من يحكم العالم؟
عنوان الكتاب في لغته: Who Rules the World? عنوان الكتاب: من يحكم العالم؟ المؤلف: نعوم تشومسكي Noam Chomsky الطبعة: الأولى سنة النشر: 2016 Metropolitan Books/Henry Holt & Co. (NYC) الناشر: عدد الصفحات: 309
Who Rules the World?
يواصل عالم اللسانيات والمفكّر الأميركي نعوم تشومسكي مشروعه الذي بدأه منذ عقود مع بداية حرب فيتنام، وكرّسه لنقد "الإمبراطورية الأميركية"؛ تلك الإمبراطورية التي أضحت تُهيمنُ على السياسة العالمية على نحوٍ غير مسبوق في التاريخ بحسب ما يرى، وذلك بعد أن بلغت ذروة قوّتها في عهد الرئيس هاري ترومان الذي دشَّنَ في عام 1945 إنشاء أول قاعدة عسكرية أميركية في الخليج العربي، كعلامة بارزة في سياق توسّع المصالح الأميركية وبروز نزعتها الإمبريالية. وكما يقول تشومسكي في مقدّمة كتابه الجديد، إنّ الولايات المتحدة أصبَحت منذ الحرب العالمية الثانية القوة الأشدّ هيمنةً على مصير العالم، وقد تعزّزت هيمنتها بعد سقوط الغريم التقليدي ممثل بالاتحاد السوفياتي السابق، وما تبع تلك الحقبة من تداعيات رسّخت استئثارها بقضايا سياسية واقتصادية عالمية بالغة الحساسية، بدءًا من الصراع العربي - الإسرائيلي، مرورًا بقضايا أميركا اللاتينية، وصول إلى حقبة "الحرب على الإرهاب"، وغيرها من القضايا التي تتمتّع فيها الولايات المتحدة الأميركية بامتياز شبه حصريّ لصياغة شروطها وتوجهاتها ومآلاتها، حتى إن بدا لنا أنّ هيمنة القوة العسكرية الأميركية عالميًّا تواجه اليوم تحديات كبرى، تشكّلها قوى مثل روسيا بتدخلها في أوكرانيا وسورية، وأخرى كالصين التي بدأت بالتعبير عن طموحاتها تعبيرًا أوضحَ من أي وقت مضى.
أسياد البشرية يحكمونها ولا يمثّلونها
يتأسس كتاب تشومسكي الجديد 307(صفحات من القطع المتوسط)، من يحكم العالم؟ على سؤالٍ يبدو بسيطًا في ظاهره؛ إلاّ أنّ تشومسكي يؤكّد في كلمات الكتاب الأولى، أنّ إشكالية بعض الأسئلة تكمُنُ في بساطتها الظاهرة. وإذا كانت أكثر الإجابات بداهةً وتقليديةً ستقول إنّ ما يُعرَفُ ب "نادي القوى العظمى" هو من يحكم العالم، فسؤال كالذي يختاره عنوانًا لكتابه ومقدّمةً له، قد لا يتوفّر على إجابة واضحة وحاسمة؛ إذ إنّ الإجابة التي ستقول إنّ من يحكم العالم هي دولٌ وسياسات بالدرجة الأولى، وأميركا وشركاؤها في حكومة الأمر الواقع العالمية government world facto De بالدرجة الثانية؛ لربّ ا تكون إجابةً صحيحة في بعض جوانبها، إلاّ أنّها تبقى في حدود المستوى الظاهريّ للسؤال، فالدول والسياسات إنّ ا هي نتاج شبكات متعالقة ومركّبة، ومزيج يجمع طيفًا من الأفكار والتيارات ومراكز القوة والنفوذ. وإذا كان تشومسكي يرى أنّ الإجابة السابقة ليست خاطئة في مجملها، فإنه يجدها بالغة التجريد بما لا يعفيها من شبهة التضليل؛ لكونها تبالغ في اختصارها لدى مقاربة سؤال كهذا، ويدعم تشومسكي دحضه تلك الإجابة انطلاقًا من رؤيته التي تقول إنه حتى في أكثر الدول ديمقراطية فإنّ تأثير المواطنين في السياسات العامّة يكاد يكون ضئيلً جدًّا، وأنّ النُخب السياسية في تلك البلدان إنّ ا تمثّل مصالح ضيّقة تخصّ مراكز قوى لا تأبه لمصالح السواد المعظم لمواطني تلك البلدان. وبذلك، فإنّ أحد عيوب تلك الإجابة يتمثّل في إهمالها التأثير الكبير ل "سادة البشرية"، وفقَ التعبير الذي صكّه آدم ثروة الأمم سميث في كتابه. وإذا كان "سادة الأمم" في عصر سميث هم التّجار والصّناعيين، فإنّ تشومسكي يتناول الشكل التطوّري الراهن ل "السادة" والذي يرى أنّه يتمثّل اليوم في تكتلات الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وفي قرائنها المالية والتجارية، كصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة السّبعة الكبار G7 التي تشكّل جميعها "عصرًا إمبرياليًا جديدًا"، وتضع القوّة العسكرية تحت إمرتها، وفي خدمة مصالحها أول.
على مستوى السياسة الداخلية الأميركية، وبحسب ما تشير إليه عدّة أبحاث يوردها الكتاب؛ ثمّة أدلة دامغة على أنّ النخب الاقتصادية والجماعات المنظّمة التي تمثّل المصالح التجارية تحظى بقدرة واضحة في التأثير في سياسات حكومة الولايات المتحدة، في حين أن المواطنين العاديين والجماعات التي تمثّلهم ليس لديهم سوى تأثير ضئيل جدًّا في هذه السياسات؛ ما يدعم نظرية هيمنة النخبة الاقتصادية و"التعددية الموجّهة"، وليس "الديمقراطية الانتخابية" أو "التعددية الأكثرية"، كما تُظهِرُ دراساتٌ أخرى بهذا الخصوص تناميًا مطَّردًا لظاهرة العزوف الشعبي عن المشاركة في الانتخابات أو ما يُعرَفُ محليًّا بال apathy electoral، نتيجة يأس قطاعات واسعة
من الشعب الأميركي، من وجود تمثيل حقيقي لها خارج الثنائية الاحتكارية للجمهوريين والديمقراطيين، بعد أن بات هؤلاء على اقتناع تامّ بفشل الحزبين الرئيسين في البلاد بتمثيلهم. وتتركّز ظاهرة العزوف هذه في أولئك الذين يقبعون أسفل التراتبية الاقتصادية لناحية انخفاض مداخيلهم؛ إذ إنّ طبيعة التوازنات الداخلية الأميركية، باتت تفرِضُ استبعاد آراء هذه الكتلة الاجتماعية من دائرة القرار السياسي، لمصلحة تنامي الدور البارز للنخبة الضيّقة التي تموّل العملية الانتخابية، وتتحكم بمسارها في سبيل إدامة هيمنتها التي تتركّز على تحقيق مصالحها على أفضل سبيل ممكن، وبصرف النظر عن مصالح الآخرين، وهو ما أطلق عليه سميث Maxim Vile (أي أقصى ما يمكن من المنافع)1. ولئن كانت الصورة اليوم تختلف قليل في جوهرها عمّ كان عليه الحال وقت آدم سميث، فإن المبدأ العام ما يزال قائمًا في رغبة أولئك الأسياد في "الاستئثار بكل شيء"، كما يقول الكاتب. ويلفِتُ تشومسكي الانتباه إلى غياب حزبٍ جماهيري أميركي، يمثّل مصالح الطبقة العمّ لية التي يرى أنّها أصبحت مستثناةً من التمثيل الحقيقي، ولم تعد تكلّف نفسها عناء المشاركة في انتخابات لن تأتي على الأرجح بمن يعبّ عن مصالحها. لذلك، وبحسب تحليل بورنهام وتوماس فيرغسون لانتخابات عام 2014، فإنّ معدلّات التصويت قد جاءت بمعدلّات مشابهة لمثيلاتها في القرن التاسع عشر، أيام كان حق التصويت حكرًا على الذكور الأحرار، وقد خلص أولئك الباحثون إلى أن "الأدلة والاستطلاع المباشر للرأي" تُظهِر أنّ أعدادًا كبيرة من الأميركيين باتوا أضعفَ ثقة وأشدّ حذرًا من الحزبين السياسيين الرئيسين، كما أنّ سقف توقعاتهم بات أدنى بكثير؛ لإدراكهم أنّ حفنةً من أصحاب المصالح الكبرى تمسك بمقاليد السياسة في البلاد، دونما اكتراث لمصالح الأغلبية؛ ما من شأنه تسريع تفكّك النظام السياسي، كما يتضح من تركيبة الكونغرس، وفق ما يشير إليه المؤلّف. وتأسيسًا على سؤال الكتاب المركزيّ حول "من يحكم العالم؟"؛ يبُرِز الكتاب سؤالً آخر حول ماهية القيم والمبادئ التي تهيمن على أجندات "سادة البشرية"، أهي مبادئ الديمقراطية وقيم العدالة وحقوق الإنسان؟ أم مبادئ اقتصاد السوق وقيمة الربح والمنفعة؟ وإذا كان تشومسكي يُظِهُر ميلً كلاسيكيًا يساريًا تجاه الإجابة الثانية، فإنّه يؤكد أيضًا انحراف الدعاية الأميركية حول العدالة وحقوق الإنسان، نظرًا إلى أنّها أصبحت اليوم - وأكثر من أي وقت سابق - في خدمة مصالح المؤسسات المالية والشركات الكبرى. ويبرهن على ذلك مستشهدًا باتفاقيات التجارة الحرّة؛ إذ يعدّها أنموذجًا مضادًا للديمقراطية، فهي اتفاقية دُبِّرَت بليلٍ كما يقول، ووضع تفاصيلها مئات المُحامين الذين عملوا على تمريرها على وجه السرعة، من دون مناقشات شفّافة لها، وبالطبع، من دون مشاركة المواطنين الذين سيتأثرون بمضمونها. ويجد الكاتب في تعامل النّخب السياسية الأوروبية في بروكسل مع أزمة اليونان الاقتصادية ورغبة اليونانيين في المشاركة الفاعلة في رسم سياسات بلدهم الاقتصادية، مثالً آخر على هيمنة المؤسسات المالية العالمية الرديفة ل "سادة البشرية"؛ إذ إنّ زعامة الاتحاد الأوروبي - بحسب تشومسكي - ومن ورائها المصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، لم تتوانَ عن إنزال أقسى العقوبات بفرض سياسات تقشف شديدة على الشارع اليونانيّ الذي حاول أن يخرج عن سياق الخطة الاقتصادية المبتغاة له. وفي حين هدفت سياسات التقشف تلك إلى خفض ديون اليونان، فإنّها في حقيقة الأمر أدّت إلى انخفاض معدل الناتج المحلي إلى مستوى غير مسبوق.
النفاق في جوهر الفلسفة السياسية الأميركية
يقدّم الكتاب الذي احتوى على 23 فصلً، وضمّ في متنه عددًا من مقالات تشومسكي المنشورة سابقًا، رؤيةً تختلف في منظورها عن منظور الرؤية الرسمية التي تعرضها النخبة المستأثرة بالخطاب السياسي، والمسيطرة على وسائل الإعلام، للمواطن الأميركي. فسردية المؤلف تقوم أساسًا على تسليط الضوء على ازدواجية الخطاب السياسي الأميركي أو ما يرى فيه "نفاق أميركا السياسي"؛ إذ يوضح الكتاب التباين بين صورة أميركا وسياساتها من منظور أميركي، وبين صورتها بمنظور العالم الخارجي الذي ترى قطاعات واسعة منه أن "مسؤولية أميركا عن حمايتها" إنّ ا تمَثّل تهديدًا مباشرًا لمصيرها؛ إذ إن السياسة الأميركية اتّسمت عقودًا طويلةً بمغامراتها العسكرية التي حصدت في طريقها عشرات الآلاف من المدنيين، من فيتنام إلى العراق، مرورًا بأفغانستان وغيرها من البلدان التي دخلتها القوات الأميركية بمزاعم مختلفة. وفي الوقت الذي كانت الدعاية الأميركية تقوم على الدور الرياديّ للولايات المتحدة في نشر الديمقراطية والعدالة عبر العالم، فإنّ جزءًا واسعًا من سياسات الحكومات الأميركية جاءت على نقيضٍ تام مع تلك الدعاية.
وعلى سبيل المثال، في دول أميركا اللاتينية، وهي الأقرب جغرافيًّا إلى الولايات المتحدة، دعمت الحكومات الأميركية المتلاحقة خيارات غير ديمقراطية في تلك البلدان، وليس وقوفها وراء الانقلاب العسكري الذي جاء بالجنرال بينوشيه في تشيلي عام 1974، والذي ترتّب عليه قيام تشيلي على الفور بإعدام نحو 3000 مواطن تشيليّ، سوى أبرز مثالٍ يسوقه تشومسكي على النفاق الذي اتّسمت به السياسات الأميركية عبر العالم طوال عقود. وخلافًا لما حَظِي به السياسيّون المنشقّون عن أنظمةٍ توصف بأنها معادية، بحسب التصنيف الأميركي، وبالأخصّ في الدول الاشتراكية السابقة أو حتى عند أولئك الإيرانيين، فإنّ أقرانهم اللاتينيين لم يحظوا بقبول أميركي لدخول "نادي المنشقيّن"، على الرغم من أن مطالبهم أيضًا تمثّلت في الحرية والعدالة، إلاّ أنّ البراغماتية الأميركية آثرت تركهم لقمة سائغةً للديكتاتوريات التي حكمتهم؛ ما أدّى إلى تصفيتهم على مرأى من الولايات المتحدة الأميركية. وكما يوضح الكتاب بالأمثلة، فإنّ عدد أولئك المعارضين الذين تعرّضوا للإبادة على أيدي الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة يفوق أعداد أولئك الذين قضوا على أيدي الديكتاتوريات الشيوعية. كذلك، بقي نيلسون مانديلا على لوائح الإرهابيين الممنوعين من دخول الولايات المتحدة حتى عام 2008، إذ عدّته الحكومة الأميركية "يتزعّم تنظيمً إرهابيًا" إبّان مقاومته سياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. وفي سياق سياساتها القائمة على ما عُرِفَ بنظرية الدومينو التي نظّر لها الرئيس الأميركي آيزنهاور آنذاك، فإنّ أروقة السياسة الأميركية رحّبَت بالجنرال سوهارتو الذي لا يمكن تبرئته من المسؤولية عن المذبحة التي أودت بحياة ما يقارب نصف مليون إندونيسي بين عامي 1965 و 1966، وهو ما تجرّأ الرئيس الإندونيسي الحالي جوكو ويدودو على ذِكره، ودفع بالرئيس باراك أوباما إلى التعاون على كشف بعض جوانب أرشيف وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، وأرشيف السفارة الأميركية في جاكرتا بهذا الخصوص. وإذا كان الأميركيون يُظهِرون ميلً عامًّا إلى التقليل من شأن المخاطر التي تترتّب على تفوّق بلادهم العسكريّ، وتفرّدها في رسم سياقات السياسة الدولية، وتحديد مساراتها، معزّزين إدراكهم هذا بتطمينات ذاتية حول وجاهةِ الدور العالمي لبلادهم، وما ينطوي عليه من جوانب خَيِّة في خدمة السّلم والاستقرار العالميَيّن، تحت شعار "المهمّة الحضارية للاستثنائية الأميركية"؛ فإنّ تشومسكي يصف هذه النّزعة بالنّفاق الذي لا يختلف عن نفاق الشعارات التي رفعتها الإمبراطوريات الاستعمارية بداية القرن الماضي، وانطلت على شعوبها بسهولة، فقد سبقَ أن قدّمت فرنسا الاستعمارية وعودًا بالازدهار لمستعمراتها في العالم، وكذلك وعَدت اليابان بتحويل الصيّن تحت وصايتها إلى "جنّة في الأرض!" إلاّ أنّ النتائج على أرض الواقع كانت مخالفة تمامًا لشعارات تلك الوعود الملطّفة التي لم تكن تُضمِر سوى رغبة النّهب والاستغلال. ويرى تشومسكي أنّ الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط اليوم إنّ ا تتصل أساسًا بحقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وباتفاقية سايكس-بيكو على وجه التحديد، وذلك برسمها خرائط اعتباطية أدّت إلى قيام كيانات يصعب، بل يستحيل حُكمُها. في الفصل الذي اختار له عنوان "ساعة القيامة"، يدعو تشومسكي إلى استيقاظ "الشعب الأميركي" من "غيبوبة الرضا عن النفس"، بُغيَةَ كبح جماح استئثار حكومة بلادهم بقضايا على علاقة بالغة الحساسية بمصير البشرية، مثل السلاح النووي وقضايا التهديد البيئي؛ إذ لا يكاد يمر يوم من دون ورود تقارير جديدة حول اكتشاف علمي جديد بخصوص وتيرة الدمار البيئي المتزايد، فليس من دواعي سرورنا، كما يقول، أن نقرأ مثلً أنّ معدلات الحرارة في المناطق الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية آخذة في الارتفاع يوميًا بسرعة تفوق مئة مرّة سرعة أي سجلّ جيولوجي سابق. كما أنّ وقوع كارثة نووية يبدو اليوم أكثر احتمالً حتى من الاحتمالات التي سادت إبّان الحرب الباردة، وذلك وفقًا لما يشير إليه وزير الدفاع الأميركي الأسبق وليام بيري، كما تواصِ لُ القوى العظمى بمشاركة الولايات المتحدة الأميركية برامجها التي تهدد بتقويض الأمن القومي بدلً من تعزيزه، وذلك بحسب ما يذهب إليه المحلل المختص بشؤون السي آي إيه ميلفين غودمان الذي يتحدّث عن مضيّ الكونغرس الأميركي، في عهد الرئيس أوباما، بإقرار خطة تطوير الأسلحة النووية، بميزانية بلغت تريليون دولار أميركي، على الرغم من أنّ فكرة أمن البشرية أبعد ما تكون عن دوافع السياسات الإمبريالية كما يقول تشومسكي؛ إذ إنّ معظم برامج التسليح للدول الكبرى إنّ ا تشكّل تهديدًا متزايدًا لأمن البشرية بدلً من حمايتها. لقد بدا ذلك واضحًا مع انطلاق الحقبة النووية قبل عقود. وفي هذا السياق، يفرد الكاتب فصلً كاملً بعنوان "ساعة القيامة"، لسرد المؤشرات التي تدعم وجهة نظره في أنّ من شأن سياسات التسليح الحالية أن تقود العالم إلى كارثة حتمية. ينسحب النفاق – حال كونه ثيمةً في السياسة الأميركية - على موضوعة "الإرهاب" بجلاء؛ فمصطلح الإرهاب يُستَخدَم في سياق شديد السطحية والبراغماتية لوصف تصرفات أعداء أميركا، لا أصدقائها. وهنا يتناول الكاتب بعض المواقف الأميركية إزاء حوادث تاريخية على صلةٍ بمصطلح الإرهاب، فعلى سبيل المثال دانت أميركا الهجوم الذي وقع في بيروت عام 1983، واستهدف ثكنات مشاة
البحرية الأميركية وعدّته عملً إرهابيًا، علمً أنّ قواعد الحرب تجعل من المواقع العسكرية أهدافًا مشروعة، بينما لم تعدّ الإدارة الأميركية المذبحة التي نفّذتها كتائب لبنانية موالية لإسرائيل عام 1982، بحق المدنيين الفلسطينيين في مخيمَيْ صبرا وشاتيلا للّ جئين عملً إرهابيًا، وكأنّ السياسة الأميركية تميّز ما بين إرهابٍ خبيث وآخر حميد. تنسحب هذه الانتقائية، بحسب تشومسكي، على التعامل الأميركي مع ما ترتكبه دولة كإسرائيل بحق الفلسطينيين، وترى فيه الولايات المتحدة الأميركية "دفاعًا عن النفس"، بينما تعاقب الفلسطينيين على حكومة انتخبوها بأنفسهم لأنها جاءت بالإسلاميين إلى السلطة، وتصفهم بالإرهابيين. إنّ من شأن نظرة تحليلية متأنّية في مشهد العالم، بعد انطلاق ما يُعرَفُ بالحرب العالمية على الإرهاب أثناء ولاية الرئيس جورج بوش الابن، واستمرارها في عهد الرئيس أوباما؛ تعزيزَ الاقتناع بأن نتائج هذه الحرب جاءت معاكسة تمامًا لأهدافها المعلنة، فبدل من وجود تنظيم إرهابي واحد ينشط في كهوف أفغانستان وبعض الجيوب المحدودة الأخرى حول العالم، أصبحت التنظيمات الإرهابية تتكاثر بمرور الوقت؛ ما يُنذِرُ بأنّ العالم آخذ في الانزلاق في مستنقع التدخلات الغربية غير المحدودة عبر العالم، بذريعة مواجهة الموجات الجهادية كما يقول تشومسكي. وهو ما سيساعد النخب الحاكمة في تقويض سلطات مجتمعاتها في الوقت الذي تتمكن فيه من مضاعفة مواردها عبر هذه الحروب المستمرة.
مسؤولية المثق فين
قبل الحديث عن مسؤولية المثقّفين في الدفاع عن العدالة، يذهب الكاتب في مراجعة تاريخية لنشأة مفهوم المثقف في الأزمنة الحديثة؛ إذ يرى أنّ مصطلح "المثقف" قد وجد طريقه إلى التداول على نحو بارز عام 1898، إبّان "بيان المثقفين" الشهير الذي أصدرته جماعة من المثقفين الفرنسيين، عُرِفوا باسم "الدريفوسديون" (نسبة إلى قضية محاكمة درايفوس في فرنسا)، وذلك عندما دانت إحدى المحاكم الفرنسية ضابطًا فرنسيًا يدعى درايفوس عام 1894، بتهمة تسريب معلومات عسكرية إلى ألمانيا؛ عدوّ فرنسا الأبرز وقتئذ. انقسم الرأي العام السياسي في فرنسا حول قضية درايفوس التي تحولت إلى قضية شأن عام، وشكّل تدخّل الأديب المعروف إميل زولا في القضية برسالته التي وجّهها إلى الرئيس الفرنسي، وكان عنوانها "أنا أتّهِم"، دعمً ساهم في ظهور البيان الذي وقعه نخبة من الأدباء والمفكرين الفرنسيين، كما سجّلت تلك الواقعة ولادة النسق الأبرز من المثقف المدافع عن العدالة والذي لا يهابُ السلطة. وبحسب تشومسكي فقد مثّل الدرايفوسيّون نسقًا مبكّرًا من الأناركية (الفوضوية السياسية)، بينما مثّلَ معارضوهم نسق المثقّف المُتعالي الذي يرى وضاعةً في كل ما هو شعبي. وهنا يبرز السؤال حول من هو المثقّف الحق بين كلِا الفريقين؟ وهو ما سبق أن ناقشه المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي في معرض تحليله للديمقراطية الغربية؛ إذ رأى أنّ هذه الديمقراطية تضع نصب عينها ضرورة استخدام المثقفين في سبيل ضخ أفكارها في المجتمع. وبناء عليه، هي تناصر المثقف الموالي لا المنشق. حملت العقود اللاحقة بعض الإجابات حول سؤال المثقّف، فإبّان الحرب العالمية الأولى انحاز معظم المفكرين والمثقفين البارزين إلى جانب بلدانهم، وانهمكوا في صياغة التبريرات الأخلاقية للحرب، وتجلّ ذلك في بيان شهير آخر وقّعه 93 مفكّرًا وكاتبًا وباحثًا وموسيقيًا ألمانيًا، وعُرِفَ ببيان ال 93 أو بيان "اغتصاب بلجيكا"2، أكّدوا فيه مساندتهم المطلقة لبلادهم في الحرب، ودعوا الغرب إلى الإيمان "بأنّ ألمانيا ستكمل هذه الحرب حتى النهاية كأمّةٍ متحضّ ة أنجبت بتهوفن وغوته وعظماء آخرين"، ولم يتوقف الأمر على الألمان كما يقول الكاتب، فكان للمفكرّين الأميركيين التقدميين حصّتهم أيضًا حين وقفوا خلف دعوة بلادهم إلى دخول الحرب، بهدف الانتصار لمبادئها الأخلاقية. ويرى تشومسكي أن أولئك المفكرين كانوا بالدرجة الأولى ضحية البروباغاندا التي أدارتها وزارة الإعلام البريطانية، كأول جهاز إعلام سياسي عرفه التاريخ الحديث، وهدَفت من خلالها إلى الزجّ بأميركا في الحرب. ويحفل الكتاب بانتقادات لاذعة للنخب الفكرية الأميركية وتحلّلها من ممارسة دورها النقدي إزاء السلطة، كما يسهب في تعرية السياسات الليبرالية الجديدة القائمة على "التهميش الممنهج لدور الشعوب وتجاهل الديمقراطية الفاعلة وحقوق الإنسان." وفي تحليله لبنية هذه السياسات، يذهب تشومسكي إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا إبّان إدارة الرئيس كارتر وما عُرِف بأزمة الديمقراطية آنذاك؛ إذ تنبّهت النخبة السياسية المهيمنة إلى ضرورة تدعيم هياكلها بنخب فكرية تساهم في رسم السياسات للمؤسسات القائمة، انسجامًا مع تطلّعاتها إلى الهيمنة. وعلى مرّ العصور، كان سلوك السّلطات الحاكمة إزاء المثقّفين متشابهًا إلى حدّ بعيد، فقد حظِي المثقّف المؤيّد للسلطة برِضاها ورعايتها، بينما صبّت النّخب الحاكمة جام سخطها على المثقف "المنشق "،
كما يسمّيه تشومسكي. بدأ ذلك منذ عصور قبل التاريخ؛ فقد أجبر شابٌّ على تجرّع الشراب السام لنبتة الشّوكران لاتّهامه بإفساد الشباب اليونانيّ بحسب تعبير السلطات آنذاك. وفي أزمنة لاحقة، حفلت النصوص المقدسة بصور المُنشَقيّن الذين تبيّ لاحقًا أنّ عددًا منهم تبوّأ مكانة النبوّة، وأرّق السلطات بما له من حسّ نقديّ، وبالتزامه الدفاع عن حقوق الفقراء والمحرومين وإحلال العدالة. ويذكر التاريخ كيف ندّد الملك آخاب وهو أحد أعتى ملوك اليهود بإيليا، ووصفه بكاره إسرائيل و"أوّل كاره للذات"، كذلك الحال استعارت السلطات السياسية في العالم، ذلك الاتّهام التاريخي لتدينَ به تيّارات المثقفين الذين نشطوا في ستينيات القرن العشرين، متّهمةً إيّاهم بالوقوف وراء تلقين الشباب أدبياتِ التمرّد، فقد تنبّهت النخبة السياسية الأميركية إلى خطورة ذلك النمط من المفكّرين والمثقفين الذين شكّلوا تهديدًا حقيقيًا لمراكز قوتها، وهو ما يتكرّر اليوم، على حدّ قوله. وبناءً عليه، فإنّ تشومسكي لا يجد في المسألة غرابة؛ إذ إنّ "سادة البشرية" وبعيدًا من بروباغنداتهم الشكلية، لطالما ناصبوا الديمقراطية العداء لكونها تُ ثّل تهديدًا من شأنه تقويض سلطاتهم، بالسماح للآخرين بانتقادهم وممارسة الرقابة على حُكمهم. وهنا، فإنّ مسؤولية المثقف، بحسب ما يراها تشومسكي، إنّ ا تنبع من امتياز المعرفة التي بين يديه، والامتياز يقتضي المسؤولية، وللمرء أن يختار. ومن الجدير ذكره في هذا السيّاق أنّ لتشومسكي مؤلَّفًا سابقًا هو عمل مشترك مع إدوارد هيرمان بعنوان صناعة الإذعان: عن الإعلام والبروباغاندا في الأنظمة الديمقراطيّة 1988(.) إلاّ أنّ السؤال المرير، كما يصفه المؤلّف، هو: ألم يعُد في أميركا من مفكّرين يضعون الاعتبارات الأخلاقية فوق المصالح؟
نشر الديمقراطية: البروباغاندا الزائفة
تحظى مسألة نشر الديمقراطية وتعزيزها في العالم بموقع مركزي في الخطاب السياسي الأميركي الموجّه إلى الداخل والخارج على حدّ سواء، ويلاحظ حضورها البارز لدى تيّار المحافظين الجدد الذين شرعوا في خلق أسطورة "الأمّة الأميركية" قائدة الإنسانية وحاملة لواء الخير والديمقراطية، إلاّ أن الكاتب يرى أنّ هذه الشعارات مزيّفة للتغطية على جوهر سياسات الهيمنة، ويسوق عددًا من الأمثلة حول منطقة الشرق الأوسط وأنظمته الديكتاتورية، وقد لخّص الموقف عادًّا إستراتيجية الإدارة الأميركية عبر تاريخها قامت على مبدأ استمرار دعم أنظمة الحكم في الشرق الأوسط، ما دامت تلك الأنظمة قادرة على التماسك، ومع ظاهرة الربيع العربي - يقول تشومسكي - راقبت أميركا ما يجري بحذر، وحين تبيّ لها أن بعض الأنظمة المتحالفة معها بدأت تتهاوى، راحت تفكّر في آليات لإعادة الأنظمة السابقة بطرق غير مباشرة، على غرار ما جرى في مصر مثلً. وإذا كانت الإدارة الأميركية قد غازلت ظاهرة الربيع العربي في بدايتها، فإنّها في الواقع فعلت ذلك أمام ارتباكها وصدمتها، إلاّ أنّ جوهر موقفها إنّ ا يتعلق بكراهية النخبة للديمقراطية الحقيقية، وأنّ دعمها لأي ديمقراطية إنما يتوقف على مدى إمكان أن تحقق هذه الديمقراطية مصالحها وأهدافها الاجتماعية والسياسية. وينتقد تشومسكي بشدّة تلك النزعة التي تروّج مسألة نشر الديمقراطية بالقوة، قائلً إنّه ما من قوّة بإمكانها نشر قيمها وفرضها خارج حدودها بالقوة.
وإلى جانب السؤال الرئيس المُمثّل بعنوان الكتاب حول "من يحكم العالم؟"، ثمّة أسئلة أخرى موازِية، يبدو أنّ تشومسكي يقترحها مداخل للإجابة عن سؤاله الأساسي؛ كيف تجري مسألةُ "حُكم العالم" اليوم؟ وما المآلات المتوقّعة لحُكمٍ كهذا؟ وهل بات تفسّخ الولايات المتحدة الأميركية مسألةً حتمية؟ جميعها أسئلة يعالجها الكتاب بإسهاب وتفصيل، يدعمه بقائمة واسعة من المراجع والتوثيقات التي هي مع كونها مستعملَة لتعزيز فرضيات الكاتب؛ بالغة الدلالة في تصور بعض الإجابات عن هذه الأسئلة المؤرّقة. ويمكن وصف الكتاب بأنّه يذهب باتجاه النقد أكثر مما يفعل بشأن اقتراح حلول للمشكلات التي يثيرها. مع أنّ توقيت صدوره اليوم يجعله وثيقة في غاية الأهمية للباحث المهتم بقراءة صيرورة السياسة الأميركية في العقود الأخيرة وفهمها، والتي يرى تشومسكي أنها في طور انحدارها الحتمي.