الجيش والملَكية والنخبة السياسية في المغرب: البنية والسلوك

Ihsane Elhafidi إحسان الحافظي |

الملخّص

جرى تشكيل العلاقة بين الجيش والملكية والنخبة السياسية في المغرب، في تزامن مع اللحظة التأسيسية لهياكل الدولة، بعد الاستقلال. ومع تطور الأحداث وتشكيل حياة سياسية وحزبية، أخذت المؤسسة العسكرية مسافةّ مع الفرقاء السياسيين كاف ة، ما عدا المؤسسة الملكية. فقد ظل ت ظِ لَ العرش ط وال هذه الفترة. وكان لهذا السياق التأسيسي أثرٌ في سلوك النخبة السياسية في علاقتها بالمؤسسة العسكرية. يفرض تتبع العلاقة بين الجيش والنظام السياسي الاشتغال بأربعة محاور أساسية، وهو ما تحاول هذه الدراسة إنجازه. فالمحور الأول يهتمّ بتتبع أثر النظام الملكي في بنية المؤسسة العسكرية بالمغرب. وفي المحور الثاني يتمّ التحقيب السياسي لتحولات المؤسسة العسكرية. أمّا في المحور الثالث، فيجري البحث في حدود تأثير النخبة السياسية في نفوذ النظام الملكي. وأمّا المحور الرابع، فهو يقدّم نماذج لتوصيف السلوك السياسي للنخبة؛ وذلك في إطار علاقةٍ بمساحات اشتغال الجيش. كلمات مفتاحية: المغرب، الجيش المغربي، الملكية المغربية، المخزن، النخبة السياسية. The relationship between Morocco's military and the country's political elite – in particular its monarchy– was formed alongside the state's very apparatus immediately following independence. The military came to take a neutral approach to the rapidly developing pattern of partisan jockeying between the various political camps vying for power, and tended to find ways that would allow military positions to remain firmly within the royalist camp. These early patterns, established at the very birth of the modern Moroccan state, formed the basis on which these two powers would get along in the years to come. In tracing this relationship, the paper writes of a historic battle for power in the country, and identifies longstanding reasons for the vested interested of the Moroccan elite in ensuring the tranquility of relations between the Royal Court and the military establishment. Keywords: Morocco, Moroccan Army, Moroccan Monarchy, Makhzen, Political Elite.

The Army, the Monarchy, and the Establishment in Morocco

مقدمة

في المغرب، يخفت حضور المؤسسة العسكرية في الحياة العامة. غير أنّ ركون الجيش إلى الثكنات العسكرية لم يكن بالأمر السهل. ففي وقت نجح فيه الجيش في إطاحة الأنظمة الحاكمة في كثير من البلدان العربية، باءت تجربة "الضباط الأحرار" التي انتشرت في أوائل الخمسينات في عدد من البلدان العربية بالفشل في الحالة المغربية، وتبعتها سلسلة إجراءات اتخذها النظام الحاكم قصد تقليص دور المؤسسة العسكرية في الفضاء العامّ؛ وبذلك أصبحت خاضعةً في شموليتها للثقل الملكَي وحضوره المكثف في الحياة السياسية. تختلف العلاقة بين الجيش والنظام السياسي في المغرب عن نظيرتها في كثير من الأنظمة العربية اختلافًا فارقيًّا. فإذا كان الجيش يحضر في بعض الأنظمة بصفته فاعلً في السلطة، فإنّ الجيش في الحالة المغربية يتمثل كظل للسلطة يُؤمّن استمراريتها، من دون أن يمارسها في مفاعيلها. وقد جاء انكفاء المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية بعد محاولات الجيش، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، التنسيق مع أحزاب سياسية معارضة (يسارية تحديدًا) لإطاحة نظام الحكم، ومن ذلك الوقت أمسك النظام بخيوط "المؤامرة"، ووجد في ذلك فرصةً سانحةً لتضييق هامش الحضور العسكري في مظاهر الحياة العامة بالمملكة. إنّ البحث في ثنائية الجيش والنظام السياسي في التجربة المغربية، يثير العديد من الأسئلة/ الإشكاليات، من بينها: ما هو أثر الفعل السياسي في تكوين المؤسسة العسكرية، تنظيمً وتأسيسًا وتوجيهًا؟ وكيف تؤثّر المؤسسة الملكية، كفاعل تاريخي، في النسق السياسي المغربي، بشأن علاقة النخبة السياسية (بالمعنى البرلماني) بالجيش؟ وكيف انتهت علاقة التأثير المتبادل باستبعاد الجيش من الحياة السياسية، وتحويله من جهاز قائم بذاته (وزارة الدفاع) إلى مكتب إداري فحسب، كل صلاحياته الفعلية بيد الملك؟ إنّ هذه الأسئلة تشكّل مدخلً للبحث في فرضية أثر السياق التاريخي والقانوني لبناء المؤسسة العسكرية في السلوك السياسي للنخبة البرلمانية، جوابًا عن الإشكال المركزي المتعلّق بأثر البنية في السلوك. في المضمون أيضًا، يقدّم مشروع الورقة البحثية قراءات متقاطعةً نتطرق من خلالها إلى أثر النظام الملكي -بوصفه فاعلً مؤثرًا في النظام السياسي - في بنية التشريع والتنظيم العسكريين. وفي هذا القسم، يقدّم البحث عرضًا لمختلف التشريعات المنظّمة للمؤسسة العسكرية، والخلفيات التي تحكمت في التحولات التي شهدتها هذه المؤسسة، في ضوء النصوص التشريعية، على نحوٍ جعلها في وضعية جزء من النظام الحاكم، من دون أن تكون طرفًا في النظام السياسي، كما هو الشأن بالنسبة إلى باقي التجارب المقارنة في بعض بلدان العالم العربي. ثمّ ننتقل بعدها إلى قياس العلاقة بين الجيش والملك والنخبة السياسية؛ لمعرفة دورها في استقرار النظام السياسي الحالي على بنية هرمية يسود فيها الملك ويحكم. كما نخصص جزءًا من هذه الورقة لتقييم تأثير النخبة السياسية في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، في ضوء الانتقال الديمقراطي الذي يعيشه المغرب. يُفترض في قراءة العلاقة بين الجيش والنخبة السياسية البحث في البيئة الحاضنة لهذه الروابط باعتماد منهاج التحليل النسقي، إضافةً إلى أنّ المحدد التاريخي (السياق) لهذه العلاقة يفرض البحث في طبيعة النظام السياسي (النسق)، وهو يتسم بتعايش المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية، وهذا يستدعي مقاربةً منهجيةً منفتحةً ذات طابع تحليلي لوقائع تاريخية، وسياسية، وقانونية، نقيس من خلالها مدى تأثير "السياق" في "النسق."

أولا أثر النظام الملكي في بنية المؤسسة العسكرية بالمغرب

وقع تحوّل في بنية المؤسسة العسكرية منذ محاولة الانقلاب ضدّ الملك الراحل في صيف 9721؛ وهو تحوّل نتجت منه تداعيات كبيرة على مؤسسة الجيش، بأن اختفت من الحياة العامة، وبقيت مرابطةً في ثكناتها. وفي المقابل، برز دور أكبر لجهاز الأمن الوطني في الحياة المدنية والسياسية، منذ منتصف السبعينيات، فأصبح لصيقًا بالحياة اليومية للمواطنين مُنفِّذًا للسياسات الأمنية للدولة، في حين ساهم القرار الملكي في إلغاء وزارة الدفاع، وتكريس الانضباط العامّ في حظيرة القوات المسلحة، في تجنيب الدولة نفوذ المؤسسة العسكرية، كما هو واقع في كثير من البلدان اليوم. يخضع قطاع الجيش لمجموعة من النصوص الدستورية والتشريعية والتنظيمية، وقد توالى إنتاج التشريعات الخاصة بالقطاع طوال خمسين سنةً، إلا أنّ ربط إحداث مؤسسات هذا القطاع بفكرة بناء الدولة جعلت أغلبية التشريعات المؤسسة للقطاع الأمني تصدر بعد الاستقلال، في حين عنيت النصوص التشريعية الأخرى بمجالات أخرى مختلفة؛ من قبيل التنظيم، وشروط التعيين، والترقية، والشؤون الاجتماعية. أمّا أكثر التشريعات تأثيرًا في مسار التشريع الأمني بالمغرب، فكانت متمثّلةً في الظهير الشريف الصادر سنة 9721 الذي يقضي حذف وزارة الدفاع الوطني، وإحداث إدارة بديلة يسيّ ها كاتب عامّ. لقد اتضح، في ضوء قراءة النصوص المنظّمة للجهاز وتحليل طبيعتها القانونية، أنّ الغلبة كانت للتشريع الملكي، سواء كانت من خلال

الظهائر أو المراسيم. واتضح، كذلك، أنّنا كلما توجهنا نحو المؤسسة العسكرية، حضر التشريع الملكي بقوة، كما أنّه يبقى حاضرًا في النصوص المؤسِّسة بالنسبة إلى قطاعات الأمن، سواء من حيث التنظيم أو القوانين الأساسية، أو من حيث طريقة إدارتها.

1. مؤسسة الجيش بالمغرب: السياق والتأسيس

تأسس قطاع القوات المسلحة الملكية بموجب الظهير رقم 56.1381. الصادر في 02 تموز/ يوليو 9561، وقد وضع هذا الجهاز تحت التصرف المباشر للملك، وحددت مهماته في الدفاع عن الوطن والمساهمة في حفظ النظام العامّ، وعرفت السلطة الرئاسية تراجعًا متدرجًا نحو الاحتكار الملكي. ففي البداية، كان الجهاز يخضع لوزير الدفاع، ثمّ استقر به الأمر على تبعيته لإدارة مكلّفة بالدفاع الوطني، على أنّ الملك هو القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب. في مرحلة ثانية، أُلغي منصب وزير الدفاع الوطني، بموجب قرار ملكي (ظهير شريف رقم 72.2761. صادر في 21 آب/ أغسطس 972)1، فتحوّلت مصالح الإدارة المركزية لوزارة الدفاع الوطني إلى إدارة للدفاع الوطني، لتنتهي "مرحلة المركزة غير المباشرة التي تميزت بتفويض الملك تدبير بعض صلاحياته العسكرية لسلطة وزارية تمثلت في وزارة الدفاع، حيث كان يعتبر مسؤولً مباشرًا أمام الملك، ورغم ذلك، كان يتمّ انتقاء وزراء الدفاع بعناية خاصة"1. ويُعدّ مفهوم الطاعة واحترام النظام التسلسلي للأوامر الصادرة، وفق المادة الرابعة من الظهير الشريف المحدث للجهاز العسكري، من صميم قواعد الانضباط داخل القطاع الأمني. ويُبنى النظام التسلسلي على هرمية يوجد على رأسها الملك، بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة الملكية، ويتولى مهمات رئاسة الأركان العامة للقوات وفقًا للتشريع العسكري، غير أنّ "نشاطات الجيش لا تنحصر في الدفاع وحماية التراب الوطني، ولكن ينبغي أن يساهم بفعالية في المشاريع ذات المصلحة الاجتماعية"2. ساهم الجهاز العسكري في حماية الأمن والنظام العامّ، بصفته فاعلً أمنيًا استثنائيًا في شؤون النظام العامّ والأمن الداخلي. ففي حالات الطوارئ، أو في وضعيات أمنية استثنائية، ينتشر أفراد الجيش لتأمين المؤسسات وحمايتها، كما يمكن لقوات الجيش أن تشارك في حفظ الأمن الداخلي، في حال وجود أخطار داهمة، من خلال تشكيلات أمنيّة مشتركة مهمتها حراسة بعض المرافق الحيوية داخل الدولة، وهي التجربة التي نهجها المغرب من خلال إحداث "وحدات حذر" تتألّف من الجيش وعناصر الشرطة، في شكل دوريات مكلّفة بحماية الأمن الداخلي ضدّ التهديدات الإرهابية. وبوجه عامّ، تتوزع مجالات التشريع في الشأن العسكري على كل من قطاع وزارة الدفاع، على قصر مدة هذه التجربة، ثمّ المؤسسة العسكرية، ممثلةً في القوات المسلحة الملكية والحرس الوطني والدرك الملكي.

2. أصل التشريع وثقل المؤسسة الملكية

بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 9561، فرضت الحاجة إلى بناء الدولة وجود جهاز عسكري قادر على حماية الوطن وتأمينه من التهديدات الخارجية. لذا، فإنّ هذا القطاع الأمني كان من المجالات الأولى التي شملها التشريع الظهيري (الملكي.) ففي السنة نفسها صدر ظهير شريف يقضي إحداث وزارة للدفاع الوطني، وتعيين اختصاصات وزير الدفاع ومهماته. وفي سنة 9571، صدر ظهير شريف (ملكي) يعلن إحداث لجنة عليا للدفاع الوطني، تلاه في سنة 9591 تشريع ملكي جديد يقضي تنظيم مصالح الإدارة المركزية لوزارة الدفاع الوطني. والملاحظ أنّ أغلبية هذه التشريعات الخاصة بقطاع الدفاع الوطني، في هذه الفترة، صدرت في غياب الدستور بوصفه وثيقةً مرجعيةً تحدّد الصلاحيات والحدود لسلطة الملك في التشريع. ومع إقرار أول دستور للمملكة سنة 9621، أعاد الملك بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة الملكية، تنظيم مصالح الإدارة المركزية لوزارة الدفاع الوطني (قانون تنظيم مصالح الإدارة المركزية لوزارة الدفاع الوطني الذي صدر في 965)1، يليه إصدار مرسوم ملكي بإحداث البلاط العسكري وتنظيمه

  1. محمد شقير، المؤسسة العسكرية بالمغرب: من القبيلة إلى العصرنة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 007)2، ص.141
  2. جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، ط 3 (الرباط: مؤسسة الغني للنشر،، ص.381013)2

سنة 9681، وسَنّ نظام للمحاسبة المالية بوزارة الدفاع بموجب قانون صدر في السنة نفسها. غير أنّ التطور التشريعي الذي عرفته المؤسسة العسكرية، ممثلً في وزارة الدفاع، سرعان ما سيعرف مراجعةً كاملةً، بعد المحاولة الانقلابية الثانية التي تورط فيها وزير الدفاع شخصيًا. فقد قرر الملك حذف وزارة الدفاع الوطني من النظام الإداري، في سنة 9721، وإصدار ظهير شريف يقضي تحويلها إلى إدارة للدفاع الوطني، وتعيين كاتب عامّ لهذه الإدارة. وتلا ذلك مجموعة من التشريعات الملكية تقضي تنظيم هذه الإدارة وتفويض السلطة في ما يتعلق بإدارة الدفاع الوطني. ولم يمنع هذا التطور القانوني النظامَ الحاكم من الاحتفاظ بالتمثلات السلطوية الموروثة، بخاصة منها التمثلات التي لا تستند إلى نصوص بقدر ما تقوم على واقع موجود موروث؛ ضمن ما يُعرف باسم "المخزن" في الحالة المغربية، كنايةً عن مؤسسة رمزية لها حضور في الوعي الجمعي للمغاربة، بصفتها تمثلً مقابلً للسلطة.

3. "المخزن" تمثلا لاماديًّا للسلطة بالمغرب

خارج التأويلات التي اشتغلت بمصطلح "المخزن" وتطوره التاريخي (من فضاء للتخزين إلى تمثّل لممارسة السلطة السياسية والإدارية)، ارتبط مفهوم "المخزن" بالحضور المادي للدولة، من دون أن تكون له نصوص قانونية تحدّد ماهيته، أو تحدّد سلطاته ومجالاته. وقد جعل التداول الاجتماعي مفهوم المخزن مرادفًا للسلطة داخل الدولة، بأدواتها الزجرية والمؤسساتية القادرة على حماية البلاد من "السيبة" (خارج سيطرة الدولة المركزية.) وفي المقابل، يصطدم هذا التأويل الذي يجعل من المخزن تعبيرًا عن الدولة بالمفهوم الحديث للدولة القائمة على القانون والمجتمع. لا نقصد من رواء هذا التفسير مفهوم المخزن في معناه الوظيفي المبني على العلاقات الشخصية التبعية، وإنما في مضمونه السلطوي الرمزي وصُوَره في التمثلات الجمعية للأفراد؛ وهو بهذا المعنى مجسَّد في شخص الملك، مرتهن بدوامه واستمراريته لما يبثّه من اطمئنان في النفوس، وما يمثّله من هيبة وأمنٍ للدولة. فعديد الدراسات التي تناولها الباحثون في الأدب السلطاني بالمغرب استنتجت أنّ "التصورات التي احتفظت بها ذاكرة الناس عن السلطانين القويين، ظلت مرادفةً للسلم والطمأنينة، ممّ يدل على شعورهم بحضور جهاز يحبذون الخضوع لوصايته، والاستفادة من مظاهر الحماية التي يؤمّنها، بدل النزوح تحت وطأة الفوضى"3. لقد جعل حضور السلطة العرفية في الممارسات المخزنية المخزنَ نفسَه ركيزةً للنظام السياسي، وأضفى على الدولة خصوصياتٍ تفرّدَ بها عن باقي الأمم. وحتى في فترة الاستعمار، فإنّ "السياسة التي انتهجتها سلطات الحماية من أجل السيطرة على البلاد، وتحديث أجهزة الدولة، لم تقضِ على البنية المخزنية، بل دعمتها وقوّت بالخصوص مكانة السلطان الذي استرجع كامل صلاحياته وسلطاته بعد الاستقلال"4. وقد توضحت هذه الاستمرارية، على نحوٍ جليّ، خلال مرحلة تشكيل الأجهزة الأمنية (في بداية الاستقلال)، إذ "تحوّل الجيش إلى جهاز مخزني من حيث التسمية التي يتميز بها، القوات المسلحة الملكية، والسلطة المطلقة للملك على الجيش، وطبيعة العلاقة التي تربط بين الملك وقواته المسلحة"5. ثمة شبه إجماعٍ على أنّ مؤسسة المخزن، بما تحمله من إرث تاريخي وإداري وسياسي ثقيل، تدل "على مجموعة من التنظيمات الإدارية التي تشكلت تدريجيًا بفعل الضرورات الداخلية، المتمثلة في الحفاظ على الأمن وتحصيل الضرائب، ثمّ التزامات السياسة الخارجية وما واكبها من تبادل للمبعوثين، وتوقيع الاتفاقيات التجارية، ما أضفى على المخزن تدريجيًا شكل مؤسسة سياسية حقيقية"6. وسوف تستمر هذه المؤسّسة في أداء أدوارها التاريخية بأدوات حديثة، من دون أن تتخلى عن السلطة المعنوية التي تمنحها هذه الصفة إلى الملك، بوصفه التمثّل المؤسساتي لجهاز المخزن. إضافةً إلى أوضاع التبلور المادي لهذه المؤسسة في شكل تنظيم إداري متكامل، فإنّ حضورها الرمزي في الحياة العامة بالمغرب، والدور التاريخي الذي أدّته في توحيد البلاد، ثمّ نفوذها القوي بفضل شبكات العلاقات التي تدور حول المخزن، كلّها معطيات جعلت من المخزن نفسِه مؤسسةً عرفيةً ذات حضور يتعدى الرمزية إلى تحقيق الأمن والاستقرار وتأمين استمرارية الدولة.

ثانيًا العلاقات السياسية العسكرية: في التطور والتحقيب

في علاقاتها بالشأن العامّ، لم تفصح المؤسسة العسكرية يومًا عن نيتها الحضور في الفضاء السياسي، أو رغبةً في امتلاك سلطة، بل بنَت كل روابطها مع المؤسسة الملكية على أساس الثقة، ونأت إلى أبعد الحدود عن الفاعل السياسي، من دون أن يعني ذلك وضع نفسها على مسافة

  1. محمد جادور، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: منشورات مؤسسة
  2. محمد شقير، 4 تطور الدولة في المغرب: إشكالية التكون والتمركز والهيمنة، من القرن الثالث ق.م إلى القرن العشرين (الدار البيضاء: أفريقيا النشر، 002)2، ص.291
  3. المرجع نفسه، ص 2.94 6 جادور، ص.385
  4. الملك عبد العزيز، 011)2، ص.401

موضوعية بين الفريقين الأساسيين (المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية)، فظلت منحازةً إلى الطرف الأول، مراقبةً للطرف الثاني. وحتى حينما ولج العسكريون في السياسة، فإنّهم كانوا قد تخلوا عن البدلة العسكرية، إضافةً إلى أنّ منهم من تقاعدوا عن الخدمة في الجيش؛ وبذلك تفرّغوا لممارسة العمل السياسي. وفي هذا السياق، نشأت أحزاب، وشُكّلت قيادات تولّت مهمة زعامة تنظيمات سياسية، انتهت مهمتها إلى خدمة النظام القائم وتقديم نفسها بديلً من أحزاب المعارضة التي نازعت الملك في سلطته، والتي حاولت أن تنزع عنه شرعية التمثيل الدستوري والتاريخي والشرعي (البيعة) نيابةً عن الأمة. مارس عسكريون السياسة خارج الثكنة، وأعلن بعضهم ميلاد أحزاب (منها حزب الحركة الوطنية الشعبية، يمين محافظ، والحزب الوطني الديمقراطي، يمين مقرب من الإدارة... إلخ.) وساهمت هذه الأحزاب في تأثيث المشهد الحزبي، من دون أن يكون لها تأثير كبير في الحياة السياسية؛ فقد ظلت تعبيرات عن نزوات شخصية في العمل السياسي فحسب، أو انعكاسًا لظاهرة الانشقاقات التي ميّزت العمل الحزبي في المغرب. وبما أنّ العمل السياسي ظل طوال سنوات ممرًّا للارتقاء الاجتماعي والتقرب من نفوذ السلطة، فقد حقق بعض العسكريين الوافدين إلى السياسة بالسياسة ما لم يتحقق لهم من أمجاد الخدمة العسكرية، بالنظر إلى أنّ المغرب لم يعرف جبهات قتال بعد الاستقلال، باستثناء حرب الرمال ضدّ الجزائر سنة 9631، وحرب العصابات ضدّ ميليشيا جبهة بوليساريو المدعومة جزائريًا. كما أنّ تجربة استقلال المغرب انطبعت بصبغتها المدنية أكثر منها العسكرية، بناءً على أنّ المغرب عاش نظامًا استعماريًا مختلفًا عن جيرانه في المغرب العربي ضمن اسم "الحماية." وعلى الرغم من ذلك، نجح النظام في احتواء ما تبقى من مشاهد العسكرة، خلال البدايات الأولى للاستقلال، عبر سياسة احتواء جيش التحرير في البنية العسكرية، وإبعاد آخرين؛ سواء كان ذلك بتكليفهم بمهمات مدنية، كرجال للسلطة (صفة محافظ)، أو عبر التصفيات الجسدية الداخلية التي وظّفها نظام الحكم للتخلص من بعض الأسماء التي يحذوها طموح المنازعة في السلطة. ضمن هذا السياق، شُكّلت العلاقات السياسية العسكرية وظلت التقاطعات في ما بينها قائمةً، حتى أنّها تبدو منتقلةً من الوظيفة العسكرية إلى الوظيفة السياسية، من دون أن تمسّ بموجب هذا الانتقال جوهر الوظيفة الأساسي؛ وهي خدمة النظام وتقوية نفوذه من داخل مؤسسة الجيش، أو من داخل الحزب السياسي. وبالنظر إلى ارتباط الحياة العسكرية للمغرب بتشريعات منظّمة لها - على نحوٍ يعكس تطورها ويؤرخ لتوالي الأحداث وتطورها - فإنّنا نرى ضرورة التمييز بين ثلاث مراحل ضمن هذا ال "مسلسل" الزمني.

1. مرحلة بناء المؤسسات الأمنية

تميزت هذه المرحلة بنزوع الدولة إلى بناء المؤسسات الأمنية، فجاءت التشريعات متجاوبةً مع هذا التوجه، وإنْ غلب عليها الطابع الظهيري الملكي. وقد صدرت كثير من التشريعات المهيكلة للمؤسسة العسكرية في غياب النص الدستوري، بوصفه وثيقةً مرجعيةً تحدّد مجالات تدخل السلطات في ما يتعلّق بتشريع القوانين. وقبل إقرار 1، وقد أُأول دستور للمملكة سنة 962 ثير حوله خلاف سياسي كثير بسبب مطلب الجمعية التأسيسية، شرع الملك في إصدار مجموعة من النصوص القانونية المؤسسة لبناء الهياكل العسكرية للدولة. وهكذا تمّ إحداث القوات المسلحة الملكية سنة 9561 والإدارة العامة للأمن الوطني في 61 أيار/ مايو من السنة نفسها، وتلا ذلك تطوير النظام الأساسي للدرك الملكي سنة 957.1 وقد غلبت على النصوص التشريعية خلال هذه المرحلة روح ليبرالية، من حيث المضمون أو الصياغة القانونية، وهي ضرورة أَمْلتها الاختيارات السياسية للدولة، في وقت كانت فيه باقي الأنظمة المجاورة تتجه نحو عسكرة الدولة، وتحويل حركات التحرر إلى تنظيمات عسكرية مهمتها إعادة بناء النظام السياسي وليس الدولة. ولمّا كان بناء الدولة يتطلب إحداث مؤسسات عسكرية، وضمان استمرار مؤسسات قائمة ورثها المغرب عن فترة الحماية، فقد احتفظ المشرع المغربي بنصوص تشريعية تعود إلى فترة الوجود الفرنسي، كما هو الشأن بالنسبة إلى القوانين المتعلقة بتنظيم البلاد في حالة الحرب. وفي المقابل، سعت الدولة إلى تحديث الترسانة القانونية المتعلقة بمؤسسات الدولة المرتبطة بهذا القطاع، وإن استمرت في تطوير نموذج موروث للسلطة؛ من قبيل "القياد" و"الباشوات"، من مختلف أصناف رجال السلطة الذين عرفهم المغرب قبل الاستعمار الفرنسي.

2. مرحلة الصراع بين النخب السياسية والمَلكية

تميزت هذه المرحلة بصراع قوي حول امتلاك السلطة. ففي هذه المرحلة، اشتد الصراع حول السلطة بالمغرب، وتطورت تيارات سياسية وحزبية، دخلت في موجة احتجاج عمومي في الشارع، وصراعات سياسية مع النظام من أجل بناء الحكم. وواجهت المؤسسة الملكية حركات سياسيةً مسلحةً وانقلابات عسكريةً لإطاحتها، ووقع تواطؤ بين السياسي والعسكري من أجل مصادرة السلطة من المؤسسة الملكية، غير أنّ هذه المحاولات فشلت برمتها. ولعل أبرز ما ميز

التشريعات الأمنية في هذه المرحلة هو قرار الملك حذف وزارة الدفاع الوطني، وتوليه شخصيًا الإشراف على إدارة المؤسسة العسكرية، من خلال مندوب عنه داخل الحكومة. وقد تزامن إبعاد وزارة الدفاع من التشكيلة الحكومية مع تورط المؤسسة العسكرية في محاولتين انقلابيتين ضدّ الملك، ونسج علاقات مع معارضين سياسيين. إنّ الوضعية الاستثنائية التي عاشها المغرب، خلال تلك الفترة، سوف تنعكس على مضمون التشريعات الأمنية برمتها، إذ قويت أدوار المؤسسة العسكرية في الحفاظ على النظام العامّ وحماية النظام القائم.

3. بداية التطبيع بين القرار السياسي والعسكري

بعد الانتهاء من تنازع الشرعية بشأن الحُكم بين الأحزاب السياسية والمؤسسة الملكية، وقبول النخبة الحزبية المعارضة بقواعد اللعبة السياسية في المغرب، وبضرورة الاحتكام إلى الملك بوصفه فاعلً أساسيًا في النظام السياسي، سوف تبدأ بوادر الانفراج السياسي بإعادة بناء علاقة الثقة بين الملكية والأحزاب المعارضة. وقد تمّ ذلك في آخر أيام الملك الراحل الحسن الثاني، حينما قبِل بتشكيل حكومة من أقطاب المعارضة في آذار/ مارس 9981، وكان قد أطلق قبلها مصالحةً وطنيةً بالعفو عن المعتقلين السياسيين وجبر الضرر. وشكّل إقرار دستور جديد سنة 0112، وهو إقرار أعاد توزيع السلطات وسمح باختصاصات واسعة للسلطة التنفيذية في مواجهة المؤسسة الملكية، دفعةً جديدةً في اتجاه بلورة أدوار أكبر للنخب السياسية في علاقة بالمؤسسة العسكرية، إلا أنّ استبطان النخب الحزبية لفكرة الثقل الملكي في الحياة السياسية، وفي بعض المجالات الأمنية تحديدًا، شكّل رقابةً ذاتيةً ترسم من خلالها حدود ممارستها للسلطة. وعلى الرغم من ذلك، كان لهذا التحوّل أثر في العلاقة بين النخب والمؤسسة العسكرية، لتعود الحياة السياسية بالتدريج إلى طبيعتها؛ وذلك بفضل الإصلاحات السياسية والدستورية التي منحت الفاعلَ السياسي أدوارًا "افتراضيةً" بشأن ممارسته الرقابة البرلمانية على أعمال المؤسسة العسكرية. وسيرًا على هذا النهج، قويت التشريعات الخاصة بحقوق الإنسان وممارسة الحريات، ومارس البرلمان دوره الرقابي على إنتاج التشريع الأمني/ العسكري بالمناقشة والتصويت، إذ ترصد هذه الورقة تجربتين للرقابة السياسية على المؤسسة العسكرية خلال العهدة التشريعية 2011 - 0162، ويتعلق الأمر بقانون الضمانات الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية والقانون المنظّم للقضاء العسكري.

ثًالث ا حدود النخبة السياسية ونفوذ النظام الملكي

تكشف النصوص المنظّمة لقطاع الجيش حضورًا قويًا للمؤسسة الملكية، يبدو فيها البرلمان إلى حدود ما قبل دستور 0112 غائبًا عن التشريعات المهيكلة للمؤسسة. وقد ساهم هذا الوضع الاحتكاري في إبقاء بنية القطاع خارج الجدل السياسي؛ بقدر ما كرس حضورًا مكثفًا للمؤسسة الملكية في مجال التأطير والتشريع والتنظيم العسكري. لا شك في أنّ الاحتكار الملكي لقطاع التشريع في المجال العسكري كان له تأثير كبير في وظيفة النخب السياسية البرلمانية. فقد عطّل أدوارها على نحوٍ أثّر في وظيفة العمل البرلماني الرقابي برمته. وفي ظل هذه الوضعية الاحتكارية، برز دور الفاعل الحقوقي في إثارة قضايا التشريع الأمني وما يتعلق بالجيش، وسَعت هيئات مدنية إلى التقرير عن القطاع، أو إبداء الرأي بشأن بعض القوانين المعروضة على البرلمان، من دون أن يكون لهذه الاعتراضات أثرٌ كبير في مضمون النص القانوني، بسبب غياب الفاعل الوسيط بين المجتمع المدني والنص القانوني؛ أي غياب الفاعل البرلماني.

1. الجيش والنخبة السياسية: قطيعة ملتبسة

رأينا أنّ المؤسسة العسكرية بالمغرب تخضع لتشريعات تعود في مجملها إلى بداية الاستقلال ومحاولات بناء المؤسسات الأمنية للدولة في تلك الفترة. وعلى امتداد سنوات، وقعت تعديلات كثيرة للنصوص التشريعية متعلّقة بصلاحيات القطاع الأمني. وقد حاولت السلطة التنفيذية أن تكون القوانين المنظّمة ملائمةً للقوات المسلحة، أو أجهزة الاستخبارات التابعة لها، مع الالتزامات الدولية للمغرب، وتوقيع مجموعة من المعاهدات الموضوعاتية ذات العلاقة بالجهات المكلّفة بإنفاذ القانون. ومن خلال العودة إلى النصوص التشريعية المنظّمة لقطاع المؤسسة العسكرية، نجد أنّ أغلبيتها خضع لمسطرة "التشريع الظهيري"؛ ذلك أنه باستثناء أول تجربة لإصدار القوانين، خلال فترة ما بعد دستور 0112؛ ومنها القانون 021.1 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية، وقد تقدمت به إدارة الدفاع الوطني إلى البرلمان، خلال الولاية التشريعية 2011 - 0162، على أنّ ما سبقها من التشريعات الخاصة بالجهاز لم تعرف طريقها إلى البرلمان، وصدرت إمّا من خلال ظهائر ملكية، أو مراسيم وزارية، أو قرارات إدارية تنظيمية.

وقد تميزت العلاقة بين أجهزة قطاع الأمن، عمومًا، بنوع من التداخل، وظلت سياساتها تخضع لإستراتيجيات متباينة تتحكم فيها الظرفية السياسية، إلا أنّ تنوع الإستراتيجيات داخل الأجهزة خلق حالةً من التنافس من أجل تطوير القطاع، وتنويع مصادر المعلومة الأمنية، خدمةً لاستقرار الدولة وأمن المواطنين، ف "ما يطبع اتجاه دوائر السلطة، الداخلية والأمن، يتجلى في الميل إلى التنافس، وهما معًا تحت مراقبة الدرك الملكي من أجل أمنٍ أوسع، ويظهر الملك الرابح من تنافس هذه الأجهزة الثلاثة التي تكون مصادر المعلومات والأخبار"7. في المقابل، فرضت التحولات السياسية، وحالة الانفتاح التي عاشها المغرب، ملاءمةً بشأن النصوص التشريعية الخاصة من خلال "الربط بين الإجراءات المتخذة لتحقيق أهداف السياسة والقانون الوطنيين ومضامين التشريعات الدولية المصادق عليها، وجعْل التشريعات الوطنية مواكبةً لمستجدات التحولات العالمية في مجالات الحقوق والحريات الأساسية، وتعديل أو إلغاء القوانين والأعراف والممارسات التي لا تتماشى مع المعايير الدولية المتعارف عليها في مجال حقوق الإنسان"8. وفي هذا السياق، وقَعت مراجعات كثيرة خاصة في قطاع الأمن تعلّقت صلاحياتها بإدراج حقوق الإنسان في مجال تكوين العاملين بسلك الشرطة، ومراجعة قوانين عسكرية، وتوسيع دائرة القانون، لتشمل أعمال أجهزة المخابرات.

2. حدود النخبة السياسية في مجال الرقابة على المؤسسة العسكرية

إنّ اختصاص المؤسسة الملكية بسلطة التعيين في قطاع الجيش يحدّ من تأثير الرقابة السياسية. فالملك بصفته قائدًا أعلى للجيش، له وحده صلاحية تعيين المفتش العامّ للقوات المسلحة، وتسمية المسؤول الأول عن جهاز الدرك الملكي، وتكليف من يراه مناسبًا من الشخصيات العسكرية، وهي السلطة العسكرية نفسها التي تخوّله صلاحية تعيين المدير العامّ لمديرية الدراسات والمستندات، كجهاز مخابرات عسكري، سواء تمّ التعيين من داخل المؤسسة العسكرية أو من خارجها. وفي هذا السياق، بقيت وظيفة النخبة السياسية، في مجال مراقبة قطاع الجيش، معطلةً وغير ذات أثرٍ في التشريعات المؤطرة لها. فعلى الرغم من أنّ كل الوثائق الدستورية التي عرفتها المملكة، وفّرت للبرلمان سلطات واسعةً في مجال الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وعلى مؤسساتها التابعة لها، فإنّ الفعل الرقابي افتقد إلى المبادرة السياسية داخل البرلمان، وذلك لأسباب ذاتية ترتبط بطبيعة النخب السياسية الموجودة في البرلمان، وأسباب أخرى موضوعية تتعلق بصعوبة فهم آليات إنتاج "العقيدة العسكرية"، كما أنّ الرقابة على القطاع تتطلب نوعًا من المسؤولية لضمان السرية، وهو ما "يفتقده" بعض البرلمانيين. أمّا بخصوص الرقابة التنفيذية، فنجد أنّ المؤسسة العسكرية، من جيشٍ وقواتٍ للدرك الملكي، لا توجد تحت سلطة الحكومة، وأنّ المؤسسة تمثّلها شخصية سامية مكلّفة بإدارة الدفاع الوطني، يُعَدّ حضورها في الحكومة سياديًا، ويتمّ تعيينها من شخصية غير حزبية لا يشترط أن تكون عسكريةً، وتكون مهمته هي التدبير الإداري للقطاع العسكري، وحضور جلسات البرلمان لتقديم الموازنة الحكومية المخصصة للجهاز العسكري، في حين يبقى هذا القطاع الأمني خاضعًا مباشرةً للملك، بوصفه سلطةً رئاسيةً، وبوصفه قائدًا أعلى للقوات المسلحة الملكية.

3. المؤسسة العسكرية "مجالا حصريًا" للملك

لقد خضع قطاع الجيش بالمغرب لمجموعة من التشريعات والسياسات كان لها أثرٌ كبير في تحديد توجهاته وتمثلاته المؤسساتية، وكما أدّى التشريع الصريح دوره في تنظيم الأجهزة ورسم السياسات الأمنية، فقد كان للتشريع العرفي أثره أيضًا في بناء مؤسسة للجيش تحمل بصمات فترة الصراع الذي عاشته بالمغرب في بداية السبعينيات، وكان من أبرز تجلياته محاولتَا الانقلاب ضدّ النظام في عامي 9719721 و.1 وقد كان من نتائج فشل هذين المحاولتين أن تدرجت المؤسسة العسكرية نزولً من وزارة للدفاع إلى إدارة مكلّفة بالدفاع الوطني، وأصبحت تمارس صلاحيات إداريةً لا علاقة لها بالعمل العسكري الذي اختص به الملك لنفسه. وهكذا، أبانت الأبحاث التي اشتغلنا بها وجود تأثير ملكي في جميع مظاهر الممارسة والتنظيم في قطاع الجيش، وهي وضعية كرّسها النظام الملكي مستفيدًا من شرعية دستورية وتنظيمية تجعل القطاعَ الأمني، عمومًا، شأنًا محفوظًا للملك. ويتضح الاحتكار الملكي للمؤسسة العسكرية، تنظيمً وتوجيهًا، من خلال سلسلة من القوانين والتشريعات المنظّمة التي صدرت خارج المؤسسة التشريعية الأصلية (البرلمان)، وكذا الأمر بشأن سلطة التعيين والإشراف التي يتمتع بها الملك، بصفته رئيسًا للدولة وقائدًا أعلى لأركان الحرب. وقد جعلت

  1. واتربوري، ص.375
  2. عبد العزيز لعروسي، "التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان: ملاءمات المجلة المغربية للتنمية والإدارة المحلية، العدد قانونية ودستورية"، 87 014()2، ص.27

هذه الوضعية القطاع جزءًا من النظام الحاكم من دون أن يكون طرفًا في النظام السياسي، كما هو الشأن بالنسبة إلى باقي التجارب المقارنة في بعض بلدان العالم العربي. وتمثلت أكثر تجليات هذه التبعية في علاقة القطاع العسكري بنظام الدولة، إبّان فترة الصراع السياسي، حينما تحوّل الجهاز إلى أداة لتطويع المعارضين وحفظ النظام العامّ. وتطور الأمر إلى تشريع نصوص قانونية استثنائية في سبيل حسم الصراع السياسي. وتحوّلت بعض الثكنات العسكرية إلى مراكز لاعتقال المعارضين، وجرت محاكمات عسكرية لأشخاص مدنيين. وتأكيدًا لوجود المؤسسة الملكية بالمغرب في قلب الجهاز العسكري، غلب على التشريعات المنظّمة للجهاز الطابع الظهيري، بوصفها وسيلةً يُصدر من خلالها الملك القوانين؛ فساهمت كثير من المراسيم الملكية والظهائر في إعادة بناء مؤسسة الجيش وتوجيه عملها. وحتى حينما سعت النخب السياسية لممارسة مراقبتها السياسية (البرلمانية) على المؤسسة العسكرية، من حيث التشريع والتصويت على الموازنة السنوية المخصصة لها، كان لهذا الثقل الملكي أثرٌ في الحدّ من تأثير السلوك السياسي الرقابي على هذه "المؤسسة الصامتة" كما يجري توصيفها بالمغرب.

رابعًا النخبة السياسية والجيش: محاولة توصيفية للسلوك

تقيّد الوثيقة الدستورية الرقابة السياسية على المؤسسة الأمنية، عمومًا، بنصين دستوريين. الأول يجعل مجال "العقيدة الأمنية"، صراحةً، من صلاحيات مؤسسة دستورية متمثلةً في المجلس الأعلى للأمن. والثاني يقيّد الحق في الوصول إلى المعلومة، حين يتعلق الأمر بالدفاع الوطني وحماية الأمن. وينص الفصل 54 من الدستور على أنّ المجلس الأعلى للأمن - بصفته هيئةً للتشاور - يختص بكل ما له علاقة بإستراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة، في حين تشير الفقرة الثانية من الفصل 28 من الدستور، إلى أنه لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى قانون؛ من أجل حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي. في وضعية الانتقال الديمقراطي الذي دخله المغرب، لم تختفِ هذه المعرقلات التي تحدّ من وظيفة النخبة السياسية في الرقابة على المؤسسات الأمنية. فعلى الرغم من أنّ المشرع الدستوري، جعل البرلمان سلطةً تشريعيةً أصليةً، فإنّ الضابط الدستوري سيؤثّر في وتيرة الفاعل البرلماني وأدائه، حين يتعلق الأمر بالقوانين ذات الطبيعة العسكرية. فهو من جهة مقيّد بعدم التدخل في "الإستراتيجية الأمنية" بنص الدستور، كما أنّ رقابته، من جهة أخرى، مرتهنة بطبيعة الولوج في المعلومة الأمنية وبمستوى ذلك، فضلً عن مدى تملّكه لآليات إنتاجها. في التجربة الديمقراطية المغربية، شكّل المدخل الحقوقي (تجربة العدالة الانتقالية) أحد المداخل الأساسية لتطوير آليات للرقابة غير السياسية؛ لأنّ "دعم المسار المؤسساتي بالإنشاء أولً، إحداث المؤسسات، ثمّ بناء ترسانة القوانين التي تضمن فعاليته، يُعدّ مكسبًا كبيرًا في مراحل الانتقال الديمقراطي"9، ما يتيح إمكانيةً لتحقيق انتقال مؤسساتي وتشريعي. وقد بدأت عودة السياسة إلى أداء أدوارها الرقابية على المؤسسات الأمنية، عمومًا، مع هذا المدخل الحقوقي في انتظار أن تبلور النخب السياسية نضجًا سياسيًا يمكّنها من تجاوز حالة الاستبطان التي تحوّلت إلى رقابة ذاتية تعرقل وظيفتها في المجتمع. وفي هذا السياق، يمكن أن نتناول تجربتين تعكسان وظيفة النخب السياسية في مجال الرقابة على المؤسسة العسكرية. ويتعلق الأمر بقانون الضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية، أو ما أُطلق عليه "قانون الحصانة العسكرية"، إضافةً إلى قانون ثانٍ يتعلق بالقضاء العسكري. وقد شكّل هذان القانونان أوّل تمرين مؤسساتي للنخبة السياسية في حقل التشريع العسكري؛ وذلك بعد أن ظلت كل التشريعات الخاصة بهذا القطاع الأمني تتمّ خارج الوظائف الأساسية للنخب الحزبية.

1. قانون الحصانة العسكرية: أول تمرين مؤسساتي للنخبة السياسية

شكّل القانون رقم 01.12، وهو قانون متعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية10، أو ما عُرف ب "قانون الحصانة العسكرية"، أول تمرين مؤسساتي للبرلمان في سياق دستور 011.2 وقد أثار هذا القانون جدلً واسعًا بين الفرقاء السياسيين؛ بسبب ما تضمنته بعض مواده من ضمانات لفائدة العسكريين، وخصوصًا المادة السابعة منه. وهو جدل تطلّب استدعاء

  1. كمال عبد اللطيف، 9 مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات في صعوبات التحديث السياسي العربي (الرباط: منشورات كلية الآداب، 012)2، ص.99
  2. صادر بموجب ظهير شريف رقم.12.331، في 4 أيلول/ سبتمبر 0122، بتنفيذ القانون رقم 01.12 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية، الجريدة الرسمية، العدد  6085،.2012/9/24

أدوات مؤسساتية أخرى على سبيل الاستشارة؛ كطلب رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن مواد مثيرة للجدل. جرى تقديم القانون من الوزارة المكلّفة بإدارة الدفاع الوطني أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج، على التوالي، بمجلسَ البرلمان، وذلك في دورة نيسان/ أبريل من السنة التشريعية الأولى برسم الولاية التشريعية التاسعة 2011 - 016.2 وفي التقديم، عَدَّت السلطة التنفيذية، ممثلةً في الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلّفة بإدارة الدفاع الوطني، أنّ المشروع "يهدف إلى خلق مرجع قانوني يحدّد حقوق وواجبات أفراد الجيش الملكي، على مختلف فئاتهم، مع ملاءمته مع الطبيعة الخاصة للعمل العسكري الذي يقتضي التحلي بالحياد والانضباط والتضحية"11. وقد استند تقديم المشروع إلى مقتضيات المادة 71 من الدستور المغربي، وهي مادة تنظّم سلطة البرلمان في التشريع في عدّة ميادين؛ من بينها الضمانات الأساسية الممنوحة للموظفين المدنيين والعسكريين، على نحوٍ لا يشكّل تحوّلً في مجال الرقابة البرلمانية على القوانين المنظّمة للتشريعات العسكرية. وقد أجمل المشروع الضمانات الأساسية التي نصّ عليها، لتسريَ على أفراد القوات المسلحة الملكية كافةً (البرية، والبحرية، والجوية، والدرك الملكي، والحرس الملكي)؛ ذلك أنّه حدّدها في ضمانات قانونية، تنظّم استفادة العسكريين من الحقوق والحريات التي جاء بها الدستور وضمان الحماية القانونية في مجال التأديب والمتابعة القضائية، وضمانات أخرى تهمّ المسار الإداري؛ منها الترقية والتعيين في المناصب العسكرية، ثمّ الضمانات المتعلقة بالحقوق المادية، على نحوٍ يحقق الحماية الاجتماعية. في المناقشة، شكّلت بعض النصوص المنظّمة لحماية العسكريين، مثارًا للكثير من النقاشات السياسية داخل اللجان، بخاصة أنّ القانون أقرّ عدم مساءلتهم جنائيًا أثناء قيامهم بمهماتهم بطريقة سليمة، سواء كان ذلك داخل التراب الوطني أو خارجه، كما أنّه منحهم حماية الدولة ضدّ ما يتعرضون له من تهديدات أو اعتداءات قد تصل إليهم، في أثناء ممارستهم لمهمّ تهم. ومدّد المشرِّع هذه الحماية إلى ذوي حقوقهم. وتنص المادة السابعة من هذا التشريع العسكري على أنه "لا يُسأل جنائيًا العسكريون بالقوات المسلحة الملكية، الذين يقومون، تنفيذًا للأوامر التي تلقوها من رؤسائهم التسلسليين في إطار عملية عسكرية تجري داخل التراب الوطني، بمهمتهم." وضمنت المادة حصانةً قانونيةً لذوي العسكريين، بالتنصيص على أنهم يتمتعون ب "حماية الدولة ممّ قد يتعرضون إليه من تهديدات ومتابعات وتهجمات أو ضرب أو سبّ أو قذف أو إهانة، بمناسبة مزاولة مهماتهم أو أثناء القيام بها أو بعدها"12، وهي إجراءات عدّتها بعض النخب السياسية داخل البرلمان ضمانات قد تستخدم لتقنين الإفلات من العقاب يستفيد منه العسكريون.

أ. طبيعة السلوك السياسي من خلال آلية المناقشة

في المناقشة وقع استعمال مكثف للنص الدستوري، واستعاد مجموعة من النواب البرلمانيين، أعضاء لجنة الخارجية والدفاع الوطني، مفاهيم دستورية؛ من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، وملاءمة التشريع العسكري للمعاهدات والاتفاقيات التي يُعَدّ المغرب طرفًا فيها، واحترام مقتضيات الدستور وقواعد القانون الدولي الإنساني، والقوانين الجاري بها العمل، بخاصة الظهير الشريف المتعلق بنظام الانضباط في حظيرة القوات المسلحة الملكية. وطالب بعضهم بعدم تحويل الحصانة العسكرية إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية الجنائية، وبتطبيق قواعد العدالة أثناء المساءلة، إضافةً إلى ملاحظات همّت تقوية الضمانات الدستورية في مجال الحقوق والحريات. ووفقًا لتقارير المناقشة العامة لمشروع القانون13، فإنّ السلوك البرلماني، توزع بين التشكيك في سياق النص برمته ودعوات مراجعة بنوده، ومواقف أخرى اقترحت تعديلات شكليةً تهمّ تجميع بعض المواد التي وردت متفرقةً ضمن مشروع القانون. وبحسب تقرير اللجنة البرلمانية، فإنً نائبًا تساءل حول سبب نزول قانون الحصانة العسكرية، إذ تمنى ألّ تكون المادة السابعة منه مبررًا للنص برمته، عادًّا أنّ صياغة نص تشريعي لحماية العسكريين وذويهم لا تعني مباشرةً سَنّ قوانين تشكّل، في المستقبل، مطيةً لقيام مجموعة من الأشخاص بأعمال لا يمكن متابعتهم جنائيًا بسببها. واشترطت مجموعة من المواقف، خلال المناقشات العامة للقانون، ربط الحصانة العسكرية التي يجيزها النص القانوني للقوات المسلحة بشروط تستوجب المساءلة، وتدقيق مفهوم الحماية القانونية للعسكريين، حتى لا تتحوّل إلى وسيلة لتكريس مبدأ الإفلات من العقاب والمساءلة الجنائية، بالنسبة إلى المهمات التي يمارسونها في سلك الجيش، سواء كانت في ظروف عادية أو استثنائية. وفي المقابل، استعاد بعض النواب ملاحظات تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة،

  1. لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج، تقرير حول مشروع قانون 01.12 يتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات
  2. المرجع نفسه، الفقرة الثالثة من المادة السابعة، ص.24 13 المرجع نفسه، ص.11
  3. المسلحة الملكية (المغرب:.2012)2، ص

حول ما وقفت عليه من فراغ قانوني في اختصاصات الأجهزة العسكرية، وغياب المحاضر والمستندات وضعف الرقابة البرلمانية على هذه الأجهزة، ما جعلها توصي بضرورة تفعيل مبدأ الحكامة الأمنية وترشيده. وقد انحصرت المناقشات في ضرورة تعديل المادتين السابعة والثامنة اللتين تنظمّ ن على التوالي مبدأ الحصانة العسكرية وقواعد محاكمة العسكريين؛ وذلك بتضمين قاعدة المساءلة، بالنظر إلى أنّ الدستور ينص على ربط الممارسة بالمحاسبة واح اررم المشروعية. وخلال المناقشات، أُثيرت مسألة استشارة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كمنهجية اشتغالٍ مُخوّلة من الدستور للبرلمان، و"قد تمسكت فرق المعارضة بطلب استشارة المجلس الوطني، وإيقاف مناقشة المشروع داخل اللجنة إلى حين بتّ مكتب مجلس النواب في الطلب"14. في المقابل، كان لرأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بخصوص بعض مواد قانون الضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين، أثرٌ كبير في وجهة السلوك التصويتي للبرلمانيين خلال مناقشات القانون. فقد استبق المجلس الحقوقي حسم النقاط الخلافية؛ بأن اعترض على الفصول التي كانت موضوع خلاف بين الحكومة وأعضاء اللجنة البرلمانية، وعَدّ المجلس أنّ الحصانة لا يمكن أن تأتيَ مطلقةً كما وردت في المادة السابعة، موضوع الخلاف، واقترح تقييدها؛ ضمانًا للسير العادي لقواعد العدالة. وعلى الرغم من أنّ رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، استشاري وليس إلزاميًا - بقواعد الدستور نفسه - فقد كان له تأثير في وجهة التصويت إذ عدَّ رأي المجلس بمنزلة إيجاز للقانون برمته، ما يجعل التصويت خاضعًا لمؤثرات خارجية، وليس لقرار سيادي داخل الفريق.

ب. نقد السلوك الرقابي لدى النخبة السياسية

يتميز السلوك السياسي داخل البرلماني المغربي، بسيادة ثقافة لا تسمح بتطوير التحالفات الحزبية إلى مواقف سياسية مشتركة، وهو السلوك السياسي نفسه الذي يلغي مسألة المرجعيات الحزبية والهوية الأيديولوجية، كمحدد لبناء تحالفات حكومية منسجمة فكريًا. في التصويت على قانون الحصانة العسكرية، خيّم منطق التوافق على النقاشات التي أثارتها النخبة السياسية في البرلمان، وذلك بعد أن تمّ الحسم في بعض النقاط الخلافية، في إطار لجنة فرعية تولّت البحث في صيغة توافقية للنص النهائي؛ وبذلك فإنّ نهج هذا السلوك المسطري أفرغ التصويت على القانون من مضمونه. فالتصويت بوصفه "الوسيلة الشرعية للاستقرار على التشريع النهائي، ومن ثم رفض ما عداه من بدائل تشريعية"15، خضع لمنطق التوافقات تحت تأثير طبيعة التشريع العسكري، كما أنّ شُحّ المعطيات، في ما يتعلق بهذه النوعية من التشريعات، ساهم في اجتذاب المشرع البرلماني نحو الظاهر من النص وكل ما يبدو في تقدير البرلماني غير متلائم مع الدستور. لقد شكّل "الإجماع" آليةً لتتويج التوافق السياسي حول مشروع القانون. ومن خلال العودة إلى محاضر اللجنة البرلمانية التي اشتغلت بالنص، نجد أنّه قد تمّ التصويت لفائدة المواد الستّ عشرة برمتها بإجماع الأعضاء. وفي وقت تكشف فيه أوراق الحضور غياب الأعضاء عن أشغال اللجان (خلال جلسات المناقشة)، على الرغم ممّ أثاره القانون من نقاش وجدل عمومي، فإنّنا نسجّل تراجع حضور أشغال اللجان بالتدريج مع توالي الجلسات. فمن أصل 46 نائبًا برلمانيًا مسجّلين في اللجنة، شارك في اجتماع تقديم مشروع القانون 43 عضوًا وقّعوا محاضر الحضور. في حين سيتراجع هذا الرقم إلى 91 عضوًا فقط في آخر اجتماع، قبل التصويت، ما يفيد أن "التغيب" عن مناقشات مثل هذه القوانين يمكن أن يفسر جزافًا بأنّه موقف سياسي رافض لخوض غمار مناقشات قوانين ظلت من اختصاص الملك.

2. قانون العدل العسكري: "فرصة ضائعة"

تزامن النقاش حول قانون العدل العسكري، بمجلسَ البرلمان، مع الجدل الذي أُثير بشأن محاكمات المدنيين أمام القضاء العسكري؛ بسبب ارتكابهم جرائم في حق المنتسبين إلى سلك الجيش. وشكّلت الوثيقة الدستورية مدخلً نحو مراجعة شاملة لهذا القانون الذي يعود تاريخه إلى سنة 1956 16، ليُضاف إلى مؤسسات التنظيم القضائي بالمغرب، غير أنّه اتخذ منذ التأسيس صبغة قضاء استثنائي. ويُعنى قانون القضاء العسكري، عمومًا، بتحديد المحاكم العسكرية وتنظيمها، وبالصلاحيات المُخوّلة لها، كما أنّه "القانون الذي يحدد العقوبات والجرائم العسكرية. قانون يجمع بين أمرين: قانون تنظيم القضاء العسكري، وأصول المحاكمات الجزائية، من جهة، وقانون العقوبات والجرائم العسكرية من جهة ثانية"17. فتشريع القضاء

  1. المرجع نفسه، ص.5
  2. عثمان الزياني، 15 السلوك والأداء البرلماني بالمغرب: الولاية التشريعية السادسة 2002 - 1997 نموذجًا (الرباط: منشورات مجلة الحقوق المغربية، 011)2، ص.30
  3. الظهير الشريف رقم 56.2701. الصادر في 6 ‏ربيع الثاني 1376 0(1 نوفمبر ")1956 الجريدة الرسمية، العدد 2316،.1957/3/3/15
  4. سامي الخوري، قانون القضاء العسكري: بحث وتحليل (بيروت: مكتبة صادر 000)2، ص.11

العسكري، بهذا المعنى، هو قانون خاص يقتضي تطبيقه عندما يكون مرتكب الجرم المنصوص عليه ذا صفة عسكرية. وفي سياق التطور الدستوري والنزوع إلى تبنّي المرجعية الحقوقية، ظلت المحكمة العسكرية مثار جدل حقوقي وسياسي، بصفتها تصنف "بين المحاكم الاستثنائية والتي لم يبقَ منها سوى المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية بالرباط، بعد إلغاء محكمة العدل الخاصة"18، مع ما صاحب هذا النوع من التقاضي من ملاحظات بشأن هيمنة الثقافة العسكرية على المساطر القضائية، وتولي عسكريين البتّ في الملفات، وخضوع المحاكمات لمنطق التراتبية. وأثناء تقديم النص في صيغة مشروع قانون رقم 08.131، في دورة نيسان/ أبريل 0142، خلال السنة التشريعية الثالثة 2013 - 0142 من الولاية التشريعية التاسعة بالبرلمان المغربي، عَدّ المشرّع الحكومي أنّ الهدف منه متمثّل في إعادة النظر في الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية، وذلك بجعل العدل العسكري محكمةً مختصةً، وليست محكمةًاستثنائية، وتوضيح الطبيعة القانونية للمحكمة العسكرية وإعادة تنظيمها. إلا أنّ هذه التفسيرات التي أعطتها السلطة الحكومية المختصة لم يكن لها الأثر نفسه الذي تستبطنه النخبة السياسية، وهو أثرٌ يجعل من الثِّقل الملكي حاضرًا بقوّة في تحديد السلوك البرلماني مناقشةً وتصويتًا.

أ. أثر الثّقل الملكي في تجربة القطاع العسكري في السلوك البرلماني

من خلال اطلاعنا على تقارير المناقشة التفصيلية لقانون القضاء العسكري، تبيّ لنا طبيعة التفكير البرلماني حين يتعلق الأمر بنصوص لها حساسية خاصة. وباستثناء محاولات استعادة السياق الزمني والحالة الانتقالية لدستور 0112، فإنّ مجمل ملاحظات أعضاء اللجنة البرلمانية المكلّفة بالبتّ في المشروع قد تعلّق ببعض الثغرات الحقوقية، من دون الخوض في تفاصيل أو سياقات متعلّقة بإعادة النظر في نظام القضاء العسكري. وقد يعكس هذا التعاطي المحدود مع النص، من قِبل البرلمانيين، حالةً من الارتياح والاكتفاء بسقف الإصلاحات التي وردت في القانون الجديد. وركزت ملاحظات البرلمانيين19، بشأن الصيغة الجديدة لقانون العدل العسكري، على التأخر الذي عرفه إصدار النص، في حين انتقدت نخبة برلمانية أخرى مسألة إدخال شبه العسكريين في حُكم العسكريين، وما لذلك من أثرٍ في توسيع نطاق القضاء العسكري، وكذا التساؤل حول جدوى الإبقاء على عقوبة الإعدام في النص، إضافةً إلى مطالب متعلّقة بإلغاء المحكمة العسكرية في وقت السلم، والاقتصار عليها في وقت الحرب. تسمح محاولة تحليل السلوك البرلماني، من خلال قراءة الملاحظات التي تضمنها تقرير المناقشة العامة لمشروع قانون القضاء العسكري بمجلس النواب المغربي، بالوقوف على مجموعة من الخصائص؛ منها غياب المعطيات الكافية حول طريقة عمل القضاء العسكري، وتأثير مساره في العدالة الانتقالية بالمغرب، فضلً عن تطويق البرلمانيين لنقاشاتهم بالسياق الزمني المتعلّق بتجربة العدالة الانتقالية لهيئة الإنصاف والمصالحة. ويبدو أنّ الثقل الملكي طبع التعديلات التي تقدمت بها الفرق النيابية، حول مشروع القانون داخل اللجنة المختصة. فالإشراف الملكي على قطاع القوات المسلحة الملكية خاصية يستبطنها البرلمانيون في كل النقاشات التي تقع على خط التماس مع مجال المؤسسة الملكية، وهو ما يفسره البحث في علاقة إصلاح قطاع العدل العسكري بالتحولات القانونية والدستورية والحقوقية التي جاء بها دستور 0112، بمعنى أنّ خطاب الإصلاح المؤسساتي التشريعي لا يخرج عن فكرة الإجماع، ما يجعل كل القوانين التي تحمل ثقلً ملكيًّا، في مضمونها أو إطارها العامّ، يجري التصويت عليها بالإجماع؛ كما وقع بشأن قانون القضاء العسكري نفسِه. إنّ المؤسسة الملكية، بصفتها حاضنةً لقطاع القوات المسلحة الملكية، فإنّ تأثيرها يضبط السلوك البرلماني، حين يتعلق الأمر بقوانين تهمّ مجالات السيادة الملكية. ومن ثمّ، فإنّ التعاطي البرلماني مع التشريعات العسكرية، يكون متماهيًا مع الدور الملكي في الحياة السياسية، بل إنّ التصويت ضدّ هذه النوعية من التشريعات يكون محفوفًا بمخاطر التوظيفات المجازِفة والقراءات السلبية لعلاقة البرلمان بالمؤسسة الملكية. وهكذا، يبقى السلوك البرلماني في مجال التشريع العسكري (نموذج قانون القضاء العسكري) رهين إبداء الملاحظات والحديث في السياق التاريخي للنص، مع الأخذ في الحسبان أنّ تشريعات من هذا النوع، كانت اختصاصًا ملَكيًا بامتياز؛ من جهة أنّه يغلب عليها التشريع الظهيري.

ب. "الإجماع" محددًا للسلوك التشريعي وفق ا للنص

باسترجاع التحليل السابق، يكون السلوك التصويتي على قاعدة "الإجماع" - لمصلحة قانون القضاء العسكري - تصويتًا سياسيًا أكثر منه تعبيرًا عن موقف يتخذ تمثلً ماديًا بالتصويت ضده. وبناءً على

  1. قانون العدل العسكري (الرباط: منشورات المعارف، 013)2، ص.7
  2. لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، 19 تقرير حول مشروع قانون رقم 108.13 يتعلق بالقضاء العسكري (المغرب: 014)2، ص.10

ذلك، يكون التصويت ضدّ تشريع عسكري، تصويتًا ضدّ مشروع الملك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، بالنظر إلى أنّ المجال العسكري، قيادةً وتنظيمً وتشريعًا، مجال ملكَي بامتياز. وعلى الرغم من أنّ الدستور وسّع سلطات البرلمان في مجال القانون، ولم يضبط السلوك البرلماني بقواعد تؤثّر في قراره، أو تتحكم في وجهة التصويت حين يتعلق الأمر بقوانين معيّنة، فإنّ الفاعل السياسي ينتج ما يشبه أدوات "الضبط الذاتي"، تحت تأثير سوسيولوجيا سياسية مُثقلة بالتاريخ، وبالثقافة الحزبية المبنية على التوافق. وهذا التوصيف لا يقلّل من أهمية التعديلات التي تقدمت بها الفرق النيابية، وفقًا لمِا هو مُبيّ في جدول التعديلات المضمّن في تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. فقد تقدمت فرق المعارضة وفرق الأغلبية بمجلس النواب، بتعديلات بلغت في مجموعها 922 تعديلً؛ من بينها 93 تعديلً لفرق المعارضة، و 58 تعديلً وقّعتها الأغلبية.

إنّ الطبيعة الأمنية لبعض القوانين التشريعية تضبط السلوك البرلماني خلال جلسات مناقشتها، وتجعل فكرة الإجماع هي المهيمنة على النقاشات كلّها، بغضّ النظر عن قبول السلطة الحكومية لتعديلات الفرق أو عدم قبولها. وأحيانًا، قد يصل الانضباط السلوكي إلى حد سحْب تعديلات برمتها قبل بدء المناقشة بدعوى عدم تقديمها خارج الموقف الحزبي20. وبطبيعة الحال، لا يمكن تحديد مصدر هذا الانضباط ولا مبرراته، لكنه يعبّ عن سلوك سياسي يشكّل جزءًا من السلوك العامّ للنخبة تجاه المؤسسة العسكرية. وفي محاولةٍ لتحليل سلوك الإجماع، وعلاقته بطبيعة النص القانوني المعروض للنقاش، يحضر محدد المصلحة الوطنية بوصفه مفسرًا لظاهرة الإجماع، إذ تشكّل القرارات التي تتخذ بشأن بعض القوانين ذات الطبيعة الأمنية رسائل سياسيةً بشأن وجود حالة من التوافق الوطني؛ وذلك حين يتعلق الأمر بقضايا يُفترض أن تكون محلّ إجماع مكونات المجتمع، وهو النهج الذي سلكه البرلمانيون في مناقشة مشروعَي قانون الحصانة العسكرية والقضاء العسكري، وتطويقهما بخطاب يُضفي عليهما صفة المصلحة الوطنية، ويجعل منهما قوانين انتقاليةً مُؤسِّسةً لبناء دولة القانون على قاعدة دستور جديد.

خاتمة

نشأت العلاقة بين النخبة السياسية والمؤسسة العسكرية على القطيعة منذ البداية. فقد ظلت المؤسسة مرابطةً في ثكناتها العسكرية، لا تشارك في الحياة السياسية إلا بتوجيه من المؤسسة الملكية، بوصفها الفاعل الأساسي في النظام السياسي المغربي. واقتربت مؤسسة الجيش في المغرب من الملكية بقدر ما أخذت مسافةً بعيدةً عن باقي الفاعلين السياسيين من أحزاب ومنظمات مدنية، وإن شكّلت، في زمن الصراع السياسي، أداةً لاستعادة النظام العامّ وتقويض كل محاولةِ زعزعةٍ للاستقرار أو المسّ بالأمن الداخلي، وهي التّهم التي طاردت الأفراد والهيئات التي نازعت النظام الملكي في شرعيته. يتضح من خلال تتبّع أثر التحولات السياسية في ثنائية النخبة والمؤسسة العسكرية، على نحوٍ جليّ، أثر الثقل الملكي في الحدّ من مفاعيل السياسة بالنسبة إلى الجيش. فقد أبانت النصوص المنظّمة لقطاع المؤسسة العسكرية أنّ كثيرًا منها وقع إخراجه وفق مسطرة التشريع الملكي، خارج مساطر المؤسسة التشريعية التي تتولى البتّ في القوانين. فطوال نصف قرن ونيف 016-1956()2، صدرت أكثر التشريعات خارج سلطة البرلمان، وغلب التشريع الملكي على معظم التشريعات الخاصة بالجيش. ونتج من هذا الوضع تغييب مؤسسات الرقابة على القطاع، مقابل إحداث نوع من التضخم التشريعي ولجوء الدولة أحيانًا إلى استخدام تشريعات عرفية، أو موروثة، في تنظيم القطاع. في المقابل، يجد السلوك السياسي لنخبة البرلمانية، بوصفه مهادنًا للنصوص ذات الصبغة العسكرية كلّها ومتماهيًا معها - من خلال تجربة قانونَ العدل العسكري والحصانة العسكرية - تفسيرَه في ثلاثة سياقات متكاملة؛ أوّلها السياق السياسي، وضابطه علاقة المؤسسة التشريعية بالمؤسسة الملكية حاضنة القوات المسلحة الملكية. أمّا السياق الثاني، فهو النص الدستوري الذي وسّع مجال

  1. أثناء الاجتماع السادس للجنة البرلمانية المكلفة بمناقشة القانون، في 014/7/222، تم سحب التعديلات التي تقدّم بها السيد النائب عبد اللطيف وهبي، عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، خلال الولاية التشريعية 2011 - 0162، وذلك بمبادرة منه. وهي تهم 51 تعديلً تقدمّ بها حول مشروع قانون القضاء العسكري.

الحقوق والحريات، وسلطات البرلمان في التشريع، مع استمرار النخبة نفسها التي تستبطن فكرة الرقابة الذاتية. وأمّا السياق الثالث، فهو يهمّ المعطى السوسيولوجي، كمحدد في عملية تفسير السلوك، إذ يخضع لمؤثرات الثقافة الحزبية وطبيعة النص. إنّ غلبة التشريع الملكي في بنية القطاع العسكري بالمغرب، تأسيسًا وتنظيمً وتوجيهًا، مردّه إلى سياقات تاريخية اتسمت بالصراع حول السلطة، وهو ما جعل المؤسسة الملكية تُبقي القطاع خارج دائرة الصراع، وإنْ تمّ توظيفه في مرحلة أخرى لحسم الصراع نفسه. وإنّ الاستعمال المكثف للتشريع الظهيري (الملكَي) يجد تفسيره في أنّ الجيش شكّل أحد المجالات المحفوظة للملك، وقد استمرت هذه الوضعية التبعية حتى بعد إقرار دستور 0112، ما يفيد أنّ الانتقال الديمقراطي الذي يعيشه المغرب لم يساهم في خلخلة العلاقة القائمة بين الملكية والمؤسسة العسكرية، بإيعاز من النخبة السياسية نفسها التي تنهج التوافق سلوكًا سياسيًا كلمّا تعلّق الأمر بنصوص، أو تشريعات، أو قرارات، تتّسق مع المؤسسة العسكرية.

المراجع

جادور، محمد. مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب. الدار البيضاء: منشورات مؤسسة الملك عبد العزيز،.2011 الخوري، سامي. قانون القضاء العسكري: بحث وتحليل. بيروت: مكتبة صادر.2000 الزياني، عثمان. السلوك والأداء البرلماني بالمغرب: الولاية التشريعية السادسة 1997 - 2002 نموذجًا. الرباط: منشورات مجلة الحقوق المغربية،.2011 شقير، محمد. المؤسسة العسكرية بالمغرب: من القبيلة إلى العصرنة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2007.. تطور الدولة في المغرب: إشكالية التكون والتمركز والهيمنة، من القرن الثالث ق.م إلى القرن العشرين. الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق،.2002 عبد اللطيف، كمال. مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات في صعوبات التحديث السياسي العربي. الرباط: منشورات كلية الآداب،.2012 قانون العدل العسكري. الرباط: منشورات المعارف،.2013 لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج. تقرير حول مشروع قانون 01.12 يتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية. المغرب 2.012: لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. تقرير حول مشروع قانون رقم 108.13 يتعلق بالقضاء العسكري. المغرب 2.014: لعروسي، عبد العزيز. "التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان: ملاءمات قانونية ودستورية." المجلة المغربية للتنمية والإدارة المحلية. العدد 2).014(87 واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. ط.3 الرباط: مؤسسة الغني للنشر،.2013