القوات المسلحة وعمليات الانتقال السياسي **

Zoltan Barani زولتان باراني |

الملخّص

* أستاذ العلوم السياسية، جامعة تكساس. * Professor of Political Science, University of Texas-Austin. ** نص المحاضرة العامة التي قدمها الكاتب في مؤتمر "الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي"، الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة للمدة.2016/10/3-1

Armed Forces and Political Transitions

تسل ط هذه الورقة الضوء على دور القوات المسلحة وأثره في تأييد عملية الانتقال السياسي أو مقاومتها. وفي مسعاها لتقديم مقاربة أكثر شمولية، تناقش بداية معادلة العلاقات المدنية - العسكرية من جوانب مختلفة: الدولة، والمجتمع، والقوات المسلحة بحد ذاتها، بهدف اكتشاف الركائز الأساسية لإقامة توازن بين قوة المؤسسات السياسية (التشريعية، والتنفيذية) وقوة الجيش السياسية، من شأنه أن يُخضع العسكر لسيطرة المدنيين، ويركز نشاط القوات المسلحة في الأمن والدفاع الخارجي. وبعد إجراء مقارنة بين السياسة العسكرية في الديمقراطيات الحديثة والدول التسلطية، ترك ز الورقة في الصفات المشتركة بين الدول والمجتمعات التي نجحت في بناء جيوش ديمقراطية لتقدّم في خاتمتها مجموعة من النصائح والتوصيات للناشطين والسياسيين الديمقراطيين لما يجب فعله وما يجب تحاشيه في المجال الأمني - الدفاعي لبناء جيوش ديمقراطية. كلمات مفتاحية: السيطرة المدنية، القوات المسلحة، السياسة العسكرية، الدول التسلطية. This paper highlights the role of the armed forces and their impact on the process of political transition, and discusses civil-military relations in their various aspects: the state, society and the armed forces per se, in order to reveal the main pillars that constitute a balance between the power of political institutions (legislative and executive) and the military power of the army. Such a balance would lead to the subduing of the army to the civil authority, and confine military activities to security and defense. The paper focuses on the common characteristics shared by states that have succeeded in building democratic armies. To conclude, the author presents a set of recommendations addressed to activists and democrats, on what ought to be done and what should be avoided in the security-defense field during the process of democratic army building. Keywords: Civil Authority, Armed Forces, Military Policy, Autocracy

مقدمة

ليست القوات المسلحة مؤسساتٍ يتركز نشاطها في الأمن والدفاع، بل هي في الوقت نفسه مؤسسات سياسية مهمة. ويشمل هذا حتى الجيوش التي تدعم دولً ديمقراطيةً، فكونها خادمةً مطيعة للدولة، فيعني هذا أنّها تتخذ موقفًا سياسيًا. وتمثّل عمليات الانتقال السياسي، سواء أكانت نتيجة تغيير في الحكومة أو في النظام أم نظامًا سياسيًا جديدًا بالكامل، مراحل حرجة بالنسبة إلى القوات المسلحة، لأنّها تطالَب باتخاذ موقف لجهة ما إذا كانت ستؤيد عملية الانتقال أو تقاومها أو ستكتفي بالانتظار حتى ترى لأي جهة ستميل الرياح ثم تتخذ موقفًا بعد ذلك فقط.

تركّز هذه الورقة في هذه المسائل، بخاصة في بحث نوع عمليات الانتقال السياسي التي تواجهها القوات المسلحة، والصفات الأساسية للجيوش الديمقراطية، ومعنى الديمقراطية، على صعيد الممارسة، بالنسبة إلى القوات المسلحة، هذا إلى جانب عدد من المسائل الأساسية في العلاقات الديمقراطية المدنية – العسكرية.

السيطرة المدنية: الفرعان التنفيذي والتشريعي

في الديمقراطيات الحديثة، يجب فهم السياسة العسكرية بوصفها من العلاقات القائمة بين مجموعة من المؤسسات مجموعةً. وتنتمي المؤسسات إلى أحد الجوانب الثلاثة من مثلث العلاقات المدنية -العسكرية: الدولة أو المجتمع أو القوات المسلحة بحد ذاتها. يمثّل فرعَا الحكم أكثر مؤسسات الدولة أهميةً في هذه المعادلة. ويمكن تجزئة الفرع التنفيذي إلى المسؤول التنفيذي الأول (الرئيس، أو رئيس الوزراء)، ومجلس الوزراء، والوزراء الحكوميين، ومختلف هيئات الفرع التنفيذي التي تتعامل مع مواضيع الدفاع والأمن. أما البرلمان واللجان البرلمانية وما يكون في خدمتها من منظمات، فإنّها المؤسسات التي تمثّل الفرع التشريعي. يتم أحيانًا إهمال الجانب المجتمعي في الكتابات المتعلقة بالسياسة العسكرية، مع أنّ من البديهي استحالة وجود دولة أو جيش دون مجتمع. ولعل السبب في هذا الإغفال العرضي يعود إلى أنّ دور المجتمع في العلاقات المدنية – العسكرية كان، حتى وقت قصير نسبيًا، يقتصر بدرجة كبيرة على تفريخ ضباط وجنود، ولكن الصعود التدريجي للرأي العام والناشطين الاجتماعيين، من قبيل وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، جعلها تصبح مكونات ذات نفوذ في السياسة، بما في ذلك السياسة العسكرية. تمثّل القوات المسلحة الجانب الثالث من معادلة العلاقات المدنية – العسكرية. ومع أنّ أغلب المنتمين إلى المؤسسة العسكرية هم إما متطوعوّن أو جُنّدوا إلزاميًا، أو ضباط صف، فإنّ دراسة السياسة العسكرية تُعنى أولً بالضباط المحترفين المختصين بإدارة العنف (في مقابل المجندين الذين تكون خبرتهم استخدام العنف.) يمثّل سلك الضباط نخبة المهنة العسكرية. ويمثّل أعضاء السلك الأعلى رتبةًالجيش عمومًا؛ فهم يبينون وجهات نظر الجيش وينقلون احتياجاته إلى الدولة والمجتمع. لا يمكن للجيش، بحكم طبيعته، أن يكون ديمقراطيًا، من جهة بنيته المؤسسية الهرمية، وثقافته الاعتبارية، وطبيعة اتخاذ القرارات وإجراءات التنفيذ من القمة إلى القاعدة. وكما في المهن الأخرى، فإن مسؤوليات ضابط الجيش تزداد مع كل ترقية. وعلى خلاف الحال في مهن أخرى، يرجّح أن تشمل مسؤوليات الضابط المحاسبة على تأدية العمل، ويشمل ذلك عددًا من العاملين تحت إمرته يتزايد باطّراد، فضلً عن رفاهيتهم وحياتهم وسلامة عتادهم أثناء القتال. يجب التمييز بين كيانين أساسيين في المؤسسة الدفاعية: وزارة الدفاع، وهي مؤسسة تابعة للدولة يكون مديرها الأعلى وزيرًا، أي عضوًا في مجلس الوزراء، وهيئة الأركان العامة التي هي أعلى درجات القوات المسلحة الاحترافية وتتولى تسهيل التخطيط الدفاعي وتدفق المعلومات في اتجاهين بين القيادة العليا ومختلف الوحدات، ويكون قائدها، رئيس الأركان العامة، أعلى ضباط الجيش رتبةً. هذه هي على وجه التقريب البنية المؤسسية المعيارية في الديمقراطيات الليبرالية، إلا أنّه توجد بالطبع انحرافات عنها؛ فعلى سبيل المثال لا يزال الجيش في موقع مؤسسي أضعف من هذا بكثير في اليابان وألمانيا، وهما

دولتان كان التخوف فيهما من عودة بروز النزعة العسكرية قويًا، حين بُدئ بناء القوات المسلحة الجديدة.

تُعدّ السيطرة المدنية المبدأ الأساسي للسياسة العسكرية في الأنظمة الديمقراطية؛ ولا يمكن للدمقرطة أن تنجح لولا تلك السيطرة. وفي أبسط أشكالها، تكون هذه السيطرة بأن يتحقق ممثلو المجتمع المنتخبون وقادته من أنّ اهتمام العسكر ينصرف بالكامل إلى شؤونهم الاحترافية، فلا يتدخلون في الحياة السياسية، ويقدّمون للسياسيين مشورةً مبنيةً على الخبرة والتجربة عندما يُطلب منهم ذلك. ويجب أن تكون مشاركة الجيش السياسية مقتصرةً على تفاعل أفراد القوات المسلحة الذين يملكون أكبر قدر من الخبرة والتجربة حول موضوع محدد (وهم عادةًالضباط الأعلى رتبةً) مع السياسيين، كما يجب أن تتم عمليات التفاعل هذه عبر قنوات منتظمة وشفافة للجميع بشرط عدم تعريض أسرار عسكرية للخطر. يجب أن تكون السياسة العسكرية والخارجية من صنع السياسيين. ويتولى مدنيون وضع إطار النقاش حول سياسات ومقاربات بديلة، مستعينين بخبراء عسكريين مستشارين بحسب الضرورة. وعندما يتوصل السياسيون إلى قراراتهم، بمساعدة خبراء عسكريين أو من دونها، فإنّه يتعين على أفراد القوات المسلحة بذل قصارى جهدهم لتنفيذ تلك القرارات. وربما يتوافر لدى ضباط عسكريين فهمٌ أفضل من فهم رؤسائهم المدنيين حول موضوع معين، ومع ذلك فإنّه ينبغي لهم أن يطيعوا أوامر المدنيين حتى لو كانوا لا يوافقون عليها. وبكل بساطة، فإنّه يحق للمدنيين أن يكونوا على خطأ، لكن لا يحق للعسكريين أن يعصوا الأوامر. من الواضح أنّه يوجد توتر كامن ونزاع حتى بين السياسيين والضباط. لكن لا يتمثل الوضع الملائم لقيام علاقات مدنية – عسكرية جيدة بوجود صداقة مثالية بين الجنرالات ورؤسائهم المدنيين ولا طاعة ذليلة وبلا جدال من جانب كبار الضباط. أما القادة العسكريون الذين تعززت ثقتهم بأنفسهم بفضل ما يمتلكونه من خبرة وتجربة، فمن الحماقة ألّ يحاولوا استخدام نفوذهم لاستمالة المدنيين بحيث يكون قرارهم لمصلحة مسار العمل الذي تفضّ له القوات المسلحة. ولا يمكن تجنب التعارض في نظام سياسي ديمقراطي؛ أي تعددي، بل هو في الواقع أمر مرغوب فيه؛ فهو يوحي بأنّ كلً من السياسيين والقادة العسكريين يقومون بعمل ما هو واجب عليهم. ويحتاج هذا التوتر الكامن في العلاقات المدنية – العسكرية إلى عمل دائم ومراقبة وتفاعل، كما أنّه يجبر السياسيين على الاعتناء بالقوات المسلحة ومحاولة فهمها على نحوٍ أفضل. وعندما يتمتع كبار الضباط بالاحترام ويمتلكون مهاراتٍ بيروقراطيةً متقدمةً، أو عندما يعتقدون أنّ قدرتهم على تأدية مهماتهم ربما تكون عرضةً لخطر ما، أو عندما يشكّون في كفاءة القيادة المدنية، فربما يواجه السياسيون عقبات كبيرةً في ممارسة سلطتهم. بمرور الوقت، تكتسب المؤسسات نفوذها تجاه بعضها أو تفقده، وتصبح طبيعة العلاقات المدنية العسكرية ومداها انعكاسًا للتوازن المتحول بين قوة المؤسسات السياسية وقوة الجيش السياسية. وتتأثر العلاقات المدنية - العسكرية ومسائل سيطرة المدنيين تبعًا لذلك بعدد من العوامل الأخرى، لعل أهمها بيئة التهديدات الخارجية والداخلية التي تواجهها الدولة والجيش. أما في غياب التهديدات الخارجية والداخلية، فربما يصبح الجيش أقل ابتعادًا عن التدخل في السياسة أو ميالً إلى التهرب من واجباته تجاه المجتمع. تنطوي السيطرة الموضوعية على مفارقة تتمثل بأنّ تطوير الاحترافية العسكرية يترافق مع تدنّ إشراف الدولة على القوات المسلحة. وربما لا تمثّل هذه المفارقة مشكلةً يحتمل أن تكون محفوفةً بالمخاطر في الديمقراطيات المتينة، لكنّها ربما تكون خطرًا كبيرًا بالنسبة إلى الديمقراطيات الهشّة التي نشأت للتوّ في أعقاب أيّ نظام من الأنظمة التسلطية. ثمة معيار مهمّ للحوكمة الديمقراطية وهو أنّ السيطرة المدنية على القوات المسلحة يجب أن تكون متوازنةً بين فرعي الحكم التنفيذي والتشريعي. كما أنّ المدنيين الذين يسيطرون على الجيش (والشرطة) يجب أن يكونوا بأنفسهم خاضعين للعملية الديمقراطية. يناقش الفرع التشريعي السياسة الخارجية والمسائل الدفاعية ويجب أن تكون له سلطة استدعاء أعضاء الفرع التنفيذي والقوات المسلحة لكي يدلوا بشهادات أمامه في جلسات علنية أو مغلقة. ويجوز أن تشمل المواضيع طيفًا واسعًا من المسائل المتنوعة تمتد من تقديم تقارير عن التقدم في حرب جارية، وشراء أنظمة تسلّح، وتمديد مدد التجنيد الإلزامي أو إنقاصها، وصولً إلى المستويات الملائمة من تقاسم العبء

الدفاعي ضمن تحالف دولي. ويتمتع البرلمانيون في الديمقراطيات بفرصة تقديم المشورة للفرع التنفيذي أو إبلاغه بآرائهم. لكن التأثير الأهم الذي يمارسه صانعو القوانين على القوات المسلحة هو مناقشة الميزانية الدفاعية، والتصويت عليها، ومراقبة تطبيقها، والتداول بشأن القوانين التي تنظم المسائل العسكرية والأمنية واعتمادها. وتكون اللجان المتعلقة بالدفاع في الفرع التشريعي مع جهازها الوظيفي الفاعل الأساسي، لأنّها تمارس الإشراف المدني الفعلي وتكون موضع الخبرة العسكرية. وربما يتوافر عدد من اللجان البرلمانية كهذه، مثل اللجان المنفصلة في كلٍ من مجلس الشيوخ ومجلس النواب التي تختص بالقوات المسلحة والشؤون الخارجية، وربما تكون عضويتها متداخلةً لا سيما في مجلس تشريعي يتألف من عدد صغير نسبيًا من النواب. من المهم أن تقدّم لجان الدفاع بديلً حقيقيًا من صوت الفرع التنفيذي حول المواضيع الأمنية، وهذا ليس بالأمر السهل دائمًا، لأن الفرع التنفيذي غالبًا على اطلّاع أفضل على المعلومات وربما يحاول تجزئة المعلومات الوثيقة الصلة بالموضوع أو حجبها عن صانعي القوانين. ومما لا شك فيه أنّ احتمال قيام الفرع التنفيذي باستشارة أعضاء لجان الدفاع سيكون أكبر بكثير إذا امتلك هؤلاء الأعضاء معرفةً حقيقيةً وعمليةً ومحدثةً بمسائل ذات صلة وثيقة بالموضوع، بينما يقلّ الاحتمال إذا كانوا لا يملكون تلك المعلومات. ربما يعطي شكل الدولة الدستوري تفضيلً للرئيس أو البرلمان من حيث التفويض بالسلطة والواجبات. ولا توجد قاعدة مكرسة وصلبة لجهة تحديد النظام الأكثر إفضاءً إلى الدمقرطة الناجحة من بين النظامين الرئاسي أو البرلماني، لأنّ البيئات المختلفة (من ثقافة سياسية، وتاريخ، ووزن نسبي للمؤسسات السياسية، من قبيل الأحزاب) تنتج أطرًا مؤسسيةً مختلفة.ً وإذا نظرنا إلى حالاتٍ عديدة من فشل الدمقرطة، فإنّ المشكلة لا تكمن في توزيع السلطة بين المؤسسات بل في عدم انضباط المؤسسات السياسية لجهة تأدية دورها والتزامها طبقًا للنظم. وفي معظم الحالات، تزداد فاعلية الإدارة اليومية للقوات المسلحة والسيطرة المدنية عندما يمارسهما وزير الدفاع (بصورة مميزة عن الأركان العامة)؛ فوزارة الدفاع جزء من الفرع التنفيذي كما أنّ العاملين فيها هم في أغلبيتهم الساحقة من المدنيين. لا يتحقق إشراف مدني قويّ من دون مؤسسات سياسية قوية. وتواجه الديمقراطيات الوليدة، حيث كان من تقاليد الجيش التدخّل في السياسة وحيث يحتفظ بنفوذ سياسي واقتصادي واسع، تحديًا خطيرًا وصعبًا على نحوٍ خاص. وإنّ نظامَ أحزاب قويًا ومستقرًا، وانتخابات حرةً ونزيهةً، وشفافيةً واسعةً للعمليات السياسية، لا سيما بخصوص المسائل المالية، هي جميعًا أمور ستضمن تمتع الفرعين التنفيذي والتشريعي بالشرعية الشعبية والنفوذ السياسي. وأفضل علاج وقائي لميل الجيش إلى التدخّل السياسي هو الحوكمة الديمقراطية الفاعلة والإيمان بالنظام الديمقراطي والولاء له من جانب القطاعات السياسية الكبرى كافة.ً

سلسلة القيادة واستخدام القوات والامتيازات العسكرية

إنّ سلسلة القيادة في الجيش ونواحي مسؤولية المؤسسات السياسية عن القوات المسلحة يجب أن تكون مقننةً لمواجهة جميع السيناريوهات المحتملة في أزمنة السلم والطوارئ والحروب. يكون رئيس الدولة، في معظم الديمقراطيات، القائد الأعلى للجيش، ويكون المدني الذي يعين وزيرًا للدفاع مسؤولً عن إدارة الجيش اليومية. ويعدّ اختيار وزير دفاع يملك قدرًا من الخبرة في المسائل الدفاعية – الأمنية، أو يكون على الأقل قد أثبت اهتمامه بها، إشارةً للقوات المسلحة مفادها أن الدولة تأخذها على محمل الجد. ولعل الوضع المثالي هو أن يكون وزير الدفاع والعاملون في وزارته جزءًا من بنية القوة الحكومية، وأن يتمتعوا بثقة الرئيس/ رئيس الوزراء، وأن يكونوا على استعداد للدفاع عن مصالح الجيش المهنية المشروعة. ومع أنّ الوزير جزء من الفرع التنفيذي، فإنّ علاقته بالفرع التشريعي بالغة الأهمية لأن الوظائف البرلمانية المتعلقة بصياغة قوانين متصلة بالدفاع والإشراف على الميزانية الدفاعية يكون لها في الديمقراطيات تأثير مباشر في رفاهية القوات المسلحة. من المهم أن تكون سلسلة القيادة داخل القوات المسلحة مبينة بوضوح مع إزالة أيّ التباس محتمل. ويجب أن يكون الشخص الأعلى رتبةً في الجيش، أي رئيس الأركان أو أيّ مسمى وظيفي آخر يعطى له، خاضعًا لإمرة المدني المعيّ وزيرًا للدفاع، وهو عضو مجلس الوزراء الذي يمثل الحكومة في القوات المسلحة والقوات المسلحة في الحكومة. وتكون الأغراض الرئيسة من وزارة الدفاع هيكلة العلاقة بين القادة المدنيين المنتخبين وقيادة القوات المسلحة، وذلك لتحديد المسؤوليات وتوزيعها بين العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارة، ولتعظيم فاعلية موظفي الوزارة والاستفادة من الموارد التي تأتمنها الدولة عليها.

يتولى الوزير، بمشاركة الرئيس و/ أو رئيس الوزراء وباقي أعضاء مجلس الوزراء، صياغة السياسة الدفاعية - الأمنية وتحديد الأدوار والمهمات لمختلف مكونات الجيش ووحداته. وعليه المحافظة أيضًا، مع كبار موظفي الوزارة، على علاقات ملائمة مع الوزارات الأخرى؛ فالروابط الجيدة مثلً مع وزارة المالية أو وزارة التجارة الخارجية يمكنها أن تسهّل دفع الأموال في الأوقات المناسبة واستيراد مواد. ومن الجوهري للحوكمة الديمقراطية أن تكون العلاقة بين وزارة الدفاع والفرع التشريعي بنّاءةً، وكذلك، وإن بقدر أقل، بينها وبين المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام والشركاء الأجانب. كثرت بالطبع التنويعات المحلية للترتيبات المؤسسية؛ فبعضها ناتج من حوادث تاريخية وبعضها الآخر نتاج تقاليد سياسية، وبعضها يبدو ملائمًا. ومن المهم أن تمنح سلسلة القيادة الأفضلية للمدنيين، وأن تكون واضحةً ومقننةً ومحترمةً من جميع المؤسسات ذات الصلة الوثيقة بالموضوع. وبما أنّ أحد أهداف القادة المدنيين الحرجة هو الحيلولة دون تدخل القوات المسلحة في السياسة الداخلية، فإنّ الأوضاع التي يمكن في ظلها استخدام الجيش داخليًا يجب أن تكون محددةً بموجب القانون. وبصورة عامة، يتمثّل الدور الداخلي الشرعي الوحيد للجيش في الدولة الديمقراطية الحديثة بأعمال الإغاثة إثر كوارث طبيعية، ويحتل الجيش موقعًا مثاليًا لتنفيذ هذا الهدف الذي يضاعف أيضًا ما له من تقدير مجتمعي نظرًا لما يملكه من قوى عاملة وقدرة في مجال وسائل النقل ومعدات (مثل الآليات الثقيلة لأعمال بناء الجسور، والهدم، وإصلاح البنى التحتية.) ويجب ألّ يكون للقوات المسلحة دور في مكافحة الاتجار بالمخدرات وسياسات التصنيع؛ لأن هذه النشاطات تزيد حتمًاحتمالات الفساد فضلً عن أنّها يجب أن تكون مسؤولية قوات الأمن الداخلي. ومن منطلق مماثل، يجب أل يشارك الجنود في برامج محلية مثل التنمية الريفية والإشراف على وظائف قد تعزز تسييسهم. وعلى الدول التي تحتفظ بمنظمات شبه عسكرية وقوات جندرمة ومليشيات وحرس وطني وغيرها، أن تضع نظمً واضحةً لاستخدام هذه المنظمات، ويجب أن يكون الدستور واضحًا بشأن نوع المهمات الداخلية التي يسمح للقوات المسلحة أن تتولاها والشروط الضرورية لنشر تلك القوات. كما أنّ استخدام الجيش في دولة ديمقراطية في زمن الحرب يجب أن يكون خاضعًا لنظم الدستور. تكون سلطة إعلان الحرب وحالة الطوارئ من اختصاص الفرع التشريعي عادةً أو على أقل تقدير، وعلى الفرع التنفيذي أن يحصل على موافقة البرلمان. أما نشر قوات مع إعلان رسمي أو من دونه فمسألة دستورية مهمة تتعلق، على نحو خاص، بالصلاحيات الرئاسية. وقد كانت هذه المسألة موضع نقاش موسع؛ فهي على سبيل المثال، لم تسوَّ في الولايات المتحدة الأميركية إلّ عام 1973 من خلال "قرار الصلاحيات زمن الحرب" الذي حدد بوضوح عدد الجنود الذين يجوز للرئيس نشرهم دون موافقة الفرع التشريعي والمدة الزمنية. غير أنّ إعلان الحرب في كندا لا يزال من صلاحيات الفرع التنفيذي، وحتى عند استشارة البرلمان في بعض الحالات، فإنّه لم يطالب بحق إعلان الحرب أو تحديد وقت إنهائها أو كيفية إدارتها. ويجب أن يتقاسم الفرعان التنفيذي والتشريعي المسؤولية المالية الحصرية عن النفقات الدفاعية. وتمثّل سلطة البرلمان في إعداد الميزانية، وإصدارها بقانون، وصرفها، ومراقبة إدارة الجيش لها، أقوى الأدوات التي يملكها البرلمان للسيطرة على القوات المسلحة. تبدأ عملية إعداد الميزانية في وزارة الدفاع عادةً حيث يتحقق العاملون المدنيون والعسكريون من احتياجات الوزارة للسنة التالية، ثم يرفع وزير الدفاع ميزانية وزارته إلى مجلس الوزراء حيث يجري المزيد من المداولات، وتحيل الحكومة الميزانية بعد ذلك إلى الفرع التشريعي حيث يجري النقاش الأهم في العلاقات المدنية – العسكرية الديمقراطية. في الأنظمة الديمقراطية، يقوم الفرع التنفيذي بتزويد الفرع التشريعي بالميزانية الدفاعية متضمنةً أكبر قدرٍ ممكن من التفاصيل، وذلك لكي يتمكن الثاني من تفحّصها بدقة. ويفترض أن تكون الاستثناءات الوحيدة هي البنود التي ربما يؤدي نقاشها إلى فضح أسرار عسكرية، ومع ذلك فإنّ هذه البنود يجب أن تخضع لتقييم أعضاء لجنة (أو لجان) الدفاع البرلمانية الملزمين بقسم الحفاظ على السرية. ومن المهم عندئذ، أن يحصل صانعو القوانين على معلومات دقيقة من خبراء دفاعيين مستقلين يملكون القدرة على إجراء تقييم عادل لمتطلبات وزارة الدفاع واحتياجاتها. وبعد أن يصدّق الفرع التشريعي على الميزانية، يظل على عاتقه التزام مهمّ هو التحقق من أنّ وزارة الدفاع تنفق الأموال على النحو المقرر أصلً. ولضمان السيطرة المدنية الفاعلة، يجب ألّ تتاح للقوات المسلحة إمكانية الوصول إلى موارد مالية كما يجب ألّ تشارك في أي نوع من نشاطات الأعمال. لا يجدر بالدولة الديمقراطية أن تطمح إلى جيش محايد سياسيًا، بل إلى جيش ملتزم بقوة بالحوكمة الديمقراطية. ويجب أن تكون القوات المسلحة غير مسيسة وألّ يقوم أفرادها بأي دور سياسي باستثناء حقهم في التصويت بوصفهم مواطنين، وعليهم ألّ يترشحوا لمنصب

سياسي أو يقبلوا به أو يشغلوه، وعليهم عدم الظهور في التجمعات السياسية وهم يرتدون بزّاتهم الرسمية. ويجب أن تكون عملية اختيار القيادة العسكرية العليا وترقيتها خاضعةً لسيطرة المدنيين، وذلك على النحو الأمثل من خلال مشاركة مسؤولي الفرعين التنفيذي والتشريعي، وأكرر على النحو الأمثل (ولكن ليس بالضرورة)، بعد التشاور مع كبار الجنرالات.

في جميع الأنظمة التسلطية تقريبًا يتمتع الضباط العسكريون بامتيازات وصلاحيات سياسية و/ أو اجتماعية – اقتصادية عديدة. ويكون هدف القائمين بالدمقرطة "طيّ صفحة" وضع الجيش المتميز وتأسيس قوات مسلحة تخدم الدولة ومواطنيها وموثوق بها وقادرة وتحظى أيضًا بالتقدير والاحترام. يجب أن يصبح الجيش خاضعًا للمساءلة بموجب القانون، ومطيعًا ومؤيدًا للكيان السياسي الديمقراطي، وتكون مسؤولياته المهنية منظمةً دستوريًا. غالبًا ما تكون نخب الأنظمة الديمقراطية الناشئة حديثًا على قدر قليل من الفهم و/ أو الاهتمام لجهة فهم الجيش بوصفه منظمة احترافيةً. ويُعدّ هذا خطأ مكلفًا لأنّ مصلحة الدولة المباشرة تقتضي أن تكون لديها قوات مسلحة لا تؤيد الحوكمة الديمقراطية فحسب بل تكون أيضًا قادرةً على تنفيذ المهمات التي يكلّفها بها السياسيون. لذا فإنّه من المهم، إضافةً إلى بقاء الجيش بعيدًا عن السياسة، أن يكون أيضًا قانعًا بشروط الخدمة العسكرية. ومع أنّ الجيش في الدول الديمقراطية لا ينبغي له أن يكون في حاجة إلى رشوة أو استرضاء (إن أمكن ذلك إلى أي حد)، فإنّه يجدر بالدولة أن تمنح القوات المسلحة مكانةً مهنيةً عالية المقام من خلال تزويدها بأحدث المعدات وبرواتب ومنافع لائقة، وإعلاء قيمة المهنة العسكرية في نظر المجتمع، وتحاشي التطفل على شؤون الجيش الداخلية، مثل التدريب والترقيات الروتينية، وتحاشي استخدام الجيش بأي طريقة أداةً في التنافس السياسي الداخلي. وعلى الدولة الديمقراطية أن تحترم روح التضامن بين أفراد الجيش مع المحافظة في الوقت نفسه على القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان بوصفها جزءًا من الثقافة العسكرية. يحق للجنرالات أن يتوقعوا التوجيه الواضح والسليم من الدولة. وفي الأوضاع التالية لحكم تسلطي، من المهم حصر مهمة القوات المسلحة في الدفاع عن الوطن في وجه أعدائه الخارجيين وإبعادها عن السياسة الداخلية، ومن واجب القيادة السياسية تحديد أدوار قواتها المسلحة ومهماتها. ونادرًا ما تتغير أدوار الجيش الرئيسة (الدفاع عن الدولة، وضمان الأمن في أماكن الأزمات بوصفه قوة حفظ سلام، ومحاربة الإرهاب في الداخل و/ أو في الخارج)، لكن مهماته تتوقف على أوضاع لامتناهية من حيث تنوعها. ومع أنّ إغراء إضعاف الجيش يكون في أغلب الأحيان موجودًا في الدول السائرة على طريق الدمقرطة، لا سيما بعد حكم عسكري، فعلى السياسيين مقاومة هذا الإغراء، لأنّهم مسؤولون بخاصة عن ضمان احتفاظ القوات المسلحة بقدرتها على الدفاع عن الدولة. وفي الوقت نفسه، ينبغي لحجم الجيش أن يكون متناسبًا مع التحديات التي يمكن أن يواجهها. والدولة التي تحتفظ بجيش دائم كبير الحجم من دون ضرورة لذلك وبسلك ضباط منتفخ، تبدد مواردها (ويعتمد ذلك على البيئة السياسية طبعًا)، بل إنّها ستكون عرضةً للمشاكل دائمًا. وفي حال ظهرت على الضباط عوارض الملل أو الاستياء، فإن تكليفهم بمهمة حفظ سلام دولية وسيلة جيدة لإشعارهم بأنّهم نافعون ومقدّرون. تسعى الدول السائرة على طريق الدمقرطة إلى هدف حرج يتمثل بزيادة احترافية القوات المسلحة. ويمكن تحقيق هذا الهدف بمشاركة كبار الضباط، وذلك بوضع نظام ملائم للتدريب والتثقيف العسكري وتعزيز ثقافة تنظيمية تقوم على ضبط النفس واحترام الدستور والاعتراف بالتضحيات التي يقدّمها المجتمع دفاعًا عنه. ولتوقيت هذه الإصلاحات وتسلسلها أهمية بالغة؛ إذ ربما يؤدي التسرع فيها، لا سيما في دمقرطة دول خرجت من حكم عسكري، إلى عكس النتيجة المرجوّة. وفي سياق سياسي تكون فيه القوات المسلحة مهددة بتدخّل مدني عدواني في شؤونها الداخلية، من الأفضل تأجيل تغييرات معينة أو تطبيقها تدريجيًا.

الجانب المجتمعي من العلاقات المدنية - العسكرية

الجانب المجتمعي مكوّن لا غنى عنه من مكونات مثلث العلاقات المدنية – العسكرية، تمامًا مثل الدولة والقوات المسلحة. لقد أصبحت المسائل المجتمعية ذات أهمية متزايدة منذ الحرب العالمية الثانية، وبدرجة أكبر في العقود الثلاثة الأخيرة. ويستحيل تكوين أحكام علمية بخصوص ضرورة أن يكون لدولة ما جيشٌ احترافي أو قائم على التجنيد الإلزامي من دون فهم موقف الرأي العام من الخدمة الإلزامية، والتوجهات الديموغرافية، ونظام التعليم. فما هي المسائل المجتمعية الأساسية التي يجب أن يتصدى لها القائمون بالدمقرطة؟

11 مجندون إلزاميًا أم متطوعون؟

من بين المسائل الأساسية المتعلقة بجيشٍ ديمقراطي تحديد أيّ نوع سيتم اعتماده؛ هل هو التجنيد الإلزامي؟ أم التطوع الاختياري؟ ويمكن سوق حجج سليمة تأييدًا لكلٍ من الجيوش القائمة على التجنيد الإلزامي والجيوش القائمة على التطوع؛ ففي الدول التي تواجه تهديداتٍ خارجية شديدةً، حيث يُعدّ التدريب العسكري بالنسبة إلى معظم المواطنين مرغوبًا فيه اجتماعيًا وضروريًا من الناحية الإستراتيجية، وحيث لا توجد معارضة شعبية كاسحة للتجنيد، فإنّ التجنيد الإلزامي العام يكون الخيار المفضل عادةً. وعلى الدول الديمقراطية أن تتأكد من أنّ التجنيد يطبَّق على نحوٍ عادل وأنّ الأفراد الذين تحرّم عليهم معتقداتهم الدينية أو الشخصية حمْل السلاح أو تأدية الخدمة العسكرية، يمنحون خيار خدمة غير مسلحة في الجيش أو يكلَّفون بعمل في مجالات نافعة اجتماعيًا (مثل العناية الصحية، والعناية بكبار السن، أو التعليم.) تميل الجيوش القائمة على التجنيد الإلزامي إلى أن تكون أقل فاعلية وأكثر احتياجًا إلى موارد على أساس كل جندي مقابل مقدار القدرة العسكرية التي تتيحها، كما أنها تعمل عادةً كما لو كانت في الواقع معاهد تدريب ينفق عليها على حساب التحديث الدفاعي. ومع ذلك، فإنّ إحدى الحسنات الكبرى للخدمة العسكرية الإلزامية أنّها تستطيع أن تكون وسيلة تنشئة اجتماعية قادرةً على الجمع بين شبان من خلفيات اجتماعية - اقتصادية وعرقية - دينية متفاوتة، والمساعدة في دمجهم ضمن مجتمع حقيقي عبر التدريب والتجارب المشتركة. وفي العادة، تجذب الجيوش القائمة على التجنيد الإلزامي تفحصًا مجتمعيًا أكثر نشاطًا نظرًا إلى توافر نسبة كبيرة من المواطنين الذين أدّوا خدمتهم أو لهم قريب كان قد خدم في القوات المسلحة. إضافةً إلى ذلك يتوضح أنّ الخدمة العسكرية الإلزامية، لا سيما في المجتمعات المحاربة، تؤدي إلى مستوى أعلى من المشاركة السياسية، بينما يكون للجيوش القائمة على التطوع تأثيرٌ معاكس في العادة في نشاط المواطنين السياسي. وإذا نظرنا إلى كلّ العوامل على أنّها متساوية، يكون الخيار الأكثر ديمقراطية هو الجيوش القائمة على التجنيد الإلزامي التي يتم فيها تقاسم عبء الخدمة العسكرية بالتساوي تقريبًا. ولأنّ الأفراد المجندين إلزاميًا يأتون من أطياف المجتمع كافةً، فمن غير المرجّح أن يضعوا حياتهم على المحك من أجل نخبٍ سياسية لا يعدّها المجتمع شرعيةً. أما الجنود الاحترافيون أو المتطوعون فقد اختاروا المهنة بأنفسهم، كما أنّهم لا يمثّلون عينةً تمثيليةً من الجماعة التي ينتمون إليها. لكن في مجتمع ديمقراطي يكون فيه سلوك الجنود محكومًا بنظم يقرّها المدنيون، لن يكون المتطوعون أكثر استعدادًا من المجندين إلزاميًا لطاعة ضابط يصدر أمرًا مخالفًا للقانون أو الدستور. وبحسب عددٍ من الخبراء، تعتمد هيبة الجيش على الاستحسان المجتمعي. وهنا أيضًا، فإنّ شرعية النظام هي جانب حاسم من جوانب الموضوع ولكن يتم تجاهلها في أحيان كثيرة. وربما يحظى جيش ما بتاريخ مجيد وتقاليد حربية ممتازة لكنه لا يستطيع الاعتماد على التأييد الشعبي إذا كان في خدمة نظام غير شرعي. السؤال الآخر المعياري والمهم هو: هل ينبغي للجيش بوصفه مؤسسة أن يعكس قيمً مجتمعيةً؟ لكن ربما لا ينتظر الناس العاديون من جنودهم وضباطهم أن يكونوا مرآةً لقيمهم بقدر ما يتوقعون منهم أن يكونوا احترافيين ذوي كفاءة يؤيدون الحكم الديمقراطي دون تردد ويتقيدون بالدستور.

22 الانقسامات الإثنية - الدينية

يجب أن يكون الجيش الديمقراطي منفتحًا بالقدر نفسه على الأفراد من مختلف الهويات الإثنية - الدينية والخلفيات المناطقية. وهي مسألة غير متنازع فيها على ما يبدو. كما يجب الحكم وفقًا للمعايير ذاتها على الذين يريدون أن يخدموا جنودًا احترافيين. وفي بعض الحالات، من الحكمة تطبيق سياسات تشجّع مشاركة الأقليات التي لا تتمتع بتمثيل كافٍ. وينبغي التعامل مع عدد من الأسئلة الإضافية في المجتمعات المتعددة إثنيًا و/ أو المتعددة دينيًا، وهي أسئلة ليست لها أجوبة قياسية. بل إنّ الأجوبة تعتمد على السياق المعين. على سبيل المثال، هل على الدولة أن تتدخل في الحالات التي يكون فيها أفراد إثنيةٍ أو ديانةٍ ما ممثلين في سلك الضباط على نحو غير متناسب ليس بسبب تلاعب سياسي بل لأنّ مجموعةً ما أكثر اهتمامًا من غيرها بالمهنة العسكرية؟ وهل يجب إعطاء الجنود فرصة تأدية الخدمة في مناطقهم العرقية/ الدينية؟ أم يجب، ربما

لأغراض الاندماج الاجتماعي، أن يكونوا في مناطق عرقية/ دينية غير مناطقهم؟ وهل ينبغي، بدلً من ذلك، أن تتألف كل وحدة من جنود ينتمون إلى إثنيات وأديان مختلفة؟ أم ينبغي أن يكونوا من الخلفية الإثنية/ الدينية ذاتها؟ فيٍ الدول المتعددة الإثنيات والمتعددة الديانات التي تعاني انقسامات عميقةً، أو في الدول التي تسود فيها أوضاع تالية لحرب أهلية، لعل القائمين بالدمقرطة المهتمين بتماسك الوحدات العسكرية الصغيرة نسبيًا، مثل السرية والكتيبة وحتى الفوج، يختارون تنظيمها على أساس الإثنية و/ أو الدين؛ فتنظيم وحدات من مذهب واحد في الجيش العراقي الجديد، أثناء الأعمال العدائية بين الشيعة والسنة وبعيدها، ربما يبدو النهج العاقل والحذر الذي ينبغي السير عليه. وربما يكون ذلك خطوةً أولى مقبولة في اتجاه إنشاء مؤسسة عسكرية متعددة الإثنيات حقًا تتصف بوحدات متكاملة إثنيًا ودينيًا. إلا أنّ بلوغ هذا المثال ليس أمرًا سهلً، فحالات التكامل الإثني – العرقي - الديني الناجح على مستوى وحدة عسكرية قليلة نسبيًا من الناحية التاريخية. ويتطلب النجاح بهذا الخصوص صبرًا مجتمعيًا، وفي بعض الحالات تدخلً سياسيًا مكشوفًا، مثل إلغاء التمييز العنصري في القوات المسلحة الأميركية في تموز/ يوليو 1948 بموجب الأمر التنفيذي رقم 9981 الذي أصدره الرئيس هاري ترومان.

33 الهوية الجندرية والجنسية

كان عدد من المسائل التي شهدت نقاشًا علنيًا خلال العقود الأخيرة يتركز في التوجه الجندري والجنسي للجنود المحتملين: إلى أي مدى يجب أن تمضي القوات المسلحة لكي تستوعب الإناث من الجنود؟ وهل ينبغي السماح للنساء بالخدمة في مواقع القتال؟ وهل يجب إرغام الجنود على كشف توجههم الجنسي؟ وهل على الجيش أن يفتح أبوابه للجنود الذين يجاهرون بأنّهم مثليون؟ وبحكم التجربة يبدو أنّ الإرادة الشعبية هي التي يجب أن تقرر الأجوبة عن هذه الأسئلة في دولة ديمقراطية. وغالبًا ما تتبنّى المجتمعات، حتى الديمقراطية، قيمً مختلفةً تمامًا مع تأييد مقاربات مغايرة، ولهذا فليس مستغربًا أن يتبنّى مواطنو إسرائيل وهولندا والولايات المتحدة أفكارًا مختلفة بخصوص هذه المسائل.

44 الجيش مختبر اجتماعي

تُطرح مسألة مهمة هي: هل يجدر بالدولة أن تستخدم القوات المسلحة لتطبيق سياسات تقدمية يعدّها المجتمع مثيرةً للجدل؟ فالدول الديمقراطية تسيطر على القوات المسلحة، مع أنّها لا تتمتع سوى بنفوذ محدود على مجتمعاتها. وبناءً عليه، فالنجاح في تطبيق برامج اجتماعية تقدمية لكنها مثيرة للجدل، داخل صفوف الجيش، يساعد في إقناع بقية المجتمع بصحة تلك البرامج؛ إذ بدأ الدمج العرقي في الجيش الأم كيرر، على سبيل المثال، مبكرًا، في وقت لم يكن الاتجاه السائد في المجتمع، بخاصة في عدد من مناطق البلاد، مستعدًا للاقتداء به. وهكذا أصبح الجيش أول منظمة كبيرة في أميركا يضمن فيها السود الحصول على فرص نجاح متساوية، ولاقت هذه السياسة نجاحًا مشهودًا لأنّها "صحيحة"، ولأنّها عززت كفاءة القوات المسلحة أيضًا.

55 وسائل الإعلام

تكون وسائل الإعلام في الديمقراطيات حرةً في تقصّ أوضاع القوات المسلحة وإعداد تقارير بشأنها، عاملةً بذلك بوصفها مشرفًا على الجيش لحساب المجتمع ومصدرًا مهمً للمعلومات حول الشؤون العسكرية. ويجب أن يتوافر للصحافيين الاطلاع بقدر كافٍ على مجريات الأمور في المؤسسة الدفاعية – الأمنية، دون تعريض الأسرار العسكرية للخطر؛ بحيث يمكنهم الوفاء بمسؤوليتهم لجهة المساهمة في النقاشات المجتمعية حول الإصلاحات الدفاعية والمسائل الأمنية ومبادرات السياسة الخارجية. وتزداد أهمية واجب وسائل الإعلام بإعداد تقارير نزيهة في الدول التي تقوم جيوشها على التطوع، وذلك لأنه ربما لا تتوافر للناس العاديين طرق أخرى للحصول على معلومات حول المسائل الدفاعية. كما يمكن للصحافة أن تقوم بدور نافع من خلال مراقبة القوات المسلحة وإعداد التقارير عنها على نحوٍ مستمر، ما يساعد على الحيلولة دون ابتعادها جسديًا ونفسيًا عن المجتمع الأكبر ويضمن بقاءها جزءًا قيّمً من المجتمع. ومن الواضح والبديهي أنّ المؤسسات الإعلامية مسؤولة عن إعداد تقارير دقيقة وموضوعية عن مجريات الحروب، لكنها، حتى في الدول الديمقراطية، تتعرض لضغوط تمارسها الدولة لكي تبثّ روايةً منحرفةً عن الحقيقة. وهذا امتحان لمدى شجاعة وسائل الإعلام واستقلاليتها. على الدول الديمقراطية أن تعزز كفاءة المدنيين في المواضيع الدفاعية لأنّ التسلح بهذه المعرفة هو وحده الذي يجعل الفرع التشريعي قادرًا على أن يكون المشرف العليم والماهر على القوات المسلحة. كما أنّ التمتع بخبرة في هذا المجال داخل البرلمان وفي المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، يحول دون هيمنة الفرع التنفيذي على المجال العسكري. ومما لا شك فيه أنّ تكوين خبرة عسكرية هو مسعى يستغرق كثيرًا من الوقت، ومن الأفضل بدء ذلك في مرحلة مبكرة. وربما لا يتوافر في العديد من الدول السائرة على طريق

الديمقراطية مدربون أو خبراء موثوق بهم يمكن تكليفهم بتولي تعليم المتخصصين الدفاعيين الجدد، لذا يمكن في هذه الحالات الاستعانة بمؤسسات ومدربين من الخارج.

66 المنظمات غير الحكومية

تمثّل المنظمات غير الحكومية في الدول الديمقراطية، والدول غير الديمقراطية في حالات معينة، ما يمكن وصفه بالمقر المؤسسي للخبراء الدفاعيين المستقلين، مؤديةً بذلك وظيفةً جوهريةً في العلاقات المدنية – العسكرية. ويقوم الخبراء الدفاعيون المستقلون الذين ربما يعملون في المؤسسات البحثية أو في الجامعات، بإعداد بحوث ذات صلة بالسياسات تتناول المسائل العسكرية والأمنية. ويتمثل عملهم مع الصحافة بدقّ "جرس الإنذار من الحريق"، إذا اكتشفوا نشاطاتٍ معاديةً للديمقراطية في المؤسسة الدفاعية – الأمنية، مثل الفساد أو التدخّل السياسي أو مخالفات في مشتريات أسلحة. ويعاني كثير من الدول السائرة حديثًا على طريق الديمقراطية نقصًا حادًا على مستوى الخبرة الدفاعية المستقلة. ويعود السبب في هذا إلى أن الجيش في معظم الأنظمة غير الديمقراطية يحتكر الخبرة والتدريب في المجال الدفاعي ويحرص على التحقق من عدم حدوث أيّ نقاش علني حول المواضيع ذات الصلة بالأمن وعدم الشروع في أي تثقيف بهذه المواضيع. لذلك فإنّ ملء هذا الفراغ بسرعة يُعدّ مهمةً ضرورية للدول الديمقراطية.

السياسة العسكرية في الدول التسلطية

من أجل الشروع في التفكير في كيفية بناء جيوش ديمقراطية؛ أي جيوش مؤيدة للحوكمة الديمقراطية، فإنّه من المهم معرفة نقطة البداية في تلك العملية وأساسها. كما سنرى، يختلف الوضع اختلافًا هائلً حين يبدأ بناء جيوش ديمقراطية بعد حكم شيوعي أو حكم عسكري. والفارق كبيرٌ بين العلاقات المدنية - العسكرية في الدول التسلطية وفي الديمقراطيات. هناك نوعان رئيسان من الدول التسلطية؛ يتمثّل الأول بالدول الخاضعة لحكم شيوعي، ويتمثل الثاني بالدول الخاضعة لحكم عسكري. ومع أنّ النوعين مختلفان من نواحٍ عدة، فهما متشابهان أيضًا في عدة مستويات، أهمها عدم توافر شفافية في الشؤون العسكرية.

العلاقات المدنية - العسكرية في ظل الحكم الشيوعي

يكمن أهم الاختلافات الرئيسة بين الأنظمة السياسية الديمقراطية والأنظمة الشيوعية (أو الاشتراكية) في أنّ الحزب الشيوعي في الثانية يحكم جميع الفاعلين السياسيين الآخرين. والكلمة المفتاحية في الدول الشيوعية هي "السيطرة"، بحيث يسيطر الحزب الشيوعي أساسًا على مجمل النشاط المنظم، ويعدّ نفسه صاحب الدور القيادي في الدولة التي يتوقف نجاحها على مدى نجاحه في ممارسة سيطرته على جميع المؤسسات الأخرى. وتبين أنّ الدول الاشتراكية أكثر ميلً من الدول الديمقراطية إلى الروح العسكرية وأنّ معظمها يقيم منظمات عسكريةً كبيرةَ الحجم (يكفي أن نستحضر الجيوش المتضخمة الموجودة حاليًا في الصين وكوبا ولاوس وكوريا الشمالية وفيتنام.) تقوم الجيوش الشيوعية على التجنيد الإلزامي الذي يُستخدم أيضًا وسيلةً فعالة للسيطرة الاجتماعية إضافةً إلى تزويد الجيش بأعداد كبيرة من المجندين. واستُخدم التثقيف العسكري الذي يركّز في تقاليد الجيش التقدمية ودوره المهم في المجال الاجتماعي السياسي، من أجل تنشئة الأولاد اجتماعيًا قبل وقت طويل من بلوغهم سن الخدمة العسكرية الإلزامية. كما أنشأ الحزب الشيوعي منظماتٍ شبه عسكرية لدعم الجيش شعبيًا وكذلك لتجهيز المشاركين فيها بمهارات كانت مفيدةً للقوات المسلحة. وإضافةً إلى ذلك، جرت عسكرة العلم والتكنولوجيا والاقتصاد الوطني، مع أنّ مدى هذه العسكرة كان يختلف كثيرًا تبعًا للدولة المعنية والمدة التاريخية. لا يوجد في الدول الشيوعية تقسيم واضح بين النخب المدنية والنخب العسكرية. والجيش في الدول الشيوعية مسيّس بطبيعته. وفي واقع الأمر، فإنّه يجري تشجيع القوات المسلحة على المشاركة في العمليات السياسية بصفات مثل عضو أو مستشار، حتى في أعلى الهيئات الصانعة للقرارات. ولهذا السبب فإنّنا نجد، على سبيل المثال، أنّ الصور الملتقَطة لمؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني أو تجمعات المسؤولين في كوريا الشمالية تزخر بالضباط العسكريين الكبار. ويجري حثّ الأفراد من العسكريين الاحترافيين على أن يصبحوا أعضاء في الحزب الشيوعي. وفي الواقع، فإنّ عضوية الحزب الشيوعي تكون عادةً شرطًا مسبقًا لدخول سلك الضباط. تقيم الأحزاب الشيوعية الحاكمة روابط وثيقةً مع قواتها المسلحة بدافع الضرورة؛ فدعم الجيش لا غنى عنه لبقاء النظام. ويكون الجيش في الدول التي يحكمها الحزب الشيوعي في تحالف مع الحزب، مسيطرًا عليه سيطرةً محكمةً ويقوم على الاعتماد المتبادل، لكن الحزب الشيوعي هو الشريك الأعلى مقامًا دائمًا. ويحتاج الحزب

الشيوعي إلى قوات مسلحة موالية للنظام، تستطيع على نحو موثوق تأدية المهمات الموكلة إليها، ومنها الدفاع عن النظام الشيوعي في وجه أعدائه الداخليين والخارجيين. إضافةً إلى هذا الدور، يكون الجيش أيضًا حامي التراث الثوري – الأيديولوجي للحزب، وهو يعمل أداةً للتنشئة السياسية على الصعيد الاجتماعي، ويقدم المساعدة على إثر حدوث كوارث طبيعية وفي أوقات المصاعب الاقتصادية، حتى إنّه يشارك في إنتاج البضائع والخدمات. كما يحتاج الجيش إلى الحزب الشيوعي لإدامة وضعه المادي وهيبته الاجتماعية وتحسينهما. إنّ السيطرة الشاملة على الجيش مصلحة أساسية لدولة الحزب الشيوعي؛ فهي تحتاج إلى التحقق من بقاء القوات المسلحة موالية بالكامل للنظام. وتخضع الجيوش الشيوعية، بدءًا من لحظة إنشائها، لمراقبة منظومة كاملة من الضباط السياسيين تكون وظيفتها الأساسية المحافظة على النقاء الثوري في صفوف الجيش. وللحزب الشيوعي طريقة أخرى يمارس من خلالها سيطرته على الجيش، وهي إنشاء نخب مزدوجة؛ وذلك بمحاولة استقطاب الضباط العسكريين ذوي الرتب الرفيعة إلى مستويات هرمية مختلفة في الحزب. وتتمتع النخبة العسكرية في أغلب الدول الشيوعية بحسن تمثيلها على جميع مستويات قيادة الحزب الشيوعي تقريبًا. ومع أنّ الجيش امتنع تقليديًا عن التدخل في النزاعات الداخلية في الحزب الشيوعي، فهو يتدخل (كما حدث في الاتحاد السوفياتي عامي 1957 و 1991) بوصفه ممثلً للحزب وليس بصفة عسكرية.

22 السياسة العسكرية والحكم العسكري

يتصف الحكم العسكري بتنوعٍ أوسع نطاقًا من تنوع الحكم الشيوعي. ويكون هدف الحزب في الدول الشيوعية السيطرة، ليس على السياسة فحسب بل على المجتمع والاقتصاد أيضًا. أما في الدول الخاضعة لحكم عسكري، فإنّ القوات المسلحة تكتفي عادة بالسيطرة على التوجيه الإجمالي للحياة السياسية إضافةً إلى السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية. لكن تظهر أيضًا تباينات هائلة. يبدأ الحكم العسكري عادةً بانقلاب عسكري، وربما يكون الاستيلاء على الدولة مصحوبًا بالعنف. وأسباب استيلاء العسكر على الحكم مختلفة جدًا؛ فربما يعتقد الجنرالات أنّ ازدهار الدولة أو بقاءَها قد أصبحا في خطر، أو ربما يريدون ببساطة الإثراء أو التحقق من أن النخب التي يفضلونها ستتقلد سلطةً سياسيةً. وبينما يبدأ الحكم العسكري بتأييد مجتمعي كبير في أحيان كثيرة، حين يخيب أمل المواطنين في الحكم المدني، فإنّ حكم الحزب الواحد الشيوعي لم يسبق له أن جاء نتيجة تأييد أغلبية الشعب. ربما يكون الحكم العسكري متدني الكثافة نسبيًا، بحيث لا يتقلد أفراد القوات المسلحة سوى عدد قليل من المناصب القيادية في الدولة (الرئيس، ورئيس الوزراء، وحقائب وزارية) لكن يظل المدنيون مهيمنين على الجهاز البيروقراطي وعلى هرمية الدولة. وبدلً من ذلك، فإنّ الحكم العسكري قد يكون تطفليًا بدرجة كبيرة، وذلك في الحالات التي لا تسيطر فيها القوات المسلحة على السياسة فحسب بل على التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية أيضًا. ومع أنّ الحكم العسكري هو دائمًا حكم معادٍ للديمقراطية، فالاختلافات في ما يؤول إليه كبيرة؛ فعلى سبيل المثال، نُسب على نطاق واسع إلى عدد من حالات الحكم العسكري، الفضل في خلق الأوضاع المؤدية إلى تقدم اقتصادي (تشيلي، وكوريا الجنوبية.) كما أنّ حالات الحكم العسكري تختلف في ما يخص انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها. يسيطر الجيش في ظل الحكم العسكري، وبحكم التعريف، على جهاز الدولة الإكراهي. فما السبب الذي يجعله يتخلى عن السلطة؟ هنالك سببان إجمال: الفشل في الحكم: يقرّر الجنرالات الانسحاب من حلبة السياسة لأنّهم كانوا عمومًا حكامًا غير أكفاء وغير شعبيين على نطاق واسع. وربما تجلى عدم كفاءتهم في تراجع الاقتصاد، أو في نزاع اجتماعي طويل الأمد، أو في هزيمة في حرب، أو في توليفة من هذه الظواهر (مثلً: اليونان والأرجنتين بعد حكم عسكري.) "أنجزنا المهمة:" في هذه الحالة، تقوم النخب العسكرية طوعًا بنقل السلطة السياسية إلى المدنيين لسببٍ أو أكثر من الأسباب الثلاثة التالية: أدارت هذه النخب البلاد وحققت، من وجهة نظرها على الأقل، الأهداف التي سعت لتحقيقها؛ وأدركت أنّ استمرارها بالمشاركة في السياسة سيعرّض ما تتمتع به من تقدير اجتماعي وهيبة مؤسسية للخطر؛ وأنّ سبب انسحابها من حلبة السياسة "التعب من الحكم"، أي إنّها قد ضاقت ذرعًا بالمسؤوليات السياسية وأصبحت ترغب في العودة إلى ثكناتها أو الوفاء بتعهّدها بإجراء انتخابات أو استفتاء واحترام ما يسفر ذلك عنه من نتائج (مثلً: تشيلي وكوريا الجنوبية بعد حكم بريتوري.)

تحديات العلاقات المدنية - العسكرية بعد حكم تسلطي

تختلف التحديات بعد حكم عسكري عمّ هي عليه بعد حكم شيوعي اختلافًا أساسيًا. حين يترك الجيش السلطة، فإنّ الهم الرئيس للقائمين بالدمقرطة هو إخراج الجيش من السياسة، أي إنهاء تدخّل الجنرالات في الحياة السياسية، وفي حال قيام الجيش بدور في الإشراف

على الاقتصاد أو المشاركة في نشاطات اقتصادية وتجارية ومالية، فيجب إبعاده عن هذه القطاعات أيضًا. لكن نظرًا إلى سيطرة الحزب الشيوعي الشاملة على القوات المسلحة في الدول الاشتراكية، فإن المهمة الأساسية تكون عندئذ على العكس من ذلك بالضبط: إخراج السياسة من الجيش، أي بعبارة أخرى إبعاد الحزب الشيوعي ووكلائه (الضباط السياسيون، ومنظمات الحزب) عن الثكنات. في هذه الأوضاع، يجب الاهتمام بمسألة تتعلق بالاحترافية؛ فالجدارة ليست العامل المهيمن في الترقي في ظل الحكم الشيوعي، بل الولاء للنظام. تكون التحديات بعد حكم عسكري أكثر مشقةً؛ إذ يجب إنشاء إطار مؤسسي جديد لكي تتمكن العلاقات المدنية - العسكرية من تأدية وظيفتها الديمقراطية، مع اهتمام خاص بتأسيس سيطرة مدنية متوازنة بين الفرعين التنفيذي والتشريعي. أما في الدول الخارجة من حكم شيوعي، حيث كان الجيش خاضعًا لسيطرة مدنية محكمة (أي سيطرة الحزب الشيوعي)، فإنّ المهمة الأكثر تحديدًا ستكون تقوية إشراف الفرع التشريعي على القوات المسلحة؛ ذلك أنّ البرلمانات في الأنظمة الاشتراكية كانت، على نحو كبير، مؤسساتٍ صورية.ً ومع أننا شهدنا العديد من التجارب المختلفة والمتباينة في الانتقال من حكم عسكري في اتجاه الديمقراطية، يمكن الحديث عن عدد من الأحكام العامة: سيؤثّر سجل الحكومة العسكرية تأثيرًا كبيرًا في تحديد نفوذ النخب العسكرية التي تركت الحكم في تعاملاتها مع النظام المدني الذي يخلفها. يتمثّل أهم التنازلات التي يريدها الحكام البريتوريون السابقون من خلفائهم المدنيين بأن يظل لهم صوت في السياسة (لا سيما في الشؤون الخارجية والدفاعية)، وحصانة من الملاحقة القضائية (بسبب انتهاك حقوق الإنسان وحقوق أخرى أثناء مدة حكمهم)، وميزانية دفاعية كبيرة مع سلطة التحكم في نواحي تخصيصها، والاستقلالية في إدارة الشؤون العسكرية على النحو الذي يرونه ملائمًا. أثناء مدة الانتقال، يستعد القائمون بالدمقرطة لإمكانية قيام القوات المسلحة بمحاولات انقلابية وأعمال تدخل سياسي و/ أو لإمكانية حدوث حركات تمرد في صفوف القوات المسلحة. لا تحظى المنظمات الدولية بموقع مؤثّر في عمليات انتقال الأنظمة (في الأوضاع التالية لحكم بريتوري ولحكم شيوعي) إلّ إذا كانت تقدّم إضافةً جوهريةً للدولة السائرة على طريق الدمقرطة (مثل المكانة التي تمنحها عضويتها، والمساعدة الاقتصادية المعتبرة.)

بناء جيوش ديمقراطية

ما هي الصفات المشتركة بين الدول والمجتمعات التي نجحت في بناء جيوش ديمقراطية؟ وما الذي ينبغي للنشطاء والسياسيين الديمقراطيين عمله في المجال الأمني – الدفاعي لتسريع توطيد الديمقراطية؟ وما الذي عليهم تحاشيه؟ وما هي النصيحة التي يمكن تقديمها للذين يضعون السياسات ويطبقونها؟

11 الوضوح: إطار مؤسسي شفاف وغير مبهم

يجب أن يكون تزويد القوات المسلحة ببيئة سياسية شفافة هدفًا أساسيًا للقائمين بالدمقرطة، أن تكون الدساتير واضحةً بشأن سلسلة القيادة في زمنَي السلم والحرب، وفي حالات الطوارئ الوطنية. فما المسعى السياسي المقبول من جانب أفراد القوات المسلحة، قيد الخدمة والاحتياطيين والمتقاعدين؟ وهل يجب تمكينهم من التصويت والالتحاق بأحزاب والظهور ببزاتهم في التجمعات السياسية، والترشح لمناصب؟ يجب تفسير كل ذلك وتنظيمه، كما يجب تطبيق عواقب عدم الالتزام. ينبغي للحكومة أن تسعى إلى الشفافية في تعاملاتها مع قيادة القوات المسلحة. وإذا أمكن ذلك بأي قدر، فإنه ينبغي للقادة السياسيين أن يفسروا لكبار الضباط أمورًا، منها على سبيل المثال المبررات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لميزانية الدفاع، وأسباب اعتراض رئيس الوزراء على بعض الترقيات (إن فعل ذلك)، أو أسباب النقاشات الحزبية المتعلقة بإلغاء التجنيد الإلزامي العام. تقلل هذه الشفافية الشعور بعدم الأمان، وتبني الثقة، وتساعد في القضاء على فبركة الشائعات وترويجها.

22 التدرج والحلول الوسط

لا يُنصح بإجراء تغييرات سريعة وجذرية في العديد من عمليات الانتقال الديمقراطي بعد حكم عسكري؛ لأنّها ربما تثير من دون داعٍ غضب الذين يعني تغيير النظام بالنسبة إليهم خسارة سلطتهم وامتيازاتهم. لذلك، فإنّ اتباع مقاربة تدريجية تحبذ بناء التحالفات والاستعداد لتقديم تنازلات مقبولة، يكون عادةً طريقة التقدم الحصيفة. وفي البلدان التي تحتفظ فيها القوات المسلحة بقدرٍ من

النفوذ السياسي والمكانة الشعبية بعد انسحابها من سدة الحكم، من المهم عدم استعدائها دون وجود ضرورة لذلك، مع وضع برامج إصلاحات سريعة، تكون معلنةً ومصممةً لتقليل استقلالية القوات المسلحة و"علاواتها." وربما يؤدي عدم قدرة السياسيين على التوصل إلى حل وسط حين يكون ذلك ضروريًا أو عدم قدرتهم على إرضاء الجنرالات بشأن مسائل ضئيلة الأهمية، إلى تسهيل استعداء أشخاص كانوا قبل ذلك مستعدين لأن يخضعوا للسيطرة المدنية. وبعبارة أخرى، فإنّ الحلول الوسط الإستراتيجية تستطيع تعزيز احتمالات التوطيد الديمقراطي الناجح والسيطرة المدنية على القوات المسلحة.

33 تقوية مشاركة الفرع التشريعي

ترتبط المشاركة البرلمانية النشيطة في شؤون الأمن والدفاع بالعلاقات المدنية – العسكرية الديمقراطية ارتباطًا مباشرًا. وبناءً عليه، يجب أن يكون تعزيز نفوذ الفرع التشريعي بزيادة سلطة لجنته (أو لجانه) الدفاعية والتشجيع أو حتى المطالبة بمساهمتها مساهمةً جوهرية في الإجراءات والمداولات المتعلقة بالقوات المسلحة، من أولويات الناشطين الديمقراطيين. وفي الواقع، فإنّ مشاركة الفرع التشريعي بقوة في المسائل الدفاعية هي في العادة مبشّة وموثوقة بعلاقات مدنية – عسكرية ديمقراطية. ويكون أعضاء البرلمان في الديمقراطيات الموطدة ممثلين حقيقيين لناخبيهم. ومع ذلك، فإنّ المشرعين في العديد من الديمقراطيات لا ينهضون بدور مستقل في الإشراف على القوات المسلحة بسبب تحديدات مفروضة على حريتهم في العمل، وعدم اطلاعهم الكافي على بيانات ومعلومات موضوعية تبعًا لما يفرضه فرع تشريعي أكثر منهم نفوذًا، أو بسبب عدم خبرتهم في المواضيع الدفاعية أو عدم اهتمامهم بها.

يُعدّ قيام الفرع التشريعي بدور نشيط أمرًا لا غنى عنه لسيطرة مدنية متوازنة على الجيش. ولا يشمل هذا الدور مناقشة القوانين المتعلقة بالدفاع وإقرارها فحسب بل يشمل أيضًا (ولهذا أهمية حاسمة) المشاركة النشيطة في جوانب ثلاثة من الشؤون المالية الخاصة بالقوات المسلحة: تحديد العملية المتعلقة بكيفية وضع الميزانية الدفاعية وتحديد المؤسسات التي تقوم بذلك، والمشاركة في صيغة الميزانية الدفاعية الفعلية، والإشراف على صرف النفقات الدفاعية وجهة استخدامها. لكن إعطاء الفرع التشريعي سلطة مفرطة على القوات المسلحة قد ينتج منه ترتيب مؤسسي غير متوازن، وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، فإنّ هيمنة دور الفرع التشريعي على الجيش تعوق سرعة صنع القرار السياسي وتضر بالوظائف الأساسية للقوات المسلحة في نظام ديمقراطي، والتي تتحدد بكونها المدافع عن الدولة القادر والمستعد، و/ أو بكونها المشارك النشيط والنافع في التحالفات العسكرية.

تشجيع المشاركة المدنية/ المجتمعية في الشؤون الأمنية

بإمكان الخبراء الدفاعيين المدنيين المستقلين والمنظمات غير الحكومية والصحافيين المعنيين بالمسائل الأمنية، القيام بدور مفيد في تقديم المشورة للمسؤولين المنتخبين والجمهور بخصوص الشؤون العسكرية. وتؤدي مشاركتهم إلى تشجيع الشفافية كما أنها تعزز الثقة بين المجتمع والدولة والقوات المسلحة. لذلك فاستحداث دورات دراسية الجامعات، والسماح للمدنيين (الصحافيين، والبيروقراطيين في، والسياسيين، ومن على شاكلتهم) بأن يسجلوا في برامج ملائمة في الأكاديميات العسكرية، وتقديم مبالغ ملائمة من المال العام للمنظمات غير الحكومية التي تعدّ دراساتٍ حول المسائل الدفاعية، ستساهم كلّها في تحسين العلاقات المدنية – العسكرية إجمال. وعمومًا، فتوافر حريات مضمونة لوسائل الإع مًاا ليس ضرورة لعلاقات مدنية – عسكرية ديمقراطية فحسب، بل إنّه لا يمكن توطيد الديمقراطية من دون هذه الحريات.

التثقيف المواطني والتدريب العسكري:

دور الجيش الصحيح

في النظام المدرسي وفي الكليات والأكاديميات العسكرية، يجب إعطاء دروس للتلاميذ والمتدربين والطلاب العسكريين حول دور القوات المسلحة الصحيح في دولةٍ ومجتمع ديمقراطييَن. وعلى الدولة أن تبذل جهدًا في تعليم مواطنيها بدءًا من مرحلة مبكرة في إطار تعليمهم الرسمي بأنّ دور الجيش يقتصر على حمايتهم من التهديدات الأجنبية، وتقديم المساعدة إثر كوارث طبيعية، ومساعدة عمليات

حفظ السلام الدولية إن أمكن ذلك. وعلى نحو مماثل، فإنّ التعليم العسكري الاح اررفي، من التدريب الأساسي للجنود المتطوعين أو المجندين إلزاميًا إلى دورات أكاديمية الأركان المعدّة لكبار الضباط، يجب أن يتضمن عناصر تعليمية على المستوى الملائم حول الأنظمة السياسية الديمقراطية، والمشاركة المواطنية في الشؤون الأمنية، والتنشئة الاجتماعية الاحترافية للعسكريين، مع التشديد على أنّ أفراد القوات المسلحة ليس لهم دور سياسي باستثناء الإدلاء بأصواتهم.

الإصلاحات العسكرية: التسلسل والتدخل

يتطلب مختلف الأوضاع أنواعًا مختلفةً من الإصلاحات العسكرية. ويمتد نطاق المهمات الأساسية لبناة الديمقراطية من بناء جيوش مستقلة جديدة على الأسس المتزعزعة أو الغائبة التي تركتها القوى الاستبدادية وراءها، وصولً إلى تقليص استقلالية القوات المسلحة وامتيازاتها وحجمها تقليصًا جذريًا في البيئات التالية لأنظمة بريتورية. ويمكن لتسلسل الإصلاحات الدفاعية المدروس أن يكون بالغ الأهمية في ضمان التزام الجيش وتعاونه. كما أنّ التشاور مع كبار الضباط من ذوي العقلية الديمقراطية بخصوص تفاصيل الإصلاحات وترتيبها، يكون في العادة دليلً على رغبة الدولة في أن تضع وجهات نظر القوات المسلحة في الحسبان. وربما يشجع على إرساء مناخ مريح بين المؤسسات. وبالطبع لا تعني هذه المحادثات أنّ الحكومة مجبرة على الأخذ بنصيحة جنرالاتها، إلا أنّها تساعد على فهم أفضليات الضباط الأعلى رتبةً وهي في العادة مفيدة للطرفين. ومن المتوقع أن تتبنى النخب العسكرية التي تستشيرها الدولة بصورة وثيقة، تلك الإصلاحات الدفاعية المحتملة على أنّها صادرة عنها حتى إن لم توافق على كل تدبير بمفرده. وهو أمر يصعب توقعه مع النخب التي تُستبعد من دائرة التشاور. ينبغي للدولة اتخاذ خطوات عديدة أخرى؛ مثل تقليص وجود القوات المسلحة في العاصمة والمراكز السياسية الأخرى، وتطوير منظمات سياسية قادرة على حشد جماهير من المؤيدين للمساعدة في تفادي المحاولات الانقلابية المحتملة. كما يُنصح القادة المدنيون بأن يسايروا القوات المسلحة، ويحضروا احتفالاتها، ويمنحوا الميداليات، ويشيدوا بالجنود بوصفهم يمثلون فضائل الأمة الأكثر نبلً، وهي إيماءات تكلّف قليلً أو لا تكلّف شيئًا ولكنها عظيمة النفع في خلق علاقات مدنية – عسكرية صحية. وفي وضعٍ مثالي، ينبغي إنهاء مشاركة الجيش في الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، فإنّ للتسلسل أهميةً حاسمةً؛ إذ يجب دراسة المسائل العملية قبل التسرع في جعل ممارسات الجيش التجارية ممنوعةً بموجب القانون. وعلى سبيل المثال، إذا كانت الموارد التي يجنيها الجيش من نشاطاته التجارية تُستخدم لدفع نفقات تشغيلية حيوية، فمن أين ستأتي الأموال اللازمة لتغطية تلك النفقات؟ إن لم يتوافر جواب مقنع لهذه المعضلة يتمثل بوضع جدول زمني لانسحاب الجيش تدريجيًا من الاقتصاد، فعلى الدولة أن تجد الموارد الكفيلة بالتعويض عن الإيراد المفقود، خلال المدة المقررة. ومع ذلك، فإنّ التقيد بالجدول الزمني بصرامة أمر لا يُنصح به، وربما يكون من الضروري التوصّل إلى حلول وسط من أجل الخير العام على النطاق الأوسع ومن أجل التوطيد الديمقراطي.

يجب أن تكون للدولة قدرة الإشراف على ترقية أعلى أفراد القوات المسلحة رتبةً (يجب أن يوافق المسؤولون المدنيون المختصون على الترقيات إلى أعلى من رتبة عقيد ركن "كولونيل" في الجيوش الصغيرة والمتوسطة الحجم، وربما يجب الحصول على هذه الموافقة بالنسبة إلى الذين تتم ترقيتهم إلى أعلى من رتبة جنرال بنجمتين في الجيوش الكبيرة.) وفي الوقت نفسه، إذا اعترض السياسيون على ترقيات، فعليهم أن يتأكدوا من أنّ حجتهم مبنية على أدلة دامغة بخصوص عدم الكفاءة الاحترافية للمرشح المعترض عليه، أو بخصوص مواقفه السياسية المتعارضة مع علاقات مدنية – عسكرية ديمقراطية. وعلى السياسيين عدم التدخل في الترقيات الروتينية لأصحاب الرتب الدنيا، كما عليهم عدم الوقوف في وجه التعليم العسكري وتدريب الجيش وشؤونه الاحترافية ما لم يتعارض ذلك مع القيم الديمقراطية الأساسية.

77 الاستفادة من الخبرة العسكرية

تقدّم الدول والمجتمعات تضحياتٍ كبيرةً من أجل تعليم قواتها المسلحة وتدريبها وتجهيزها والإنفاق عليها بطرق أخرى. ولذلك، فإنّ تهميش الضباط العسكريين بعدم طلب نصحهم في عملية وضع

السياسة الدفاعية أو الخارجية، فضلً عن الإستراتيجية العسكرية، هي سياسة مدنية غير مسؤولة وإهدار للموارد العامة. وبعبارة أخرى، فإنّ الضباط يكتسبون معرفتهم التخصصية مقابل تكلفة باهظة يتحملها دافعو الضرائب الذين يحق لهم الحصول على مردود من استثمارهم. وفي نهاية الأمر، تتوقف هذه التوصيات على الأوضاع المحلية؛ فما يكون منطقيًا في سياقٍ ما ربما لا يكون منطقيًا في سياق آخر. والقيادة الجيدة عامل مساعد مثلها مثل القوانين الجيدة، والإصلاحات الدفاعية المعقولة، والمشاركة البرلمانية النشيطة، والمشاركة المجتمعية، وما إلى ذلك. وكما هي الحال دائمًا، فإنّ للحظّ دورًا مهمً. وعلينا أن نعترف، في نهاية المطاف، مهما كان ذلك مخيبًا للآمال، بعدم وجود خريطة طريق آمنة من الحرائق في اتجاه الديمقراطية. لا وجود لديمقراطية مثالية، ولا وجود لعلاقات مدنية – عسكرية مثالية. صحيح أنّ الديمقراطيات تظل منشغلةً دائمًا بعملية الدمقرطة؛ فهذه عملية مستمرة، بحيث أنّ أوضاعًا جديدةً تتطور مع تغير الأزمنة، منتجةً تحدياتٍ جديدةً تتطلب إعادة تفكير وتصويبات، وتحسيناتٍ مستمرةً. والهدف الأهم هو مواصلة التقدم نحو ذلك المثال المراوغ، أي الديمقراطية المثالية. وإذا استطاع السياسيون مواصلة هذا التقدم، فإنّهم سينجحون في النهاية في تحسين ديمقراطياتهم وبناء جيوش تكون ديمقراطيةً حقًا.