الانتصار] والمنظمة الخاصة المتكاملتين نظريًا، بدتا تدريجيًا متنافستين.[...]خلق هذا الوضع احتكاكات مستمرة بين حاملي رايات كلٍ من المنظمتين"10. وإذا كانت سنوات الثورة قد أفرزت ثنائية العسكري/ السياسي، فإنّ هذه الثنائية يمكن تحسّسها منذ هذه اللحظة، وستأتي الحوادث اللاحقة لتكرّسها، وتحوّلها إلى لازمة ثابتة ارتبطت بمجمل تاريخنا السياسي المعاصر. فعندما لم تُجد مساعي قدماء المنظمة الخاصة ومحاولاتهم الحثيثة لحلّ الخلاف الناشب في صفوف قيادة الحزب، انصرف هؤلاء لإعادة تنظيم صفوفهم، وتسريع إعلان الثورة، وهو ما حدا ببعض الملاحظين إلى تفسير ذلك بأنّه "كان يحمل معنى وضع الأطراف السياسية كلها أمام الأمر الواقع، ويكرّس في نظر كثير من المناضلين انتصار الحسم العسكري في مواجهة التردد السياسي"11.

مرحلة التأسيس أو ولادة جيش التحرير الوطني

بدأت هذه المرحلة عندما تحوّلت فكرة الثورة من فكرة ماثلة في أذهان نخبة الناشطين في المنظمة الخاصة إلى واقعٍ فعلي عقب إعلان تفجير الثورة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، وولادة جيش التحرير الرسمية. منذ تلك اللحظة أصبح هذا الجيش الذراع العسكرية لجبهة التحرير الوطني، وخضع لمبدأين12: مبدأ اللامركزية، لاستحالة أن يقود الكفاح المسلح أي جسم ممركز، لذلك تركت حرية العمل والمبادرة لكل جهة؛ ومبدأ أولوية الداخل على الخارج13؛ أي إنّه لا يمكن فعل أي شيء من دون الرجوع إلى أولئك الذين يقاتلون على الأرض؛ القادة العسكريين. تستمر هذه المرحلة طيلة فترة الثورة. وفيها استفاد جيش التحرير الوطني من اندماج عناصر عديدة في تركيبته، من الفلاحين والطبقات الشعبية الهشة، وتدعّم بعناصر مدربة عسكريًا من الذين حاربوا في صفوف الجيش الفرنسي خلال الحربين العالميتين. وأمدّ هؤلاء الجيش ببعض خبراتهم القتالية. كما تدعّم في فترة متأخرة من الثورة بنخبة من القيادات العسكرية الجزائرية المتوسطة الرتب من الفارّين من الجيش الفرنسي)DAF(14، كما كان للمبتعثين الجزائريين إلى

  1. تاريخ الجزائر المعاصر: دراسة انظر: محمد العربي الزبيري،، ج 1 (دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1999)، ص 181 وما بعدها.
  2. مهري، ص.63
  3. كانت خدمةً إجباريةً على كل الجزائريين، وليس معناها ولاء للنظام الاستعماري.
  4. حربي، ص.49
  5. مهري، ص.65
  6. حربي، ص 110 - .111
  7. المقصود بالخارج الوفد السياسي للجبهة الموجود في القاهرة الذي ضمّ أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر.
  8. يرى فرانسوا جيز أنّ الضباط الفارين من الجيش الفرنسي rmée A éserteurs de l' D rançaise F ألّفوا ثلاث فئات رئيسة؛ تتكوّن الأولى من الذين فرّوا إلى جيش التحرير الوطني في 1958 - 1959 عن قناعة وطنية حقيقية، يأتي بعدها من لم يلتحقوا به إلا في الشهور الأخيرة من الثورة لأغراض انتهازية أكثر منها وطنية، ثم فئة الذين حُوِّلوا مباشرةً من الجيش الفرنسي إلى الجيش الشعبي الوطني بعد الاستقلال، يقدَّر عدد هؤلاء بنحو 200 عنصر التحقوا بجيش التحرير بعد عام 1961، انظر: Gèze, p. 177; Abdelhamid Brahimi, Aux origines de la tragédie Algérienne (1958-2000): Témoignage sur Hizb França (Genève - Suisse: Hoggar & the center for Maghreb studies, 2000).

البلدان العربية من ذوي التكوين العسكري دورٌ في تطوير هذا الجيش وتنظيمه حين التحقوا بصفوفه. ظل جيش التحرير في هذه الفترة يطوّر مهاراته على طريقة التجربة والخطأ، دون أن يمنع ذلك ظهور ثنائية السياسي – العسكري. وعلى الرغم من أنّ القيادات الأولى للثورة كانت تجمع بين الوظائف السياسية والعسكرية، ظلّت الفروق قائمةً بين السياسيين والعسكريين، و"لم تمنع هذه الصيغة في تنظيم قيادات الثورة من ظهور خلافات حادة، وأزمات متعددة طوال مرحلة الكفاح المسلح"15. وإذا كانت جبهة التحرير المعلن عن ميلادها هي الغطاء السياسي الذي تجمّع حوله الثوار، فإنّهم أسسوا معها "جيشًا سمّوه جيش التحرير؛ بحيث اختلط العسكري بالسياسي، فالمقاتل عضو في الحزب وكذلك قائده، وتراوح المسؤوليات بين سياسية وعسكرية بحسب الحاجة"16. وفي هذا السياق، لم تكن جبهة التحرير بَعد أكثرَ من حروف أولى، لأنّ مؤسسيها كانوا جميعهم تقريبًا على رأس أقاليم عسكرية. وهكذا، ومنذ البدء كانت السلطة بين يدي جيش التحرير الوطني17.

كان لمؤتمر الصومام (آب/ أغسطس 1956) أثره الإيجابي في اتجاه تنظيم قوات جيش التحرير، باستحداث هيئات مسؤولة، وتنظيم الرتب العسكرية، وإنشاء تنظيم إداري جديد18، ثم تغذية الثورة وهيئاتها المستحدثة بفعاليات جديدة؛ بحيث لم تبق جبهة التحرير حكرًا على القدامى من ناشطي حركة الانتصار والمنظمة الخاصة، بل تحوّلت مع عبان رمضان مهندس المؤتمر إلى ما يشبه التجمع الوطني الواسع عندما التحقت التيارات الوطنية الأخرى (المركزيون، والاتحاد الديمقراطي، والعلماء) بالثورة. بيد أنّ قرارات المؤتمر، بقدر ما أعطت للثورة بعدها المؤسسي وهيراركيتها وملمحها التنظيمي الواضح، أخرجت إلى السطح حزازات بين قياداتها وزعمائها، وفتحت عهدًا جديدًا للسجالات والصراعات فيما بينهم. إنّ مبدأَي "أولوية الداخل على الخارج" و"أولوية السياسي على العسكري" كما نصّت عليهما أرضية المؤتمر لن يمرّا دون أن يثيرا ردات فعل شديدةً، حدت بالبعض إلى شجب هذه القرارات، وعدّها انحرافًا عن خط الثورة. وباغتيال عبان في المغرب (كانون الأول/ ديسمبر 1957) انتهت أطروحة تفضيل السياسي على العسكري، وانتصر الجناحُ العسكري انتصارًا نهائيًا تواصل إلى اليوم19. أما المحاولات اللاحقة من جانب السياسيين فكان مآلها الفشل. ومنذ هذا المؤتمر إلى عشية وقف إطلاق النار، ستعرف مرحلة الكفاح خمس أزمات كبرى في العلاقة بين قيادات الثورة السياسية والعسكرية20، كانت كلّها تعكس جدلية الصراع بين السياسي والعسكري وتفوّق الثاني على الأول، نجمل أهمها في ما يأتي21: السجال الذي وقع أثناء مؤتمر الصومام حول العلاقة بين النشاطات العسكرية والأهداف السياسية بين عبان رمضان وقادة الجيش (بن طوبال، وكريم)..؛ فقد رأى عبان أنّ بعض المبادرات العسكرية التي دشنها هؤلاء القادة غير مجدية سياسيًا، بينما لم يقبل بعض القادة العسكريين في قرارة أنفسهم هذه الدروس من هذا الطارئ الذي مثّله عبان. ويخلص حربي إلى أنّ "الجبهة - جيش التحرير[...]لم تتوصل إلى تجاوز مكامن ضعفها الأصلية، فخلف التمييز بين سياسيين وعسكريين كان يختفي في الواقع الصراع بين خطين متخاصمين"22. أدّت تبعات معركة الجزائر إلى خروج لجنة التنسيق والتنفيذ (وهي أعلى هيئة قيادية للثورة) إلى الخارج، ما أسفر عن اختلال ميزان القوى لمصلحة العسكريين، بخاصة بعد آب/ أغسطس 1957 عندما طالب العسكريون بإلغاء مقررات مؤتمر الصومام،

  1. مهري، ص.65
  2. رياض الصيداوي، "سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك"، الحوار المتمدن،
  3. حربي، ص.112
  4. انظر: النصوص الأساسية لثورة نوفمبر 54 (نداء أول نوفمبر، مؤتمر الصومام، مؤتمر
  5. الصيداوي، "سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك"، ص.3 20 مهري، ص.67
  6. 2007/4/16، ص 3، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2j4gfyt.
  7. انظر: المرجع نفسه، ص 67-65؛ حربي، ص 155 - 156، ص 181 وما بعدها، ص 201 - 211، ص 216 وما بعدها؛ Brahimi, pp. 58 - 75. 22 حربي، ص.156
  8. طرابلس) (الجزائر: منشورات ANEP،.)2005

وانتخاب قيادة جديدة يستبعد منها بعض السياسيين. وانتهت هذه الأزمة بعدما أقرّ المجلس الوطني للثورة الجزائرية الهيئات المنبثقة عن المؤتمر، ولكن بإعادة النظر في تشكيلتها، وأن لا أولوية للسياسي على العسكري، ولا فرق بين الداخل والخارج. وعلى الرغم من أنّ الحاضرين من العسكريين كانوا أقليةً في المجلس، فإنّهم فرضوا وجهات نظرهم على السياسيين23. أزمة لجنة التنسيق والتنفيذ التي انتهت بتصفية عبان، وهي نتيجة لاستعادة العسكريين وأسياد الحرب زمام سيطرتهم. نتيجة التضييق الذي شمل الثورة بسبب مدّ خطَّي شال وموريس، ناقشت لجنة التنسيق والتنفيذ مسألة توحيد جيش التحرير الوطني. وفي نيسان/ أبريل 1958 جرى تبنّي مقترح خلق لجنة تنظيم عسكرية تسهر على تنظيم الجيش الموجود على الحدود الشرقية والغربية. وأمام إخفاق هذه اللجنة جرى تجريد كل الضباط الكبار من الأهلية، وبخاصة ضباط لجنة التنظيم الشرقية التي قرر بعض قادتها إطاحة الحكومة المؤقتة التي أصبحت منذ أيلول/ سبتمبر 1958 الإطار القيادي الجديد خلفًا للجنة التنسيق. أمام شلل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بعد مرور أقل من سنة على تأسيسها نتيجة غياب التجانس بين أعضائها المنحدرين من تيارات سياسية عديدة، وبسبب ما عُرف بقضية انتحار الموظف عميرة، استدعي لحلّ هذه الأزمة القادة العسكريون (العقداء السبعة) الذين أصبحوا أعضاء في المجلس الوطني للثورة. وما إن اجتمع هؤلاء (صيف/ خريف)1959 حتى أصبحت السلطة بين أيديهم، وانتهى اجتماعهم إلى تعيين مجلس وطني جديد، غالبية أعضائه من جيش التحرير. لتوحيد القيادة العسكرية لجيش التحرير، قرّر المجلس الوطني الجديد في دورة كانون الأول/ ديسمبر 1959 - كانون الثاني/ يناير 1960، إنشاء هيئة الأركان العامة بقيادة العقيد هواري بومدين، لكن هذا الجهاز دخل في سجال وصراع مع الحكومة المؤقتة بمناسبة المفاوضات الممهدة للاستقلال مع الطرف الفرنسي، انتهى بفشل هذه الأخيرة في إقالة هذه الهيئة، وتفجّر أزمة عميقة عُرفت بأزمة صائفة 1962 التي تحالف فيها قادة الجيش مع بعض السياسيين للانقلاب على المؤسسات الشرعية (الحكومة المؤقتة، والمجلس الوطني للثورة) وانتزاع السلطة منها. ما جعل قادة الجيش وأسياد الحرب الذين نجحوا في رفع شعار الانتقال إلى الكفاح المسلح، ونجحوا في تطبيقه على أرض الواقع، يعتقدون أنّ الصواب هو دائمًا إلى جانب الذين يحملون السلاح، وأنّ تقويم السلطة السياسية عند اللزوم هو مهمتهم الثورية الأولى24. وتحوّل ذلك إلى عقيدة لدى الجيش في مراحل لاحقة، غذّتها خلال كامل فترة الثورة خطاباتٌ تحرص دائمًا على الإعلاء من شأن "مقاتلي ثورة نوفمبر"، و"المقاتل الأول، والملتحق فيما بعد." خلاصة القول إنّ الجيش هو الذي أنشأ الدولة، وليس العكس. وليست السياسة، كما يقول مهري، وظيفةً مستقلةً عنه، بل هي وظيفة أصلية في تكوينه ومهمة أساسية من مهماته. وأصبح ذلك عقيدةً راسخة لدى فئة عريضة من قيادات هذا الجيش عندما تحوّل إلى مسمى الجيش الوطني الشعبي عشية الاستقلال، ولأسباب تاريخية أصبح في قلب قضية بناء الدولة، وتحوّل قياديوه إلى أمناء أو مؤتمنين على الوطنية dépositaires du nationalisme وعلى هذه الدولة الوليدة25.

مرحلة التحول من جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الشعبي

وهي المرحلة التي تمتد من لحظة الاستقلال إلى يومنا هذا، وإن كان بإمكاننا تأكيد أنّ بعض الخصائص والميزات التي طبعت الجيش عندما تحوّل إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة الوليدة يرجع بالأساس إلى السنتين الأخيرتين من عمر الثورة، بخاصة عندما أ نشئت هيئة الأركان العامة. خلال هذه المرحلة، مثّل جيش الحدود مركز ثقل جيش التحرير الوطني، وتظافرت عوامل عديدة لتجعل منه ركيزة جيش الدولة المستقبلي أو جنين الدولة القادمة بتعبير محمد حربي. كان هذا الجيش يتألف من 23 ألف رجل؛ 15 ألفًا منهم على الحدود التونسية، و 8 آلاف على الحدود المغربية، وتحت تصرّفه كل المصالح التي تجعل منه جيشًا تقليديًا بامتياز؛ كمراكز التدريب، والمفوضية السياسية، والأمن العسكري، وما إلى ذلك26. كان الجيش الأكثر تنظيمً وتسليحًا إزاء جيش الداخل، القليل عدديًا 10(آلاف رجل)، والمنهك جراء سنوات الحرب العنيفة.

  1. 26 حربي، ص.219
  2. مهري، ص.66
  3. Lahouari Addi, "L'armée, la nation et l'Etat en Algérie," Confluences en Méditerranée , no. 29 (1999), pp. 39-46, accessed on 25/1/2017, at: http:// bit.ly/2ksoSyU.
  4. 23 المرجع نفسه، ص 169 - .170

بعد إنشاء هيئة الأركان العامة، نجح بومدين الذي أصبح قائد هذا الجيش، في جعله جيشًا موحَّدًا يدين له بالطاعة، واستعان في الإشراف عليه وتنظيمه بالفارّين من الضباط من الجيش الفرنسي. ومثّل هؤلاء الرجال المجردون من كل مشروعية سياسية، بسبب ماضيهم في الجيش الفرنسي، كتلةً مفيدةً تتحرك لخدمة طموحات بومدين27، في القيام بدورٍ فاعلٍ في الدولة الجديدة التي أصبحت معالم استقلالها باديةً للعيان. يرى بعض الباحثين أنّ إنشاء هيئة الأركان كان سيسرّع عملية إحكام السيطرة على الثورة من جانب العسكريين28، وقد بدا ذلك واضحًا حقًا عندما نشبت الأزمة داخل مؤسسات الثورة، إزاء مسألة تأسيس مكتب سياسي لحزب جبهة التحرير يتمايز عن الحكومة. وحصل حولها خلاف كبير بسبب تعدد المحاور والعصبيات، ومراكز القوى. وبحث كلّ طرف عن طريقة للتموقع ضمن خريطة الوضع الجديد. وبدا ذلك واضحًا أكثر بين كتلة السياسيين المتموقعين في الجهاز الحكومي، وكتلة العسكريين في هيئة الأركان. وعندما وصلت النقاشات في اجتماع طرابلس إلى طريق مسدود، اختار ضباط هيئة الأركان بزعامة بومدين الاصطفاف إلى جانب أحمد بن بلة بعد أن كانوا قد عقدوا معه ما يشبه الاتفاق قبل ذلك عندما كان سجينًا مع الزعماء الخمسة، لينتصر بعد مدة منطق القوة في حسم هذا الصراع الذي كان بلا منازع في اتجاه ما قرره الجيش. وفي 9 أيلول/ سبتمبر بعد حوادث مؤلمة تحوّل جيش الحدود إلى الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير تبعًا للشعار الذي سيتم تكريسه29.

أدوار الجيش في التاريخ الجزائري المعاصر

يشدّد عديد الباحثين على أنّ العسكر كانت لهم دائمًا تأثيراتهم الواضحة في مسار المجتمع والدولة في السياق الجزائري منذ فترة مبكرة، يرجعها بعضهم إلى الفترة العثمانية، وهو ما حدا بواحد منهم للحديث عمّ سمّ ه "الوجه لوجه بين الثكنة والمجتمع"؛ إذ أطلق هذه الثنائية على مجمل تاريخ الجزائر منذ الفترة العثمانية إلى اليوم30. لقد أنتج تاريخ الجزائر الحديث في الغالب قيادات وسلطات تفرض نفسها على الهياكل المعترف بها، فهو "تاريخ الانقلاب المستمر على الشرعية (التاريخية، أو الثورية، أو الحزبية، أو الشعبية - الانتخابية)، بالطرق السلمية أو العنيفة. وقد نجد سوابق في عمق التاريخ الجزائري منذ تأسيس إيالة الجزائر في القرن السادس عشر[...]إن تاريخ الحركة الوطنية بعد ذلك عرف نماذج إعادة النظر في النظام القائم والسطو على السلطة الشرعية بطرق مختلفة"31. على هذا المنوال في التحليل السوسيوتاريخي يستعين لويس مارتيناز بمفهوم "مخيال الحرب" لتفسير ظاهرة العنف التي اتسع نطاقها في جزائر التسعينيات، بالعودة إلى تاريخ الفترة العثمانية والاستعمارية؛ بحيث يرى أنّ هذا "المخيال المشترك للحرب" يسهم في جعل العنف طريقةً لتكديس الثروة وتحقيق الشهرة، ويرى أنّ "رياس البحر" و"القياد" و"العقداء" هم نماذج تاريخية تميزت في مختلف الفترات بترقيتها الاجتماعية بفضل الحروب؛ وفي هذا يقول "إنّ القرصان في العهد العثماني والقايد (موظف أهلي) في العهد الاستعماري أو العقيد (ضابط في جيش التحرير) أثناء حرب التحرير، قد عرفوا مساراتٍ أفضت إلى وظائف المسؤول السياسي. إنّ هذا المسار من الترقية قد سجّل العنف في السجل الثقافي للترقية الاجتماعية؛ حيث تطغى صورة قطّاع الطرق السياسيين"32.

يقترب هذا التحليل كثيرًا مما سجّله محمد حربي في معرض جهده النقدي لجبهة التحرير الوطني، نازعًا عنها طابعها الأسطوري الذي كرسته الكتابة الرسمية للتاريخ، عندما أكّد أنّ النموذج الذي كان يتمثّله قادة جبهة التحرير الثوريون لم يكن نموذج الموظف أو

  1. Gèze, p. 177.
  2. Abdelkader Yefsah, "L'armée et le pouvoir en Algérie de 1962 à 1992," Revue du monde musulman et de la Méditerranée , vol. 65, no. 1 (1992), p. 80, accessed on 25/1/2017, at: http://bit.ly/2jdHPoe.
  3. Ibid., p. 81.
  4. مستقبل الديمقراطية في الجزائر إسماعيل قيرة وآخرون، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.100
  5. المرجع نفسه، ص.91
  6. الحرب الأهلية في الجزائر لويس مارتيناز،، ترجمة محمد يحياتن (الجزائر: منشورات مرسى، 2005)، ص.27

المعمّر، بل القايد والوجيه الريفي (الأعيان) بما هم رمز لسلطة تمد جذورها في التراث الوطني، وقد شجع ذلك هؤلاء القادة لإعادة إنتاج ملِاك سياسي تذكّر ممارساته بممارسة البلاط والسراي أكثر مما تذكّر بالروح النضالية33. تبعًا لما سبق، هل بوسعنا القول بأنّ رمزية العسكري لا يزال لها حضورها في السياق الجزائري الراهن، ذلك ما يؤيده عديد الشواهد الواقعية. إن مقولة "الرياس"، "القياد"، "العقداء"، "الجنرالات" هي مقولة تفسيرية تبرز لنا إلى أي حد يشغل العسكري ومعه المؤسسة العسكرية دورًا في إدارة الشأن العام، وممارسة سلطانهم عبر أساليب الإكراه والعنف.

11 أدوار الجيش في مرحلة الثورة

تعدّ هذه المرحلة مرحلةً تأسيسيةً بامتياز لما طبعته من خصائص على مؤسسة الجيش لا يزال بعضها مستمرًا معها إلى اليوم. إنّ الجيش اضطلع في فترة الثورة بالمقاومة المسلحة مُنهيًا بذلك 130 عامًا من الاستيطان الكولونيالي، لكنه وهو يمارس هذا الدور الثوري والتحريري الأساسي، مارس أيضًا أدوارًا ملحقةً به، اضطرته إليها أوضاع الثورة، أو دفعته إليها طموحات بعض قادته وحساباتهم، كما عزز بعضها بخاصة تدخّله في الشأن السياسي، صراعات السياسيين من قادة الثورة وتشظّيهم، حتى إنّ هذا الوضع أرسى مبدأ تكرّس منذ تلك الفترة مفاده أنّه "حين يختلف الساسة ويعجزون عن المبادرة، على العسكريين أن يأخذوا زمام الأمور ويتخذوا القرارات الحاسمة"34. ولم يفتأ الجيش، منذ اغتيال عبان رمضان يواصل توسيع سلطته؛ ومنحه نيْل الاستقلال فرصًا ليتشكّل قوةً مهيمنةً قبل أن يتولى لحسابه الخاص مصائر البلاد35، مدفوعًا بقوته وتنظيمه وانضباطه وشخصية قائده الكاريزمية، ومستثمرًا حالة التشتت التي ميزت القيادات السياسية والقيادات التاريخية وصراعاتهم حول من يكون القائد الأول للثورة، قبل وقف إطلاق النار وعشيته 19(آذار/ مارس 1962)، ليهيمن الجيش تدريجيًا ويفرض نفسه على الساحة.

22 أدوار الجيش في مرحلة الاستقلال

يمكن تقسيم مرحلة الاستقلال نظريًا إلى مرحلتين أساسيتين؛ مرحلة الأحادية الحزبية، ومرحلة التعددية السياسية والحزبية. ويحيلنا الحفر عن أدوار الجيش في هذه المرحلة إلى مجموعة من الخصائص التي ميزت سلوك هذه المؤسسة. وعبر هذه المراحل نرقب عدة أشكال وطرق للانتقال السياسي قام فيها الجيش بدورٍ ما، إما بصورة ظاهرة، وإما بصورة خفية.

.  أ الاستعانة الظرفية بالسياسي

يمكن أن نصطلح على الفترة بعد 19 آذار/ مارس 1962 بفترة الانتقال السياسي الأولى في تاريخ الجزائر؛ وفيها تخرج البلاد من مرحلة النظام الكولونيالي إلى مرحلة الدولة الوطنية. ولعلّه من الموجب للعبرة أن تكون هذه اللحظة الانتقالية لحظة أزمة، فقد اصطلح عليها البعض ب "أزمة صائفة 1962"؛ لأنّه لم تجْر فيها عملية نقل سلس للسلطة بين الهيئات التي واكبت الثورة والهيئات التي كانت ستضطلع بهذا الدور لاحقًا. كان الجيش يطمح إلى القيام بدورٍ في هذه المرحلة، ولأنّه لم يكن قادرًا على استلام زمام السلطة بمفرده لعوامل تاريخية وظرفية، ترجع بالأساس إلى صغر سن قياداته، وعدم انتمائهم إلى القادة الأوائل من مؤسسي جبهة التحرير؛ إذ لم تكن لهم الشرعية التاريخية اللازمة التي تخوّل لهم استلام السلطة36، يتحالف مع العنصر السياسي والمدني، ويوظفه بذكاء في خطة استيلائه على السلطة السياسية للتفرغ لإدارتها بمفرده حينما تحين الفرصة. هكذا إذًا قرر الجيش بزعامة قائده الاحتماء ببُ نس الزعيم بن بلة لما له من رمزية تاريخية وشرعية ثورية، وتشكيل تحالف مدني - عسكري مكّنه من السيطرة على مقاليد الحكم37. كان على الجيش، كما يقول حربي، أن يتفاهم مع الشرائح المدينية لأنّه لم يكن منظمً بعد ليضطلع وحده بالسلطة، ولكن في الوقت ذاته يقاتل في داخل هذه الشرائح كلّ من لا يقبلون بهيمنته38. إنّ الجيش بهذه المسلكية يجدد العمل بهذه القاعدة التي وظّفها قبله جيش التحرير الذي تحالف "عام 1956 مع قوى مدنية لأسباب ظرفية تتعلق بعجزه عن أن يضمن وحده كامل السلطة، لكن ما إن اعترضت تلك القوى على دوره كعامل السلطة الرئيس عمد إلى تصفيتها كما يشهد على ذلك إخفاق عبان"39. ويخلص محمد حربي إلى نتيجة هي بمنزلة القاعدة التي حكمت سلوك الجيش، مفادها

  1. حربي، ص.20
  2. مسلم بابا عربي، "المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في الجزائر"، مجلة
  3. Yefsah, p.80.
  4. صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر الصيداوي،، ص.39
  5. تسمى هذه العصبية بمجموعة وجدة أو مجموعة تلمسان التي كان على رأسها بن بلة وهيئة الأركان والولايات الأولى والخامسة والسادسة، مدعومةً ببعض العناصر السياسية مثل محمد خيضر وعباس فرحات وأحمد فرنسيس. 38 حربي، ص.266
  6. علوم إنسانية الإلكترونية، عدد 35 (خريف 2007)، ص.4
  7. المرجع نفسه، ص.305

إنّه لم يتم يومًا استبعاد التحالف مع القوى المدنية، لكن جرى إخضاع هذا التحالف دائمًا لمبدأ رجحان جانب الجيش40. إنّ الجيش الجزائري ارتبط منذ تلك اللحظة ارتباطًا وثيقًا بالسلطة السياسية، فعلاوةً على أنّه محرّكها الأساسي بمعية بعض السياسيين والمدنيين الذين تحالف معهم ظرفيًا، تحوّل إلى المالك الأساسي لهذه السلطة السياسية41، حين استقلّ بإدارة القرار السياسي بعد حين.

.  ب التوسّ ل بالعنف

لم يلامس مارتيناز مسألة دور الجيش بدقة؛ بحيث لم تكن بؤرة لبحثه لأنّه كان منشغلً بمحاولة تفسير الميكانيزمات التي تحكم ظاهرة العنف السياسي، وتعيد تشغيلها في السياق الجزائري ضمن ما سمّ ه ب "الحرب الأهلية"، لكنه وُفّق، برأينا، في شرح العنف بوصفه ميكانيزمًا يجري تشغيله لتحقيق الارتقاء، وإشباع طموح النخب الفاعلة في القبض على مصادر الوجاهة والسيطرة. ونجد هذا الميكانيزم حاضرًا بقوة في تجربة الانتقال السياسي في الجزائر عشية وقف إطلاق النار. وقد جرى تشغيله عبر جيش الحدود عندما استولى على السلطة موظفًا في ذلك موارده الرمزية والمادية، وسقط بضع مئات من الجزائريين ضحايا للعنف الجزئي الذي جرى استخدامه في حصاره للعاصمة، وصراعه مع قوات الولاية الرابعة التي رفضت قيادتها التجاوب مع ما عدّته انقلابًا على الهيئات الشرعية للثورة42. إنّ التداول على السلطة في الجزائر الحديثة تميّز منذ البداية بطابعه العنيف الذي ارتبط أساسًا بقوة نخبة السلطة العسكرية43. وهو مبدأ جرى تشغيله والاحتكام إليه في لحظات تاريخية عديدة؛ فعندما تحسّ النخبة العسكرية التي هيمنت على السلطة جزئيًا عقب الاستقلال، ثم كليًا بعد انقلاب 1965، بأنّ مصالحها مهددة، تشغّل آليات الضبط للحفاظ على التوازن لمصلحتها.

.  ج احتكار الشرعية التاريخية وتوظيفها

برّر كل الذين تداولوا على الحكم في الجزائر إلى اليوم ذلك بالشرعية الثورية والتاريخية. ولا يزال جيل الثورة يرى نفسه على الرغم من مرور خمسة عقود على الاستقلال، بمنزلة الوصيّ على هذه الدولة. ولا تشذّ المؤسسة العسكرية عن هذه القاعدة؛ بحيث ترسَّخ لديها اعتقاد بأنّها يجب أن تكون المالك الوحيد للدولة، وممثل الشرعية الأحق بتسيير شؤونها. وتجد هذه الشرعية التاريخية والثورية تبريرها في المشاركة الفعلية والمسلحة في الثورة التحريرية. بيد أنّ هذا المنحى تعرّض لنقد شديد من بعض الباحثين لما رأوه مبالغةً غير مبررة في ربط هذه الشرعية وقصرها حصرًا على النضال المسلح؛ بحيث جرى التركيز، كما يقول لونيسي، "على فكرة أن الجيش هو الذي حرّر البلاد، دون أي تمييز بين جيش الداخل الذي اكتوى بنار الحرب ودفع الثمن غاليًا، وجيش الحدود الذي كانت قياداته تناور للاستفادة من تضحيات جيش الداخل." ويرى لونيسي أنّ هذا المسعى الهادف لإعطاء قيادات هذا الجيش الذي تولّ مقاليد السلطة بعد الاستقلال شرعية تاريخية "رسّخ في أذهان الجزائريين عمومًا بأنّ هذا الجيش هو سليل جيش التحرير الوطني، وأنّه حرّر البلاد بالعمل المسلح من دون أن يميز بين الدور الكبير وتضحيات مجاهدي الداخل.. وجيش الحدود الذي لم يعرف كثير من أعضائه حرب التحرير"44. هذا إذا ضربنا صفحًا عن مسعى كثير من هؤلاء الأعضاء بخاصة من الفارين من الجيش الفرنسي الذين كان هدفهم واضحًا منذ البداية في اتجاه النفاذ إلى مؤسسات الثورة، وبخاصة مؤسسة الجيش. وعندما فشلت محاولتهم مع كريم بلقاسم الوزير المسؤول عن الجيش، اتجهوا لعرض خدماتهم إلى المسؤول الجديد الذي نصّب رئيسًا لهيئة الأركان العامة؛ بحيث منحهم امتياز النفاذ إلى مراكز متقدمة في مختلف مصالح جيش الحدود، ومنحهم بذلك الغطاء والشرعية التي كانوا يبحثون عنها لينفذوا بالتدريج عبر الترقيات إلى مناصب قيادية متقدمة في الجيش الوطني الشعبي مستقبل45، مقابل مشاركتهم في تسهيل السيطرة على السلطة لمصلحة التحالف البنبلي. أمّا فرنسوا جيز فيرى أنّ مصادرة الشرعية من جانب أقلية متحكمة ستطبع بعمق الجزائر المستقلة؛ إذ عمد "التاريخ الرسمي" إلى محو أي دور قام به الفعل والنشاط السياسي في تحرير الجزائر وإخفائه كليًا، قاصرًا إياه حصرًا على النضال الثوري المسلح46. منذ تلك الفترة ترسّخ الحكم نهائيًا في أيدي العسكر. وأصبحت الثقافة العسكرية مهيمنةً على الجزائر؛ وذلك بعد أن عدّت إرثًا وطنيًا ومكسبًا تاريخيًا47، ويجري تشغيل مقولات وتوظيفها؛ من

  1. المرجع نفسه.
  2. Yefsah, p. 80.
  3. مذكرات الرائد سي لخضر بورقعة، شاهد على اغتيال ثورة انظر: لخضر بورقعة،، ط 2
  4. قيرة "وآخرون"، ص.92
  5. رابح لونيسي، "علاقة العسكري بالسياسي في تاريخ الجزائر المعاصرة"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 29 (يناير 2011)، ص 69، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2j4ByQq.
  6. Brahimi, pp. 59 - 76. 46  Gèze, p. 177.
  7. (الجزائر: دار الحكمة، 2000)، ص 152-121؛ حربي، ص 302 - .304
  8. صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر الصيداوي،، ص.45

قبيل "الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني"، ويجري استغلال رمزية الثورة وتوظيفها للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.

.  د حراسة الثورة وتصحيح مسارها

أصبح الجيش المؤسسة الأكثر قوةً واقتدارًا في البلاد التي تحوّلت بمرور الوقت إلى المؤسسة الراعية والمؤتمنة على سيادة البلاد48. وتوخّت المنوال السابق الذي أقصت به خصومها من السياسيين والقادة التاريخيين في صيف 1962 لتقصي أول رئيس مدني (بن بلة) ويتولى الجيش إدارة شؤون البلاد بصلاحيات كاملة بدل البقاء خلف الواجهة، مكرّسًا بذلك أسلوب الانقلابات العسكرية تقليدًا سيئًا في تاريخ الجزائر المستقلة، طبع عمليات التغيير السياسي في الجزائر منذئذ، تحت شعارات "التصحيح الثوري" ومسمياته. ومنذ تلك الفترة يجري تبرير الإجراءات الاستثنائية والعقابية والانقلابية، بمقولات شعبوية؛ كمقولة "الحفاظ على وحدة الصف"، و"المصلحة العليا للبلاد"، و"تطهير الصفوف"، و"الوفاء للخط الأصيل للثورة"، و"حماية المسار الديمقراطي"، وغيرها. ومثلما يقول الباحث بابا عربي، فإنّ "الجيش حامل المشروعية الثورية يبقى على استعداد للقيام بمهام استثنائية، قد لا تدخل بالضرورة في نطاق مهامه الدستورية لكنها تنبع من تقدير وفهم قيادته لواقع الأمور وتفسيرها الخاص لحدود دورها في الدولة"49.

ه.  منع إرساء إطار سياسي للمعارضة

جرى شطب كل تعدد سياسي ومنعه من النشاط، بحجة الأحادية الحزبية، ليبقى الجيش القوة السياسية الأساسية والوحيدة في البلاد. وهكذا مُسحت تقاليد عقود من النشاط السياسي التعددي خبرها الجزائريون في ظل الإدارة الفرنسية. وتمّ تهميش حزب جبهة التحرير الوطني الذي عُدّ الحزب الطليعي في البلاد، بخاصة بعد انقلاب 1965 وتحويله إلى امتداد سياسي للجيش، وإلى جهاز ينظم الحملات الدعائية لمصلحة سياسات قائده واختياراته، بينما تحوّل الأمن العسكري إلى نظام سياسي حقيقي يشتغل ميدانيًا كمنظمة لتأطير قطاعات النشاط في البلد50، ويراقب الجميع. وباستناده إلى تراث الثورة وذاكرتها، حيث يثير التعدد حساسية مستديمةً تأبى الاعتراف بالمختلف السياسي، يبرز الجيش في هذه المرحلة كما يقول عدي الهواري بوصفه روح الأمة والوصي على الدولة. وبمعارضته ترسيم أحزاب أصبح حزب الأمة الملتزم بالدفاع عنها ضد أعداء الداخل والخارج51.

شمل هذا المنع والإغلاق للمجال السياسي كل الأحزاب التي أسسها آباء الثورة الذي اختلفوا مع نظام بن بلة - بومدين. وتكرّس هذا المنع لاحقًا بشكل مبرم. لقد أصبحت الدولة، مثلما يقول حربي "الحائل دون إرساء إطار سياسي؛ بحيث يكون في وسع التيارات الاجتماعية والأيديولوجية أن تعبّ عن نفسها مباشرة"ً52. إضافةً إلى ما سبق الحديث عنه، يشدّد بعض الباحثين على جملة من الأدوار التي مارسها الجيش خلال هذه المرحلة، بالاستناد إلى النصوص القانونية والدستورية التي جرى فيها التنصيص على ما ينبغي أن تضطلع به هذه المؤسسة وبالاستناد أيضًا إلى تحليل تجربتها وممارساتها الميدانية خلال مختلف مراحل تطور البلاد. ومن هذه الأدوار، نذكر: الدفاع الوطني: هي المهمة الدستورية الأولى للجيش كما نص عليها دستور 1976، والمحافظة على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد وسيادتها وحرمتها الترابية، وحماية مجالها الإقليمي البري والجوي ومختلف مناطق أملاكها البحرية كما نص عليه دستور 1989، وكما أكده دستور.1996 المساهمة في التنمية: بموجب دستور 1963 أصبح الجيش الوطني الشعبي أداةً للثورة مكلّفة بالإسهام في تنمية البلاد، والمشاركة في مختلف مناحي النشاط الاجتماعي والاقتصادي53. ولعل المساهمات الكبيرة للجيش في عمليات تحديث المجتمع

  1. Aziz Enhaili & Oumelkheir Adda, "État & Islamisme au Maghreb," MERIA , vol. 7, no. 1 (March 2003), accessed on 25/1/2017, at: http://bit.
  2. بابا عربي، ص.2
  3. 53 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 1963، المادة: 8؛ المادة:.82
  4. ly/2j4E894.
  5. حربي، ص.305
  6. 50  Yefsah, pp. 83 - 84. 51  Gèze, p. 178.

كانت مصدرًا آخر لتحقيق مزيد من المشروعية؛ بحيث تم إشراكه في الورشات الكبرى التي أطلقها النظام السياسي في الستينيات والسبعينيات. وخلال الأعوام من 1962 إلى 1978 لم يكن الجيش على الرغم من تنظيمه ومركزيته كتلةً صماء لا تقبل التغيير، بل عرف عديد التغييرات وحتى بعض الصدمات والتصفيات التي يفسرها البعض على أنّها صراع حول مراكز النفوذ داخله أو للاستئثار بمطلق السلطة كما هي الحال بالنسبة إلى قائده. وكما يؤكد رياض الصيداوي54، شهد الجيش خلال هذه المدة تحولات عميقةً يأتي على رأسها مغادرة كثير من ضباط جيش التحرير صفوفه، وفي مقابل ذلك تواصل نفاذ الضباط الفارين من الجيش الفرنسي؛ بحيث احتلوا فيه مراكز القيادة، ودافع بومدين عنهم من قبْل حين ارتفعت أصوات المجتمعين في مؤتمر جبهة التحرير عام 1964 مطالبة إياه بتطهير الجيش55، بموجب افتقاد الجيش إطارات في مستواهم، وأكّد أنّ مهمة هؤلاء الضباط هي تقنية بالأساس، وأنّه لا يرى فرقًا بين موزع بريد أو موظف أو ضابط عمل مع فرنسا. في هذه المرحلة، حصلت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها قائد أركان الجيش العقيد الطاهر زبيري في كانون الأول/ ديسمبر 1967. لكن، كما يرى البعض، أعطى هذا الحادث فرصةً لمصالح الأمن العسكري لكي تتقوى وتصبح ركيزةً أساسيةً ينهض عليها النظام البومديني؛ وتقوم بدور متزايد في المجال السياسي، وفي تصفية الخصوم ومواجهة حركات المعارضة56، ومراقبة المجتمع عامة.ً وعلى الرغم من محاولة تقنين الدور السياسي للجيش الذي عُد بموجب نصوص ميثاق ودستور 1976 جزءًا من نظام شمولي يضم جبهة التحرير والمنظمات الجماهيرية57، لم يمنع هذا أن يبقى الجيش سيد المشهد على الرغم من محاولات بومدين أن يظهر نظامه بمظهر الشرعية المؤسساتية بعد أن قام بتنظيم انتخابات بلدية وولائية ورئاسية ثم تشريعية. كما أسهمت هذه المرحلة، بخاصة مع ارتفاع عائدات الريع النفطي، في إفراز ما سماه محمد حربي بيروقراطية الدولة58، بحيث حصل تزاوج بين المدني بالعسكري، وسمح التواطؤ بين الجانبين عبر مختلف هياكل الدولة (علاقات شخصية، وعائلية، وقبلية، وتزاوج سياسي، وفساد) بولادة بورجوازية طفيلية أكثر منها إنتاجية59. وعندما أزف موعد الانتقال السياسي الثاني في تاريخ الجزائر بعد وفاة بومدين، كان الجيش في الموعد مرةً أخرى ليضع على رأس الدولة قائد الناحية العسكرية الثانية العقيد الشاذلي بن جديد بوصفه "أقدم ضابط في أعلى رتبة"60. ومرةً أخرى يتأكد حرص مؤسسة الجيش والفاعلين فيها على أن يبقى الجيش سيد اللعبة السياسية والمراقب للدولة عبر منصب الرئيس الذي يجمع في سلطاته رئاسة الحزب والدولة والجيش. خلال الأعوام 1979 - 1988 انسحب الجيش بطريقة حذرة من الساحة، ولكن الأمن العسكري الذي تمت إعادة هيكلته وتنظيمه بقي الذراع التي يدير بها الأمور من بعيد. ولأنّ الرئيس الجديد كان حريصًا على إعادة التوازن بين الجناح العسكري والجناح السياسي، اضطلع بتقوية حزب جبهة التحرير الوطني على غير ما كانت عليه الحال مع سابقه، ولكن دون المساس بموقع الجيش داخله؛ إذ يمثّل الضباط السامون 20 في المئة من أعضاء اللجنة المركزية61. وعمد بن جديد إلى إحداث تغييرات على التركة البومدينية شملت نظام تسيير المؤسسة التنفيذية ليعطي النظام وجهًا جديدًا؛ بحيث استحدث منصب الوزير الأول، وكان ينتظر من المجلس الشعبي الوطني أن يقوم بدور شبيه بذلك الذي تقوم به هذه المؤسسة في النظم البرلمانية؛ أي الرقابة على الحكومة. وبالموازاة مع ذلك أدخل تغييراتٍ واضحةً على هيكلية الجيش، وعلى الهيراركية العسكرية إلى الحد الذي ابتدع فيه رتبة جنرال62، كما عمد إلى إبعاد بعض رموز مراكز القوى داخل الجيش، لجهة دعم مركزه في السلطة. بيد أنّ الوضع الجديد الذي مُنح للحزب لم يمنع بروز صراع خفي بين مؤسسة الجيش والمؤسسة الحزبية في بداية الثمانينيات انتهى بسيطرة الجيش على الحزب مرةً أخرى؛ فتمّ إحداث تغيير في قانونه

  1. صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر الصيداوي،، ص 44،.47
  2. بورقعة، ص.172
  3. مهري، ص 68؛ Yefsah, p. 84.
  4. مهري، ص.68
  5. حربي، ص 309 وما بعدها.
  6. Yefsah, p. 84.
  7. جرى إقرار تولّ بن جديد منصب الرئاسة بعد لقاء جمع عقداء الجيش (لأنّ رتبة جنرال لم تنشأ في هرمية الجيش إلا بعد 1980) في مدرسة عليا للجيش يرأسها العربي بلخير شارك فيه المديرون المركزيون لوزارة الدفاع وقادة النواحي العسكرية الستة، انظر: Maxime Aït Kaki, "Armée, pouvoir et processus de décision en Algérie," Politique étrangère , vol. 69, no. 2 (2004), pp. 427-439, accessed on 25/1/2017, at: http://bit.ly/2ksJCuu.
  8. صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر الصيداوي،، ص.50
  9. Lahouari Addi, "L'armée, La nation et l'état en Algérie," Algeria-Watch (octobre 2000), accessed on 25/1/2017, at: http://bit.ly/2jRDRDx.

الأساسي بمناورة من العسكريين وفيه تمّ تخويل أمينه العام، أي رئيس الجمهورية، صلاحياتٍ واسعة، وبذلك كما يقول لونيسي عاد الجيش ليتحكم في جهاز الحزب بواسطة الرئيس الذي عيّنه الجيش63. عرف نظام بن جديد هزاتٍ عنيفةًانتهت بأحداث 1988 التي طوت مرحلة الحزب الواحد وأدخلت الجزائر إلى مرحلة التعددية الحزبية. وترجع هذه الهزات لأسباب متعلقة بشخصية الرئيس الجديد؛ إذ لم تكن له الكاريزما التي كانت لسابقه؛ ولعوامل تتعلق بصعوبات كان قد عرفها نموذج التنمية المتبع، بخاصة تدهور منظومة الاقتصاد التابع والمرتهن للريع البترولي الذي عرف انهيارًا سريعًا في السوق الدولية بدءًا من منتصف الثمانينيات. خلال هذه المرحلة، كان قادة الجيش من الفارّين من الجيش الفرنسي يحسّنون مواقعهم ليتولَّوا المناصب الحساسة في تراتبيته العامة، على حساب العناصر المحسوبة على قدماء جيش التحرير، أو تلك التي تلقّت تكوينًا في البلاد العربية. ويشير بعض الباحثين64 إلى الدور الذي قام به العربي بلخير بعد تعيينه في منصب أمين عام الرئاسة، ثم مدير ديوانها، في التمكين لجماعة الفارّين من الجيش الفرنسي من تبوّؤ المناصب الحساسة في مؤسسة الجيش، "لقد حاز ممثل عصبة فرنسا العربي بلخير [كما يسميه عبد الحميد إبراهيمي الوزير الأول السابق في عهد بن جديد] على ثقة الرئيس بن جديد وبالمراكز الإستراتيجية التي شغلها بوصفه أمينًا عامًا للرئاسة بين 1980 و 1984 ثم بين 1989 و 1991 ومدير ديوان رئيس الدولة بين 1984 و 1989 ليضع موضع التنفيذ وبطريقة متأنية ومنهجية ثابتة استراتيجية الاستيلاء على السلطة"65، بموقعة عناصر عصبته في وزارات الدفاع ومصالح الأمن وغيرها من المواقع الحساسة للدولة، وبالتدريج والهدوء اللازميَن.

ها الجيش وسياقات الأزمة وحل: من الانقلاب إلى المصالحة الوطنية

مثّلت حوادث تشرين الأول/ أكتوبر 1988 محطةً فارقةً في تاريخ الجزائر المعاصرة لأنّها أدخلت المجتمع الجزائري في مرحلة التعددية الحزبية والممارسة الديمقراطية، بيد أنّ هذه المرحلة هي أشبه بالمعترضة Parenthèse، لأنّها لم تدم أكثر من ثلاث سنوات انتهت بانقلاب عسكري على السلطة الشرعية بعد الانتخابات التعددية التي فاز فيها الإسلاميون في كانون الأول/ ديسمبر 1991 بنتيجة كاسحة. بعد أن اعتقد البعض أنّ ثورة أكتوبر ستكون فاتحةً لعهد جديد من استرجاع الشعب لسيادته في انتخاب من يمثّله بكلّ ديمقراطية، وانسحاب مؤسسة الجيش للقيام بدورها الذي حدده لها دستور 1989، عاد الجيش المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلطة السياسية منذ الاستقلال إلى الواجهة من جديد وبصورة غير مسبوقة. وبعد أن كان قد أعرب عن حياده السياسي في مرحلة التعددية الحزبية امتثالً لما أملاه الوضع الدستوري الجديد (دستور 1989) من خلال انسحابه الطوعي من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، عاد الجيش ليتدخل في عديد المرات (حزيران/ يونيو 1991، كانون الأول/ ديسمبر.)1991

يمكننا القول مع البعض بأنّ تدخّل الجيش وسقوط مئات القتلى (بمناسبة تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وإضراب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في حزيران/ يونيو 1991) مثّلَ صدمةً كبيرةً؛ إذ لأول مرة على هذا المستوى، ومنذ 1962 يطلق الجيش، ببرودة، الرصاص على الشعب، فاتحًا بذلك ثغرةً جديدةً وعميقةً في أسطورة وحدة الجيش - الأمة66. تمزقت الصورة الأسطورية للجيش التي عمل على ترسيخها طيلة ثلاثة عقود كاملة، لتبدأ مرحلة جديدة من تدخّله السافر في الشأن السياسي عندما دشّنها بانقلاب كانون الثاني/ يناير.1992

الجيش الجزائري في أتون الأزمة السياسية والأمنية

في جوٍ من الترقب والخوف، وعند إعلان نتائج الاقتراع التشريعي، باشرت الصحافة الفرنكوفونية والطبقة السياسية المحسوبة على التيار الديمقراطي حملةً من الدعاية والتحريض ضد الحزب الفائز،

  1. لونيسي، ص 62 - .63
  2. Brahimi, pp. 197-222; Gèze, pp. 183 - 185.
  3. Ibid., p. 198.
  4. Ibid., p. 185.

أعقبها تأسيس ما سُ مي ب "لجنة إنقاذ الجزائر" التي دعت بمعية بعض الأحزاب السياسية PAGS,...(RCD,) إلى تدخّل الجيش بغية الحفاظ على الجمهورية، وإلغاء المسار الانتخابي، لأنّه سيؤدي في حال استكماله إلى الإضرار بالطابع الجمهوري للدولة وتكوين دولة ثيوقراطية. في غضون ذلك كانت النخبة العسكرية قد عقدت اجتماعًا موسعًا لإطاراتها العليا، واتخذت قرارها بإلغاء المسار الانتخابي، والتحضير لاستقالة الرئيس بن جديد67. وبما أنّ سلطة إدارة الدولة تعود دستوريًا إلى رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) الذي أصبح هيئةً منحلةً بقرار رئيس الجمهورية المستقيل، ابتدعت النخبة العسكرية توليفةً "قانونية" و"دستورية" لتسيير المرحلة المتبقية من الولاية الرئاسية، بعد رفض رئيس المجلس الدستوري تولّ إدارة شؤون الدولة بوصفه المخوّل لذلك دستوريًا بعد رئيس البرلمان. وتمثلت هذه التوليفة بهيئة جماعية هي المجلس الأعلى للدولة الذي انبثق عن مداولات المجلس الأعلى للأمن68؛ أ يوم 14 كانون الثاني/ يناير 1992 سندت رئاسته للشخصية التاريخية محمد بوضياف بعد استقدامه من منفاه في المملكة المغربية، وعضوية أربعة أعضاء آخرين. إنّ هذا الاستدعاء والتوسل بالجيش من طرف بعض السياسيين والقوى المدنية، إذا ضربنا صفحًا عن الرأي القائل بأنّ كثيرًا منهم يمثّل أذرعًا مدنيةً لأجهزة المخابرات69، لإعادة توجيه المشهد السياسي، يؤكدان من جديد قاعدةً ظلت تحكم سلوك المؤسسة العسكرية في الجزائر في مراحل الانتقال، وهي التحالف مع بعض المدنيين؛ أو بالأحرى استخدامهم وتوظيفهم لجهة إقرار وضعٍ تحافظ فيه هذه المؤسسة على رجحان خياراتها، وعلى وضعها بوصفها "المؤسسة فوق المؤسسات." كما تبيّ من جهة أخرى هشاشة الطبقة السياسية وتشظّيها، وهي وضعية لم يستفد منها تاريخيًا سوى الطرف العسكري، ليعيد توظيفها لجهة بقائه حكمً أعلى أو سيدًا مطلقًا لكلّ الوضعيات. كما تؤكد قراءة المشهد المتشكّل عقب الانقلاب تشبّث النخبة العسكرية بغطاء "الشرعية التاريخية" لتسويغ خياراتها وإعطائها المشروعية اللازمة، لذا يدخل استنجادها بمحمد بوضياف (ثم علي كافي فيما بعد) وهو أحد الوجوه التاريخية لثورة التحرير، ووضعه على رأس المجلس الأعلى للدولة، ضمن هذا السياق، تمامًا مثلما جرت الاستعانة ببن بلّة عشية الاستقلال لوصول الجيش إلى السلطة ولو بطريقة جزئية. بعد أكثر من ثلاثين عامًا، يعاود قادة الجيش تكرار السيناريو نفسه لتبرير بقائهم فاعلين، ولكن من خلف حجاب؛ أي من خلف واجهة سياسية ومدنية، ستكون أكثر فاعليةً إذا كانت تحوز "صك" المشروعية التاريخية والثورية. لقد رافق الترتيبات "القانونية" التي أقرّها الانقلابيون استقطاب حادّ داخل الطبقة السياسية وداخل صفوف أنصار الحزب الفائز. لكن التطويق الأمني الذي باشره الجيش، بخاصة بعد إعلان حالة الطوارئ في شباط/ فبراير 1992 أحبط كلّ التحركات الشعبية (تظاهرات، ومسيرات)..، وانتهى بعشرات منهم في السجون والمعتقلات؛ وباءت كل أشكال النشاط السياسي السلمي الأخرى (الاتصال السياسي، والبيانات، والتنسيق الحزبي الداخلي، والوفد البرلماني،)... بالفشل الذريع. وبدأت فصول الأزمة السياسية تتعقد بعدما شملت الاعتقالات قياديي الحزب الفائز ومنتخبيه ومناضليه، ثم حلّ الحزب، وحل المجالس البلدية والولائية المنتخبة، وإقرار مجموعة من الترتيبات الأخرى (إنشاء مجلس استشاري وطني، وتعويض المجالس المحلية المنتخبة بمندوبيات معينة.) عندئذ، كانت الفعاليات الجهادية التي تكوَّنَ بعضها في مرحلة سابقة لتأسيس جبهة الإنقاذ نفسها، قد بدأت تنشط على الأرض، لإعلان حربها على النظام، بعدما استقر في قناعاتها عدم جدوى التغيير عبر المسارَين السياسي والانتخابي.

سياسة الاستئصال والكل الأمني

وإخفاقاتها: من الأزمة الانتخابية والسياسية

إلى الأزمة الأمنية

في لقاء مع قناة Canal+() الفرنسية صرّح علي هارون عضو المجلس الأعلى للدولة بأنّ انقلاب 1992 هو عمل غير ديمقراطي لكنّه لمصلحة الديمقراطية. بيد أنّ واقع الحال والسياسات التي جرى اعتمادها على الأرض منذ إعلان الاستقالة الرئاسية كانت تنحو في اتجاه خلق وضع أكثر راديكاليةً. بالفعل، فقد أ خلي المكان بالتدريج لآليات الاستبعاد والنزاع المسلح، والعنف، والعنف المضاد الذي ما انفكت وتائره تتصاعد كمً وكيفًا خلال عقد التسعينيات. وخلال السنتين اللاحقتين

  1. جرى بثّها من مقر المجلس الدستوري عبر التلفزيون الوطني يوم 11 كانون الثاني/ يناير 1992، ولمزيد التفاصيل حول الأوضاع التي سبقت التحضير لإلغاء المسار الانتخابي، واجتماعات القيادات العسكرية، انظر: Mohammed Samraoui, Chronique des années de sang Algérie: comment les services secrets ont manipulé les groupes islamistes (Paris: Éditions Denoël, 2003), pp. 127 - 140.
  2. المجلس الأعلى للأمن هو هيئة دستورية يرأسها رئيس الجمهورية وتتكوّن من عضوية رئيس الحكومة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والاقتصاد والعدل ورئيس أركان الجيش الشعبي الوطني.
  3. Samraoui, p. 129; Aït Kaki, p. 435.

1995-1994()، وصلت معدلات العنف إلى عتباتها القصوى، ودخلت البلاد في حربٍ أهلية حقيقية؛ فقد أدّت سياسة الاستئصال والكل الأمني والكلّ القمعي التي اعتمدها النظام الموجّه من طرف النخبة العسكرية أسلوبًا في المواجهة المبرمة للجماعات المسلحة، إلى ظهور شرخ في المجتمع الجزائري امّحى معه كلّ فضاء وسط، وأرغم كل واحد من المواطنين على تحديد موقعٍ لنفسه بين معسكر الجيش ومعسكر الإسلاميين70. وفي المقابل، سلكت الجماعات الإرهابية إستراتيجياتٍ جديدةً تقوم على إنهاك الخصم وإلحاق أكبر الأضرار الممكنة به. ثم عمدت في مرحلة لاحقة إلى توجيه عنفها ليشمل إضافةً إلى رجال الشرطة والدرك والعسكريين المثقفين وأساتذة الجامعات والأطباء والصحفيين، ثم الرعايا الأجانب. ثم جرى الانتقال إلى أسلوبٍ يحتكم إلى منطق يمكن تسميته ب "الرعب غير المفهوم " ممثلً في المجازر الجماعية التي ذهب ضحيتها مئات المدنيين غير المعنيين بالمواجهة المسلحة. وهو ما أفقدها حضورها الشعبي، وأدى إلى ازدياد منسوب معاداتها من جانب كثير من الشرائح والطبقات المتوسطة والبرجوازية الصغيرة التي بقيت إلى فترة قريبة مصدرًا مهمً للضرائب المالية؛ إذ هربًا من الابتزاز المالي الواقع عليها من هذه الجماعات، اضطرت في الأخير إلى ترك أحيائها أو البدء في التقرب من النظام71. خلال السنتين اللتين أعقبتا الانقلاب، كان رجحان كفة الحرب لمصلحة الجماعات المسلحة التي أصبحت مقتنعةً بأنّ نصرها بات قريبًا. في المقابل طوّر الجيش إستراتيجياته وقدراته القتالية، واستحدث هيئات متخصصةً في تنسيق مكافحة الإرهاب، وأنشأ قواتٍ رسميةً وشعبية جديدةً للتصدي له (مجموعات الحرس البلدي، وقوات الدفاع الذاتي الشعبية، وتسليح السكان المدنيين)، وأصبح أقدر على التحكم في زمام المعركة. لكن سياسة "توازن الرعب ونقله إلى المعسكر الآخر " إستراتيجية جرى العمل بها في فترة رئاسة رضا مالك للحكومة، حققت بعض المكاسب للمؤسسة الأمنية، لكنها لم تحسم المعركة لمصلحتها؛ فالإرهاب الذي كان يجري التبشير الرسمي في كل مرة بأنّه في آخر أيامه، كان يُحدث خسائرَ ضخمةً في صفوف المدنيين عبر "المجازر الجماعية" التي باتت تتكرر، بما أثبت أنّ المواجهة الأمنية الصرفة قاصرة عن تحقيق الأمن، وهو ما عرّض الجيش لحملة دولية لثنيه عن مواصلة هذه السياسة72.

33 الرئيس الجنرال زروال ومسارات التسوية

على الرغم من محاولة النخبة العسكرية التستر وراء واجهة مدنية جرى ابتداعها، وجهدوا لإعطائها طابع المشروعية القانونية هي المجلس الأعلى للدولة، كانت الممارسة الميدانية والتوجّه الحقيقي للسياسات والإستراتيجيات المتبعة بوحيٍ من المتحكمين في زمام المبادرة الذين اصطلح عليهم في تلك الفترة بأصحاب القرار. هذا ما أكّده بلعيد عبد السلام نفسه، وهو رئيس الحكومة الأولى بعد الانقلاب، حين صرّح بأنّ قبوله قيادة الحكومة كان التزامًا إزاء الجيش، وأنّ واقع السلطة وقراراتها كانت تتم على مستوى قيادة هذا الجيش؛ ولم يكن المجلس الأعلى للدولة برأيه، وبخاصة بعد اغتيال بوضياف سوى "غرفة تسجيل وجهاز للصدور الرسمي لقرارات متخذة في مكان آخر. ثم إنّ الرئيس علي كافي ذاته قال لي [يقول بلعيد عبد السلام] في العديد من لقاءاتنا، أنه وأنا لم نكن إلا "خضرة فوق عشا"[...]، من ناحية حيازة السلطة الفعلية وممارستها."73 ويقول بطريقة أكثر وضوحًا إنّ "جميع المبادرات لم يكن لها في الواقع مصدر آخر غير حاشية وزير الدفاع؛ أي القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي التي كانت في نهاية الأمر هي مصدر القرارات المتصلة بمصير البلاد في تلك المرحلة العصيبة"74. احتكمت هذه الطريقة التي اشتغل بها الجيش في تسييره للأزمات والتي يشرحها بلعيد عبد السلام، لما سمّ ه بعض الباحثين بنظرية "الطوق العازل" أو "القوابس والقواطع الكهربائية75"؛ أو "كاظم الصدمات." إنّ الجيش لا يظهر بمقتضاها بطريقة مباشرة، وإنما يدير الوضع عبر واجهات مدنية يختفي وراءها، وقد كان الرؤساء منذ بن بلة ثم بن جديد وبوضياف وكافي، ومختلف رؤساء الحكومات (غزالي، وبلعيد، ومالك).. قوابس يجري "حرقها" بهذه الكيفية أو تلك ليبقى الجهاز الخفيّ بعيدًا عن الاحتراق. وعندما لم تفلح هذه الأطواق العازلة (الواجهات المدنية) التي جرى تنصيبها بعد الانقلاب، راهنت النخبة العسكرية على شخص الجنرال اليامين زروال العائد من التقاعد، لتدفع به وزيرًا للدفاع. ثم بدعم وتأييد واضحين منها تحوّل إلى رئيس الدولة بعد ندوة الوفاق الوطني التي أعقبت انتهاء عهدة المجلس الأعلى للدولة؛ ثم إلى رئيس للجمهورية بعد انتخابات 1995 ليقود بالتدريج مسار حل الأزمة، قبل أن يتم استخدامه هو الآخر طوقًا عازلً ب "فترة صلاحية معينة"، ثم التخلص منه واستبداله بمن يقوم بالمهمة بطريقة أفضل، ويحفظ للمؤسسة العسكرية وجاهتها.

  1. محمد مداوي، "الدولة والجيش والعنف في الجزائر"، في: فرانسوا كليمنصو وآخرون، الجماعات الإسلامية المسلحة، ترجمة عبد الرحيم حزل (بيروت/ المغرب: أفريقيا الشرق،
  2. المرجع نفسه، ص.43
  3. عبد النور منصوري، "المصالحة الوطنية في الجزائر من منظور الأمن الإنساني"، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2009 - 2010،
  4. 2003)، ص.39
  5. المرجع نفسه، ص.58 75 قيرة وآخرون، ص 98 - .99
  6. ص.120 73 مذكرات رئيس الحكومة الجزائري السابق انظر: بلعيد عبد السلام،، كما نشرتها جريدة الشروق مترجمةً عن المذكرات الأصلية، ص 25، 26، 58، 62، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2ji4xeJ

.  أ قانون الرحمة ثغرة في الطريق المسدود

إذا كانت الفترة الأولى من الأزمة هي فترة تسيير النزاع السياسي والأمني المندلق بسبب الأزمة الانتخابية، فإنّ المرحلة اللاحقة كانت مجالً لتعقّد هذا الصراع وخطورة تداعياته؛ بحيث بقي كل طرف مصمّمً على إنهاء الآخر بقوة العنف والسلاح، وعزّز هذا الوضع متطرفون في كلا الجانبين؛ التيار الاستئصالي في معسكر السلطة، قبالة أمراء الحرب وجماعات الإرهاب المتطرف الذين كانوا يسعون لتأسيس دولة إسلامية ولو على جماجم الجزائريين. كما عزّز هذا الوضع أنّ كلّ طرف من هذه الأطراف كان يتغذى "من نفس الميراث النفسي والتاريخي والاجتماعي المؤسس على الهيام بالحرية، والاعتداد بالنفس، والتمرد على الضبط الاجتماعي القسري، وعلى شحنات ليست يسيرة من روح تغنّانت أو العناد الحاد، ورفض الحقرة، وسرعة الانفعال وحدّته، والاعتداد غير العادي بالأبعاد المادية للبطولة والفحولة"76. وهو مخزون جرى استرجاعه وتوظيفه، ما أطال عمر الأزمة وعمّق آثارها المأساوية. يقول الصيداوي "إنّ ثقافة الكفاح التي اكتسبها الجزائريون أثناء حرب التحرير الوطني)1962-1954(تميزت بتمجيد البطولة وتثمين مفهوم الشهادة و"الصعود إلى الجبل" احتجاجًا على جور المستعمر وظلمه، [سيعاد استرجاعها من طرف إسلاميي الإنقاذ بالعودة] إلى هذا المخزون الجماعي الحي في ذاكرة الجزائريين ليعيدوا إحياءه لدى مجموعة من الناس مستخدمين خطابًا تعبويًا يطابق بين المستعمر بالأمس وقادة الجيش اليوم الذين يوصفون ب 'حزب فرنسا"'77. ولكن لم ينهر النظام. ولم تنتصر الجماعات المسلحة. غير أنّ الوضع آل إلى مزيد من هدر الإمكان الحضاري والمادي والسيكولوجي للمجتمع، وإلى تضعضعٍ في مكانة الجزائر وانغلاقها على نفسها في ظل شبه مقاطعة دولية. وأمام ما بدا أنّه حرب أهلية كانت تتسع، كان الشعور بالعجز واضحًا تجاه العنف الناجم عنها وخروجه عن السيطرة؛ عنف بدت السلطة غير قادرة على إحلال السلم المدني بديلً منه. أمام هذه الوضعية، كانت تنطلق بعض المبادرات الحوارية، ثم سرعان ما تنتهي بنتائج لا ترقى إلى مستوى إيجاد حلٍ مبرم للأزمة المتصاعدة. ومن أهم تلك المبادرات مسعى الوفاق الوطني الذي أشرف عليه الرئيس زروال مع قيادة جبهة الإنقاذ، والذي استغرق سنةً كاملةً لم يسفر فيها عن تقدّمٍ في اتجاه الحلّ؛ وانتهى هذا المسار في صائفة 1995 بإعلان الرئيس نفسه غلق ملف الحوار، وملف الجبهة وعدّه ملفًا مطويًا. خلال تلك الفترة أعلن الرئيس اليامين زروال (في شباط/ فبراير)1995 عن سلسلة تدابير تتيح للمسلحين العودة إلى أحضان المجتمع، ونبذ العمل المسلح، وتسليم أنفسهم للجيش في مقابل تخفيف العقوبات الصادرة ضدهم، اصطلح عليها ب "قانون الرحمة"78. لكن هذا القانون على الرغم من أنّه كان ثغرةً في الطريق المسدود، وفتح مجالً لإمكانية وجود خط رجعة للذين انتهى بهم الأمر إلى العمل المسلح، لم يكن يسعى إلى تحويل النزاع القائم من مستواه الأمني إلى مستواه السياسي، ومعالجة الأسباب العميقة والحقيقية للأزمة، بل اكتفى بالمحافظة على مقاربة أمنية تعالج بعض أعراض الأزمة وليس أسبابها. ويفسر ذلك هيمنة الجناح الاستئصالي في الجيش الذي كان يعتقد حتى تلك اللحظة بإمكانية القضاء على الإرهاب باستعمال القوة وحدها. ما جعل نتائج "قانون الرحمة" ضعيفةً، وإن أقنعت بعض المسلحين بالتراجع عن النشاط المسلح79. مهما يكن، فإنّ تدابير الرحمة تعدّ مبادرة التسامح الأولى التي تم تبنّيها، حتى وإن كانت "تقع ضمن إطار التوبة والعفو الذي يتبناه معظم التشريعات لمن تخلّ عن الجريمة وساعد على الكشف عنها؛ أي إنّها إطار ضيق جدًا من سياسة تعتمد على تشديد العقوبات في مواجهة الجريمة الإرهابية"80، ولم تتجه إلى ما يسميه رجال القانون نحو المصالحة التي تبحث في سبلٍ وإجراءاتٍ بديلة، غير العقاب، وهي إجراءات العفو والتسامح. مع إقرار هذه الإجراءات اتجهت السلطة إلى اتباع إستراتيجيتين متوازيتين؛ تقوم الأولى على الاستمرار في محاربة الإرهاب بكل حزم، أما الثانية فتسعى إلى إعادة بناء "الصرح المؤسساتي" وتنصيب مؤسسات منتخبة؛ بحيث تمّ تنظيم انتخابات رئاسية تعددية أعيد فيها انتخاب الرئيس زروال في نيسان/ أبريل 1995، ثم أجريت انتخابات تشريعية عام 1997 شارك فيها مختلف الأحزاب السياسية.

ب  .مسار التفاوض مع المسلحين أو إعلان الهدنة ودور الجيش

عدّت المكاسب المحققة في مجال إعادة تأهيل واجهات النظام السياسية عبر الانتخابات مؤشرًا على بداية نهاية الأزمة، ومنحت له بعض الشرعية الشعبية المفقودة، وأخرجته من أزمة الفراغ الدستوري الذي عاشته البلاد منذ استقالة الرئيس بن جديد. أما في الجبال

  1. إطلالة على تجربة جماعة البناء الحضاري الإسلامية الطيب برغوث،، طبعة تجريبية
  2. رياض الصيداوي، "صراع العسكر والإسلاميين في الجزائر: من العجز إلى الانتصار"، 2009/4/7، مدونة الكاتب الإلكترونية، في: http://bit.ly/2kmgbY0
  3. صدر بناءً على الأمر رقم 12 / 95 المؤرخ في 25 شباط/ فبراير.1995 79 يذكر بعض المصادر أنّ مجموع من استجابوا لقانون الرحمة لا يتجاوز 500 مسلح.
  4. (الجزائر: د.ن، د.ت)، ص.169
  5. باخالد عبد الرزاق، "المصالحة الوطنية في ظل السياسة الجنائية"، مذكرة ماجستير في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم القانونية، جامعة منتوري - قسنطينة، 2009 / 2010، ص.54

فأدّى بعض الأعمال الإرهابية إلى انقسامات وصراعات في صفوف الجماعات المسلحة، انتهت في الأخير إلى إضعافها وإفقادها سندها الشعبي، في مقابل ذلك أصبح الجيش أكثر اقتدارًا وتأهيلً في حربه ضد هذه الجماعات، وبات يحقق انتصاراتٍ واضحةً على الأرض. لكن رجحان الخيار التفاوضي أملته برأينا عدة عوامل؛ فجنوح الجيش إلى هذا الخيار لم يتأتّ من ضعفٍ كان بدأ يلحق هذه الجماعات على صعيد وحدتها التنظيمية و/ أو فاعليتها الميدانية فقد بقيت هذه الجماعات تمارس ما سماه البعض "العنف غير المفهوم"، وازدادت حصيلة المجازر المروعة التي باتت ترتكبها في كل مكان، بخاصة في أماكن قريبة من ثكنات الجيش وحول المدن؛ أو بسبب تحسّن قدراته على مبادأة هذه الجماعات وكسر شوكتها. ولكنه يتأتى بخاصة من العامل الخارجي الذي أصبح يتساءل عن وتائر العنف، وعمّن يقتل من. ومن هنا، يضغط في اتجاه حل للأزمة؛ والعامل الداخلي ويتعلّق بما يسميه البعض الجناح المعتدل داخل مؤسسة الحكم - الجيش الذي وجد الفرصة مواتيةً لقبول سلسلة من الوساطات، أفضت في الأخير إلى التفاوض والهدنة81 مع الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي كان هو الآخر يبحث عن محاولة تسوية سلمية للأزمة بعدما رآها بعض قيادييه انحرافًا بالعمل المسلح (الجهادي) عن أهدافه الحقيقية كانت قد بدأت تمارسه أطراف أخرى من الجماعات الإرهابية وعلى رأسها الجماعة الإسلامية المسلحة82. بادر قياديو تنظيم الجيش الإسلامي إلى مسار من الاتصالات والوساطات بدأ بلقاءات مباشرة جمعت قيادات في الجيش الوطني الشعبي وقيادات في الجيش الإسلامي للإنقاذ، وانتهت بإعلان هذا الأخير هدنة من جانب واحد في تشرين الأول/ أكتوبر.1997 من اللافت للانتباه أن يقود مسار التفاوض مع جيش الإنقاذ شخصية عسكرية مركزية هي الجنرال إسماعيل العماري، مع ما عرف عن هذا العسكري من اندفاع شديد تجاه القطع الحاسم مع الإسلاميين غداة انقلاب 1992. ولكن يبدو أنّ العماري كان يعبّ بمسعاه هذا عن اتجاهٍ بدأ يتغلب لدى "صناع القرار" للبحث عن تسوية للأزمة، ولو بالتفاوض مع مسلحين رفعوا السلاح ضد الدولة. بيد أنّ هذا المسعى بقدر ما أسهم في التعجيل بالخروج من وضعية الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية لأنّه استطاع تحييد مئات المسلحين، وبضع جماعات استجابت لنداء الهدنة83، فقد فجّر أزمةً داخل معسكر الجيش - السلطة انتهت بإعلان الرئيس زروال في أيلول/ سبتمبر 1998 عن إجراء انتخابات رئاسية قبل انقضاء عهدته الرئاسية، وهو ما فسّ ه البعض بخلافات عميقة بينه وبين القيادة العليا للجيش إزاء مسألة الحوار السياسي مع الإسلاميين، وإستراتيجيات التعامل مع الجماعات المسلحة84.

.  ج رئيس مدني لأجل وئام مدني

يذهب عدي الهواري إلى أنّ تنحية الرئيس زروال من منصبه جرت بسبب رفضه الموافقة على الاتفاق الذي ظل سريًا بين قوات الأمن العسكرية والجيش الإسلامي للإنقاذ85. لذلك كانت مؤسسة الجيش، وهي تؤدي دورها القديم الجديد في حاجة ماسّة إلى واجهة جديدة بمستطاعها تأمين غطاء سياسي فاعل للاتفاق. بناءً عليه، أدت استقالة الرئيس زروال وانتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لعام 1999 إلى تفعيل قانون الرحمة، ولكن بآليات جديدة ونَفَسٍ مختلف، بمسمى الوئام المدني. ينبغي الإشارة هنا إلى الدور الفاعل الذي ستقوم به مؤسسة الجيش مجددًا، بما هي صانعة الرؤساء، في اعتلاء الرئيس الجديد سدة الحكم؛ فعلى الرغم من أنّه جاء إليها عبر أسلوب الانتخاب، لم يكن خافيًا الدور الذي مارسته اليد الخفية لمؤسسة الأمن العسكري في توجيه عملائها في الأوساط الحزبية والصحافية والنقابية والجمعوية86 لتأييد ما يسمى "مرشح الإج عاا." وبحسب عدي الهواري، فإن العودة لاختيار رئيس مدني تندرج ضمن ديناميكية الانسحاب المشروط للجيش من الحياة السياسية87، وتعبّ عن إرادة الجيش في التغيير، أي عن إرادة نفي الطابع العسكري عن النظام، ذلك الذي أصبح لصيقًا به منذ استقالة بن جديد. يُعدّ قانون الوئام المدني الذي يعدّ الحلقة الثانية في تجربة المصالحة الوطنية الجزائرية تتويجًا لجهد الهدنة والتهدئة التي باشرها، مثلما ذكرنا، بعض القيادات العسكرية والأمنية للجيش بمعية قياديين في الجيش الإسلامي للإنقاذ؛ بحيث مثّل مخرجًا للمسلحين ممّن اقتنعوا

  1. للمزيد عن هذه الوساطات، انظر: كميل الطويل، الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر: من الإنقاذ إلى الجماعة (بيروت: دار النهار للنشر، 1998)، ص 291 - .337
  2. ذلك ما صرّح به مدني مزراق قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ في حصة "الحلقة
  3. كالرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد، والحركة الإسلامية للدعوة والجهاد.
  4. مداوي، ص.48
  5. الهواري عدّي، "الجزائر: الحرب المستمرة"، جريدة le monde diplomatique (2001)، ص 1، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2jhEaFK.
  6. المرجع نفسه، ص.3 87  Addi, "L'armée, la nation et l'Etat en Algérie," p. 7.
  7. المفقودة"، قناة الشروق.

بعد سنوات من النزاع بأنّ العمل المسلح عديم الجدوى، بخاصة بعد ما انتهى إليه من مآلات خطيرة. إنّ هذا القانون الذي يندرج "في إطار الغاية السامية المتمثلة في استعادة الوئام المدني، ويهدف إلى تأسيس تدابير خاصة بغية توفير حلول ملائمة للأشخاص المورطين والمتورطين في أعمال إرهاب أو تخريب، الذين يعبّ ون عن إرادتهم في التوقف، بكل وعي عن نشاطاتهم الإجرامية، بإعطائهم الفرصة لتجسيد هذا الطموح، على نهج إعادة الإدماج المدني في المجتمع"88، لم يجر إقراره بأوامر رئاسية، مثلما كانت حال قانون الرحمة، بل تمت تزكيته عبر الهيئات التشريعية، وتحصينه بإرادة شعبية من خلال عرضه على الاستفتاء الشعبي؛ إذ حظي بتأييد أكثر من 85 في المئة من أصوات الناخبين. وإن كان الرئيس بوتفليقة قد أخذ على عاتقه العمل على التسويق السياسي له بعد أن ظل اتفاقًا سريًا بين الجيش الوطني وجيش الإنقاذ89. أمّا حصيلة ما أسفر عنه تدبير الوئام المدني من حيث عدد المسلحين الذين عبّ وا عن إرادتهم في التوقف عن نشاطاتهم المسلحة لجهة إعادة اندماجهم المدني، فقد وصلت، بين فترة إقراره وانتهاء مدته التي قُدرت بموجب نصوص القانون بستة أشهر (من 13 تموز/ يوليو 1999 إلى 13 كانون الثاني/ يناير 2000)، إلى حدود 6000 و 6500 مسلح. وهو رقم معتبر، ضيّق بوضوح جبهة الصراع المسلح الناشب منذ سنوات90. على الرغم من ذلك وُجّه بعض الانتقادات لتدبير الوئام المدني، فنتائجه كانت بحسب البعض معروفةً، وكان الهدف منها هو المناورة واكتساب الشرعية، بخاصة لرئيس "منتخب" وصل إلى كرسي الرئاسة منقوص الشرعية بعد انسحاب جميع المترشحين الآخرين، لمّا تأكّد لهم بأنّ السلطة الفعلية عازمة على تزوير الانتخابات لمصلحة مرشحها المعروف. كما أنّ هذا الإجراء (أي قانون الوئام المدني) استنكف عن معالجة الأزمة في جانبها السياسي، واكتفى بمعالجة بعض الظواهر الأمنية المحدودة ليطيل بذلك عمرها وتستمر ذهنية الهروب إلى الأمام91. مهما يكن، فقد استطاع هذا التدبير الجديد، وإن لم يقض على الظاهرة الإرهابية نهائيًا بحيث استمرت أعمال القتل والتخريب، أن يدخل الدولة والمجتمع في مرحلة جديدة بدت فيها ملامح السلم والتعايش أكثر وضوحًا. كما أنّ إستراتيجية النشاط المسلح والأعمال الإرهابية لا تحظى بالتأييد، وزاد من عزلتها وانغلاق أفقها، الحرب العالمية على الإرهاب التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية بعد أيلول/ سبتمبر 2001؛ بحيث تفهّم الجميع مسعى النظام الجزائري في مكافحته الإرهاب، وحظي بالتأييد والمساعدة، بل أصبحت الجزائر شريكًا مميزًا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب لمِا تراكم لديها من مخزون خبرة في هذا الصدد.

الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية: الخطوة الثالثة في مسار المصالحة الجزائرية

لم تعد الجماعات المسلحة تمثّل تهديدًا للدولة والمجتمع كما كان الأمر في السابق بعد تطبيق تدبير الوئام المدني، ولكن هذا لا يعني، مثلما ذكرنا، أنّ هذه الجماعات امّحت من الوجود، بل يوجد دائمًا ما يسمّى "بقايا الإرهاب"، وكان يعلن عبر بعض الأعمال الاستعراضية أنّه "لا يزال موجودًا"، ولكن من غير أفق سياسي أو إستراتيجي، سوى المضي في مشروع القتل والإجرام العبثي. وأمام النجاح الملحوظ الذي أعقب تطبيق ترتيبات تدبير الوئام المدني على الصعيدين الداخلي والخارجي خلال العهدة الأولى لحكم الرئيس بوتفليقة، كان من المحتّم تكريس خيار الانتقال النهائي إلى مرحلة ما بعد الأزمة، وتدعيم الاستقرار المحقق بصورة أكثر انغراسًا واستدامة.ً وهو ما كان يتطلب خطوةً لاحقةً أشار إليها الرئيس نفسه في عدد من خطاباته، هي "المصالحة الشاملة." كانت مناسبة ترشحه لعهدة ثانية فرصةً لإطلاق هذا المشروع، لأن السلم ينبغي برأيه أن يتجاوز مرحلة ما سماه ب "سلم السلاح"، إلى "سلم الرجال، وسلم القلوب، وسلم العقول"92، بما هو الحل المبرم

  1. انظر النص الكامل لقانون الوئام المدني على الموقع الإلكتروني لرئاسة الجمهورية، في: http://bit.ly/2kvSuj5.
  2. عدّي، ص.1
  3. يراوح عدد المسلحين في أعوام 1993 - 1996 بين 25000 و 30000 مسلح تقريبًا، وبحسب تقرير أعدّته خلية المساعدة القضائية لتطبيق ميثاق السلم والمصالحة التي تم إنشاؤها في حزيران/ يونيو 2006 فإنّ عدد الإرهابيين الذين تم القضاء عليهم منذ 1992 إلى غاية 2006 قُدّر بناءً على قائمة وطنية للإرهابيين تم إعدادها بنحو 17000 إرهابي، بينما تبقى أعداد الذين قضوا من قوات الأمن والجيش أحد أسرار الدولة، أما المجموعات التي تدخل ضمن مسمى بقايا الإرهاب فهناك مؤشرات تؤكد أنّ بعضها غادر البلاد ليواصل نشاطه في العراق وفي أماكن أخرى. وفي 2003 قدّرت الحكومة الجزائرية أعدادهم بين 600 و 1000 عنصر جزائري كانوا ينشطون في شبكات إرهابية عابرة للدول، انظر: Rachid Tlemçani, "Algeria under Bouteflika Civil Strife and National
  4. المصالحة الوطنية: مشروع نهضة شاملة نور الدين خبابة، (فرنسا: مؤسسة المصالحة، 2014)، ص.37 92 انظر خطاب الرئيس لدى استدعائه الهيئة الانتخابية لاستفتاء 16 أيلول/ سبتمبر يوم 2 آب/ أغسطس 1999، موقع رئاسة الجمهورية، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2kmBj07.
  5. Reconciliation," Carnegie Middle East Center (February 2008), p. 11, accessed on 25/1/2017, at: http://ceip.org/1JZU265.

لأزمة الوطن. ومن هذا المنظور أكدّ أنّه "لا يمكن الاستغناء عن أي فرصة. يجب تشجيع كل عمل من شأنه أن يدفع حركية السلم، كما يجب أن تباشر هذه الحركية، وتواصل إلى نهايتها"93. إنّها "المصالحة الشاملة" التي جرى التبشير بها طويلً، وأصبحت فعلً ناجزًا عندما طرحت بوصفها مشروع ميثاق لاستفتاء الجزائريين عليه. وبالفعل حظي هذا المشروع بموافقة شعبية وصلت إلى 97.36 في المئة من الأصوات في 29 أيلول/ سبتمبر 2005، وبدأ تنفيذ هذا الميثاق بوصفه قانونًا في 27 شباط/ فبراير 2006 94. لقد كانت مسألة الذهاب إلى مصالحة وطنية، وتطوير بدائل أخرى أمرًا تفرضه مقتضيات المرحلة الجديدة، على رأسها تسوية بعض المظالم والتجاوزات والآثار الإنسانية والاجتماعية للأزمة الأمنية التي لم تحظ بعناية كبيرة في نصوص قانونَ الرحمة والوئام المدني. هذا إضافةً إلى بعض التطورات الحاصلة على الصعيد الأمني؛ بحيث انقضت الآجال القانونية لقانون الوئام، لكن استمرار تدفّق أعداد أخرى من التائبين كان يستدعي ترتيباتٍ قانونيةً ومدنيةً جديدة.ً أمام وضعية كهذه أصبح من اللازم الذهاب إلى طورٍ جديد في تجربة التصالح والوفاق الوطني، بخاصة أنّ صوت الاستئصال الذي كانت تدعمه بعض الجهات في مؤسسة الجيش، وبعض أذرعها المدنية من الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني قد انتهى أمام منجزات مبادرات السلم واسترجاع الأمن. إنّ مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة، وإن كان عالج جوانب عديدة كمسائل من قبيل التكفّل بملف المفقودين في بعده الاجتماعي والسياسي؛ أو بقضايا الأشخاص الذين سلّموا أنفسهم ووضعوا السلاح؛ أو بعائلات الإرهابيين؛ أو بإعادة إدماج وتعويض المفصولين بسبب المأساة95، لا يشغلنا هنا على أهميته، بل سنركز على ما له صلة بموضوع الجيش.

11 الجيش عرّاب للمصالحة

يبدو أنّ مؤسسة الجيش أو على الأقل تيارًا مهمً من الفاعلين فيها أصبح مقتنعًا بجدوى الجنوح إلى السلم، ومعالجة الأزمة بعيدًا عن سياسات الكل الأمني التي وإن أفضت إلى الحد الجزئي من ظاهرة الإرهاب، إلا أنّها لم تقض عليها. وبغض النظر عن بعض الآراء التي تؤكد وجود اتجاهين داخل هذه المؤسسة؛ اتجاه راديكالي يؤمن بتجفيف منابع الإرهاب، والقضاء المبرم عليه وعلى حوامله عبر المكافحة الأمنية، يتزعمه قائد أركان الجيش الجنرال محمد العماري، واتجاه تصالحي يميل إلى التوافقات السلمية عبر التفاوض والحوار يتزعمه قائد المخابرات الجنرال توفيق مدين96، فإنّ الاتجاه الذي يبدو أنّه تغلّب في الأخير ومنذ إقرار الهدنة مع جيش الإنقاذ هو معسكر المصالحة.

ينبغي الالتفات إلى أنّ قياداتٍ أمنيةً عديدةً بقيت في الواجهة منذ إلغاء المسار الانتخابي، ففي مقابل خمسة رؤساء دولة وستة رؤساء حكومات تعاقبوا على السلطة بقي كبار الضباط أنفسهم في مراكزهم، أو هم احتفظوا بفاعليتهم، بما يؤكد قاعدة ثبات العسكريين في مقابل تغيّ المدنيين97. لا يمكن تفسير هذا الثبات إلّ بقوة المؤسسة العسكرية، بخاصة قوة النخبة القيادية التي تولّت إدارة المرحلة من 1992 إلى ما بعد.2000 ومن نافلة القول إنّ أغلب هؤلاء كانوا من جناح الفارّين من الجيش الفرنسي، وبغض النظر عن التغييرات التي لحقت جسمهم العسكري خلال هذه الفترة بحيث أحيل البعض على التقاعد فإنّ بعض العناصر فرضت وجودها لمدة أطول، ولم تغادر مراكزها القيادية لأكثر من عشريتين كاملتين. ولعلّ هذه الاستمرارية للنخبة العسكرية القيادية التي باشرت تطبيق تدابير الهدنة، وساعدت في إنجاحها، ثم ضمنت تطويرها في شكل تدابير الوئام المدني عندما حيّدت الرئيس زروال وأسهمت في

  1. الخطاب نفسه.
  2. صدر برقم 06 - 01 مؤرخ في 28 محرّم عام 1427 الموافق 27 شباط/ فبراير 2006 يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطني.
  3. انظر: الطاهر سعود، "تدبير المصالحة الوطنية في الجزائر: قراءة في مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية"، ورقة مقدمة في المؤتمر الثاني حول: صناعة التطرف: قراءة في تدابير المواجهة الفكرية، 3 - 5 كانون الثاني/ يناير 2016، مكتبة الإسكندرية، مصر.
  4. نجد هذا التقسيم في كلّ الدراسات والتحليلات المنجزة عن الجيش الجزائري.
  5. عدّي، ص 2؛ رياض الصيداوي، "صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحوار المتمدن الحزب، الجيش، الدولة"،، الحلقة 20، العدد 1876 2007()، شوهد في 2017/1/25، في: http://bit.ly/2jsoGC5.

مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم، هي نفسها تقريبًا التي زكّت مسعى المصالحة قبل أن يحيلها زخم حركية الرئيس الجديد، بخاصة بعد عهدته الرئاسية الثالثة إلى مؤخرة المشهد. لقد أوضح رشيد تلمساني في إطار ما سمّ ه "استعادة السلطة المدنية" جهد الرئيس بوتفليقة في هذا الصدد؛ بحيث يرى أنّه خاض، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، صراعًا على جميع الجبهات لقطع العلاقة التقليدية بين الحكومة والجيش؛ عندما أحلّ بالتدريج ضباطًا موالين له محل الضباط الكبار، وخفّض الدور السياسي للجيش. وقد أظهرت نتائج انتخابات نيسان/ أبريل 2004 أنّه نجح إلى حدٍ كبير في هذا المسعى؛ ففي آب/ أغسطس 2004 أجبر الجنرال محمد العماري (المحسوب على التيار الاستئصالي) على الاستقالة بوصفه رئيسًا للأركان، ليعيّ بدله حليفه وصديقه أحمد صلاح قايد. ويقيّم تلمساني كلّ ذلك بتأكيده أنّ بوتفليقة نجح ولو جزئيًا في معركته لاستعادة السلطة المدنية، وفي الحدّ من دور الجيش في السياسة، ولكن سلطته لم تمتد إلى الأجهزة الأمنية98. وهي المعركة التي يبدو أنّ الرئيس ومحيطه قد بدآ يخوضانها منذ 2014، عندما صدرت قرارات بإعادة هيكلة مديرية الاستعلامات والأمن وإحالة قائدها الجنرال توفيق مدين على التقاعد.

الجيش في نصوص مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة

إذا كان تصميم مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة قد اتجه مثلما هو معلوم لمعالجة الآثار السلبية "للعشرية الحمراء"، وطي صفحة طويلة ومؤلمة من تاريخ الجزائر المعاصر، فإنّه صمّم أيضًا "لوقف ادعاءات ومحاولات تشويه سمعة الجيش"99. إنّ قراءةً متأنيةً لهذا الميثاق تبرز مركزية موضوعة الجيش ضمن نصوص مواده، فعلى الرغم من أنّ الجيش أسهم في صنع مسار المصالحة الوطنية عبر مراحلها المختلفة وعلى الشكل والهيئة التي أرادها، عندما اقتنع تيار واسع من قياداته بجدوى هذا المسعى في حل الأزمة الناجمة عن إلغاء المسار الانتخابي، لم يُعف ذلك محرري هذا الميثاق من إدراج عديد النصوص والفقرات لا لتأكيد الدور الريادي لمؤسسة الجيش في الانتصار لخيار التصالح فحسب، ولكن بإدراج مضامين تكتسي طابع النزعة الدفاعية والحمائية تجاه هذه المؤسسة. ومعلوم أنّ السياق الذي جاءت فيه هذه النصوص تميز على عديد الأصعدة باتهامات خطيرة في مجال انتهاك حقوق الإنسان، كانت قد بدأت توجَّه إلى الجيش الجزائري والأجهزة الأمنية بعد توسّع دائرة العنف والرعب غير المفهوم، بخاصة بين عامي 1997 و 1999؛ وعبّ عنها بعض التصريحات والكتابات100، ووصل بعض الملاحظات التي قدّمها بعض الجهات والمنظمات غير الحكومية، إلى حدّ المطالبة باستنطاق الجنرال محمد العماري وتوفيق مدين وإسماعيل العماري حول بعض "الاختفاءات" والإعدامات التي لم تخضع للإجراءات القضائية101. وضمن مسعى حماية مؤسسات الجمهورية، بخاصة في دولة قامت على إرث تاريخي يُعلي من شأن الإجماع الوطني ويكافح للمحافظة عليه، ويتحسس من أي محاولة يقيّمها على أنّها تدخّل في الشأن الداخلي، ويرفض أيّ شكل من أشكال تدويل الصراع الجزائري، بل وصل الحد إلى تخوين قادةٍ تاريخيين أمثال مهري وبن بلة وآيت أحمد لأنّهم شاركوا في اجتماع سانت إيجيديو في روما وأصدروا ما سُمي ب "بيان العقد الوطني" عام 1995، ليس غريبًا إذًا أن يتم التنصيص في هذا الميثاق على جملة من المسائل الهادفة بالإجمال إلى تحصين مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى من الوقوع تحت طائلة أيّ مساءلة بخصوص وقائع الحرب. نذكر من هذه النصوص ما يأتي:

أ  .عرفان الشعب الجزائري لصناع نجدة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

وفي هذا المحور الذي يرد بعد ديباجة مشروع الميثاق مباشرة،ً جرى الإشادة بدور الجيش ومختلف الأسلاك الأمنية وتضحياتهم لإنقاذ الجمهورية، وتأكيد عدم السماح بمسّ مؤسسات الجمهورية تحت طائلة التذرّع بما خلّفته المأساة الوطنية. وقبلها لم ينس محررو الديباجة التشديد على أنّ نجاة الجزائر "كانت بفضل ما تحلّت به من وطنية وبذلته من تضحيات وحدات الجيش الوطني الشعبي وقوات الأمن"102.

ب  .تكريس الحصانة القانونية للأسلاك الأمنية المختلفة

وهو إجراء يسعى إلى تحصين المؤسسات الأمنية من أي متابعات محتملة أمام الجهات القضائية داخل الوطن أو خارجه؛ بحيث تم التنصيص بموجب المادة 45 من الأمر رقم 06 / 01 على أنّه

  1. Tlemçani, pp. 12 - 13.
  2. Ibid, p. 9.
  3. منها على الخصوص كتابات: سليمة ملاح ونصر الله يوس في كتابهما من قتل في بن طلحة؟، وكتاب الحرب القذرة لحبيب سوايدية، وكتاب محمد سمراوي حول وقائع سنوات الدم في الجزائر: كيف تلاعبت المخابرات بالجماعات الإسلامية؟، وغيرها.
  4. عدّي، ص.3
  5. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية (كتيب)، (الجزائر: د.ن، 2005)، ص.6

"لا يجوز الشروع في أيّ متابعة، بصورة فردية أو جماعية، في حق أفراد قوى الدفاع والأمن للجمهورية، بجميع أسلاكها، بسبب أعمال نُفّذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ونجدة الأمّة والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشّعبية." وينبغي التنبيه إلى أنّ بعض القيادات أقرّ بإمكانية وقوع حوادث يكون قد لجأ إليها عناصر الأمن أو الجيش، ومن ثم ألحقت أضرارًا ماديةً ببعض المواطنين في إطار عمليات مكافحة الإرهاب، لكنّهم يقرّون في الوقت نفسه بأنّها حوادث فردية ومعزولة، ولا تعبّ عن تبنّي المؤسسة الأمنية لها، أو أنّها تأتي في سياق يعطي لهذه الحوادث طابعًا مؤسسيًا.

على سبيل الختام: نحو أفق يستشرف دور الجيش الجزائري

يشير عديد الباحثين إلى بعض أوجه التميز والفرادة التي تطبع النظام السياسي الجزائري، ومعه مؤسسة الجيش بما هي المؤسسة الأكثر تنظيمً وقوةً؛ إذ على عكس جيوش العالم فإنّ هذا الجيش لم تصنعه دولة، بل هو الذي صنع دولته103، وميزت هذه القاعدة مجرى تاريخ الجزائر المعاصر في قسم كبير منه، وحددته. لقد دفع منطق تطور هذا الجيش بوصفه جهازًا ليشرف شيئًا فشيئًا على كامل المجتمع، وليغدو منذ أول ساعة مالك الدولة وسيّدها، ومصدر السلطة والحكم بين الصراعات الناشبة فيها، ليشرط بذلك على كامل تاريخ الجزائر؛ فأي مرحلة من مراحله لا نرقب فيها أثرًا لقياداته أو أجهزته؟ إنّ هذا الحضور الدائم، سواء أكان باقتناع من قادته أم انصياعًا لتحريض عارض، أم نتيجةً لتراكمات تاريخية، جعله يقتنع بأنّ له دورًا سياسيًا يسمو على السلطة السياسية التقليدية، ويجعل من تدخّله في الشأن السياسي وظيفةً شبه دائمة104، فالجيش الجزائري من هذه الزاوية ليس جيشًا يمارس دوره الدفاعي لحراسة الحدود فحسب كما هي حال الجيوش التقليدية، بل هو جيش مسيّس إلى أقصى الحدود، مارس السياسة من خلال توظيفه حق الاعتراض أو النقض في الأزمات؛ أو عبر الاختيار أو التزكية للقيادات السياسية في أوضاع السلم105، لذلك لم يتوانَ عديد الباحثين عن تأكيد أنّ الهيئات والحكومات ومختلف الواجهات السياسية التي حكمت في الجزائر كانت أقرب إلى الخدعة التي تختبئ وراءها في النهاية سلطة العقداء والجنرالات، كان آخرها انقلاب 1992 الذي كان موجّهًا لقطع الطريق أمام كل دمقرطة سياسية منفلتة من رقابة الجيش106. لكن السؤال المطروح اليوم هو: هل من أفق جديد للجيش الجزائري؟ إنّ التغييرات التي باتت ملموسةً على صعيد مؤسسة الجيش منذ مدة غير يسيرة أصبحت أكثر من ملحوظة، فعلى الرغم من أنّ الجيش لم ينسحب بالكلية من نطاق المجال السياسي؛ بحيث لا تزال "لوثة" التسييس التي علقت به منذ عقود الثورة والاستقلال الأولى تستهوي بعض قياداته، بدأنا نرقب عهدًا جديدًا سمّ ه أحد المتابعين بنهاية الجنرالات أو أفولهم؛ عندما كتب يقول "وإذا كان من غير الوارد الاعتقاد بأن الجيش لم يعد بمستطاعه التأثير في الأحداث، فينبغي القبول بأننا نشهد نهاية حقبة الجنرالات"107. يبدو أنّ الجيش الجزائري يتعلم من ماضيه، ويتعلم من متطلبات المرحلة الجديدة، ولعل الدور الذي قامت به مؤسسة الرئاسة خلال الأعوام 1999 - 2016 في الحدّ من دور الجيش في السياسة، وتوجيهه للاضطلاع بمهماته الأساسية، وتحديث بنيته ووسائله، واتجاهه نحو التخصص والاحترافية، دور ملحوظ تؤكده القرارات الأخيرة في اتجاه إعادة هيكلة بعض مصالحه، وإحالة بعض قادته التاريخيين على التقاعد. إنّ التراكمات السابقة التي ميّزت هذه المؤسسة بسبب تنوع موردها البشري (ضباط جيش التحرير، والضباط الفارين من الجيش الفرنسي، والضباط الذين تخرجوا في مدارس عسكرية في المشرق) قد أصبح بعضها شيئًا من ماضٍ يبدو أنّه قد ولّ، لأنّ عامل الزمن كان كفيلً بإحالة كلّ هؤلاء إلى التاريخ. أمام الجيش اليوم قياداتٌ شابة من جيل الاستقلال بعيدة عن التجاذبات الأيديولوجية والتاريخية التي كانت تميز القيادات المسنّة فيه، بوصفها عايشت تلك الأوضاع التاريخية (الثورة، والاستقلال، ارركي، والأحادية الحزبية والاندراج ضمن مشروع المجتمع الاش.) وبإمكان هذه القيادات الشابة أن تجعل من الجيش تلك المؤسسة القوية التي تسهم في دفع التقدم المجتمعي في مرحلة تاريخية

  1. حربي، ص.304
  2. مهري، ص 59 - .60
  3. بابا عربي، ص 4 - .5
  4. Yefsah, pp. 91 - 92.
  5. Farid Alilat, "Algérie: le crépuscule des généraux," Afrique Magazine , (10 March 2009), p. 59, accessed on 25/1/2017, at: http://bit.ly/2jhFokp.

أصبحت المحافظة على مكسب الدولة الوطنية، وعلى وحدة الشعب فيها رهانًا كبيرًا في ظل منطق التفتيت والتدمير الذي تعيشه المنطقة العربية. فهل بوسعنا أن نرى جيش الجزائر يتحوّل إلى جيش محترف بعيد عن تجاذبات الساسة وصراعاتهم؟ ذلك ما يمكن أن نرقبه في العقد المقبل على الأقل.

المراجع

العربية

بابا عربي، مسلم. "المؤسسة العسكرية ومسار التحول الديمقراطي في علوم إنسانية الإلكترونية، العدد الجزائر." مجلة 35 (خريف.)2007 باخالد، عبد الرزاق. "المصالحة الوطنية في ظل السياسة الجنائية." مذكرة ماجستير في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، كلية الحقوق والعلوم القانونية. جامعة منتوري، قسنطينة. 2009 / .2010 برغوث، الطيب. أضواء على تجربة جماعة البناء الحضاري الإسلامية. طبعة تجريبية. د.ن، د.ت. بورقعة، لخضر. مذكرات الرائد سي لخضر بورقعة: شاهد على اغتيال ثورة. ط 2. الجزائر: دار الحكمة،.2000 الجزائر: الرعب المقدس بوكراع، لياس.. تقديم إرفيه بورج. ترجمة خليل أحمد خليل. الجزائر/ بيروت: PANEP ودار الفارابي،.2003 الانتخابات: الدولة والمجتمع جابي، عبد الناصر.. الجزائر: دار القصبة للنشر، د.ت. جبهة التحرير: الأسطورة والواقع حربي، محمد.. ترجمة كميل قيصر داغر. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1983 المصالحة الوطنية: مشروع نهضة شاملة خبابة، نور الدين.. فرنسا: مؤسسة المصالحة الوطنية،.2014 تاريخ الجزائر المعاصر: دراسة الزبيري، محمد العربي.. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب،.1999 سعود، الطاهر. "تدبير المصالحة الوطنية في الجزائر: قراءة في مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية." ورقة قدّمت في المؤتمر الثاني حول: صناعة التطرف: قراءة في تدابير المواجهة الفكرية. 3 - 5 كانون الثاني/ يناير 2016.. مكتبة الإسكندرية، مصر. الصيداوي، رياض. "سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك." الحوار المتمدن (نيسان/ أبريل في 2007:.) http://bit.ly/2j4gfyt ________.___ "صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحوار المتمدن الحزب، الجيش، الدولة.". الحلقة 20. العدد 1876 في 2007(:.) http://bit.ly/2kvr9K1.__________ صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2000 الطويل، كميل. الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر: من الإنقاذ إلى الجماعة. بيروت: دار النهار للنشر،.1998 مستقبل الديمقراطية في الجزائر قيرة إسماعيل، وآخرون.. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 الجماعات الإسلامية المسلحة كليمنصو فرانسوا، وآخرون.. ترجمة عبد الرحيم حزل. بيروت/ المغرب: أفريقيا الشرق،.2003 لونيسي، رابح. "علاقة السياسي بالعسكري في الجزائر المعاصرة." المجلة العربية للعلوم السياسية (كانون الثاني/ يناير 2011:) في http://bit.ly/2j4ByQq الحرب الأهلية في الجزائر مارتيناز، لويس.. ترجمة: محمد يحياتن. الجزائر: منشورات مرسى،.2005 مجلة الجيش. سلسلة خاصة. العدد 1 / 4 (تموز/ يوليو.)2012 منصوري، عبد النور. "المصالحة الوطنية في الجزائر من منظور الأمن الإنساني." مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية. جامعة الحاج لخضر، باتنة. 2009 - .2010 النصوص الأساسية لثورة نوفمبر 54. نداء أول نوفمبر، مؤتمر الصومام، مؤتمر طرابلس. الجزائر: منشورات ANEP،.2005 ولد داداه أحمد، وآخرون. الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002

الأجنبية

Addi, Lahouari. "L'armée, la nation et l'Etat en Algérie." Confluences en Méditerranée (1999), at: http://bit. ly/2k3hPQh ____________. "L'armée, La nation et l'état en Algérie." Algeria-Watch (Octobre 2000), at: http://bit.ly/2jRDRDx

Aït Kaki, Maxime. "Armée, pouvoir et processus de décision en Algérie." Politique étrangère. vol. 69. no. 2 (2004), at: http://bit.ly/2ksJCuu Alilat, Farid. "Algérie: le crépuscule des généraux." Afrique Magazine (March 10, 2009), at: http://bit. ly/2jhFokp Brahimi, Abdelhamid. Aux origines de la tragédie Algérienne (1958-2000): Témoignage sur Hizb França. Genève - Suisse: Hoggar & the center for Maghreb studies, 2000, at: www.hoggar.org Enhaili Aziz & Adda, Oumelkheir. État & Islamisme au Maghreb , at: http://bit.ly/2k6fYuo Gèze, François. "Armée et nation en Algérie: l'irrémédiable divorce." Hérodote. no. 116 (2005/1), at: http://bit.ly/2j49LzE Samraoui, Mohammed. Chronique des années de sang Algérie: comment les services secrets ont manipulé les groupes islamistes. Paris: Éditions Denoël, 2003. Tlemçani, Rachid. "Algeria under Bouteflika Civil Strife and National Reconciliation." Carnegie Middle East Center. (February 2008), at: http://ceip.org/1JZU265 Yefsah, Abdelkader. "L'armée et le pouvoir en Algérie de 1962 à 1992." Revue du monde musulman et de la Méditerranée. no. 65 (1992), at: http://bit.ly/2jdHPoe