أطروحات إدارة ترمب ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية: "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

Marwan Kabalan مروان قبلان |

الملخّص

شك ل انتخاب رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب لرئاسة الولايات متحدة مفاجأة كبرى للكثيرين، بعد أن صُ دم العالم الغربي، خلال الحملة الانتخابية، بمواقفه، سواء من التجارة الدولية، أو تغير المناخ، أو مستقبل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أو العلاقة بروسيا. ومع أن هذه المواقف لا يمكن أن تشكل فلسفة متماسكة، حتى إن تحولت إلى اتجاه سياسي فعلي، فإنها يمكن أن تهدد أسس النظام العالمي الليبرالي، بالصيغة التي يتشكل عليها اليوم. وحتى لو لم يستطع ترمب تحقيق وعوده الراديكالية، التي أطلقها في أثناء الحملة الانتخابية، حين قدّم نفسه بوصفه نقيض ا مطلق ا لإدارة الرئيس باراك أوباما، ولا سيما في الشؤون الداخلية، فإنه - على ما يبدو - قادر على إحداث تغييرات ملحوظة في السياسة الخارجية الأمريكية. السؤال المفتوح الذي تناقشه هذه الدراسة يتعلق بمدى هذا التغييرات وحدودها؛ وهو سؤال يشغل العالم، في انتظار ما سيظهر خلال السنوات القليلة القادمة. كلمات مفتاحية: دونالد ترمب، السياسة الخارجية الأميركية، الصين، حلف شمال الأطلسي، نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. Donald Trump's election as President of the United States came as a surprise for many. His positions on international trade, climate change, the future of the EU, NATO, and relations with Russia have sent shockwaves throughout the western world. Although these ideas never constituted a coherent philosophy, if transformed into policy directions, they would threaten the very foundations of the Liberal World Order as commonly understood today. Even if Trump does not act on the most radical pledges made during his election campaign, by positioning himself as the antithesis of the Obama administration he would still bring notable change to US foreign policy. The extent of that change is now open to question as leaders and publics around the world are bracing themselves for what comes next. Keywords: Donald Trump, US Foreign Policy, China, NATO, World War II's Order.

President Trump's Worldviews and the Post-Second World War International Order: a Revolution or a Watered Down Version of Jacksonian Foreign Policy?

مقدمة

بعد حملة انتخابية صاخبة، فاز رجل الأعمال المرشح عن الحزب الجمهوري دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، مُقصيًا بذلك مرشح الحزب الديمقراطي والمؤسسة الحاكمة هيلاري كلينتون التي طالما عُدّت الأوفر حظًا للفوز. وقد مثّل فوز ترمب مفاجأةً كبيرةً لقطاع واسع من المراقبين داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، فقد ظلت استطلاعات الرأي العامّ تؤكد تقدّم كلينتون حتى قبل يوم واحد من الاقتراع. وما إنْ  سَ ت أخبار فوزه، حتى استعرت التكهنات حول السياسات التي ستتبعها إدارته تجاه مجموعة من الأزمات الدولية، والعلاقات الخارجية، والخطط الاقتصادية التي سيرسمها لبلاده خلال فترة حكمه. أمّا ترمب نفسُه، بعد أن أصبح رئيسًا، فقد وجد أنّه أمام تحدّي بناء فلسفة أو رؤية لإدارته، بعيدًا عن الشعارات الانتخابية المتناثرة والمواقف الشعبوية المتناقضة التي أطلقها خلال حملته للوصول إلى البيت الأبيض.

لماذا الفلسفة؟

ما إنْ تصل أيّ إدارة أميركية إلى السلطة، حتى تحرص على أن يكون لديها برنامج للحكم، يُعدّ بمنزلة فلسفة أو رؤية كلّية لها Worldview. ويجري عادةً وضع رؤيتها في مستهل الحملة الانتخابية التي تستمر في الولايات المتحدة أكثر من سنة. وبما أنّها إدارة حُكم لقوة عظمى، فإنّ فلسفة أيّ إدارة تعكس السياسات الدولية التي تنوي انتهاجها. كما يكون لها برنامج داخلي، تنتخب على أساسه؛ لأنّ البرامج الانتخابية تدور في أكثرها حول قضايا داخلية تعني الناخب الأميركي بالدرجة الأولى. وعلى الرغم من أنّ قضايا السياسة الخارجية قلمّا كانت حاسمةً أو مادةً لسجالٍ كبير في غير أوقات الحروب والأزمات1، فإنّ أيّ إدارة تحرص على أن يكون لديها برنامج واضح للسياسة الخارجية يعكس رؤيتها للعالم الذي تريد التعامل معه. وعلاوةً على ذلك، تستمدّ السياسة الخارجية الأميركية كثيرًا من توجهاتها من احتياجات داخلية، لغايات انتخابية، بخاصة في قضايا التجارة والعلاقات الاقتصادية الدولية وقضايا المناخ، وغيرها، فضل عن التأثير الكبير لجماعات الضغط Lobbies والمصالح Interest Groups؛ مثل شركات السلاح وشركات النفط ذات الامتدادات والمصالح الدولية، إضافةً إلى الجماعات الإثنية والقومية التي تضغط في اتجاه تبنّي سياسة خارجية دون غيرها2. وما إن تُحدّد الإدارة مصالحها الكبرى وترسم سياساتها العليا Global Policy التي تخدم هذه المصالح، حتى يتمّ استنتاج السياسات الجزئية أو الفرعية الخاصة بقضايا معيّنة، أو مناطق محددة في العالم، بحسب ما يخدم السياسة العليا. بعبارة أخرى، تكون السياسة الأميركية الخاصة بقضية معيّنة أو إقليم معيّ صدى للسياسة العليا، أو الكلّية3. وخلال الحرب الباردة مثلً، كانت السياسة العليا للولايات المتحدة تتمحور حول احتواء الاتحاد السوفياتي، وكل السياسات الفرعية كانت تخدم هذا الغرض. فضلً عن ذلك، ومع أنّ الولايات المتحدة قوّة عظمى؛ ومن ثمّ يمثّل عموم العالم فضاءً لمصالحها، فإنّها تميل إلى التركيز في قضايا، أو مناطق في العالم، أكثر من غيرها؛ وذلك بحسب طبيعة المصالح التي تحدّدها من جهة، والتحديات والأخطار التي تواجهها من جهة أخرى. ونظرًا إلى أنّ المصالح والمخاطر عوامل متغيرة، فإنّ الاهتمام الأميركي بمنطقة معيّنة، أو قضية معيّنة، يتغير وفقًا لتغيّ ها. فخلال فترة الحرب الباردة، مثّلت أوروبا، وإلى حدّ ما الشرق الأوسط، بؤرةَ الاهتمام الأميركي. وبعد الحرب الباردة وانحسار الأخطار الإستراتيجية، أخذ الاهتمام يتركز أكثر فأكثر في نشر القيم الرأسمالية وتحرير التجارة الدولية. وخلال فترة بوش الابن تحوّل العالم الإسلامي، بسبب هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى بؤرة المصالح الأميركية؛ وذلك مع تحوّل "الحرب على الإرهاب" إلى عنوان رئيس للسياسة الأميركية. أمّا في عهد أوباما، فقد جرى التركيز في الداخل الأميركي خصوصًا، بالتوازي مع ازدياد الاهتمام بمنطقة المحيط الهادي، وتنامي النظرة السلبية تجاه الصين، وتحوّل مركز الثقل في السياسة الدولية من أوروبا والشرق الأوسط إلى شرق آسيا  Pivot to Asia 4. تحاول هذه الدراسة فهم رؤية إدارة ترمب للعالم (فلسفتها)، وسياساتها العليا المحتملة، وتأثيراتها الممكنة في النظام الدولي، من دون التركيز في سياساتها الفرعية أو الجزئية الخاصة بمناطق العالم وأقاليمه المختلفة. وتجادل الدراسة بأنّ هذه الرؤية تمثّل تحدّيًا فعليًّا لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية على صعيد بناه الأمنيّة والاقتصادية، وأنّ ترمب إذا ترجم ما يؤمن به أو ما طرحه خلال حملته الانتخابية، فإنّ هذا لن يعني فقط ابتعادًا عن التوجهات الليبرالية الدولية التي اعتمدتها الإدارات الأميركية المتعاقبة (الجمهورية والديمقراطية على حدٍّ سواء)، منذ أن غدت الولايات المتحدة قوةً عظمى عالمية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولن

  1. Eric Alterman, Who Speaks for America? Why Democracy Matters in Foreign Policy (Ithaca: Cornell University Press, 1998), pp. 12.
  2. Patrick Lloyd Hatcher, "How Local Issues Drive Foreign Policy," Orbis , vol. 40, no. 1 (Winter 1996), pp. 45 - 52.
  3. Steven L. Spiegel, The Other Arab-Israeli Conflict: Making America's Middle East Policy from Truman to Reagan (Chicago and London: The University of Chicago Press, 1985), Introduction.
  4. Hillary Clinton, "America's Pacific Century," Foreign Policy , 21/10/2011, accessed on 12/1/2017, at: http://atfp.co/1FrwxkT "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

يعني كذلك انسحابها من قيادة "النظام الليبرالي الدولي" فحسب، وإنما قد يؤدي إلى اهتزازات كبيرة في بنية التنظيم الدولي أيضًا؛ بالنظر إلى أنّ الولايات المتحدة وتوجهاتها تمثّل العمود الفقري لهذا التنظيم الذي لم تؤدّ نهاية الحرب الباردة ولا السياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس بوش الابن بعد هجمات سبتمبر 2001 إلى وضع نهاية له5.

أولا: غياب الفلسفة وبؤس التنظير

على خلاف إدارات أميركية سابقة، وصلت إدارة ترمب إلى السلطة من دون أن يكون وراءها فلسفة أو رؤية متكاملة. وباستثناء تصريحات متفاوتة ومتناقضة خلال الحملة الانتخابية، لم يتوافر لإدارة ترمب الحصول على رؤية كلّية متناسقة. ويعود ذلك إلى أن ترشح ترمب نفسه لم يُؤخذ على محمل الجِدّ من جهة أكثر النخب والجامعات ومراكز الأبحاث الأميركية، كما أنّ ثلّةً قليلةً فقط توقعت فوزه بالانتخابات الرئاسية6. وفي ظل حالة العداء التي ميزت علاقته بوسائل الإعلام والمؤسسة الحاكمة، وحتى الحزب الجمهوري الذي ترشح باسمه، لم تعمل مراكز أبحاث أو "مراكز تفكّر" Tanks Think كثيرة، بما فيها الأكثر يمينيةً والأقرب انسجامًا مع مواقف ترمب، على وضع رؤية للإدارة التي لم يؤمن إلّ قلّةٌ بإمكانية وصولها إلى الحكم. وفي ما عدا مركز السياسات الأمنية Security for Center Policy، وهو مركز تفكّر يميني ذو تأثير محدود يرأسه "المتطرف" فرانك غافني، لم يقف وراء ترمب عدد كثير من مراكز الأبحاث7. مقارنةً بذلك، حظيَ جورج بوش الابن، وهو آخر رئيس جمهوري، بدعم عدد من أهمّ المراكز البحثية اليمينية، مثل Institute CATO و Heritage Foundation و.American Enterprise Institute كما قدمت مجموعة من أبرز خبراء السياسة الخارجية، والأكاديميين والمسؤولين السابقين تقريرًا مفصّلً ليكون بمنزلة رؤية لإدارته تجاه الشرق الأوسط، وقضايا الانتشار النووي، وغيرها من الشؤون الدولية8. وبالمثل، حصل الرئيس أوباما على دعم كبير من مركز التقدم الأميركي Center for American Progress-CAP الذي وضع رؤيةً لإدارته تجاه العديد من القضايا الداخلية والخارجية9. وفي حين أحاطت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون نفسها بفريق كبير من الخبراء والمسؤولين السابقين، والمستشارين المخضرمين في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي10، افتقر ترمب إلى فريق قوي يساعده على وضع رؤية أو برنامج متكامل في السياسة الخارجية والقضايا الدولية. وحتى الرؤية التي قام بوضعها مجموعة من المسؤولين السابقين بتكليف ورعاية من "المجلس الأطلسي"، وهو من المراكز البحثية المؤثرة في واشنطن، تمّ وضعها على أساس أنّ كلينتون ستكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة11. وبعد إعلان فوز ترمب، لم تجد وسائل الاعلام إلّ خبيرًا واحدًا في الشؤون الدولية تتحدث إليه عن سياسته الخارجية ضمن فريق إدارته هو وليد فارس، وهو أكاديمي أميركي من أصل لبناني، لديه ماضٍ مضطرب، وآراءٌ مثيرة للجدل بشأن العلاقة بالعالم الإسلامي خصوصًا12. أمّا مُنظّر الإدارة حول قضايا التجارة الدولية، والعلاقة بالصين، فلم يكن سوى بيتر نافارو Peter Navarro أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا الذي توصف آراؤه الاقتصادية، لدى خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة، بأنها "متطرفة"، و"ضيقة الأفق"13. وقد تم تعيينه رئيسًا لمجلس التجارة الوطني National Trade Council الذي أنشأه ترمب بعد إعلان فوزه بالانتخابات ليحلّ محلّ الممثل التجاري للولايات المتحدة الذي جرى التعارف بأنه المستشار الأول للرئيس في قضايا التجارة الدولية. ويقول ترمب إنّه تأثر بكتاب نافارو حروب الصين المقبلة The Coming China Wars الذي نشره في عام 2006 14. وقد ترك نافارو، بوصفه مستشارًا في حملة ترمب الانتخابية، أثره في أفكار ترمب حول اتفاقات التجارة الدولية والنظام الاقتصادي الدولي، بما في ذلك تعهداته بالانسحاب من منظمة التجارة الدولية، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، واتباع

  1. Ivo H. Daalder & James M. Lindsay, America Unbound: The Bush
  2. Peter Stvenson, "'Prediction Professor' who Called Trump's Big Win also Made Another Forecast: Trump will be Impeached," The Washington Post ,
  3. Eli Clifton, "Meet Donald Trump's Islamophobia Expert," Foreign Policy , 8/12/2015, accessed on 12/1/2017, at: http://atfp.co/1Y1TKmp
  4. Navigating through Turbulence: America and the Middle East in a New Century," Report of the Presidential Study Group , The Washington Institute
  5. Michael Scherer, "Inside Obama's Idea Factory in Washington," Time , 21/11/ 2008, accessed on 12/1/2017, at: http://ti.me/2i5ct7p
  6. John Hudson, "Inside Hillary Clinton's Massive Foreign-Policy Brian Trust," Foreign Policy , February, 10/2/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// atfp.co/1Lh610P 11  Madeleine Albright & Stephen Hadley, "A New Approach For The Middle East," Atlantic Council , 2/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// bit.ly/2iu7KbM 12  Ishaan Tharoor, "The Dark, Controversial Past of Trump's Counterterrorism Advisor," The Washington Post , accessed on 12/1/2017, at: http://wapo.st/2jtfe2S
  7. Revolution in Foreign Policy (New Jersey: John Wiley and Sons Inc., 2005).
  8. 11/11/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://wapo.st/2iU6L7u
  9. Noah Smith, "Trump's Trade Chief Makes a Rookie Mistake," Bloomberg , 28/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bloom.bg/2jjytaP 14  Ibid.
  10. for Near East Study, 2001, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iYG4zd

سياسة حمائية في العلاقة بالصين والمكسيك، والذهاب في اتجاه نظام اقتصادي مركنتلي يقوم على اتفاقات تجارية ثنائية تحقق المصالح الأميركية على نحوٍ أفضل15.

علاوةً على ذلك، لم يساعد الشعار الذي رفعته حملة ترمب خلال موسم الانتخابات "فلنجعل أميركا عظيمةً من جديد" Make Again Great America في جلاء رؤية إدارة ترمب وفلسفتها كثيرًا. فقد جاء الشعار عامًّا، ولم يُعبّ عن شيء محدّد، عكْسَ الشعار الذي طرحته حملة بيل كلينتون مثلً في انتخابات 1992، وكان عنوانه "إنه الاقتصاد يا غبي " Stupid Economy, the It's، وتمّت ترجمته خارجيًا عبر تحويل الاهتمام الأميركي من المصالح الجيوسياسية إلى المصالح الجيو اقتصادية، وتبنّي توجهات ليبرالية نشِطة عمادها تحرير التجارة الدولية، واستخدام القوة الناعمة، ونشر القيم الأميركية لزيادة النفوذ والتأثير الأميركي في العالم. وبالمثل، جاء الشعار الذي طرحه باراك أوباما عنوانًا لحملته الانتخابية عام 2008؛ وهو "التغيير قرارنا" Can We Change، ليشرح الحاجة إلى تغيير جوهري في السياسة الخارجية الأميركية تنحو نحو وقْف استنزاف القدرات الأميركية في مغامرات عسكرية خارجية، وتركيز الاهتمام، بدلً من ذلك، في إعادة بناء أميركا من الداخل، وتمّت ترجمة الشعار بقرار الانسحاب من الشرق الأوسط (العراق وأفغانستان)، ومقاومة كل الضغوط التي كانت تمارس في اتجاه التدخل العسكري، والتي جاءت بفعل أحداث الربيع العربي، واغتنام قوى إقليمية ودولية الموقف لملْ ء الفراغ الذي خلّفته الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط16. بناءً على كل ذلك، يمكن القول إنّ إدارة ترمب وصلت إلى الحكم ولم يكن لديها فريق أو مراكز بحثية أو خبرات تُعينها على وضع فلسفة متكاملة، أو برنامج سياسي واضح في الشؤون الخارجية، فجاء الأمر مزيجًا من شعارات وتصريحات متناثرة بدَت أحيانًا مشوشة،ً ضبابيةً، ومتناقضةً. وكان عنوانها العريض العامّ هو رفض كل ما فعله أوباما داخليًّا، وفي السياسة الخارجية؛ من قرار الانسحاب من العراق عام 2011 حتى الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، ومن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي عام 2011 إلى اتفاقية باريس للمناخ عام 2015. وقد استثمرت حملة ترمب بنجاح عنصر الخوف من المستقبل، والأمل في تغيير إيجابي داعَب أحلام الطبقة العاملة البيضاء التي خذلتها السياسات الليبرالية في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة، للوصول إلى الحكم17. وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ هذه أوّل إدارة أميركية منذ الحرب العالمية الثانية تدخل البيت الأبيض، من دون أن يكون لديها برنامج أو رؤية كلّية واضحة لكيفية إدارة علاقات أميركا الخارجية ومصالحها الدولية. ومن ثمّ، بدا صعبًا على الكثيرين تصور السياسة الخارجية لترمب، أو توقّع عناوين واضحة لها. وقد زادت طبيعة ترمب الشخصية (عصبيته، وتقلباته، وعدم إمكانية التنبؤ بردّات فعله) أمْر التكهن بسياساته أو تقدير حقيقة مواقفه صعوبةً. ويرى جيرمي شابيرو، مدير الأبحاث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية؛ أنّه "ينبغي ألّ يعتقد أحدٌ أنه يعرف ما سيقوم به ترمب، حتى لو كان هذا الشخص هو دونالد ترمب نفسه"18. يضاف إلى ذلك أنّه لا خبرةَ له بشؤون الحكم والإدارة؛ ذلك أنّه لم يسبق له أن تقلّد منصبًا عامًّا، وهو ليس أيديولوجيًا أيضًا، وإنما يحظى بقدر كبير من البراغماتية والنفعية والقدرة على تغيير مواقفه وآرائه. كما أنه أحاط نفسه بفريق غير منسجم - بل متناقض - تجاه عدد من القضايا في حقول السياسات الخارجية والأمنية والدفاعية، يضمّ عددًا من الجنرالات المتقاعدين؛ مثل جايمس ماتيس المرشح وزيرًا للدفاع، ومايكل فلين (مستشار الأمن القومي)، وجون كيلي (وزير الأمن الداخلي.) وكلّ ما يجمع هؤلاء أنهم كانوا قد طردوا جميعًا من إدارة أوباما. وقد اختلف هؤلاء مع الرئيس أوباما حول ملفات احتواء إيران والحرب ضدّ تنظيم الدولة وخرجوا في بداية

  1. David Francis, Trump's Trade Agenda Would "Turn Back the Oclock to Another Age," Foreign Policy , 22/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://atfp.co/2i9fHFB
  2. Jeffrey Goldberg, "The Obama Doctrine," The Atlantic (April 2016), accessed on 12/1/2017, at: http://theatln.tc/1UUZ50W
  3. انظر: عزمي بشارة، "صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب سياسات عربية الديمقراطية نقائض الليبرالية"،، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر)2016، ص.8
  4. Jeremy Shapiro, "What Europe should do about a Problem like Trump," European Council on Foreign Relations , 10/11/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2fQzysG "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

ولايته الثانية19، وهو ما زاد من تحدي فهم ما يبتغي ترمب القيام به فعلً على صعيد سياساته الخارجية. وعلى الرغم من ذلك، يمكن من خلال ما طرحه ترمب خلال حملته الانتخابية من أفكار، وما أدلى به من تصريحات، استخلاص عناوين عامة لرؤيته للعالم، وللسياسات التي يمكن أن تتحكم في إدارته خلال الفترة المقبلة.

ثانيًا: أطروحات ترمب وآراؤه

أطلق ترمب خلال حملته الانتخابية، وبعد إعلان فوزه بانتخابات الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، الرئاسية مجموعةً من التصريحات التي يمكن من خلالها تقديم فهمٍ تقريبي بخصوص رؤيته للعالم، والتي قد تكون لها انعكاسات كبيرة على السياسات الدولية التي يمكن اتباعها خلال فترته الرئاسية. ويمكن بوجهٍ عام تقسيم التصريحات التي أدلى بها بخصوص السياسات الخارجية لبلاده إلى عنوانين عريضين؛ أحدهما متعلّق بالسياسة الأمنية والدفاعية للولايات المتحدة وعلاقاتها بخصومها وحلفائها، والثاني متصل بسياساتها الاقتصادية والتجارية. أمنيًّا، يرى ترمب أنّ علاقات بلاده الأمنية وتحالفاتها العسكرية الموروثة من أيام الحرب الباردة باتت تشكّل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا عليها، في ضوء تجاوز الدين العامّ الأميركي معدل الناتج الإجمالي القومي للولايات المتحدة20؛ فلم يعُد حلف شمال الأطلسي "الناتو" يلبّي الأغراض التي أُنشِئ من أجلها، وإنّ استمرار دعمه بات يكلّف الولايات المتحدة فوق طاقتها. ومن ثمّ، فهو - وفق قاعدة التكلفة والعائد – خالٍ من الجدوى، وقد ينظر إلى ذلك في أمر التخفّف من الالتزام بأعبائه21. وفي مناسبة أخرى، هدّد ترمب بعدم المسارعة إلى نجدة حلفائه في "الناتو" إنْ هم لم يؤدّوا ما عليهم من التزامات مالية. كما أشار إلى أنه قد يكون من الأفضل لدول كاليابان، وكوريا الجنوبية، والمملكة العربية السعودية، امتلاك أسلحة نووية للدفاع عن نفسها، أو أن تقوم بدفع ثمن الحماية الأميركية لها، لأنّ الولايات المتحدة تحت قيادته لن تقوم بذلك نيابةً عنهم ومجانًا22. وإذا كان ترمب بدعوته حلفاءه إلى عدم الاعتماد على استمرار الالتزام الأميركي بأمنهم يمس أحد أهمّ الثوابت في السياسة الأميركية، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من جهة الالتزام بأمن الحلفاء، فإنه بدعوته إلى التسلح نوويًّا إنما يقوض نظام "عدم الانتشار" الذي جرى تكريسه دوليًّا؛ عبر معاهدة حظْر الانتشار النووي التي تمّ التوصل إليها عام 1968، والتي حاولت بموجبها الدول الأعضاء في النادي النووي وقتئذ (أميركا، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين) إغلاق الباب أمام الطامحين إلى امتلاك هذا السلاح. وعلى الرغم من الخروقات التي حصلت منذ ذلك الوقت بإعلان كلٍّ من الهند والباكستان عن نفسها أنّها قوّة نووية عام 1996، فضلً عن امتلاك إسرائيل وكوريا الشمالية للسلاح النووي، فإنّ السياسة الأميركية ظلّت على مدى العقود الخمسة الماضية تدعو إلى الحدّ من الانتشار النووي؛ لذلك تُعد تصريحات ترمب بهذا الخصوص مخالفةً صريحةً لهذه السياسة23. وقد ترافقت مواقف ترمب المذكورة بتصريحات يُبدي فيها إعجابًا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويدعو إلى بناء شراكة مع روسيا في سورية للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية24؛ وذلك في مخالفة صريحة لرأي البنتاغون الذي يَعُدّ روسيا التهديد الأكبر للولايات المتحدة وأمْنها، بخاصة بعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا (عام 2014) وسورية (عام )201525. أمّا في ما يخص رؤيته الاقتصادية، فقد وعد ترمب بالانسحاب من منظمة التجارة الدولية WTO التي رعَت إنشاءها إدارة كلينتون عام 1995 لتكون بديلً من الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية GATT، وهي اتفاقية جرى التوصل إليها عام 1948. كما طالب بإلغاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي TPP التي وقّعتها إدارة الرئيس أوباما، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية NAFTA التي وقّعتها إدارة الرئيس كلينتون عام 1998. ودعا إلى تعديل اتفاقات

  1. جويس كرم، "أميركا 2016: 'زلزال' ترمب يمهد لتحولات داخلية ومعادلات خارجية مغايرة"، الحياة، 2016/12/29، شوهد في 2017/1/12، في: http://bit.ly/2i5amk3
  2. Donald Trump Shooting Speech: The Gulf States will Pay the American 19 Trillion Dollars Debt," YouTube, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2i54581
  3. Transcript: Donald Trump on NATO, Turkey's Coup Attempt and the World," The New York Times , 21/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// nyti.ms/29Wgk44
  4. Max Fisher, "What Is Donald Trump's Foreign Policy?," The New York Times , 11/11/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://nyti.ms/2hZmFuo
  5. وهي تصريحات مناقضة، أيضًا، لمعارضة ترمب الاتفاقَ النووي الذي جرى توقيعه بين إيران ومجموعة 1+5""، وتمّ من خلاله منْع إيران من حيازة قدرات نووية ذات أبعاد عسكرية، لأنه يعتقد أنّ هذا الاتفاق لا يَفِي بضمانات كافية لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
  6. Donald Trump Would Consider Alliance With Russia's Vladimir Putin Against Isis," Newsweek , 26/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// bit.ly/2iYE2io
  7. John Hudson, "Russia Missing from Trump's Top Defense Priorities, According to DoD Memo," 20/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// atfp.co/2hWvvtc

التجارة الحرة مع كل من الصين والمكسيك أو إلغائها. وأيّد فرْض عقوبات اقتصادية على الصين بسبب سياساتها المالية والتجارية. وهدّد بفرض رسوم إغراقٍ على البضائع الصينية، واتباع سياسات حمائية26. وعلى الرغم من أنّ هذه التصريحات جاءت في سياق حملة انتخابية، وربما كانت تستهدف استمالة قطاع من الأميركيين الغاضبين على السياسات الليبرالية الدولية للإدارات الديمقراطية، بخاصة منها اتفاقات التجارة الحرة التي شرعت أبواب السوق الأميركية أمام البضائع المصنعة المقبلة من الخارج، فإنّ هناك نقاطًا كثيرةً يمكن استنتاجها من هذه التصريحات حول رؤية ترمب وفلسفة إدارته، وجلّها يدور حول رؤيته للنظام الدولي وموقع أميركا منه، ولا سيما أنّه عاد بعد فوزه إلى تأكيد بعضها بشأن العلاقة بالصين تحديدًا؛ وذلك عندما ذهب إلى حدّ القول إنه مستعدّ لمراجعة سياسة "صين واحدة" في ما يخص العلاقة بتايوان، وهي سياسة انتهجتها الولايات المتحدة منذ زيارة الرئيس نيكسون إلى بكين عام 1972، لإرغام الصين على تقديم تنازلات تجارية27. أمّا في ما يتعلق بصفاته الشخصية، فيبدو أنّ ترمب يمتلك نظرة هوبزية28؛ إذ يرى العالمَ مكانًا موحشًا، أنانيًا يعجّ بالفوضى ويكره أميركا. كما يرى، بوصفه رجل أعمال، القضايا - بما فيها الإستراتيجية - من منظور اقتصادي بحت، أي إنّه يبحث في الكيفية التي من خلالها يمكن أن تستفيد أميركا ماديًّا، حتى من خياراتها في السياسة الخارجية والدفاعية29. كما أنّه ينظُر إلى الشؤون الدولية على أنّها قضايا منفصلة، يمثّل كل منها صفقةً ثنائيةً تشتمل على طرفٍ رابح وآخر خاسر، وعلى محاولة كل طرف الحصول على أفضل نتائج ممكنة. ففي هذا الموضع، لا مكان للشراكات الإستراتيجية، ولا للقيم المشتركة. هناك مكان للربح أو الخسارة فقط30. أمّا سياساته الخارجية، فينظُر إليها من زاوية احتياجات أميركا الداخلية ومدى توافقها مع الوعود الانتخابية التي أطلقها للقاعدة الشعبية التي صوتت له، بخاصة الطبقة العاملة البيضاء التي أوصلته إلى السلطة؛ ولذلك ستكون سياسته الخارجية منطلقة أساسًا، على الأرجح، من عوائدها على قاعدته الانتخابية التي سيعود لطلب دعمها بعد أربع سنوات Domestically-Driven Foreign Policy31. واستطرادًا، يمثّل شعاره الانتخابي "أميركا أولً "، سبيلً إلى تحقيق مصالح الولايات المتحدة على نحوٍ أحادي، حتى لو استلزم الأمر استخدام القوة من دون الحاجة إلى تبرير ذلك. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ هذا الأمر لا يتناقض مع النزعة الانعزالية التي تتملك سلوك ترمب ونظرته التبسيطية إلى العالم؛ فهو يدعو إلى الانكفاء وعدم الانخراط في الشؤون الدولية، والتركيز في الداخل، انطلاقًا من أنّ أميركا لا تحتاج إلى العالم، فهي من جهة تتبادل 80 في المئة من تجارتها مع نفسها، ومن جهة أخرى فإنّ علاقتها بالعالم هي علاقة خاسرة بالمقاييس المادية (بحسب مكتب الإحصاء الأميركي بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة 745 مليار دولار عام)201532. وباختصار، يمكن القول إنّ ترمب ينتمي إلى المدرسة الجاكسونية في السياسة الخارجية؛ نسبةً إلى الرئيس أندرو جاكسون 1837-1829() الذي كان قوميًا، شعبويًا، انعزاليًا، يكره العالم الخارجي، ومستعدًّا لاستخدام القوة دفاعًا عن مصالحه33.

بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إنّ ترمب ربما لا يملك فلسفةً، أو رؤية متماسكةً للسياسة الخارجية الأميركية34، لكن لديه آراء "قوية" تجاه أكثر القضايا الأمنية والاقتصادية أهميةً. وهو وعلى الرغم من نظرته التبسيطية الشديدة للعالم، فإنه يثق بقدرته على إدارة علاقات أميركا الدولية وتوظيفها لخدمة شعاره الانتخابي "جعل أميركا عظيمة مرة

  1. Noah Bierman & Don Lee, "Donald Trump Vows in Rust Belt Speech to Punish China and End Major Trade Deals," Los Angeles Times , 28/6/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://lat.ms/2iugq1R
  2. Emily Rauhala, "Trump Draws Rebukes after Saying U.S. isn't Bound by One-China Policy," The Washington Post , 12/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://wapo.st/2hZ2cpx
  3. نسبةً إلى الفيلسوف والمفكر الإنكليزي توماس هوبز.)1679-1588(
  4. Thomas Wright, "The 2016 Presidential Campaign and the Crisis of US Foreign Policy," Lowy Institute for international Policy , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iUhcIm
  5. Shapiro.
  6. Fisher.
  7. Trade in Goods with World, Seasonally Adjusted," United States Census Bureau , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/19M01Bl
  8. Walter Russell Mead, "Andrew Jackson, Revenant," The American Interest , 17/1/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/209Oxw1
  9. Philip Gordon, "Why Trump's Foreign Policy Might Prove Less Radical Than You Think," Politico , 3/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://politi. co/2gV9nBP "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

أخرى." وبحسب إليوت كوهين، مدير برنامج الدراسات الإستراتيجية في جامعة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، فإنّ ترمب لديه قناعات قوية حول عدد من القضايا في حقل السياسة الخارجية، "لكنها لا ترقى إلى وجهة نظر متماسكة للعالم، وهي واحدة من المشكلات في الحكم على زعيم لا يقرأ، ولا يشعر أنه في حاجة إلى تثقيف نفسه أصلً حول النظام الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة على مدى أكثر من نصف قرن"35. ولئن كان ذلك يجعل من العسير التنبؤ بما يمكن أن يقوم به ترمب في حقل السياسة الخارجية، فإن الأطروحات التي يقدمها تمثّل مع ذلك نقطةَ افتراقٍ عن كل ما قامت عليه السياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، ذلك أنها أصبحت القوة العظمى في العالم، وبَنَت من حولها نظامًا دوليًا هدفه خدمة المصالح الأمنية والاقتصادية الأميركية حول العالم. فأطروحات ترمب، اليوم، تُ ثّل تهديدًا للنظام الذي توافقت عليه الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حدٍّ سواء منذ ظهور هذا النظام بعد الحرب العالمية الثانية36.

ثالث ا: الصعود الأميركي وتأسيس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية

منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بدت الولايات المتحدة، بما تملكه من ثروات طبيعية وإمكانات صناعية وتقنية، في طريقها نحو احتلال مكانة مهمة على الساحة الدولية. وكانت نتائج الحرب الأميركية – الإسبانية، عام 1898، أوضحَ دليل على تنامي قدرات الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية وبروز دورها كقوة كبرى عالمية. غير أنّ الاندفاع الأميركي نحو العالم تعثّ خلال هذه الفترة بسبب احتدام الصراع بين دعاة الانغلاق والعزلة وبين التيار الانفتاحي العالمي37. واستقرت المعادلة حينها في توجّه الولايات المتحدة إلى النأي بنفسها عن ساحة الصراعات الأوروبية، وتركيز اهتمامها في مجالها الحيوي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وقد أخذت تطرد الدول الأوروبية منه تباعًا؛ استنادًا إلى مبدأ مونرو الذي تم اعتماده عام 1823 38. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأت تتعزز مواقع التيار الداعي إلى الانطلاق وراء آفاق جديدة لخدمة المصالح التجارية الأميركية؛ في ظل فورة صناعية نجمت عن التقدم التكنولوجي الكبير، والانتقال إلى مرحلة "الإنتاج الوفير." وقد أدّى ذلك إلى دفع الولايات المتحدة إلى المشاركة في الحرب في مراحلها الأخيرة والحاسمة؛ دفاعًا عن مصالحها التجارية مع شركاءها الأوروبيين، بعد استهداف الغواصات الألمانية للسفن التجارية الأميركية المتجهة إلى أوروبا عبر الأطلسي39. وفي أول إشارة إلى رغبة الولايات المتحدة في الانغماس في شؤون عالم ما وراء الأطلسي، اقترح الرئيس وودرو ويلسون إنشاء عصبة الأمم التي كان هدفها المعلن الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وحل المنازعات الدولية بطرائق سلمية ومنع نشوب حرب كونية جديدة. لكنّ الكونغرس رفض التورط في شؤون العالم، كما رفض تصديق انضمام الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم40. مع ذلك، ظل التيار الانفتاحي يحاول جاهدًا الانخراط في اللعبة الدولية حتى جاءت الفرصة أخيرًا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، عندما هاجمت اليابان القاعدة العسكرية الأميركية في بيرل هاربر في أواخر عام 1941. ومع انتهاء الحرب بانتصارها، اتجهت الولايات المتحدة بالاشتراك مع حلفائها الغربيين نحو صياغة نظام عالمي جديد استند إلى ركنين أساسيين، وقد مثّل هذا النّظام جوهر النظام الليبرالي الدولي، وغدا محلّ إجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين، في أوقات الانكفاء والتمدد، على حدٍّ سواء، على امتداد سبعة عقود حتى الآن، وهذان الركنان هما:

11 مؤسسات النظام الدولي

لقد جاء بناء مؤسسات النظام الدولي في شقين؛ أحدهما سياسي، تقع في قمّته الأمم المتحدة التي أنيطت بها مهمة ضبط نزعات العدوان في النظام الدولي، والحؤول دون وقوع حرب كونية كبرى جديدة.

  1. تقييم حالة ملامح السياسة الخارجية الأميركية المتوقعة في ظل إدارة ترمب"،، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016/12/23، شوهد في 2017/1/12، في: http://bit.ly/2i7DW3L
  2. Wright, "The 2016 Presidential Campaign."
  3. Geoffry Levin, "From Isolationism to Internationalism: The Foreign
  4. Monroe Doctrine 1823," Our Documents , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2jtxk4Q
  5. Samantha Alisha Taylor, "A Comparative Study of America 's Entries into World War I and World War II," Electronic Theses And Dissertation, School of Graduate Studies, East Tennessee State University - United States, 2009, pp. 9 - 13. 40  Andrew Moravcsi, "Liberal Theories of International Relations: A Primer," Princeton University, 2010, pp. 14, accessed on 12/1/2017, at: http:// bit.ly/2iXaRtP
  6. Policy Shift in Republican Presidential Politics, 1940-1968," Policies and Politics of the American Emergency State , 9/12/2011, pp.4-5, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2i7GChN

وخلال فترة الحرب الباردة، عاشت الأمم المتحدة حالةً من الشلل بسبب استخدام القوى الكبرى (روسيا والولايات المتحدة خصوصًا) حقّ النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، مع أنها ظلت منبرًا لتفريغ حالات الاحتقان السياسي في أوقات الأزمات. ومع انتهاء الحرب الباردة، عادت الولايات المتحدة إلى استخدام المنظمة الدولية غطاءً لإضفاء الشرعية على سياساتها. فكانت حرب الخليج 1991، إضافةً إلى التدخل في الصومال، وهاييتي، وغيرهما. وعندما كانت واشنطن تعجز عن استخدام المنظمة الدولية لشرعنة سياساتها كانت تتجاهلها، كما حصل في غزو العراق عام 2003. وعلى الرغم من كل ذلك، مثّلت الأمم المتحدة أحد أبرز مظاهر الشرعية الدولية41، وكانت واشنطن تسعى للحصول على دعمها لسياساتها كلما كان ذلك ممكنًا. أمّا الشق الاقتصادي فقد مثّله نظام بريتون وودز؛ إذ قامت الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها الغربيين، حتى قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، بإنشاء مجموعة من الهيئات الدولية التي ساهمت في وضع أسس النظام النقدي العالمي، ودفعت في اتجاه تحرير التجارة الدولية، ورفض السياسات الحمائية التي كانت سببًا رئيسًا في اندلاع الحرب. وقد عرفت هذه المؤسسات باسم نظام بروتن وودز (نسبةً إلى المكان الذي عُقدت فيه الاجتماعات في نيوهامبشاير في الولايات المتحدة عام 1944)، وضمت صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، إضافةً إلى الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية، وغيرها من الوكالات والتجمعات الاقتصادية التي كان هدفها خدمة النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي. وكان من نتيجة ذلك انطلاق مسيرة تحرير التجارة الدولية، وقد بلغت ذروتها بعد انتهاء الحرب الباردة بإنشاء منظمة التجارة الدولية (عام 1995)؛ إذ أُزيلت آخر الحواجز أمام التبادلات التجارية الدولية42. إضافةً إلى منظمة التجارة الدولية، وقعّت الولايات المتحدة 13 اتفاقية للتجارة الحرة، على نحوٍ ثنائي أو متعدد، مع 19 بلدًا حول العالم؛ وذلك خلال الفترة 2015-1989 43. وكان أهمها اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، والشراكة عبر المحيط الهادي، ومفاوضات الشراكة عبر الأطلسي، وهو ما أطلق العنان لعولمة الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية. وقد أدّت بعض هذه الهيئات والتجمعات الدولية دورًا مهمً في إنهاء الحرب الباردة، وتعميم النموذج الرأسمالي الاقتصادي، والسياسي، والثقافي، ضمن ما أصبح يعرف ب "ظاهرة العولمة."

الأحلاف العسكرية وترتيبات الأمن الجماعي الغربي

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تركّزت السياسة الأميركية في منْع الاتحاد السوفياتي من التغلغل جنوبًا نحو المياه الدافئة، وغربًا تجاه أوروبا؛ وذلك باعتماد نظرية الاحتواء التي وضعها مدير إدارة التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية والسفير السابق في موسكو جورج كينان44. وتحولت نظرية الاحتواء إلى إطار سياسة عملي عندما تبنّتها إدارة الرئيس هاري ترومان وجعلت منها إستراتيجية متكاملةً لمرحلة ما بعد الحرب، بخاصة بعد أن نجح الاتحاد السوفياتي في اختراق معظم أوروبا الشرقية، وبسَط نفوذه عليها45. وقد اندفعت الولايات المتحدة إلى إنشاء أحلاف أمنيّة من أجل احتواء المدّ الشيوعي وعزله، فظهر حلف "الناتو" عام 1949. كما عملت واشنطن على بناء ما أخذ يُعرف بالحزام الشمالي الذي ضم تركيا، وإيران، وباكستان46، قبل أن ينشأ حلف بغداد الذي دعمته الولايات المتحدة، مع أنها آثرت البقاء خارجه، في وقت عززت فيه وجودها العسكري في كوريا الجنوبية، واليابان، والفليبين، قبل أن يتمّ في عام 1954 الإعلان عن إنشاء تحالف جنوب شرق آسيا الذي يُعرف أيضًا ب "تحالف مانيلا" أو SEATO 47. وهكذا شُغلت الولايات المتحدة، في معظم فترة الحرب الباردة، بإنشاء تحالفات عسكرية لتحقيق الأمن الجماعي لأعضاء المعسكر الغربي (حلف الناتو وحلف سياتو)، وإبرام اتفاقات دفاعية ثنائية؛ لحماية الحلفاء في الشرق الأقصى (اليابان، وكوريا الجنوبية، والفلبين)، وفي الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.

  1. لهذا السبب، تحديدًا، شنّت إدارة ترمب هجومًا عنيفًا على الأمم المتحدة بعد تبنّيها القرار 2334 الذي دان بناء إسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وعدّها غير شرعية. انظر: جويس كرم، "ترمب لمعاقبة الأمم المتحدة، والسلطة... ونقل السفارة"،
  2. Chad P. Brown, "The WTO and GATT: A Principle History," in: Self-Enforcing Trade: Developing Countries and WTO Dispute Settlement (Washington: Brookings Institution Press, 2009) pp. 10 - 21.
  3. Jacqueline Varas, "The US isn't Losing at Trade," American Action Forum , 26/5/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2i5003S
  4. George Kennan, "The Source of Soviet Conduct," Foreign Affairs , 1/7/1947, accessed on 12/1/2017, at: http://fam.ag/2ipUE2Z 45  Ron Robin, The Making of the Cold War Enemy: Culture and Politics in the Military-Intellectual Complex (Princeton: Princeton University, 2001).
  5. الحياة، 2017/1/11، شوهد في 2017/1/12، في: http://bit.ly/2i9mzTn
  6. Behçet K. Yesilbursa, "The American Concept of the 'Northern Tier' Defence Project and the Signing of the Turco-Pakistani Agreement 1953- 54," Journal of Middle Eastern Studies , vol. 37, no. 3 (July 2001), pp. 59 - 110.
  7. Southeast Asia Treaty Organization (SEATO), 1954," Office of the Historian, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2ipQHLI "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي والتغير الجذري الذي شمل طبيعة التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة، فإنّ واشنطن لم تتخلّ عن حلف "الناتو" الذي وجدت في استمراراه مصلحةً لمواجهة المستجد من التحديات، فأعطته دورًا مهمً في أزمة كوسوفو 1999() وأفغانستان بعد عام 2001، واستمر مؤدّيًا لدوره التقليدي في أوروبا وعلى أطرافها، بخاصة في علاقتها بالتهديدات المقبلة من جنوب المتوسط، بل إنّه تمّ توسعة الحلف بضمّ جميع دول أوروبا الشرقية سابقًا إليه، وجرى إيصاله حتى تخوم روسيا بضمّ جمهوريات سوفياتية سابقة إليه أيضًا (مثل جمهوريات البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا)، كما جرت محاولات فاشلة لضمّ جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وتمّ نصب الدرع الصاروخي في بولندا والمجر (العضوان الجديدان في الحلف) لتحييد قدرات الردع الروسية. وبعد أن قامت روسيا بضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، أمر الرئيس باراك أوباما بإرسال قوات أميركية في إطار حلف "الناتو" لحماية حلفائه في شرق أوروبا وبحر البلطيق، وطمأنتهم في مواجهة التغول الروسي48. وعلى الرغم من أنّ هجمات سبتمبر 2001 هزّت المبادئ والنظريات التي رأت في العولمة ومؤسساتها وسيلةً لخدمة المصالح الاقتصادية والإستراتيجية الأميركية، وأنّ تيار المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن كان ينظر بعين الشكّ إلى الأمم المتحدة ودورها، ويرى في حلف "الناتو" جزءًا من مخلفات الحرب الباردة، وأنّ إدارة بوش تؤمن بحقّ الولايات المتحدة في العمل منفردةً على الساحة الدولية وتُبدي استعداداها للتحلل من كل الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تحد من قدرتها على العمل في المجال التجاري، والسياسي، والعسكري، فإنّ ذلك كلّه لم يُفضِ بالولايات المتحدة إلى حدّ إعلان الحرب على العولمة والتهديد بالانسحاب من منظمة التجارة الدولية، أو إبداء استعداها للتخلي عن حلفائها في شرق آسيا وأوروبا بسبب الضغوط المالية. ولكنْ في عهد ترمب، توشك الأمور أن تتغير؛ إذ لا تُبدِي الإدارة الجديدة حرصًا شديدًا على تحالفاتها الأمنيّة، أو على الأقل لن تظل متحمّلةً لتكاليف الدفاع عن حلفائها، وقد بدأت تظهر خلافات في المعسكر الغربي حول حقيقة المخاطر والتهديدات التي تواجه أطرافه، في ضوء اتجاه ترمب إلى بناء شراكة محتملة مع روسيا49.

رابعًا: "انقلاب" في السياسة الخارجية الأميركية؟

من منطلق اقتصادي بحت، توشك أطروحات ترمب وتصوراته أن تطيح أُسسَ النظام الدولي الذي كان للولايات المتحدة أكبر مساهمة في صنعه في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد قام هذا النظام على أُسس اقتصادية (أهمها حرية التجارة)، وأمنيّة (الأحلاف العسكرية، وترتيبات الأمن الجماعي والثنائي مع الحلفاء)، كان الالتزام بها محلّ إجماع النخب الأميركية من الحزبين الرئيسيَن. ومن أهمّ المؤشرات الدالّة على احتمال إطاحة ترمب هذا النظام، ما يلي:

التشكيك في جدوى تحالفات ما بعد الحرب العالمية الثانية

يرى ترمب أنّ الولايات المتحدة يجب أن تتوقف عن تشغيل قواعد عسكرية أو نشْ قواتها في أراضي دول أجنبية، أو الدخول في تحالفات أمنيّة تترتب عليها تكاليف مالية كبيرة. وفي مقابلة أجرتها صحيفة واشنطن بوست، في نيسان/ أبريل 2016، سُئل دونالد ترمب إنْ كان يرى فائدةً في امتلاك الولايات المتحدة قواعد عسكرية في شرق آسيا، فأجاب بكل صراحة بقوله: "شخصيًا لا أعتقد ذلك أبدًا"50. وقد كرر مرارًا أن حلف "الناتو" أصبح قديمًا وغير فعّال، كما أعرب عن اعتقاده أنّ الولايات المتحدة ستكون أفضل حالً لو هجرت الشرق الأوسط51. وفي هذا مخالفة صريحة للإجماع الحزبي، ولرأي المؤسسة الحاكمة المتمثّل بأنّ للولايات المتحدة مصلحةً جوهرية Intrinsic Interest  في الاحتفاظ بتحالفاتها الأمنيّة والإستراتيجية في أوروبا، وشرق آسيا، والشرق الأوسط52. ويعتقد ترمب أنّ شركاء الولايات المتحدة الإستراتيجييّن يجب أن يتحملوا كامل أعباء الوجود العسكري الأميركي في بلادهم ومناطقهم، أو عليهم أن يتحملوا وحدهم أعباء الدفاع عن أنفسهم إذا لم يدفعوا للولايات المتحدة تكاليف ذلك. هنا ينظر ترمب إلى الجيش الأميركي بوصفه شركة حماية خاصة تعرض خدماتها الأمنيّة لقاء مقابل مادي. وبناءً على ذلك، لا تعتّد إدارته بوجود شراكات إستراتيجية ذات بُعد أعمق من ذلك. وهذا يمثّل في حدّ ذاته تحولً كبيرًا في العقيدة الأمنيّة للولايات المتحدة؛ فحتى

  1. 51  Nick Gass, "Trump: US Better Off Ignoring the Middle East," Politico , 21/4/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://politi.co/1Smrvwm
  2. 52  Jordyn Phelps, "President Obama Reassures Europe on Trump: NATO Is Here to Stay," ABC News , 17/11/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// abcn.ws/2fK0Z4D
  3. A Transcript of Donald Trump's meeting with the Washington Post's Editorial Board," The Washington Post , 21/3/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://wapo.st/1LC5qwj
  4. 48 " U.S. to Send 4,000 Troops to Poland," UPI , 14/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iYKIx0
  5. 49  Josh Rogin, "European allies to Donald Trump: Putin does not want to make America great again," The Washington Post , 10/1/2017, accessed on 12/1/2017, at: http://wapo.st/2jx9yla

يستمر دفاع الولايات المتحدة عن شركائها، يرى ترمب أنه يجب على هؤلاء الشركاء في شرق آسيا أن يتحملوا تكاليف إقامة الأسطول السابع لحمايتهم من الصين، وعلى أوروبا أن تدفع تكاليف المظلة النووية الأميركية التي تمثّل عامل حماية رئيس لها من التهديدات والأخطار الإستراتيجية التي قد تفرضها روسيا، وعلى دول الخليج أن تدفع لقاء إقامة الأسطول الخامس في منطقتهم لحمايتهم من إيران. وفي كلمة ألقاها في مركز المصلحة القومية Center for the National Interest، قال ترمب: "لقد أنفقنا مليارات الدولارات[...]على بناء قدراتنا الدفاعية لحماية شركائنا في أوروبا وآسيا. البلدان التي ندافع عنها يجب أن تتكفل بدفع نفقات دفاعنا عنها، أو عليها أن تستعد هي للدفاع عن نفسها"53. من المؤكَّد أنّ بعض الدول التي تعتمد على الشراكة الأمنيّة مع الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها تشعر بقلق شديد من أطروحات ترمب، وإذا أخذنا تهديداته على محمل الجد (ادفع، أو ستتُرك وحيدًا في مواجهة التهديدات)، فإنّ ذلك قد يؤدي إلى اختلال بعض التحالفات الأمنيّة التي أنشأتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، أو ربما كلّها، وقد يشجع ذلك الخصوم على اتباع سياسات هجومية في ظل وجود إشارات إلى استعداد واشنطن التخلي عن التزاماتها الدفاعية تجاه حلفائها. وبطبيعة الحال، هناك من يعتقد أنّ واشنطن غير قادرة على التحلل من هذه الالتزامات؛ لأنّ تداعياتها ستكون كبيرةً على المصالح الأميركية. ومن ثمّ، فإنّ كل ما يفعله ترمب، بوصفه مفاوضًا بارعًا54 لا يعدو أن يكون محاولةً لابتزاز حلفائه ودفعهم إلى تحمّل تكاليف الحماية الأميركية لهم، من دون أن يؤدي ذلك إلى التخلّ عنهم55. من جهة أخرى، لا يَعُدّ ترمب روسيا عدوًّا، وهذا يقوّض الأساس الذي قامت عليه تحالفات الولايات المتحدة الأمنيّة في أوروبا والشرق الأقصى خصوصًا، سواء خلال فترة الحرب الباردة، أو بعد أن عادت روسيا إلى تأكيد دورها على الساحة الدولية بقيادة فلاديمير بوتين. ومن ثمّ يعتقد ترمب أنّ مبررات وجود هذه التحالفات الأمنيّة لم يعُد قائمًا. فروسيا بالنسبة إليه أضعف من أن تمثّل تهديدًا للمصالح الغربية، حتى أنه يرى التوصل إلى تفاهم معها أمرًا ممكنًا، لاحتواء الصين التي يعدّها التهديد الأكبر للمصالح الأميركية حول العالم56. وفضلً عن تبادل الإطراء مع بوتين وإبداء إعجابه به بوصفه زعيم قويًا57، تدخّل فريق ترمب في صياغة برنامج الحزب الجمهوري، في مؤتمره الذي عقده عام 2016، للتخفيف من لهجة التأييد لأوكرانيا في صراعها مع روسيا. فقد تمّت إزالة عبارةٍ تدعو إلى الالتزام بسياسة دعم الحكومة الأوكرانية، في صراعها مع روسيا، بكل الوسائل؛ بما في ذلك تقديم أسلحة فتاكة58. كما عبّ ترمب عن استعداده لرفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة أوباما على روسيا بسبب سياساتها تجاه أوكرانيا، وأعرب عن رغبته في الاعتراف بضمّ جزيرة القرم إليها59. وهناك علامات استفهام عديدة أ ثيرت حول علاقة حملة ترمب الانتخابية بروسيا60، كما أنّ بعض المقربين منه من مساعدين ومستشارين، فضلً عن ترمب نفسه، كانت لهم مصالح تجارية في روسيا61. وجاء ترشيح ترمب لرئيس مجلس إدارة شركة إكسون موبيل، ريكس تيلرسون، لمنصب وزير الخارجية، ليزيد من درجة الشكوك. ومعروف عن تيلرسون علاقته الوثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين62. 22 رفض النظام الاقتصادي العالمي المفتوح تتكبّد الولايات المتحدة تكاليف الدفاع عن حلفائها من دون مردود حقيقي؛ لذلك يعتقد ترمب أنّ الولايات المتحدة لا تحصل على مكاسب فعلية من تركيبة النظام الدولي وعلاقاته وقوانينه، بخاصة في موضوع التجارة. وطوال فترة طويلة، كان ترمب يعارض اتفاقات التجارة الحرة، وخلال حملته الانتخابية لم يتعهد فقط بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية والتخلي عن اتفاقية الشراكة

  1. Donald Trump, "Donald Trump Delivers Foreign Policy Speech," Center for the National Interest, 27/4/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// bit.ly/2j8Aqrx
  2. ألّف ترمب كتابًا بعنوان فنّ الصفقة The Art of the Deal l عام.1987
  3. ملامح السياسة الخارجية الأميركية المتوقعة."
  4. James Nadeau, "Trump's Great Game: Courting Russia to Contain China," Foreign Policy Association , 15/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iyHiQN
  5. Linda Qiu, "Did Vladimir Putin Call Trump 'Brilliant'?" PolitiFact , 8/9/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2cbbWdh
  6. Josh Rogin, "Trump Campaign Guts GOP's Anti-Russia Stance on Ukraine," The Washington Post , 18/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// wapo.st/2aaKZcU
  7. Tyler Pager, "Trump to Look at Recognizing Crimea as Russian Territory, Lifting Sanctions," Politico , 27/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://politi.co/2ae3Bni
  8. Richard Lardner, "US Spy Chief Says Russia Helped Elect Donald Trump as Senators Debate if Hacking was 'Act of War'," Daily Record , 5/1/2017, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iq2zNO
  9. Franklin Foer, "Putin's Puppet," Slate , 21/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://slate.me/29pAd19; Steven Mufson & Tom Hamburger, "Trump Adviser's Public Comments, Ties to Moscow Stir Unease in Both Parties," The Washington Post , 5/8/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// wapo.st/2j8FjAE
  10. Why Russia Is Excited About Donald Trump's Pick for Secretary of State," Time Magazine , 13/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// ti.me/2gAvj0D "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

عبر المحيط الهادي والانسحاب من منظمة التجارة الدولية63، بل اقترح فرض رسوم حماية بنسبة 45 في المئة على البضائع الصينية، و 35 في المئة على البضائع المستوردة من المكسيك. كما أعرب عن ثقته بقدرة الولايات المتحدة على دخول أيّ حرب تجارية والخروج منها منتصرةً، بل إنّه ذهب أبعد من ذلك بقوله إنّ حربًا تجارية قد بدأت فعلً، وإنّ على أميركا أن تقاتل بقوة كي تربحها64. ينظر ترمب إلى مسائل التجارة الدولية من منظور اقتصادي بسيط يقوم على الربح والخسارة وفق معادلة صفرية. وهو يعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تستخدم نفوذها الاقتصادي والأدوات النقدية والاقتصادية لفرض شروطها على الآخرين، مثل الضغط على الصين لتحرير سعر عملتها على سبيل المثال65(. ولا يبدي ترمب عداءً لاتفاقات التجارة الحرة فحسب، بل إنّه أيضًا يعادي الاندماج الاقتصادي الدولي. فالعولمة الاقتصادية، بالنسبة إليه، جعلت الأغنياء أكثر غنى، في حين أنّها تركت العمال الفقراء نهبًا للفقر والمرض. وبحسب رأيه، فإنّ "موجة العولمة قضَ ت على الطبقة الوسطى"66. وبناءً على هذا التحليل، وَعَدَ ترمب خلال حملته الانتخابية بوقف خروج الشركات والأعمال الصناعية من البلاد، وباستعادة فرص العمل في القطاع الصناعي، وتعهّد بمعاقبة الشركات الأميركية التي تهاجر، والضغط على الشركات التي هاجرت للعودة إلى أميركا.

خامسًا: الانعكاسات على النظام الدولي

إذا التزم ترمب بالمبادئ والتعهدات التي أعلنها، فسيكون لذلك انعكاسات كبرى على أسس النظام الاقتصادي والتجاري الدولي الذي كانت الولايات المتحدة الفاعل الأكبر في بنائه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد يؤثّر ذلك بشدة، أيضًا، في بنية النظام الدولي وتحالفاته السياسية والأمنيّة.

11 الانعكاسات الاقتصادية

وعد ترمب جمهوره من الطبقة العاملة البيضاء التي أوصلته إلى الحكم بإلغاء العمل باتفاقات التجارة الحرة أو تجميده أو وقفه - وهي اتفاقات وقعتها بلاده ثنائيًا أو جماعيًا مع دول عديدة حول العالم - وإعادة فرض رسوم على البضائع المصنعة لحماية الصناعات المحلية، وإعادة إحياء ما دمّرته سياسات التجارة الحرة منها. وإذا تمّ العمل بهذه السياسات الحمائية، فإنّ دولً كثيرةً في مختلف أنحاء العالم سوف تتأثر، وسوف تكون الصين وألمانيا والمكسيك الأشد تأثرًا. فالصين هي أكبر دولة مصدِّرة للبضائع في العالم (بلغت قيمة صادراتها عام 2015 نحو 2.3 تريليون دولار)، صدّرت ما قيمته 482 مليار دولار (نحو 21 في المئة) إلى الولايات المتحدة، وقُدر العجز في الميزان التجاري لمصلحة الصين ب 365 مليار دولار في العام نفسه67. أمّا ألمانيا، ثالث أكبر مصدِّر للبضائع في العالم 1.5(تريليون دولار)، فتعتمد مليون فرصة عمل فيها على العلاقات التجارية بأميركا التي تُعَدّ أكبر سوق للبضائع الألمانية في العالم68. وبلغت قيمة صادرات ألمانيا إلى الولايات المتحدة نحو 125 مليارًا عام 201569. أمّا المكسيك، فهي ثالث أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وتبلغ قيمة صادراتها إليها نحو 300 مليار دولار70. وبحسب معهد بيترسون للاقتصادات الدولية Peterson Institute for International Economics، إذا فرض ترمب رسوم حماية بالنِّسب التي ذكرها على الواردات، فإنّ ذلك سيؤدي إلى توجيه ضربة قاصمة للتجارة الدولية71. ويعتمد الاقتصاد الألماني، والصيني أيضًا، اعتمادًا كبيرًا على التجارة الخارجية؛ إذ يمثّل إجمالي قيمة الصادرات الألمانية نحو 46 في المئة من ناتجها القومي. وفي حال التضييق على ألمانيا، فإنّ اقتصادها سوف يتأثر بشدة، ما يعني إغلاق المصانع، بالنسبة إليها، وارتفاعًا

  1. Geoff Dyer, "Donald Trump Threatens to Pull US Out of WTO," Financial Times , 25/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://on.ft. com/2iuohw7
  2. Jesse Byrnes, "Trump: 'Who the Hell Cares if There's a Trade War?'," The Hill , 19/5/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/1U4rTj9
  3. Francis.
  4. Full Transcript: Donald Trump's Jobs Plan Speech," Politico , 28/6/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://politi.co/293L6Wt
  5. 2015: U.S. Trade in Goods with China," United States Census , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/1BpSO1N
  6. Exports By Country : World's Top Export Countries that have Shipped the Highest US Dollar Value in Exports during 2014," worldatlas , 19/9/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2kr6RVYl
  7. 2015: U.S. Trade in Goods with Germany," United States Census , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2jjOrlb
  8. 2015: U.S. Trade in Goods with Mexico," United States Census , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/1PUuq3y
  9. Marcus Noland et al., "16-6 Assessing Trade Agendas in the US Presidential Campaign," Peterson Institute for International Economics (September 2016), accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2cCfqrf المصدر: من إعداد الباحث.

في نِسب البطالة، وتدهورًا في معدلات النمو ومستوى المعيشة. وهذه التداعيات سوف يتمّ ربطها بقضايا الهجرة واللجوء التي تُعدّ حاليًا مادةً "ساخنة" للنقاش في ألمانيا وعموم أوروبا، ما يعني إنعاش حظوظ الأحزاب اليمنية (بعضها ذو مَيلٍ فاشيّ) التي تتوثب للوصول إلى السلطة. وهذا يُعيد إلى الذاكرة ما عُرف بالثلاثاء الأسود 29( تشرين الأول/ أكتوبر 1929) عندما انهارت أسواق الأسهم والسندات في وول ستريت، ما أسفر عن أزمة مالية واقتصادية، قامت في إثرها الولايات المتحدة بفرض سياسات حمائية خاصة على وارداتها من الفولاذ والصلب، وهما عصب الصناعة الألمانية. وقد أدّى ذلك إلى تقويض أُسس الاقتصاد الألماني الذي كان ينوء بعبء تعويضات الحرب العالمية الأولى، ونجَم عن ذلك صعود النازية ووصول هتلر إلى الحكم في انتخابات عام 1933 72.

الجدول)1(اقتصادات الدول الأكثر تأثرًا بالسياسات الحمائية التي يطرحها ترمب حسب عام 2015

المكسيكأملمانيااملصينالدولة
1.1343.363.1101قيمة الاقتصاد وفق الناتج المحلي
الإجمالي (ترليون دولار)
0.4291.59223.29قيمة الصادرات للسلع والخدمات
وفق الناتج المحلي الإجمالي
(ترليون دولار)
%38%47%22نسبة الصادرات من السلع والخدمات
وفق الناتج المحلي الإجمالي
300125482قيمة الصادرات
إلى الولايات المتحدة
(مليار دولار)
%70%7.8%21نسبة الصادرات إلى الولايات المتحدة
من قيمة الصادرات الكلّية

إنّ تقويض الاقتصاد الألماني، وصعود اليمين، سيؤدي على الأرجح إلى تفكك الاتحاد الأوروبي، وهو أمرٌ يدعمه ترمب أصلً73. وبما أن الاتحاد الأوروبي نشأ، من حيث المبدأ، لاستيعاب طموحات ألمانيا وامتصاص فائض القوة الألمانية، فإنّ إغلاق الأسواق أمامها وسد المنافذ عليها سوف يجعل هذه القوة تنفجر في وجه الأوروبيين، وفي مقدّمتهم الفرنسيين الذين خبروا الجموح الألماني في ثلاث حروب كبرى خلال أقلّ من قرنٍ (الأعوام: 1870، و 1914، و)193974. وإذا ظل ترمب يشجع على هذا الأمر، فهذا يعني نهايةَ عهد الاستقرار الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، وعودة الصراعات التي ظن الأوروبيون أنهم طوَوا صفحتها، وهذا تحديدًا ما قصده المسؤولون الأوروبيون في معرض تعليقاتهم المتوجسة بفوز ترمب75. وكذلك الأمر إذا فرض ترمب رسومًا حمائية على البضائع الصينية، فهو في هذه الحال سوف يشعل حربًا تجاريةً بين أكبر اقتصادين في العالم، ستكون لها نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي، بما فيها الاقتصاد الأميركي نفسُه؛ إذ قدّرت بعض المصادر أنه سيفقد خمسة ملايين وظيفة76. كما سيؤدي ذلك إلى خفض معدل النمو الاقتصادي في الصين، وارتفاعٍ في مستوى التوتر السياسي، المرتفع أصلً، بين البلدين؛ بسبب خلافات سياسية وتجارية وإستراتيجية77.

22 الانعكاسات السياسية والأمنيّة

يعتقد ترمب أنّ الولايات المتحدة هي بلد محمي طبيعيًّا، ومن ثم لا يوجد تهديد وجودي لها، كما أنّه يظن أنّ الآخرين لا يتحملون قسطًا كافيًا من أعباء العمل على توافر الأمن في النظام الدولي، وأن عليهم أن يؤدوا دورًا قياديًا في تحقيق الأمن لأنفسهم ولمناطقهم. وإذا التزم ترمب بانعزاليته وتهديداته المتعلقة بضرورة تحمّل الحلفاء تأمين أمنهم بأنفسهم وعدم المسارعة إلى نجدتهم في حال تعرضهم

  1. The Great Depression," Alpha History , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2itISjk
  2. Donald Trump backs Brexit, saying UK would be 'better off' without EU," The Guardian , 6/5/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/28L36jD
  3. Marko Papic & Robert Reinfrank & Peter Zeihan, "Germany, Greece and Exiting the Eurozone," Geopolitical Weekly , 18/5/2010, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2jSkRro
  4. World leaders react to Donald Trump's US election victory," the Guardian , 9/11/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2fZeZKW
  5. Rob Hotakainen, "Trump trade war casualties could include 5 million U.S. jobs," McClatchy DC , 29/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit. ly/2isjrDI
  6. Nigel Gould-Davies, "Donald Trump's belligerence could drive China and Russia into each other's arms – isolating the United States," The Telegraph , 6/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2jpcyT1 "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟ المصدر: "Defence Expenditures of NATO Countries (2009-2016)," NATO , Communique PR/CP (2016)116, 4/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/29gMUI7

للخطر؛ بسبب النفقات المادية التي ستنجم عن ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنّ ذلك سوف يرسل إشارات سوف تفهم منها كلٌّ من الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وحتى إيران، أنه لن يكون هناك ردّة فعل أميركي إذا اتخذوا خطوات عدائية تجاه خصومهم الإقليميين، وسوف يثير ذلك شكوك الحلفاء حول مدى التزام أميركي بأمنهم. علاوةً على ذلك، إذا نفّذ ترمب تهديداته بشأن تخفيف التزاماته تجاه "الناتو"، فإنّ ذلك سيُفضي، بطبيعة الحال، إلى إضعافه وتهميشه. لقد شكّل "الناتو" بالنسبة إلى الأوروبيين حلً جوهريًّا

ة ك ا" الأ ضا في الم ا ة ال فا ة ل لف "ال ا
ا
اني
رسم بياني: مساهمة كبار الأعضاء في الموازنة الدفاعية لحلف "الناتو"
2%
3%
5%
5%
7%
78%
أﻋﲆ اﻟﺪول ﻣﺴﺎﻫﻤﺔ ﰲ ﻣﻮازﻧﺔ ﺣﻠﻒ ﺷ ل اﻷﻃﻠﴘ «NATO»
أﻣ‚ ﻛﺎ
اﳌﻤﻠﻜﺔ اﳌﺘﺤﺪة
ﻓﺮﻧﺴﺎ
أﳌﺎﻧﻴﺎ
إﻳﻄﺎﻟﻴﺎ
ﻛﻨﺪا
المصدر: من إعداد الباحث.
2%
3%
5%
5%
7%
78%
أﻋﲆ اﻟﺪول ﻣﺴﺎﻫﻤﺔ ﰲ ﻣﻮازﻧﺔ ﺣﻠﻒ ﺷ ل اﻷﻃﻠﴘ «NATO»

للمعضلة الأمنيّة التي تركت أكبر الأثر في تاريخ القارة الأوروبية منذ اتفاقية وستفاليا عام 1648. إذ تسبب سعي الدول الأوروبية الكبرى لتحقيق أمنها بصورة فردية بحروب كارثية، كان آخرها الحربين العالميتين، إلى أن جاء تأسيس "الناتو"، في عام 1949، ليكون بمنزلة مظلة أمنٍ جماعي حلّت للأوروبيين معضلتهم الأمنيّة78. لكنّ "الناتو" كان بمنزلة مظلة شبه مجانية أيضًا. فقد ظلت الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من الموازنة الدفاعية للدول الأعضاء. وبحسب تقرير الموازنة الدفاعية لعام 2016، بلغت موازنة الدول الأعضاء في الحلف 918 مليار دولار، منها حصة الولايات المتحدة بنحو 664 مليار دولار؛ أي ما يعادل 73 في المئة تقريبًا79.

الجدول)2(مساهمة كبار الأعضاء في الموازنة الدفاعية لحلف "الناتو")2016(

الدولةالنفقات الدفاعية (مليار دولار)
الولايات المتحدة الأميركية664.058
المملكة المتحدة60.347
فرنسا43.620
ألمانيا40.663
إيطاليا.12878
كندا15.395

بالنسبة إلى ترمب، تبدو أوروبا بمنزلة راكب مجاني Rider Free يستفيد من المظلة الأمنيّة التي تتكفل واشنطن بالعمل على توافرها80، وهكذا تخصص الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف أكثر موازناتها للصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والبنية التحتية، على عكس الولايات المتحدة التي ظل 46 مليونًا من مواطنيها من دون تأمين صحّي، حتى تمكّن الرئيس أوباما من إقرار نظام التأمين الإلزامي Care Obama عام 2010 81.

إذا أصرّ ترمب على أن تتحمل الدول الأوروبية أعباء الدفاع عن نفسها، فهذا يعني أنّ هذه الدول سوف "تودِّع" عهد الحماية المجانية، وأنّها سوف تضطر إلى تخصيص مبالغ أكبر لموازناتها الدفاعية؛ ما يعني

  1. Papic & Reinfrank & Zeihan.
  2. Defence Expenditures of NATO Countries (2009-2016)," NATO ,
  3. Glenn Kessler, "Trump's Claim that the U.S. Pays the 'Lion's Share' for NATO," The Washington Post , 30/3/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// wapo.st/2iYOROl 81 " Obamacare Enrollment Numbers," Obamacare Facts , accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/1v54bez
  4. Communique PR/CP(2016)116, 4/7/2016, accessed on 12/1/2017, at: http:// bit.ly/29gMUI7

أنّ "دولة الرفاه" التي عرفتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لن تظلّ، على الأرجح، موجودةً. وهذا موقف تتبناه النخبة الأميركية على اختلاف توجهاتها. فقد طالب الرئيس أوباما حلفاءه، بمن فيهم الأوروبيون، بتحمّل أعباء أكبر في الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم، وهو ما يفسر دفعه بهم إلى أداء دور قيادي في العمل العسكري ضد ليبيا عام 2011 82. لكنّ سياسات ترمب تأخذ مدى أكثر حدةً من ذلك، وآثار سياساته ربما لا تتوقف هنا، إذ لا يرى ترمب في أوروبا ضرورةً أمنيّةً حيويةً للولايات المتحدة، كما أنّه لا يرى في مشروع الاندماج الأوروبي مصلحةً أميركيةً كما رأتها كل الإدارات الأميركية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية83. فضلً عن كل ذلك، يخشى الأوروبيون من مَيل ترمب إلى التقارب مع روسيا، ومن مَيله إلى التخلي عن دعم دول وسط أوروبا وشرقها تجاه تهديدات موسكو التي تسعى لزعزعة تحالفاتها مع الغرب واستعادة نفوذها فيه84. كما يخشى بعض الأوروبيين أن تتركهم واشنطن وحدهم في مواجهة موسكو المتربصة لتفكيك أُسس التحالف الغربي الاقتصادية (الاتحاد الأوروبي) والأمنيّة (حلف الناتو)، لتعود أوروبا إلى سياسات القرن التاسع عشر؛ عندما كانت روسيا جزءًا أصيلً من نظام التحالفات وموازين القوى الأوروبية، وعندما كانت بعض الدول الأوروبية تُذعن لإرادتها أو تطلب حمايتها85. بهذا المعنى قد يكون وصول ترمب إلى البيت الأبيض نقطةَ تحوّل في تاريخ القارة الأوروبية، لأنه يكون قد أنهى الحلم الأوروبي وعاد بأوروبا إلى مرحلة سابقة لنظام الحرب العالمية الثانية، وهو ما لم يستطع أن يفعله انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة. إنّ ربط إدارة ترمب تأديةَ التزاماتها الدفاعية تجاه حلفائها في شرق آسيا بتحملهم تكاليف هذه الالتزامات قد يُغري الصين أيضًا بالتحرك. وعلى الرغم من أنّ ترمب ينحو إلى اتخاذ مواقف متشددة من الصين بسبب قضايا التجارة، فإنّ سلوكه يمكن أن يشجعها على اتخاذ خطوات عدائية تجاه خصومها إذا تبيّنت أنّ التزام ترمب بالدفاع عنهم بدأ يتزعزع. لقد عملت إدارة أوباما – على عكس ما فعلته تجاه كل النظم الإقليمية الأخرى – على زيادة التزاماتها الأمنيّة والدفاعية في شرق آسيا، فعززت علاقتها الدفاعية بحلفائها، وزادت من وجودها العسكري في المنطقة، وشجعت حلفاءها فيها على مزيد من التعاون في ما بينهم، لتكوين حلف دفاعي في مواجهة الصين، وأكدت مبدأ حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي86. كما عززت إدارة أوباما التزامها بأمن المنطقة من خلال التوصل إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، على الرغم من أنّ الاتفاقية لاقت اعتراضات كبيرة من النقابات العمالية في أميركا؛ لأنها تعطي مزايا تجاريةً كبيرةً لدول منطقة آسيا في دخول السوق الأميركية87. من غير الواضح إذا كان ترمب سوف يستمر في تبنّي مقاربة إدارة أوباما تجاه منطقة شرق آسيا، كجزء من نظرته السلبية إلى الصين، وتوجّسه بالصعود الكبير لها. لكنّ الواضح أنّ إرسال إشارات توحي بإمكانية تخلّ واشنطن عن حلفاء تقليديين، أو التراخي في دعمهم، قد يؤدي إلى اختلال كبير في موازين القوى الإقليمية، ونشوء نزاعات وحروب، وتشجيع بعض الدول على اتخاذ سياسات أكثر عدائيةً؛ مثل كوريا الشمالية ضدّ كوريا الجنوبية، أو الصين ضدّ اليابان، أو روسيا ضدّ أوكرانيا ودول البلطيق، كما قد يشجع ذلك إيران على تبنّي سياسات أكثر هجوميةً في منطقة الخليج والشرق الأوسط. وسيساهم الانسحاب الأميركي الناجم عن سياسات العزلة التي يتبناها ترمب، وعن موقفه القائم على ضرورة تحمّل الحلفاء نفقات أمنهم كاملة تحت طائلة التخلي عنهم، في خَلْق فراغ قوّة كبير في مناطق نزاعات عديدة حول العالم، كما حدث في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ أدّى امتناع الولايات المتحدة عن التدخل فيها بالوتيرة السابقة نفسها إلى تنافس القوى الإقليمية في مَلء الفراغ. وإذا قام ترمب بفعل الأمر نفسه في شرق آسيا مثلً، فإنّ ذلك قد يؤدي، أيضًا، إلى تنافس القوى الإقليمية في مَلء الفراغ، وهو أمرٌ قد يفضي إلى "خلخلة" النظام العالمي وزيادة منسوب الصراع والفوضى.

خاتمة

هناك أسباب جِدّية تدعو بعض حلفاء واشنطن إلى القلق من وصول ثريِّ العقارات الأميركي إلى البيت الأبيض؛ ذلك أنّ تحويل ترمب شعاراته ووعوده الانتخابية إلى سياساتٍ سوف يعني، عمليًا

  1. Goldberg.
  2. Shapiro.
  3. Rogin, "European Allies to Donald Trump".
  4. Paul Roderick Gregory, "Why Russia Cannot Become Our Friend: Memo to President Trump," Forbes , 9/1/2017, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iYTjfO
  5. Robert G. Sutter & Michael E. Brown & Timothy J.A. Adamson, "Balancing Act: The U.S. Rebalance and Asia-Pacific Stability," Elliott School of International Affairs, The George Washington University (August 2013), accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2jphaIy
  6. Dave Boyer, "Unions, Liberal Groups Revolt against Obama's Pacific Trade Deal," The Washington Times , 5/11/2015, accessed on 12/1/2017, at: http://bit.ly/2iYSGTr "انقلاب" في السياسة الخارجية أم نسخة باهتة من الجاكسونية؟

وحرفيًا، تقويض نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار منظومة الأمن الجماعي الغربية، ونهاية عهد السلام الذي تمتعت به أوروبا حتى الآن. وتتغذى هذه المخاوف من حقيقة أنّ الرئيس في الولايات المتحدة يحظى بصلاحيات واسعة جدًّا في فضاء السياسة الخارجية، مقارنةً بفضاء السياسة الداخلية. فلا توجد أيّ مؤسسة أخرى، بما في ذلك الكونغرس، قادرة على إلزام الرئيس بفعل شيء لا يريده في مجال السياسة الخارجية؛ مثل استخدام القوة، أو توقيع معاهدة أو اتفاقية تجارية، أو إرغامه على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في أيّ جزء من العالم88. ومن جهة ثانية، يستبعد بعضهم - على الرغم من أن ترمب قد يُحدث تغييرات كبيرةً في مقاربات السياسة الخارجية الأميركية بطريقة قد تؤدي إلى بعض الاضطرابات دوليًّا - أن ينجح في قلْب السياسة الخارجية الأميركية "رأسًا على عقب." فالمؤسسة البيروقراطية الأميركية، بخاصة مؤسسة الأمن القومي، هي مؤسسةٌ هَرميّةٌ يتوافر فيها العديد من الضوابط والموازنات، كما أنّها - إضافةً إلى ذلك - كبيرة جدًا، ومتجذرةٌ إلى حدٍّ يصعب فيه إحداث تغيير جوهري في رؤاها وآلية عملها. وفي هذا السياق، كان لافتًا للانتباه تراجع ترمب، هو وأبرز مسؤولي إدارته، عن أيّ محاولةٍ للتقارب مع روسيا، بعد أن أكّدت وكالات الاستخبارات الأميركية المختلفة قيام موسكو بعمليات قرصنة إلكترونية للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية89. في كل الأحوال ستشهد السياسة الخارجية الأميركية بانتقال السلطة من إدارة أوباما إلى إدارة ترمب تغييرات مهمةً، أقلّها ناجمة عن اختلاف المقاربات والرؤى بين الإدارتين. فقد تركّز اهتمام إدارة أوباما في مواجهة التحديات العالمية مثل الإرهاب، والتغير المناخي، وقضايا منْع الانتشار النووي، أكثر من تركيزها في التحديات الإقليمية. ومن خلال ذلك، يكون أوباما قد حاول نَقل أعباء إدارة الأزمات، والاضطلاع بحفظ الأمن، واحتواء الصراعات، إلى الدول الإقليمية المعنيّة بذلك، بدلً من تورط الولايات المتحدة فيها؛ لأنّ تركيز الاهتمام في "النظم الجيوسياسية الإقليمية" كان يتطلب العودة إلى النظرة التقليدية للمصالح القومية الأميركية التي ترى أنّ استقرار النظام الدولي يعتمد على الاستقرار والأمن في النظم الإقليمية، ما يستدعي قيام الولايات المتحدة بدور أكبر لحفظ الاستقرار في شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وتاريخيًا، كانت مسؤولية واشنطن هي تحقيق الاستقرار في النظام الدولي، وقد تطلّب منها ذلك إيجاد مظلة حمائية لأصدقائها وردع الأعداء والخصوم. وفي المقابل، لا يطرح ترمب العودة إلى تركيز الاهتمام في النظم الإقليمية، ولا في التحديات الدولية، بل يطرح نظرةًانعزاليةً، قوميةً شعبوية،ً بوصفها حلًّ لمشكلات أميركا وتحدياتها الاقتصادية والأمنية. لقد طرح فوز ترمب سؤالً جوهريًا، هو: هل سيترك صعود الشعبوية والقومية في أميركا تأثيرًا عميقًا في دور الولايات المتحدة ونظرتها إلى نفسها؟ ثمّ هل هناك عودة إلى عقلية ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين كان الأميركيون يشكّكون في قدرة بلادهم على أداء دور قيادي في النظام الدولي، ومن ثمّ التحلل من الالتزامات التي التزمت بها على امتداد سبعة عقود؟ لا شك في أنّ المدّ الشعبوي أكبر من ترمب، وقد أصبح مع بروز بيرني ساندرز عابرًا للحزبين؛ إذ دعا ساندرز إلى انخراط أميركي أقلَّ في الشؤون الدولية، وتركيز الاهتمام في الوضع الداخلي، وانتقد تورط أوباما في شؤون العالم، وإبرام اتفاقات تجارية أضرّت بمصالح الأميركيين، علمً أنّ أوباما نفسه اتّبع سياسةً خارجيةً حدّت إلى مدى كبير من الانخراط الأميركي في شؤون العالم90. يمكن القول إنّ هناك إجماعًا يتشكّل في الولايات المتحدة عمومًا، وفي أوساط الحزبين خصوصًا، يرفض استمرار قيام الولايات المتحدة بدور "الشرطي" في النظام الأمني العالمي، وهو إجماع يجد دعمً كبيرًا بين الأميركيين. ففي استطلاع للرأي أجرته مجموعة بيو للأبحاث، رأى 57 في المئة من الأميركيين أنّ أميركا يجب أن تهتمّ بحلّ مشكلاتها وأن تترك للآخرين حلّ مشكلاتهم بأنفسهم91. إنّ هذه الميل الانعزالي لا يمثّل أمرًا جديدًا في الفكر والثقافة السياسية الأميركية، بل هو متأصّل حتى لو لم يكن متوافقًا مع رأي نخبة السياسية الخارجية92. وإنّ تكاليف غزو العراق وأفغانستان، والأزمة المالية التي حدثت عام 2008، واتفاقات التجارة والعولمة الاقتصادية، وتزايد المنافسة الخارجية، وقضايا الهجرة واللجوء، أدّت كلّها إلى تكريس الانعزالية التي عبّ عنها فوز ترمب. سيكون من الصعب، كما بينَّا، التنبؤ بأفعال ترمب، غير أنّ ترمب سيتجه في الحدّ الأدنى إلى القول بكل وضوح وصراحة إنّ على الحلفاء أن يزيدوا إنفاقهم الدفاعي، وأن يضطلعوا بدور أكبر في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره، وإلّ سوف تكون هناك صعوبة في

  1. Thomas Wright, "Trump's Team of Rivals, Riven by Distrust," Foreign Policy , December 14/12/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://atfp. co/2hZjQK7
  2. Matthew Lee, "Trump's Pick for Top Diplomat Takes Tough Line on Moscow," ABC NEWS , 11/1/2017, accessed on 12/1/2017, at: http://abcn. ws/2jphN5d
  3. Nolan D. Mccaskill, "Sanders Crticizes Obama Trade Agenda," Politico , 3/3/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://politi.co/1LBYtLi
  4. Public Uncertain, Divided over America's Place in the World," Pew Research Center, 5/5/2016, accessed on 12/1/2017, at: http://pewrsr. ch/1SOCmTo
  5. Michael Kazin, "Trump and American Populism: Old Wine, New Bottles," Foreign Affairs , October 2016, accessed on 12/1/2017, at: http://fam. ag/2dZwIhl

مواصلة واشنطن تحمّل الأعباء وحدها. وبالمثل، إذا استمر الأداء الضعيف للاقتصاد الأميركي، أو تعرّض لهزة جديدة، فسوف تتزايد صعوبة تبرير اتفاقات التجارة الحرة والاندماج الاقتصادي والعولمة، وسوف تذهب واشنطن، على الأرجح، تجاه تبنّي سياسات انسحاب وانعزالية، وقد تلجأ إلى إجراءات حمائية على الرغم من التبعات السياسية الكبيرة لهذه الإجراءات. وفي الحالتين سوف تمثّل سياسات ترمب هزةً كبيرةً للنظام الدولي الليبرالي الذي ظهر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بشقّيه الأمني والاقتصادي.

المراجع

Alterman, Eric. Who Speaks for America? Why Democracy Matters in Foreign Policy. Ithaca: Cornell University Press, 1998. Brown, Chad P. "The WTO and GATT: A Principle History." in: Self-Enforcing Trade: Developing Countries and WTO Dispute Settlement. Washington: Brookings Institution Press, 2009. Daalder, Ivo H. & James M. Lindsay. America Unbound: The Bush Revolution in Foreign Policy. New Jersey: John Wiley and Sons Inc., 2005. Goldberg, Jeffrey. "The Obama Doctrine." The Atlantic (April 2016). "Navigating through Turbulence: America and the Middle East in a New Century." Report of the Presidential Study Group, The Washington Institute for Near East Study, 2001. Robin, Ron. The Making of the Cold War Enemy: Culture and Politics in the Military-Intellectual Complex. Princeton: Princeton University, 2001. Spiegel, Steven L. The Other Arab-Israeli Conflict: Making America's Middle East Policy from Truman to Reagan. Chicago and London: The University of Chicago Press, 1985. Taylor, Samantha Alisha. "A Comparative Study of America 's Entries into World War I and World Dissertation. And Theses II." Electronic War School of Graduate Studies. East Tennessee State University - United States, 2009. Yesilbursa, Behçet K. "The American Concept of the 'Northern Tier' Defence Project and the Signing of the Turco-Pakistani Agreement 1953 - 54." Journal of Middle Eastern Studies. vol. 37, no. 3 (July 2001).