كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟

Mahmoud Abdalel محمود عبد العال |

How Armies Respond to Revolutions and Why عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ المؤلف: زولتان باراني Zoltan Barani المترجم: عبد الرحمن عيّاش. الطبعة: الأولى. سنة النشر: 2016 الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. عدد الصفحات: 320 صفحة.

How Armies Respond to Revolutions and Why

كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ يكتسي كتاب أهميةً، ليس بغرض دراسة ظاهرة العلاقات السياسية العسكرية فحسب، وإنما أيضًا للوصول إلى بناء إطار معرفي يساعد في التنبؤ بهذه الظاهرة ودراستها، لا سيما ما يتعلق منها بدور الجنرالات في عمليات الانتقال السياسي وتبعاتها. كما يسعى الكتاب لإعادة النظر في الأدبيّات النظرية التي تناولت مفهوم "الثورة" مُركزة جلّ جهدها في المفهوم ذاته وما يتعلق به من حراك سياسي مدني، ومُتغافلة عن محورية دور المؤسسة العسكرية في حسم هذا الحراك، والتحكم في مساره ومآلاته الأخيرة، سواء في أن يكون لها دور مُحفز للتحول الديمقراطي أو مُعطل له. وما يضيف للكتاب قيمة هو اتخاذه منحى منهجيًا للمقارنة بين حالات متشابهة، كان تدخل الجيش حاسمً لمساراتها، وذلك من دون التركيز في أدق تفاصيل العلاقات المدنية - العسكرية، ولكن بالتركيز في موازين القوى بين الجنرالات والنخبة السياسية، وتفكيك هذه العلاقة بغرض بناء نموذج مُفسر لطبيعة تدخل الجيش في العملية السياسية. وهو بالنتيجة لا يسعى لدراسة مآلات الثورة أو حتى أهدافها، لكنه يركز في دور المؤسسة العسكرية فيها، وما إذا كانت ستعود لثكناتها. يُستهل الكتاب في مقدمته بعرض لمبررات بحث موضوع الثورات من منظور موقف الجيوش نفسها من دون التركيز بالدرجة نفسها في الحراك السياسي والمدني. ويقدم الكاتب وجهة نظر تتعلق بضعف التحليل الذي تلا حوادث 2011، ويعزو ذلك إلى عجز الأدبيات الأكاديمية والباحثين عن رصد ظاهرة الجيش والسياسة، سواء لإشكالية تتعلق بتدفق المعلومات أو ما يرتبط بحالة الحذر في التعامل مع هذا الموضوع الشائك، وهو من ثمّ يتحفظ على ما أ ثير حول عجز أدوات التحليل عن رصد ذلك التغيير. فأغفلت الأدبيات ما يتعلق بردة فعل الجنرالات على التظاهرات الشعبية، وذلك لعدم توقعهم تلك التظاهرات في الأصل. وما يجعل دراسة علاقات موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية أمرًا مهمً هو ما طرحه نموذج الثورات العربية، فأبرزه نموذجًا متوحدًا في حالات مصر وتونس، بينما كان منقسمً في حالات اليمن وليبيا، وغير مكترث بالتظاهرات ومطالبها في حالتي سورية والبحرين. وعرج الكاتب في مقدمته على رصد اتجاه الأدبيات وحججها في تناول ظاهرة الجيش والسياسة، خاصة ما يتصل بظروف تصدع حالة الولاء بين الجيش والنظام، وكذلك العوامل التي تؤدي إلى انقسام الجيوش على نفسها. ويفترض في ذلك جملة من الحجج التي يسعى لإثباتها وتتركز حول ما يلي: الجزم بفشل الثورات والانتفاضات، إذا ما قررت الجيوش إخمادها؛ وذلك ما يتنافى مع آراء كثير من الأكاديميين مثل إريك هوبزباوم ورايت ميلز، وكذلك عدد من "الفاعلين الثوريين" مثل تشي غيفارا وماو تسي تونغ الذين يرون أنّ المجموعات الثورية المتحصنة بالجماهير تستطيع هزيمة الكتائب المنظمة. الفهم العميق لعلاقة الجيش بالدولة والمجتمع كفيل بفهم طبيعة تصرف الجيش إزاء الثورات سواء في الحوادث التاريخية السابقة أو حتى توقع توجهه في الحوادث المستقبلية. من جانب آخر، ينتقد الكاتب اتجاه الأدبيات التي ترصد ظاهرة الحركات الاجتماعية والسياسية من دون ربطها بالسلوك المحتمل أو المتوقع للقوات المسلحة، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الجيش هو من المؤسسات الرئيسة التي سيحتك بها المتظاهرون. ولم يجعل ذلك الانتقاد الكاتب يجحد جهد تشارلز تلي وتيدا سكوكبول في تركيزهما في محورية المؤسسة العسكرية وعلاقتها باستمرار النظام أو سقوطه. اعتمد باراني في كتابه على منهجية "تتبع العمليات"، بغرض فهم ميكانيزمات تشكيل القرارات وتكونها، وذلك عن طريق دراسة العلاقات السببية بين العوامل والقرارات، ويتبعها بمنهجية مقارنة الحالات. وكان انتقاء الحالات نابعًا من تركيز جهد الكاتب في حالات الجيوش الوطنية وليس الغزو الخارجي، وكذلك الحالات التي كان فيها للجيش دور الحارس للنظام السياسي السابق للانتفاضات، ومن ثمّ فهم أهدافه من التدخل وإن كان يسعى لإقامة حكم عسكري أم أنه سيكون خادمًا مؤتمنًا على دولة ما بعد الثورة.

فصول الكتاب

يتكون الكتاب من مدخل، وخمسة فصول، وخاتمة؛ تُركز في حالات إيران 1979، وبورما 1988 و 2007، والصين وأوروبا الشرقية 1989، إضافة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2011 (الربيع العربي.) ويناقش مدخل الكتاب الإطار النظري والأدبيات السابقة والحالات المدروسة ومبررات اختيارها. ويستعرض ذلك الجدل حول مدى كفاية أدبيات الجيش والثورات في فهم الظاهرة، وعلاقة الجيش بالمجتمع والدولة والنخب السياسية، ومدى إمكانية أن يساعد ذلك في فهم هذه العلاقات والتنبؤ بسلوك الجيش تجاه الحراك السياسي. في الفصل الأول من الكتاب، والذي يُعد بمنزلة جوهرة للتحليل والقياس في الفصول اللاحقة، يحاول الكاتب رصد عدد من العوامل والمؤشرات التي تتحكم في سلوك المؤسسة العسكرية تجاه الثورات. ويهدف المؤلف من هذا الفصل إلى محاولة بناء نموذج معرفي يجيب عن تساؤلات تتعلق بتعامل الجيش مع الثورة، وكذلك تقديم تصور

لترتيب هذه العوامل وفق أوزانها الترجيحية. ويرى أنّ اتجاه قادة الجيش نحو الثورة يعتمد على نطاق المعلومات التي ربطها بأربعة عناصر مُرتبة وفق درجة أهميتها، وهي المؤسسة العسكرية، والدولة، والمجتمع، والبيئة الخارجية. ووجد أنّ المعلومات الخاصة بالمؤسسة العسكرية نفسها هي الأهم على الإطلاق، بينما الوضع الدولي يمثّل الأقل أهمية، ولم ينكر ترابط هذه العوامل الأربعة التي لا يمكن لأحدها أن يعمل بمعزل عن بقيتها.

عرج الكاتب على العوامل العسكرية بصفتها الأكثر أهمية، خاصة ما تعلق منها بالتماسك الداخلي للقوات المسلحة. وفي هذا الصدد، سعى لتقديم نموذج تحليلي لاستكشاف العوامل التي يمكن أن تهدد تماسك الجيش، لا سيما في ظل غياب المعلومات الدقيقة عن شؤون الجيش في الدول القابلة للثورات. ورأى المؤلف أنّ التباينات العرقية، والدينية، والقبلية، والمناطقية تؤثّر في سلوك القوات المسلحة، خاصة في الجيوش التي تعتمد بالأساس على التجنيد الإجباري. كما يجد الانقسامات الجيليّة ذات دور حاسم في مسار الثورة، خاصة أنّ صغار الضباط (الميدانيين) يميلون إلى اختيار مواقف أكثر جذرية، ومن ثم أكثر عرضة لدعم الحراك الثوري، وذلك لعدم ارتباط مصالحهم كثيرًا بالنظام بعكس رفاقهم من كبار الرتب. ويرى الكاتب أنّ اختلاف الطبقات الاجتماعية التي ينحدر منها الجنود وضباط الصف مقارنة بالضباط، تكون عنصرًا حاسمً إذا ما أخذنا في الحسبان تمثيلية الجنود وضباط الصف لخلفيات اجتماعية مختلفة، ولكن يتوقف ذلك على تدفق المعلومات الصحيحة عنهم، إذ يعمد القادة إلى عزلهم عن أي مصادر مستقلة للأخبار، ومن ثمّ يعتمدون بالأساس ما يُسوقه إليهم كبار الضباط. وعرج الكاتب في هذا الصدد على عنصر غاية في الأهمية يتعلق بالانقسامات داخل أفرع الجيش والمؤسسات الأمنية؛ فلا يُ كن الحديث عن "القوات المسلحة" بصفتها كيانًا واحدًا من دون النظر إلى الاختلافات والتباينات بين هذه الأقسام. فعلى سبيل المثال، شكلت القوات البرية قوام المجلس العسكري الحاكم في اليونان بين عامي 1967 و 1974، ما أثار سخط القوات البحرية والجوية، والتي كانت لها أدوار ثانوية في الحكومة العسكرية، وهو ما أدى إلى تورط مجموعة من مُلتحقي البحرية اليونانية في انقلاب مضاد فاشل في أيار/ مايو.1973 وفي إطار تتبع سلوك الجيش تجاه المجتمع في السابق، يرى الكاتب أنّ سلوك أفراد الجيش تجاه التظاهرات والمجتمع في الماضي ينعكس على تعاملهم معه في المستقبل. فإذا كان أفراد الجيش مورّطين في قمع المواطنين وانتهاك حقوق الإنسان في الماضي، فإن هذا يجعلهم يميلون إلى اتباع النظام الحاكم وقمع المتظاهرين، وذلك خوفًا من أن يؤدي التغيير السياسي إلى محاكمتهم على جرائم الماضي. وفيما يتصل بالعوامل التي تتعلق بالدولة، يرى الكاتب أنّ سلوك النظام السياسي المتعلق بالوضع المادي لأفراد الجيش والعناية بهم يؤثر في مواقفهم مساندة أو معارضة. ويدخل في ذلك اللوازم الضرورية التي ترتبط بتسليح الجيش وتجهيزاته من ناحية، وكذلك ضمه للنشاط الاقتصادي للدولة من ناحية أخرى؛ كحال جيوش مصر وباكستان. وعلى صعيد آخر، يؤثر الاستقلال المهني والسيطرة الموضوعية للمدنيين على الشؤون العسكرية في اتخاذ القرارات الحاسمة انحيازًا إلى النظام أو انقلابًا عليه، فضلً عن أهمية الإنصاف في التعيينات العليا والهيبة العسكرية؛ فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من تمتع الجيش المصري بالامتيازات المادية الكبيرة، فإنه عانى تضاعف نفوذه مقارنة بالمؤسسات الأمنية ووزارة الداخلية. ووجد الكاتب أنّ العوامل المجتمعية، خاصة ما تعلق منها بطبيعة الحراك الثوري وحجمه، تُ ثّل محددًا لطبيعة تعامل الجيش مع الثورة. وفي هذا الإطار، يحدد عاملا طبيعة التظاهرات وتكوينها عمل الحسم في تعامل الجيش مع الثورة. فقد كان الاختلاف المذهبي بين الجيش والنخبة الحاكمة من جهة، والمتظاهرين من جهة أخرى، أحد أهم مبررات انحياز الجيش إلى النظام السياسي في حالة البحرين. يميل قادة الجيش إلى تأييد الثورة العابرة للاختلافات التحتية كالأيديولوجيا والطبقة والهوية، وذلك خوفًا من انتصارها في الأخير ومن ثم محاكمتهم. ويعدّ زولتان باراني العوامل الخارجية ثانويّة، إذا لم تتوافر لها الظروف المؤاتية. فارتباط الجيش بمصالح اقتصادية وعسكرية مع دول أجنبية مانحة، يجعل كبار القادة يعيرون الموقف الدولي اهتمامًا، وكان ذلك جليًا في حالة الجيش المصري الذي يعتمد في تسليحه وتدريباته على المعونات الأميركية. ويرى الكاتب أنّ تنامي ظاهرة "الانتشار الثوري" في الإقليم، يُحفز القادة ليكونوا أكثر ميلً إلى دعم الثورة بدلً من المخاطرة بالبقاء في الجانب الخاسر.

يُناقش الفصل الثاني من الكتاب الثورة الإسلامية في إيران وتفاعل الجيش معها. وفيه رصد باراني الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإيران في فترة السبعينيات، وكذلك عمد إلى تناول وضع الجيش، وتفكيك علاقاته مع الشاه من جهة، ومع المجتمع من جهة أخرى. وركز هذا الفصل في الحوادث التي جرت في الفترة من كانون الثاني/ يناير 1978 إلى شباط/ فبراير 1979، والتي قادت إلى انهيار النظام السياسي، وذلك بالتركيز في تعامل الجيش وجنرالاته معها. وفي هذا السياق، يرى أنه على الرغم من سيطرة الشاه على مؤسسات الدولة الإيرانية كافة آنذاك بما فيها القوات المسلحة، فقد ظلت المؤسسة الدينية تتمتع بالاستقلالية والمكانة المجتمعية. وهذا لا ينفي بطبيعة الحال محاولات الشاه إخضاع المؤسسة الدينية، وكذلك القبض على أبرز رموزها الذين تحولوا إلى قادة للثورة فيما بعد، ما يعني فشل هذه السياسات. وفيما يتعلق بحالة الجيش، يرصد الكاتب صفقات التسليح والميزانية الضخمة التي تمتعت بها القوات المسلحة الإيرانية في ذلك الوقت. لكنّ الشاه في الوقت نفسه عمد إلى قاعدة "فرق تسد" لإفشال أي محاولة للتنسيق بين القوات المسلحة لتنفيذ انقلاب عسكري، فضلً عن تمسكه بزمام عملية صنع القرار داخل الجيش. أسند الكاتب في ختام الفصل تحليلً يعتمد على طريقة الأوزان الترجيحية للعوامل التي أثّرت في قرار الجيش تجاه الثورة. فأقر بأن اعتماد الجيش على مجندي الخدمة الإجبارية بدلً من المتطوعين كان عاملً حاسمً في التحام بعض عناصر الجيش بالثورة. وارتبط بهذا العامل إعلان الجيش حياده حفاظًا على تماسكه الداخلي وخوفًا من انخراط المجندين وبعض المنشقين في الثورة المسلحة ضد وحدات الجيش النظامي. وهو ما ظهرت بعض بوادره على نطاق محدود، خاصة مع تهديد آية الله الخميني للجيش بتحويل الثورة ضده تحت شعار "الجهاد المقدس." ووفقًا لمذكرات بعض الجنرالات في هذه المرحلة، فقد وجدوا أن أوامر النظام للجيش باستخدام القوة لإجهاض الثورة لم تكن واضحة، خاصة مع اتجاه الشاه إلى تحويل بعض المسؤولين الأمنيين والعسكريين للمحاكمة بتهمة استخدام القوة ضد الشعب. وكان لهذا أثر كبير في نفوس القادة الذين خافوا أن يتحولوا إلى كبش فداء بين الشاه والثوار. وفي الوقت نفسه، يعدّ حجم التظاهرات وطبيعتها وتكوينها عاملً مهمً في الحوادث، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الثورة الإيرانية شارك فيها ما نسبته 10 في المئة من عدد السكان، من مختلف الطبقات والاتجاهات السياسية، بمعنى أنها كانت ثورة جامعة ولم تكن فئوية، أو مناطقية، أو دينية، أو عرقية. يتناول الفصل الثالث من الكتاب تجربة بورما في 1988 و 2007، وفيه يرجع الكاتب فشل الانتفاضتين إلى المكانة التي اكتسبها الجيش في المجتمع، خاصة ما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية، وكذلك اعتماده على التعليم التلقيني للشعب بمحورية دور الجيش في حماية الدولة وتراثها البوذي، مُستندًا في ذلك إلى دعم طبقة الفلاحين والفقراء. من ناحية أخرى، يرى باراني فشل القوى الثورية في تعبئة فئات المجتمع نظرًا لاستخدامها العنف ضد القوات الحكومية، ما جعل عددًا كبيرًا من السكان يحجم عن المشاركة. ويُرجع الكاتب أيضًا فشل الانتفاضتين إلى قدرة الجيش على الحفاظ على تماسكه الداخلي واستعادته السيطرة على الجنود المتطوعين لضمان ولائهم، أضف إلى ذلك أنّ قوى إقليمية كالصين وتايلاند دعمت قوات الجيش بغرض الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع الحكم العسكري في بورما. أرجع باراني فشل الانتفاضتين في 1988 و 2007 إلى ضعف المعارضة، وافتقارها إلى إستراتيجية لتطوير أساليبها وأدائها للضغط على جنرالات المجلس العسكري الحاكم لإخراجهم من المشهد السياسي. ويرى من ناحية أخرى أنّ رهبان الديانة البوذية كان لهم دور مهم في الحشد والتعبئة ضد النظام العسكري في انتفاضة 2007؛ وأسهم ذلك في سقوط ورقة التوت عن النظام الذي طالما عدّ نفسه حاميًا للتراث البوذي، لا سيما عند النظر إلى تعامله العنيف مع تظاهرات الرهبان. وأسهمت انتفاضة 2007 في الانفتاح السياسي بعد ذلك. يتناول الفصل الرابع من الكتاب حالات الصين وأوروبا الشرقية 1989، وكيف تأثرت هذه الثورات بحضور العامل الإقليمي متمثّلً بالاتحاد السوفياتي الذي أعلن الحياد تجاه الشؤون الداخلية للدولة. ويعني ذلك أنّ الاتحاد السوفياتي رفع دعمه عن الأنظمة الشيوعية في هذه الدول، وهذا ما أعطى الحراك الداخلي فرصة لتنظيم نفسه لإسقاط الأنظمة الشيوعية. ويرى الكاتب أنّ حالات الانتقال في بولندا والمجر تمخضت عن تحالفات داخلية ضمنت انتقالً سلميًّا للسلطة، أمّا في حالتي ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا فلم يتدخل الجيش نهائيًا في عملية الصراع السياسية، خلافًا لحالتي الصين ورومانيا اللتين انخرط فيهما الجيش في العنف ضد المتظاهرين. ففي حالة الصين، نفَّذ الجنود الأوامر بلا تردد بمجرد صدورها من قيادة الحزب ومن ثم فشلت الانتفاضة، وذلك خلافًا لحالة الجيش الروماني الذي انضم إلى الثورة مع أنه قاومها في البداية. ويرى الكاتب أنّ فشل الانتفاضة في الصين كان نتيجة لطبيعة تكوين التظاهرات وغياب تمثيليتها للمجتمع الصيني، خلافًا لحالات أوروبا

الشرقية التي مثَّل نظامها الشيوعي خيبة أمل ويأس للمواطنين والجيش معًا.

يتناول باراني في الفصل الخامس حالات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2011. وعلى الرغم من تأكيد الكاتب اختلاف أسباب انتفاضات الربيع العربي وتعددها، فإنه رأى الجيش بمنزلة "الدومينو" في كل هذه الحوادث. وانطلاقًا من ذلك، واعتمادًا على أسلوب تعامل القوات المسلحة مع الثوار، قسّم انتفاضات الربيع العربي إلى ثلاث شرائح، كالتالي: من وقف مع الثورة (مصر، وتونس:) على الرغم من تأكيد المؤلف اختلاف تعامل الجيش التونسي مع الثورة عن نظيره المصري، فإنه أقرّ بأن المحصلة النهائية تشابهت في عدم تدخلهما بإطلاق الرصاص على الثوار، ومن ثمّ ترك الأنظمة تتهاوى. ورأى باراني أنّ تهميش الجيش في تونس وإبعاده عن العملية السياسية على مدى ثلاثة عقود أسهم كثيرًا في تعزيز احترافيته. من انقسم حول دعم الثورة (ليبيا، واليمن:) واتسمت حالتا ليبيا واليمن، في نظر الكاتب، بالضعف المؤسسي وهيمنة المناطقية والقبلية على التعيينات والترقيات داخل الجيش. وفي كلتا الحالتين كان للانقسامات داخل الجيش والتدخل الخارجي أدوار قوية في حسم الصراع لمصلحة الثوار. من قرر الحفاظ على الوضع القائم (البحرين، وسورية:) يرى الكاتب أنّ توقع ردة فعل الجيش البحريني كانت الأسهل على الإطلاق نظرًا لعوامل تتعلق بتشكيلته من الأقلية السنية التي عدّها قوة مكلفة بحماية النظام الملكي السني، لا سيما إذا نظرنا إلى الطابع الطائفي الذي اكتسبته التظاهرات، ما أفقدها الزخم الثوري الذي انتهى بتدخل قوات درع الجزيرة لدعم النظام الملكي البحريني. أمّا في حالة سورية، فقد اعتمد الأسد على تشكيلة جيشه الطائفيّة التي ذهبت إلى أبعد الحدود في استخدام العنف للحفاظ على النظام، وكذلك الحال باعتماده على دعم رجال المال والأعمال السُنّة وذلك بمنحهم مزيدًا من التسهيلات والعطايا للإثراء. ووفقًا للنموذج الذي اتبعه الكاتب في تحليل مواقف الجيوش تجاه الثورات، فإنه يرى أن:ّ حجم التظاهرات وطبيعتها وتكوينها كانت عوامل حاسمة في حالات تونس ومصر وليبيا وسورية، بينما لم تكن بالفاعلية نفسها في حالتي البحرين واليمن. التماسك داخل جيوش سورية واليمن وليبيا من العوامل المؤثرة في تطور قرارات الجيوش تجاه الثورة. قرار الجيش بالانحياز إلى الثورة في مصر وتونس كان عامل حاسمً في نجاحها، وذلك من دون إغفال فاعلية العوامل التي تتعلق بقوة المعارضة، وطول نفس النظام القديم لمقاومة التغيير، وشعبية المطالب. لعامل الانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية أهمية في حالات ليبيا واليمن وسورية والبحرين، بينما لم تبرز في حالتي مصر وتونس.

خاتمة

لقد استطاع باراني في هذا الكتاب أن يقدم إسهامًا أكاديميًا يتعلق ببناء نموذج تفسيري لتوقع ردة فعل الجيوش تجاه الثورات، وذلك من خلال استخدامه عددًا من العوامل التي صنفها إلى عسكرية، ومجتمعية، وخارجية، وأخرى تتعلق بعلاقة الجيش والدولة. وقد اعتمد الكاتب في ذلك أسلوب مقارنة الحالات الذي أسهم إلى حد كبير في إمكانية تعميم النموذج لدراسة حالات أخرى، إذا توافرت المعلومات المتعلقة بالجوانب العسكرية والمجتمعية والعلاقات الإقليمية والدولية للحالة محل الدراسة، كما يُسهم ذلك في تطور الكتابات التي تتناول العلاقات المدنية - العسكرية، لا سيما أن الكاتب قد اعتمد تكامل المنهجين الكمي والكيفي.